Полный текст (10 087 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.
стр. 6021
وإنما نجحوا بذلك فى إضعاف بعضهم بعضا، فاستفاد المسلمون من تفرق كلمتهم واجتمع شملهم حول زعماء مبرزين مثل زنكى، ونور الدين، وصلاح الدين واستأنف بولدوين الثالث (١١٤٤ - ١١٦٢ م) حصار دمشق (٢٣ - ٢٨ يولية سنة ١١٤٨) دون أن يحرز أى نجاح يفوق ما بلغه أسلافه وكان نور الدين قد غدا بالفعل صاحب الكلمة فى حلب، فثبت أقدامه فى دمشق. ورسم آمورى ملك بيت لمقدس منذ سنة ١١٦٢ م، خطة جريئة ترمى إلى حصار ملك الدولة الفاطمية المنهارة، فسبقه نور الدين، إذ أنفذ نائبه صلاح الدين الكردى إلى مصر؛ فلما توفى آخر خلفاء الفاطميين، أعلن صلاح الدين استقلاله بأمر مصر، وأقام فيها الدولة الأيوبية، ثم انتزع دمشق من أبناء نور الدين. وفى ٤ يولية سنة ١١٨٧ وقع جيش النصارى بأسره يقوده كى ده لوزينيان فى قبضة صلاح الدين عند حطين بين طبرية والناصرة. وفى الثانى من شهر أكتوبر التالى سلمت بيت المقدس. ولم تجد المدن الأخرى، وقد خلت من المدافعين عنها، بدًا من التسليم فيما عدا أنطاكية وطرابلس وصور.
وجاءت دعوة الحرب الصليبية الثالثة إلى المعسكر القائم أمام عكا التى كان الفرنجة يحاصرونها منذ سنتين، بفيليب أغسطس ملك فرنسا وريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا. وقد سلمت هذه المدينة فى ١٩ يولية سنة ١١٩١. وعقدت بين المتحاربين هدنة قضت بالتنازل عن الساحل من يافا إلى صور للصليبين ولم يستطع الصليبيون أن يستردوا بيت المقدس فجعلوا عكا قصبة مملكتهم. وقد أحدثت وفاة صلاح الدين فرقة بين ورثته الكثيرين. واستغل الإمبراطور فردريك الثانى هذا الشقاق فتفاوض مع الملك الكامل سلطان مصر الأيوبى للتنازل للصليبين عن بيت المقدس وغيرها من الأماكن التى ليست لها أهمية حربية وأحس الملك الكامل بالخطر يتهدده من ناحية أبناء أخيه صلاح الدين الذين كانوا قد عقدوا حلفا مع الفرنجة فاستنجد بالخوارزمية فسحقوا جيش الشآميين والفرنجة المجتمعين بالقرب من غزة (١٢٢٤ م)
стр. 6022
وتمكن المصريون من احتلال بيت المقدس ودمشق وحمص.
وجاءت الحرب الصليبية السابعة بسانت لويس إلى الشام بعد أن ردت الحملة التى شنها على مصر على أعقابها. وانهمك أربع سنوات (١٢٥٠ - ١٢٥٤ م) فى تحصين مدن الساحل. وقد كان سلاطين المماليك بيبرس، وقلاون، والملك الأشرف ابن قلاون هم الذين أنزلوا الضربة القاضية بالمملكة اللاتينية، فسقطت عكا (٣١ مايو سنة ١٢٦١) فى أيديهم بعد دفاع مجيد. وفى خلال الأشهر الستة التالية سقطت صور، وحيفا، وصيداء، وبيروت وطرطوس، أو أخيلت. وكانت آخر المدن التى سلمت هى عثليث الحصن الرائع بين حيفا وقيسارية (١٤ أغسطس سنة ١٢٩١)؛ واستصغيت بذلك مستعمرات الفرنجة فى الشام.
وقد أدخلت الحروب الصليبية إلى الشام النظام الاقطاعى الذى كان سائدًا فى أوربا فى تلك الأيام، ولم تلبث الملكية الانتخابية أن ولت وحلت محلها الملكية المتوارثة. وإنما كان الملك يحكم مملكة بيت المقدس الفلسطينية حكما مباشرا وكانت سلطة الملك محدودة بامتيازات الطبقات الثلاث: طبقة الكهنة، وطبقة الأشراف، والطبقة الوسطى، وقد لاحظ أسامة بن منقذ أنه لا يستطيع أن يبطل قرارات مجلس الأمراء، وكذلك كانت سلطة زعماء الاقطاعيين فى اماراتهم مقيدة على هذا النحو. واحتفظ بنظام رقيق الأرض كما كان شأنه من قبل فى الشام. وأطلق اسم "البولان" (Poulains) أو "البولانى" (Pullani) على المولدين من الفرنجة وأهل البلاد، ولا يزال اشتقاق هذا الاسم غامضا. وكان التجنيد للجيش لا يقتصر على الفرنجة بل يتجاوزهم إلى الأرمن والموارنة أيضا. أما الجنود الخفاف السلاح فكانوا يجندون من بين المسلمين، وأما موقف المسلمين واليهود فى هذا الجيش فيذكرنا بموقف الذميين فى البلاد الإسلامية مع فارق هو أنهم لم تكن تفرض عليهم ضرائب ثقيلة كتلك التى كانت تفرض على الذميين.
стр. 6023
ويقول ابن جبير إن إخوانه فى الدين لم يخفوا رضاءهم عن حكم الفرنجة.
وكان لكل إمارة سكة خاصة بها من العملة الفضية وكان يوجد إيضا البندقى الذهب (besants sarracena أو Semasins) وعليه نقوش عربية. وعادت التجارة، التى كانت خامدة على تفاوت منذ الفتح العربى، إلى النشاط نتيجة لقيام العلاقات البحرية مع الغرب التى اتسعت اتساعا لم يبلغ هذا المدى قط. وكان أهم الموانى هى عكا وصور وطرابلس. وكان آخر مطاف التجارة بين القارات فى إمارات الشمال: اللاذقية أو السويدية التى تعرف الآن بثغر سان سيمون. ولا مناص من أن نرجع إلى أيام الفينيقيين لنجد مثل هذا العهد الذى بلغ فيه النشاط الإقتصادى هذا الشأو العظيم.
وقد عرقلت حالة الحرب النشاط العقلى بين مسلمى الشام ولكنها لم توقفه، ففى دمشق كان القلانسى مشغولا بتاريخه، وكان ابن عساكر قد أتم موسوعته الخالدة الأثر "تاريخ دمشق" التى خصصها للأعيان الذين لهم صلة بالشام من قريب أو من بعيد. وقد أخرج الأمير أسامة بن منقذ فى أواخر حياته المضطربة ترجمة ذاتية لا غنى عنها فى دراسة العلاقات التى كانت قائمة بين الفرنجة والمسلمين. وكان ابن العبرى الشآمى العراقى يكتب بالعربية والسريانية ويجيدهما على السواء. وقد كتب هذا البطريق اليعقوبى باللغة السريانية تاريخا ضخما. ودرس المسلمون والنصارى واليهود ووفقوا فى دراستهم.
ولم يشهد الشام من قبل قط عمائر تقام بمثل هذه الكثرة إلا فى العهد الرومانى. وكانت الحصون التى بناها الصليبيون مُثلا رائعة للعمائر الحربية المأثورة عن القرون الوسطى. ونذكر من الكنائس التى شيدوها البازيليكا الرائعة فى طرطوس، وكاتدرائية يوحنا المعمدان الرشيقة -وهى الآن المسجد الجامع فى بيروت- التى كانت حوائطها مغطاة فى يوم من الأيام بالصور. وتطبع كثير من أمراء الصليبيين بالعادات الشآمية. ويمكنا أن نحيى فى التعاون بين الفرنجة وأهل البلاد مولد حضارة فرنجية جديدة.
стр. 6024
على أن القضاء على المملكة اللاتينية وأد كل أمل بنى على هذا الأساس. وقد استهل مجئ دولة المماليك عهدا من الفوضى لم تر له الشام مثيلا من قبل.
الشام فى عهد المماليك
لخصنا آنفا مغامرات سلاطين المماليك الأولين ضد إمارات الفرنجة. فقد خشى المماليك عودة الفرنجة والعمارات البحرية للدول الأوربية التى كانت تسيطر على البحر المتوسط، فبدءوا يخربون مدن الساحل غير متجاوزين حتى عن أكثر هذه المدن ازدهارا وهى عكا وصيداء وطرابلس ودمروا حصنى صيداء وبيروت وأعيد بناء طرابلس على مسيرة ميلين من الساحل وقد احتفظوا من الناحية الإدارية بالإقطاعات الأيوبية القديمة وقسموا الشام إلى ستة أقاليم كبرى سمى كل منها مملكة أو نيابة وهى: دمشق، وحلب، وحماه وطرابلس، وصفد والكرك (شرق الأردن).
ولم يحقق تاريخ الشام السابق للنائب (نائب الملك) السلطان على زملائه الشآميين فحسب، بل جعل له أيضا مكانة خاصة. ثم إن هذا العامل الرفيع القدر لم يجد إلا مشقة يسيرة فى إقناع نفسه بأن له من الحقوق فى العرش مثل ما أولاه فى مصر. أرادت القاهرة أن تأمن شر أطماع النواب الشآميين فحرصت على تغييرهم باستمرار (صالح بن يحيى) ولم يبلغ عدم استقرار الحكم وطمع الحكام الذين كانوا لا يأمنون ما يأتى به الغد، ما بلغه فى هذا العهد قط. واستمرت لبنان تنعم بضرب من الحكم الذاتى، واستغل مسلمو النجاد الساخطون (الدروز والمتولية) ما وقع فيه المماليك من متاعب بسبب انشغالهم بأمر الفرنجة والمغول، فأعلنوا استقلالهم. ولم يجد المماليك بدًا من حشد جميع قوات الشام، ونشبت من ثم حرب طويلة مريرة (١٢٩٣ - ١٣٠٥ م) انتهت بالقضاء على الثوار قضاء مبرما وتخريب لبنان الأوسط.
وكان خانات فارس المغول يتحرقون إلى الانتقام من الهزائم التى أنزلها بهم المماليك، وكان أعلى هؤلاء السلاطين همة هو غازان (١٢٩٦ - ١٣٠٤ م) وقد استوثق هذا السلطان سنة ١٢٩٩ م
стр. 6025
من معونة الأرمن والكرج وفرنجة قبرس وهزم المماليك بالقرب من حمص. على أن المصريين عادوا فغزوا الشام، وعبر غازان الفرات مرة أخرى لملاقاتهم فدارت الدائرة عليه سنة ١٣٠٣ م فى مرج الصفار قرب دمشق. ولم تغنم شيئًا من مجئ البرجية الذين حلوا محل دولة المماليك البحرية ١٣٨٢ م. ذلك أن المماليك البرجية كما يقول ابن إياس، احتفظوا بالسنن القديمة، أو بحكم أسلافهم الذى اتسم بالفوضى. ولم يجد السلطان فرج (١٣٩٢ - ١٤٠٥ م) بدًا من أن يشرع فى فتح الشام من جديد ما لا يقل عن سبع مرات. وقد اقترنت سنة ١٤٠٤ م بغزوة تيمور، فقد غزت حشوده حلب ونهبتها، ثم ظهرت أمام دمشق ورضيت هذه المدينة بالتسليم فنهبها التتار نهبا منتظما، فقد حملوا معظم سكانها القادرين أسرى، وخاصة أرباب الفن والمهندسين المعماريين وصناع الصلب والزجاج، ومضوا بهم جميعا أو يكادون إلى سمرقند، ثم أشعلوا النار فى المدينة وفى مسجد الأمويين وغير ذلك من الأثار، ورجع تيمور بجيوشه وترك الشام فريسة للأوبئة والعصابات من قطاع الطرق. وكان سلطان العثمانيين فى الوقت نفسه آخذا فى التجمع بهضاب الأناضول، وزاد استيلاؤهم على القسطينية (١٤٥٣ م) فى أطماعهم، وإنما حال الموت بين محمد الثانى وبين فتح الشام، ولم يكف خلفاؤه عن التأهب لذلك، ووقع قاتيباى (١٤٦٨ - ١٤٩٦ م) وبايزيد معاهدة سلام، تبين من بعد أنها لم لن إلا هدنة.
وقد أدى تخريب هولاكو لبغداد وسقوط الخلافة العباسية إلى نقل قاعدة العالم الإسلامى إلى غربى الفرات، ووجد أصحاب التصانيف العربية فى أرض المماليك ملجأ محفوفا بالمكاره فى خير حالاته. ولم يكن من المنتظر أن يلقوا أى تشجيع من سلاطين جهلة اتسموا بالوحشية لا يعرف الكثير منهم حتى أن يوقعوا بأسمائهم. وعاش المثقفون فى الماضى، وأصبح نشاطهم يفتقر إلى الأصالة والابتكار، وكانت هذه الأيام العصر الذهبى للملخصين المصنفين وكتاب الرسائل المدرسية
стр. 6026
وأصحاب الموسوعات. وقد عنى هؤلاء بجمع المعلومات وحفظها عن ظهر قلب. ويجب أن ننوه من بين أصحاب الموسوعات بالكاتب النابه شهاب الدين بن فضل اللَّه العمرى صاحب "مسالك الأبصار" وهو مصنف ضخم تاريخى جغرافى أدبى جعل لعمال ديوان المماليك. ونذكر من بعد أبا الفداء المؤرخ الجغرافى والجغرافى شمس الدين الدمشقى المتوفى سنة ١٣٢٧ م، وهو أقل مكانة بشكل ملحوظ من سلفه المقدسى. وقد ولد الذهبى المتفنن فى علوم جمة بالعراق ولكنه عاش ومات فى دمشق (١٣٥٣ م) وكان ابن عربشاه المتوفى سنة ١٤٥٠ م وهو صاحب تاريخ تيمور وصنف الصفدى معجما كبيرا فى السير (١٢٩٦ - ١٣٨٣ م) وخلف لنا صالح بن يحيى (توفى سنة ١٤٣٦ م) صاحب "تاريخ بيروت" بكتابه هذا خير تاريخ للبنان وذيلا قيما لحوليات الدول الفرنجية. وكان ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية من أعظم الكتاب أصالة فى هذا العهد. . وقد شمل نشاطهم العقلى ميدان الدراسات الإسلامية جميعا. وكان من التوفيق العجيب الذى أصابه هذان المناظران اللذان لا تفتر لهما همة واللذان رزقا حسا مرهفا فى تبين البدع أن مجّدهما الوهابيون وأصحاب التجديد المسلمون فى يومنا هذا.
وكان رحيل الصليبيين نهاية عهد من الازدهار الاقتصادى العجيب؛ فقد عادت التجارة الشآمية إلى ما كانت عليه من ركود. على أن الحاجة قضت باستئناف العلاقات مع أوروبة شيئًا فشيئًا. وكان اضمحلال عكا وصور وطرابلس التى خربها المماليك، وسقوط مملكة قيليقية (قاليقلا) الأرمنية (١٣٤٧ م) التى شخص إليها التجار الغربيون أول الأمر، فى مصلحة بيروت، ذلك أن هذه المدينة غدت أكثر من قرن أهم ميناء فى الشام، فقد كان يزور بيروت كل عام بحكم قربها من دمشق ووقوعها قبالة قبرس -مملكة اللوزينيان وملتقى السوق الأوربية- سفن البنادقة والجنوبيين والقطلونيين والبروفنساليين والرودسيين، وكان لهذه الجاليات المختلفة من ثم قناصل يمثلونها ويعترف بهم المماليك رسميا
стр. 6027
ويتقاضون منحا أو (جامكية)، على أن حكومة القاهرة كانت تعدهم "رهائن" (خليل الظاهرى)، ويجعلونهم مسئولين عمن يدخلون فى ولايتهم وعما يرتكبه القراصنة من عدوان. وكان القناصل يحمون الحجاج ويتدخلون إذا لزم الأمر لصالح النصارى من الأهلين ومن ثم قام نظام الامتيازات الذى تطور فى القرون التالية.
سورية فى عهد العثمانيين: بدأ حكم المماليك فى الانحلال بحلول القرن السادس عشر الميلادى؛ فقد ضاق أهل البلاد بجورهم وعسفهم، وصحت نية السلطان العثمانى سليم الأول على انتهاز هذه الفرصة لفتح سورية وسبق السلطان المملوكى قانصوه الغورى إلى العمل، فحشد جنوده وسار إلى الأناضول مارا بدمشق وحلب. والتقى الجيشان فى دابق على مسيرة يوم شمالى حلب، وفرقت مدفعية الترك ومشاة الإنكشارية صفوف المصريين وأشاعت فيها الفوضى والاضطراب. واختفى الغورى بعد النكبة التى منى بها فى دابق (٢٤ أغسطس ١٥١٦ م) وفتحت حلب ودمشق وبلدان سورية أبوابها للغازى والذى مضى إلى مصر وقضى على حكم المماليك. واحتفظ الترك أول الأمر بالتقسيم الإدارى أى النيابات. وكان المملوك الغزالى نائب دمشق قد شخص إلى معسكر العثمانيين بعد موقعة دابق، وكوفئ هذا المرتد بحكم سورية فيما عدا نيابة حلب التى ادخرت لأحد الباشوات الترك.
فلما توفى سليم الأول (١٥٢٠ م) نادى الغزالى بنفسه سلطانًا وتلقب بالملك الأشرف ثم هزم الغزالى وقتل فى القابون عند أبواب دمشق (يناير ١٥٢١ م) وأصبحت سورية قبل نهاية القرن السادس عشر الميلادى مقسمة إلى ثلاث باشويات كبرى:
١ - دمشق، وتشمل عشرة سناجق أهمها بيت المقدس وغزة، ونابلس، وصيداء وبيروت.
٢ - طرابلس، وتشمل سناجق حمص، وحماه، وسلمية، وجبلة.
٣ - حلب وتشمل شمالى سورية بأسره فيما عدا عينتاب التى أدخلت فى باشوية مرعش؛ وأنشئت فى القرن
стр. 6028
التالى باشوية صيداء لتشمل لبنان، وقد بقى هذا التقسيم الإدارى بمعالمه البارزة حتى منتصف القرن الثامن عشر حين نقلت قاعدة الحكم من صيداء إلى عكا.
ولم يكن ديوان إستانبول يعنى بالشام إلا بمقدار ما تتيح له أن يحرس مصر والشام ويجبى من خراجها ما يسد نفقات القصر السلطانى والحروب الخارجية وكانت الضرائب التى تطلق فى المزاد يوكل أمرها إلى من يرتبط بجباية أكبر قدر منها. وقد جاء فى تقرير أحد قناصل البندقية أن الباشوية كانت تدر ما بين ٨٠.٠٠٠ و ١٠٠.٠٠٠ بندقى (والراجح أنه كان بندقيا فضيا، وهو الكروسو عند البنادقة، ومن ثم القرش وجمعها قروش، ويساوى القرش خمسة فرنكات). وكان الباشوات يحكمون المدن الهامة وأرباضها حكما مباشرًا. أما داخل البلاد فقد ترك للإقطاعيين القدماء الذين ازداد عددهم وسلطانهم منذ عهد المماليك وهم أمراء البدو والتركمان والمتولية، والدروز والنصيرية ولم يكن الباب العالى يقتضيهم إلا الجزية أو الميرى غير حافل إذا رآهم يناضلون ممثليه. وكان الباشا التركى يخرج كل عام على رأس مدفعيته وإنكشارييه ليجبى الضرائب. وكانت هذه القوة تعيش على حساب البلاد وتخربها إذا هى قاومت فهل لنا أن نعجب بعد إذا وجدنا الزراعة وهى أهم موارد سورية تضمحل، والسكان يتناقصون. والنواحى الريفية تستصفى من أجل لبنان والأقاليم الجبلية التى كان يفزع إليها السكان المراهقون؟
وكان حرج موقف العمال الترك وعدم استقرارهم يزيدهم جشعا على جشع. وقد توالى على دمشق ١٣٣ باشا فى ١٨٠ عاما. وشهد هذا العهد قومة فخر الدين بطل الاستقلال السورى (١٥٨٣ - ١٦٣٥ م). الأمراء المتولية، وبنى حرفوش أصحاب بعلبك والبقاع وبنى منصور ابن فريح شيوخ البدو الذين شقوا لأنفسهم إقطاعا فى فلسطين وفى إقليم نابلس. وكان هؤلاء الأمراء الاقطاعيون منظمين تنظيما لا بأس به على الرغم من جشعهم، وكانوا قادرين على الدفاع عن مغانمهم ضد الترك الغاشمين. وقد تبين أن استعمار
стр. 6029
البرتغاليين للهند وجعلهم طريق التجارة مع الشرق الأوسط يلتف حول رأس الرجاء الصالح كان خطرًا داهما أصاب سورية. واجتذبت طرابلس ثم صيداء -بفضل سبق فخر الدين إلى العمل- السفن الأوربية فكانت تشخص إليهما للتزود بالحرير والقطن. أما حلب المستودع الأكبر على الطريق المباشر المؤدى إلى الخليج الفارسى فقد ظلت ثلاثة قرون أهم مركز تجارى فى شمالى سورية بفضل موقعها بين أرض الجزيرة والبحر وولايات الأناضول التى كانت حلب سوقها.
وفى النصف الثانى من القرن الثامن عشر حدث أن لفتت فعال ثلاثة رجال الأنظار إلى مدينة عكا وإقليمها فجأة. وكان هؤلاء هم ضاهر (وفى النطق السورى ظاهر) العمر، والجزار، وبونابرت. فقد بسط ضاهر، وكان شيخا من شيوخ البدو وصاحب صفد، سلطانه على الجليل واستقر فى عكا وحصنها وأقامها من بين أنقاضها. وقاوم ضاهر الباب العالى (١٧٥٠ - ١٧٧٥ م) بفضل معونة المملوكين المصريين على بك وأبى الذهب وأسطول صغير من السفن الروسية كان يجوب المياه السورية. وحاصره الترك فى عكا وأدركته منيته فيها سنة ١٧٧٥ م. وصمد خليفته الجزار لعبقرية بونابارت الشاب الحربية ثلاثة أشهر (مارس - مايو ١٧٩٩) وظل الجزار، باشا دمشق وعكا، متحكما فى مصير سورية قرابة أربعين عاما (١٧٧٥ - ١٨٠٤) بالرغم من مظالمه وقسوته.
وقد نقص لعمكان الشام وفلسطين الذين كان عددهم أيام الفتح العربى أربعة ملايين نسمة فبلغ عددهم مليونا ونصف مليون بعد ثلاثة قرون من الحكم التركى. واضمحلت زراعة القطن الذى كان هو والحرير أهم موردين من موارد الثروة فى سورية اضمحلالا تاما، حين قرر محمد على والى مصر إن يجتذب اليها الزراع السوريين الذين كانت قد وهنت عزيمتهم. وكانت هذه الحالة من الفوضى هى التى مكنت الأمير بشير اللبنانى من التدخل فى شئون سورية السياسية بل إن أكابر
стр. 6030
العمال الترك كانوا يسعون إلى تدخله فى أمورها، فقد توسل إليه يوسف، باشا دمشق (١٨٠٧ - ١٨١٠) أن يمده بالعون ليدفع الوهابيين الذين كانوا يهددونه بالغزو. وقد ترأس بشير فى دمشق حفل تنصيب سليمان باشا عكا وخليفة يوسف باشا المعين من قبل الباب العالى، على أن محمدا عليا والى مصر كان فى غمرة هذه الفوضى العامة يتحين الفرص لضم سورية إلى ولاية مصر. وتولى عبد اللَّه باشا الذى خلف سليمان على عكا (١٨١٨ م) تسليمها إليه ورفض عبد اللَّه باشا أن يسمح بترحيل الفلاحين المصريين إلى سورية ورد مبلغ مليون قرش. وأبى نصارى لبنان الدفع حين دعاهم باشا عكا الذى كانت لبنان تقع فى ولايته، إلى المساهمة فى أداء هذا المبلغ. وكانت هبَّة النصارى سمة جديدة فى شؤون سورية السياسية، على أنها لم تكن بعد هى السمة الوحيدة. فقد كان النصارى بسبيلهم إلى التنور بفضل اتصالهم بالأوربيين وبدأوا يحسون بقوتهم. وتذرع محمد على بما كان من رفض عبد اللَّه باشا، فأنفذ ابنه إبراهيم باشا إلى سورية على رأس جيش مدرب على الأساليب الأوربية. وسلمت عكا فى ٢٧ مايو سنة ١٨٣٢ بعد حصار دام سبعة أشهر. وفى ٨ يولية هزم إبراهيم الترك هزيمة منكرة فى حمص. وبعد ذلك بقليل اقتحم ممر بيلان ودخل الأناضول. وعقدت معاهدة (مايو ١٨٣٣) ضمنت لمصر ملك سورية إلى حين.
وتبين أن الحكم الجديد كان يتسم بالسماحة، فقد سمح للنصارى بدخول المجالس البلدية، وجنح إلى إلغاء الإجراءات التى كان فيها إذلال لغير المسلمين وحاول إصلاح الشرطة والمحاكم. على أنه أثار سخط الأهلين باستحداث السخرة والتجنيد الإجبارى حتى فى أقاليم لبنان شبه المستقلة فنشبت الفتن بين دروز لبنان وحوران وكذلك بين النصيرية، وفى ولاية نابلس التى لم تخضع من قبل قط إخضاعا تاما. وأنهك إبراهيم قواه فى
стр. 6031
إخماد هذه الفتن. ورأى الترك أن الوقت قد حان لإعادة فتح سورية. ونزلت بهم هزيمة ساحقة عند نصيبين (٢٧ يونية ١٨٣٩) شمالى حلب. وهنالك تدخلت الدبلوماسية الأوربية بتحريض انجلترا التى كانت قد أزعجتها أطماع محمد على. ولم تكن انجلترا تهتم بمصر أى اهتمام حتى حملة بونابرت ثم انشغلت بعدها انشغالا لا يفتر بمصر والبحر الأحمر وأثار وكلاؤها الخواطر فى لبنان بأسره. وقذف أسطول من الحلفاء بيروت بالقنابل (سبتمبر ١٨٤٠) وفى ٢ نوفمبر سلمت عكا، واضطر إبراهيم إلى الاتفاق على الجلاء عن سورية. وكان الأمير بشير قد مضى إلى منفاه قبيل ذلك.
واستن الباب العالى منذ عهد محمود الثانى سياسة تقوم على المركزية فى الإدارة وأصدر مرسوما بإلغاء الإمارات المحلية المستقلة استقلالا ذاتيا وإبطال الإقطاعيات ولما رحل المصريون عن سورية نقل الباب العالى إلى بيروت التى كانت أهميتها فى ازدياد مطرد، المراكز الإدارية لباشويتى عكا وصيداء القديمتين، تمهيدا لضم لبنان. وتحقيقا لهذا الغرض نفسه أعلنت إقالة دولة أمراء لبنان القديمة ونعنى بهم الأمراء الشهابية. وإنما نتج عن هذا إشاعة الفوضى الناشبة هناك، فقد كان النصارى الذين ناضلوا المصريين يطالبون بأن يعاملوا على قدم المساواة مع الدروز، وكان عدد منهم قد استحوذوا فى جنوبى لبنان على الأراضى المصادرة لمشايخ الدروز الذين كان إبراهيم باشا قد نفاهم، ثم عاد هؤلاء من منفاهم فطالبوا بأن يعودوا إلى ما كانوا عليه وأن ترد إليهم امتيازاتهم القديمة، وانحازت تركية إليهم، فمهدت بذلك السبيل إلى نشوب المعارك الجديدة والقتال الدموى، وأظهر مسلمو سورية عداوة لا تقل عن ذلك عنفا حيال النصارى الذين كان الحكم المصرى قد أطلق لهم بعض حرياتهم، ولم يحفلوا بالتقدم العقلى والمادى الذى أصابه النصارى، ولا بالمساواة فى الحقوق السياسية التى وعد بها "الخط السلطانى". وكان الخط الهمايونى الذى أصدره السلطان
стр. 6032
عبد المجيد والذى بعث به إلى مؤتمر باريس (١٨٥٦) ووضع ضمنا هذه الحقوق فى كفالة الحلفاء قد أخزى الرأى العام الإسلامى، ولكنه أوحى بالثقة إلى صفوف النصارى، فاغتنموا الفرصة فى دمشق وغيرها من المدن الكبرى للثراء. وبدأت الثورة تضطرم فى قلوب الدروز والمسلمين وتنتظر حوادث سنة ١٨٦٠ حتى تنفجر.
وضم دروز لبنان صفوفهم إلى صفوف أهل ملتهم فى وادى التيم وحوران فأعملوا النار والدمار فى قرى الموارنة الذين كانوا فى هرج ومرج إثر نزاع نشب حول زراعة الأرض، وبلغت هذه الحركة المناهضة للمسيحيين دمشق التى كان المسلمون قد نهبوها ثم أشعلوا النار فى حى النصارى الزاهر بعد تذبيح سكانه، وتدخلت السلطات التركية فى دمشق، وفى لبنان، وفى بيروت لنزع السلاح من المسيحيين فحسب، وراحت ترقب المذبحة دون أن تحرك ساكنا، إما لعجزها وإما لتأجيج نارها. وعملت فرنسا بحق الانتداب التى خولته لها أوروبا، فأنزلت فى بيروت (سبتمبر سنة ١٨٦٠) جيشا "لمساعدة السلطان على إعادة الأمن إلى نصابه" وسبق الباب العالى إلى العمل فأنفذ فؤاد باشا إلى سورية وجعل له حرية التصرف بما يراه؛ وبدأ باتخاذ إجراءات سريعة وأصدر أحكاما بالنفى على أشد الزعماء الترك والدروز إيغالا فى الفتنة، فوضع أوروبا أمام الأمر الواقع، وشل دهاء الترك وتوجس الانجليز تدخل الفرنسيين، ومع ذلك فقد أعاد هذا التدخل الثقة إلى قلوب المسيحيين وحفظ وطنهم لأصحابه أهل لبنان، ومنح لبنان نظاما من الحكم الذاتى فى رعاية أوروبا المباشرة فغنم بذلك قرنا من الزمان نعم فيه بالأمن والرخاء.
وكانت سورية بعد سنة ١٨٦٤ مقسمة إلى ولايتين: ولاية حلب، وولاية دمشق، وفى سنة ١٨٨٨ جعلت بيروت أهم ثغور سورية ومركز الحياة التجارية ولاية قائمة بذاتها. وركدت الحال فى سورية بعد الهزات التى
стр. 6033
انتابتها سنة ١٨٦٠ فوقفت موقف المتفرج الذى لا يبالى بسقوط السلطانين عبد العزيز ومراد ومجئ السلطان عبد الحميد ومنح الدستور سنة ١٨٧٦ (وسرعان ما سحب)، ورأينا اليهود بين سنتى ١٨٨١ و ١٨٨٣ يقيمون أول مستعمرات زراعية لهم فى فلسطين، فمهد ذلك الطريق إلى الصهيونية. ونالت الصهيونية الاعتراف الرسمى بفضل وعد بلفور (نوفمبر ١٩١٧ م) ودخل ذلك فى نص الانتداب البريطانى على فلسطين ١٩٢٢).
وفى عهد عبد الحميد بدأت الهجرة تتسع اتساعا يقلق الخواطر. ورأى السوريون أن فسحة العيش قد ضاقت بهم فى وطنهم وباتوا تستغلهم سلطة جشعة لا عهد لها ولا ذمة، فأخذوا ينزحون عن بلادهم. وكان من الأمور التى شكا منها السوريون بحق إهمال الحكومة التركية للمرافق العامة. وأقبلت فرنسا برأس مالها لتفريج كربة سورية، وكانت آنئذ قد تركت لشأنها بعد أن أصيبت بضربة اقتصادية أخرى من جراء شق قناة السويس، ذلك أننا باستثناء الجزء السورى من سكة حديد بغداد وسكة حديد دمشق المدينة اللتين هما من صنع عبد الحميد، نجد أن خطوط السكك الحديد السورية قد أقام معظمها فرنسا. وزادت هذه المشروعات فى ثروة سورية وإنتاجها، فقد ربطتها بسلسلة واسعة من أسباب الاتصال، أجل ربطتها بطوروس والأناضول، والآستانة فى الشمال، وبلاد الغرب ومصر فى الجنوب.
وعنى الترك بتشجيع التقدم العقلى فى سورية عناية أقل من عناية المماليك أنفسهم؛ فقد أبدى عبد الحميد صراحة عداوته للأدب العربى وأنشأ نظاما صبغ سورية بالصبغة التركية، وعلى الرغم من جميع هذه العقبات، نجح نصارى حلب خلال القرن السابع عشر فى معاودة الاتصال بالدراسات العربية التى ظلت قرونا مغلقة فى وجوههم أو تكاد. ونحن ندين لهم بفضل إنشاء أول مطبعة فى لبنان (١٦١٠) وفى حلب.
стр. 6034
وإليهم أيضا يعود الفضل فى بدء النهضة الأدبية فى القرن التاسع عشر حين أصبحت سورية قصبة الدراسات العربية. وأمدتها البعثات الدينية الأجنبية، فرنسية وأمريكية وما إليها، بحافز فانتشرت فى جميع أنحاء سورية المدارس والمطابع التى أخذت تطبع الصحف والمجلات والكتب العمدة، وتزعمت بيروت الحياة العقلية فى سورية، ولم يكن الفضل فى ذلك راجعا إلى نشاطها هى الخاص بقدر ما كان راجعا إلى تأثرها بالحافز الأوروبى. وكانت جمعية اليسوعيين بعد أفعل أثرا من البعثة الدينية الأمريكية، فقد كانت لها مطبعة فائقة فى تنظيمها، شاركت فى إحياء الأدب العربى مشاركة لا تقل عن نشر الثقافة الأوروبية. وهكذا أنجبت بيروت وسورية عددا كبيرا من شباب الأدباء. وسرعان ما أصبح وطنهم أضيق من أن يسعهم (Gesch d. Arab. Lit.: Brockelmann جـ ٢، ص ٤٩٢) فهاجر بعضهم إلى مصر، ونذكر منهم اليازجيين نصيف وابنه إبراهيم المتوفى سنة ١٩٠٦، وبطرس البستانى المتوفى سنة ١٨٨٣. لم تسهم تركية بأى نصيب فى حركة نشر التعليم بسورية. ففى هذا الميدان أيضا، كان الأجانب، وخاصة الفرنسيين والأمريكيين، هم السبب فى إهمال الحكومة التركية لهذا الأمر. فقد نهض هؤلاء الأجانب بالتعليم فى مراحله الثلاث. وفى سنة ١٨٧٨ أسس اليسوعيون جامعة القديس يوسف فى بيروت. وحولت أخيرا (١٩٢٣ م) الكلية السورية البروتستانتية الأمريكية، وهى أقدم من هذه، إلى جامعة.
سورية اليوم: قامت ثورة دبرها فى الخفاء حزب تركية الفتاة فأطاحت بعبد الحميد وأقامت على العرش أخاه رشاد (أبريل ١٩٠٧). وأعيد دستور سنة ١٨٧٦. وافتتح من جديد البرلمان الذى كان قد أغلقه السلطان عبد الحميد. وحيَّت سورية الثورة بحماسة على اعتبار أنها فجر عهد جديد، ولم يدم هذا الوهم طويلا. ذلك أن رجال تركية الفتاة الذين وثق السوريون فيهم لم
стр. 6035
يلبثوا ان أستانفوا مرة أخرى المشروع الذى بدأه عبد الحميد، ألا وهو صبغ سورية بالصبغة التركية، وشنوا حربا أكثر تنظيما وأشد دأبا على كل عربى جنسا أو لغة، وأصروا فى كل مكان، فى البرلمان وفى دواوين الحكومة، على استخدام الترك فحسب، وأقصوا السوريين عن المناصب الكبرى والقيادات العسكرية الهامة. وأدت هذه السياسة المثيرة للخواطر إلى توحيد المسلمين والنصارى فى سورية للمرة الأولى، وأيقظت بين الأهلين جميعا الرغبة فى التفاهم على سياسة عامة والقيام بعمل مشترك، وانحصرت مطالبهم فى المناداة بإصلاحات تتسم باللامركزية، فقد طالبوا بأن يؤخذ بعين الاعتبار فى توزيع المناصب العامة التقدم الذى بلغته سورية أكثر ولايات الإمبراطورية التركية تحضرا، وأن يراعى فى فرض الضرائب وإنفاقها حاجات أهلها، ورأوا أن الوقت قد حان لمنح سورية ضربا من الاستقلال الذاتى فى إدارة شئونها. وكان إصرار رجال حزب مصر الفتاة على رفض هذه المطالب المعتدلة هو الذى مهد السبيل إلى الآراء الانفصالية، وأقنع الوطنيين السوريين فى النهاية بألا مخرج لهم إلا بالاعتماد على جهودهم هم أنفسهم وعلى عطف أوربا.
وفى ٢٩ أكتوبر سنة ١٩١٤ دخلت تركية الحرب العظمى الأولى، وبدأت بوأد الاستقلال الذاتى الذى كانت تنعم به لبنان فى إدارة شؤونها، وفرض وال تركى عليها. وقبض جمال باشا بيده على زمام الحكم فى سورية جميعا وخول حق التصرف بما يراه. وبادر من فوره بشنق زعماء الوطنيين السوريين سواء كانوا مسلمين أو نصارى وبعث مئات آخرين إلى المنفى. ولم يلبث القحط والمرض أن حصدا الأهلين، وخاصة سكان لبنان. وشرع جمال باشا، ذلك الوالى العالى الهمة المدعى الذى راح يحلم بفتح مصر بالهجوم على قناة السويس (فبراير ١٩١٥) هجوما منى بخيبة مرة. وبعد أن رد الانجليز هجومه الثانى (أغسطس
стр. 6036
١٩١٦) تقدموا بقيادة اللنبى حتى بلغوا غزة وما إن حل شهر نوفمبر ١٩١٧ حتى تحكموا فى الجزء الجنوبى من فلسطين، وفى ١١ ديسمبر دخلوا بيت المقدس التى كان الترك قد جلوا عنها. وتحصن الترك تسعة أشهر أخرى فى خط يمتد من شمالى يافا حتى الأردن. ووقعت المعركة الفاصلة فى ٩ سبتمبر ١٩١٨ فى سهل صارونه بالقرب من طولكرم. واخترقت قوات اللنبى الجبهة التركية، وأنزلوا بذلك هزيمة منكرة بالترك. وبلغ الأنجليز فى نهاية هذا الشهر أرباض دمشق دون أن يلقوا أية مقاومة. وتأخر تقدمهم أياما ليفسحوا للأمير فيصل بن شريف مكة الأعظم الوقت للمبادرة بالقدوم من أقصى طرف شرقى الأردن ودخول دمشق فى أول أكتوبر على رأس فصيلة من البدو. وفى ٣١ أكتوبر وقع الترك هدنة، وبعد ذلك بأسبوع كان آخر جنودهم قد جاوز جبال طوروس.
واحتل الانجليز البلاد بقوة عسكرية، أما الجنود الفرنسيون الذين أبلوا أحسن البلاء فى الانتصارات التى أحرزت فى فلسطين فقد استقروا فى الجانب السورى من البلاد. وكان الحلفاء، أثناء الحرب، قد أرادوا أن يضمنوا عون الحسين بن على، شريف مكة الأعظم، فوعدوا بتأييد إقامة حلف من الولايات العربية "مع الاحتفاظ بالحقوق التى اكتسبتها فرنسا" واستغل الأمير فيصل هذه العبارات الغامضة وطالب بحكم سورية جميعًا. وأقام صورة من صور الحكم فى دمشق، وأصبحت هذه المذينة مباءة للدسائس تخرج منها حشود من قطاع الطرق والسفاكين يعيثون فسادًا فى سورية. وفى ٧ مارس سنة ١٩٢٠ نادى "مؤتمر سورى" مزعوم فى دمشق بـ "فيصل الأول ملكا على سورية". وطلب الجنرال غورو، الذى كان قد عين مندوبًا ساميًا للجمهورية السورية من فيصل أن يبرز ما يثبت حقه فى الملك. ولم يتلق الفرنسيون جوابا على هذا الإنذار النهائى فشتتوا
стр. 6037
بعد ساعات قليلة من القتال فى خان ميسلون بجبال لبنان الشرقية شمل العصابات التى اعترضت تقدمهم (٢٤ يولية سنة ١٩٢٠) وفى ١٠ أغسطس من السنة نفسها فصلت معاهدة سيفر سورية عن تركية لتكون "بصفة مؤقتة دولة مستقلة بشرط أن تهيمن على إدارة شؤونها مجالس انتداب حتى يحين الوقت الذى تصبح فيه قادرة على حكم نفسها بنفسها". وقبل ذلك قرر مؤتمر سان ريمو أن يوكل الانتداب إلى الحكومة الفرنسية. وفى أول سبتمبر سنة ١٩٢٠ أعلن غورو فى بيروت رسميا دستور "لبنان الكبير". وبعد ذلك تألف "اتحاد الدول السورية" من الدول الثلاث المستقلة استقلالا ذاتيًا، وهى دمشق، وحلب، وأرض العلويين، وهو الاسم الذى اتخذ رسميا للدلالة على النصيرية. وكان المركز الإدارى لهذه الدولة الأخيرة هو اللاذقية. وأقيمت دولة رابعة لدروز حوران. وسمح لهم، كما سمح لأهل لبنان، بأن يظلوا خارج الاتحاد السورى، وكان على رأس هذا الاتحاد رئيس سورى. وتولى حكم هذه الدول حكام وطنيون يعاونهم مستشارون فرنسيون، ووكل إلى مجالس نيابية مناقشة الشؤون ذات الصبغة العامة وإقرار الميزانية.
وتتاخم سورية فى ظل الانتداب الفرنسى الأناضول التركية، وعين حدها الشمالى بخط يمتد من الإسكندرونة ويعبر الفرات حتى جنوبى جرابلس وينتهى عند جزيرة ابن عمر على نهر دجلة. ويحد سورية من الغرب العراق، ومن الجنوب شرقى الأردن وفلسطين. ويسير هذا الجزء من الحدود سيرًا متعرجًا من رأس الناقورة بين صور وعكا، ويلتف من الشرق ببحيرة طبرية، ويجتاز وادى اليرموك، ويغادر بلدة درعا (حوران) فى الشمال ثم يعبر الصحراء حتى يبلغ ناحية جزيرة ابن عمر مارًا بـ "أبو كمال" على نهر الفرات.
ونذكر فيما يلى بيانًا بالنتائج الإجمالية التى أسفر عنها تعداد ١٩٢١
стр. 6038
- ١٩٢٢ مقربًا بالأعداد الصحيحة، ولم يدخل فيه بدو ناحية حلب ودمشق. وكان عدد سكان ولاية حلب التى تشمل سنجق الإسكندرونة المستقل: ٦٠٠.٠٠ نسمة مقسمين كما يأتى: ٥٠٢.٠٠٠ من أهل السنة و ٣٠.٠٠٠ من العلويين و ٥٢.٠٠٠ من النصارى وذوى المذاهب المختلفة. و ٧.٠٠٠ من اليهود و ٣٠٠٠ من الأجانب. أما ولاية دمشق فعدد سكانها وقتئذ ٥٩٥.٠٠٠ نسمة منهم ٤٤٧.٠٠٠ من أهل السنة و ٨٠٠٠ من الإسماعيلية و ٥٠٠٠ من العلويين و ٤٠٠٠ من الدروز ٩٠٠٠ من المتولية و ٦٧٠٠٠ من النصارى ذوى المذاهب المختلفة و ٦٠٠٠ من اليهود و ٤٩٠٠٠ من الأجانب. وكان فى ولاية العلويين ٦٠.٠٠٠ من أهل السنة و ١٥٣.٠٠٠ من العلويين و ٣٠٠٠ من الإسماعيلية و ٤٢٠٠٠ من النصارى ذوى المذاهب المختلفة، ويبلغ مجموعهم ٢٦١٠٠٠ نسمة. أما ولاية حوران فاشتهرت بتجانس سكانها، فقد كان فيها ٤٣٠٠٠ من الدروز فى مقابل ٧٠٠ من أهل السنة، وحوالى ٧٠٠٠ من النصارى الروم الكاثوليك أو الأرثوذكس.
المصادر:
وقد ذكرت بالتفصيل فى La syrie, precis historique: Lammens, فى مجلدين، بيروت ١٩٢١.
عهد الفتوح والأمويين:
(١) الطبرى، طبعة ده دغوى.
(٢) البلاذرى: فتوح البلدان، طبعة ده غوى.
(٣) Memoire sur La Conquete de la Syrie: de Goeje، ليدن ١٩٠٠.
(٤) Das arabische Reich and sein Sturz: Wellhausen، برلين ١٩٠٢.
(٥) Annali Dell'Islam: L.Caetani جـ ٣ - ٨.
(٦) Culturgeschichte des Orients: von Kremer، فى مجلدين، فينا ١٨٧٥.
(٧) كتاب الأغانى بولاق.
стр. 6039
(٨) Etudes sur le regene du calife omaiyade Mo'twia ler M.F.O.B ١٩٠٧: H. Lammens .
(٩) المؤلف نفسه Le Caliat de Yazid ler فى M.F.O.B ١٩٢١.
(١٠) المؤلف نفسه: Mo'awia ll ou le dernier des Sofianides (فى R.S.O، جـ ٢).
(١١) المؤلف نفسه Le chantre des Omiades; notes biographiques et litteraires sur le pone arabe Chretien Akhtal (فى J.A. ١٨٩٥).
(١٢) سفروس بن المقفع: Chronique des patriarches d'Alexandrie، طبعة تسيبولد.
العهد العباسى والفاطمى:
(١) Culturgeschichte: von Kremer والكتاب العرب المذكورون آنفا.
(٢) اليعقوبى: التاريخ طبعة هوتسما، جـ ٢.
(٣) القلانسى: تاريخ دمشق، طبعة أمدروز ١٩٠٨.
(٤) ابن عساكر: تاريخ دمشق (فى خمسة مجلدات طبعة عبد القادر بدران، دمشق ١٣٢٩ - ١٣٣٢ هـ وهى طبعة عادية مختصرة).
(٥) ابن البطريق: التاريخ، طبعة لويس شيخو، جـ ٢، بيروت ١٩٠٦.
(٦) المقدسى: أحسن التقاسيم، المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٣.
(٧) Palestine under the Moslems: G.Le Strange، كمبردج ١٨٩٠.
(٨) Geschichte der Chalifen: Weil.
(٩) L'Eglise et l'Orient au Moyen-age ١٩٠٧: L.Brbhier
(١٠) المؤلف نفسه: Le schicme oriental du XIe siecle ١٨٩٩.
الحروب الصليبية:
(١) Gesta Dei per Francos: Bongars فى مجلدين، هناو ١٦١١.
стр. 6040
(٢) Historiens des Croisades .
(٣) Geschichte der Kreuzzuge: Roehricht إنزبروك ١٨٩٨.
(٤) The Cambridge Medieval History، كمبردج، جـ ٤، ١٩٢٣، جـ ٥، ١٩٢٦.
(٥) القلانسى: كتابه المذكور.
(٦) أسامة بن منقذ: كتاب الاعتبار، طبعة درنبورغ، باريس ١٨٨٤.
(٧) Ousama ibn Monqidh un emir syrien au ler siecle des Croisades: Derenbourg، باريس ١٨٨٩.
(٨) ابن جبير: الرحلة، طبعة ده غوى.
(٩) صالح بن يحيى: تاريخ بيروت، طبعة شيخو، بيروت ١٩٠٢.
(١٠) ابن العبرى: تاريخ مختصر الدول طبعة صالحانى، بيروت ١٨٩٠.
(١١) Chronique: Michel le Syrien فى ثلاثة مجلدات، طبعة وترجمة شابو، باريس ١٩٠٠.
(١٢) Les eglises de,Terre Sainte: de Vogute، باريس ١٨٦٠.
(١٣) Etude sur les monuments de L'architecture militaire des Croises en Syrie et en Chypre: Rey، باريس ١٨٧١.
(١٤) المؤلف نفسه Les colonies franques des Syrie aux XIIe et XIIIe siecles، باريس ١٨٨٣.
(١٥) Campagnes duroi Amaury ler en Egypte: Schlumberger، باريس ١٩٠٦.
(١٦) المؤلف نفسه Renaud de Chatillon, prince d'Antioche, Seignenr de la Terre d'Outre-Jourdain، باريس ١٨٩٨.
(١٧) Handelsgeschicte der romanischen Volker des Mit: Schaube
стр. 6041
telmeergebietes bis zum Ende der Kreuzzzuge، ميونخ برلين ١٦٠٦.
(١٨) L'Eglise et l'Orient au Moyen-age: L. Brehier
(١٩) Jean II Comnene et Manuel Gomnene: Chalandon، باريس ١٩١٢.
(٢٠) ابن الشحنة: وقد ذكر فيما بعد.
عهد المماليك:
(١) انظر المؤلفات المذكورة آنفا لصالح بن يحيى، و Brehier و Schaube.
(٢) Geschichte des Abbasidenchalifats in Egypten: Weil، فى مجلدين، مانهايم ١٨٦٢.
(٣) Le Syrie al'epoque des Mamlouks: Gaudefroy Demombyens، باريس ١٩٢٣.
(٤) ابن الشحنة: الدر المنتخب فى تاريخ مملكة حلب، طبعة سركيس، بيروت ١٩٠٩.
(٥) ابن بطوطة، طبعة Defremery et Sanguinetti, جـ ١.
(٦) ابن إياس: تاريخ مصر، القاهرة ١٨٩٣.
(٧) المقريزى: السلوك فى دول الملوك Histoire des Sultans mamlouks d'Egypte (ترجمة كاترمير).
(٨) المؤلف نفسه: تاريخ مصر Histoire d'Egypte (ترجمة بلوشيه فى R.O.L جـ ٦).
(٩) Descriptiones Terrae exsaeculis Vlll-XV: Tobler، ليبسك ١٨٧٤.
(١٠) Deutsche Pilgerreisen nach dem Lande: Roehricht، برلين ١٨٨٠.
(١١) Relations officielles entre la Cour romaine et les sultans mamlouks d'Egypte: H Lammens فى Rev.de l'Or ient chretien ١٩٠٣.
(١٢) المؤلف نفسه: Correspondances diplomatiques entre les sultans mamlouks d'Egypte et les Puissances Chretiennes، فى المجلة نفسها ١٩٠٤.
(١٣) Introduction a l'histoire de l'Asie, Turcs et Mongols: L.Cahun، باريس ١٨١٦.
стр. 6042
العهد العثمانى والحديث:
(١) ابن إياس، المصدر المذكور.
(٢) المحبى: خلاصة الأثر فى أعيان القرن الحادى عشر، بولاق ١٢٨٤ هـ
(٣) حيدر شهاب: التاريخ، القاهرة ١٩٠٠ م.
(٤) Geschite des Osmanischen Reiches: Joega، كوتا ١٩٠٨ - ١٩١٣.
(٥) Memoires: d'Arvieux، فى ستة مجلدات، باريس ١٧٣٥.
(٦) Fachr ed-din,der Druzenfurst: Wustenfeld، كوتنكن ١٨٨٦.
(٧) L'Odyssee d'un ambassadeur: Vandal.
(٨) Voyages du marquis de Nointel، باريس ١٩٠١.
(٩) ديبلوماسى قديم: Le regime descapitulations، باريس ١٨٩٨.
(١٠) Histoire du Commerce: Masson frncais dans le Levant باريس ١٨٩٦.
(١١) Relazioni dei consoli Berchet طبعة veneti nella Siria البندقية ١٨٦٦.
(١٢) Recueil des traites de la Porte ottomane avec les Puissances etrangeres: Testa فى ستة مجلدات، باريس ١٨٦٤.
(١٣) Documents inedits pour servir a l'histoire du christianisme en Orient: Rabbath-Toumebize، فى مجلدين، باريس ليبسك - لندن ١٩٠٥.
(١٤) La question d'Orient: Driault، باريس ١٩٢١.
(١٥) الجبرتى: التاريخ، القاهرة ١٨٨٠.
(١٦) Vom. Mittelmeer zum Persischen Golf: Von Oppenheim، برلين ١٨٦٩.
(١٧) Les Puissances etrangeres dans le Levant,en Syrie, et en Palestine: Verney et Dambmann، باريس ١٩٠٠.
أما عن المصادر من القرن السابع عشر خاصة فانظر:
(١٨) Elements d'une bibliographie francaise de la Syrie: P. Masson فى Congres francais de La Syrie باريس ١٩١٩.
خورشيد [لامنس H.Lammens].
стр. 6043
تعليق
مما يلفت النظر حقا فى كتابات العلماء الفرنسيين والمتفرنسين ومن فى حكمهم عن الشام أنهم جميعا ينزعون إلى اعتبارها امتدادا طبيعيا لانتشار الشعوب والدول الأوروبية، وبالجملة لكل ما يدخل الشام عن طريق البحر، فمن الطبيعى أن تكون جزءًا من دولة الإسكندر، ومن الطبيعى أن يقوم فيها ملك السلوقيين، ومن الطبيعى أن تتصل أقطار منها بمصر فى أيام البطالمة، ولكن ليس من الطبيعى أن يكون ذلك أيام الطولونيين أو الإخشيديين، ومن الطبيعى جدًا أن تكون الشام ولاية أو ولايات رومانية تتبع رومة أو تتبع القسطنطينية، ومن الطبيعى أن يكون أصل الشام وثنيين أو نصارى. ولكن ليس من الطبيعى أن يكونوا شعبا من شعوب الأمة العربية أو أن يكون منهم مسلمون -ترى هذه النزعة فى عالم من خيار علمائهم- سوفاجية، تقرأ كتابه الممتع عن حلب فى أطوار تاريخها -فهى فى العصر الهلينستى على أتم ما ينبغى لها من التوازن بينها وبين بيئتها- بينما لا يتحقق لها ذلك فى أطوار تاريخها العربى -وألفت النظر لقولى "ما ينبغى لها" فهو يرجع إلى تصور سوفاجية لحالة طبيعية لمدينة حلب- تتحقق فى الاتصال باليونان ولا تتحقق بالاتصال بالعرب.
وترى هذه النزعة على أسوأ ما تكون فى كتابات الأب لامنس -ويعجب بعض قرائه باختصاصه بنى أمية بالتقدير دون الدول العربية والإسلامية الأخرى، ومنهم من ينخدع بذلك فيتوهم الأب لامنس رجلا يتحرى الإنصاف والنزاهة، ويقول إن الرجل قادر على أن يرى حسنات الحاكم العربى وأن يعترف بأن الشام فى طور من أطوار تاريخها العربى نال أهلها من حسن الحال قدرًا يستحق التسجيل.
والواقع أن إنصاف بنى أمية حق -ولكنه حق يرجع إلى باطل ويهدف إلى باطل- يرجع إلى مجرد الرغبة فى معارضة جمهرة المؤرخين الإسلاميين فى تنديدهم ببنى أمية، ويرجع إلى محاولة إثبات أن افضل الأمويين على الشام سببه ما زعمه من أن سياستهم قليلة التأثر بالاعتبارات الدينية، وأنها ما هى إلا امتداد لسياسة تجار قريش
стр. 6044
قبل الإسلام، ويهدف إلى باطل هو إفساد هذا التاريخ العربى.
ولا نحاول فى هذا التعليق الرد على ما ورد عن الشام فى العددين الثانى والثالث من المجلد الثالث عشر فقرة فقرة -فلا يتسع المجال لهذا، ولكنى أطلب إلى القارئ أن يتنبه إلى ما يأتى:
أولا- أطلب إليه أن يتنبه للموقف العام من جانب الفرنسيين والمتفرنسين ومن فى حكمهم بالنسبة للشام.
ثانيا- أطلب إليه أن يلحظ أن مناقشة الأب لامنس فى أقواله تفصيلا يتعذر -فهو لا يرجع فيها لمرجع يستند إليه- ولكنه يكتفى بجمع مراجعه فى آخر المقال.
ثالثا- سلم فى أول مقاله (فى العدد الثانى) بما كان من استيطان العرب فى الشام وما كانت لهم فيه من دول وإمارات -وإن وصف هذا "بتسلل البدو"- يجب أن نتأكد من تسليمه هذا لأنه فى تتمة مقاله فى العدد الثالث سيذهب إلى أن ليس فى الشام نصرانى من أصل عربى- (وسأعرض لهذا فيما بعد)
رابعا- وأما ما ذكره عن الفتح الإسلامى فهو هراء -ولا أحيل فى إظهار فساد عرضه لمؤلفين من العرب وإنما أحيل على ما كتبه الأستاذ Gibb فى كتابه Mohammedanism فى بيان أن الفتوح تمت على يد جيوش نظامية يقودها رجال محنكون فى الحرب والإدارة والسياسة- رجال متحضرون، وأن ما صحب العمليات الحربية من التخريب قليل غير مقصود بل هو مما لايمكن تجنبه فى أى قتال -وأخيرا ترك الأرض فى يد أصحابها الأصليين حفظًا للبلاد المفتوحة لمستوى إنتاجها- فيسقط بهذا ما ذهب إليه فى من أن اتخاذ دمشق قصبة الدولة أصاب سيادة البدو التى لا مبرر لها بضربة حاطمة لم يفيقوا منها قط. فمتى كان البدو سادة الدول العربية؟
خامسا- وكل ما ذكره الأب عن عمارة قبة الصخرة والمسجد الأقصى والجامع الأموى بدمشق مضطرب ويحسن بالقاريء أن يرجع (وهنا أيضا لا أحيل على مؤلفين من العرب أو من المسلمين) إلى كتاب الأستاذ Creswell وهو الحجة فى تاريخ العمارة، الذى
стр. 6045
نشر أخيرا فى طبعة شعبية وهو Early Architecture Islamic طبعة Penguin.
سادسا- ولم يهلك سليمان بن عبد الملك فى حصار القسطنطينية المشئوم.
سابعا- والزعم بأن أهل الشام تطلعوا إلى ظهور "السفيانى" نصير الحرية الشآمية كلام لا يستند إلى شئ -وليت الأب ذكر مرجعا واحدا تحدث فيه عن "الحرية الشآمية".
ثامنا- ونسأل وما هى "الحقوق السياسية" التى رفض أعطاؤها لغير العرب. نفهم أن يتحدث عن "تفاوت اجتماعى" -الذى نجده فى كل مكان بسبب الثروة أو الجاه أو ما إليهما- ولكن ما هى "الحقوق السياسية" التى حرم منها غير العربى.
تاسعا- تعمد العباسيين الإساءة إلى الشام لإشعارها بضآلة مركزها تعبير غريب والأصدق أن نقول إن الشام جرى عليها ما جرى على غيرها فى أقاليم الدولة من حكم صالح وحكم فاسد.
عاشرا- وقد أشرنا من قبل لقوله "وفى عهد المتوكل لم يبق بالشام مسيحى من أصل عربى -فماذا جرى لأهل الشام من العرب الذين تنصروا قبل الإسلام وبقوا نصارى بعد الفتح العربى؟ - وقد اعترف أن العرب كانوا "يتسللون" على حد تعبيره إلى الشام.
أحد عشر- وإذا ما اضطر الأب لامنس أن يقبل شهادة من معاصر بيسر أحوال الشآميين فإنه يثبت الشهادة بطريقته الخاصة: فتقرأ "وينبغى للمرء أن يقرأ الإلمامة التى ذكرها المقدسى عن تجارة الشام فى كتابه المسمى أحسن التقاسيم ليخرج بفكرة عن الموارد المختلفة لبلاد لم تفلح قرون الاضطهاد والحكم المزرى أبلغ الزراية فى افقارها"، أى أنه يعجب من أن قرونا من الاضطهاد والحكم المزرى لم تفلح فى إفقار سورية -أى بدلا من أن تقنعه شهادة المقدسى بأن الحكم لم يكن سيئا للدرجة التى تصور فإنه يتخذ منها سيئا للتعجب من أن الحكم السيئ لم يكف لإفقار البلاد.
ثانى عشر- ولما انتقل الأب لامنس للحروب الصليبية زعم أن فتوح
стр. 6046
الصليبيين الأوائل أدت إلى قيام مملكة لاتينية من حلف يجمع أربع دول إقطاعية؛ وأن سنة ١١٣٠ أو حولها. شهدت أكبر ما بلغته هذه المملكة اللاتينية من اتساع الرقعة فامتدت من ديار بكر إلى مشارف مصر، وأن حلب وحماه وحمص وبعلبك ودمشق وافقت على أداء الجزية، وإن احتفظت باستقلالها وهذا كله وهم. فلا نعرف مملكة لاتينية بهذا التماسك وبهذه الوحدة بل نعرف فى تاريخ الصليبين الداخلى شدا وجذبا بين الأمراء الإقطاعيين على مختلف مراتبهم، وبينهم وبين الكنيسة، وبين الفريقين وبين الجاليات التجارية الإيطالية -كما نعرف شدا وجذبا بين الصليبيين الذى ولدوا فى الأرض الشآمية والصليبيين الوافدين حديثا من الغرب- أما ما ذكر عن المدن الإسلامية وموافقتها على دفع الجزية فتعبير لا يطابق الحقيقة- لأن تعبيره يوهم بأنها جميعا فى وقت واحد أدت الجزية، وهذا غير صحيح. فالذى كان يحدث هو أن الحروب بين المسلمين والصليبيين (فيما عدا حروب الحملات الصليبية العامة الأولى والثانية إلخ) كانت حروبا متقطعة ومحلية وأنها قد تنجلى عن اتفاقات محلية خاصة بين صليبى وأمير مسلم، وقد يدفع الجزية المسلم وقد يدفع الجزية الصليبى.
وأخيرا فات الأب لامنس أن يذكر أن قيصر الروم لم يعترف للصليبيين بوحدة أو بسيادة.
وفاته أن يشرح موقف اليهود وموقف المشآميين المسيحيين الذين كانوا يتبعون الكنائس الشرقية من الصليبيين ومن الكنيسة الرومانية، كما فاته أن يشرح سياسة الصليبيين من أولئك ومن هؤلاء ولذلك كله فإننا لم نفهم معنى قول الأب ويمكننا أن نحيى فى التعاون بين الفرنجة وأهل البلاد مولد حضارة فرنجية جديدة مؤتسين بقول البابا أو نوريوس الثالث: ونعنى بذلك بزوغ فجر حضارة أصيلة، على أن القضاء على المملكة اللاتينية وأد كل أمل بُنى على هذا الأساس.
ثالث عشر- وعندما سقطت الخلافة العباسية انتقلت قاعدة العالم الإسلامى إلى غربى الفرات ووجد أصحاب
стр. 6047
التصانيف العربية فى أرض المماليك ملجأ محفوفا بالمكارة فى خير حالاته، ولم يكن من المنتظر أن يلقوا أى تشجيع من سلاطين جهلة "اتسموا بالوحشية لا يعرف الكثير منهم أن يوقعوا بأسمائهم. . . إلخ" وأعتقد أن ما هو قائم بدمشق والقاهرة وغيرهما من أمصار البلاد المصرية الشآمية لكاف لدحض ما ذهب إليه الأب.
رابع عشر- فيما يتصل بنهاية الحرب العالمية الأولى وباستقرار فرنسا فى الشام -ويستوقفنا من وصفه لدخول الأمير فيصل دمشق وإقامته دولة عربية ما قال: "واستغل الأمير فيصل هذه العبارات الغامضة وطالب بحكم سورية جميعا، وأقام صورة من صور الحكم فى دمشق، وأصبحت هذه المدينة مباءة للدسائس تخرج منها حشود من قطاع الطرق والسفاكين يعيثون فسادًا فى سورية"- وكان الهجوم الذى شنه غورو.
ويكفى فى ختام هذه الملاحظات أن نذكر أن العهد الذى ابتدأ بعد الحرب العالمية الأولى وانتهى بانهيار فرنسا فى الحرب العالمية الثانية، وهو عهد الانتدابات، أحدث بالشام والعروبة جراحا دامية وأورث قضايا ومشكلات هى ما يكافح العرب الآن للتغلب عليه. ولنلخص أثار عهد الانتداب:
أولا: التجزئة والتفتيت إلى وحدات منفصلة: فلسطين، لبنان، شرق الأردن؛ سورية، جبل الدروز؛ بلاد العلويين إلخ.
ثانيا: الوعد بإنشاء وطن قومى لليهود فى فلسطين والإذن لهم بإنشاء أجهزة وهى أجهزة يمكن أن تتحول فى لحظة إلى أجهزة الدولة المستقلة [وهو ما حدث].
ثالثا: إقامة الفرنسيين سياسة الحكم على التفرقة وعلى أساس من المذاهب والطوائف لا تساير ما بلغه الشآميون من وعى قومى.
رابعا: ما نصت عليه صكوك الانتداب من المحافظة على حقوق الأهلين- فمكنت فرنسا الجمهورية التركية من سلب الإسكندرونة بوسائل مزيفة.
خامسا: اشتراك دول الانتداب والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا،
стр. 6048
وبالجملة كل دولة أرادت أن تتخلص من يهودها، فى المسئولية عن ضياع فلسطين ومن تشريد أكثر من مليون عربى.
وهذه صحائف حالكة السواد لا تتسع ملاحظات لتتبع تفصيلها، وإنما أحيل القارئ على ما نشره معهد الدراسات العربية فى هذا الموضوع وأهمها:
أولا: دراسات الأمير مصطفى الشهابى فى القومية العربية وفى الاستعمار.
ثانيا: دراسات الأرمنازى لتاريخ سورية فى عهد الانتداب.
ثالثا: دراسات أحمد طربين فى الوحدة العربية وقضية فلسطين
محمد شفيق غربال
سوريه (١٩٢٠ - ١٩٦٠)
قضى مؤتمر سان ريمو (١٩ - ٢٦ ابريل ١٩٢٠) بوضع المستطيل العربى كله الممتد من البحر الأبيض المتوسط حتى حدود فارس تحت الانتداب، وتقسيم بلاد الشام (سورية الطبيعية) إلى ثلائة أقسام هى: فلسطين ولبنان وما تبقى من سورية الطبيعية؛ وعهد إلى فرنسا بالانتداب على سورية ولبنان، كما عهد إلى انجلترا بالانتداب على فلسطين والعراق بما فيه ولاية الموصل بشرط أن يكون لفرنسا حصة من نفطها.
ومنذ أن أعلنت قرارات مؤتمر سان ريمو سارعت السلطات الفرنسية التى كانت تحتل الساحل السورى إلى العمل على احتلال سورية الداخلية، دون أن تكترث بقرارات المؤتمر السورى فى دمشق الذى كان أعلن استقلال سورية وسيادتها (٨ مارس ١٩٢٠). وقد وجه الجنرال غورو فى ١٤ يولية إنذارًا إلى الملك فيصل يطلب فيه قبول الانتداب الفرنسى فورًا وإلغاء التجنيد الإجبارى وتسريح الجيشى العربى. وعلى الرغم من رد فيصل بالقبول، فإن غورو احتج بتأخر وصول الرد إليه فى الوقت المحدد -وقد ثبت بطلان هذا الزعم فيما بعد- وأمر قواته بالتقدم نحو دمشق، وفرع السوريون للدفاع عن استقلالهم ضد الغدر بعد تسريح الجيش، فوقعت معركة غير متكافئة القوى قرب خان
стр. 6049
ميسلون (٢٤ يولية ١٩٢٠). وفى اليوم التالى دخل الفرنسيون دمشق بينما كان الملك فيصل يغادرها، وبذلك بدأ عهد الاحتلال والانتداب.
أما القسم الجنوبى من سورية الممتد من جنوبى درعا حتى خليج العقبة إلى الشرق من نهر الأردن، فقد أدخله مؤتمر سان ريمو فى منطقة إنتداب بريطانيا كجزء من انتدابها على فلسطين.
ولم يلبث أن جاءه الأمير عبد اللَّه بن الحسين (نوفمبر ١٩٢٠) على رأس قوة من الأتباع والبدو، وأعلن أنه قادم ليأخذ بثار أخيه فيصل، وأنه يعبئ قواه لتحرير سورية. ولكن سرعان ما تدخل الأنجليز حرصا على عدم إغضاب حلفائهم الفرنسيين وأوجدوا للأمير الطموح بعد مؤتمر القاهرة (مارس ١٩٢١) إمارة مستقلة عن فلسطين وعن سورية، أصبحت تعرف باسم إمارة شرقى الأردن.
ولم تنتظر فرنسا -التى برهن تقرير لجنة كنغ كراين أن أهالى سورية لا يرغبون فى انتدابها- مصادقة عصبة الأمم على صك انتدابها -وإنما عمدت إلى الجزء الذى وكل اليها أمر "إرشاده وتوجيهه" فقسمته على قاعدة "فرق تسد" واستطاعت أن تخادع الدول فى موضوع انتدابها حتى ظفرت بموافقة عصبة الأمم عليه فى ٢٤ يولية ١٩٢٢، ولكنها لم تستطع أن تخفى تناقض هذا الصك مع نص الانتداب من حرف (أ) كما تضمنتهما المادة ٢٢ من ميثاق العصبة. فهذا الصك لم يؤخذ فيه رأى سورية من جهة، ومن جهة أخرى لم يمنع فرنسا من اصطناع مختلف أساليب التسلط والقهر لتحقق فى سورية أغراضها وأطماعها.
ومنذ أول سبتمبر ١٩٢٠ بدأ الاحتلال الفرنسى سياسة التجزئة بإضعاف ما اعتبره حصن المقاومة العربية المسلم "سورية" وتقوية ما حسبه معقل التعاون المسيحى "لبنان"، فأقام ما سماه "لبنان الكبير" من متصرفية جبل لبنان القديمة، مضافًا إليها أقضية أربعة كانت تابعة لسورية فسلخت عنها وهى بعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا فضلا عن متصرفيات طرابلس وبيروت وصيدا
стр. 6050
وقسم من قضاء عكار وقضاء حصن الأكراد. تم ذلك على كره من أهالى هذه المناطق التى كانت تسكنها غالبية مسلمة لا ترغب فى الانفصال عن سورية. واستدار الاحتلال إلى تقطيع أوصال سورية الداخلية نفسها فقسمها إلى أربع دول، منفصل بعضها عن بعض تماما وهى: دولة دمشق ودولة العلويين (اللاذقية) ودولة جبل الدروز (السويداء)، ودولة حلب وقد ربط بها سنجق الاسكندرونة بحيث أصبح يتمتع بإدارة خاصة، وغرض الاحتلال من كل ذلك تشجيع النزعات الانفصالية الإقليمية، وتغذية التحاسد وتنمية الأحقاد بين صفوف الشعب الواحد، وعزل سورية عن سواحلها بسور قوامه دولة لبنان الكبير، ودولة العلويين، وسنجق الإسكندرونة، يحكم كلا منها موظف فرنسى يتمتع بسلطات مطلقة.
وبرزت شرور الإدارة الفرنسية فى البلاد، فعاين السوريون كيف أن الفرنسيين تذرعوا بشتى الوسائل لتوطيد نفوذهم وتخليد احتلالهم؛ ففى ميدان التعليم فرضت اللغة الفرنسية فى المدارس وفى ميدان الاقتصاد. أفقرت البلاد فمنيت بركود لم تعرف له ضريبا: مثل نصب الحواجز بين أجزاء سورية، وتدهور الفرنك الفرنسى الذى كان يؤدى إلى تدهور النقد السورى المرتبط به فيسبب خسائر باهظة للخزانة السورية. هذا إلى امتصاص الرصيد الذهبى وجشع المستخدمين الفرنسيين المتزايد للمال، وروايتهم الضخمة وعددهم الوفير. وفى ميدان الإدارة يسجل المنصف تعسفهم وقلة خبرتهم، وإثارتهم للحزازات وتغذيتهم للنزعات الانفصالية والنعرات الطائفية والعنصرية. وبديهى أن يُعبر السوريون عن استيائهم ونقمتهم على هذه الأوضاع الظالمة بثورات واضطرابات مستمرة نذكر منها ما كان من مقتل وزيرين سوريين قبلا تنفيذ بعض مآرب الاحتلال (أغسطس ١٩٢٠)، وما كان من إطلاق النار على الجنرال غورو نفسه، وتفاقم الثورة فى الشمال، وقيام المظاهرات الضخمة والهتاف بسقوط الانتداب والخونة أثناء زيارة كراين (١٩٢٢) عضو لجنة الاستفتاء الأمريكية لدمشق،
стр. 6051
وما تبع ذلك من انفعال النفى والعدوان والإرهاق.
ورغب غورو فى تخفيف حدة الاستياء من إدارته فى الداخل وفى الخارج فأقام الاتحاد السورى بين دول دمشق وحلب والعلويين (يونية ١٩٢٢). ولكن خلفه الجنرال ويغان Weygand عاد فألغى الاتحاد، وقصره على دولتى دمشق وحلب باسم دولة سورية. وحل ارتباط لواء الاسكندرونة بدولة حلب السابقة فخرج عن النطاق السورى منذ يونية ١٩٢٤. وحل الجنرال سراى Sarrail محل ويغان، وحمل نفسه بادئ الأمر على اتباع سياسة التفاهم، فتقدمت البلاد بمطالب على رأسها الوحدة السورية والاستقلال. غير أن الرجل سرعان ما تنكب جادة الاعتدال، فما إن هرع اليه وفد من الدروز لينصفهم من حاكمهم الفرنسى العاتى حتى رفض مقابلتهم ونفى بعض زعمائهم، فاندلعت نار الثورة (يولية ١٩٢٥) فى الجبل ومنه انتشرت إلى غوطة دمشق وجبل الشيخ وجبل القلمون، وإلى حماه وأطراف حمص وبعلبك وعكار.
ودخل النضال من أجل الوحدة والاستقلال مرحلة جديدة مع نجاح الثورة السورية واتساعها. وقد شكل الوطنيون حكومة ثورية فى جبل الدروز لتنظيم الثورة وتوجيهها. وفى أكتوبر هاجم الثوار مدينة دمشق ودخلوها من عدة منافذ وحاصروا قصر العظم وقصدوا اعتقال الجنرال سراى. وضاع صواب الرجل وأمر بصب نيران المدافع على دمشق ثلاثة أيام بلياليها لإقصاء الثوار عن المدينة، فلم يجد هؤلاء بدا من الانسحاب صونا للمدينة المجاهدة من التدمير. وبإزاء موجة الاستنكار الدولى العنيف التى نجمت عن هذا العمل الوحشى استدعت فرنسا مفوضها السامى وأذاعت أنها تنوى تعديل سياستها. وأرسلت دجوفنيل Dejouvenel أول مفوض سامى مدنى (نوفمبر ١٩٢٥) فدعا الثوار إلى الهدوء، ودعاه الثوار إلى تحقيق الوحدة السورية وإقامة حكم وطنى وإجراء انتخابات لوضع الدستور وإعلان العفو العام وتعويض المنكوبين. وأجرى دجوفتيل اتصالاته مع زعماء الثورة فى ساحات القتال حينا، ومع الزعماء القائمين فى دمشق حينا آخر إلى أن تم الاتفاق مبدئيا على أسس معاهدة عرفت باسمه، ولكن الحكومة الفرنسية رفضتها. وقبل أن يترك دوجوفنيل منصبه، أصدر دستور لبنان
стр. 6052
الجديد (مايو ١٩٢٦) الذى أوجد الجمهورية اللبنانية حتى يقطع أمل الثوار فى المطالبة بالأقضية الأربعة المسلوخة عن سورية. وجاء المفوض الجديد بونسو Ponsot فاختلف مع الوطنيين فى موضوعى الوحدة السورية وحدود لبنان الكبير، ورأى الحكمة فى التسويف والمماطلة، لا سيما وأن القوات الفرنسية كانت تتوارد على البلاد فى حين كانت أعداد الثوار تتناقص وذخيرتهم تنفذ حتى إذا خفت نار الثورة فى أوائل أبريل ١٩٢٧ وانسحب بعض زعمائها إلى البلاد العربية المجاورة دعى الشعب السورى لانتخاب جمعية تأسيسية تسن له دستورا نيابيا جمهوريا. وفاز الوطنيون فى الانتخابات (أبريل ١٩٢٨)، وتشكلت جمعية تأسيسية سنت دستورا لم يرض عنه بونسو إلا عندما أضاف إلى مواده مادة تجعل الأمر كله بيده. وتأزمت العلاقات بين الجمعية التأسيسية والمفوض السامى بسبب هذه المادة (١١٦) وانتهى الأمر بحل الجمعية وعودة البلاد إلى السياسة السلبية والنضال الذى استمر حينا حتى تم الاتفاق على إجراء انتخابات لمجلس نيابى تنبثق عنه حكومة تتولى المفاوضة لعقد معاهدة تحل محل صك الانتداب وتعلن سيادة سورية وتدخلها عصبة الأمم. وفى نوفمبر ١٩٣١ تألفت حكومة انتقالية للإشراف على الانتخابات برئاسة مندوب المفوض السامى سولومياك، وحاولت السلطة التدخل فيها لمصلحة صنائعها، فقاطع الوطنيون الاقتراع وحدثت اضطرابات دامية فى البلاد؛ وأعيدت الانتخابات فى أبريل ١٩٣٢ وأسفرت عن نجاح الكتلة الوطنية نجاحا جزئيا. وانتخب محمد على العابد أول رئيس للجمهورية السورية، وعهد إلى رئيس الوزراء حقى العظم بمباشرة المفاوضة مع المفوض السامى لعقد المعاهدة. واجتمع المجلس النيابى الجديد فى يونيه، ولكن الأزمة برزت من جديد عندما تقدم يونسو بمشروع معاهدة صداقة وتحالف، فردها المجلس لأنها تحكم القيد وتضيق على وجه يخالف ما يحق للحليف أن يجده لدى حليفه. وفى أكتوبر ١٩٣٢ حل الكونت دومارتل De Martel محل بونسو، فوضع مشروع معاهدة جديدة، ولكن المجلس رفضها أيضا (نوفمبر ١٩٣٣) لأنها لا تحقق الأمانى الوطنية، وحينئذ حل دومارتل المجلس، وراح يصرف
стр. 6053
شؤون البلاد بمراسيم اشتراكية على كره وعداء من الناس. ثم تظاهر بإصلاح الأحوال الاقتصادية، ولم يكترث بعواقب سياسة البطش والتنكيل التى سار عليها، وأفاق بعد سنين ليجد أن إدارته ترتطم بمصاعب جديدة تهددها بالسقوط؛ فالكتلة الوطنية نشطت للعمل، وأصدرت ميثاقا قوميا فى غمرة الألم على وفاة الزعيم إبراهيم هنانو (يناير ١٩٣٦) يتضمن المطلب التقليدى: الوحدة السورية والاستقلال ومقاومة فكرة الوطن القومى اليهودى، والعمل على اتحاد الأقطار العربية. وقامت فى كل مكان مظاهرات السخط العنيف ضد الفرنسيين، فقابلها هؤلاء بالاعتقال والتشريد والإرهاب. وعبرت دمشق عن ألمها بإعلان إضراب عام دام ستين يوما، خيم على البلاد أثناءه الحزن والاضطراب وأوشكت نار الثورة أن تندلع عقب صدامات دامية بين الشعب وزبانية الاحتلال، ولم يجد دومارتل بدا، بعد أن لمعت بروق التوتر الدولى فى شرقى البحر المتوسط، من الانحناء أمام هذا الإجماع الشعبى المشرف، فأذاع بيانا فتح فيه باب المفاوضة لعقد المعاهدة العتيدة. وفى ٩ سبتمبر وقعت معاهدة صداقة بين سوريا وفرنسا لمدة خمسة وعشرين عاما نصت على أن يسود السلم والصداقة والتحالف بين البلدين، وإن يتشاورا فى الشئون الخارجية، وأن ينتدب كل منهما من يمثله لدى البلد الآخر وأن تزيد فرنسا قبول سورية عضوا فى عصبة الأمم، وأن تلحق دولتا جبل الدروز والعلويين بسورية مع احتفاظ كل منهما بإدارة داخلية خاصة. وأجازت المعاهدة لفرنسا أن تحتفظ بقاعدتين جويتين؛ وأن تبقى جيوشها فى منطقتى اللاذقية وجبل الدروز لمدة خمس سنوات، على أن تقدم لها سورية جميع التسهيلات اللازمة.
وفازت الكتلة الوطنية فى الانتخابات التالية وصادق المجلس النيابى السورى على المعاهدة (٢٦ ديسمبر ١٩٣٦) وبوشر تطبيق بنودها من الجانب السورى. ولكن الاحتلال لم يطق أن تتمتع سورية حتى ببعض المزايا المحدودة التى نصت عليها المعاهدة؛ فراح ينفث سمومه، ويغذى الحركات الانفصالية فى مناطق اللاذقية وجبل الدروز والجزيرة. وبينما كانت موجة التفاؤل بقرب التصديق على المعاهدة من البرلمان الفرنسى تتقدم تارة وتتراجع أخرى، وبرزت مشكلة لواء الإسكندرونة بشكل خطير.
стр. 6054
فقد استفادت تركيا من اضطراب الجو الدولى فطلبت من فرنسا اقتطاع لواء الإسكندرونة من أمة سورية والعمل على ضمه إلى تركيا. ورضخت فرنسا ووافقت حليفتها بريطانيا، وأسهمت السلطات الفرنسية فى تزييف الاستفتاء الذى جرى فى اللواء. ولكن انسحاب لجنة المراقبين الدوليين الذين وكلت إليهم عصبة الأمم الإشراف على عملية تسجيل الأهلين (٢٩ يونية ١٩٣٨) كشف عن فساد الاقتراع الذى هيأه الترك والفرنسيون، على أثر توقيع اتفاق الصداقة الفرنسى التركى فى ٤ يولية ١٩٣٨. ولكن لم يسفر احتجاج ممثلى العصبة عن شئ، ولم يلتفت إلى اعتراض الأكثرية العربية، واجتمع المجلس "التمثيلى" بعد ذلك وقرر الالتحاق بتركيا (يونية ١٩٣٩). وبلغت ثورة النفوس فى البلاد الذروة، وندد الرأى العام السورى الذى كان يغلى كالمرجل بانتهاك فرنسا صك الانتداب القائل بوجوب محافظة دولة الانتداب على أراضى الوديعة المقدسة التى وكلت إليها. وكان المفوض السامى قد أعلن نكول حكومته نهائيا عن إبرام معاهدة ١٩٣٦، وإعادة نظام الانتداب إلى سورية، فاستقالت الحكومة السورية، ولجأ بيو Puaux خليفة دومارتل فى يولية ١٩٣٩ إلى حل المجلس النيابى وفصل جبل الدروز والعلويين عن الإدارة المركزية فى دمشق. واستقال رئيس الجمهورية هاشم الأتاسى، وآل الآمر إلى "مجلس مديرين" وعادت البلاد إلى نضالها المعتاد كرة أخرى، واستمرت الحال على هذا إلى أن أعلنت الحرب العالمية الثانية فهدأت حدة النشاط السياسى، وانتظر الوطنيون على أمل نتيجة الصراع الجبار الدائر بين قوى الحلفاء والمحور.
ولما جثت فرنسا على ركبتيها أمام ألمانيا (يونية ١٩٤٠) وأرسلت حكومة فيشى الجنرال دانتز Dentz ليحل محل بيو (ديسمبر ١٩٤٠) طالب السوريون بإلغاء الانتداب وإعلان الاستقلال واحتجوا على ندرة المواد الغذائية وفرض الضرائب المرهقة. وحدثت فى سورية أوائل مارس ١٩٤١ اضطرابات دموية اضطرت الجنرال دانتز إلى إنهاء حكم المديرين، وعهد إلى خالد العظم تأليف الوزارة فى ٣ أبريل ١٩٤١.
وغداة هجوم القوات المتحالفة على سورية (٨ يونية) أذاع الجنرال كاترو Catroux باسم "فرنسا الحرة" بيانا ألقته الطائرات على الشعب فى سورية ولبنان، ذكر فيه أنه قادم لإنهاء نظام
стр. 6055
الانتداب وإعلان حرية البلدين واستقلالهما. كما نشر السفير البريطانى فى القاهرة باسم حكومته تأكيدا لبيان كاترو الذى أصدره نيابة عن الجنرال ديجلو De Gaulle.
بيد أن كاترو مندوب فرنسا تباطأ فى تحقيق الوعود وعين الشيخ تاج الدين الحسنى رئيسا للجمهورية دون استشارة ولا انتخاب (١٢ سبتمبر)، ولما طالبه المواطنون بتنفيذ الوعود أذاع بيانا أعلن فيه إلغاء الانتداب واستقلال سورية وسيادتها ووحدتها (٢١ سبتمبر)، ثم ضم منطقتى اللاذقية وجبل الدروز إلى سورية (يناير ١٩٤٢).
ولكن استقلال سورية فى الحقيقة وبرغم اعتراف الحلفاء به لم يتعد الخطب والبيانات المتنوعة، أما الصلاحيات والمصالح التى كانت بيد سلطة الانتداب فلم ينتقل منها شئ إلى الحكومة المحلية. ولذا كان لابد من قيام حكم شرعى فى البلاد يتولى هذه المصالح، ويتسلم تلك الصلاحيات ويمارس الاستقلال عمليًا.
ولم يلبث الحسنى أن توفى وأجريت الانتخابات فى ربيع ١٩٤٣ ففاز الوطنيورن فوزًا ساحقًا، وانتخب شكرى القوتلى رئيسًا للجمهورية فى ١٧ أغسطس، وتألفت الوزارة الأولى برئاسة سعد اللَّه الجابرى. وسارت المفاوضات لاستلام صلاحيات دولة الانتداب سيرا طبيعيًا فى بادئ الأمر، ثم استلام أكثرها بالفعل (١٩٤٤) وهى الصلاحيات التى لا يتأثر بها النفوذ الفرنسى كثيرًا، حتى إذا جاء دور تسليم المصالح المشتركة "كالجمارك والجيش والأمن العام والشئون السياسية الخارجية. . . " تغير موقف الفرنسيين وراحوا يساومون مشترطين لتسليمها إبرام معاهدة تضمن لهم ميزات سياسية واقتصادية فى البلاد التى لم تعترف يومًا بصك الانتداب.
وفى ١٨ مايو سنة ١٩٤٥ قدم الجنرال بينيه Beynet مندوب فرنسا مذكرة إلى الحكومتين السورية واللبنانية جاء فيها أن حكومته مستعدة لتسليم "القطعات الخاصة" -الجيش- إلى سورية ولبنان، مع بقائها تحت القيادة العليا الفرنسية على شرط أن
стр. 6056
تؤمن صيانة مصالح فرنسا الثقافية والاقتصادية والاستراتيجية فى البلدين. وفى اليوم التالى تداولت الحكومتان السورية واللبنانية فى الموقف الناشئ عن إنزال فرنسا جنودًا فرنسيين جددًا فى البلاد دون الحصول على موافقة الحكومتين من قبل. واتفق الجانبان السورى واللبنانى على عدم الدخول فى مفاوضة لعقد أية معاهدة مع الجانب الفرنسى قبل أن تسلم جميع الصلاحيات بما فيها الجيش، وجلاء آخر جندى فرنسى عن أراضى البلدين.
خشيت فرنسا أن يفلت منها زمام الأمر فى سورية ولبنان فلجأت إلى تدابيرها الحمقاء لإرهاب الشعب. وفى أمسية يوم ٢٩ مايو ١٩٤٥ ضرب الفرنسيون بطائراتهم ومدافعهم مدينة دمشق بالقنابل كما فعلوا قبل عشرين عامًا سواء بسواء، وسلطوا نيرانهم على السكان الآمنين، فسالت الدماء وسقط مئات الضحايا، وأطلقت مدافع الهاون وقذائف المدرعات على دار المجلس النيابى، ومثل بحاميته أبشع تمثيل. ولما كانت الحرب مع اليابان ما تزال قائمة فقد تدخلت السلطات البريطانية وطلبت وقف اطلاق النار وإعادة الجنود المسعورين إلى معسكراتهم، فاستجاب القائد الفرنسى مكرها لأمر بريطانيا. ومع ذلك فلم تيأس فرنسا من الاحتفاظ ببعض مصالحها فى سورية ولبنان؛ ففى ١٣ ديسمبر ١٩٤٥ اتفقت مع بريطانيا على تبادل الرأى بشأن تجميع قواتهما وإجلائها "تدريجا" عن سورية ولبنان. واعترفت بريطانيا بما للفرنسيين من "مصالح ومسؤوليات" فى بلاد شرقى البحر المتوسط. وقوبلت المؤامرة الجديدة لاقتسام النفوذ بين بريطانيا وفرنسا بالاحتجاج الشديد والاستنكار. والتجأت الحكومتان السورية واللبنانية فى فبراير ١٩٤٦ إلى مجلس الأمن مطالبتين بسحب القوات الأجنبية من بلادهما فورًا. وتم الجلاء بالفعل عن سورية فى ١٧ أبريل ١٩٤٦ وعن لبنان فى نهاية هذا العام نفسه، وجعلت سورية يوم الجلاء عيدا قوميًا كان خاتمة فصل النضال المرير الذى باشرته ضد الغاصبين الفرنسيين. وعادت سورية، وقد اكتملت سيادتها واستعادت حريتها نتيجة جهادها الرائع، تدعو لنصرة القومية العربية والعمل من أجل الوحدة العربية، وكانت قد اشتركت فى مباحثاتها التى جرت فى مصر (بين أكتوبر ١٩٤٣ - مارس ١٩٤٥). وعبرت تعبيرًا صادقا عن
стр. 6057
مشاعرها حين صرح رئيس وفدها أن الشعب العربى فى سورية يرى فى تحقيق الوحدة العربية بأقوى وسائلها أغلى وأسمى أمانيه، وأن سورية لا تقصر ولو فى بذل جزء من سيادتها القومية فى سبيل حلف اتحادى عربى متين العرى. وفى ٢٢ مارس عام ١٩٤٥ وقعت سورية ميثاق جامعة الدول العربية. وأصبحت عضوًا فى مجلس الأمن التابع لهيئة الأمم المتحدة من عام ١٩٤٧ حتى نهاية عام ١٩٤٨. ولم تلبث سورية أن واجهت أزمات عصيبة؛ واجهت الحرب الفلسطينية ولما يكتمل تسليح جيشها، فهزت وجدانها العربى بعنف وواجهت ضغط الدول الكبرى عليها لأسباب متعددة منها قضية النقد وارتباطه بالفرنك الفرنسى، وقضية إمرار أنابيب بترول شركة أرامكو واتفاقيات الطيران. . .
وتملل الشعب وجأر بالشكوى ودعت الأحزاب إلى تعديل السياسة العامة وإصلاح فساد الإدارة الأمر الذى كشف عنه بوضوح مأساة حرب فلسطين وفى ليلة ٣٠ مارس ١٩٤٩ حدث انقلاب على يد قائد الجيش حسنى الزعيم ورضى الشعب عنه بادئ الأمر، ولكنه بعد ذلك أخذ يرصد أخطاءه الكثيرة، واستنكر سياسته القائمة على كم الأفواه وخنق الحريات، وحل البرلمان وتعليق الدستور. وكانت التجربة الاستبدادية القصيرة لحكم الزعيم كافية لتغذية السخط والتبرم بين صفوف الضباط والمثقفين، فلم يلبث أن حدث الانقلاب الثانى ليلة ١٤ أغسطس ١٩٤٩ وذهب ضحيته الزعيم ورئيس وزرائه. وانسحب قائد الانقلاب سامى الحناوى من المسرح السياسى تاركا لوزارة هاشم الأتاسى أن تجرى انتخابات جديدة تنبثق منها جمعية تأسيسية تضع دستورا للبلاد. وفى ١٢ ديسمبر اجتمعت الجمعية التأسيسية وكانت غالبيتها مؤلفة من حزب الشعب لأن بعض الأحزاب الوطنية لم تشترك فى الانتخابات.
وقبل أن تنتهى الجمعية من مناقشة مواد الدستور حدثت "انتفاضة عسكرية" فى ١٩ من ديسمبر قام بها العقيد أديب الشيشكلى، نحى على أثرها رئيس الأركان وأعوانه. وجاء فى بلاغ الجيش أن رجال الانقلاب الثانى لم يحافظوا على استقلال البلاد، وإنما عملوا من أجل الاتحاد السورى العراقى
стр. 6058
الذى يؤدى حتما إلى ضياع استقلال سورية وخضوعها لنيران الاستعمار البريطانى. وتابعت الحمعية التأسيسية مع ذلك عملها حتى انتهت من وضع الدستور، ثم انقلبت إلى مجلس نيابى، وانتخب الأتاسى رئيسا للجمهورية. ولم يكد الشيشكلى يطمئن إلى ولاء الجيش حتى أخذ يطغى ويستبد، ورغب عبثا فى أن يأتى بمجلس نيابى ينفذ مآربه، حتى اذا كانت ليلة ٣١ نوفمبر ١٩٥١ اعتقل رئيس المجلس النيابى ورئيس الوزراء وبعض الوزراء والنواب، واستقال الرئيس الأتاسى وتشكلت حكومة برئاسة الزعيم فوزى سلو استلم فيها الشيشكلى وزارة الدفاع وكان الحاكم الحقيقى للبلاد.
ثم فرض الشيشكلى نفسه رئيسا للجمهورية بنظام رئاسى (يوليه ١٩٥٣) واعتقل عددًا من زعماء البلاد وضباط الجيش المعارضين، فتحرك. الجيش، واستجاب لموجة الاستياء الشعبى العام، وقلب عهد الشيشكلى الذى فرَّ من سورية فى ٢٦ فبراير ١٩٥٣، وبسقوطه عاد إلى سورية الحكم الجمهورى البرلمانى مع دستور عام ١٩٥٠. وبدا أن البلاد مقبلة على عهد جديد من الاستقرار والطمأنينة، ولكن الفترة التالية كانت حافلة بالأحداث الجسام، نذكر منها صمود الحكومة والشعب فى وجه المؤامرات الاستعمارية المختلفة على سورية، واجتماع القوتلى بعد فوزه برئاسة الجمهورية (١٨ أغسطس ١٩٥٥) بزعيم مصر جمال عبد الناصر والملك سعود فى أسوان، حيث وضعوا أسس السياسة العربية المتحررة، وأصدروا بيانا برفض الأحلاف العسكرية جميعا. ونسجل أخيرًا ما كان من وقوف سورية إلى جانب شقيقتها الكبرى مصر خلال محنة العدوان الثلاثى عليها (أكتوبر - نوفمبر ١٩٥٦)، وتقارب الدولتين وتجاوب أصداء المبادئ القومية المتحررة فيهما، واتفاقهما أخيرا فى مطلع فبراير ١٩٥٨ على إعلان وحدة مصر وسورية فى دولة موحدة، باسم الجمهورية العربية المتحدة.
وفى ٨ مارس ١٩٥٨ ارتبطت الجمهورية العربية المتحدة مع اليمن باتحاد الدول العربية.
أحمد طربين
رقم الإيداع بدار الكتب ٩٥٢٨/ ١٩٩٦
ISBN ٩٧٧ - ٠١ - ٤٩٥١ - ٩
стр. 6059
موجز دائرة المعارف الإسلامية
«شاه جهان - الشيعة»
[الجزء العشرون]
стр. 6060
شاه جهان
هو اللقب الذى أنعم به الإمبراطور المغلى جهانكير على ابنه الثالث "خرَّم" مكافأة له على ما أحرزه من انتصارات فى الدكن سنة ١٦١٦. وقد ولد خرم سنة ١٥٩٢؛ وفى سنة ١٦٢٢ عمل على قتل أخيه الأكبر خسرو، وكان أبوه قد عهد إليه العناية به، ثم انتقض على أبيه من بعد ولحقت به الهزيمة سنة ١٦٢٣ وغدا طريدا، على أنه احتل البنغال وبهار، وعقد صلح بينه وبين أبيه سنة ١٦٢٥. ومات جهانكير فى شهر أكتوبر سنة ١٦٢٧ كان خرم فى جنار من أعمال الدكن، ولكن حماه آصف خان تسبب فى سمل عينى أخيه الأصغر فى لاهور، ونصب بدله داور بخش (بلاقى) ابن خسرو، وقد سمح له من بعد بالهروب إلى بلاد فارس حينما قتل الذكور الآخرون من الأسرة الإمبراطورية بأمر من شاه جهان. واعتلى شاه جهان العرش فى آكره سنة ١٦٢٨، وسرعان ما وجد نفسه مكرها على مواجهة الفتن التى أثارها البندلا وخان جهان لودى وسحقها سحقًا. وفى سنة ١٦٣١ توفيت زوجته ممتاز محل التى كان يحبها حبًا جما وهى تضع مولودها فى برهانبور، فأقام على رفاتها من بعد فى آكره تلك العمارة الجميلة المعروفة باسم "تاج محل" وفى سنة استولى على دولت آباد وأطاح بآخر آثار دولة أحمد نكر، وأكره بعد ذلك بقليل المملكتين الدكنيتين الباقيتين كلكنده وبيجابور على الاعتراف بسلطانه، وحاصر فى سنة ١٦٣٢ أيضا هوكلى وانتزعها من البرتغاليين، وفى سنة ١٦٣٦ عين أورنكزيب الابن الثالث للإمبراطور نائبًا للملك فى الدكن، وفى سنة ١٦٣٨ سلم على مردان خان قندهار الذى كان يتولى شؤونها باسم ملك الفرس غدرا إلى عمال شاه جهان، على أن الفرس استردوا هذه المدينة عام ١٦٤٩، وفى سنة ١٦٣٨ احتلت بذخشان وبلخ، فاستدعى أورنكزيب من الدكن وأنفذ للاحتفاظ بالمدينتين، على أنه خاب فى مسعاه وأكره على الارتداد. وفى سنة ١٦٥٢ فشل هذا الأمير نفسه، كما فشل داراشكوه أخوه الأكبر فى السنة التالية، فى استرداد قندهار من الفرس، وأنفذ أورنكزيب مرة أخرى إلى الدكن، سنة ١٦٥٣ حيث حد أبوه من سياسته
следующие страницы →