بصفته اللاهوتية فيقول عنه "العالم الجزويتى"، وأن تحليله لأطوار السيرة قد بلغ به المدى".
هذه الاستعانة بالحشد الكبير. . وهذا التكرار الذى جعل الكاتب يعود إلى أيام العرب واحتذاء السيرة لأسلوبها. . واتسام تصويرها بطابع سير القديسين,, وأساطير القصص الدينى فى التوراة والإنجيل والقصص. . . ثم هذا الاستطراد البعيد الآفاق من التعرض لطبيعة رواية الحديث، ومقال كولدسهير الرائع عنها. وهجوم كيتانى المعروف فى هذا الميدان، وإن الإسناد الإسلامى لا يحمل ما يثبت حجيته فى مراحل سنده الأولى. . وأن البناء الكامل للرواية الإسلامية عن حياة النبى [ ﷺ ] فى مرحلتها السابقة على الهجرة -على الأقل- لا سند له بحال، وأن كل حادث، وكل تفصيل تاريخى، ليس إلا نتيجة لتفسير ذاتى لآية من القرآن كل هذا وما إليه من توسيع الميادين. . . وجرأة الدعاوى العامة، نلقاه من الكاتب فى صبر وأناة، مركزين الحديث فى أصول منهجية عليا، تكشف عن مواضع النقد فى منهجه وتناوله جملة، مع الاكتفاء بأمهات الملاحظات عليه. فمنها:
١ - ربط رواية السنة بعامة، وقواعدها فى ذلك ومناهجها برواية السيرة بخاصة، وما فيها من مواضع ضعف الرواية ليثب من ذلك إلى مهاجمة طبيعة رواية الحديث، وسوق ما لدى المستشرق الايطالى كيتانى من قوى الهجوم على الرواية الإسلامية. والكاتب يقول عن ذلك ما جاء فى ص ٤٤٨, ويذكر أيضًا أن الأسطورة حول شخصية النبى [ ﷺ ] وما اجتمع حولها من قصص نسجت على منوال القصص اليهودية، أو المسيحية، وربما الإيرانية أيضًا قد "اتخذت لها القواعد والمناهج على يد مدارس المحدثين فى المدينة. الخ. . كما يقول أن عروة بن الزبير ألقى أيضًا على تلاميذه معلومات. . "جريًا على سنة النقل الشفوى الذى يدعمه الإسناد، تلك السنة التى أصبحت من ثم قوام الطريقة المتبعة فى السيرة وفى الحديث" كما يقول قبل ذلك ما هو تمهيد لهذه التسوية الجريئة بين رواية السيرة للمغازى ورواية السنة العامة
стр. 5952
(ص ٤٤٨) "إن السيرة. . إنما هى مجموعة من الأحاديث" "المروية إلا تختلف فى طريقة تكوينها إختلافا جوهريا عن الأحاديث المسلم بصحتها" وقد قال قبل ذلك (ص ٤٤٨) إن السيرة تنأى نايا بعيدًا عن تمثيل الرواية الصحيحة".
وفى هذه الخطة الواضحة من الكاتب إخلال كبير بالمنهج السليم للبحث يتجلى فى غير جانب من جوانب المنهج:
(أ) إخفاء الحقيقة عن عمد؛ أو على أقل تقدير، الإخلال بواجب الاطلاع على أمور مشهورة سائرة فى هذا المقام، وهو الرجل الذى اطلع على ذلك الحشد الكبير من كتابات قومه قديمًا وحديثًا. . ونستطيع -فى غير تهيب- أن نرجح الأمر الأول وهو إخفاء الحقيقة عن عمد. . ذلك أن هذه التى آثر أن يسميها المغازى، ويقيم على تسميتها تلك ما أقامه أول المادة من جعل الرسول من الأكاسرة، البهلوية، وأمراء العرب فى الجاهلية. . وهذه المغازى التى يحدث عن ازدهارها. . هذه المغازى يقول نقاد الحديث، على لسان الإمام أحمد: "ثلاث كتب ليس لها أصول: المغازى والملاحم والتفسير" ويقول المحققون من أصحابه: "مراده أن الغالب أنها ليس لها أسانيد صحاح متصلة" (الزركشى: البرهان فى علوم القرآن جـ ٢: ص ١٥٦، ط سنة ١٩٥٧ - ونقله السيوطى فى الإتقان فى علوم القرآن جـ ٢ ص ٢١٠, ٢١١, ط سنة ١٢٧٨ هـ) وإذا كان الأمر كذلك. وكانت هذه القولة مما لا يخفى مثله الكاتب المطلع. . فلم تركها؟ ! وبنى كل هذا الصرح أو بث كل هذا اللغم ليسوى بين رواية السنة ورواية السيرة، ويهاجم الروايتين، على السواء، فى طبيعتهما، وبنائهما. . إلى آخر ما قال مما لفت إلى أطراف منه. . وسائره مبثوث فى المادة!
وينبغى أن نقدر هنا ما يربط به الكاتب بين السيرة والتفسير أيضًا فى مثل قوله إن كل حادث ترويه السيرة، وكل تفصيل تاريخى مزعوم، ليس إلا نتيجة لتفسير ذاتى لآية من القرآن. الخ. فإذا ما سمعنا القولة السائرة فى عدم أصالة المغازى والتفسير فقد عمد
стр. 5953
الكاتب إلى دعم منهار بمنهار، وأخفى -فيما نرجح- على القارئ انهيار الأصلين عند أصحاب المنهج النقلى فى الإسلام!
(ب) ويتمم هذا الإخفاء للحقيقة عدم رواية الاتهام الإسلامى القديم للسيرة بقوته ووضوحه، فهو مثلا يقول: إن ابن إسحاق أخذ عليه أنه جمع عددًا من الأبيات المنحولة؛ وهى عبارة قصيرة حفيفة لا تمثل فى شئ ما يقوله الأقدمون فى عمل ابن اسحق هذا إذ تسمع فيه عبارة ابن سلام يقول: وكان ممن أفسد الشعر وهجنه، وحمل كل غثاء منه محمد بن إسحق بن يسار، مولى آل مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف، وكان من علماء الناس بالسير (طبقات الشعراء، ص ٩ ط المعارف) وشتان بين العبارتين، عبارة القدامى وعبارة كاتب مادة سيرة -وما أضيع دلالة هذه العبارة الأخيرة عند كاتبنا- فإن أصحاب الأدب والشعر، الذين تظل رواياتهم -مهما يكن التحرى- أقل حرمة من رواية الحديث. . أصحاب هذا الأدب إذا ما قالوا فى قوة إن ابن اسحق أفسد الشعر، وهجنه، وحمل كل غثاء منه، يهزون بهذا القول كل قوة لروايته التى يزعم لها الكاتب أنها جرت على قواعد مدارس المحدثين ومناهجها. . الخ. ما سمعناه من قوله فى الفقرة رقم ١ من هذا.
وإخفاء المشهور، وتوهين المنقول، يهدم أساس كل منهج للبحث، ويذكر بواجب الأمانة العلمية. .
وتنظر فى أخرى من الملاحظات المنهجية فى عمل كاتب مادة "سيرة" بعد ربطه المفتعل بين السيرة والسنة، وإضاعته بذلك للحقيقة، ننظر فنرى:
٢ - تناقض الكاتب فى المادة التى قدمها هو، فبينما تراه يربط هذا الربط الوثيق بين المغازى والسنة ليهاجم ضعف رواية السيرة أصلا، فيهاجم رواية السنة كلها تبعًا. . بينما ينجم ذلك من عمله إذا بك تراه يحدث هو نفسه عن النقد الحديثى وقوته وضجره الشديد برواية السيرة، فتقرأ مثل قوله إن استخدام الإسناد فى كتابه -يعنى ابن إسحاق- قد اضطرب اضطرابًا صدم فقهاء علم الحديث المستمسكين
стр. 5954
بأصول السنة صدمة عنيفة، فأنكروا عليه بالإجماع صفة المحدث المثبت. . فلم يجد ابن إسحق بدًا من هجر التدريس فى المدينة. . ويذكر الكاتب خبر الإمام مالك مع ابن إسحق، ومهاجمته له، ويقول فى هذا الموضع: وهذا الحكم عظيم الأهمية فهو يفرق تفرقة واضحة بين الحديث التاريخى والحديث العقيدى الخالص- وهكذا جرى الحق على لسانه نفسه .. ولم تعد مع قوله هذا حاجة إلى أن نسأله: ففيم إذن هذا العناء فى ربط السيرة، أو المغازى بالسنة، وتعزيز وحدة قواعدهما ومناهجهما، وبناء السيرة على الإسناد الذى هو قوام الطريقة المتبعة فى الحديث، ما دام فقهاء علم الحديث المستمسكون بأصول السنة يحكمون هذا الحكم العظيم الأهمية المفرق بين الحديث التاريخى والحديث العقيدى الخالص تفرقة واضحة. .! ؟ من فمك أدينك. . فى هدوء وهوادة.
ومما هو من المنهج بسبيل:
٣ - أن كاتب المادة يقول عن أصحاب مدرسة المدينة حيث كانت الغيرة الدينية فى المحافظة على ذكر النبى ﷺ تضطرم فى نفوس أهل المدينة -الذين ما بهم التقى عن السبيل الذى كان ينبغى أن تسير فيه حياة النبى [ ﷺ ] مستعينين فى ذلك بشتى التوفيقات الفقهية وبالأصول الدخيلة فلا نجد للحوادث التى رووها سندًا من الرواية التاريخية:
يقول الكاتب هذا؛ مقدرًا العوامل الاعتقادية النفسية وأثرها، فنسمع له ونصغى، لكنا لا نملك إلا أن نذكر حديثه عن العالم الجزويتى "لامنس" فنخشى عليه مثل الذى خشيه هو على علماء المدينة من التقى الذى يميل عن السبيل، والغيرة الدينية المضطرمة فيهم وأثرها فى الاستعانة بالتوفيقات والأصول الدخيلة. . نخشى على "لامنس" ومن "لامنس" مثل هذا الاعتبار النفسى المنهجى، الذى رآه الكاتب قشة فى عين أهل المدينة ولن يراه خشبة فى عين صاحبه الذى لم يغفل هو نفسه عن وصفه بالجزويتى. . إن بصرنا لا يزيغ -فيما أعتقد- لو رأينا هذه الخشبة فى عين الكاتب نفسه، بالمنظار الذى كشف لنا به عن القشة فى عين أهل المدينة. .
стр. 5955
وإن كانت هذه القسة لن تخفى على أعين نقاد الحديث حين عرضوا هذه السيرة للنقد المنهجى. . بل لم تخف على آهل الأدب والشعر المرحين المتبسطين، حين عرضوا نقد عمل صاحب السيرة عند استشهاده به فيها. .
إننا نصغى! ! لهذه التوجيهات النفسية فى الفهم والتقدير، ونقدر سلامة هذه التوجيهات وأهميتها ونحاول أن نأخذ أنفسنا بها. . ثم نأخذ بها أصحابها. . فى مثل هذه التعليقات التى نرجو فيها الصبر والأناة.
أمين الخولى
سيرة عنتر
تعد قصة عنتر بحق مثالا لقصص الفروسية العربية، وتلم هذه السيرة بخمسمائة سنة من تاريخ العرب، وتشمل ذخيرة من الروايات القديمة. وهذه القصة التى ذكرها كتاب الأغانى عن خبر عنتر، وكيف أُلحق، وهو ابن أمَة، ببنى عبس جزاء له على إنقاذه لهم من محنة عظيمة ألمت بهم، تحمل طابع الرواية النامية وإن كانت قد اتسمت بالفعل بسمة الأساطير. على أن سيرة عنتر تسمو كثيرًا على الأسطورة تنمو فى عقل الناس الباطن، فقد رُفع هذا البطل الفرد، بقفزة جامعة من قفزات الخيال، إلى مقام جعله يمثل كل ما هو ئكربى، وأصبح عنتر الجاهلى بطلا من أبطال الإسلام وهكذا غدت القصة مرآة للتقلبات التى مر بها العرب والإسلام فى خمسمائة سنة فهى تصور ثارات القبائل العربية القديمة؛ وإخضاع الجزيرة العربية، وخاصة العراق، للسيطرة الفارسية؛ والانتصارات التى أحرزها الإسلام فى إبان ازدهاره على بلاد فارس؛ ومركز اليهود التاريخى المشهود حتى القرن السابع الميلادى؛ والبلاد التى اقتطعها الإسلام بالفتح من المسيحية، وخاصة فى الشام؛ والحروب المتصلة التى شنها الفرس ثم الشرق الإسلامى على الروم؛ وتقدم الإسلام الظافر فى شمالى إفريقية وفى أوربا. ولا ينكر منكر أيضًا أثر الحروب الصليبية فى هذه السيرة، التى تكثر فيها الشواهد على الصلات بين الشرق والغرب. وقد كتبت القصة بالشعر المنثور السهل ورصعت بعشرة آلاف
стр. 5956
بيت من الشعر أو نحوها. وتقسم الطبعات التى طبعت من السيرة فى الشرق منذ سنة ١٢٦٨ هـ القصة إلى ٣٢ مجلدًا صغيرًا، وهى تختلف عن كتاب ألف ليلة وليلة الذى تستقل فيه كل ليلة عن الأخرى، ذلك أن كل مجلد لا ينتهى أبدًا بنهاية قصة من القصص.
مضمون السيرة:
وتسير بنا السيرة من قصة أسطورية إلى قصة أسطورية أخرى مبتدئة من العصور القديمة حتى تصل إلى العهد الذى كان يحكم فيه الملك؛ زهير بنى عبس. فقد سبى البطل العبسي شداد فى غارة فتاة سوداء تدعى زبيبة (ولم نصل إلى حل لعقدة القصة التى تجعل من الفتاة ابنة ملك حُملت من السودان إلا فى المجلد الثامن عشر) أعقب منها ابنه عنترة. وكان عنترة، وهو رضيع، يمزق أمتن الأقمطة، ويسقط الخيمة وهو فى الثانية من عمره، ويقتل الكلب وهو ابن أربع، والذئب وهو ابن تسع، والأسد وهو فتى راع. ولم يلبث أن هب لنجدة قبيلته المهيضة الجناح فاعترف أبوه ببنوته وأُلحق بالقبيلة. وسعى إلى الزواج بابنة عمه عبلة، فوعده عمه بها فى ساعة شدة، فلما فرَّج عنتر كربته، فرض عليه عمه أن يأتى أعمالا بالغة الخطر قبل أن ينال يدها، وأدى عنتر كل ما فرض عليه، ولم يسمح له بزواجها إلا بعد عشرة مجلدات استفاضت بأعاجيب الفعال؛ وأخذ ميدان مغامراته يتسع اتساعًا مطردًا، فقد اقتضاه الأمر فى قبيلته أن يتغلب على معارضة أبيه، ثم على عداوة أقارب عبلة، وأن يستميل غرماءه بما فيهم الشاعر عروة بن الورد، وأن يضع حدًا لثارات بنى زياد، وربيعة، وعمارة. وقد أثبت عنترة، فى المشاحنات المستعرة آنئد بين قبيلتى عبس وفزارة اللتين تربطهما صلة الرحم، أنه حامى حمى بنى عبس. أما فى خارج نطاق قبيلته فقد قاتل وانتصر على أقوى الأبطال بأسًا وجعل منهم أصدقاء له مثل دريد بن الصمة، ومغمر، وهانئ بن مسعود الذى انتصر على الفرس فى ذى قار، وعمرو بن معد يكرب، وعامر ابن الطفيل، وعمرو بن ودّ فارس حرام، وربيعة بن مقدّم الذى تمثلت فيه الفروسية العربية، وكثير غير هؤلاء.
стр. 5957
وعلق "معلقته" فى حرم مكة بعد أن بز أصحاب المعلقات الأخرى، وتغلب على جميع منافسيه فيما وقع بينه وبينهم من مبارزات، وأجازه امرؤ القيس فى الامتحان الذى عقد فى المترادفات العربية: وشخص من مكة إلى خيبر ودمر بلد اليهود. على أن السيرة قد جاوزت به حدود بلاد العرب، ولم تعدم الأسباب لتعليل ذلك. فقد طلب أبو عبلة مهرًا لابنته الإبل العصافير التى لم يكن يربيها إلا المنذر ملك الحيرة، وقاده ذلك إلى العراق، ثم استدعى من العراق إلى فارس لقتال البطل الإغريقى الَبَضرموت. ثم نجده من بعد ملازمًا لملوك العراق: المنذر، والنعمان، والأسود، وعمرو بن هند، وأياس بن قبيصة، ووزرائهم ونخص بالذكر منهم عمرو بنُ بقيلة. وكانت له أيضًا علاقات دائمة بالشاهانية، وبكسرى أنو شروان، وخداوند (ليس فى تاريخ الساسانيين شاه يحمل هذا الاسم) وكواذ (والأرجح كواذ بن شيرويه) فتارة يكون بمثابة العدو المرهوب الجانب، وتارة بمثابة الحليف الذى يُحرص عليه أشد الحرص. وعشق ابن ملك الشام خطيبة صديق لعنتر، فشخص عنتر إلى الشام وقتل غريم صديقه، وهزم الملك الحارث الوهاب، (أريتاس)، ولكنه غدا له صديقا، فلما توفى أريتاس استجاب لرجاء الأميرة حليمة وقبل الوصاية على الملك الجديد القاصر عمرو بن الحارث، وبذلك أصبح الحاكم على الشام. واتصل عنتر هناك بالفرنجة يعاديهم حينًا ويحالفهم على الفرس حينًا، وكانت الشام خاضعة للروم. وقد جوزى عنتر على الخدمات التى أداها للمسيحيين فى الشام فدعى إلى القسطنطينية وأكرمت وفادته وأحيط بمظاهر التشريف. وقد اعترض الليلمان ملك الفرنجة على ذلك، وطلب أن يسلم الأمبراطور عنترة إليه. ولم يكن من عنتر إلا أن قاد هو وهرقل بن الإمبراطور، جيش الروم إلى بلاد الفرنجة، وأخضعهم للإمبراطور، وبلغ أسبانيا، ودحر الملك شنتياجو، وواصل سيره المظفر مخترقًا ولاياته فى شمالى إفريقية، من مراكش إلى مصر. ولما عاد عنتر إلى القسطنطينية من هذه الغزوات التى قام بها لحساب الروم أقيم له تمثال على هيئة فارس اعترافًا بفضله،
стр. 5958
ووضع على جانبيه تمثالا أخويه اللذين صحباه إلى بوزنطة. ووفد عنتر على رومة قبيل وفاته، ذلك أن ملك رومة بلقام بن مرقش كان ينوء بالهجوم الذى سننه عليه بهمند، وقتل عنتر بهمند وحرر رومة، وشن عنتر حملة للثأر من السودانيين وأخذ ينتقل من مملكة إلى أخرى موغلا فى إفريقية حتى بلغ بلاد النجاشى، وتبين له فيها أن النجاشى هو جد أمه زبيبة. وأشد من هذا إغراقًا فى تهاويل الخيال الغزوات التى شنها على هند سند، وعلى الملك النصرانى الليلمان فى أرض بيضا، وأرض العفاريت. وكان مصرع عنتر على يد وزر بن جابر الملقب بالأسد الرهيص، وقد هزمه عنتر وأسره مرارًا، وكان فى كل مرة يطلق سراحه، وأحس وزر بالهوان لما أظهره نحوه من نبل، ولم يكف عن معاودة الهجوم عليه؛ وأفقده عنتر بصره آخر الأمر، ولكن وزرا تعلم، بالرغم من عماه، أن يرمى الطيور والغزلان بقوسه وسهمه متتبعًا صوتها بأذنه. وأصاب عنتر سهم من سهامه المسمومة، ولكن وزرا مات قبل عنتر متوهما أنه أخطأ فى إصابته. وظل عنتر وهو يحتضر، بل وهو ميت حقًا، ممتطيا ظهر جواده الفحل الأبجر يدفع عن قومه غارة العدو. ولم يعقب عنتر ولدًا من عبلة، ولكنه أعقب من زوجاته اللائى تزوجهن سرًا ومن عشيقاته عدة أولاد، منهم ولدان نصرانيان، بل صليبيان حقًا، هما الغضنفر قلب الأسد، ابنه من أخت ملك رومة التى تزوجها عنتر وهو فى رومة وتركها فى القسطنطينية؛ والجوفران (أى Geoffroi, Godfrey) ابنه من أميرة فرنجية. وقد انتقم أولاد عنتر لمقتل أبيهم المنطوى على البطولة وتحسروا عليه، ثم عاد الغضنفر والجوفران إلى أوربة، ودخلت عبس فى الإسلام.
تحليل السيرة: وفيما يلى العناصر الرئيسية التى شاركت فى نمو السيرة:
(١) الجاهلية (٢) الإسلام (٣) التاريخ الفارسى والملحمة الفارسية (٤) الحروب الصليبية.
(١) وتدين السيرة للجاهلية بروح الفروسية البدوية التى تتسم بها؛ ومعظم الشخصيات الواردة فيها التى لها فى كثير من الأحوال سمات
стр. 5959
تاريخية؛ والثارات بين القبيلتين العربيتين الشقيقتين عبس وفزارة؛ وكذلك ما يتصل بالتسابق بين داحس والغبراء، وبأعظم ما جاء فى أخبار العرب، مثل زواج الملك زهير بتماضر؛ وموته؛ وموت مالك بن زهير؛ وخبر الحارث ولبنى؛ وخبر جيدا وخالد؛ ونوادر حاتم الطائى؛ وشخصية ربيعة ابن مقدم الرائعة وما إلى ذلك.
(٢) - وتدين السيرة للإسلام بالمقدمة التى تضمنت تفسيرًا مستفيضًا لقصة إبراهيم؛ والروايات المتواترة فى مطلع الإسلام وعلى، والخاتمة التى تعد فترة انتقال بين الجاهلية والإسلام؛ ونزعة الكتاب التى تجعل عنتر يمهد حقًا للإسلام؛ وقد صيغت حملات عنتر المظفرة فى أرجاء جزيرة العرب، وفارس، والشام، وشمالى إفريقية، وأسبانيا على غرار فتوح الإسلام؛ وفى السيرة بعض تفصيلات تصبغها بصبغة شيعية خفيفة.
(٣) ونجد الأثر الفارسى فى السيرة ماثلا فى معرفة التاريخ الفارسى والملحمة الفارسية، وفى مواطن اللغة الفارسية، وفى فكرة الملكية بالحق الإلهى، وفى العلم بالحياة فى البلاط الفارسى ومراسمه (العرش، والتيجان، والآداب الشاهانية) والصيد الشاهانى (البزاة والفهود) وبريد حمام الزاجل؛ وعمال الدولة والرتب عند الفرس (وزير، وموبذان، وموبذ، ومرزبان، وبهلوان، وعيون الشاه وآذانه؛ بل السهارجة "السقاة")
(٤) من أثر النصرانية والحروب الصليبية؛ تعلم السيرة بأمر النصارى فى الشآم التابع للساسانيين وفى بوزنطة وبين الفرنجة. ويظهر الفرنجة على اعتبار أنهم صليبيون (بل إن السيرة لتذكر الصليب بوصفه قلادة تلبس على الصدر)؛ وتذكر السيرة القتال فى سبيل شيلوه وبيت المقدس ويحاصر الجوفران (Godfrey) دمشق ويسّير الجنود على أنطاكية. وتذكر السيرة أيضًا الصليب، ومسوح الكهان والرهبان، وزنار (١) الطريقة (وهو فيها أهم شعار للنصرانية بعد الصليب)،
стр. 5960
والصولجان، والناقوس، والبخور، والماء المقدس، والصلاة على الميت، والمسح، والقربان المقدس، والأيام المقدسة، وعيد ميلاد المسيح، وعيد العنصرة؛ وتعلم أن رجال الدين عند الفرنجة هم أصحاب المكان الأرفع فى نظر الكنيسة والدولة، وأن زواج أبناء العمومة لا يقره الشرع، والظاهر أنها تعلم أيضًا عن عقوبة الحرمان من الكنيسة، وتصف مزارا أسبانيا ويوما يحج فيه، وأن النصارى يقسمون بعيسى، ومريم، والأناجيل، ويوحنا المعمدان (مارحنا المعمدان، ويخنا) ولوقا، وتوما (مارتوما) وسيمون، وأن الإمبراطور رجوم يحكم فى بوزنطة، ويدعى ابنه هرقل، وأن بلقام بن مرقش هو ملك رومة؛ وأن حكام شمالى إفريقية النصارى يتسمون بأسماء تنتهى بالحرف س الشائع فى اللغتين اليونانية واللاتينية مثل مرتوس، وكردوس، وهرمس، وابن العُرنوس، وكندرياس بن كرماس، وسندريس، وتيودورس؛ وأن ملك أسبانيا يدعى شنتياجو Santiago. أما أسماء ملوك الفرنجة وأمرائهم فالثابت منها هو بهمند فحسب. وأسماء إخوته هى: موبرت، وسوبرت، وكوبرت، وأن اسم الأمير "شوبرت البحر" يدل على المقطع الأخير الذى ربما كان أشيع ما تنتهى به أسماء الأشخاص فى الفرنسية القديمة. ويسمى ابن عنتر من الأميرة الفرنجية الجوفران، وتتمثل فيه الصيغ الفرنسية القديمة (Geffroi Jofroi, Jefroi) لاسم جودفرى صاحب بويون، ولا تعرف قصة عتتر شيئًا عن أوربا، ولكنها تعرف الكثير عن الأوربيين، ومن ثم فلاشك فى أن كاتبها قد تعرف عليهم خارج أوربا. فى أيام الحروب الصليبية بطبيعة الحال. وقد ذبح عنتر بهمند. والجوفران هو ابن عنتر الذى قدم آسية صليبيًا من الصليبيين، وعلم هناك بحقيقة بنوته، فانتقم لأبيه ثم عاد إلى أوربا. والظاهر أن اسم تفور Tafur نفسه، ملك الشحاذين فى جيش بطرس صاحب أرمينية، قد أبقت عليه السيرة، ذلك أن "ضافور" هو الذى استولى على عرش الشام من الأمير الصبى عمرو من الأمير الصبى عمرو عرش الشام، ثم أطاح عنتر بضافور. أما العطف الواعى على المسيحية والنظرة السمحة إليها، فإن الصورة التى نستشفها من
стр. 5961
سيرة عنتر فى ذلك تسمو كثيرًا على الصورة التى تتكشف لنا عن النظرة التى تنظر بها الملحمة المأثورة عن مسيحية القرون الوسطى إلى الإسلام.
الأدب الشعبى ونظائر القصة من الآثار الأدبية: يقل الأدب الشعبي فى سيرة عنتر إلى حد عجيب، ولكنها تشمل سمات عدة مشهودة، ففيها كهف للساحرات يأتين فيه بالأعاجيب، وشواهد من لطائف الكنايات، وفيها فأل وطيرة، ومعجزات الحياة. ويمكن أن نعد ما تتفق فيه مع الشعر القصصى الآخر من المسائل العادية التى لاكتها الملاحم كثيرًا؛ ومن ذلك قوة البطل وترعرعه، ومغامراته، وقتل سبع، والمعمرين (وطول العيش شائع فى سيرة عنتر شيوعه فى الشاهنامه) والأحلام، والرؤى، والنساء المسترجلات، والقتال بين الأب وابنه، وموضوع إخلاص العروس المأثور عن ملحمة كودرون Gudrun (١)، وموضوع الرجل الأبله. وفى السيرة أفكار منقولة قليلة مثل يوم سعد النعمان ويوم نحسه، وناقوس العدالة الخاص بكسرى (وهو موضوع مأخوذ من أسطورة الإمبراطور شارل والحية)؛ والطيران إلى السماء فى صندوق تحمله النسور, وروايات إفريقية عدة (وربما كانت مأخوذة من كتب جغرافية عن إفريقية). وثمة أيضًا صلات تربط السيرة بالأساطير الأوربية، فى العلامات العجيبة التى ظهرت عند مولد شارلمان (الواردة فى قصص ترين Turpin المزيف)، على أن ما ذكره تربن المزيف مأخوذ بلا شك من مصدر أقدم من ذلك؛ وكذلك الطيور الصناعية المتخذة من المعدن تغنى بالألحان المختلفة بفضل الأجراس وأنابيب النفخ قد وصفت فى الملاحم الفرنسية والألمانية كما وصفت فى سيرة عنتر. ولكننا نصادف فى هذا المقام عجيبة تاريخية هى المائدة المثلثة المذهبة فى القسطنطينية، وشيئًا على غرار ذلك فى طيسفون أيام الساسانيين، وكذلك فى قصبة التترخانية. وثمة وجوه من الاتفاق تستلفت النظر إلى حد عجيب؛ فالحارث الظالم يضرب صخرة بسيفه
стр. 5962
ذى الحيات حتى لا يقع فى يد أعدائه، فتتحطم الصخرة ويخرج السيف سليمًا كما هى الحال بالنسبة لسيف رولاند "درْندَل". ويبصَّر عنتر ابنه الغضبان بأمر الملكية المستندة إلى الحق الإلهى، حين أراد الغضبان أن يقتل كسرى ويخص نفسه بملكه، وذلك هو ما فعله جيرارد ده فيان مع ابن أخيه أيمرى عندما أراد أن يقتل شارلمان. وينطلق جواد عنتر الأبجر فى الصحراء بعد موت عنترة خشية أن يكون مطية لسيد آخر، كما فعل بايار جوادرينودى مونتابان إذ لاذ بغابات الأردّن. ومن المواقف المشهودة التشابه العجيب بين مبارزة رولاند لأوليفر وبين مبارزة عنتر لربيعة بن مقدم. فقد انشطر السيف فى الحالين شطرين فما كان من الخصم النبيل إلا أن ناول غريمه سيفا آخر. ويتصالح الغريمان ويتآخيان. ولكن مثل هذا التوسع فى الصورة الشعرية له أصول فى نظرات الفروسية التى من هذا القبيل، ومن ذلك صلة الفارس بسيفه، وصلته بجواده، وصلته بسيده الأكبر، وصلته بغريمه.
الفروسية فى سيرة عنتر: تعد السيرة بحق قصة من قصص الفروسية. وقد كانت الفضيلة المثلى التى يتحلى بها الرجل فى الجاهلية هى المروءة والفتوة. ونحن نجد فى سيرة عنتر، علاوة على ذلك، الفروسية مقترنة بالفراسة والتفرس، ويقال للرجل الفارس ويعرف عنتر بأبى الفوارس، ويقال له أحيانًا أبو الفرسان، وأعلى الفرسان، وفارس الفرسان، وأفرس الفرسان. وليس كل من يركب الجواد بفارس. ويتميز الفارس بالشجاعة، والإخلاص، وحب الصدق، وحماية الأرامل، واليتامى والمساكين (وكان عنتر يولم لهم ولائم يخصهم بها)، والشهامة، واحترام النساء (وقد بدأ عنتر حياته الحافلة بالبطولة وختمها بحماية النساء؛ فكان يقسم بعبلة، وبعينها، ويغزو باسمها)، والكرم وخاصة مع الشعراء. والفرسان هم أيضًا شعراء، وخاصة شعراء الحجاز، الذين ورد ذكرهم بالمئات فى سيرة عنتر. وتعرف السيرة أيضًا نظم الفروسية. ونحن نصادف فيها الغلمان وأتباع الفرسان، ولا يقتصر ذلك على
стр. 5963
سهارجة طيسفون. وقد درب عنتر نفسه عدة آلاف من الأتباع. بل إن السيرة لتصف مباريات الفرسان فى الفروسية على نطاق واسع، فى الحجاز، وفى الحيرة، وفى طيسفون، وأروعها جميعًا فى بوزنطة حيث أصاب رمح عنتر الحلقة ٤٧٦ مرة. وهذه المباريات تشبه من عدة وجوه المباريات التى كانت تعقد من هذا القبيل فى أوربا، كالقتال بالأسلحة المعلومة، والتسديد على الحلقة، وتزيين الحلبات ووضع راية على الحلقة التى يسدد إليها الرمح، وحضور السيدات والفتيات. وقد بينت أوجه الشبه هذه بطرق مختلفة أشد الاختلاف. فمن قائل، مثل دليكلوز Delechuce، إن عنتر هو المثال الذى نسج على منواله الفارس الأوربى، وإن سيرة عنتر هى الأصل الذى أخذت عنه أوربا كل أفكارها عن الفروسية؛ ومن قائل، مثل رينو Reinaud, إنه لا يرى فى السيرة إلا أفكارا وعادات ونظما تحاكى ما عند الأوربيين (Jour. AS, جـ ١، ص ١٠٢ - ١٠٥). ويذهب بعض الباحثين إلى أن هذه المسألة هى نقطة الابتداء فى دراسة أصل سيرة عنتر.
أصل السيرة: تبادر سيرة عنتر نفسها بالحديث عن نفسها وعن أصلها، وتقرر أن مصنفها هو الأصمعى، وأن ذلك كان على أيام الخليفة هارون الرشيد وفى بلاطه ببغداد، وأن الأصمعى عاش ٦٧٠ سنة، قضى منها أربعمائة سنة فى الجاهلية، وكانت له معرفة شخصية بعنتر ومعاصريه؛ وأنه أتم السيرة سنة ٤٧٣ هـ (١٠٨٠ م)، وسجل روايات من أفواه عنتر، وحمزة، وأبى طالب، وحاتم الطائى، وامرئ القيس، وهانئ بن مسعود، وحازم المكى، وعبيدة، وعمرو بن وّد، ودريد بن الصّمة، وعامر بن الطفيل؛ والحق أن لدينا قصة منتظمة عن أصل القصة. وما تردده القصة من أسماء مثل: الراوى، والناقل، والمصنف، وصاحب العبارات، والأصمعى وغيره من الأسانيد، له بالنسبة لسيرة عنتر نفس المدلول الذى للدهقانه والكتب البهلوية والأسانيد العريقة فى القدم بالنسبة للفردوسى، والمدلول الذى لأخبار القديس دنيس بالنسبة للملحمة الفرنسية. ويدخل فى باب الخيال ما ترويه سيرة عنتر من أن ثمة روايتين
стр. 5964
للقصة، إحداهما خاصة بالحجاز، والأخرى خاصة بالعراق، وقد قصد بابتداع رواية للقصة خاصة بالحجاز أن يلقى فى قلوب الناس أن الأصمعى قد جمع المعلومات التى اعتمد عليها فى كتابة القصة فى الحجاز من أفواه عنتر وأصحابه. وجعل الحجاز موطن القصة اختلاق محض. على أن العراق ربما يكون قد ساهم فى بناء القصة بنصيب كبير. ونذكر فيما يلى دلائل يستهدى بها فى معرفة التاريخ الذى نشأت فيه سيرة عنتر:
(١) محاورة دارت بين واهب ومسلم ذكر فيها الراهب مغامرات عنتر (Das Religionsgesprach von Jerusalem um ٨٠٠ A. D. aus dem Arabischen ubersetst. Zeitschr. F.Kirchenges Chichte: von K, Vollers، جـ ٢٩، ص ٤٩).
(٢) حوالى منتصف القرن الثانى عشر وصف اليهودى الذى أسلم السموأل بن يحيى المغربى حياته فقال إنه كان مشغوفًا فى شبابه بالقصص الطويلة مثل قصة عنتر (M.G.W.J، ١٨٩٨ م, جـ ٤٢, ص ١٢٧, ٤١٨).
(٣) الشواهد الواردة فى السيرة نفسها، فإن ظهور بهمند، والجوفران (جودفرى صاحب بويون) -وربما يكون كذلك ظهور ملك الشحاذين تفور- ينقلنا إلى الفترة التالية للحروب الصليبية الأولى، أى فى السنين الأولى من منتصف القرن الثانى عشر الميلادى. ولا جدال إذن فى أن تواريخ عنتر قد بدئ فى تصنيفها فى القرن الثامن استنادًا إلى الشاهد الذى ذكرناه آنفًا عن المحاورة الدينية التى وقعت بين الراهب والمسلم. ويتبين من أقوال السموأل بن يحيى أن كتابًا كبيرًا عن عنتر كان موجودًا بالفعل فى منتصف القرن الثانى عشر؛ وإذا كان هذا الكتاب قد ذكر بهمند والجوفران فإنه يكون قد تم بلا شك فى أوائل هذا القرن. ولعل المداحين كانوا فى هذه الأثناء دائبين على الإضافة إليه وصبغه بصفة خاصة بالصبغة الإسلامية. أما تفسير قصة إبراهيم التى تعد زيادة لا تدخل فى صميم الموضوع، والروايات الخاصة بمحمد ﵊ وعلّى، فإنها يمكن أن تنسب لأى عصر. ويمكن أن يعاد بناء قصة عنتر الأصلى على أساس لغوى راجح. وفى المجلد
стр. 5965
الحادى والثلاثين من القصة يستعرض عنتر المحتضر سيرة حياته الحافلة بالبطولة فى قصيدته الأخيرة، ويسترجع مفاخرًا انتصاراته فى جزيرة العرب، وفى العراق، وفارس، والشام، ولكنه لا يذكر بوزنطة، ولا أسبانيا, ولا فاس، ولا تونس، ولا برقة، ولا مصر، ولا هند سند، ولا السودان، ولا الحبشة. ولم تتعرض قصيدته الأخيرة لأبنائه، ولا تذكر إلا حبًا واحدًا خفق به قلب عنتر. ومن ثم فإن قصة عنتر الأولى هذا يجب أن تسمى "عنتر وعبلة". وقد تأثرت الملحمة المتأخرة باعتبارات تتعلق بالأنساب، فجعلت لعنتر جدودًا من الملوك فى السودان وأحفادًا من الملوك فى جزيرة العرب، وبوزنطة، ورومة وبلاد الفرنجة. ثم وجدت الحروب الصليبية صدى وأثرًا لها فى عنتر. فقد وفد الصليبيون من بلاد الفرنجة. على الشام عن طريق بوزنطة؛ وخرج عنتر فى رحلة أشبه برحلات الصليبيين، ولكن بطريق معكوس، فشخص من الشام إلى بلاد الفرنجة مارًا ببوزنطة، وحقق النصر على المسيحية الأوربية، للمثل والثقافة العربية على الأقل, لأن الإسلام لم يكن قد ظهر بعد. وقد حفلت المنطقة الجغرافية بأسرها للقصة ونطاقها التاريخى بمغامرات عنتر.
والظاهر أن قصة عنتر قد ذكرت أول ما ذكرت فى أوربا سنة ١٧٧٧ فى Bibliotheque Universelle des Romans (.J .A ١٨٣٤ م، جـ ١٣، ص ٢٥٦)، ودخلت لأول مرة فى نطاق بحوث العلماء الأوربيين سنة ١٨١٩ على يد هامروبور كستال Hammer Purgstall , كما أدخلها دنلوب وليبرخت سنة ١٨٥١ فى نطاق الأدب المقارن (Dunlop Geschicte der Prosadichtungen: Liebrecht، جـ ١٣ - جـ ١٦). وقد بدأ كولدسيهر دراسة هذه المسألة العلمية التى أثارتها سيرة عنتر، وخاصة فى مؤلفاته الهنغارية. وظلت هذه السيرة أمدًا طويلا موضوعا من موضوعات البحث المحببة فى فرنسا. وعرضت لها المجلة الأسيوية فى كثير من الأحوال بالمناقشة وترجمت بعضها. وكان لامارتين تأخذه نشوة من الإعجاب والحماسة لعنتر (Vie des Grands Voyages en Orient, Premieres Hommes I Meditations Poetiques, Premiere Preface)
стр. 5966
ويضع تين Taine عنتر فى صف أبطال الملاحم الكبرى مثل سيكفريد، ورولاند، والسيد، ورستم، وأوديسيوس، وأخيل (Philosophie de L'Art جـ ٢، ص ٢٩٧) وليس كل هذا التقدير بخال من الأساس، فإن سيرة عنتر تضع أمام أعيننا صورة نابضة بالحياة مشرقة لفترة شائقة جدًا، تتناولها بخيال عارم فى قوته، وبراعة فى السرد لا تفتر أبدًا فى أى موضع من مجلدات السيرة الاثنين والثلاثين، وأسلوب شعرى لا ينضب له معين.
المصادر:
زودنا شوفان بمجموعة مستفيضة من الإشارات إلى مخطوطات سيرة عنتر وطبعاتها وترجماتها والرسائل التى وضعت عنها (١) Bibliographie des Ouvrages arabes ou relatifs aux Arabes, etc: V- Chauvin، جـ ٣؛ Barlaam Louqmane et les fabulistes Antar et les Romans de Chevalerie، لوتيخ - ليبسك ١٨٩٨, ص ١١٣ - ١٢٦.
(٢) Der arabische Held Antar in der Geographischen Globus)Nomen Clatur, ١٨٩٢: I.Goldziher, جـ ٦٤، رقم ٤، ص ٦٥ - ٦٧).
(٣) المؤلف نفسه: Ein Orientalischer Rittrerroman, Peter Lloyd ١٨ مايو سنة ١٩١٨.
(٤) Der arabische Antarroman, Ungarische Rundschau: B.Heller، جـ ٨٣ - ١٠٧.
(٥) المؤلف نفسه: Az arab Antarregeny، بودابست ١٩١٨.
(٦) المؤلف نفسه: Der arabische Antarroman, ein Beitrag Zur Verglichen den Litteraturgeschichte، هانوفر ١٩٢٥.
خورشيد [هلر Bernhard Heller]
سيف الدولة
أبو الحسن على بن حمدان، صاحب حلب وأنبه الأمراء الحمدانيين شأنا، وقد اشتهر بنشاطه العسكرى ونضاله مع الروم ورعايته للعلماء.
ولد سيف الدولة سنة ٣٠٣ هـ (٩١٥/ ٩١٦ م). أو قد تكون سنة ٣٠١ وهو حفيد ابن حمدان صاحب حصن ماردين الذى انتقض على الخليفة المعتضد سنة ٢٨١ هـ وقد ولى الخليفة المقتدر أباه أبا الهيجاء على الموصل
стр. 5967
والجزيرة سنة ٣٠٢؛ وقاتل أبو الهيجاء القرامطة سنة ٣١٥ وأنقذ بغداد بتدمير جسر الأنبار، وازداد سلطانه فى عهد القاهر، ولكنه هلك إبان الاضطرابات التى قامت فى بغداد والتى عزل فى أثنائها الخليفة. وكان أبو الحسن على يملك أول الأمر واسط والبلاد المحيطة بها، كما كان أخوه الأكبر يملك الموصل. وفى سنة ٣٣٠ اشترك هذان الأميران، أيام المتقى، فى قتل ابن رائق الذى كان يلقب بأمير الأمراء؛ فمنح الخليفة أمير الموصل هذا اللقب، كما لقبه بناصر الدولة ولقب أخاه بسيف الدولة، ولم يحتفظ ناصر الدولة بلقب أمير الأمراء إلا ثلاثة عشر شهرًا فى بغداد، فقد جرده توزون التركى من لقبه هذا، وكان مركز الخلافة فى ذلك الوقت حرجًا أشد الحرج، وقد انقسمت الدولة شيعا كثيرة. وأراد الخليفة أن يهرب من وصاية توزون فطلب نجدة الأميرين الحمدانيين، ولجأ هو وحريمه وحاشيته كلها إلى الموصل، وشخص منها إلى الرقة سنة ٣٣٣ هـ، ورجاه توزون أن يعود إلى قصبة ملكه وقطع على نفسه عهودا كثيرة بالولاء له، ورضى الخليفة بالعودة ضاربا بنصح سيف الدولة عرض الحائط، وما إن بلغ مشارف بغداد حتى قبض عليه توزون وخلعه عن عرشه وسمل عينيه سنة ٣٣٣ هـ وقد كلفت إقامة الخليفة الأميرين الحمدانيين مبالغ طائلة.
وفى هذه السنة انتزع سيف الدولة حلب من عامل الإخشيد الذى كان يلى آنئذ أمر مصر، وقد أنفذ إليه الإخشيد جيشا تحت إمرة كافور، ولقى سيف الدولة هذا الجيش قرب حمص ثم حاصر دمشق ولكنه لم يستول عليها، وتوفى الإخشيد فى السنة التالية (٣٣٤ هـ) بدمشق، فعاد كافور، ذلك الخصى الأسود، إلى مصر، وانتهز سيف الدولة هذه الفرصة فعاود الهجوم على دمشق، واستولى عليها، ثم سار إلى مصر واستولى على الرملة ولكنه لقى الجيش المصرى الذى هزمه فى الأردن، وعقد صلح بينه وبين الإخشيديين، واحتفظ الأمير الحمدانى بحلب كما احتفظ المصريون بدمشق.
وفى سنة ٣٣٧ هـ دفع سيف الدولة الحرب إلى أرض الروم واستمر منذ ذلك التاريخ إلى أن وافاه أجله، أى قرابة عشرين عامًا، يقاتلهم فلا تنقضى
стр. 5968
سنة دون أن يغزو أرضًا للروم أو يخوض معركة معهم؛ وقد مُنى بالهزيمة فى تلك السنة، واستولى الروم على مرعش وذبحوا أهل طرسوس؛ وفى سنة ٣٣٩ توغل كثيرًا فى أرض الروم واستولى على عدة حصون كما غنم غنائم كثيرة، ولكن الروم سدوا الطرق فى وجهه فى أثناء عودته واستردوا ما غنمه منهم من غنائم وأسرى، على أن سيف الدولة أفلح هو وبعض صحبه فى الهرب (حملة المَصِّيصة) وفى سنة ٣٤٢ برز لقتال بارزوس فوكاس Barzos Focas عامل الإمبراطور -وكان هذا الوالى قد جمع جيشًا كبيرًا من بينه روس وبلغار وخزر- وهزمه خارج مرعش، وأسر قسطنطين بن فوكاس وحمله إلى حلب ومات قسطنطين فى الأسر، وأقام له النصارى بأمر من سيف الدولة، جنازة رائعة. وهزم سيف الدولة فوكاس مرة أخرى سنة ٣٤٣ قرب حصن الحدث الذى أعاد بناءه، ودمر الحصن مرة أخرى بعد ذلك بثلاث سنوات واستولى الروميان باسيل Basil ويانيس Yanis ابنا تسيميتسيس Tsimitses على سميساط سنة ٣٤٧ وهزما سيف الدولة هزيمة منكرة قرب حلب، ووقع فى الأسر سبعمائة وألف فارس مسلم وحملوا إلى القسطنطينية.
ودبّر سيف الدولة فى السنة نفسها صلحا بين أخيه ناصر الدولة وبنى بويه الذين كانوا قد استولوا على الموصل؛ وكفل لهم سيف الدولة أداء جزية سنوية، واحتفظ لأسرته بالموصل كما احتفظ لها بالرحبة وديار ربيعة.
وفى سنة ٣٥١ قدم نقفور Nicephoros عامل الإمبراطور وقتئذ، صوب حلب فى جيش عدته ٢٠٠.٠٠٠ مقاتل؛ وجرت بينه وبين سيف الدولة موقعة قرب هذه المدينة أمام باب اليهود، مُنى فيها سيف الدولة بالهزيمة، واستولى نقفور على حلب فيما عدا الحصين الذى ثبت للغزاة، وكاان الديلم هم الذين يدافعون عنه، ووقع فى يد الروم ١٢٠٠ أسير قتلوهم فى الحال ثم خربوا البلاد ونهبوا قصر سيف الدولة الذى كان يقوم خارج حلب ودمروه, وانسحبوا بعد ذلك بأسبوع.
стр. 5969
وأصيب سيف الدولة فى السنة التالية بشلل فى يده وقدمه، إلا أنه واصل القتال بالرغم من ذلك وألحق الهزيمة بالروم وخاصة بجوار حلب، وكانوا قد عادوا إليها سنة ٣٥٣؛ ورأس فى سنة ٣٥٥ اجتماعا هاما عقد لتبادل الأسرى على ضفاف الفرات، وتوفى فى حلب سنة ٣٥٦ من عسر البول، وجئ بجثمانه إلى مَيَّافارقين ودفن فى مقبرة أمه خارج المدينة، وكان قد جمع من نفض الغبار الذى يجتمع عليه فى غزواته شيئًا وعمله لبنة وأوصى أن يوضع خده عليها فى لحده فنفذت وصيته.
وكان سيف الدولة رجلًا صلب الرأى لا يقبل النصح إلا قليلا، على أنه كان شجاعًا كريمًا فصيحا، كما كان شاعرا مثل بقية أفراد أسرته؛ وقد روى أبو المحاسن وابن خلكان قصيدة صغيرة رقيقة قالها فى قوس قزح، تفصح بجلاء عن موهبته؛ وكان يحيط نفسه بالشعراء والعلماء، وأشهرهم الشاعر المتشكك المتنبى، مداحه، ثم مداح كافور من بعده. وكان من جلسائه أيضًا الفارابى ذلك الفيلسوف والموسيقى العظيم الذى توفى وهو يصحبه فى رحلة إلى دمشق؛ وقد أهدى إليه صاحب الأغانى نسخة هذا الكتاب الجليل التى كتبها بخطه.
المصادر:
المؤرخون وبخاصة:
(١) أبو الفداء، طبعة Reiske-Adler, جـ ٢، ص ٤٩٢ وما بعدها.
(٢) ابن خلكان، طبعة de Slane, ص ٥٠٧ وما بعدها.
(٣) أبو المحاسن، طبعة Juynboll, جـ ٢.
(٤) يوحنا الإنطاكى، الذى أكمل كتاب يوتيخيوس Eutychius، طبعة L. Cheikho, B. Carra de Vaux & H. Zayyat فى Scriptorum Christianorum Corpus Orientalium، باريس ١٩٠٩.
(٥) Hist, d'Alep. de Kamlal Din: E. Blochet ترجمة باريس ١٩٠٩.
(٦) Gesch. der Hamdaniden,: Freytag فى Z.D.M.G جـ ١٠ و ١١.
(٧) Mutenebbi und Seifuddaula: Dieterici, ليبسك ١٨٤٧.
صبحى [كارا ده فو Carra de V aux]
стр. 5970
سيف بن ذى يزن
سليل بيت من ملوك حمير، وكان لسيف شأن فى تاريخ العرب بمشاركته فى طرد الأحباش من جنوبى بلاد العرب بعد أن ظلوا غالبين عليه منذ عهد أبى نواس، وتقول رواية الأهلين هناك إنه استعان على رفع نير الأحباش الأجانب ببلاط الروم ثم ببلاط كسرى ملك فارس. على أن كسرى لم يشأ أن يغامر فى هذا المشروع البعيد التحقيق فاكتفى بتزويد سيف بطائفة من المجرمين الخارجين من السجون تحت إمرة قائد يدعى وهرز؛ وهزم سيف بمعاونتهم ومعاونة بنى وطنه الذين هبوا للخلاص من نير الأجنبى، القائد الحبشى مسروقًا، فأقامه كسرى أميرًا على قومه. ونخرج من هذه الرواية ومن طائفة من القصائد العربية، بحقيقة تاريخية هى أن سيف ابن ذى يزن غلب على الأحباش بمساعدة الملك الفارسى كسرى أنوشروان، وأطاح بحكمهم على اليمن وبسط سلطانه على أرض أجداده، ويمكن أن نرجع انتصاره هذا على الأحباش إلى سنة ٥٧٠ م أو نحوها، وينسب هذا الانتصار خطأ إلى ابن سيف: "معد يكرب".
ونحن نعلم من عدة مصادر أن التاريخ العربى لليمن قد درسه المسلمون هو وقصة سيف منذ مطلع الإسلام وما بعده، ومن ثم فليس بعجيب أن يحتل سيف مكانا فى المؤلفات العربية بفضل نضاله الموفق مع الأحباش الذين استفحل خطرهم. وقد شغلت الحرب بين العرب المسلمين والزنوج الأحباش الكفار فراغا كبيرًا فى قصة سيف بن ذى يزن. ويمدنا ملك الأحباش الذى كاد يجرى كفاحه مع سيف فى جميع صفحات هذه القصة، بمفتاح نستهدى به فى تبين تاريخ نشأة السيرة التى نحن بصددها، فهو يسمى سيف أرعد ويطابق بذلك اسم الملك الحبشى "سيف أرعد"، الذى نعرفه من التاريخ والذى حكم الحبشة من ١٣٤٤ - ١٣٧٢، ومن هذه الإشارة نخرج بواقعة على جانب كبير من الحقيقة، وهى أن نسخ السيرة الموجودة بين أيدينا ترجع إلى القرن
стр. 5971
الخامس عشر الميلادى تقريبًا، ومهما يكن من أمرها فإنها لا ترجع إلى ما قبل نهاية القرن الرابع عشر. وتتفق المعلومات التى لدينا، سواء كانت إيجابية أو سلبية، مع هذا من حيث إنها لا تكاد تذكر شيئًا مستقلا بذاته وإنما تكون لها قيمة وهى مجتمعة. ومن بين هذه المعلومات عدد يتضح بجلاء أنه منقول من ألف ليلة وليلة. ولا يستتبع هذا بطبيعة الحال أن نقول إن القصة برمتها نشأت فى ذلك العهد، ذلك أن منشأ السيرة هو مصر، بل القاهرة إن شئت الدقة. وهذا واضح من أسماء الأشخاص والأماكن الكثيرة التى تشير جميعًا إلى مواضع معظمها فى مصر، بل إن بعضها يدل على معرفة سابقة دقيقة بخطط مصر، ولا ينقض هذه الحقيقة ورود قليل من الأسماء المأخوذة من دمشق وأرباضها فى السيرة.
أما من حيث مادة السيرة فإن مصر هى أيضًا المكان الأمثل لنشأتها, ولعل ما نستشفه بين سطورها من اعتقاد فى الخرافات وإيمان بالعجائب يدل كذلك على أن القصة إفريقية النشأة.
وتتمشى مادة السيرة مع الحقيقة التى تقول إن القصة قد ألفها ورواها الشعب أو إنها على الأقل قد رويت له. . ومن هنا نستطيع أن نتبين فى يسر السر فى أن النزعة الإسلامية العامة السليمة تسير جنبًا إلى جنب مع عدد من موروث المعتقدات غير الدينية لدى البعض ولا يمكن أن نجعلها تساير الأصول الإسلامية إلا بصعوبة وفى الظاهر فحسب. ذلك أن الدين الإسلامى الناشئ [آنئذ] لم يتغلغل بسرعة ورسوخ فى نفوس الجماهير بقدر ما تغلغل فى نفوس الطبقات المتعلمة التى كان زادها العقلى يعتمد فى جوهره على العلم والأدب اللذين أذاعهما الإسلام على نطاق واسع. أما العامة فلم يكن لديهم من معتقداتهم وعاداتهم بديل قوى يدفع عنهم تلك الأفكار. وقد استغرقت الحرب بين العرب المسلمين وبين الأحباش والزنوج الوثنيين جزءًا كبيرًا من السيرة كما سبق أن ذكرنا. ومن المفروض أن الناس جميعًا يعرفون أن بطل هذه الحرب سيف بن ذى يزن، قد عاش فى زمن الجاهلية، وأحالته السيرة نزّاعا للقتال، يدين بالإسلام.
стр. 5972
والذى يخلصنا من هذا التناقض هو القول الذى يسلم به الناس بعامة من إمكان التزود بلمحة عن المستقبل بفضل الكرامات والسحر وما إلى ذلك وبفضل الشيوخ من أهل التقى والورع. وهكذا يصبح سيف، كأبيه ذى يزن من قبله، مؤمنًا بحقيقة الإسلام قبل مجئ محمد ﵊، ويجذبه الدين الجديد إليه. ثم يحل الإسلام محل العداوة القائمة على الاختلاف فى الجنس، وذلك فى نضال سيف الذى انصب فى جوهره على الأحباش والكفار، وراح سيف ينشر هذا الدين بعد السيف فى تجوله الكثير وغاراته العديدة فى بلاد الإنس والجن مستعينًا فى كثير من الأحيان بعضد من الأرواح. ولما كان محمد ﵊ لم يظهر بعد، فقد حل محله فى الدعوة إبراهيم خليل اللَّه. ومن ثم لم تعد الغارات تشن تحقيقا لأطماع سيف والعرب، وإنما كانت تشن للدعوة إلى وحدانية اللَّه واتخاذه إبراهيم خليلا. وما إن يستجيب هؤلاء الأعداء إلى هذا المطلب بترديد الشهادة حتى يقبلوا فى الجماعة الإسلامية. وكذلك نجد أثر القول بتفوق الجنس السامى على الجنس الحامى، باقيًا بطبيعة الحال لم تذهب ربحه. لقد كان عرب الجنوب بخاصة، ويتمثل فيهم الأجداد المزعومون للمسلمين المتأخرين فى مصر، هم الذين اضطلعوا بذلك العمل الشريف وهو تمهيد الطريق لخاتم الأنبياء وخيرهم، أما الأحباش والزنوج فقد ظلوا على وثنيتهم فكانوا بذلك غير أهل للإسلام، أو اعتنقوا الإسلام فكان لهم فى هذه الحركة الدينية شأن سلبى أكثر منه إيجابى. ومما هو جدير بالتنويه أيضًا أنه لم يرد فى السيرة كلها أقل إشارة إلى أخذ الأحباش بالنصرانية، فقد نسب إليهم عبادة زحل، على حين ردّت سائر الديانات غير الإسلامية إلى عبادة النار والأصنام والحكام المتألهين، والحيوانات المختلفة (الكبش، والنعامة، والأبقار، والحشرات، والدجاجة). ولعل كثيرًا من هذه الأفكار قد نشأت فى خيال القصّاص الجامح الذى لا يعرف حدا. ولم يستغرق انتشار الإسلام مادة السيرة كلها، ذلك أن التاريخ الدنيوى قد استهوى العامة
стр. 5973
أيضًا كما استهوتها القصص التى حفلت بالحوادث إلى أقصى حد ممكن، ولذلك نجد فى السيرة قصصا عن نشأة المدن المشهورة، والأماكن والعمائر، ومجئ نهر النيل إلى مصر وغير ذلك. ونجد فيها أيضًا وصفا للرحلات والمغامرات الكثيرة التى قام بها سيف بن ذى يزن وأولاده وفرسانه والأرواح المسخرة له، وقصص حبه وحب غيره التى تتبدى دائمًا فى صورة جديدة، ووصفا للعمائر الرائعة، والأقاليم، والأشخاص الذين تروى أنباؤهم للسامعين وما إلى ذلك من أمور كثيرة. ويجمح الخيال الذى يستعان به فى إثارة عجيب الجمهور فى نهاية السيرة ويصبح مغرقا لا حد له، ذلك أن القُصاص يحسون فى آخر الأمر أن العجائب التى رووها لم تعد تؤثر فى نفوس السامعين وأن الواجب يقتضيهم أن يزيدوها عجبا على عجيب. ومن الأشياء التى تدخل فى باب السحر الخالص الفكرة التى تردد من أن زواج سيف من زوجته الأولى شامة سوف يؤدى إلى هلاك الأحباش والزنوج، والمحاولة التى بذلت من ثم لمنع هذا الزواج من أن يتم بأية وسيلة. ولا سبيل إلى حصر الكنوز السحرية المذكورة فى سياق القصة، وهى كنوز تتيح لمن يصل إليها سلطانًا عجيبا على الأرواح ذات الصول والحول.
وثمة سحرة من ذوى الخطر هم العقبة الكبرى فى سبيل انتشار الإسلام. [حسبما تزعم القصة] صحيح أن سلطانهم مسلم به، إلا أنهم أضعف من نظرائهم فى الجانب الإسلامى، فإذا عجزوا تدخل الخضر معين المسلمين وقت الشدة، وتبنى قضية أولئك الذين يلوذون به وغلب على أولئك السحرة المقتدرين؛ وهنالك يسلمون ولكنهم لا يكفون عن نشاطهم، بل يضعون مهارتهم وعلمهم جميعًا فى خدمة الدين الجديد. والاعتقاد فى الأرواح له شأن متزايد الخطر فى السيرة، فنحن نجد فيها حشودًا لا تنتهى من الجن على اختلاف طبقاتهم يحاربون الإسلام يقاتلون فى سبيله، وهم أوثق صلة بالناس من أضرابهم الذين ذكروا بعد رسالة النبى [ ﷺ ] كما أنهم يؤلفون فريقًا كبيرًا من أتباع سيف إن لم
стр. 5974
يكونوا هم الفريق الأعظم من هؤلاء الأتباع، فإذا جاز لنا أن نسقط من السيرة الفقرات التى تتناول الأرواح والسحر أو تتصل بهما لما بقى منها إلا النصف.
وتزودنا سيرة سيف بن ذى يزن فى جملتها بصورة صادقة لتفكير العامة فى مصر الإسلامية فى نهاية القرون الوسطى، ومن ثم فهى مصدر من مصادر التاريخ الإسلامى آنئذ بأوسع معانيه.
المصادر:
(١) Bibliographie des ouvrages arabes: V.Chauvin، جـ ٣، ص ١٣٨، وما بعدها.
(٢) Essai sur l'histoire des Arabes: Caussin de Perceval، جـ ١، ص ١٤٦ - ١٥٦.
(٣) Uber die sudarabische sage: A.V.Kremer, ليبسك ١٨٦٦، ص ٢٢٠ - ٢٣٤, ٢٤٩ ما بعدها.
(٤) سيرة سيف بن ذى يزن، سبعة عشر جزءًا فى أربعة مجلدات، القاهرة ١٣٢٢ هـ.
(٥) Die Handschrif teneverzeichnisse der KgI. Bibliothek zu Berlin: W.Ahlwardt فى عشرين مجلدا (Verzeichnis der Arabischen Hand schriften فى ثمانية مجلدات) ص ٧٣ وما بعدها.
(٦) Sirat Saif ibn Dhi Yazan,ein arabischer Volkroman ١٩٢٤: R.Paret م.
خورشيد [باريه R.paret]
سيف بن عمر
الأسدى التميمى، مؤرخ عربى، ذكر صاحب الفهرست (طبعة Fhugel, جـ ١، ص ٩٤) أنه ألف كتابين، "كتاب الفتوح الكبير والردَّة" و"كتاب الجمل ومسير عائشة وعلى"، ولم يصل إلينا هذان الكتابان، على أنه قد أتيح للطبرى أن يفيد من سيف ويتخذه عمدة له فى تناوله عهد الردَّة والغزوات الأولى (طبعة de Goeje, جـ ١، ص ١٥٩٤ - ٣٢٥٥) أى من سنة ١١ هـ إلى سنة ٣٦ هـ, وقد تحدث فلهوزن حديثًا مسهبا بعض الشئ عن قيمة سيف المؤرخ (Vorarbiten: Wellhausen und Skizzen جـ ٦، ص ٣ - ٧)، ولم يكن رأيه فيه حسنًا، فهو يقول إنه وإن
стр. 5975
كان يروعنا بكثرة التفاصيل التى يذكرها إلا أنه يتبين لنا من مقارنة معلوماته بالمعلومات الخاصة بالمؤرخين العرب الآخرين وبالإخباريين النصارى أن روايته عن العراق أضعف من روايته عن الحجاز، وقد أفاد كايتانى Caetani من مقتطفات مستقاة من سيف فى سياق حولياته بعد أن وضعها على محك النقد (Annali، فهارس المجلدات ٣ و ٤ و ٥، مادة سيف بن عمر).
المصادر:
انظر المصادر المذكورة فى صلب المقال، وانظر أيضًا Geschder. arab Litt.: Brockelmann جـ ١، ص ٥١٦.
السيوطى
أبو الفضل عبد الرحمن بن أبى بكر بن محمد جلال الدين الخضيرى الشافعى: أغزر الكتاب المصريين إنتاجًا فى العصر المملوكى، بل لعله أغزر كتاب العربية قاطبة، انحدر من أسرة فارسية كانت تعيش أول الأمر فى بغداد، ثم استقرت فى سيوط [أسيوط بصعيد مصر] قبل مولده بعشرة أجيال على الأقل، وشغل أفرادها مراكز جليلة فى الحياة العامة لهذا البلد وفى خدمة الحكومة.
ولد السيوطى فى غرة رجب سنة ٨٤٩ هـ (٣ أكتوبر سنة ١٤٤٥ م) بالقاهرة، حيث كان أبوه يدرس الفقه فى المدرسة الشيخونية، وتوفى أبوه مبكرًا فى صفر سنة ٨٥٥ هـ (مارس ١٤٥١ م) فتبنى الغلام صديق لأبيه من الصوفية. وبدأ السيوطى دراسته سنة ٨٦٤ هـ (١٤٠٦ م) وأتمها متنقلا بين بلدان مصر وحاجا إلى مكة سنة ٨٦٩ هـ (١٤٦٣ م). ثم عاد إلى القاهرة، واشتغل أول الأمر ببذل المشورة فى المسائل الفقهية، وتولى سنة ٨٧٢ هـ (١٤٦٧ م) منصب الأستاذية الذى كان يتولاه أبوه من قبله فى المدرسة الشيخونية بتوصية من شيخه البلقينى، ثم انتقل سنة ٨٩١ هـ (١٤٨٦ م) إلى المدرسة البيبرسية وهى أهم من المدرسة الشيخونية، ولكنه صُرف عن هذا المنصب فى رجب سنة ٩٠٦ هـ (فبراير ١٥٠١ م).
وهنالك اعتكف فى جزيرة الروضة بالمنيل، فلما توفى خلفه فى المدرسة لم
стр. 5976
يجد فى نفسه ميلا إلى شغل هذا المنصب مرة أخرى. وتوفى السيوطى فى ١٨ جمادى الأولى سنة ٩١١ هـ (١٧ أكتوبر سنة ١٥٠٥ م).
ويتميز نشاطه فى التأليف الذى بدأه فى سن السابعة عشرة، بالتنوع العجيب. وينسب له فلوكل (Flugel: Wienr. Jahrb المجلدات ٩٨ - ٦٠) فى الثبت البالغ الطول الذى جمع فيه مؤلفاته ٥٦١ كتابًا، على أن هذا الثبت يضم علاوة على كتبه الكبرى كثيرًا من الرسائل القصيرة. وكان السيوطى يطمح إلى استخدام مهارته فى تناول فروع المعرفة الإسلامية جميعًا، وألف من ثم عددًا من التصانيف لا غنى لنا عنها الآن، فهى تعوضنا عما فقد من الكتب القديمة كما تزودنا بمجموعات من المواد. ونجتزئ من بيان كتبه الموجودة التى ذكرت فى تاريخ الأدب العربى لبروكلمان (Gesch.Arab. l-it جـ ٢ ص ١٤٥) بذكر أهمها مقتصرين على ما طبع منها:
جمع السيوطى جميع الأحاديث التى تتناول تفسير القرآن فى كتابه "ترجمان القرآن فى تفسير المسند" (وهو مفقود فيما يظهر)، وقد اختصره بإيراد المصادر الأدبية بدلا من الإسناد وذلك فى مصنفه "كتاب الدّر المنثور فى التفسير المأثور" القاهرة ١٣١٤ هـ فى ستة مجلدات. وناقش السيوطى عددًا من الشواهد الغامضة فى "مفحمات الأقران فى مبهمات القرآن" بولاق ١٣٨٤ هـ, القاهرة ١٣٠٩، ١٣١٠ هـ وتناول أسباب نزول السور المفردة فى "لباب النقول فى أسباب النزول" الذى اعتمد فيه على كتاب الواحدى وإن كان قد زاد عليه مادة استقاها من الحديث والتفسير وعنى عناية خاصة بإيضاح مصادره (طبع بإستانبول ١٢٩٠ هـ، كما طبع مرارًا على هامش أشهر شروحه). وقد بدأ هذا الكتاب شيخه المحلى جلال الدين (المتوفى سنة ٨٦٤ هـ = ١٤٥٩ م) وأتمه السيوطى فى أربعين يومًا سنة ٨٧٠ هـ (١٤٦٥ م) ومن ثم عرف بتفسير الجلالين (طبع فى بومباى ١٨٦٩ م ولكهنؤ ١٨٦٩ م. وكلكته ١٢٥٧ هـ, ودلهى ١٨٨٤ م والقاهرة ١٣٠٠, ١٣٠١, ١٣٠٥، ١٣٠٨, ١٣١٣, ١٣٢٨ هـ) وأشهر
стр. 5977
شروحه شرح سليمان الجمل المولود سنة ١٢٠٤ هـ الموافق ١٧٩٠ م (طبع فى بولاق ١٢٨٢ هـ، والقاهرة ١٣٠٢ هـ, ١٣٠٨ هـ). ووضع السيوطى من بعد خطة تفسير عنوانه "مجمع البحرين ومطلع البدرين" ولكننا لا نعلم أفُقد هذا الكتاب أم أنه لم يتمه قط؟ ، ذلك أنه لم يبق منه إلا المقدمة، وهو يلم فيها بجميع فروع البحث المتصل بالقرآن، وقد نشرها مستقلة سنة ٨٧٢ هـ (١٣٦٧ م) بعنوان "التخبير فى علوم التفسير"، ثم توسع فيها بالاستعانة بكتاب البرهان فى علوم القرآن للزركشى (المتوفى سنة ٧٩٤ هـ = ١٣٩٢ م)، وضمن ذلك كتابه "الإتقان" وهو أوسع ما كتب فى عرض هذا الموضوع بأسره على الإطلاق (طبعة المولويين بشير الدين ونور الحق مع تحليل بقلم شبرجر A.Sprenger كلكته ١٨٥٢/ ١٨٥٤ م، وطبع فى القاهرة ١٢٨٧ هـ, ١٣٠٧, ١٣١٧ هـ).
وقد هدف السيوطى إلى أن يجمع من الحديث كل ما قاله النبى [ ﷺ ] وذلك فى كتابه "جامع المسانيد" وهو يسمى أيضًا "جامع الجوامع" و"الجامع الكبير". وأعد هو نفسه مختصرًا لهذا الكتاب سماه "الجامع الصغير فى حديث البشير النذير" وأضاف إليه ذيلا هو "الزيادة". وله شرح كتبه عبد الرحمن المناوى (المتوفى سنة ١٠٣٢ هـ = ١٦٢٣ م) مطبوع فى بولاق سنة ١٢٨٦ هـ. وهذا الكتاب الذى رتب على حروف الهجاء أعاد ترتيبه المتقى الهندى (المتوفى سنة ٩٧٥ هـ = ١٥٦٧ أو ٩٧٧ هـ = ١٥٦٩ م)، مستعينًا بقواعد الفقه وأسماه "منهج العمال فى سنن الأقوال والأفعال" وأضاف إليه ذيلا هو "الإكمال"؛ ثم ضم الكتابين فى مصنفه "كتاب غاية العمال فى سنن الأقوال". . وجمع أخيرًا الأحاديث التى تتناول أقوال النبى ﵊ وأفعاله فخرج منها كتاب "كنز العمال فى ثبوت سنن الأقوال والأفعال" (طبع فى حيدرآباد ١٣١٢/ ١٣١٣ هـ, فى ثمانية مجلدات). ونذكر من كتب السيوطى العديدة التى تتناول مسائل خاصة فى الحديث كتابه فى صفات النبى [ ﷺ ]: "الخصائص النبوية"
стр. 5978
المعروفة بالخصائص الكبرى, (حيدرآباد ١٣١٩/ ١٣٢٠ هـ, فى مجلدين)؛ وتناول مسائل نقد الحديث على طريقة ابن الجوزى، من ذلك أنه كتب أولًا تعليقات على "كتاب الموجودات" بعنوان "النكت البديعات" (انظر فهرست دار الكتب المصرية جـ ١، ص ٤٥٥)، ولعله يطابق "التعقيبات على الموجودات" الذى طبع فى مجموعة بلكهنؤ ١٣٠٣ هـ. ثم أعاد هو نفسه نشر هذا الكتاب فى "اللآلئ المصنوعة فى الأحاديث الموضوعة" (القاهرة ١٣١٧ هـ). ومن كتب السيوطى الصغرى طائفة كبيرة جدًا تتناول مسائل العالم الآخر. وقد نشر السيوطى كتاب القرطبى (المتوفى سنة ٦٧٢ هـ = ١٢٧٣ م) "التذكرة بأحوال الموتى وأحوال الآخرة" بعنوان "شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور" وكثيرًا ما يختصر هذا العنوان فيقال "كتاب البرزخ" (طبع فى القاهرة ١٣٠٩ هـ، ١٣٢٩, وفى ترجمة فارسية، لاهور ١٨٧١ م) وثمة مختصر له هو "بشرى الكئيب بلقاء الحبيب" وقد طبع على هامش طبعة القاهرة؛ وكتب ذيلا له سنة ٨٨٤ هـ (١٤٧٩ م) هو "البدور السافرة فى أمور الآخرة" وقد طبع على الحجر فى الهند سنة ١٣١١ هـ. ونظم السيوطى فى حساب الميت فى القبر ١٧٦ بيتًا من الرجز بعنوان "التثبيت عند التنبيت" وقد طبعت هذه الأبيات، ومعها شرح فى المطبعة العصرية بفاس ١٣١٤ م بمعرفة م. التهامى جنون ١٣٢١ هـ. أما مصنف السيوطى "كتاب الدرر الحسان فى البعث ونعيم الجنان" فقد طبع أيضًا عدة مرات؛ كما طبعت عدة مؤلفات من مؤلفاته الصغرى مثل رسائله الست فى مسألة أبوى النبى ﵊ وهل هما فى الجنة، ضمن "مجموعة المسائل التسع" حيدرآباد ١٣١٦/ ١٣١٧ هـ, ١٣٣٤ هـ.
ويتناول السيوطى ميدان فقه اللغة بأسره فى موسوعة جليلة القدر وافية كل الوفاء عنوانها "المزهر فى علوم اللغة" (بولاق ١٢٨١ هـ، القاهرة ١٣٢٣ هـ). وقد لخصها ماء العينين بعنوان "ثمار المزهر" (فاس ١٣٢٤ هـ). ونحا السيوطى منحى ابن الأنبارى
стр. 5979
فحاول أن يطبق أصول الفقه على النحو فى كتابه "الاقتراح فى علم أصول النحو وجدله" (حيدرآباد, ١٣١٠ هـ؛ انظر Sprenger فى Zeischr. der Deutsch Morgenl, Gesslls، جـ ٣٢، ص ٧؛ بحث A. Schmidt فى المظفرية: Sbornik Statei سانت بطرسبرغ ١٨٩٧ , ص ٣٠٩ وما بعدها). وتناول السيوطى أيضًا بعض مسائل متفرقة فى النحو مناقشا إياها على طريقة المسائل الفقهية فى كتاب أسماه "الأشباه والنظائر"، وهو عنوان سبق أن استعمله لمختصر فى الفقه مع التكملة المعروفة بالنحوية (حيدرآباد ١٣١٧ هـ فى أربعة مجلدات) وكان فى الأصل قد صرف همه منذ سنة ٨٦٨ هـ (١٤٦٣ م) إلى جمع مادة هذا الكتاب وجمع خصائص عن حياة فقهاء اللغة وآثارهم، ولكنه فصل بعد عام ٨٩٩ هـ (١٤٩٣ م) "النكت" عن هذه المادة التى جمعها، وانتصح برأى مجد الدين بن فهد فجمع المادة التاريخية فى كتاب عنوانه "بغية الوعاة" (طبع القاهرة ١٣٢٦ م) وجمع السيوطى أيضًا الأحاديث الخاصة ببداية علم النحو فى كتابه "الأخبار المروية فى سبب وضع العربية" وقد طبع هذا الكتاب ضمن "التحفة البهية" (إستانبول ١٣٢٠/ ١٣٢٢ هـ, ص ٤٩ - ٥٣) وكتب شرحا على "ألفية ابن مالك" أسماه "البهجة المرضية" (القاهرة ١٣١٠ هـ)، وشرحا على "المغنى" لابن هشام بعنوان "شرح شواهد المغنى" (القاهرة ١٣٢٤ هـ) وللسيوطى بحث مبتكر فى النحو عنوانه "الفريدة فى النحو والتصريف والخط" كتب عليه شرحًا محمد بن عبد الرحمن بن زكرى الفاسى (طبع فى فاس ١٣١٩ هـ)؛ وثمة شرح آخر له ضمن "جامع الجوامع"، وقد طبع مع تعليقات بقلم الشنقيطى فى القاهرة ١٣١٨ هـ، و ١٣٢٧/ ١٣٢٨ هـ فى مجلدين؛ وشرح على الأبيات التى استشهد بها الشنقيطى أيضًا وعنوانه "الدرر الجوامع" (القاهرة ١٣٢٧ هـ).
وللسيوطى فى ميدان التاريخ ثلاثة مؤلفات. الأول فى التاريخ العام أى تاريخ العالم وعنوانه "بدائع الزهور فى وقائع الدهور" (القاهرة ١٢٨٢ هـ وما بعدها؛ ) والثانى "تاريخ الخلفاء" (طبعة لى S.Lee ومولوى عبد الحق, كلكته
стр. 5980
١٨٥٧ م، القاهرة ١٣٠٥ هـ؛ ١٩١٣ م، لاهور ١٨٧٠ م, ١٨٨٧ م، دهلى ١٣٠٦ هـ ترجمة كاريت H.S.Jarrett فى Bibl, Ind كلكتة ١٨٨١ م)؛ والثالث فى تاريخ مصر وعنوانه "حسن المحاضرة فى أخبار مصر والقاهرة") طبع على الحجر فى القاهرة ١٨٦٠ م (؟ ) ثم طبع فيها سنة ١٢٩٩ هـ ١٣٢١ هـ). وللسيوطى فى التراجم علاوة على تاريخ النحاة الذى ذكرناه آنفًا "طبقات المفسرين" (طبعة A.Meursinge ليدن ١٨٣٩) ومختصر لكتاب الذهبى المتوفى عام ٧٤٨ هـ الموافق ١٣٤٨ م: "طبقات الحفاظ" (طبعة فستنفلد كوتنكن ١٨٣٣/ ١٨٣٥ م).
ولم يرزق السيوطى موهبة الشعر؛ ولكنه أدلى بدلوه فى ميدان الأدب بكتابة "مقامات" لا تشترك فى روائع هذا النوع من التأليف إلا فى عنوانها وقالبها (من الشعر المنثور) وقد جمع فيها تعليقات شتى عن النباتات وغيرها استقاها من الحديث والأدب، وقد طبعت على الحجر فى القاهرة سنة ١٢٧٥ هـ اثنتا عشرة مقامة منها، ثم طبعت فى المجموعة التى نشرف فى بهوبال سنة ١٢٩٧ هـ، وطبعت أيضًا فى إستانبول سنة ١٩٢٨ م.
وقد ترجم ستًا منها رشر (Beitrage zur Maqamen Literatur: O.Rescher جزء ٨، كيرتشاين ١٩١٨ م). وبعض هذه المقامات تتميز أيضًا بتفردها فى الأصالة مثل مقامته: "رشف الزلال من السحر الحلال" وقد جعل فيها عشرين إماما من أئمة المعرفة على اختلاف أنواعها يتحدثون عن ليلة زفافهم بالمصطلحات المستعملة فى الموضوع الذى يتناولونه (طبعت هذه المقامة على الحجر فى تاريخ غير معلوم بالقاهرة، كما طبعت فى فاس سنة ١٣١٩ هـ). وللسيوطى أيضًا مؤلفات أخرى تدل على أنه لم يتردد فى تناول موضوعات الأدب المكشوف (فصل بروكلمان الحديث عنها فى كتابه Gesch. Arab Lit جـ ١، ص ١٥٣، رقم ٢٠٧ - ٢١٣) وقد كتب عبد القيم بن ملا عبد الناصر الشروانى بالتترية ملخصًا لكتاب السيوطى فى الأدب "أنيس الجليس" بعنوان "جواهر الحكايات
стр. 5981
والأسئلة واللطائف والروايات والأمثلة" (الطبعة السابعة، قاشان ١٩٠٥ م). ولم يأنف السيوطى من جمع نوادر جحا بعنوان "كتاب من نهى إلى نوادر جحا" (انظر Adescriptive list of the Arabic Ms.s, acquired by the Trustees of the British Museum since ١٨٩٤، ص ٦٢، فهرس الكتب الشرقية ٦٦٤٦, ٢) وورد فى هذا المخطوط نفسه هجاء لقراقوش لابن مماتى (المتوفى سنة ٦٠٦ هجرية = ١٢٠٩ م) وقد نسب خطأ للسيوطى. أما ديوان "المرج النضر والأرج العطر" (انظر Kosegarten: Chrest. ar رقم ١١ وما بعده) فليس من نظمه وإنما هو من نظم سيوطى آخر أقدم منه وهو محمد بن ناصر صدر الدين أبو بكر يحيى من أعيان النصف الأول من القرن التاسع الهجرى، ولعله جده (انظر شيخو، مجلة المشرق ١٩٠٦، ص ٥٨١ - ٥٩٨).
وقد تبين بجلاء من الكتب المفردة التى ذكرناها آنفًا مبلغ تفق السيوطى فى مختلف العلوم، ويشهد بذلك أيضًا الموسوعة التى كتبها وتناول فيها أربعة عشر نوعا من فروع المعرفة وعنوانها "الأصول المهمة لعلوم جمة" ويختصر هذا العنوان فيقال "النقاية" فحسب وقد طبعت مع الشرح الموسوم باسم "إتمام الدراية" (بومباى ١٣٠٩ هـ, فاس ١٣١٧ هـ) كما طبعت على هامش السكاكى "مفاتيح العلوم" (القاهرة ١٨٠٠ م)
المصادر
(١) ترجمة حياة السيوطى التى كتبها بقلمه فى مؤلفه "حسن المحاضرة" جـ ١، ص ٤٥٣, ٣٠٣؛ جـ ٢، ص ٦٥. وقد طبعت فى كتاب Meursinge المشار إليه آنفًا، ص ٤ - ١٢.
(٢) Geschishtshreiber: Wustenfeld ص ٥٠٦.
(٣) Goldziher فى S.B.AK. Wien ١٨٧١ م, جـ ٦٩، ص ٢٨ وما بعدها.
(٤) Das. Muwassah: Hartmann ص ٨٢.
(٥) Gesh. der Arab.Lit: Brockelmann، جـ ٢ ص ١٤٣ - ١٥٨.
خورشيد [بروكلمان Brockelmann]
стр. 5982
ش
стр. 5983
الشاذلى
أبو الحسن على بن عبد اللَّه بن عبد الجبار الشريف الزرويلى: صوفى مشهور ومؤسس طريقة صوفية إسلامية تعرف بالشاذلية نسبة إليه، وقد تفرع منها نحو من خمس عشرة طريقة أخرى مثل الوفائية والعروسية والجزولية والهفونية وغيرها.
ويذكر البعض أن الشاذلى ولد فى غمارة على مقربه من سبتة حوالى سنة ٥٩٣ هـ (١١٩٦ - ١١٩٧ م)، ويحكى آخرون أنه ولد فى شاذلة، وهى موضع بجبل زعفران فى بلاد تونس، ولهذا يسمى الشاذلى، ومهما كان الأمر فإن تسميته بالزرويلى على سبيل النسبة تشير إلى أصل مراكشى، ومريدوه يجعلون له نسبًا شريفًا، فهم يردون نسبه من طريق الحسن إلى النبى ﵊.
وقد أقبل الشاذلى منذ صباه على العلم بجد وشغف بالغ حتى كان ذلك سببًا فى مرض شديد أصاب عينيه، ويجوز أنه قد كُفَّ بصره، ومنذ ذلك الحين انقطع لطريق الصوفية انقطاعًا تامًا، وفى مدينة فاس تتلمذ على أصحاب الجنيد أحد أكابر صوفية المشرق، وخاصة على محمد بن على بن حرازم تلميذ أبى مدين شعيب التلمسانى. لكن الشاذلى بتأثير من الصوفى المراكشى عبد السلام بن مشيش ذهب إلى الناحية المحيطة بتونس فى إفريقية لكى ينشر آراءه، واضطهد الشاذلى لقيامه بالدعوة إلى طريقته بعامة، وما أحدثه فى نفوس الناس من أثر بخاصة، فهرب إلى الإسكندرية من أعمال مصر حيث لم تزد محبة الناس له إلا قوة. ويحكى بعض المترجمين له أنه كان لا يترك
стр. 5984
بيته حتى يحيط به الناس، وقد حج مرات كثيرة ومات فى الحجة الأخيرة سنة ٦٥٦ هـ (١٢٥٨ م) فى حميئرة وهو يجتاز صحراء مصر، وعلى قبره الذى يعظمه الناس تعظيمًا كبيرًا ويزورونه، أقيمت قبة عالية بفضل جود أحد سلاطين المماليك فى القاهرة (البتنونى: الرحلة، ص ٢٩) ويذكر سلفستر دى ساسى (Silvestre de Sacy: Chrestom جـ ٢، ص ٢٣٣) رواية أخرى تقول إنه دفن فى ناحية مُخا.
وكانت حياة الشاذلى حياة شيخ سائح فى الأرض يجتهد بالذكر والفكر فى الوصول إلى الفناء فى اللَّه. وكان يعلم مريديه الزهد فى الدنيا والإقبال على اللَّه، ويحثهم على الذكر فى كل وقت وفى كل مكان وفى كل حال، وسلوك سبيل التصوف. وكانت عقيدته التوحيد. ومريدوه الأولون لا يعرفون الخلوة ولا الخانقاه ولا الذكر الصاخب وكان أشهر تلاميذه الكثيرين بمصر تاج الدين بن عطاء اللَّه الإسكندرى وأبا العباس المرسى. ومعظم شيوخ الطرق فى شمال غربى إفريقية يرجعون إلى طريقته.
وقد خلف الشاذلى عددًا من الأحزاب التى تقرأ بانتظام أو فى أحوال خاصة، وهى:
١ - المقدمة الغزيِّة للجماعة الأزهرية.
٢ - كتاب الإخوة.
٣ - حزب البر.
٤ - حزب البحر.
٥ - الحزب الكبير.
٦ - حزب الطمس على عيون الأعداء.
٧ - حزب النصر.
٨ - حزب اللطف.
٩ - حزب الفتح وهو يعرف بحزب الأنوار.
١٠ - صلاة الفتح والمغرب.
١١ - أوراد شتى وأذكار.
١٢ - وصية كتبها إلى تلاميذه.
المصادر:
(١) Etude sur les du personnages mentionnes dans l'Idjaza cheikh Abd al-Qadir al-Fasy: M.Ben Cheneb رقم ٣٣٩ باريس ١٩٠٧.
(٢) بروكلمان، جـ ١، ص ٤٤٩.
(٣) Les confrer ries religieuses musulmanes: Depont et copolani, الجزائر ١٨٩٧ ص ٤٤٤.
(٤) L'Islam Algerien: Doutte الجزائر ١٩٠٠، ص ٧٨.
стр. 5985
(٥) al-Hallaj: Massignon باريس ١٩٢٢؛ جـ ١، ص ٤٢٤, وفى مواضع مختلفة.
(٦) Marabouts et Khouans: Rinn الجزائر، ١٨٨٤ ص ٢٢٠.
أبو ريدة [كور A.Cour]
الشاذلية
(بكسر الذال أو بفتحها، وتضم فى إفريقية)، فرقة صوفية سميت بهذا الاسم نسبة لأبى الحسن على بن عبد اللَّه الشاذلى، ويختلف فى ذكر لقبه فيقال تاج الدين أو تقى الدين (عاش بين ٥٩٣ - ٦٥٦ هـ).
مذهبه: يظهر أن الشاذلى لم يصنف رسائل كبيرة، لكن ينسب له كثير من الأقوال والأحزاب كما تنسب له قصيدة، ولما كان بعض هذه الأقوال مذكورًا فى كتاب تلميذه تاج الدين بن عطاء اللَّه الإسكندرى الذى ألفه سنة ٦٩٤ هـ فإنه يمكن أن تنسب له حقًا. وأشهر أقواله حرب البحر الذى نقله عن الشاذلية ابن بطوطة (جـ ١، ص ٤١) وقد ترجمه ل. رن. L. Rinn اعتمادًا على رواية ابن بطوطة (Marabouts et Khouan، ص ٢٢٩)، ويقول حاجى خليفة (جـ ٣ ص ٥٨) إن لهذا الحزب تأثيرا خارقا للعادة؛ ويحكى عن أبى الحسن الشاذلى أنه قال فيه: لو ذكر حزبى فى بغداد لما أخذت. وتذكر له عدة شروح (جـ ٣، ص ٣٤٣, عمود أ). وتذكر أحزاب أخرى وأدعية للشاذلى فى كتاب اللطائف (جـ ٢، ص ٤٧ - ٦٦) وكتاب المفاخر (ص ١٣٥ وما بعدها). والكتاب الثانى يشتمل على بيان مفصل يتضمن فيما يتضمن تفصيل المقامات التى لا بد أن يجتازها المريد، لكن العبارات هنا لا يفهمها القارئ العادى، كما هى العادة فى مثل هذه الأحوال. ويؤخذ منها أن الشاذلى كان يرمى من وراء ذلك إلى البلوغ بالمريد درجة عالية من الكمال الخلقى الموصوف فى الكتب التى يوصى بها مثل كتاب "إحياء علوم الدين" وكتاب "قوت القلوب". والواقع أنه تذكر هنا الأصول الخمسة التى تقوم عليها طريقته وهى:
١ - تقوى اللَّه تعالى فى السر والعلانية.
٢ - اتباع السنة فى الأقوال والأفعال.
стр. 5986
٣ - الإعراض عن الخلق فى الإقبال والإدبار.
٤ - الرضا عن اللَّه تعالى فى القليل والكثير.
٥ - الرجوع إلى اللَّه تعالى فى السراء والضراء.
ويظهر أن الشاذلى لم يكن يرمى إلى تأسيس طريقة بالمعنى الذى اقترن بهذه الكلمة فيما بعد، فقد كان يريد من تلاميذه أن يمضوا فيما كانوا عليه من حرف ومهن قبل التتلمذ عليه، وذلك بأن يقرنوا ما يكونون فيه من أعمال بالذكر ما أمكنهم، وتحكى حكايات عن قوم عرضوا عليه أن يتركوا أعمالهم ويصحبوه لكنه أمرهم أن يستمروا فيما هم فيه. وكان التسول مذموما عند الشاذلية، بل هم كانوا، فيما يروى، لا يقبلون عون الحكومة لأماكن اجتماعهم.
والواقع أن إقامة زوايا أو ما يشبهها لم يكن فى ذهن الشاذلى ولا خليفته أبى العباس. وقد مدح أبا العباس أحدُ مترجميه بأنه لم يضع حجر، على حجر قط. ولم يكن الشاذلية يرفضون تولى المناصب الكبيرة ذات الرزق الوفير ولا حياة الترف، وهذا المبدأ، كما سيتبين فيما يلى، ظل حيا بين أتباع هذه الطريقة إلى يومنا هذا.
ولا شك أن الفناء فى اللَّه كان هو الهدف الأسمى الذى يرمى إليه الشاذلى كغيره من الصوفية، وكان الطريق الذى اتبعه فى الوصول إليه هو الطريق المألوف: الأوراد والأذكار، وكانت تختار لذلك، كما هى العادة، صيغ معينة لا بد أن تردد مرات محددة. وفى كتاب المفاخر (ص ١٢٥ وما بعدها) ثبت بهذه الأدعية وما يحيط بها من تعبدات. ويحكى أن الشيخ كان يراعى فى إرشاده حاجات كل مريد من مريديه ويسمح له بأن يتبع شيخًا آخر إذا كان يرى أن طريقته أقوى تأثيرًا فى تربيته. على أن أداء هذه الأوراد والأذكار لا يمكن أن يفترق بسهولة عما يرتقب من وقوع الكرامات التى بينت فى كتاب المفاخر (الموضع المذكور):
"إن أدنى رسل الشاذلية لمن عاداهم العمى والكساح وخراب الديار" ولكن كان ثمة شك فى جواز إرسالهم هذه البلايا على أعدائهم.
وإذا نحن صرفنا النظر عن هذا العلم الخفى فإن شيوخ الطريقة الشاذلية
стр. 5987
كانوا سنيين متشددين، والحقيقة أن أصحاب هذه الطريقة كانوا إذا انكشف لهم شئ يخالف السنة أنكروه مراعاة لها. ومع ذلك فإن بعض ما قاله الشاذلية كان سببًا فى نقد ابن تيمية لهم، لكن اليافعى المؤرخ (جـ ٤، ص ١٤٢) نقد أصحاب ابن تيمية.
وكانت الأمور الثلاثة التى يعتقد الشاذلية أنهم اختصوا بها هى:
(١) أنهم جميعًا مثبتون فى اللوح المحفوظ، أى أنهم منذ الأزل قد قدر لهم سلوك هذه الطريقة.
(٢) أن سكر الفناء عندهم يعقبه الصحو، أى أن السكر لا يستمر معهم فيمنعهم من مزاولة أعمالهم فى الحياة.
(٣) أن القطب فى كل العصور واحد منهم.
انتشار الطريقة: نظرًا لأنه لم تكن للطريقة زوايا فإن من العسير تتبع انتشار الطريقة. غير أنه يبدو مما لا شك فيه أن الجماعة الأولى من أتباع الطريقة تألفت فى تونس؛ لكن أبا العباس المرسى (المتوفى سنة ٦٨٦ هـ) خليفة الشاذلى مكث بالإسكندرية ستًا وثلاثين سنة: "ما رأى وجه متوليها ولا أرسل إليه" (اللطائف جـ ١، ص ١٢٨)، لم يضع حجرًا على حجر. على أن على باشا مبارك (الخطط الجديدة جـ ٧، ص ٦٩) يذكر أن هناك مسجدًا باسمه (وقد أعيد بناؤه فى سنة ١١٨٩ هـ = ١٧٧٥ - ١٧٧٦ م)، ولا شك أن تلاميذه هم الذين شيدوه، كما يذكر مسجدًا آخر باسم تلميذه ياقوت العرشى (المتوفى سنة ٧٠٧ هـ) ومسجدا ثالثًا باسم تلميذيهما معا وهو تاج الدين بن عطاء اللَّه الإسكندرى (المتوفى سنة ٧٠٩ هـ ومؤلف اللطائف). والمسجد الأول يسمى باسم "الجامع" وكان مؤثثًا تأثيثا فخما، ويقام مولد لكل من الشيخين المذكورين أولًا. ويلاحظ على باشا أن المغاربة هم أكثر من يرتاد هذه المساجد كما يذكر أن للطريقة الشاذلية مسجد فى القاهرة، والأغلب أن أتباع الشاذلى كانوا دائمًا يوجدون فى غرب بلاد مصر. لكن هـ جيسب (Fifty-three Years in Syria: H. H. Jessup، لندن ١٩١٠ جـ ٢، ص ٥٣٧) يذكر أنهم كانوا فى أيامه كثيرين يعيشون فى سورية ويزعم أنهم كانوا يدعون إلى قراءة العهدين القديم
стр. 5988
والجديد وإلى التعاون الأخوى مع المسيحيين. وفى سنة ١٨٩٢ قامت إحدى الشاذليات من كوران فى أرض البقاع شمال جبل حرمون برحلة فى سورية لوعظ الناس، فدعت إلى الاصلاح وحياة الاستقامة، وكانت تقول إن الجميع من مسلمين ونصارى ويهود إخوان، وقد خطبت فى مساجد دمشق وحاصبيا وصيداء وصور ومدن أخرى فحضت الناس على ترك الآثام. وقد بدا من الواضح أن التسامح الدينى الذى من هذا النوع لم يكن ليتفق أبدًا مع آراء مؤسس الطريقة.
ويحكى ك. نيبور (Reisebeschreibung nach Arabien: C. Niebuhr جـ ١ ص ٤٣٩؛ الترجمة الفرنسية جـ ١، ص ٣٥٠) أنه كان يوجد فى مخا فى جنوبى جزيرة العرب شيخ شاذلى يعده الناس وليا تحفظ بركته ذلك المكان وأنه هو الذى استحدث شرب القهوة.
وقد كشف س. دى ساسى (Chrest Arabe, جـ ٢ ص ٣٧٤) فى كتاب "جهاننما" نصا يخبرنا عن وصول الشاذلى إلى جزيرة العرب فى سنة ٦٥٦ هـ وعن عدة كرامات أن إلى أن صارت زراعة البن أهم فروع الكسب فى مخا، لكن الأرجح أن الولى الذى يعده الناس بركة مخا هو من أتباع الطريقة الشاذلية الذين جاءوا بعد ذلك، وهو على بن عمر القرشى (الذى تروى له أبيات من الشعر فى كتاب المفاخر، ص ٧) أحد تلاميذ ناصر الدين (لعله كان ابنه) محمد بن عبد الدائم بن الميلق (المتوفى سنة ٧٩٧ هـ) الذى كان فى ذلك الوقت شيخ الطريقة (Erdkunde.Arabien: Ritter جـ ٢، ص ٥٧٢) وليس واضحًا فيما يحكيه نيبور إلى أى حد كان أهل مخا فى أيامه عاملين بشروط الطريقة الشاذلية أو منخرطين فى سلكها. ومنذ أيام نيبور تدهورت أحوال مخا تدهورًا كبيرًا، وهى لا تعدو أن تكون الآن سوى بلدة متواضعة ماتت فيها تجارة البن والجلود (Arabia lnfelix: G.WymanBury، ١٩١٥ م ص ٢٤).
ويتبين من هذا أن المقر الأكبر للشاذلية كان فيما يظهر هو الجزء من إفريقية الواقع إلى الغرب من بلاد مصر وخاصة الجزائر وتونس. ويذكر
стр. 5989
ماك مايكل Mac Michael النص التالى نقلا عن مخطوط (١) كتب فى سنة ١٨٠٥ م وهو "طبقات ود ضيف اللَّه"، والنص يتحدث عن شيخ (هو خوجلى ابن عبد الرحمن بن إبراهيم) توفى سنة ١١٥٥ هـ A hisotry of the Arabs of the) Sudan, جـ ٢، ص ٢٥٠): "ومن أخلاقه (أى خوجلى) تمسكه بالكتاب والسنة ومتابعة السادة الشاذلية فى أقوالهم وأفعالهم، يتعمم بالشيشان الفاخرة، وينتعل بالصرموجة، ويتبخر بالعود الهندى، ويتعطر، ويجعل الزباد الحبشى فى لحيته وثيابه يفعل ذلك اقتداء بالشيخ أبى الحسن الشاذلى رضى اللَّه عنه وإظهارا لنعمة اللَّه تعالى ويحمد اللَّه على ذلك. . . وقيل له إن القادرية إنما يلبسون الجبب والمرقعات فقال: "ثيابى تقول للخلق أنا غنية عنكم، وثيابهم تقول: أنا فقيرة إليكم".
والنص نفسه يشتمل على أسماء بعض كبار الطريقة الشاذلية، وطريقة هؤلاء الشيوخ فى حياتهم تتفق، كما سيتبين، مع الحكايات الواردة فى كتاب اللطائف. وهذا يتفق مع ما يحكى فى الفقرة التالية من النص: "ومن أخلاقه أنه لا يقوم للسلام على أحد من الجبابرة، لا أولاد عجيب سلاطين بلده ولا لملوك بعل ولا لأحد من أهل المراتب إلا لاثنين: خليفة الشيخ إدريس وخليفة الشيخ صغيرون".
وفى القرن التاسع عشر انتشرت الطريقة الشاذلية انتشارا كبيرًا بفضل جهود شخص يسمى "سى ميسوم"، وهو محمد بن محمد بن أحمد الذى ولد فى قبيلة غريب التى كانت تنزل فى منتصف الطريق بين بوغار ومليانة، وقد فصل ترجمة حياته أجولى, A.Joly (Revue Afr، عام ١٩٠٦ و ١٩٠٧) فهو بعد أن تعلم على بعض المعلمين فى تلك الناحية قصد مرونة مركز الدراسات الإسلامية فى الجزائر، وبعد أن حصل ما يمكن تحصيله هناك من معارف عاد إلى قبيلة غريب وأسس مسجدين كان يعلم فى أحدهما القرآن والفقه وفى
стр. 5990
الثانى النحو والمنطق. ولما كان يخالط أصحاب طرق مختلفة فإنه كان مترددا بين الطريقتين المدنية والشاذلية. وفى سنة ١٨٦٠ م زار قبر عبد الرحمن الثعالبى قرب مدينة الجزائر وكان هذا الولى شاذليا ولذلك دخل سى ميسوم فى الطريقة الشاذلية، فقد نصحه أحد أتباع هذه الطريقة أن يدخلها وأن يزور شيخها "عدة" فى جبل اللوح بناحية أولاد لكرود، وقد أقام هناك حينا ثم رجع إلى قبيلة غريب. وقد روعى تقصير مراحل الاختبار التى لا بد لسالك الطريق من اجتيازها. وبدلا من أن يبدأ حياته فى الطريق "مُقَدَّما" رفع بعد دخول الطريق بزمان قصير إلى مرتبة شيخ فيها. وحوالى سنة ١٨٦٥ بنى زاوية فى قبيلة بوغارى، وكان يوزع وقته بين قبيلتى غريب وبوغارى، لكنه عاد فاستقر فى بوغازى وفى سنة ١٨٦٦ م أصبح بعد وفاة الشيخ عدة، شيخًا للشاذلية فى المنطقة الوسطى من بلاد الجزائر ونازعه ابن الشيخ عدة المشيخة أول الأمر. وقد عرض عليه أن يرأس مدرسة من مدارس الحكومة فى الجزائر لكنه رفض، غير أن هذا العرض هيأ له معرفة الموظفين الأوربيين، وقد نال احترامهم إلى أن توفى عام ١٨٨٣ م. وحوالى هذا الوقت كان سلطانه قد امتد حتى شمل القسم الأكبر من تل وهران والقسم الغربى من بلاد الجزائر بأسره. أما الأماكن التى كان له فيها خلفاء فهى مستغانم ومسكرة ورليزان وندرومة ووهران وتلمسان، وبعد موته استقل بعض هؤلاء الخلفاء بأمر أنفسهم، وانفصمت عرى الإشراف الموحد على هذه الطريقة الذى كان هو صاحب الفضل فيه.
وتوجد المادة الاحصائية الخاصة بأواخر القرن الماضى فى كتاب ديبون وكوبولانى (ص ٤٥٤). ويتبين من هذا الإحصاء أن عدد أتباع الطريقة الشاذلية فى مدينتى الجزائر وقسنطينة لم يبلغ خمسة عشر ألفًا. وكان لهم إحدى عشرة زاوية. أما الطرق التى تشعبت من الطريقة الشاذلية فيذكر هذا الكتاب أن عددها ثلاث عشرة طريقة أكثرها عددًا الشاذلية والطيبية والدرقاوية.