٣ - الإعراض عن الخلق فى الإقبال والإدبار.
٤ - الرضا عن اللَّه تعالى فى القليل والكثير.
٥ - الرجوع إلى اللَّه تعالى فى السراء والضراء.
ويظهر أن الشاذلى لم يكن يرمى إلى تأسيس طريقة بالمعنى الذى اقترن بهذه الكلمة فيما بعد، فقد كان يريد من تلاميذه أن يمضوا فيما كانوا عليه من حرف ومهن قبل التتلمذ عليه، وذلك بأن يقرنوا ما يكونون فيه من أعمال بالذكر ما أمكنهم، وتحكى حكايات عن قوم عرضوا عليه أن يتركوا أعمالهم ويصحبوه لكنه أمرهم أن يستمروا فيما هم فيه. وكان التسول مذموما عند الشاذلية، بل هم كانوا، فيما يروى، لا يقبلون عون الحكومة لأماكن اجتماعهم.
والواقع أن إقامة زوايا أو ما يشبهها لم يكن فى ذهن الشاذلى ولا خليفته أبى العباس. وقد مدح أبا العباس أحدُ مترجميه بأنه لم يضع حجر، على حجر قط. ولم يكن الشاذلية يرفضون تولى المناصب الكبيرة ذات الرزق الوفير ولا حياة الترف، وهذا المبدأ، كما سيتبين فيما يلى، ظل حيا بين أتباع هذه الطريقة إلى يومنا هذا.
ولا شك أن الفناء فى اللَّه كان هو الهدف الأسمى الذى يرمى إليه الشاذلى كغيره من الصوفية، وكان الطريق الذى اتبعه فى الوصول إليه هو الطريق المألوف: الأوراد والأذكار، وكانت تختار لذلك، كما هى العادة، صيغ معينة لا بد أن تردد مرات محددة. وفى كتاب المفاخر (ص ١٢٥ وما بعدها) ثبت بهذه الأدعية وما يحيط بها من تعبدات. ويحكى أن الشيخ كان يراعى فى إرشاده حاجات كل مريد من مريديه ويسمح له بأن يتبع شيخًا آخر إذا كان يرى أن طريقته أقوى تأثيرًا فى تربيته. على أن أداء هذه الأوراد والأذكار لا يمكن أن يفترق بسهولة عما يرتقب من وقوع الكرامات التى بينت فى كتاب المفاخر (الموضع المذكور):
"إن أدنى رسل الشاذلية لمن عاداهم العمى والكساح وخراب الديار" ولكن كان ثمة شك فى جواز إرسالهم هذه البلايا على أعدائهم.
وإذا نحن صرفنا النظر عن هذا العلم الخفى فإن شيوخ الطريقة الشاذلية
стр. 5987
كانوا سنيين متشددين، والحقيقة أن أصحاب هذه الطريقة كانوا إذا انكشف لهم شئ يخالف السنة أنكروه مراعاة لها. ومع ذلك فإن بعض ما قاله الشاذلية كان سببًا فى نقد ابن تيمية لهم، لكن اليافعى المؤرخ (جـ ٤، ص ١٤٢) نقد أصحاب ابن تيمية.
وكانت الأمور الثلاثة التى يعتقد الشاذلية أنهم اختصوا بها هى:
(١) أنهم جميعًا مثبتون فى اللوح المحفوظ، أى أنهم منذ الأزل قد قدر لهم سلوك هذه الطريقة.
(٢) أن سكر الفناء عندهم يعقبه الصحو، أى أن السكر لا يستمر معهم فيمنعهم من مزاولة أعمالهم فى الحياة.
(٣) أن القطب فى كل العصور واحد منهم.
انتشار الطريقة: نظرًا لأنه لم تكن للطريقة زوايا فإن من العسير تتبع انتشار الطريقة. غير أنه يبدو مما لا شك فيه أن الجماعة الأولى من أتباع الطريقة تألفت فى تونس؛ لكن أبا العباس المرسى (المتوفى سنة ٦٨٦ هـ) خليفة الشاذلى مكث بالإسكندرية ستًا وثلاثين سنة: "ما رأى وجه متوليها ولا أرسل إليه" (اللطائف جـ ١، ص ١٢٨)، لم يضع حجرًا على حجر. على أن على باشا مبارك (الخطط الجديدة جـ ٧، ص ٦٩) يذكر أن هناك مسجدًا باسمه (وقد أعيد بناؤه فى سنة ١١٨٩ هـ = ١٧٧٥ - ١٧٧٦ م)، ولا شك أن تلاميذه هم الذين شيدوه، كما يذكر مسجدًا آخر باسم تلميذه ياقوت العرشى (المتوفى سنة ٧٠٧ هـ) ومسجدا ثالثًا باسم تلميذيهما معا وهو تاج الدين بن عطاء اللَّه الإسكندرى (المتوفى سنة ٧٠٩ هـ ومؤلف اللطائف). والمسجد الأول يسمى باسم "الجامع" وكان مؤثثًا تأثيثا فخما، ويقام مولد لكل من الشيخين المذكورين أولًا. ويلاحظ على باشا أن المغاربة هم أكثر من يرتاد هذه المساجد كما يذكر أن للطريقة الشاذلية مسجد فى القاهرة، والأغلب أن أتباع الشاذلى كانوا دائمًا يوجدون فى غرب بلاد مصر. لكن هـ جيسب (Fifty-three Years in Syria: H. H. Jessup، لندن ١٩١٠ جـ ٢، ص ٥٣٧) يذكر أنهم كانوا فى أيامه كثيرين يعيشون فى سورية ويزعم أنهم كانوا يدعون إلى قراءة العهدين القديم
стр. 5988
والجديد وإلى التعاون الأخوى مع المسيحيين. وفى سنة ١٨٩٢ قامت إحدى الشاذليات من كوران فى أرض البقاع شمال جبل حرمون برحلة فى سورية لوعظ الناس، فدعت إلى الاصلاح وحياة الاستقامة، وكانت تقول إن الجميع من مسلمين ونصارى ويهود إخوان، وقد خطبت فى مساجد دمشق وحاصبيا وصيداء وصور ومدن أخرى فحضت الناس على ترك الآثام. وقد بدا من الواضح أن التسامح الدينى الذى من هذا النوع لم يكن ليتفق أبدًا مع آراء مؤسس الطريقة.
ويحكى ك. نيبور (Reisebeschreibung nach Arabien: C. Niebuhr جـ ١ ص ٤٣٩؛ الترجمة الفرنسية جـ ١، ص ٣٥٠) أنه كان يوجد فى مخا فى جنوبى جزيرة العرب شيخ شاذلى يعده الناس وليا تحفظ بركته ذلك المكان وأنه هو الذى استحدث شرب القهوة.
وقد كشف س. دى ساسى (Chrest Arabe, جـ ٢ ص ٣٧٤) فى كتاب "جهاننما" نصا يخبرنا عن وصول الشاذلى إلى جزيرة العرب فى سنة ٦٥٦ هـ وعن عدة كرامات أن إلى أن صارت زراعة البن أهم فروع الكسب فى مخا، لكن الأرجح أن الولى الذى يعده الناس بركة مخا هو من أتباع الطريقة الشاذلية الذين جاءوا بعد ذلك، وهو على بن عمر القرشى (الذى تروى له أبيات من الشعر فى كتاب المفاخر، ص ٧) أحد تلاميذ ناصر الدين (لعله كان ابنه) محمد بن عبد الدائم بن الميلق (المتوفى سنة ٧٩٧ هـ) الذى كان فى ذلك الوقت شيخ الطريقة (Erdkunde.Arabien: Ritter جـ ٢، ص ٥٧٢) وليس واضحًا فيما يحكيه نيبور إلى أى حد كان أهل مخا فى أيامه عاملين بشروط الطريقة الشاذلية أو منخرطين فى سلكها. ومنذ أيام نيبور تدهورت أحوال مخا تدهورًا كبيرًا، وهى لا تعدو أن تكون الآن سوى بلدة متواضعة ماتت فيها تجارة البن والجلود (Arabia lnfelix: G.WymanBury، ١٩١٥ م ص ٢٤).
ويتبين من هذا أن المقر الأكبر للشاذلية كان فيما يظهر هو الجزء من إفريقية الواقع إلى الغرب من بلاد مصر وخاصة الجزائر وتونس. ويذكر
стр. 5989
ماك مايكل Mac Michael النص التالى نقلا عن مخطوط (١) كتب فى سنة ١٨٠٥ م وهو "طبقات ود ضيف اللَّه"، والنص يتحدث عن شيخ (هو خوجلى ابن عبد الرحمن بن إبراهيم) توفى سنة ١١٥٥ هـ A hisotry of the Arabs of the) Sudan, جـ ٢، ص ٢٥٠): "ومن أخلاقه (أى خوجلى) تمسكه بالكتاب والسنة ومتابعة السادة الشاذلية فى أقوالهم وأفعالهم، يتعمم بالشيشان الفاخرة، وينتعل بالصرموجة، ويتبخر بالعود الهندى، ويتعطر، ويجعل الزباد الحبشى فى لحيته وثيابه يفعل ذلك اقتداء بالشيخ أبى الحسن الشاذلى رضى اللَّه عنه وإظهارا لنعمة اللَّه تعالى ويحمد اللَّه على ذلك. . . وقيل له إن القادرية إنما يلبسون الجبب والمرقعات فقال: "ثيابى تقول للخلق أنا غنية عنكم، وثيابهم تقول: أنا فقيرة إليكم".
والنص نفسه يشتمل على أسماء بعض كبار الطريقة الشاذلية، وطريقة هؤلاء الشيوخ فى حياتهم تتفق، كما سيتبين، مع الحكايات الواردة فى كتاب اللطائف. وهذا يتفق مع ما يحكى فى الفقرة التالية من النص: "ومن أخلاقه أنه لا يقوم للسلام على أحد من الجبابرة، لا أولاد عجيب سلاطين بلده ولا لملوك بعل ولا لأحد من أهل المراتب إلا لاثنين: خليفة الشيخ إدريس وخليفة الشيخ صغيرون".
وفى القرن التاسع عشر انتشرت الطريقة الشاذلية انتشارا كبيرًا بفضل جهود شخص يسمى "سى ميسوم"، وهو محمد بن محمد بن أحمد الذى ولد فى قبيلة غريب التى كانت تنزل فى منتصف الطريق بين بوغار ومليانة، وقد فصل ترجمة حياته أجولى, A.Joly (Revue Afr، عام ١٩٠٦ و ١٩٠٧) فهو بعد أن تعلم على بعض المعلمين فى تلك الناحية قصد مرونة مركز الدراسات الإسلامية فى الجزائر، وبعد أن حصل ما يمكن تحصيله هناك من معارف عاد إلى قبيلة غريب وأسس مسجدين كان يعلم فى أحدهما القرآن والفقه وفى
стр. 5990
الثانى النحو والمنطق. ولما كان يخالط أصحاب طرق مختلفة فإنه كان مترددا بين الطريقتين المدنية والشاذلية. وفى سنة ١٨٦٠ م زار قبر عبد الرحمن الثعالبى قرب مدينة الجزائر وكان هذا الولى شاذليا ولذلك دخل سى ميسوم فى الطريقة الشاذلية، فقد نصحه أحد أتباع هذه الطريقة أن يدخلها وأن يزور شيخها "عدة" فى جبل اللوح بناحية أولاد لكرود، وقد أقام هناك حينا ثم رجع إلى قبيلة غريب. وقد روعى تقصير مراحل الاختبار التى لا بد لسالك الطريق من اجتيازها. وبدلا من أن يبدأ حياته فى الطريق "مُقَدَّما" رفع بعد دخول الطريق بزمان قصير إلى مرتبة شيخ فيها. وحوالى سنة ١٨٦٥ بنى زاوية فى قبيلة بوغارى، وكان يوزع وقته بين قبيلتى غريب وبوغارى، لكنه عاد فاستقر فى بوغازى وفى سنة ١٨٦٦ م أصبح بعد وفاة الشيخ عدة، شيخًا للشاذلية فى المنطقة الوسطى من بلاد الجزائر ونازعه ابن الشيخ عدة المشيخة أول الأمر. وقد عرض عليه أن يرأس مدرسة من مدارس الحكومة فى الجزائر لكنه رفض، غير أن هذا العرض هيأ له معرفة الموظفين الأوربيين، وقد نال احترامهم إلى أن توفى عام ١٨٨٣ م. وحوالى هذا الوقت كان سلطانه قد امتد حتى شمل القسم الأكبر من تل وهران والقسم الغربى من بلاد الجزائر بأسره. أما الأماكن التى كان له فيها خلفاء فهى مستغانم ومسكرة ورليزان وندرومة ووهران وتلمسان، وبعد موته استقل بعض هؤلاء الخلفاء بأمر أنفسهم، وانفصمت عرى الإشراف الموحد على هذه الطريقة الذى كان هو صاحب الفضل فيه.
وتوجد المادة الاحصائية الخاصة بأواخر القرن الماضى فى كتاب ديبون وكوبولانى (ص ٤٥٤). ويتبين من هذا الإحصاء أن عدد أتباع الطريقة الشاذلية فى مدينتى الجزائر وقسنطينة لم يبلغ خمسة عشر ألفًا. وكان لهم إحدى عشرة زاوية. أما الطرق التى تشعبت من الطريقة الشاذلية فيذكر هذا الكتاب أن عددها ثلاث عشرة طريقة أكثرها عددًا الشاذلية والطيبية والدرقاوية.
стр. 5991
على أنه إذا كانت هذه الطريقة فى أول حياتها لم يكن يقصد منها فيما يبدو شئ من التنظيم وكانت الصلة بين أتباعها مفككة جدًا فإن من البين أنه مع مرور الزمان دخل عليها التنظيم المألوف فى الطريقة.
تواليف أصحاب الطريقة: ذكرنا فيما تقدم أنه لا الشاذلى نفسه، ولا خليفته أبو العباس المرسى كتب شيئًا، لكن يظهر أن تلميذه ياقوتا العرشى ألف كتابًا فى المناقب، أما تلميذهما معا وهو تاج الدين بن عطاء اللَّه الإسكندرى فقد ألف كتبًا كثيرة طبع منها كتابان هما كتاب "لطائف المتن" الذى تكلم فيه عن الشيخين الأولين للطريقة؛ وكتاب "مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح" (على هامش لطائف المتن للشعرانى، القاهرة ١٣٢١ هـ) والكتاب الأول من الكتابين هو المصدر الأكبر لما نعرفه عن حياة الشاذلى. وهناك ترجمة للشاذلى ألفت بعد ذلك بمدة غير طويلة وهى "درة الأسرار" لمحمد بن قاسم الحميرى بن الصباغ وهى مقتبسة فى كتاب المفاخر، وثمة ترجمة أخرى عنوانها "الكواكب الزهراء" لأبى الفضل عبد القادر بن معيزل (المتوفى سنة ٨٩٤ هـ) ذكر منها بعض الأجزاء هانيبرج Haneberg (فى Z.D.M.G مجلد ٧، ص ١٤ وما بعدها). أما الكلام الوافى عن الطريقة الشاذلية فى كتاب "المفاخر العلية فى المآثر الشاذلية" لابن عياد فهو متأخر عن السيوطى (وقد طبع فى القاهرة ١٣١٤ هـ) والمؤلف يرجع إلى رسالتين تذكران لسيدى زرّوق (شهاب الدين أحمد الفاسى المتوفى سنة ٨٩٦ هـ) وهما "الأصول"، و"العمدة" ويذكر هانيبرج (المصدر نفسه) الشاعر الشاذلى على بن وفاء (المتوفى سنة ٨٠٧ هـ) وابن عمه محمد وفا مؤلف بعض الكتب فى التصوف وصاحب ديوان يشيع فى معظم قصائده روح الإنابة الخالصة للَّه. ويروى حاجى خليفة قصيدة عنوانها "جمال السلوك" لناصر الدين الذى تقدم ذكره.
ويذكر السيوطى فى كتابه "بغية الوعاة" ص ٢٤٦, مؤلفًا شاذليًا هو
стр. 5992
داود بن عمر بن إبراهيم الإسكندرى المتوفى سنة ٧٣٣ هـ
أما أهم المصادر الأوروبية فقد ذكرت فيما تقدم.
أبو ريدة [مركوليوث D.S Margoliouth]
الشاطبى
أبو محمد القاسم بن فرح (١) بن خلف بن أحمد الرُعَيْنى، ويعرف عامة باسم أبو القاسم الشاطبى: ولد حوالى نهاية سنة ٣٥٨ هـ (١١٤٤ م) فى شاطبة ودرس فيها على أبى عبد اللَّه محمد بن محمد النفزى الملقب بابن لايُه (ليو Leo). ويقول ابن خلكان إنه خطب بالفعل فى مسجد بلده بالرغم من أنه كان يعد شابا، ثم انتقل إلى بلنسية حيث درس على أبى الحسن على بن محمد هذيل وغيره ممن ذكرهم كتاب سيرته قراءة القرآن الكريم والحديث. وانتهز فرصة مروره بالإسكندرية فى طريقه إلى الحج فحضر فيها دروس أبى طاهر أحمد بن محمد السلفى، ووجد فى عودته من الحج سنة ٥٧٢ هـ (١١٧٥ م) نصيرًا فى شخص القاضى الفاضل فأقامه شيخًا للمدرسين فى المدرسة الفاضلية التى أنشأها. وفى سنة ٥٨٩ هـ (١١٩٣ م) زار السلطان صلاح الدين فى بيت المقدس بعد أن استردها من النصارى. وعاد الشاطبى إلى منصبه فى المدرسة الفاضلية، ومضى يقوم بالتدريس فيها حتى أدركته منيته فى يوم الأحد الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة ٥٩٠ هـ (١٩ يونية سنة ١١٩٤ م) بالغًا من العمر الثانية والخمسين، ودفن فى اليوم التالى فى تربة القاضى الفاضل بالقرافة الصغرى؛ ويقول ابن خلكان إنه زار قبره مرارًا. وكان الشاطبى رجلا جم التواضع عظيم الإخلاص، وكان فى مرضه الأخير تشتد به العلة اشتدادًا كبيرًا فإذا سئل عن حالة قال: بعافية. وقد اشتهر بعلمه الواسع بالقراءات والتفسير وترجع
стр. 5993
شهرته بين أصحاب التواليف إلى قصيدتين تعليميتين، أو قل رسالتين من الشعر المنثور, تتناولا المسائل الآتية:
(١) قصيدة لامية عدتها ألف ومائة وثلاثة وسبعون بيتًا سماها "حرز الأمانى ووجه التهانى"، على أنها اشتهرت بالشاطبية نسبة إلى كاتبها. وقد نظم فى هذه القصيدة كتابًا فى الموضوع نفسه لعثمان بن سعيد أبى عمرو الدانى (المولود سنة ٣٧١ هـ المتوفى سنة ٤٤١ هـ) عنوانه "التيسير". ويقول ياقوت فى كتابه إرشاد الأريب إن شعر الشاطبى كان "عقدًا صعبًا لا يكاد يفهم"؛ ومن ثم فلا عجب أن كانت هذه القصيدة موضع شروح كثيرة. ويبدؤها الشاطبى بعد المقدمة بشرح الطريقة الصحيحة لقراءة الحروف متى تسكن، ومتى يجوز القصر أو المد، وكيف ينطق بالهمزة وخصوصًا إذا وردت فى الكلمة مرتين، ثم يلى ذلك أبواب فى التنوين والإمالة وغير ذلك حتى ينتهى إلى الأبواب التى تتناول القرآن الكريم مبينة القراءات المختلفة للقراء السبعة. وإنما يستطاع فهم تلك القوافى التى لا يكاد يستبين لها نهاية بالاستعانة بشرح من الشروح، أو بمقارنتها بكتب منثورة تعالج الموضوع نفسه.
وترجع الشهرة العظيمة التى أحرزتها هذه القصيدة إلى سببين: الأول أن الطالب أيسر عليه بحسب طريقة القدماء أن يحفظ الموضوع برمته عن ظهر قلب سواء فهمه أو لم يفهمه؛ والثانى، وهو يتفرع من الأول، أن هذه الطريقة تفسح المجال للمدرس لإظهار علمه بشرح الأبيات الغامضة. وتوجد القصيدة مخطوطة فى معظم دور الكتب العربية، ومنها نسخة مطبوعة (القاهرة ١٣٢٨ هـ) تشتمل أيضًا على قصيدة الشاطبى الأخرى. أما شروح القصيدة التى نحن بصددها فكثيرة جدًا؛ وأفضلها فيما يقال هو شرح برهان الدين إبراهيم بن عمر الجعبرى المتوفى
стр. 5994
سنة ٧٢٢ هـ (١٣٣٢ م) والذى أتمه سنة ٦٩١ هـ وقد زاد فى هذا الشرح شمس الدين أحمد بن إسماعيل الكورانى المتوفى سنة ٨٩٣ هـ. وثمة شرح آخر كتبه تلميذ للشاطبى يدعى أبا الحسن على بن محمد السخاوى المتوفى سنة ٦٤٣ هـ. وهذا هو أول شرح للقصيدة بعنوان "الفتح الوصيد فى شرح القصيد".
وهناك شرح ثالث كتبه أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل المتوفى سنة ٦٦٥ هـ, وقد أسمى شرحه "إبراز المعانى من حرز الأمانى، ومنه مخطوطات فى عدة مكتبات. وإيراد الشروح الأخرى يقتضينا صفحة بتمامها، على أن وجود هذه الرسائل الكثيرة التى تتناول قصيدة حرز الأمانى يدل على أنها صادفت هوى فى نفوس الأجيال التى أعقبت الشاطبى.
(٢) قصيدة رائية فى حوالى ثلثمائة بيت عنوانها "عقيلة أتراب القصائد فى أسنى المقاصد" وهى أيضًا فى قراءة القرآن، ولكنها تعنى بقراءة هذا الخط الكريم قراءة جيدة أكثر من عنايتها بالقراءات المختلفة، كما هى الحال فى سابقتها، وهى تتفق معها فى أنها ليست أصيلة، وإنما هى نظم لكتاب فى الموضوع نفسه يعرف باسم "المقنع" للدانى (انظر ما أسلفنا بيانه).
وقد نظمت هذه القصيدة باللغة الغامضة ذاتها التى نظمت بها قصيدة حرز الأمانى، وشرحها شراح كثيرون للسببين اللذين بسطناهما، وأقدم شراحها هم عين شراح القصيدة الأخرى، أى الجعبرى والسخاوى. وقد سمى الأول شرحه باسم "جميلة أرباب المراصد"، أما الثانى فقد سمى شرحه "الوسيلة إلى كشف العقيلة" وكلتا هاتين القصيدتين لهما فى نظر أهل التقى مزية أخرى، هى أنهما تعويذتان تقيان المرء كل أنواع الشرور.
стр. 5995
(٣) قصيدة ميمية فى حوالى ٥٠٠ بيت نظم فيها كتاب "التمهيد" لابن عبد البر أبى عمر يوسف بن عبد اللَّه القرطبى فى فقه الحديث، وهذه القصيدة لم تقع عليها عينى، ولكنها أيضًا غامضة جدًا كما يقول ياقوت. وترد من حين إلى حين شواهد من قصائد الشاطبى الدينية الأخرى فى دواوين الشعر ولكنها جميعًا قليلة القيمة من الناحية الأدبية.
ويفسر اسم أبى الشاطبى بأن معناه فى الإسبانية "الحديد" ويجب أن نقرأ هذه الكلمة فرو Ferro، ذلك أن الكلمة كانت تقرأ فى تلك الأيام بهذا النطق ولا تقرأ فيرو Fierro كما هو شأنها فى الإسبانية الحديثة. على أن ثمة أخطاء كثيرة وقعت فى جميع الكتب التى يرجع إليها فى ترجمة حياة الشاطبى وهى أخطاء تتعلق بأسماء الأعلام، وإنى لأرجو أن أكون وفقت فى تصويبها.
المصادر
(١) ياقوت: إرشاد الأريب، طبعة Margoliuth, جـ ٦، ص ١٨٤.
(٢) ابن عبد البر: التكملة، رقم ١٩٧٣
(٣) الصفدى: نكت الهميان، القاهرة ١٣٢٩ هـ، ص ٢٢٨
(٤) السبكى: الطبقات, جـ ٤، ص ٢٩٧
(٥) ابن خلكان، القاهرة ١٣١٠ هـ، جـ ١، ص ٤٠٢
(٦) طاشكبرى زاده: مفتاح السعادة، حيدرآباد ١٣٢٩ هـ، جـ ١، ص ٣٨٧
(٧) السيوطى: حسن المحاضرة، جـ ١ ص ٢٨٤
(٨) ابن فرحون: الديباج، طبعة فاس، ص ٢١٥
(٩) Gesch. d. Arab.lit: Brockelmann جـ ١، ص ٤٠٧ و ٤٠٩.
خورشيد [كرنكو F.Krenkow]
стр. 5996
شاعر
الراجح أن هذه الكلمة مشتقة من كلمة "شعر" التى قد تكون من أصل سامى قديم، ذلك أننا نجد فى العبرية كلمة "شير" بمعنى الترتيلة الدينية، وما أبعد أن تكون مشتقة من الفعل العربى "شعر" كما يقول فقهاء اللغة العرب. ولعل كون هذا الفعل لا يستعمل بمعنى نظم القوافى لينطق فى ذاته بما يخالف مثل هذا الاشتقاق. (قال كولدتسيهر فى مؤلفه Abhandl. z Arab. Phil، أن الشاعر هو "من أوتى المعرفة الملهمة" وقد ضاع أصل الكلمة فى طوايا الماضى السحيق؛ ومع أنه لا يوجد فيما بلغ إليه على أى نقش عربى قديم يشتمل على أبيات ما من الشعر فإننا لا نستطيع أن نتخذ ذلك حجة على أن الشعر لم يوجد فى هاتيك الأيام، ذلك أننا نجد تلك الحقيقة المشهورة قائمة وهى أن أقدم شواهد الشعر العربى التى نستطيع أن نحكم بأنها صحيحة أصيلة، كانت تسير بالفعل على قواعد من البحور والقافية. ولا مناص من أن تلتزم القصيدة القافية، ولكن الشاعر فى أقدم ما بقى لنا من شواهد فنه يستخدم بحورا لا يقرها نقاد القرن الثانى للهجرة ولا يعرفونها (ومن قبيل ذلك قصائد عبيد وامرئ القيس، وعمرو بن قميئة). وكذلك نجد فى الأزمنة القديمة بأن البحر لم يكن صحيحًا فى جميع الأحوال وهذا الأمر كان فيما يرجح أكثر تواترًا مما نستطيع أن نجزم به الآن، حتى وإن كان البحر الذى يستخدمه الشاعر يتفق مع بحر من البحور الستة عشر التى وضعها الخليل ابن أحمد، وشاهد ذلك أن بيتًا من أبيات زهير قد حوى من المقاطع أكثر مما استطاع النحويون تقويمه.
ومما له شأن أيضًا أن أقدم شواهد الشعر العربى نظمها شعراء كان لهم جاء فى قبائلهم.
ويميل بعض الكتاب إلى إعتبار أن الشاعر والكاهن كانا فيما يرجح شيئًا واحدا، وهو رأى لا نستطيع أن نسلم به، ذلك أن الشعر العربى فى العهود القديمة كان بعامة ينأى عن الأمور الدينية. ومن الحجج الوجيهة التى تؤيد رأيى أنه بوجه عام قد التزم أشد الالتزام الأمور الدنيوية.
стр. 5997
ولعل بحر الرجز القصير كان أو بحر استخدم فى الحداء؛ ولكن ليس بين أيدينا شواهد من الحداء القديم، وأقدم ما لدينا منه ورد فى ديوان الشماخ الذى عاش وقت ظهور الإسلام.
وكان أقدم شعراء اتصل بنا شئ من أخبارهم يعيشون فى شرقى الجزيرة العربية؛ وكانوا لا يستخدمون فى شعرهم إلا عددًا قليلًا جدًا من البحور الستة عشر؛ ومما له مغزى أن الشعراء المتأخرين أنفسهم مثل جرير والفرزدق لا يستخدمون أبدًا البحور القصيرة، لأن هذه البحور قد نشأت فيما يبدو بعد ذلك فى الحجاز. وإنما يستخدم جرير بحور الرجز؛ الطويل؛ والوافر؛ والبسيط، والكامل والمتقارب. ويزيد الأعشى على ذلك بحر الخفيف فحسب. ولما كان الشعراء المتأخرون عن ذلك فى جميع أنحاء الجزيرة العربية يستخدمون سائر البحور جميعًا، فإن الحقيقة التى ذكرناها قد تشير إلى وجود سبب خفى تُرد إليه هذه الظاهرة وكان القوم يرون أن الشاعر قد أوتى علمًا خاصًا يُلهم إليه به ضرب من شيطان يألفه ويصحبه شخص أو شخصان من الأناسى يحفظان عنه أشعاره ويرويانها فى أحياء أخرى غير حيه.
وقد لا يكون هذا الشيطان الذى يألفه إلا روحا موهومة. أما راوية الشاعر فكان شخصًا حقيقيًا. وبين أيدينا عدد عديد من الرواة ذكرهم كتاب الأغانى كما ذكرهم الشعراء أنفسهم فى قصائدهم. على أن ثمة ما هو أهم من ذلك؛ وهو أن الراوى نفسه يصبح فى كثير من الأحوال شاعرًا نابها فى الجيل التالى. ونذكر من الرواة المشاهير: كان أوس بن حجر راوية طفيل الغنوى؛ والشاعر زهير راوية أوس؛ كما كان زهير راوية عمه بشامة وكان رواة زهير ابنه كعبا والحطيئة والشماخ ويمكن أن نورد من مثل هذه السلاسل من الشعراء الذين يروى كل منهم أشعار الآخر عددًا أعظم مما يتصور الناس. وهذا يشير إلى وجود ما يشبه أن يكون مدرسة من الشعراء يحاول الراوى فيها أيضًا أن ينشئ أشعارا
стр. 5998
خاصة به يعرضها على أستاذه، كما يعلل أيضًا غلبة بحور خاصة، بل موضوعات خاصة فى أنحاء بعينها من جزيرة العرب. ذلك أنه لم يكن من قبيل الصدفة أن أبا ذؤيب، وساعدة بن جؤية والمتنخل، والشعراء الهذليين قد تخصصوا فى وصف النحل؛ وكانوا يروون بعضهم عن بعض؛ ولم يستعملوا بحورا واحدة فحسب بل تناولوا أيضًا موضوعات واحدة أخذوها عن أساتذتهم فى الشعر. وهذا يفسر أيضا السبب فى أننا نجد بيتًا واحدًا يتكرر كلمة كلمة فى أشعار طفيل وأوس بن حجر وزهير. وقد كانت "جياد الهوى المطلقة العنان" فكرة لم يستطع رواة طفيل أن يسقطوها من أشعارهم (١).
وكان الشاعر فى العهود القديمة يحب أن يملأ قصائده بغرر الكلمات؛ وكانت هذه العهود بخاصة هى التى شهدت استعمال عدد كبير من الكلمات الدخيلة تُرصع بها القصائد، وهى سنة بطلت بعد القرن الأول للهجرة؛ ذلك أن وظيفة الشاعر كانت قد تغيرت فى ذلك العهد تغيرا تامًا فقد كان الشاعر فى العهود القديمة ينافح عن شرف قبيلته؛ ويقتضيه الواجب أن يرثى من قضى من أهله أو شجعان عشيرته أو يشدو بالهجاء يناجز به أعداء قبيلته، ثم تنزل فأصبح يستجدى عطاء ذوى الجاه والثراء، وزاد على ذلك قصائد يهجو بها منافسيه مما جعل مهمته فى إبتزاز العطايا أشق وأعسر، وموضوعات جديدة يصور فيها مجالس الشراب وقصائد فى الغلمان وأناشيد مفحشة وليس بين أيدينا شعر فارسى يرجع إلى هذه العصور القديمة، ولكن ابن جنى يخبرنا (الخصائص جـ ١، ص ٢٥٢) أن الشعر فى فارس كان مزدهرا أيضًا، وأن الشعراء كانوا يجتهدون كل الاجتهاد فى أن يتحاشوا استعمال آية كلمة عربية فى قصائدهم، ذلك إن هذا كان خطأ جسيما فى نظر النقاد. ونحن لا نعلم موضوعات هذا الطراز من الشعر، على أننا نستطيع أن نذهب إلى أن الجانب الذى يتسم بالخفة من الشعر العربى والذى تمثله أشعار
стр. 5999
بشار وأبى نواس كان مرآة للموضوعات التى تناولها الشعر الفارسى الموثوق به إلى القرن الرابع للهجرة والشواهد الباقية لنا منه تتفق اتفاقا مشهودا مع ذلك الضرب من الشعر الذى نظمه بالعربية معاصروهم مثل أبى الفتح البستى الذى كان ينظم باللغتين العربية والفارسية. جميعًا. ومنذ ذلك الوقت لم تذهب ريح الشاعر قط. ولكن فن الشعر الذى يبدو جديدًا فى بابه كل الجدة قلما استطاع أن يخلص من نهجه القديم، وأصبح الشعراء سواء كانوا من العرب أو الفرس أو من الترك أو من الأورو يجترون زادهم حتى يومنا هذا.
وقد ورد فى القرآن الكريم فى نهاية السورة السادسة والعشرين [سورة الشعراء] ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ على أن الشعراء كان لهم مقام فى الحضارة العربية، وتشهد الروايات بأن الخلفاء الراشدين كانوا راسخى القدم فى الشعر القديم خاصة عليًا فإنه قد نسبت له أبيات كثيرة الراجح أنها جميعًا موضوعة؛ ومع أنه لم يكن من الجائز أن يقال إن النبى [ ﷺ ] شاعر، فإنه قد استعان كل الاستعانة بعدد من الشعراء. وخاصة حسان بن ثابت الذى نظم أبياتا لاذعة فى هجاء خصوم النبى [ ﷺ ] المكيين. والطريقة التى كان يتوسل بها الشاعر فى إيصال شعره إلى معسكر أعدائه هى أن يلقنه راوية يلقيه فى حى آخر أمام مستمعين محايدين يكون لهم من المصلحة ما يدفعهم إلى ترديده على أسماع الحرب الذى قيل فيه الهجاء. أما فيما يخص فن الشاعر فإنى أميل إلى الشك فى أن القصائد القديمة كلها كانت فى الأصل قصائد كاملة. ذلك إن الشاعر فى كثير من الأحيان لا يستطيع أن يستوحى الشيطان الذى ألفه إلا جزءًا منها؛ ويقتضيه الأمر مثل زهير. أن يقضى سنة بطولها فى إكمال قصيدة واحدة أو يلجأ إلى إلقائها قبل أن تكتمل كما جاء فى القواعد التى وضعها آلوارت Ahlwardt مثلًا عن كل قصيدة.
وبين أيدينا شاهد كاف على أن كثيرا من القصائد لم تكن فى جميع العصور
стр. 6000
إلا قطعا فحسب، ذلك أن من المستبعد كثيرا أن تطول القصيدة العربية (أو الفارسية) حتى تبلغ عددًا عظيمًا من الأبيات مع التزام قافية واحدة.
خورشيد [كرنكو F.Krenkow]
الشافعى
الإمام أبو عبد اللَّه محمد بن إدريس صاحب المذهب الشافعى فى الفقه. وقد نسجت كثير من القصص حول حياته حتى ليتعذر علينا أن نخلص منها بالمادة التاريخية حقًا. ثم إننا نلقى مشقة عظيمة فى تحديد السنين المتعلقة بوقائع حياته. والمصادر القديمة التى يستقى منها ذلك نادرة جدًا. فالمسعودى المتوفى سنة ٣٤٥ هـ هو أول مؤرخ ذكر الشافعى. والوثائق الوحيدة التى يعول عليها فى هذا المقام هى حجة وقف بيتيه فى مكة المؤرخة فى صفر سنة ٢٠٣ هـ (أغسطس سنة ٨١٨ م؛ كتاب الأم، جـ ٦، ص ١٧٩ = kern فى Mittellungen des semfur oriental. Sprachen, Westasiat. studien، ١٩٠٤ م، ص ٥٥)، ووصيته المؤرخة فى شعبان سنة ٢٠٣. فبراير ٨١٩؛ كتاب الأم، جـ ٤ ص ٤٨ = Kern فى المصدر المذكور، ١٩٠٨ م، ص ٥٩) وحجة وقف بيته فى الفسطاط (كتاب الأم جـ ٣، ص ٢٨١) التى لا شك فى نسبتها إلى الشافعى وإن كانت الأسماء والتواريخ قد حذفت منها. والحق إن التراجم المتأخرة للشافعى قد اعتمدت على "المناقب" القديمة التى كتبها أمثال داود الظاهرى المتوفى سنة ٢٠٧ هـ؛ والساجى المتوفى سنة ٣٠٧، وابن أبى حاتم المتوفى سنة ٣٢٧ وغيرهم. ولكن هذه المناقب كان قد شابها كثير من القصص. مثال ذلك أن الخطيب البغدادى المتوفى سنة ٤٠٣ هـ ذكر بالفعل نقلا عن ابن عبد الحكم المتوفى سنة ٣٥٧ هـ قصة مولد الشافعى التى تقرن هذا المولد بظهور كوكب المشترى فوق مصر.
وينتسب الشافعى إلى قبيلة قريش "فقد كان هاشميا، ومن ثم اجتمع نسبه بنسب النبى ﵊ فى أجداده الأولين. وكانت أمه من قبيلة أزد، وتقول بعض المصادر إنها كانت علوية. وقد ولد الشافعى فى سنة ١٥٠ هـ (٧١٧ م) فى غزة (الإسطخرى، ص ٥٨) وفقد أباه فى سن باكرة
стр. 6001
فنشأته أمه بمكة نشأة تتسم برقة الحال، وقضى وقتا طويلا بين البدو، ودرس شعراء العرب القدامى دراسة جيدة (مثل زهير وامرئ القيس، وجرير وغيرهم؛ انظر كتاب الأم؛ جـ ١؛ ص ١٧٤؛ جـ ٥، ص ١١٨، ١٤٢ الخ) وقد تعلم الفقيه اللغوى الأصمعى من الشافعى الشاب أشعار بنى هذيل (انظر أيضًا كتاب الأم، جـ ٢، ص ١٦٧؛ جـ ٥، ص ١٣٣) وديوان الشنفرى؛ ودرس فى مكة الحديث والفقه على مسلم الزنجى المتوفى سنة ١٩٨ هـ, وحفظ موطأ مالك عن ظهر قلب؛ فلما أشرف على العشرين شخص إلى المدينة ليلقى مالكا ابن أنس ومكث فيها حتى توفى مالك سنة ١٧٩ هـ (٧٩٦ م)؛ ثم خدم فى اليمن؛ وهناك تورط فى دسائس العلويين فقد انحاز سرًا إلى الإمام يحيى بن عبد اللَّه الزيدى (Opkomst van het Zaiditiersche Imamaat: V.Arendonck، ص ٦٠، ٢٩٠) - وحمل أسيرًا هو وغيره من العلويين إلى الخليفة هارون الرشيد فى الرقة سنة ١٨٧ هـ (٨٠٣ م) وعفا عنه هارون، ثم توثقت صلته بالفقيه الحنفى المشهور محمد بن الحسن الشيبانى المتوفى سنة ١٨٩ هـ (٨٠٥ م) الذى كان الشافعى قد نسخ كتبه بنفسه. ولما وجد أنه لا يجسر على تحدى الشيبانى لما كان له من نفوذ فى بلاط الخليفة، رحل إلى مصر مارًا بحرّان والشام؛ واستقبل فى مصر أول الأمر استقبالا حسن أبو صفة تلميذًا لمالك. ولم يذهب إلى بغداد إلا سنة ١٩٥ هـ (٨١٠/ ٨١٩ م) وأقام فيها يتولى التدريس موفقا. ووصل نفسه هناك بعبد اللَّه ابن والى مصر الجديد عباس بن موسى؛ وعاد إلى مصر فى ٢٨ شوال سنة ١٩٨ (٢١ يونيه ٨١٤؛ الكندى؛ طبعة Guest؛ ص ١٥٤ م) ووقعت فى مصر اضطرابات حملته على المبادرة إلى الرحيل إلى مكة؛ ثم عاد منها سنة ٢٠٠ هـ (٨١٥/ ٨١٦ م) ليستقر فى مصر نهائيًا وتوفى بالفسطاط فى آخر يوم من رجب سنة ٢٠٤ هـ (٢٠ يناير سنة ٨٢٠ م) ودفن بسفح المقطم فى تربة بنى عبد الحكم؛ وكان لصلاح الدين مدرسة عظيمة فسيحة مقامة هناك (ابن جبير: الرحلة؛ ص ٤٨). وقد بنى القبة التى فوق الضريح الملك الكامل الأيوبى سنة ٦٠٨ هـ (١٢١١/ ١٢١٢ م) وكان هذا الضريح دائمًا مزارًا محببا إلى القلوب يختلف إليه الناس.
стр. 6002
ويمكن أن نقول إن الشافعى كان ينهج منهج التوفيق فيقف موقفا وسطا بين البحث الحر فى الفقه والتقليد الذى أخذ به أهل عصره. ولم يقنع الشافعى بالعمل بالمادة الفقهية الميسورة بل أخذ فى كتابه الرسالة يستقصى أصول الفقه وطرائقه وهو يعد واضع علم أصول الفقه. ويختلف الشافعى عن الحنفية فى أنه سعى إلى وضع قواعد مقررة للقياس (كتاب الرسالة؛ القاهرة (١٣٢١ هـ, ص ٦٦, ٧٠)؛ على حين لم يكن ثمة ما يجعله يعنى بالاستحسان، ذلك أن الشافعية المتأخرين كانوا هم أول من استحدث هذا المبدأ (Goldziher: Zahiritern، ص ٢٠ وما بعدها، المؤلف نفسه فى EI جـ ٢، ص ١٠٩؛ Anfange und charakter des juristischen Denkens im Islam: Bergstrasser فى Isl ١٩٢٤ م، جـ ١٤، ص ٧٦, ٨٠ وما بعدها) ويمكن أن نميز فى حياة الشافعى فترتين منتجتين: فترة متقدمة (العراقية) وفترة متأخرة (المصرية)، ويقول الحاكم المتوفى سنة ٤٠٥ هـ ذلك، عن كتاب الرسالة (العسقلانى ص ٧٧) وهو الكتاب الذى لم يصل الينا إلا فى نسخته المتأخرة (طبعت فى القاهرة سنة ١٣٢١ هـ وغير ذلك من السنين) ونحن نلحظ أيضًا هاتين الفترتين واضحتين فى كثير من الأحوال فى كتاب الأم وفى الأقوال المختلفة للشافعية المتأخرين.
وقد نقل لنا تلميذه الربيع بن سليمان المتوفى سنة ٢٧٠ هـ (٨٨٤ م) كتابات الشافعى التى يستخدم فيها الحوار ببراعة المتمكن ولا يذكر عادة أسماء مناظريه ونجد ثبتًا بها فى الفهرست (ص ٢١٠) وآخر ذكره البيهقى المتوفى سنة ٤٥٨ هـ فيما نقله عنه العسقلانى (ص ٧٨) وثالثا فى ياقوت (إرشاد الأريب، ص ٣٩٦ - ٣٩٨)؛ ومعظم العناوين المذكورة فى هذه المصادر هى أجزاء من كتاب الأم الذى هو مجموعة من كتابات الشافعى (طبع فى القاهرة فى ٧ مجلدات، ١٣٢١ - ١٣٢٥. وقد نقل جزء من هذه الطبعة من مخطوط الفقيه الشافعى المشهور سراج الدين البلقينى) ومن المستبعد أن يكون عنوان هذه المجموعة قديمًا. فقد كان أول من ذكر فيما أعلم هو البيهقى (العسقلانى، ص ٧٨) والغزالى (الإحياء القاهرة ١٣٢٧ هـ؛ جـ ٢، ص ١٣١). ولم يذكر الكتاب
стр. 6003
نفسه إلا فى تلك الفقرات التى تبدو كأنها حواشى، ولا شك أن نسخا كثيرة من كتاب الأم كانت موجودة، فقد كان البيهقى فى عهد متأخر يرجع إلى القرن الخامس الهجرى يعرف نسخة أخرى منه مختلفة عن نسخة الربيع؛ ذلك أنه يذكر بعض الأبواب المستقلة من كتاب الأم بترتيب آخر، ولعل هذه النسخة كانت هى نسخة البويطى التى استخدمها فيما يبدو هى ونسخة ابن أبى الجارود (كتاب الأم، جـ ١ ص ٩٦، ١٥٧؛ جـ ٢، ص ٥٢؛ جـ ٧، ص ٣٨٩ الخ) وقد تضمن النص الحالى المطبوع من كتاب الأم عددًا من الحواشى الكبرى والصغرى. وشاهد ذلك أنه قد نقلت فيها شواهد من الغزالى وابن الصباغ المتوفى سنة ٤٧٧ هـ والماوردى وغيرهم (انظر كتاب الأم جـ ١، ص ١١٤ وما بعدها، ١٥٨).
ويقول الغزالى (كتابه المذكور) إن هذه المجموعة رتبها البويطى ونشرها الربيع متضمنة الزيادات التى أدخلها عليها هو. والقول الفصل فى أصل كتاب الأم لا يمكن أن يعتمد على النسخة المطبوعة، ذلك أن ناشرها قد اتبع مخطوط البلقينى دون أن يثبت الخلافات الموجودة فى المخطوطات الأخرى.
والمحتويات الحالية لكتاب الأم رسائل ذكرها البيهقى على اعتبار أنها مؤلفات مستقلة: "جماع العلم" (كتاب الأم، جـ ٧، ص ٢٥٠ وما بعدها)؛ و"كتاب إبطال الاستحسان" (جـ ٧، ص ٢٦٧ وما بعدها)؛ "كتاب بيان الفرض" (جـ ٧، ص ٢٦٢ وما بعدها)، "كتاب اختلاف مالك والشافعى"؛ (جـ ٧، ص ١٧٧ وما بعدها)؛ و"كتاب اختلاف العراقيين" (جـ ٧، ص ٨٧ وما بعدها) أى أبى حنيفة وابن ليلى (عاش سنة ١٤٨ هـ)؛ و"كتاب الاختلاف مع محمد ابن الحسن" جـ ٧، ص ٢٧٧, وما بعدها = "كتاب الرد على محمد بن الحسن"؛ و"كتاب اختلاف على وعبد اللَّه بن مسعود" (توفى سنة ٣٢ هـ؛ جـ ٧، ص ١٥١ وما بعدها)، و"كتاب اختلاف الحديث" وقد طبع على هامش كتاب الأم (جـ ٧)؛ و"المسند" وقد طبع على هامش جـ ٦. ويشتمل هذا الكتاب على أحاديث جمعت من الرسائل المختلفة بما فى ذلك الرسائل التى لم تصل إلينا وإن كانت قد ذكرت فى الفهرست وفى ياقوت مثل: "كتاب أحكام القرآن": و"كتاب فضائل قريش" إلخ. أما "كتاب المبسوط فى الفقه" (الفهرست، ص ٢١٠) فلا شك أنه كتاب كبير فى الفقه كان لا يزال فى
стр. 6004
متناول البيهقى، وقد عرف أيضًا باسم "المختصر الكبير والمنثورات".
وقد بقى أيضًا كتاب يقرر فيه الشافعى عقيدته وعنوانه "كتاب وصية الشافعى" (ذكره ياقوت ونشره Kern فى Mitteilungen des Sem. fur oriental, Sprachen Westasiat. Studien، سنة ١٩١٠ م) أما "كتاب الفقه الأكبر" (القاهرة ١٣٢٤ هـ الخ) فرسالة صغيرة فى عقائد عهد الأشعرى. وللشافعى قصائد قليلة تشهد بتمكنه من اللغة (المسعودى: المروج، جـ ٨، ص ٦٦؛ ابن خلكان جـ ١، ص ٤٤٨؛ العسقلانى ص ٧٣ وما بعدها).
وكانت الحاضرتان الكبيرتان اللتان شهدتا نشاطه فى التدريس هما بغداد والقاهرة. وكان أهم تلاميذه: المزنى (توفى سنة ٢٦٤ هـ) والبويطى (توفى ٢٣١ هـ) والربيع بن سليمان المرادى (توفى سنة ٢٧٠ هـ)؛ والزعفرانى (توفى سنة ٢٦٠٠ هـ)؛ وأبا ثور (توفى سنة ٢٤٠ هـ)، والحميدى (توفى سنة ٢١٩) وأحمد بن حنبل (توفى سنة ٢٤١ هـ)؛ والكرابيسى (توفى سنة ٢٤٨ هـ) وغيرهم وقد اجتذب الشافعية من هاتين الحاضرتين أثناء القرنين الثالث والرابع الهجريين (التاسع والعاشر الميلاديين) أنصارًا تزايد عددهم شيئًا فشيئا, ولو أن مركزهم تحرج أول الأمر فى بغداد لأنها كانت معقل أهل الرأى فأصبحت مكة والمدينة فى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) معقلى الشافعية الأكبرين بعد مصر.
وما إن حلت خاتمة القرن الثالث الهجرى (بداية القرن العاشر الميلادى). حتى أخذوا ينازعون مكانة الأوزاعية فى الشام بنجاح. وغدا منصب قاضى دمشق وقفًا عليهم منذ أيام أبى زرعة فصاعدًا (٣٠٢ هـ = ٩١٥ م) واستأثروا فى عهد المقدسى بالقضاء فى الشام وكرمان وبخارى والجزء الأكبر من خراسان لا يشاركهم فيه مشارك. وكان لهم أيضًا سلطان كبير فى شمالى الجزيرة (آقور) وفى بلاد الديلم (كانت مصر قبيل ذلك قد اعتنقت مذهب الشيعة) وفى القرنين الخامس والسادس الهجريين (الحادى عشر والثانى عشر الميلاديين) كانوا يقتتلون فى الشوارع هم والحنابلة فى بغداد، وهم والحنفية فى إصفهان. على أنهم اجتذبوا أمراء الأسرة الغورية إلى صفوفهم Versp: Snouck. Hurgronje Geschr, جـ ٢، ص ٣٠٦). ثم عادوا
стр. 6005
فغلبوا على سائر المذاهب فى مصر على عهد صلاح الدين (٥٦٤ هـ = ١١٦٩ م). فلما حلت سنة ٦٦٤ هـ (١٢٦٦ م) أقام الملك الظاهر بيبرس قاضيا حنفيا وقاضيا مالكيا إلى جانب القاضى الشافعى (انظر السبكى، جـ ٥ ص ١٣٤). وفى القرون الأخيرة التى سبقت ظهور العثمانيين أصبح للشافعية السلطان المطلق فى بلاد الإسلام الوسطى بل إن الإمام الشافعى المذهب كان فى عهد ابن جبير نفسه (الرحلة ص ١٠٢) يؤم المصلين فى مكة، ولم يستبدل الحنفية بالشافعية إلا أيام سلاطين آل عثمان فى مستهل القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى)، وكان هؤلاء الأحناف يرسلون من الآستانة ليتولوا مناصب القضاء على حين أنهم فقدوا مناصبهم فى آسية الوسطى بظهور الدولة الصفوية (١٥٠١ م) وحل محلهم الشيعة. ومهما يكن من شئ فإن الناس فى مصر والشام والحجاز كانوا يتبعون المذهب الشافعى (Versr. Geschr.: Snouk Hurgronje, جـ ٢ ص ٣٧٨/ ٣٧٩) ولا تزال تعاليم الشافعى تدرس اليوم بحماسة فى الجامع الأزهر، ولا يزال لها الغلبة أيضًا فى جنوبى بلاد العرب والبحرين وشبه جزيرة الملايو وإفريقية الشرقية الألمانية سابقًا، وداغستان وبعض أنحاء آسية الوسطى.
من أئمة الشافعية المشهورين: المحدث النسائى (توفى سنة ٣٠٣ هـ = ٩١٥ م) والأشعرى (توفى سنة ٣٢٤ هـ = ٩٣٥ م)؛ والماوردى (توفى سنة ٤٥٠ هـ = ١٠٥٨ م) والشيرازى (توفى سنة ٤٧٦ هـ = ١٠٨٣ م)؛ وإمام الحرمين (توفى سنة ٤٧٨ هـ = ١٠٨٥ م)؛ والغزالى (توفى سنة ٥٠٥ هـ = ١١١١ م)؛ والرافعى (توفى سنة ٦٢٣ هـ = ١٢٢٦ م)؛ والنووى (توفى سنة ٦٧٦ هـ = ١٢٧٧ م) وغيرهم. (انظر فى شأنهم المواد التى أفردت لكل منهم فى هذه الدائرة، Geschr.Verspr: Snouck Hurgronje جـ ٤، ص ١٠٥)
وقد تناول الفقه الإسلامى على مذهب الشافعى: L.W.C. van den Berg: De beginselen van het Mohammed recht (الطبعة الثالثة، باتافيا ١٨٨٣ م: وانظر فيما يتعلق بذلك Snouck Hurgronje: Verspsr. Geschr, جـ ٢، ص ٥٩ - ٢٢١)؛ والترجمة الفرنسية بقلم R, de
стр. 6006
France de Tersant: بعنوان فى Principes du droit musulman الجزائر ١٨٨٦ م: Ed.Muham: Sachau Recht (شتوتكارت وبرلين ١٨٩٧, وانظر فيما يتعلق بذلك Verspr. Geschr: Snouck Hurgronje جـ ٢، ص ٣٦٧ - ٤١٤)، Th. W. Juynboll: Handbuch des islamischen Gesetzes ليدن ١٩١٠, ١٩٢٥, والترجمة الإيطالية التى قام بها G.Baviera وأضاف عليها زيادات وتعليقات بعنوان Manuale di diritto musulmann ميلان ١٩١٦.
المصادر:
(١) السمعانى: كتاب الأنساب = سلسلة كب التذكارية, المجلد ٢٠، جـ ٣٢٥.
(٢) ياقوت: إرشاد الأريب = سلسلة كب التذكارية. جـ ٦/ ٦, ص ٣١٧ - ٣٩٨ (وانظر فيما يتعلق بذلك
Bergstraser فى Zeitschrift fur semitistik ١٩٢٤, جـ ٢ ص ٢٠١).
(٣) النووى: الطبقات، طبعة فنستفلد. ص ٥٦ - ٧٦.
(٤) ابن خلكان الوفيات، القاهرة ١٣١٠ هـ, جـ ١، ص ٤٤٧.
(٥) Fragmenta hist. Arab, جـ ٥٩، ص ٣ وما بعدها.
(٦) العسقلانى: توالى التأسيس بمعالى ابن إدريس فى مناقب. . الشافعى، بولاق ١٣٠١ هـ.
(٧) Der Imam Al-shafi'i: Wustenfeld فى Abh. Gott Ak. W ١٩٨٠، جـ ٣٦.
(٨) Einiges fiber den Imam as Safi'i: de Geoje فى Z.D.M.G، ١٨٩٣ م؛ جـ ٤٧. ص ١٠٦ - ١١٧.
(٩) Zahiriten: Goldziher، ص ٢٠ - ٢٦.
(١٠) Gesch. de Arab.Lit: Brockelmann جـ ١، ص ١٨٨ وما بعدها.
(١١) Islam. Fremdenrecht: Heffening هانوفر ١٩٢٥ م، ص ١٤٥ وما بعدها, ١٤٩.
انتشار المذهب الشافعى:
(١٢) السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، القاهرة ١٣٢٤ هـ, جـ ١، ص ١٧١ - ١٧٥.
(١٣) Renaissance des Islam: A.Mez هيدلبرغ ١٩٢٢ م، ص ٢٠٢ - ٢٠٦.
خورشيد [هفننك Heffening]
стр. 6007
الشام
الشام أو سورية: منذ عهد سحيق اجتذبت هذه البلاد الخصبة "أرض الحنطة، أرض الكروم والخبز" البدو، جيران سورية وفلسطين، وقد نجح هؤلاء فى التسلل إلى النواحى التى تحف بالصحراء مجتمعين قبائل بأسرها حينًا، ومتفرقين شراذم حينا آخر، وأقاموا هناك منذ بداية القرن الثانى الميلادى إمارات فى حمص، وتدمر، وبطرة، وسرعان ما اصطنعوا لغة سورية وحضارتها. وفى القرن الخامس الميلادى وُكِّل إلى أمراء غسان الدفاع عن الحدود السورية، ولم يلبثوا أن اعتنقوا المسيحية، وكذلك فعلت القبائل التى راحت تتجول فى القرن السادس الميلادى صاعدة هابطة بن الفيافى التى تفصل سورية عن بلاد العرب، وهم بنو كلب، وبنو لخم، وبنو جذام وكان هؤلاء العرب السوريون يتحدثون كما تبين من حالة بنى كلب، بلسان مشترك هو مزيج من العربية والأرامية ينتسب بلا شك إلى اللهجة الصفوية، ومن ثم كانت أية جماعة من هذه الجماعات خليقة قبل الهجرة بأن تضيف اسمًا لديوان العرب؛ وكانوا جميعًا يعتقدون أنهم سوريون، لا تربطهم بعرب نجد والحجاز إلا صلات تجارية. وقد حاربوا فى غزوة مؤتة مع الروم فى قتالهم الغزاة القادمين من المدينة.
الفتح العربى: إثر وفاة محمد [ ﷺ ] (٨ يونية سنة ٦٣٢) وفى مستهل بيعة أبى بكر بالخلافة حدثت الردة فى بلاد العرب، وبعد عام من هذا التاريخ تكونت من بين البدو النازلين حول المدينة الذين اشتركوا فى اخماد هذه الفتنة. . جماعات قدموا إلى الشام نزولا على أمر كان أصدره النبى ﷺ ، ثم تولوا حكم هذا الإقليم الذى خلا حينذاك ممن يدافعون عنه. وظن سرجيوس أمير قيسارية أنه لن يلقى إلا غارة من الغارات المألوفة يقوم بها بدو من أهل السلب والنهب فأسرع لملاقاتهم فى جيش من بضعة مئات من الرجال جندوا على عجل؛ وداهم العرب المجتمعين فى وادى العربة إلى الغرب من البحر الميت. ولكن تفوق العرب على
стр. 6008
الروم بفضل كثرة عددهم فارتد هؤلاء يسودهم الاضطراب والفوضى، ونزلت بهم هزيمة أخرى عند دثينة، فتصدعت صفوف سرجيوس (فبراير ٦٣٤)، وراح جنود الامبراطورية يجمعون الإمدادات، وتلقى المسلمون أيضًا مددًا من المدينة يقوده خالد بن الوليد الذى قدم مسرعا من العراق وألحق بالعدو هزيمة منكرة فى أجنادين (٣٠ يولية ٦٣٤) بين بيت المقدس وبيت جبرين. وحاول جنود سرجيوس أن يلموا شتاتهم وراء بطائح بيسان ولكنهم عزلوا فعبروا نهر الأردن ليمنوا بالهزيمة مرة أخرى فى فحل، وفقدت الإمبراطورية بذلك فلسطين إلى غير رجعة.
وفى مارس سنة ٦٣٥ عسكر المسلمون تحت أسوار دمشق، وتخلت حامية الروم فى هذه المدينة عن أهلها فسلموا فى شهر فبراير من هذه السنة، ووصل الجيش الذى جمعه هرقل لفك الحصار عن دمشق بعد فوات الأوان، ومكن العرب لأنفسهم فى الجابية، ثم ارتدوا للتحصن وراء اليرموك الفرع الشرقى لنهر الأردن وقامت فى معسكر الروم فتنة بين الجنود الأرمن، وتخلى العرب الشآميون عن جنود الإمبراطورية إبان المعركة فحلت بهؤلاء هزيمة ماحقة، وقررت هذه المعركة (٢٠ أغسطس سنة ٦٣٦) مصير الشام. وغدا فتح شمال الشام والساحل الفينيقى سيرًا هينًا فحسب، وبادرت البلدان فى مناحية إلى أداة الجزية بعد أن تخلت عنها حامياتها, ولم يصادف العرب فى أى مكان مقاومة تذكر وهذا هو "الفتح اليسير" بحسب تعبير البلاذرى الذى يدل على الفطنة ولم تستسلم بيت المقدس إلا سنة ٦٤٥ م بعد حصار يتفاوت اتصالا وانقطاعا دام سبع سنين بفعل خيانة رجل من اليهود. ويمكن القول إن الفتح العربى قد تم بعد تسليم آخر بلدان الساحل فى فلسطين.
وجاء الخليفة عمر بن الخطاب إلى الشام قبيل تسليم بيت المقدس ليرأس مؤتمر الجابية (يوم الجابية، ) ونوقشت فى هذا المؤتمر مسألة تنظيم الشام. وعرفت سنة ١٨ بطاعون عمواس الذى
стр. 6009
هلك فيه يزيد بن أبى سفيان وإلى دمشق فخلفه أخوه معاوية. وقد أقر عمر بلا تهاون التفرقة من الناحية السياسية بين الفاتحين والمغلوبين، فأصبح المغلوبين هم الذميين، وغدا جنس العرب المميز عماد أرستقراطية عسكرية تمنح الأعطيات، وقسم الشام أجنادا هى: دمشق، وحمص، وفلسطين، والأردن أو ولاية الأردن. ثم أضاف يزيد بن معاوية إلى هذه الأجناد جند قنسرين وجعله خاصا بشمالى الشام وأخذ الفاتحون يسيطرون من هذه الأجناد، وقصبتها الجابية، على البلاد ويجمعون الضرائب. وفرضوا على الذميين جزية الرؤوس علاوة على الخراج وفى الشام كما فى غيرها من البلاد المفتوحة انحصر التنظيم فى احتلال عسكرى يستهدف استغلال الأهليين، واقتصرت حكومة العرب على إدارة الشئون المالية، وكان ديوانهم ديوانا يراجع حساب الأموال (Das Arabische Reich and Sein Sturz: Wellhausen ص ٢٠).
وقد أدرك، معاوية فى مستهل ولايته التى امتدت فى عهد عثمان حتى شملت الشام بأسره أن الأمر يقتضيه الاستعانة بالقبائل البدوية فى هذا الإقليم لأنها كانت من الناحية السياسية أنضج من بدو شبه الجزيرة العربية وأراد على، خليفة عثمان، أن يعزله عن ولاية الشام، ولكن الشآميين انحازوا إلى واليهم. ولم يسفر الاشتباك بين الشآميين والعراقيين فى ساحة معركة صفين عن نتيجة حاسمة وأقيم الحكمان للفصل بين الطرفين، وأعلن المؤتمر الذى عقد فى أذرح خلع على يناير ٦٥٨ واستغل معاوية هذا النصر الدبلوماسى، فأنفذ عامله عمرو بن العاص لفتح مصر. وفى ٢٤ يناير سنة ٦٦١ سقط علىّ صريع خنجر طعنه به رجل من الخوارج، فخلا الميدان لغريمه معاوية.
الشام فى عهد الأمويين: وإنما كان معاوية ينتظر هذا اليوم ليؤسس دولة هى دولة الأمويين، ويعرف فرعهم الأكبر بالسفيانى نسبة إلى أبى سفيان. ويبدأ الفرع الأصغر بمروان بن الحكم وقد نسب إليه فقيل الفرع المروانى.
стр. 6010
وبايع جنود الشام وأمراؤه معاوية بالخلافة فى بيت المقدس، واتخذ معاوية مقره فى دمشق، وجعلها بذلك قصبة الدولة بدلا من المدينة والكوفة، وسواء كانت هذه الخطوة منه مقصودة أو غير مقصودة، فإنها مالت بميزان الخلافة لمصلحة الشام، وأصابت سيادة البدو التى لا مبرر لها بضربة حاطمة لم يفيقوا منها قط وسوّد معاوية عرب الشام، وشغل هؤلاء فى عهد الأمويين جميع المناصب الهامة. وحاول معاوية مرتين حصار القسطنطينية، وتوفى فى أبريل سنة ٦٨٠ م بالغا من العمر خمسة وسبعين عاما.
ولم يكن بد من أن يواجه ابنه وخليفته يزيد فتنة كان أبوه بقدرته خليقا بأن يمنع نشوبها. فقد أبى الحسين بن على وعبد اللَّه بن الزبير ابن أخت عائشة زوج النبى [ ﷺ ] أن يبايعا يزيد، ولاذا بأرض مكة المحرمة. وترك الحسين هذه الأرض الحرام ليقع صريعا فى مقتلة كربلاء. وفى ١٠ أكتوبر سنة ٦٨٠ اشتبكت المدينة مع الشام وأعلن أهلها خلع يزيد. وتفاوض الفريقان مفاوضة لم تأت بنتيجة فلم يكن بد من أن يحتكما إلى السيف؛ وانتصر الشآميون فى يوم الحرّة، فساروا إلى مكة حيث كان ابن الزبير قد أعلن استقلاله بالأمر فيها، وعسكر فى المسجد الحرام، وكانت تحمى الكعبة من منجنيق الشاميين منصة من الخشب مغطاة بحشيات. وتسبب إهمال رجل من أهل مكة فى اشتعال النار فيها (نوفمبر ٨٦٣). ولما بلغت الجيش الشآمى الأخبار بوفاة يزيد (١١ نوفمبر سنة ٨٦٣) اضطر الجيش إلى الارتداد. ولم يكن يزيد بالملك التافه الشأن، ثم إنه لم يبلغ من الطغيان بقدر ما صوره أصحاب الحوليات من خصوم الأمويين. وقد واصل يزيد سياسة أبيه، وكان يرعى أرباب الفن والشعراء، كما كان هو نفسه شاعرا، وأتم التنظيم الإدارى للشام باستحداث جند قنسرين (انظر ما أسلفنا بيانه)، وأكمل رى الغوطة بحفر قناة نسبت إليه، ووصف يزيد فى Continuato Byzantina-Arabica ju cundissimus et cunctis nationibus regni
стр. 6011
ejus gratissime habitus. cumomnibus civiliter vixit (١)؛ وقد أحبه رعاياه فعاش عيشة المواطن العادى. وقال فيه فلهاوزن "ما من خليفة قط نال هذا الثناء الصادر من القلب".
ولم يكن حكم ابنه الأصغر معاوية الواهن السقيم إلا عهد انتقال عابر، والظاهر إنه هلك فى الطاعون الذى كان متفشيا سنة ٦٨٤ م وكان أخوته جميعا أطفالا، ووجد أكابر الشآميين أن أخوته لا يزالون قصرًا فأيدوا مروان ابن الحكم أول خليفة من الفرع المروانى (٢٢ يناير سنة ٦٨٤) وأبى القيسية الشآميون أن يبايعوه، وحلت بهم الهزيمة فى مرج راهط وكان عهده سلسلة من المعارك متصلة الحلقات.
وأنفذ مروان حملة سريعة كفلت له طاعة مصر. وأنهكت الجهود المضنية التى بذلها هذا الخليفة الذى بلغ السبعين صحته، فعاد إلى دمشق ليلقى منيته فى ٧ مايو سنة ٦٨٥، وخلفه ابنه الأكبر عبد الملك ولم يجد عبد الملك بدا من أن ينتزع الولايات الشرقية وبلاد العرب من غريمة الخليفة ابن الزبير، وأن يرد فى الوقت نفسه غزوة المرداسية أو الجراجمة وإنا لندين له ببناء المسجد الأقصى فى بيت المقدس. ويتميز عهده بالبدء فى تعريب إدارة الدولة التى ظلت حتى أيامه فى أيدى أشخاص من الشعوب المفتوحة. وقد حاول أن يستبدل اللغة العربية باللغة اليونانية فى إمساك حسابات الدولة وسجلاتها، وإذا كان لم ينجح فى ذلك كل النجاح فقد استطاع أن يجعل اللغة العربية تستخدم فى هذا الغرض إلى جانب اللغة اليونانية؛ وكان عبد الملك هو الذى استحدث السكة العربية وأدركته المنية فى أكتوبر سنة ٧٠٥ بعد أن حكم عشرين عاما.
وقد صبغ خليفته الوليد بن عبد الملك العرش بنزعة استبدادية ووسمه بنعرة لم يكن لهما وجود عند أسلافه؛ ويعد الوليد المؤسس الأكبر للدولة الأموية. وإن كانت قد بلغت الإمبراطورية العربية فى عهده أوج اتساعها، ونجح
стр. 6012
الوليد فى مشروعاته نجاحا فريدا، وتكشفت نزعته الاستبدادية فى الحد من السماحة التى كانت تعامل بها الشعوب المفتوحة، فقد استخلص المناصب الإدرية الكبرى من أيدى المسيحيين تماما، واستطاع بفضل جنوحه إلى العظمة والفخامة أن يملك قلوب أهل الشام بلا منازع. وتوفى الوليد فى ٢٣ فبراير سنة ٧١٥ م. وخلفه أخوه سليمان بن عبد الملك مشيد الرملة فى فلسطين، توفى سليمان فى حصار القسطنطينية المشؤم، وخلفه ابن عمه عمر بن عبد العزيز (أغسطس ٧١٧)، وتوفى عمر فى فبراير سنة ٧٣٠، وخلفه يزيد ابن عبد الملك. وكان الخلفاء الأمويين قد بدأوا يتخلون عن دمشق منذ أيام الوليد بن عبد الملك، وتركوا الإقامة فيها وإن ظلت قصبة الدولة الرسمية وأخذت الدولة الأموية فى الاضمحلال بعد وفاة عمر بن عبد العزيز. وقد حاول هشام الذى خلف يزيد بن عبد الملك أن يعيد إلى الخلافة الشآمية هيبتها فباءت جهوده بالخيبة، فقد توقفت الفتوح، ومنى العرب بهزيمة بواتييه المنكرة فى فرنسا فى أكتوبر سنة ٧٢٢. وسمح هشام لبطارقة انطاكية الملكانيين بالإقامة فى الشام. وفقد هذا الخليفة حب الشعب له لطمعه وإخفاق خططه العسكرية وما جرى عليه من اعتزال الناس والإخلاد إلى قصره الصحراوى الرصافة. على الرغم من أنه كان أشد الخلفاء الأمويين انكبابا على العمل. وخلفه فى فبراير سنة ٧٤٣ ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكان هذا الأمير من أرباب الفن والشعر وقد عاش قانعا فى الصحراء حيث شرع يبنى قصره المشتى الفخم ولقى مصرعه قبل أن يتمه على يد قاتل اغتاله فى أبريل سنة ٧٤٤. وكان خليفته يزيد بن الوليد أول وخلفه يزيد بن عبد الملك. وكان الخلفاء الأمويون قد بدأوا يتخلون عن دمشق أخاه قليل الشأن إبراهيم، وعجز إبراهيم عن حمل الناس على الاعتراف به.
وظهر على مسرح الحوادث إبان هذه الفوضى العامة والى الجزيرة العالى الهمة مروان بن محمد حفيد الخليفة مروان بن الحكم. وقد فل
стр. 6013
انتصار عين الجرّ فى البقاع مقاومة أعدائه اليمانية الشآميين. ولما ولى مروان الخلافة فى ديسمبر سنة ٧٤٤ أخطأ بنقل قصبة الخلافة إلى حرّان (الجزيرة) فاستوحشت منه قلوب الشآميين، وأنهك قواه فى إخماد الفتن التى أثاروها أو الفتن التى أضرم نارها الخوارج، وكان العباسيون يأتمرون آنئذ بالدولة الأموية فى الخفاء واستغل أبو العباس والسفاح السخط البادى فى الشام فأعلن ولايته الخلافة فى الكوفة (نوفمبر ٧٤٩). واضطر مروان بعد هزيمته عند الزاب الأكبر (يناير ٧٥٠) إلى إخلاء الجزيرة ثم الشام من بعدها، وتخلى عنه الشآميون فالتجأ إلى مصر حيث لقى مصرعه فى بوصير فى أغسطس سنة ٧٥٠ وطورد الأمويون فى كل مكان واستؤصلت شأفتهم. ونبشت قبورهم وأذريت رفاتهم فى الرياح. وحاول الشآميون عبثا أن يستردوا ما فقدوه ورفعوا علم الأمويين الأبيض ليجهلوا به علم العباسيين الأسود، ولم يدركوا إلا بعدفوات الأوان أنهم بنظرتهم المستخفة إلى سقوط الأمويين قد أضاعوا مستقبل الشام وسيادته، ومن ثم راحوا يأملون فى ظهور السفيانى سريعا، وهو بطل وطنى ونصير الحرية الشآمية. والسفيانى، كما يدل عليه اسمه، كان فى نظرهم رجلا يخرج من أعقاب أبى سفيان، ويعيد إلى البيت الأموى عهده المجيد وأيامه السعيدة ذلك البيت الذى يخلد ذكراه اسم هذا البطل.
ولم تجد قبائل الشام بعد الفتح العربى بدا من تعلم لهجة قريش التى ارتفع حينذاك شأنها فأصبحت هى اللغة الفصحى. وقد شغلت الفتوح وإخماد الفتن التى شبت فى الولايات عرب الشام فاقتصر نشاطهم العقلى فى ظل الأمويين على الشعر وكان أهم أقطاب هذه النهضة الأدبية بعد الأخطل النصرانى يزيد بن معاوية والوليد بن يزيد. وظلت الحرف والمهن الحرة كالصيرفة والتجارة وقفا على الأجناس المحكومة وتدل حركة القدريه التى بدأت فى الشام فيما يظهر، على أن عرب هذا الإقليم كانوا قد أخذوا يعنون بالمسائل الفلسفية التى جاءتهم عن طريق مواطنيهم النصارى.
стр. 6014
وظلت الزراعة مزدهرة. ولكن تضاءلت التجارة البحرية تضاؤلا كبيرا نتيجة لحرب العرب مع الروم. على أن سقوط إمبراطورية فارس قد فتح أبواب آسية الوسطى للشآميين ولكنهم سرعان ما جابهوا منافسة المدن التجارية فى العراق وخاصة البصرة. وفى عهد العرب خمل شأن التجارة الشآمية التى كانت نشطة غاية النشاط فى عهد يوستنيانوس. فلما استؤنفت العلاقات البحرية كانت الشعوب الغربية هى التى حققت لنفسها الفائدة منها فى أيام الحروب الصليبية. وبدأت البلدان الكبرى فى شرقى الشآم مثل: دمشق وحمص وغيرهما، تصطبغ بالصبغة الإسلامية منذ عهد المروانيين نتيجة لإلغاء الأجناد، وتعلمت الشعوب المفتوحة اللغة العربية ومع ذلك لم تتخل عن اللغة الآرمنية أو اللغة اليونانية آنئذ. وكان سكان الشام من العرب ينمون نموًا بطيئًا. ذلك أن الأوبئة، والمجاعات، والفتن، وحروبهم الخارجية كانت تحصدهم. وإذا صرفنا النظر عن فورات التعصب المحلية، لم نجد شواهد على قيام اضطهاد أو بث الدعوة الإسلامية تشجع عليهما السلطات المسئولة. فقد كانت هذه السلطات تضغط على نصارى العرب فحسب ونعنى بهم قبيلتى تنوخ وتغلب. أما بنو كلب وغيرهم من القبائل الشآمية فكانوا قد أسلموا بعد الفتح الإسلامى.
وقد تميز هذا العهد بالهدوء والتسامح مع غير المسلمين إذا قارناه بالمتاعب التى قدر لهم أن يعانوها فى ظل العباسيين وذلك على الرغم من حرمانهم فى أيام الأمويين من حقوقهم السياسية. وكانت هذه الأيام بالنسبة للعرب عهدًا ذهبيًا، أو قل إنهم كانوا فى مأدبة متصلة تعطيهم الدولة وتطعمهم. وقد أثرى زعماؤهم من استغلال الولايات وجمعوا ثروات طائلة. وشجع على نجاح مؤامرة العباسيين عجز الخلفاء المروانيين المتأخرين باستثناء هشام ومروان بن محمد بطبيعة الحال.
ثم دبت الفتن الخطيرة المتصلة بين القيسية واليمنية بعد مرج راهط، وانتهت برفض الفاتحين أن يمنحوا غير العرب حقوقهم السياسية.
стр. 6015
الشام فى عهد العباسيين والفاطميين:
وبسقوط الدولة الأموية فقدت الشام مقامها الممتاز، ولم تعد مركز إمبراطورية متراهية الأطراف، وألفت نفسها قد نزلت إلى مرتبة الولاية فحسب، وأصبح ينظر اليها بعين الحسد لصلتها بنظام الحكم القديم، ونقلت قصبة الخلافة عبر الفرات ووجد الشآميون أنفسهم، وهم يناضلون فى ظل سلطان لم تخمد عداوته فى قلوبهم قط، قد جردوا باطراد من كل ما كان لهم من نصيب فى شئون الحكم، ذلك أنهم من ثم قد رزحوا تحت سلطان الفاطميين ومن تلاهم من الحكام؛ وإنما كان الخلفاء العباسيون يتدخلون فى أمور الشام لإشعارها بضآلة مركزها متوسلين إلى ذلك بفرض الضرائب الفادحة عليها. وضاق نصارى لبنان بمغالاة عمال الخلافة فى اغتصاب أموالهم فحاولوا ما بين سنتى ٧٥٩ - ٧٦٩٠ م أن يستردوا حريتهم فخاب مسعاهم. وقد اجتاز الخلفاء المنصور والمهدى وهارون والمأمون الشام فى حجهم أو حربهم مع الروم. وأصبح الموقف أشد من أن يحتمل إبان الفتن التى سبقت اعتلاء المأمون عرش الخلافة (٨١٣ - ٨٣٣ م) فهاجر كثير منهم إلى قبرص.
ولم يتعظ القيسية واليمينية بالازراء التى نزلت بموطنهم الشام وما حل بهم من فقدان استقلالهم الذاتى، فلم ينسوا خلافاتهم المؤسفة التى انتهت بإضعاف الشآميين وأدت إلى خيبة مساعيهم فى رفع نير العباسيين عن كاهلهم. وقد رفع على بن عبد اللَّه السفيانى سليل معاوية العلم الأبيض الذى كان قد أصبح رمزا لحرية الشام، على أنه اضطر إلى ضم القيسية إلى صفوفه (٨٠٩ - ٨١٣ م) اكتسابا لعون بنى كلب. ونشبت فتنة أخرى باءت كسابقتها بالخيبة ذلك أن عربيا يدعى أبا حرب اليمنى النسب قام وادعى أنه السفيانى على أن استخفاف القيسية بالأمر للمرة الثانية أدى إلى هزيمة فى عهد الخليفة المعتصم (٨٣٨ - ٨٤٧). واستسلم الخليفة المتوكل (٨٤٧ - ٨٦٦ م) المتقلب لهواه ففكر فى نقل قصبة الخلافة والعيش فى دمشق.
стр. 6016
ووقع تمرد بين حرسه فاضطر إلى العودة إلى الجزيرة، وكان عهده أيام محنة ابتلى بها الشآميون. ومنذ عهده بدأت معظم التشريعات المتشددة التى زعموا أنها تنسب إلى عمر بن الخطاب: كلبس غير المسلمين لباسا خاصًا وحرمانهم من اعطاء صهوة الجياد وغير ذلك.
وفى هذا العهد لم يبق فى الشام أى مسيحى من أصل عربى وكان بنو تنوخ قد قاوموا أيام الأمويين كل مساعى الحكومة للتقرب منهم على أن الخليفة المهدى (٧٧٥ - ٧٨٥ م) حملهم على الخروج من دينهم.
ويرجع إلى الخلفاء العباسيين الأوليين الفضل فى إقامة المحطات العسكرية الشآمية المعروفة بالعواصم والثغور وهى سلسلة من الحصون شيدت لوقف تقدم الغزاة الروم. وفى سنة ٩٠٦ م اعتقل رجل مثير للخواطر ادعى أنه السفيانى. وكانت محاولته آخر محاولة بذلت لإعادة الأمويين إلى الحكم. وقد خابت هذه الحركة نتيجة لجمود الشآميين المنحلين. وغزا الشام مملوك تركى هو أحمد بن طولون وكان قد آل إليه حكم مصر، متذرعا بحجة حمايتها من الروم، ثم أعلن استقلاله بالأمر فيها ولم تعمر الدولة التى أقامها إلا سنين معدودة (٨٧٥ - ٩٠٥ م) شأنها شان الدولة الإخشيدية التى كررت التجربة التى قام بها الطولونيون واجتاح القرامطة الشام فيما بين هذين العهدين وتركوا وراءهم التعاليم الإسماعيلية. ويمكن أن نقول ان الشام ضاعت سياسيا من يد العباسيين منذ العهد الطولونى، ولم يحس أحد بسلطانهم هناك إلا فترات قليلة قصيرة استردوا فيها مقاليد الحكم.
وأرادت القبائل البدوية بدورها أن تنال نصيبها من أسلاب إمبراطورية منحلة، فألفى بنو حمدان، وهم عشيرة من عشائر تغلب، أنفسهم موكلين بغزو الشام من جديد باسم الإخشْيديين وردّ تقدم الروم وأقاموا أنفسهم سادة على جنوبى الشام دون أن يخرجوا على الخلافة العباسية. وكان أشهر هؤلاء الأمراء الحمدانيين سيف الدولة الذى ظهر فى بلاطه بحلب بمظهر الراعى المتنور بلفنون والآداب (٩٤٩ - ٩٦٧
стр. 6017
م) وسقطت دولة الحمدانيين (١٠٠٣/ ١٠٠٤ م) بعد أن تخلل عهدهم فترة قصيرة انتفض فيها العباسيون فى دمشق (٩٧٥ - ٩٧٧ م) ثم وقعت الشام فى يد أسرة علوية ظلت تحكمها أكثر من قرن (٩٧٧ - ١٠٩٨ م) وكانت هذه الأسرة إن شئت الدقة إسماعيلية هى دولة الفاطميين.
ودخل الفاطميون مصر، ثم فتحت جيوشهم الشام (٩٦٩ م) وغزوا فلسطين ودمشق دون أن يلقوا مقاومة تذكر. أما فى الوسط والشمال فيصعب علينا أن نحدد الصورة التى اتخذها الفتح المصرى فقد كان سلطان الفاطميين المباشر يفرض ما دامت جيوشهم تحتل الإقليم، فلما تركوه راح الأمراء المحليون يفعلون ما يحلو لهم دون أن يجاهروا بالخروج على نائب الخليفة فى القاهرة؛ ولم يستطع الحكم الفاطمى الاحتفاظ بكيانه فى الشام إلا بالدأب على صرف وكلائه الذين لم يجد بدًا من توليتهم مقاليد الأمر فيه، عن مناصبهم فأشاع بذلك الاضطراب وعدم الاستقرار فى تصريف الأمور فى هذا الإقليم. واضطر الفاطميون فى فلسطين إلى الارتكان على بنى الجرّاح. وقد انتحل هؤلاء الأمراء الطيئيون لأنفسهم السيادة المطردة على بدو الشام قرنا من الزمان وفى عهد الحاكم (٩٩٦ - ١٠٢٠ م) راح بنو الجراح يقيمون خليفة يناظر الخليفة الشرعى ثم يردونه إلى مكة من حيث أتوا به. وفى صور نجح ملآح فى أن ينادى بنفسه أميرًا مستقلا عليها ردحا من الزمن (٩٩٧ م).
واستغل الإمبراطور نقفور فوكاس (٩٦٣ - ٩٦٩ م) هذه الفوضى فغزا شمالى الشام. واستطاع خليفتاه زيمسكيس Tzimisces (٩٦٩ - ٩٧٦ م) وبازيل الثانى (٩٧٦ - ١٠٢٥ م) أن يفتحا فى يسر وادى نهر العاصى والساحل الفينيقى. ومن كل هذه الفتوح لم يستطع الروم أن يحتفظوا إلا بحكم دوقية أنطاكية نيفا وقرنا من الزمان. وقد ذكرنا آنفا الخليفة الحاكم الذى يربطه بنشأة الدروز علاقة وصلة، وتشاحن هذا الأمير مع المسيحيين فأمر بتدمير كنيسة القيامة بيت المقدس.
стр. 6018
وقطعت الشام صلتها بمصر شيئًا فشيئًا، وزاد سلطان البدو الوبيل فى غمرة هذه الاضطرابات السياسية؛ وحوالى عام ١.٢٣ م مكّن بنو مرداس من قيسية بنى كلاب لأنفسهم فى حلب، واحتفظوا بها فيما خلا فترات من الزمن حتى سنة ١٠٧٩ م.
وما إن حل هذا الوقت حتى كان السلاجقة قد أفسحوا لأنفسهم مكانا فى الشام، وسقطت ولاياته فى قبضتهم واستولوا على دمشق سنة ١٠٧٥ م، وأقام لأمير سلجوقى يدعى أرتق دولة محلية فى بيت المقدس (١٠٨٦ - ١٠٨٧ م) وفى سنة ١٠٨٤ م فقد الروم أنطاكية آخر ممتلكاتهم فى الشام. وأصبحت الشام آنئذ مقسمة إلى سلطنتين سلجوقيتين، سلطنة حلب وسلطنة دمشق؛ وحكم فى حلب وحمص أمراء سلاجقة يتفاوت حظهم من الاستقلال، واتصلت الحروب بينهم جميعا. وأقام قاض رقيق الحال دولة بنى عمّار فى طرابلس. وظلت المدن الساحلية الواقعة جنوبى هذه المدينة فى يد المصريين. وفى غمرة هذا الاضطراب وذلك الاقتسام الذى حل بأرض هذه البلاد أقبلت جيوش الصليبين.
ولقد كانت العداوة الملحة التى أظهرها العباسيون لأهل الحجا من الشآميين [حسبما قيل]، والفوضى السياسية وحكم المغامرين من الترك والبربر، وكذلك الولاة الجشعون غير المثقفين كل أولئك لم يكن من الظروف المواتية لنمو الأفكار والآراء. واجتمع عدد قليل من الشعراء فى بلاط الحمدانيين والمرداسيين فى حلب. وقد شجعت رعاية سيف الدولة على إعداد "كتاب الأغانى" المعروف. ويستطيع القارئ أن يرجع إلى مواد أبى تمام، وأبى العلاء المعرى، والمتنبى الذى خرج من الكوفة ولو أنه كان شآمى التعليم والنشأة والمقدسى، وهو من أكثر الجغرافيين العرب علو قدر فى نظر الناس بحق. وبدأ أولو الأمر الذين كانوا أقل تسامحا من الأمويين وأشد منهم استفزازا للمشاعر فى تشجيع الناس على الدخول فى الإسلام. وأخذت اللغة العربية تحل فى بطء محل السريانية على لسان الشعوب المحكومة الذين بدأوا يكتبون بها. وأخذت العلوم
стр. 6019
الدنيوية أيضًا وخاصة الطب تنمو. وتقترن نهاية هذا العهد بإنشاء المدارس التى ازدهرت بفضل السلاجقة وخاصة فى حلب ودمشق. وأثر سقوط هيبة الخلفاء العباسيين فى مذهب أهل السنة، وساعد على النمو السريع للفرق التى كانت تمارس شعائر خاصة للداخلين فيها وتتبع الشيعة مثل: الدروز والإسماعيلية النصيرية والمتولية.
وخف جور وكلاء العباسيين والفاطميين دون أن يكون له أثر فى شل حيوية البلاد العظيمة.
وفى سنة ٣١١ هـ حكم على وال من ولاة دمشق بأن يدفع لبيت المال ٣٠.٠٠٠ دينار. وبدأ عمران البلاد فى النقصان واضمحلت الزراعة ولم يقف فى سبيل انهيارها التام إلا إدخال محصولين جديدين هما قصب السكر والبرتقال، وتمت زراعة القطن واستخدم القطن فى صنع الورق. وكان بدمشق فى القرن العاشر الميلادى مصنع للورق. وينبغى للمرء أن يقرأ الإلمامة التى ذكرها المقدسى عن تجارة الشام فى كتابه فى الجغرافيا المسمى "أحسن التقاسيم" (ص ٨٠ - ١٨٤) ليخرج بفكرة عن الموارد المختلفة لبلاد لم تفلح قرون من الاضطهاد والحكم المزرى أبلغ الزراية فى إفقارها.
الشام تحت حكم الفرنجة: فى ٢١ أكتوبر سنة ١٠٩٧ ظهر جيش الصليبيين أمام أسوار أنطاكية واستطاع بعد حصار شاق جدًا أن يدخلها فى ٣ يونية سنة ١٠٩٨، ثم ساير الفرنجة وادى العاصى مجتازين جبال النصيرية محاذين الساحل، هنالك نقص عددهم فأصبح ٤٠.٠٠٠ مقاتل، وأفلتوا من محنة أمام بيت المقدس، واستولوا على هذه المدينة التى كان الفاطميون قد استردوها وشيكا من الأرتقية، فقد أخذوها عنوة فى ١٥ يولية سنة ١٠١٩، وانتخب جودفرى صاحب بويون رئيسا لهذه الدولة اللاتينية الجديدة (١١٠٠ - ١١٠٥ م) ولكن أخاه وخليفته بولدوين الأول كان فى الحق أول ملك تمزجى تولى حكم بيت المقدس. وقد غزا بولدوين الأول مدن الساحل: أرسوف، وقيساريه
стр. 6020
وعكا وصيداء وبيروت وطرابلس (١١٠٩ - ١١١٠ م). ولقى أشهر ملوك الصليبيين مصرعه إبان حملة شنت على مصر. واستولى بولدوين صاحب بورج على صور سنة ١١٢٤ م، ومنى بالخيبة أمام دمشق، ولكن هذه المدينة اضطرت إلى أن تعده بأداء الجزية.
وإنما كانت سنة ١١٣٠ م أو ما حولها هى التى شهدت أكبر ما بلغته هذه المملكة اللاتينية من اتساع الرقعة، فقد امتدت من ديار بكر إلى مشارف مصر، ولم يتجاوز حدها فى الشام قط وادى العاصى الأعلى أو قمة جبال لبنان الشرقية. أما المدن الكبرى التى فى داخل البلاد وهى حلب، وحماه، وحمص، وبعلبك، ودمشق، فقد وافقت على أداء الجزية وإن احتفظت باستقلالها. وتألفت المملكة من حلف يجمع أربع دول إقطاعية:
١ - فى الشرق كونتية الرها على طول ضفتى الفرات. ٢ - فى الشمال إمارة أنطاكية، وقد شملت بحمايتها قيليقية (قاليقلا) الأرمنية ٣ - فى الوسط كونتية طرابلس، وكانت تمتد من حصن مرقب إلى نهر الكلب ٤ - وأخيرًا ممتلكات التاج، أى ممتلكات مملكة بيت المقدس إن شئت الدقة. وكانت تشمل جميع بلاد فلسطين الواقعة على الأردن وفى شرق الأردن وهى الإقليمان القديمان مؤاب وأدوم اللذان أصبحا إمارتى الكرك ومونتريال فى أرض الأردن الأقصى وكانت لها حينا من الزمن محمية هى ثغر أيلة العقبة. وقد شيد الصليبيون معاقل منيعة لحماية هذه الممتلكات: حصن الأكراد، وصافيتا، ومرقية، ومرقب، وفى جنوبى لبنان: شقيف أرنون، ثم فى شرق الأردن المعقلين الهائلين حصن الكرك وحصن مونتريال.
فلما توفى بولدوين الثانى بدأت الدولة اللاتينية فى الاضمحلال، وقد عجل بهذا الاضمحلال انعزال الصليبيين وتفرق كلمتهم وادعى الروم حق الولاية على شمالى المملكة. وسعى الأرمن إلى أن يقيموا لأنفسهم دولة وطنية فى إقليم طوروس ولم يتفق الفرنجة والروم والأرمن فيما بينهم،
стр. 6021
وإنما نجحوا بذلك فى إضعاف بعضهم بعضا، فاستفاد المسلمون من تفرق كلمتهم واجتمع شملهم حول زعماء مبرزين مثل زنكى، ونور الدين، وصلاح الدين واستأنف بولدوين الثالث (١١٤٤ - ١١٦٢ م) حصار دمشق (٢٣ - ٢٨ يولية سنة ١١٤٨) دون أن يحرز أى نجاح يفوق ما بلغه أسلافه وكان نور الدين قد غدا بالفعل صاحب الكلمة فى حلب، فثبت أقدامه فى دمشق. ورسم آمورى ملك بيت لمقدس منذ سنة ١١٦٢ م، خطة جريئة ترمى إلى حصار ملك الدولة الفاطمية المنهارة، فسبقه نور الدين، إذ أنفذ نائبه صلاح الدين الكردى إلى مصر؛ فلما توفى آخر خلفاء الفاطميين، أعلن صلاح الدين استقلاله بأمر مصر، وأقام فيها الدولة الأيوبية، ثم انتزع دمشق من أبناء نور الدين. وفى ٤ يولية سنة ١١٨٧ وقع جيش النصارى بأسره يقوده كى ده لوزينيان فى قبضة صلاح الدين عند حطين بين طبرية والناصرة. وفى الثانى من شهر أكتوبر التالى سلمت بيت المقدس. ولم تجد المدن الأخرى، وقد خلت من المدافعين عنها، بدًا من التسليم فيما عدا أنطاكية وطرابلس وصور.
وجاءت دعوة الحرب الصليبية الثالثة إلى المعسكر القائم أمام عكا التى كان الفرنجة يحاصرونها منذ سنتين، بفيليب أغسطس ملك فرنسا وريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا. وقد سلمت هذه المدينة فى ١٩ يولية سنة ١١٩١. وعقدت بين المتحاربين هدنة قضت بالتنازل عن الساحل من يافا إلى صور للصليبين ولم يستطع الصليبيون أن يستردوا بيت المقدس فجعلوا عكا قصبة مملكتهم. وقد أحدثت وفاة صلاح الدين فرقة بين ورثته الكثيرين. واستغل الإمبراطور فردريك الثانى هذا الشقاق فتفاوض مع الملك الكامل سلطان مصر الأيوبى للتنازل للصليبين عن بيت المقدس وغيرها من الأماكن التى ليست لها أهمية حربية وأحس الملك الكامل بالخطر يتهدده من ناحية أبناء أخيه صلاح الدين الذين كانوا قد عقدوا حلفا مع الفرنجة فاستنجد بالخوارزمية فسحقوا جيش الشآميين والفرنجة المجتمعين بالقرب من غزة (١٢٢٤ م)
стр. 6022
وتمكن المصريون من احتلال بيت المقدس ودمشق وحمص.
وجاءت الحرب الصليبية السابعة بسانت لويس إلى الشام بعد أن ردت الحملة التى شنها على مصر على أعقابها. وانهمك أربع سنوات (١٢٥٠ - ١٢٥٤ م) فى تحصين مدن الساحل. وقد كان سلاطين المماليك بيبرس، وقلاون، والملك الأشرف ابن قلاون هم الذين أنزلوا الضربة القاضية بالمملكة اللاتينية، فسقطت عكا (٣١ مايو سنة ١٢٦١) فى أيديهم بعد دفاع مجيد. وفى خلال الأشهر الستة التالية سقطت صور، وحيفا، وصيداء، وبيروت وطرطوس، أو أخيلت. وكانت آخر المدن التى سلمت هى عثليث الحصن الرائع بين حيفا وقيسارية (١٤ أغسطس سنة ١٢٩١)؛ واستصغيت بذلك مستعمرات الفرنجة فى الشام.
وقد أدخلت الحروب الصليبية إلى الشام النظام الاقطاعى الذى كان سائدًا فى أوربا فى تلك الأيام، ولم تلبث الملكية الانتخابية أن ولت وحلت محلها الملكية المتوارثة. وإنما كان الملك يحكم مملكة بيت المقدس الفلسطينية حكما مباشرا وكانت سلطة الملك محدودة بامتيازات الطبقات الثلاث: طبقة الكهنة، وطبقة الأشراف، والطبقة الوسطى، وقد لاحظ أسامة بن منقذ أنه لا يستطيع أن يبطل قرارات مجلس الأمراء، وكذلك كانت سلطة زعماء الاقطاعيين فى اماراتهم مقيدة على هذا النحو. واحتفظ بنظام رقيق الأرض كما كان شأنه من قبل فى الشام. وأطلق اسم "البولان" (Poulains) أو "البولانى" (Pullani) على المولدين من الفرنجة وأهل البلاد، ولا يزال اشتقاق هذا الاسم غامضا. وكان التجنيد للجيش لا يقتصر على الفرنجة بل يتجاوزهم إلى الأرمن والموارنة أيضا. أما الجنود الخفاف السلاح فكانوا يجندون من بين المسلمين، وأما موقف المسلمين واليهود فى هذا الجيش فيذكرنا بموقف الذميين فى البلاد الإسلامية مع فارق هو أنهم لم تكن تفرض عليهم ضرائب ثقيلة كتلك التى كانت تفرض على الذميين.
стр. 6023
ويقول ابن جبير إن إخوانه فى الدين لم يخفوا رضاءهم عن حكم الفرنجة.
وكان لكل إمارة سكة خاصة بها من العملة الفضية وكان يوجد إيضا البندقى الذهب (besants sarracena أو Semasins) وعليه نقوش عربية. وعادت التجارة، التى كانت خامدة على تفاوت منذ الفتح العربى، إلى النشاط نتيجة لقيام العلاقات البحرية مع الغرب التى اتسعت اتساعا لم يبلغ هذا المدى قط. وكان أهم الموانى هى عكا وصور وطرابلس. وكان آخر مطاف التجارة بين القارات فى إمارات الشمال: اللاذقية أو السويدية التى تعرف الآن بثغر سان سيمون. ولا مناص من أن نرجع إلى أيام الفينيقيين لنجد مثل هذا العهد الذى بلغ فيه النشاط الإقتصادى هذا الشأو العظيم.
وقد عرقلت حالة الحرب النشاط العقلى بين مسلمى الشام ولكنها لم توقفه، ففى دمشق كان القلانسى مشغولا بتاريخه، وكان ابن عساكر قد أتم موسوعته الخالدة الأثر "تاريخ دمشق" التى خصصها للأعيان الذين لهم صلة بالشام من قريب أو من بعيد. وقد أخرج الأمير أسامة بن منقذ فى أواخر حياته المضطربة ترجمة ذاتية لا غنى عنها فى دراسة العلاقات التى كانت قائمة بين الفرنجة والمسلمين. وكان ابن العبرى الشآمى العراقى يكتب بالعربية والسريانية ويجيدهما على السواء. وقد كتب هذا البطريق اليعقوبى باللغة السريانية تاريخا ضخما. ودرس المسلمون والنصارى واليهود ووفقوا فى دراستهم.
ولم يشهد الشام من قبل قط عمائر تقام بمثل هذه الكثرة إلا فى العهد الرومانى. وكانت الحصون التى بناها الصليبيون مُثلا رائعة للعمائر الحربية المأثورة عن القرون الوسطى. ونذكر من الكنائس التى شيدوها البازيليكا الرائعة فى طرطوس، وكاتدرائية يوحنا المعمدان الرشيقة -وهى الآن المسجد الجامع فى بيروت- التى كانت حوائطها مغطاة فى يوم من الأيام بالصور. وتطبع كثير من أمراء الصليبيين بالعادات الشآمية. ويمكنا أن نحيى فى التعاون بين الفرنجة وأهل البلاد مولد حضارة فرنجية جديدة.
стр. 6024
على أن القضاء على المملكة اللاتينية وأد كل أمل بنى على هذا الأساس. وقد استهل مجئ دولة المماليك عهدا من الفوضى لم تر له الشام مثيلا من قبل.
الشام فى عهد المماليك
لخصنا آنفا مغامرات سلاطين المماليك الأولين ضد إمارات الفرنجة. فقد خشى المماليك عودة الفرنجة والعمارات البحرية للدول الأوربية التى كانت تسيطر على البحر المتوسط، فبدءوا يخربون مدن الساحل غير متجاوزين حتى عن أكثر هذه المدن ازدهارا وهى عكا وصيداء وطرابلس ودمروا حصنى صيداء وبيروت وأعيد بناء طرابلس على مسيرة ميلين من الساحل وقد احتفظوا من الناحية الإدارية بالإقطاعات الأيوبية القديمة وقسموا الشام إلى ستة أقاليم كبرى سمى كل منها مملكة أو نيابة وهى: دمشق، وحلب، وحماه وطرابلس، وصفد والكرك (شرق الأردن).
ولم يحقق تاريخ الشام السابق للنائب (نائب الملك) السلطان على زملائه الشآميين فحسب، بل جعل له أيضا مكانة خاصة. ثم إن هذا العامل الرفيع القدر لم يجد إلا مشقة يسيرة فى إقناع نفسه بأن له من الحقوق فى العرش مثل ما أولاه فى مصر. أرادت القاهرة أن تأمن شر أطماع النواب الشآميين فحرصت على تغييرهم باستمرار (صالح بن يحيى) ولم يبلغ عدم استقرار الحكم وطمع الحكام الذين كانوا لا يأمنون ما يأتى به الغد، ما بلغه فى هذا العهد قط. واستمرت لبنان تنعم بضرب من الحكم الذاتى، واستغل مسلمو النجاد الساخطون (الدروز والمتولية) ما وقع فيه المماليك من متاعب بسبب انشغالهم بأمر الفرنجة والمغول، فأعلنوا استقلالهم. ولم يجد المماليك بدًا من حشد جميع قوات الشام، ونشبت من ثم حرب طويلة مريرة (١٢٩٣ - ١٣٠٥ م) انتهت بالقضاء على الثوار قضاء مبرما وتخريب لبنان الأوسط.
وكان خانات فارس المغول يتحرقون إلى الانتقام من الهزائم التى أنزلها بهم المماليك، وكان أعلى هؤلاء السلاطين همة هو غازان (١٢٩٦ - ١٣٠٤ م) وقد استوثق هذا السلطان سنة ١٢٩٩ م
стр. 6025
من معونة الأرمن والكرج وفرنجة قبرس وهزم المماليك بالقرب من حمص. على أن المصريين عادوا فغزوا الشام، وعبر غازان الفرات مرة أخرى لملاقاتهم فدارت الدائرة عليه سنة ١٣٠٣ م فى مرج الصفار قرب دمشق. ولم تغنم شيئًا من مجئ البرجية الذين حلوا محل دولة المماليك البحرية ١٣٨٢ م. ذلك أن المماليك البرجية كما يقول ابن إياس، احتفظوا بالسنن القديمة، أو بحكم أسلافهم الذى اتسم بالفوضى. ولم يجد السلطان فرج (١٣٩٢ - ١٤٠٥ م) بدًا من أن يشرع فى فتح الشام من جديد ما لا يقل عن سبع مرات. وقد اقترنت سنة ١٤٠٤ م بغزوة تيمور، فقد غزت حشوده حلب ونهبتها، ثم ظهرت أمام دمشق ورضيت هذه المدينة بالتسليم فنهبها التتار نهبا منتظما، فقد حملوا معظم سكانها القادرين أسرى، وخاصة أرباب الفن والمهندسين المعماريين وصناع الصلب والزجاج، ومضوا بهم جميعا أو يكادون إلى سمرقند، ثم أشعلوا النار فى المدينة وفى مسجد الأمويين وغير ذلك من الأثار، ورجع تيمور بجيوشه وترك الشام فريسة للأوبئة والعصابات من قطاع الطرق. وكان سلطان العثمانيين فى الوقت نفسه آخذا فى التجمع بهضاب الأناضول، وزاد استيلاؤهم على القسطينية (١٤٥٣ م) فى أطماعهم، وإنما حال الموت بين محمد الثانى وبين فتح الشام، ولم يكف خلفاؤه عن التأهب لذلك، ووقع قاتيباى (١٤٦٨ - ١٤٩٦ م) وبايزيد معاهدة سلام، تبين من بعد أنها لم لن إلا هدنة.
وقد أدى تخريب هولاكو لبغداد وسقوط الخلافة العباسية إلى نقل قاعدة العالم الإسلامى إلى غربى الفرات، ووجد أصحاب التصانيف العربية فى أرض المماليك ملجأ محفوفا بالمكاره فى خير حالاته. ولم يكن من المنتظر أن يلقوا أى تشجيع من سلاطين جهلة اتسموا بالوحشية لا يعرف الكثير منهم حتى أن يوقعوا بأسمائهم. وعاش المثقفون فى الماضى، وأصبح نشاطهم يفتقر إلى الأصالة والابتكار، وكانت هذه الأيام العصر الذهبى للملخصين المصنفين وكتاب الرسائل المدرسية