Полный текст (10 087 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
قصر الخلافة، وفى الجامع الأزهر، وغيره من المساجد.
وكان يدرس بالجامع الأزهر إلى جانب المذهب الفاطمى، العلوم النقلية والعقلية، وقد جرت العادة على تدريس العلوم النقلية، التى عبر عنها ابن خلدون بأنها مختصة بالملة الإسلامية وأهلها؛ وتشمل علم التفسير، وعلم القراءات، وعلم الحديث، والفقه، وعلم الكلام، والنحو واللغة. وكانت هذه العلوم تدرس فى الصباح. أما العلوم الأخرى فكانت تدرس بعد العصر، فيذكر القلقشندى أن الفقهاء فى الجامع الأزهر كانوا يتحلقون فيه يوم الجمعة بعد الصلاة، إلى أن تصلى صلاة العصر.
ومن أشهر العلماء الذين درسوا بالأزهر ابن زولاق؛ وهو الحسن بن إبراهيم المتوفى فى سنة ٣٨٧ هـ. وقد ذاعت شهرته لسعة اطلاعه فى التاريخ. وكان صديقا للمعز وابنه العزيز؛ لذلك وقع عليه الاختيار ليقوم بالتدريس فى الجامع الأزهر. ومن تصانيفه: كتاب "فضائل مصر"؛ وكتاب "قضاة مصر"، الذى جعله مؤلفه ذيلاً لكتاب القضاة لأبي عمر الكندي؛ وكتاب سيرة محمد ابن طغج الأخشيد المسماة "العيون الدعج"، التى نقلها ابن سعيد فى كتابه "المغرب فى حلى المغرب".
ومن الكتاب والمؤرخين، الذين كانت لهم صلات علمية بالجامع الأزهر، الأمير المختار عز الملك محمد بن عبد الله المسبحى، المتوفى سنة ٤٢٠ هـ؛ وهو مصرى المولد والنشأة؛ وكان من أقطاب مصر فى العلم والسياسة والإدارة؛ وأخذ بقسط وافر من العلوم السائدة فى مصر؛ وشغف بتدوين التاريخ ودراسة الأدب؛ وبلغ عدد مصنفاته ثلاثين، منها: كتابه "التاريخ الكبير" المسمى "تاريخ مصر".
ومنهم أيضًا أبو عبد الله القضاعى، الذى ولد بمصر فى أواخر القرن الرابع الهجرى، وتوفى بها فى سنة ٤٥٤ هـ. وقد ألف عدة كتب فى الفقه والتاريخ, نخص بالذكر منها كتاب: "مناقب الإمام الشافعى واخباره", وكتاباً فى خطط مصر، سماه "المختار، فى ذكر الخطط والآثار"، يتضمن تاريخ مصر
стр. 632
والقاهرة. وكان هذا الكتاب عونًا للمقريزى على كتابه "المواعظ والاعتبار، فى ذكر الخطط والآثار".
ومن العلماء الذين كانت لهم صلات بالجامع الأزهر: أبو على محمد بن الحسن بن الهيثم، الذى نشأ بالبصرة، وعنى بدراسة الرياضيات والفلسفة والهندسة، ولم يلبث أن أصبح عالما متقنًا لعلوم كثيرة.
وقد ولاه الخليفة الحاكم بأمر الله بعض الدواوين. ولما توفى الخليفة استوطن ابن الهيثم قبة على باب الجامع الأزهر، واشتغل بالتصنيف والنسخ والإفادة. وكان له خط قاعد فى غاية الصحة. ولم يزل على ذلك إلى أن توفى سنة ٤٣٦ هـ.
ومن معاهد الدراسة بمصر، التى قامت إلى جانب الجامع الأزهر، دار الحكمة التى أسسها الخليفة الحاكم بأمر الله الفاطمى فى سنة ٣٩٥ هـ. وقد أطلق عليها هذه التسمية رمزاً إلى الدعاية الشيعية؛ لأن مجالس الدعوة كانت تسمى مجالس الحكمة. وقد زود الحاكم هذه الدار بمكتبة، عرفت باسم دار العلم، حوت الكثير من الكتب فى سائر العلوم والآداب، من فقه ونحو ولغة، وكيمياء وطب، وسمح لجميع الناس بالتردد عليها.
وكان الطلاب يتلقون فى دار الحكمة، إلى جانب فقه الشيعة، كثيراً من علوم اللغة والفلك والطب والرياضة والفلسفة والمنطق. وهكذا اختلفت مناهج التعليم فى هذا المعهد عن مناهج التعليم فى الجامع الاْزهر؛ إذ كانت تغلب على مناهج الأزهر الصبغة الدينية.
وصفوة القول إن الحركة العلمية فى مصر، فى العصر الفاطمى، سارت بخطى واسعة نحو التقدم والارتقاء؛ فظهرت بها طائفة من الفقهاء والمؤرخين والعلماء والفلاسفة والأدباء، الذين أسهموا فى النهضة الثقافية، التى تجلت فى هذا العصر، وكان للأزهر الفضل الأكبر فيها.
العصر الأيوبى والعصر المملوكى
قضى صلاح الدين الأيوبى على الدولة الفاطمية فى سنة ٥٦٧ هـ. (١١٧١ م)، وأعاد مصر إلى حظيرة
стр. 633
الخلافة العباسية السنِّية. فكان من الطبيعى -وهو فى سبيل قضائه على المذهب الشيعي وإحياء المذهب السنى- أن يمنع الخطبة من الجامع الأزهر. وكان صلاح الدين قد قلد قاضى القضاة صدر الدين عبد الملك بن درباس الشافعى وظيفة القضاء، فعمل بمقتضى مذهب الإِمام الشافعى؛ وهو أنه لا يجوز إقامة خطبتين للجمعة فى بلد واحد؛ فأبطل إقامة الجمعة بالجامع الأزهر، وأقرها بالجامع الحاكمى، بحجة أنه أوسع رحاباً.
وقد شيد صلاح الدين -تحقيقا لسياسته فى القضاء على المذهب الشيعي- مجموعة من المدارس السنية، ففي سنة ٥٦٦ هـ (١١٧٠ م) أنشأ -وهو وزير للخليفة العاضد الفاطمى- المدرسة الناصرية بجوار مسجد عمرو ابن العاص لتدريس الفقه الشافعى. وفى العام نفسه أنشأ على مقربة منها مدرسة لتدريس الفقه المالكي، عرفت بالمدرسة القمحية، نظراً لما كان يغدق على مدرسيها وطلابها من قمح تغله ضيعتها بالفيوم. وفى سنة ٥٧٢ هـ (١١٧٦ م) أنشأ صلاح الدين المدرسة الصلاحية بجوار مسجد الإِمام الشافعى لتدريس فقه الشافعية، والمدرسة السيوفية للفقهاء الحنفية. وتوالى إنشاء المدارس فى مصر والقاهرة على أيدى السلاطين والأمراء الأيوبيين، فأنشأ الملك العادل، أخو صلاح الدين، المدرسة العادلية للفقهاء المالكية، وأقام تقى الدين عمر المدرسة التقوية، المعروفة بمنازل العز؛ وأنشأ القاضى الفاضل المدرسة الفاضلية للشافعية والمالكية. وشيد السلطان الكامل، ابن العادل، مدرسة خصصت لتدريس علوم الحديث؛ وأقام السلطان الصالح نجم الدين أيوب المدرسة الصالحية لتدريس المذاهب السنية الاْربعة. وفى هذه المدارس الأيوبية جرى تدريس بعض العلوم المساعدة، مثل النحو والبلاغة وعلم الهيئة، إلى جانب الفقه والحديث والتفسير والقراءات وغيرها من العلوم الشرعية.
وقد نافست هذه المدارس الأيوبية الأزهر منافسة شديدة، واجتذبت إليها العلماء والأساتذة، لوفرة أوقافها، واستئثارها برعاية سلاطين بنى أيوب
стр. 634
وأمرائهم. وكان من أثر ذلك أن مر الأزهر خلال عصر الدولة الأيوبية بمرحلة من الركود، بعد أن كان مركز، مهما للعلوم الدينية وغيرها. على أن قطع خطبة الجمعة من الجامع الأزهر لم يبطل صفته الجامعية؛ فقد ظل محتفظا بصفته معهداً للبحث والدرس. ومن العلماء الذين قصدوه حينذاك عبد اللطيف البغدادي، الذى قدم إلى مصر فى سنة ٥٨٩ هـ (١١٩٣ م) فى عهد السلطان الأيوبى العزيز عثمان بن صلاح الدين، والذى قام بالتدريس فيه بضعة أعوام حتى سنة ٥٩٥ هـ (١١٩٨ م).
ومن العلماء الذين كان لهم نشاط علمى فى الأزهر فى العصر الأيوبى، الشيخ زكى الدين المنذري الشافعى، والشيخ شمس الدين الأيكى، والمحدث سعد الدين بن الحارثيّ الحنبلي، والشيخ شهاب الدين السهروردى، والمؤرخ شمس الدين بن خلكان، صاحب كتاب (وفيات الأعيان)، الذى ألقى بعض دروسه فى الجامع الأزهر، عندما زار القاهرة فى سنة ٦٣٧ هـ (١٢٣٩ م). وتجدر الإشارة إلى أن المصادر التاريخية لم تذكر أن أحد، من سلاطين بنى أيوب عنى بالجامع الأزهر من الناحية المعمارية؛ فلم تتناوله يد الإصلاح والإعمار طيلة حكمهم.
وظل الجامع الأزهر معطلا من إقامة الخطبة حوالى مائة عام، منذ عهد صلاح الدين الأيوبى وعلى وجه التحديد منذ سنة ٥٦٧ هـ (١١٧١ م)، حتى تم تجديده وأعيدت الخطبة فيه؛ وذلك فى عهد السلطان المملوكى الظاهر بيبرس البندقدارى فى سنة ٦٦٥ هـ (١٢٦٦ م). فى تلك السنة رأى الأمير عز الدين أيدمر الحلِّى نائب السلطنة -الذى كان مقيماً فى قصره المجاور للجامع الأزهر- أن يتقرب إلى الله بالعمل على تجديد عمارة الأزهر، وإحياء مآثره. وبالإضافة إلى المقصورة التى شيدها الأمير أيدمر الحلى، قام الأمير "بيلبك الخازندار" بإنشاء مقصورة أخرى كبيرة فى الجامع الأزهر، رتب فيها جماعة من الفقهاء لقراءة الفقه على مذهب الإِمام الشافعى، ومحدِّثا لشرح الأحاديث النبوية؛ ورتب
стр. 635
به سبعة قراء لقراءة القرآن الكريم، ومدرساً؛ ووقف على ذلك الأوقاف الكثيرة.
وعندما تم تجديد الجامع الأزهر
تحدث الأمير أيدمر مع السلطان بيبرس فى إعادة الخطبة إليه. وأقيمت صلاة الجمعة فى الجامع الأزهر فى ١٨ ربيع الأول سنة ٦٦٥ هـ (١٧ ديسمبر ١٢٦٦ م).
واهتم السلطان الظاهر بيبرس بعمارة الأزهر؛ ولاتزال الزخارف الجصية الدقيقة، التى أجراها باقية تعلو المحراب القديم حتى اليوم، وكذلك الكسوة الخشبية التى كانت تغطى طاقيته بزخارفها. كذلك أقام السلطان بيبرس منبراً لم يبق منه إلا لوحته التذكارية المحفوظة بمتحف الجزائر.
وسرعان ما استرد الأزهر مكانته بوصفه مركزاً مهما للدراسات الإسلامية وغيرها، وأصبح مقصداً للطلاوب الذين توافدوا إليه من سائر أنحاء العالم الإسلامى، وبخاصة عندما أصبحت القاهرة قبلة العلماء والفقهاء والطلاب، بعد أن غزا المغول بلاد المشرق الإسلامى، وبعد أن سقطت بغداد فى أيديهم فى سنة ٦٥٦ هـ (١٢٥٨ م)، واضمحلت معاهد العلم فى بلاد الأندلس.
وحدث فى العصر المملوكى امتداد مكانى للأزهر بوصفه جامعًا وجامعة؛ وذلك بإنشاء مدرستين فى النصف الأول من القرن الثامن الهجرى (المدرسة الطيبرسية والمدرسة الأقبغاوية)، ومدرسة ثالثة (المدرسة الجوهرية) فى النصف الأول من القرن التاسع الهجرى. ففي سنة ٧٠٩ هـ (١٣٠٩ م) انتهى الأمير علاء الدين طيبرس الخازندار، نقيب الجيوش بالديار المصرية فى عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، من بناء مدرسته التى عرفت بالمدرسة الطيبرسية. وذكر المقريزى فى خططه أن هذه المدرسة كانت من المدارس الملحقة بالجامع الأزهر، وقرر بها الأمير طيبرس درسا للفقهاء الشافعية. وأنشأ بجوارها ميضأة وحوض ماء سبيل ترده الدواب، وتأنق فى رخامها وتذهيب سقوفها.
стр. 636
أما المدرسة الأقبغاوية، التى كانت أيضًا من ملحقات الأزهر، فقد أنشأها فى سنة. ٧٤٠ هـ (١٣٣٩ م) الأمير علاء الدين أقبغا عبد الواحد، مقدم المماليك فى عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون. وذكر المقريزى وابن تغرى بردى وغيرهما أن موضع هذه المدرسة كان دارًا للأمير الكبير أيدمر الحلى. وعندما تم بناء المدرسة قرر فيها الأمير أقبغا درسا للشافعية، ودرسا للحنفية، ورتب لها ما يلزمها من المستخدمين. وظلت هذه المدرسة عامرة إلى زمن المقريزى المتوفى فى سنة ٨٤٥ هـ (١٤٤٢ م)؛ ويشغلها الآن جزء من مكتبة الجامع الأزهر.
وفى سنة ٧٦١ هـ (١٣٦٠ م) جدد الأمير سعد الدين بشير -بإذن من السلطان الناصر- عمارة الجامع الأزهر، ورتب فيه مصحفًا، وجعل له قارئًا. وقرر فى الجامع الأزهر درسا للطلاب من الحنفية، يجلس مدرسهم لإلقاء الفقه فى المحراب الكبير، ووقف على ذلك كله أوقافًا جليلة.
وفى عصر سلطنة المماليك الجراكسة قام السلطان الظاهر برقوق فى سنة ٧٨٤ هـ (١٣٨٢ م) بتولية الأمير بهادر، مقدم المماليك السلطانية، نظارة الجامع الأزهر. وأصدر السلطان برقوق مرسومًا يقضى بأن من مات من مجاورى الجامع الأزهر عن غير وارث شرعى، وترك شيئًا، فإنه يأخذه المجاورون بالجامع. ونقش ذلك المرسوم على لوحة من الرخام، وضعت عند الباب الغربى الكبير. ويعد هذا المرسوم ظاهرة مهمة فى تاريخ الأزهر بوصفه جامعة؛ فقد جعل طلبة الأزهر أسرة واحدة، وربط بينهم برباط كرباط النسب.
وفى أيام السلطان سيف الدين جقمق أنشأ الأمير جوهر القنقبائى الجركسى الخازندار سنة ٨٤٤ هـ (١٤٤٠ م) مدرسته الجوهرية، التى كانت من ملحقات الجامع الأزهر.
وحرص سلاطين المماليك بعد عهد السلطان قايتباى على الاهتمام بالأزهر وعلمائه وطلابه.
وتحتوى كتب التاريخ على تراجم كثير من العلماء الذين كانوا يقومون بالتدريس فى الجامع الأزهر فى العصر
стр. 637
المملوكى، ومنهم -على سبيل المثال- على بن يوسف بن جرير اللخمى الشطنوفى، شيخ الإقراء بالديار المصرية، المتوفى سنة ٧١٣ هـ (١٣١٣ م). وقد ذكر السيوطى أنه تصدر للإقراء بالجامع الأزهر، وتكاثر عليه الطلبة. وعندما قدم الرحالة ابن بطوطة إلى مصر سنة ٧٢٦ هـ (١٣٢٦ م)، زار الجامع الأزهر، وأشار إلى بعض علمائه، ومنهم قوام الدين الكرماني، وشمس الدين الأصبهانى، الذى كان إمام عصره فى المعقولات؛ وشرف الدين الزواوى المالكى. ومن علماء الأزهر فى العصر المملوكى أيضاً قنبر بن عبد الله السبزوانى، المتوفى فى سنة ٨٠١ هـ (١٣٩٩ م)، وكان ماهراً فى العلوم العقلية؛ وبدر الدين محمد بن أبى بكر الدمامينى، المتوفى سنة ٨٢٧ هـ (١٤٢٤ م)، الذى تصدر بالجامع الأزهر لإقراء النحو، مع تفوقه فى النظم والنثر والفقه وغيره.
ويعد القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادى) العصر الذهبى للأزهر؛ إذ إحتل الجامع الأزهر مكانة مرموقة بين مدارس القاهرة وجوامعها، وأصبح المدرسة الأم، أو الجامعة الإسلامية الكبرى, التى لا تنافسها أية جامعة أخرى. وأصبحت أمنية كل عالم من علماء المسلمين أن يحاضر فى الجامع الأزهر. ويتضمن كتاب السخاوى (الضوء اللامع) تراجم مشاهير العلماء الذين قاموا بالتدريس فى الجامع الأزهر فى القرن التاسع الهجرى. ومن المعروف أن العلامة ابن خلدون قدم إلى مصر فى سنة ٧٨٤ هـ (١٣٨٢ م)، ونال شرف التدريس بالجامع الأزهر. وقد أشار ابن خلدون نفسه إلى ذلك، واتصل ابن خلدون بكثير من العلماء والمؤرخين فى مصر. وأدت اتصالاته بعلماء مصر ومؤرخيها إلى تكوين مدرسة كبيرة للدراسات التاريخية وغيرها. ومن تلاميذ تلك المدرسة المقريزى المتوفى فى سنة ٨٤٥ هـ (١٤٤٢ م)، وابن حجر العسقلانى، المتوفى فى سنة ٨٥٢ هـ (١٤٤٨ م)، وأبو المحاسن بن تغرى بردى، المتوفى فى سنة ٨٧٤ هـ (١٤٧٠ م)، والسخاوى، المتوفى فى سنة ٩٠١ هـ (١٤٩٧ م). وجلال الدين
стр. 638
السيوطى، المتوفى فى سنة ٩١١ هـ (١٥٠٥ م) وغيرهم.
ونظام الدراسة بالأزهر كان يسير تبعًا لنظام الحلقات الدراسية، الذى اشتهر بمصر منذ القرن الثانى للهجرة. وكان الأستاذ يجلس ليقرأ درسه فى حلقة من تلاميذه والمستمعين إليه، وتنظم الحلقات فى الزمان والمكان طبقا للمواد التى تدرس. وكانت مناصب التدريس بالجامع الأزهر، مثل غيرها فى الجوامع والمدارس الكبرى فى العصر المملوكى، من المناصب العلمية والدينية الرفيعة، كما يستدل من نماذج التوقيعات (المراسيم) الصادرة لبعض المدرسين، التى أوردها القلقشندى فى الجزء الحادى عشر من موسوعته (صبح الأَعشي فى صناعة الإنشا). وتوضح توقيعات التدريس المسائل العلمية التى كان يمكن للأستاذ تدريسها للطلبة، سواء من الفقه أو الحديث أو التفسير أو اللغة أو النحو أو غير ذلك. كما كانت وظيفة التصدير، أى الجلوس بصدر المجلس للتدريس، من أهم وظائف التدريس بالجامع الأزهر فى العصر المملوكى. وقد أورد القلقشندى فى موسوعته نسخة توقيع بتصدير الشيخ شهاب الدين أحمد الأنصارى، الشهير بالشاب التائب بالجامع الأزهر.
إما الطلاب فقد تمتعوا فى الجامع الأزهر بحرية اختيار المواد التى يدرسونها؛ وكثيراً ما إعتمد هذا الاختيار على مكانة المدرس وشهرته العلمية. ويظل الطالب يحضر دروس أحد المدرسين حتى يأخذ كفايته من العلم، فينتقل إلى مدرس آخر وهكذا. وإذا أتم الطالب دراسته، وتأهل للفتيا والتدريس، أجاز له شيخه ذلك، وكتب له إجازة (شهادة) يذكر فيها اسم الطالب وشيخه ومذهبه وتاريخ الإجازة وغير ذلك من فضائل الطالب ومقدرته العلمية. ويذكر فيها أيضًا ما قرأ على أستاذه من كتب أجاز له أن يقوم بتدريسها. وقد تقتصر الإجازة على الإذن بتدريس مادة معينة، أو مذهب فقهى معين، والإفتاء به. وتتوقف قيمة الإجازة على سمعة الشيخ- الذى صدرت عنه، ومكانته العلمية. وأورد القلقشندى فى الجزء الرابع عشر من موسوعته
стр. 639
(صبح الأعشى) نماذج من الإجازات العلمية بالفتيا والتدريس والرواية وغيرها. ويستدل منها على كتب الدراسة التى كانت تدرس فى الجامع الأزهر وغيره من مدارس مصر فى العصر المملوكى، منها: كتب الحديث الستة؛ وهى كتب البخارى ومسلم وأبى داود والترمّذى والنسائى وابن ماجه، والمسانيد، وهى مسند أحمد ومسند الشافعى وغيرهما. ومن الكتب أيضًا (عمدة الأحكام) للحافظ عبد الغنى، و (شذور الذهب) للشيخ جمال الدين بن هشام، و (المنهاج فى فقه الإمام الشافعى) لأبي زكريا النووي، وكتاب (الأربعين حديثًا) للشيخ محيى الدين النووي، و (الورقات فى الأصول) لإمام الحرمين, و (اللمحة البدرية فى النحو) للشيخ أثير الدين أبى حيان وغير ذلك من الكتب، مثل (جامع الجوامع)، و (البدر المنير فى تخريج الأحاديث).
وكان للأزهر مكتبة عامرة كبيرة منذ العصر الفاطمى.
وفى العصر المملوكى- ومن المحتمل فى القرن التاسع الهجرى، إن لم يكن قبل ذلك- أصبح لكل رواق كبير من أروقة الأزهر، مثل رواق المغاربة، ورواق الشوام، مكتبة عامرة بالكتب؛ وذلك لتيسير البحث والدرس للمجاورين المنتمين إلى كل رواق. واحتوت خزانة الكتب فى بعض الأروقة على بضعة آلاف مجلد. وقد آلت معظم هذه الكتب إلى الأزهر عن طريق الوقف.
أما المصادر المالية التى كان يعتمد عليها الأزهر بوصفه جامعًا وجامعة, فقد وفر الخلفاء الفاطميون للطلبة بالجامع الأزهر كل ما يعينهم على الدرس والتحصيل، ورتبوا لهم الأرزاق والجرايات وغيرها، وذلك عن طريق الهبات.
وعندما برزت صفة الأزهر الجامعية وكثرت حلقاته الدراسية بتوالى السنين، بدأ الاهتمام بشئون علمائه وطلابه، وكثرت الأعطيات والصلات؛ إذ وقف الفاطميون أراضى زراعية وممتلكات كثيرة، لكي يضمنوا مورد، ثابتًا لعمارة المساجد والجوامع، بما فى ذلك الجامع الأزهر. فقد عدت الدولة الفاطمية نفسها مسئولة عن الأعمال الخيرية العامة والمؤسسات الدينية.
стр. 640
وفى عصر المماليك كثرت أوقاف السلاطين والأمراء على الجامع الأزهر، وأصبحت متحصلات هذه الأوقاف تشكل صفة الموارد المالية الثابتة للإنفاق عليه وعلى علمائه وطلابه. وكان لهذه الأوقاف الفضل الأول فى احتفاظ الجامع الأزهر بشهرته العلمية، وفى استمراره مركزاً للحركة العلمية فى مصر والعالم الإسلامى قرونًا طويلة.
العصر الحديث
ظل الأزهر يؤدي رسالته بوصفه جامعًا يؤمه الناس للصلاة، وجامعة لدراسة شتى العلوم الإسلامية. واطمأن المصريون إلى الدروس التى تلقى فى رحابه وحول أعمدته؛ وذلك لما اتسمت به نظم الدراسة من طابع الحرية العلمية.
وكان كثير من المجاورين يطالعون قبل حضورهم إلى حلقة الدرس ما قد يصل إلى أيديهم، أو يقع تحت أبصارهم، مما يمت إلى درسهم بصلة. وكانت العادة أيضًا أن أنجب الطلاب، أو المعيد منهم، يطالع للباقين درس شيخهم حتى يكونوا مستعدين لما سيلقيه عليهم. ولم تكن الدراسة طبقا لخطة مُحَددة، أو منهج موضوع، بل كان الأمر متروكا للشيخ فى اختيار الكتب التى يدرسها. وكان لهذه الحرية المطلقة، التى تمتع بها الأزهريون فى دراستهم، أثر بالغ فى تكوين علمائهم الأفذاذ.
وكان التعليم بالأزهر، حتى عصر محمد على، على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: يبدأ الطالب فيها بحفظ القرآن، وتعلم القراءة والكتابة. وقد يدرس إلى جانب ذلك شيئًا من حساب المقاييس والموازين؛ فإذا انتهى الناشئ من ذلك، انتقل إلى مرحلة تالية. وغالباً ما يتلقى الناشئ هذه الدراسة الأولية فى أحد المساجد أو الكتاتيب، فى قريته أو حيه، أو فى الجامع الأزهر.
المرحلة الثانية: وفيها يظل الطالب تحت إشراف أستاذه الذى يلقنه دروسا فى القراءة وكتابة الموضوعات الإنشائية التى يتدرج فيها من السهولة إلى الصعوبة، متمشيا فى ذلك مع النمو العقلى للتلميذ. وفى هذه المرحلة يكون التلميذ قد حفظ القرآن الكريم، فامتلأت به نفسه، وتقوم لسانه.
стр. 641
وأظهر ما فى هذا الأسلوب التعليمى أنه لا يبدأ بتعليم القواعد والتعاريف والكليات فى اللغة إلا بعد أن يكون الطالب قد تذوق هذه اللغة وتكون لديه ملكة وذوق.
المرحلة الثالثة: وفيها يدرس الطالب علوم الدين، من فقه وحديث وتفسير وتوحيد وأخلاق وما إليها، كما يدرس علوم اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة وغير ذلك من العلوم العربية.
وفى بعض الأحوال كان فريق من الطلاب يدرسون علوم الطبيعة والرياضيات والفلك والهندسة والطب؛ وكان علم الطب يطالعه الطلاب بالأزهر حتى عصر محمد على. وقد كانت لعبد الرحمن الجبرتى المؤرخ عناية بدراسة الطب؛ فقد كتب ملخصًا لتذكرة داود الأنطاكى فى الطب، ما زالت مخطوطة فى مكتبة الأزهر حتى الآن.
ولم يكن هناك ما يُلزم طلبة العلم بالاتجاه إلى العلوم الطبيعية والرياضية والطبية وغيرها من العلوم العقلية، فأهمل الطلاب دراستها، إلا من وجدت لديه الرغبة الشخصية، والدافع الذاتى، لدراستها، من أمثال الشيخ أحمد الدمنهورى ١١٩٠ هـ، والشيخ حسن الجبرتى ١١٨٨ هـ. والشيخ حسن العطار ١٢٥٠ هـ، وغيرهم ممن تاقت نفوسهم إلى دراسة هذه العلوم.
ولا جدال فى أن المدة التى سبقت الحملة الفرنسية كانت مرحلة وصل فيها التخلف الثقافى إلى أبشع صوره، ومع ذلك فتاريخ الجبرتى حافل بالإشارات إلى آفاق المعرفة المتنوعة لدى الشيوخ فى تلك الحقبة، على نحو ينفى الصورة الشائعة عن ذلك العصر نفياً تاماً.
وعندما هبطت الحملة الفرنسية أرض مصر، أدرك علماء الأزهر بعد الشقة بينهم وبين الغرب المسيحى، ولهذا وجدنا من نادى بعودة العلوم الوضعية إلى الأزهر، أمثال: عبد الرحمن الجبرتى، وإسماعيل الخشاب، وحسن العطار، ومن بعدهم رفاعة الطهطاوى، تلميذ العطار.
وكان للعطار ولع بقراءة الكتب المترجمة من اللغات الأوروبية، خصوصًا فى علمى التاريخ والجغرافيا:
стр. 642
حتى اشتهر عنه ذلك. والعطار نفسه يقول فى هذا المنبع من منابع ثقافته: ؛ وقع فى زماننا أن جلبت كتب من بلاد الإفرنج، وترجمت باللغة التركية والعربية، وفيها أعمال كثيرة، وأفعال دقيقة، اطلعنا على بعضها، وقد تتحول تلك الأعمال بواسطة الأصول الهندسية، والعلوم الطبيعية، من القوة إلى الفعل".
فالعطار كان من أوائل من نادوا بتطوير الأزهر فى العصر الحديث لكي يساير التطور العلمى. وقد تولى العطار مشيخة الأزهر فى سنة ١٢٤٦ هـ، وظل بها إلى أن توفى فى سنة ١٢٥٠ هـ (١٨٣٤ م). ويكفيه شرفاً أنه كان أول رائد للحركة الإصلاحية للأزهر؛ وهى الحركة التى اطردت بعد ذلك من عام ١٨٧٢ م حتى عام ١٩٦١ م.
نظر محمد على فى بداية عهده إلى الأزهر على أنه مؤسسة وطنية لها خطرها، فوضع يده على أوقافه وموارده ولم يفكر فى إصلاحه وإنهاضه، وآثر أن يصرف كل اهتمامه إلى إنشاء مدارس جديدة، يربى فيها جيلاً من المصريين يدينون بالولاء له، ويكون هو ولى نعمتهم - على نحو ما شاء أن يلقبه المصريون.
واتجهت سياسة محمد على إلى عزل الأزهر عن الحياة العصرية، بدعوى أن الأزهر لا يسمح بتدريس العلوم الحديثة، وأنشأ المدارس الحديثة معزولة عن التراث القومى والثقافة العربية؛ ونجم عن ذلك أن ابتعد الأزهر عن الحياة العامة الجديدة.
ولقد كان الأزهر وحده هو التربة الصالحة لاحتضان المعرفة الحديثة وتطويرها فى شكل ثقافة وطنية. والدليل على ذلك أنه عندما بدأ محمد على نظام المدارس الحديثة، واختار نخبة من طلبة النظام الجديد، وقرر إرسالهم فى بعثة إلى أوروبا, واختار لهم، حرصاً على تقاليد البلاد، فقيهًا يعلمهم الصلاة- كان هذا الأزهرى وحده (الشيخ رفاعة الطهطاوى) هو الذى تمثل الحضارة الغربية، وترك بصماته على الفكر العربى حتى مطلع القرن العشرين. ولقد أدرك رفاعة الطهطاوى خطأ محمد على فى عدم تطوير الأزهر، وكان على حق فى توجيه اللوم إلى محمد على, لأنه أهمل
стр. 643
التعليم بالأزهر، ولم يتناوله بالتطوير الذى يجعله يواكب العصر.
بدأت روح الإصلاح تدب فى الأزهر منذ عام (١٨٧٢ م) فى عصر الخديو إسماعيل؛ وكان يتولى مشيخة الأزهر يومئذ الشيخ محمد العباسى المهدي منذ عا م (١٨٧١ م). وهو أول من جمع بين الإفتاء ومشيخة الأزهر، ونال احترام الخديو إسماعيل، الذى كان يرجع إلى رأيه فى كل ما له علاقة بالشريعة الإسلامية. وقد بدأ على يده إصلاح نظام التعليم بالأزهر، فقد أنشأ نظاما للامتحان لتخريج العلماء والمدرسين فى سنة (١٨٧٢ م)، وألّف لهذا الغرض لجنة برياسته من ستة من كبار العلماء، اثنان منهم من الشافعية، وهما: الشيخ خليفة الصفتى، والشيخ أحمد شرف الدين المرصفى؛ واثنان من المالكية وهما: الشيخ أحمد الرفاعى، والشيخ أحمد الجيزاوى، واثنان من الحنفية وهما: الشيخ عبد الرحمن البحراوى، والشيخ عبد القادر الرافعي. وكانت مهمة هذه اللجنة امتحان المرشحين للعالمية فى مختلف العلوم المقررة، وإعطاء الناجحين منهم إجازة العالمية. بعد أن توفى الخديو توفيق، وجلس عباس حلمى الثانى على كرسى الخديوية فى عام (١٨٩٢ م) , وكان متبرما ضجراً من الإِنجليز، اتصل به الشيخ محمد عبده، وكان -بحكم تربيته فى الأزهر- يعرف أهميته الإسلامية العالمية، وكان أدرى الناس بمواطن الخلل فيه، فسعى إلى إصلاحه. وقد قال مرة لصديقه وتلميذه الشيخ محمد رشيد رضا: "إن إصلاح الأزهر أعظم خدمة للإسلام؛ فإن إصلاحه إصلاح لجميع المسلمين، وفساده فساد لهم، وإن أمامه عقبات وصعوبات من غفلة المشايخ ورسوخ العادات القديمة عندهم، وإن هذا الإصلاح لا يتم إلا فى زمن طويل، وإنه على الرغم من أن الإصلاح بدأ فى عصر إسماعيل، إلا أنه لم يحصل شئ يذكر حتى الآن, وإنه لا أمل فى خدمة الإسلام عن طريق السياسة دون التربية التى توحد قوى الأمة".
اتصل الإمام محمد عبده بالخديو الجديد، وأراد أن يعرض عليه خطة لإصلاح الأزهر. وكانت خطة الإمام
стр. 644
تتلخص فى إنشاء قانون تمهيدى للإصلاح، يديره مجلس مؤلف من كبار علماء المذاهب الأربعة فى الأزهر (الشافعى والحنفي والمالكى والحنبلى)، ينتخبون انتخابا، على أن ينضم إليهم الإمام هو وصديقه الشيخ عبد الكريم سلمان، على إنهما من قبل الحكومة، ولا دخل لشيخ الأزهر، ولا للمجلس المرتقب فى انتخابهما, ولا فى استبدال غيرهما بهما. وكان محمد عبده يحب أن يجرى الإصلاح فى الأزهر باقتناع كبار شيوخه، ورضا أهله، لكي يتم الإصلاح دون معارضة وإثارة للحساسيات التى عطلت الإصلاح بالأزهر زمنًا طويلاً.
وكان على رأس الأزهر يومئذ الشيخ محمد الإنبابى، شيخ الأزهر، وكان مريضًا، وقد كثرت شكوى الأزهريين من سوء إدارته لشئون الأزهر، ورفعوا العرائض إلى الخديو، مفعمة بأن شيخهم عاجز عن إدارة شئونه، وغير ذلك من الطعن، وطلبوا تغيير الأوضاع، فعينت الحكومة الشيخ حسونة النواوى وكيلاً للأزهر فى ٧ من جمادى الآخرة سنة ١٣١٢ هـ بعد أن أخذت عليه العهد بإقامة النظام الجديد، والاتفاق مع الشيخ محمد عبده على الإصلاح.
وصدر الأمر العالى بتشكيل مجلس إدارة الأزهر فى ٦ من رجب ١٣١٢ هـ, وبدأت الهيئة الجديدة تعمل جاهدة فى الإصلاح المرتقب، وأهمل أمر شيخ الأزهر، الشيخ الإنبابى، فسعى العقلاء إليه لإقناعه بالاستقالة، فاستقال، بعد أن ظل متشبثا بها نحو ستة أشهر من إنشاء مجلس إدارة الأزهر. وكان مجلس إدارة الأزهر بداية عهد جديد. وقد حفلت مدة عضوية الإمام محمد عبده وصديقه عبد الكريم سلمان بإنجازات كثيرة، كان على رأسها وضع أول قانون لمرتبات علماء الأزهر. ثم وضع نظام للتدريس والامتحان بالأزهر، وبيان علوم الوسائل وعلوم المقاصد. وقد عكف الإمام محمد عبده على وضع هذا النظام. وكان مجلس إدارة الأزهر يتكون من الشيخ حسونة النواوى رئيسا، والشيخ سليم البشرى المالكى، والشيخ عبد الرحمن الشربينى الشافعى، والشيخ يوسف الحنبلى. ولم يحضر الشيخ عبد الرحمن الشوبينى
стр. 645
لأنه عارض الإصلاح؛ وكان قد استقال قبل شروع المجلس فى عمله، ولم يقبل بعد ذلك عملَا فى إدارة الأزهر إلا بعد إجماع النية على إقصاء الشيخ محمد عبده من مجلس الإدارة، والعودة بالأزهر إلى منهجه القديم. وقد اختاره الخديو لمشيخة الأزهر، وانتصر أنصار القديم، وعملوا على إثارة الشغب بين طلاب الأزهر عندما أشاعوا بينهم أن التطوير الحديث مخالف لأعراف الأزهر، وصوروا العلوم الحديثة التى أدخلها الشيخ محمد عبده إلى الأزهر فى صورة الجناية على الدين. ويذكر بعضهم أن الخديو عباس، الذى شجع الإمام على فكرة تطوير الأزهر، هو الذى عاد فانقلب عليه، وشجع عليه خصومه فى الأزهر. وقال الخديو فى الاحتفال بخلع الكسوة على الشيخ عبد الرحمن الشربينى، شيخ الأزهر الجديد: "إن الجامع الأزهر قد أسس وشيد على أن يكون مدرسة دينية إسلامية .. فلا يشتغل علماؤه وطلبته إلا بتلقى العلوم الدينية النافعة، البعيدة عن زيغ العقائد، وشغب الأفكار, لأنه هو مدرسة دينية قبل كل شئ".
وخرج الشيخ محمد عبده من منصب الإفتاء، ومنصب إدارة الأزهر، وصدرت المراسيم بعد خروجه باختيار شيخين من الحزب المناوئ القديم لأكبر المناصب الدينية فى مصر، وهما منصب الإفتاء، ومنصب مشيخة الأزهر، فعين الشيخ عبد القادر الرافعي مفتياً للديار المصرية، وعين الشيخ عبد الرحمن الشربينى شيخًا للجامع الأزهر. وقد صرح شيخ الأزهر الجديد برأيه فى إصلاح الأزهر فى حديث نشرته صحيفة" الجوائب المصرية" فقال: "إن غرض السلف من تأسيس الأزهر إقامة بيت لله، يعبد فيه، ويؤخذ فيه شرعه، ويؤخذ الدين كما تركه لنا الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم. وأما الخدمة التى قام بها الأزهر للدين، ولا يزال يؤديها، فهى حفظ الدين لا غير، وما سوى ذلك من أمور الدنيا وعلوم الأعصر فلا علاقة للأزهر به، ولا ينبغى له".
ولا شك أن مجلس إدارة الأزهر قام بإنجازات كثيرة فى أثناء عضوية الشيخ محمد عبده؛ ففضلاً على أنه وضع أول قانون لمرتبات علماء الأزهر،
стр. 646
وضع لائحة جديدة لترتيب درجات المدرسين، وأخرى للنظام الإدارى للأزهر والجامع الأحمدى بطنطا، وأعد مناهج مناسبة للتدريس لطلبة زاوية العميان بالأزهر. وأهم من ذلك أنه وضع قانوناً لتطوير نظام الامتحان بالأزهر؛ وصدر الأمر بذلك فى سنة ١٣١٤ هـ, وقد جاء فى الباب الرابع من هذا القانون أن الامتحان ينقسم إلى قسمين: امتحان شهادة الأهلية، وامتحان شهادة العالمية.
فأما امتحان شهادة الأهلية فيكون لمن قضى ثماني سنوات فأكثر، ودرس ثمانية علوم من العلوم الأزهرية على الأقل. وتؤلف لجنة الامتحان له من ثلاثة من العلماء برئاسة شيخ الأزهر.
وأما امتحان شهادة العالمية فيكون لمن قضى فى الأزهر اثنتى عشرة سنة فأكثر، وتلقى علوم التوحيد والأخلاق والفقه وأصول الفقه والتفسير والحديث والنحو والصرف والمعانى والبيان والبديع والمنطق ومصطلح الحديث والحساب والجبر والعروض والقافية. وتؤلف لجنة الامتحان من ستة من علماء الأزهر، وتكون درجات العالمية ثلاثًا: أولى وثانية وثالثة.
ومن ينجح فى امتحان شهادة الأهلية يكون له الحق فى وظائف الإمامة والخطابة وتدريس الوعظ بالمساجد؛ ومن ينجح فى امتحان شهادة العالمية يكون له الحق فى التدريس بالأزهر وفى الوظائف العالية.
وهذا القانون الذى أصدره مجلس إدارة الأزهر، والذى وضعه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده؛ قد دفع طلاب العلم إلى الاجتهاد، وانتظم تقدمهم لطلب الامتحان، ولم يفضل أحد على أحد. وبذلك بدأ الأزهر يسرع الخطى نحو التطوير.
القانون رقم (١٠) لسنة ١٩١١:
انفرط عقد النظام الذى وضعه الشيخ محمد عبده بخروجه من مجلس إدارة الأزهر، ثم وفاته فى سنة (١٩٠٥ م)؛ فجدت بعد ذلك أحداث وفتن، وحاولت الحكومة إنشاء مدرسة للقضاء الشرعي بعيداً عن الأزهر؛ وصدر بها قانون فى سنة ١٩٠٧ م. وشعر الأزهريون بأن الحكومة أصبح
стр. 647
لها مدرسة لتخريج معلمى العربية هى دار العلوم، ومدرسة لتخريج القضاة. وخاف القائمون على الأزهر من تقلص ظله، ومن عدم إقبال الناس عليه، حيث لم يبق بعد ذلك للعلماء إلا وظائف الإمامة والخطابة فى المساجد؛ ففكروا فى إعادة تنظيم الأزهر لإدخال مواد أكثر ومناهج أطول، وانتهى الأمر بهم إلى وضع القانون رقم ١٠ لسنة ١٩١١ م.
وهذا القانون من أهم قوانين الأزهر؛ حيث تناول الدراسة وجعلها مراحل، وجعل لكل مرحلة نظاما وعلوما، وزاد فى مواد الدراسة، وحدد اختصاص شيخ الأزهر، وأنشأ هيئة تشرف على الأزهر تحت رئاسة شيخه، تسمى (مجلس الأزهر الأعلى)، وأوجد هيئة كبار العلماء؛ وجعل لها نظاما خاصاً؛ ونص على أن يكون لكل مذهب من المذاهب الأربعة التى تدرس فى الأزهر شيخ، وبكل معهد من المعاهد مجلس إدارة؛ وجعل للموظفين نظاما فى التعيين والترقية والتأديب والإجازات، وللطلاب شروطا فى القبول، وحدوداً للعقوبات والمسامحات؛ ونظم
الامتحانات والشهادات.
ولعل أهم حسنات هذا النظام الجديد هو إنشاء هيئة كبار العلماء. وكان المقصود من إنشائها أن يتفرغ أعضاؤها لدراسة أمهات الكتب فى العلوم القديمة، فتأخذ فى دراستها بالطريقة القديمة فى التدريس، ولا تتقيد بشىئ مما تتقيد به فى النظام الحديث. وقد كلف كل عالم من هذه الهيئة بتدريس العلم الذى يرى أنه أكمل فيه من غيره، على أن يلقى فيه ثلاثة دروس على الأقل فى كل أسبوع، وأن يكون درسه فى وقت يمكن أن يحضر فيه عدد كبير من العلماء، ليعرفوا الطريقة الأزهرية القديمة فى التدريس، بعد أن كاد النظام الحديث ينسيهم لها بما اختصره فيها.
وكان المجلس الأعلى للأزهر برئاسة الشيخ سليم البشرى، شيخ الأزهر.
وقد زاد الإقبال على الأزهر بعد قانون ١٩١١ م، وأنشئت معاهد أخرى فى عواصم المديريات، حتى صار عدد الطلاب فى سنة (١٩١٧ م) أكثر من
стр. 648
عشرين ألفاً. ويذكر الشيخ محمود أبو العيون فوائد هذا النظام فيقول: "وهذا القانون لم يخل من الفائدة؛ لأن تعلم التاريخ والجغرافيا والرياضة ومبادئ الطبيعة والكيمياء قرب طلبة الأزهر من تلاميذ المعاهد الأخرى، وغير عقليتهم، ووسع أفقهم؛ وإدخال المطالعة والمحفوظات والإنشاء أوجد من أهل الأزهر عدداً كبيراً من الكتاب والشعراء، ومكن لهم من القدرة على الخطابة والوعظ.
غير أن الأزهر كثرت به الشكوى بعد ذلك من مسألة استهانة المعاهد بالامتحان الشفوى، واعتماد الطلبة على الحفظ والاستظهار، وجدت الحاجة لإدخال بعض التعديلات عليه.
القانون رقم ٤٩ لسنة ١٩٣٠:
وضع هذا القانون الشيخ محمد الأحمدى الظواهرى، الذى تولى مشيخة الأزهر فى أكتوبر سنة ١٩٢٩ م, ووكل إليه النظر فى مشروع قانون للجامع الأزهر والمعاهد الدينية، فوضعه؛ وأنشئت بمقتضى هذا القانون الكليات الأزهرية الثلاث، وهى كليات الشريعة، وأصول الدين، واللغة العربية. وقد نص القانون على جواز إنشاء كليات أخرى، وأن التعليم فى الأزهر ينقسم إلى أربعة أقسام: ابتدائى، ومدته أربع سنوات؛ وثانوى، ومدته خمس سنوات؛ وعال، وهو بالكليات الثلاث، ومدته أربع سنوات. وقد توسع الأزهر -بناء على هذا القانون- فى دراسة العلوم الحديثة كالحساب والهندسة والجبر والطبيعة والكيمياء والتاريخ الطبيعى والمنطق والتاريخ والجغرافيا والأخلاق والتربية الوطنية.
ومع أن هذا القانون خطا بالأزهر خطوات سريعة نحو النظام الجامعي الحديث، وجه إليه كثير من النقد؛ لأنه قسم الثقافة الإسلامية تقسيما عجيبا؛ فإن الشريعة لا تستغنى عن الكتاب والسنة؛ لأنها قائمة عليهما؛ والقرآن وعلومه، والسنة وعلومها لابد لفقههما من اللغة العربية لسانًا وأدباً وتاريخاً، والكتاب والسنة لا يستغنيان عن اللغة العربية لسانًا وأدباً، لتوقف فهمهما على معرفة اللغة، وإدراك خصائصها وأسرارها. وبعبارة أخرى فقد فَصَلت الدراسة فى الكليات الجديدة بين علوم
стр. 649
الوسائل التى يحتاج إليها المبتدئ فى الأزهر، وعلوم المقاصد التى يصل إليها بعد تحصيله لعلوم الوسائل.
القانون رقم ٢٦ لسنة ١٩٣٦:
جعل هذا القانون التعليم فى الأزهر أربعة أقسام:
١ - القسم الابتدائى، ومدته أربع سنوات، ويدرس فيه الطالب العلوم الدينية واللغوية، وعلوم التاريخ والجغرافيا والرياضيات والصحة والرسم والخط.
٢ - القسم الثانوى، ومدته خمس سنوات، ويدرس فيه الطالب العلوم الدينية واللغوية، والمنطق وأدب البحث، والطبيعة والكيمياء والأحياء والتاريخ والجغرافيا.
٣ - القسم العالي فى ثلاث كليات، ومدة الدراسة بها أربع سنوات:
(أ) كلية الشريعة، وتدرس بها علوم الشريعة.
(ب) كلية أصول الدين، وتدرس بها علوم القرآن والتفسير والحديث والتوحيد والفلسفة والأخلاق والتاريخ الإسلامى.
(جـ) كلية اللغة العربية، وتدرس بها علوم اللغة العربية والفلسفة والاجتماع.
وتمنح هذه الكليات الثلاث خريجيها الشهادة العالية.
٤ - الدراسات العليا للحصول على شهادة العالمية من هذه الكليات الثلاث فى تخصصاتها المختلفة، وهى على درجتين:
(أ) شهادة العالمية مع الإجازة فى التدريس أو القضاء أو الدعوة والإرشاد، وتعادل الماجستير.
(ب) شهادة العالمية مع لقب أستاذ، وهى تؤهل الحاصلين عليها للقيام بالتدريس فى الكليات وفى أقسام التخصص، وتعادل الدكتوراة.
مرحلة التطوير
فى الثانى عشر من المحرم سنة ١٣٨١ هـ الموافق الخامس من يوليو سنة ١٩٦١ م أصدرت الحكومة القانون رقم ١٠٣ لسنة ١٩٦١ م بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التى يشملها؛ وعرف هذا القانون باسم (قانون التطوير). وقد نص فى الباب الأول
стр. 650
منه، وفى مادته الثانية، على أن "الأزهر هو الهيئة العلمية الإسلامية الكبرى؛ التى تقوم على حفظ التراث الإسلامى ودراسته وتجليته ونشره، وتحمل أمانة الرسالة الإسلامية إلى كل الشعوب، وتعمل على إظهار حقيقة الإسلام وأثره فى تقدم البشر، ورقى الحضارة، وكفالة الأمن والطمانينة وراحة النفس لكل الناس فى الدنيا والآخرة؛ كما تهتم ببعث الحضارة العربية والتراث العلمى والفكرى للأمة العربية، وإظهار أثر العرب فى تطور الإنسانية وتقدمها؛ وتعمل على رقى الآداب وتقدم العلوم والفنون وخدمة المجتمع والأهداف القومية والإنسانية والقيم الروحية، وتزويد العالم الإسلامى والوطن العربى بالمختصين وأصحاب الرأي فيما يتصل بالشريعة الإسلامية والثقافة الدينية والعربية ولغة القرآن، وتخريج علماء عاملين متفقهين فى الدين يجمعون -إلى الإيمان بالله والثقة بالنفس وقوة الروح- كفاية علمية وعملية ومهنية، لتأكيد الصلة بين الدين والحياة، والربط بين العقيدة والسلوك، وتأهيل عالم الدين للمشاركة فى كل أسباب النشاط والإنتاج والريادة والقدوة الطيبة، وعالم الدنيا للمشاركة فى الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ كما تهتم بتوثيق الروابط الثقافية والعلمية مع الجامعات والهيئات العلمية الإسلامية والعربية والأجنبية. ومقره القاهرة؛ ويتبع رياسة الجمهورية".
وفى بقية المواد ينص القانون على أن "شيخ الأزهر هو الإمام الأكبر، وصاحب الرأي فى كل ما يتصل بالشئون الدينية والمشتغلين بالقرآن وعلوم الإسلام؛ وله الرياسة والتوجيه فى كل ما يتصل بالدراسات الإسلامية فى الأزهر وهيئاته، ويرأس المجلس الأعلى للأزهر".
وينص القانون كذلك على أن "يختار شيخ الأزهر من بين هيئة مجمع البحوث الإسلامية، أو ممن تتوافر فيهم الصفات المشروطة فى أعضاء هذه الهيئة؛ ويعين بقرار من رئيس الجمهورية، فإن لم يكن قبل هذا التعيين عضوا فى تلك الهيئة، صار بمقتضى هذا التعيين عضوا فيها".
стр. 651
وكذلك نص القانون على أن يكون للأزهر وكيل يُختار بذات الطريقة والنظام والشروط التى يختار بها شيخ الأزهر؛ ويقوم مقامه عند غيابه.
وهيئات الأزهر القائمة هى: المجلس الأعلى للأزهر، ومجمع البحوث الإسلامية، وجامعة الأزهر، والمعاهد الأزهرية.
ويكون للمجلس الأعلى للأزهر -طبقا لهذا القانون، وطبقا للائحة التنفيذية للقانون، الصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم ٢٥٠ لسنة ١٩٧٥ م، فى شئون العلم والتعليم- اختصاص التخطيط، ورسم السياسة العامة لكل ما يحقق الأغراض التى يقوم عليها الأزهر، ويعمل لها، فى خدمة الفكرة الإسلامية الشاملة، ورسم السياسة التعليمية التى تسير عليها جامعة الأزهر، والمعاهد الأزهرية، والأقسام التعليمية، فى كل ما يتصل بالدراسات الإسلامية والعربية، واقتراح المواد والمقررات التى تدرس لتحقيق أغراض الأزهر، واقتراح إنشاء الكليات والمعاهد
الأزهرية، والأقسام التعليمية.
ويكون لمجمع البحوث الإسلامية البحث العميق الواسع فى الفروع المختلفة للدراسات الإسلامية، والعمل على تجديد الثقافة الإسلامية، وتجريدها من الفضول والشوائب وآثار التعصب السياسى والمذهبى، وتجليتها فى جوهرها الأصيل الخالص، وتوسيع نطاق العلم بها لكل مستوى وفى كل بيئة، وتحقيق التراث الإسلامى ونشره، وبيان الرأى فيما يجد من مشكلات مذهبية أو اجتماعية تتعلق بالعقيدة، وحمل تبعة الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ومعاونة جامعة الأزهر فى توجيه الدراسات الإسلامية فى مرحلة الدراسات العليا والإشراف عليها والمشاركة فى امتحاناتها، ورسم نظام بعوث الأزهر إلى العالم، والبعوث الوافدة من العالم إليه.
ويكون لجامعة الأزهر اختصاص "بكل ما يتعلق بالتعليم العالي فى الأزهر، وبالبحوث التى تتصل بهذا التعليم أو تترتب عليه، وتقوم على حفظ التراث الإسلامى ودراسته وتجليته ونشره، وتؤدى رسالة الإسلام إلى
стр. 652
الناس، وتعمل على إظهار حقيقته وأثره فى تقدم البشر، وكفاله السعادة لهم فى الدنيا وفى الآخرة. كما تهتم ببعث الحضارة العربية والتراث العلمى والفكرى والروحى للأمة العربية، وتعمل على تزويد العالم الإسلامى والوطن العربى بالعلماء العاملين الذين يجمعون إلى الإيمان بالله والثقة بالنفس وقوة الروح والتفقه فى العقيدة والشريعة ولغة القرآن - كفاية علمية وعملية ومهنية، لتأكيد الصلة بين الدين والحياة، والربط بين العقيدة والسلوك، وتأهيل عالم الدين للمشاركة فى كل
أنواع النشاط والإنتاج والريادة والقدوة الطيبة، وعالم الدنيا للمشاركة فى الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فى داخل الجمهورية العربية المتحدة وخارجها، من ابناء الجمهورية وغيرهم؛ كما تعنى بتوثيق الروابط الثقافية والعلمية مع الجامعات والهيئات العلمية الإسلامية والعربية والأجنبية".
وتقوم المعاهد الأزهرية على "تزويد تلاميذها بالقدر الكافي من الثقافة الإسلامية، وإلى جانبها المعارف والخبرات التى يتزود بها نظراؤهم فى المدارس الأخرى المماثلة، ليخرجوا إلى الحياة مزودين بوسائلها؛ وإعدادهم الإعداد الكامل للدخول فى كليات جامعة الأزهر، ولتتهيأ لهم جميعاً فرص متكافئة فى مجال العمل والإنتاج، كما تتهيأ لهم الفرص المتكافئة للدخول فى كليات الجامعات المصرية الأخرى، وسائر الكليات ومعاهد التعليم العالى بمصر".
وقد سجلت المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون أن الأزهر قام بدور عظيم فى تاريخ العلم والإِسلام، ووقف قلعة شامخة فى وجه كل المحاولات الاستعبادية والاستعمارية، وأن التقاليد العلمية فى الأزهر كانت أساساً للنظام الجامعى والتقاليد الجامعية فى كل بلاد الدنيا.
ولما كان العصر الحاضر بحاجة إلى التركيز على مجالات التخطيط للبناء والعمل والإنتاج والنهوض فى الأطر التطبيقية، وجب النظر إلى تخريج مواطنين فى الأزهر يملكون -مع الخبرة- معارف دينية صحيحة،
стр. 653
وعقيدة واعية، سواء منهم المصريون والوافدون على الأزهر للتزود بالعلم فى أروقته ومعاهده. لهذا وجب أن ينهض الأزهر بهذا العبء، على أساس المبادئ الآتية:
أولًا: أن يبقى الأزهر وأن يُدْعمَ، ليظل أكبر جامعة إسلامية، وأقدم جامعة فى الشرق والغرب.
ثانيًا: أن يظل -كما كان من أكثر من ألف سنة- حصناً للدين والعروبة، يرتقي به الإسلام ويتجدد ويتجلى فى جوهره الأصيل، ويتسع نطاق العلم به فى كل مستوى وفى كل بيئة، ويُذادُ عنه كل ما يشوبه، وكل ما يُرْمىَ به.
ثالثا: أن يخرج علماء قد حصلوا كل ما يمكن تحصيله من علوم الدين، وتهيئوا بكل ما يمكن من أسباب العلم والخبرة للعمل والإنتاج فى كل مجال من مجالات العمل والإنتاج؛ فلا تكون كل حرفتهم أو كل بضاعتهم هى الدين.
رابعاً: أن تتحطم الحواجز والسدود بينه وبين الجامعات ومعاهد الْتعليم الأخرى، وتزول الفوارق بين خريجيه وسائر الخريجين فى كل مستوى، وتتكافأ فرصهم جميعًا فى مجالات العلم ومجالات العمل.
خامساً: أن يتحقق قدر مشترك من المعرفة والخبرة بين المتعلمين فى جامعة الأزهر والمعاهد الأزهرية وسائر المتعلمين فى الجامعات والمدارس الأخرى- مع الحرص على الدراسات الدينية والعربية التى يمتاز بها الأزهر منذ كان- لتتحقق لخريجى الأزهر الحديث وحدة فكرية ونفسية بين أبناء الوطن، ويتحقق بهم للوطن وللعالم الإسلامى نوع من الخريجين، مؤهل للقيادة فى كل مجال من المجالات الروحية والعلمية.
سادساً: أن توحد الشهادات الدراسية والجامعية فى كل الجامعات ومعاهد التعليم.
هذه الأسس كلها كانت -وما زالت- موضوعة فى أيد أمينة قادرة على تحويلها إلى واقع، وإن اختلفت الاجتهادات والتطبيقات فى مدى هذا الأمر الواقع وجدواه، والوصول به إلى نهايته. ولعل فيما ألفَه الأزهر
стр. 654
والأزهريون من نوع ما من أنواع العزلة فيما مضى مؤشرا على التزام الأزهر بالمحافظة؛ وهو التزام اضطرته إليه المواقف الدفاعية فيما مضى عبر القرون، ولا نجد له وجهاً وجيهاً فى عصرنا هذا، الذى يعد بحق عصر الإنطلاق.
وأياً كان الأمر فقد أسفر التطبيق منذ صدر القانون فى سنة ١٩٦١ م، حتى سنة ١٩٨٣ م - عن عدة أمور فى الإطار العلمى التعليمى:
أولاً: فى جامعة الأزهر:
وصل عدد الكليات المفتوحة للدراسة أربع وثلاثين كلية:
أربع كليات للشريعة والقانون فى القاهرة وأسيوط وطنطا ودمنهور.
ست كليات لأصول الدين والدعوة الإسلامية؛ كليتان فى القاهرة، وكلية واحدة فى كل من أسيوط وطنطا والمنصورة وشبين الكوم.
ست كليات للغة العربية فى القاهرة وأسيوط والزقازيق والمنصورة وشبين الكوم ودمنهور.
كلية للدراسات الإسلامية والعربية للبنين فى القاهرة.
كلية للبنات فى اسيوط.
ثلاث كليات للدراسات الإسلامية والعربية للبنات فى القاهرة والإسكندرية وسوهاج.
كليتان للتجارة بالقاهرة، إحداهما للبنين والأخرى للبنات.
كليتان للعلوم بالقاهرة، إحداهما للبنين والأخرى للبنات.
كليتان للطب (البشرى) بالقاهرة، إحداهما للبنين والأخرى للبنات.
كلية للصيدلة للبنين بالقاهرة.
كلية لطب الأسنان للبنين بالقاهرة.
كلية للدراسات الإنسانية للبنات بالقاهرة.
كلية للزراعة للبنين بالقاهرة.
كلية للهندسة للبنين بالقاهرة.
كلية للغات والترجمة للبنين بالقاهرة.
كلية للتربية للبنين بالقاهرة.
وصدرت قرارات جمهورية بإنشاء كلية للتربية فى شبين الكوم -وأربع
стр. 655
كليات للعلوم والطب وطب الأسنان والصيدلة فى أسيوط، وتتهيأ لافتتاحها بإعداد هيئة التدريس والأبنية حسب الخطة العلمية للإنشاء.
ومجموع هذه الكليات تسع وثلاثون كلية.
وفى كليات الشريعة يكون التخصص فى الفقه المذهبى، والفقه المقارن، والسياسة الشرعية، وأصول الفقه.
وفى كليات أصول الدين والدعوة يكون التخصص فى العلوم القرآنية، وعلوم السنة، والدعوة الإسلامية، والعقيدة.
وفى كليات اللغة العربية يكون التخصص فى اللغويات العربية، وأصول اللغة، والأدب، والنقد الأدبى، والبلاغة، والتاريخ، والحضارة الإسلامية، والصحافة والإعلام.
وفى كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين يكون التخصص فى علوم الفقه، وعلوم الأصول، وعلوم اللغة العربية. وهذه الكلية مقرها مسجد الجامع الأزهر، وتعد استمراراً لحلقات الدراسة التى عرفها الأزهر منذ إنشائه.
وكلية البنات باسيوط، وكليات الدراسات الإسلامية والعربية للبنات، فى كل منها شعبة للدراسات الإسلامية (بفروعها)، وأُخرى للدراسات العربية (بفروعها). وينتظر أن تنمو كلية البنات بأسيوط لتشتمل على فروع أخرى، كالطب والتجارة والعلوم الأساسية واللغات وغيرها.
والتخصص فى كليات التجارة فى المحاسبة، وإدارة الأَعمال، والإحصاء.
وفى كليات العلوم، فى الفيزياء، والكيمياء، والأحياء، والجيولوجيا، والنبات، وعلم الحيوان، والرياضيات .. إلخ.
وفى كلية الزراعة أقسام للعلوم الزراعية المرتبطة بالأرض والمحاصيل والبساتين والإنتاج الزراعى.
وفى كلية الهندسة أقسام للهندسة المدنية والعمارة والميكانيكية والكهربية والألكترونية .. إلخ.
وفى كلية اللغات والترجمة أقسام للغات غير العربية، مثل الإنجليزية,
стр. 656
والفرنسية، والألمانية، والأسبانية، والتركية، والعبرية، والفارسية، والأردية، واللغات الإفريقية.
وتضم كلية التربية أقسامًا تعليمية فى اللغة العربية، والدين الإسلامى، والمواد إلاجتماعية، والرياضية، والعلمية، بالإضافة إلى الأقسام التربوية فى التخطيط، والإدارة، والمناهج، وتعليم الكبار، وعلم النفس.
ولقد سارت الكليات الإسلامية على منهج الكليات فى الأزهر القديم، مع إضافات اقتضاها التطوير، لتزويد عالم الدين بالخبرة والمعرفة التى تمكنه من المشاركة فى نهضة المجتمع. أما الكليات التى استحدثت فإنها تسير على منهج الكليات المناظرة فى الجامعات المدنية، مع تحصيل قدر من علوم الدين فى الفقه والتفسير والحديث والتاريخ؛ وحفظ قدر من القرآن الكريم؛ وهذا من شأنه أن يؤهل الطالب للسلوك الأمثل، والقدوة الطيبة، فى المجتمع الذى يعمل به.
والإِسلام فى أساسه لا يفرق بين علم الدين وعلم الدنيا, لأنه دين اجتماعى بطبيعته، ينظم حياة الدنيا وحياة الآخرة، ويفرض على كل مسلم أن يتعلم، وأن يبتغى فيما آتاه الله الدار الآخرة، ولا ينسى نصيبه من الدنيا، ويكون محسنًا كما أحسن الله إليه. ومن أَجل هذا ازداد حرص المؤسسات التجارية والمالية والإدارية والصناعية وغيرها فى مصر وخارج مصر على الاستفادة من هؤلاء الخريجين.
ثانياً: المعاهد الأزهرية:
كانت هذه المعاهد قبل صدور قانون التطوير تسمى (المعاهد الدينية العلمية الإسلامية)، وكانت تنقسم إلى أقسام ابتدائية وثانوية، ومدة الدراسة فى الأقسام الابتدائية أربع سنوات، وفى الأقسام الثانوية خمس سنوات، والدراسة فى كل منهما دراسة عامة شاملة علوم الدين وعلوم الحياة الدنيا بقدر مقبول وذى جدوى وفائدة ملموسة. وكان الطلاب يلتحقون بالأقسام الابتدائية من سن الثانية عشرة، بعد أنا يجتازوا امتحانا فى حفظ القرآن الكريم كله، والكتابة والخط والإملاء والحساب.
стр. 657
فلما صدر القانون سمى الأقسام الابتدائية معاهد إعدادية، والأقسام الثانوية معاهد ثانوية، وأطلق اسم المعاهد أو المدارس) الابتدائية على الكتاتيب ومدارس تحفيظ القرآن الكريم المنتشرة فى أرجاء مصر، على أن يتولاها الأزهر، ويشرف عليها إشرافاً فنياً، للنهوض بحفظ القرآن الكريم.
وبقيت الدراسة فى المعاهد الأزهرية الإعدادية لمدة أربع سنوات، حتى تم تعديلها إلى ثلاث سنوات، رعاية للمناظرة بينها وبين مدارس وزارة التربية والتعليم. وتدرس هذه المعاهد مواد (الفقه - التوحيد - التفسير - الإنشاء والمطالعة والنصوص - النحو والصرف - السيرة - الخط والإملاء - تجويد القرآن الكريم وتسميعه - اللغة الأجنبية - التاريخ - الجغرافيا - الرياضيات - العلوم العامة والصحة - التربية الفنية - التربية الرياضية - الأشغال اليدوية للبنين - العلوم العملية للبنات).
وفى المعاهد الأزهرية الثانوية ظلت مدة الدراسة خمس سنوات حتى تم تخفيضها إلى أربع سنوات, لأن الطلاب مكلفون - بالإضافة إلى مقرراتهم الأصلية - مقررات مدارس وزارة التربية والتعليم. ومواد الدراسة هى (الفقه - التفسير - الحديث - التوحيد - النحو والصرف - البلاغة - الإنشاء - أدب اللغة - العروض - المطالعة - المنطق - استذكار القرآن الكريم - اللغة الأجنبية - المجتمع - التاريخ - الجغرافية - الجيولوجيا - الفلسفة - الرياضيات - الطبيعة - الكيمياء - علم الأحياء - التربية الفنية - الدراسات العملية - التربية الرياضية).
هذا هو التعليم الثانوى العام؛ وينقسم إلى قسم أدبى وقسم علمى من أول لحظة الالتحاق بالمعهد. ويتشعب القسم العلمى فى السنة الثانية إلى شعبة للعلوم، وأخرى للرياضيات؛ وهو نظام سبقت بتطبيقه إدارة المعاهد الأزهرية.
وإلى جانب هذا التعليم العام يوجد التعليم النوعى فى معاهد لتأهيل المعلمين للمرحلة الأولى، وفى معاهد للقراءات تعد حفظة القرآن لإجادة أدائه،
стр. 658
وتعلم أحكامه، ووجوه القراءات. وتمنح هذه المعاهد شهادات فى التجويد والقراءات والتخصص. وتسمح اللائحة بإنشاء معاهد فنية: تجارية وصناعية وزراعية وغيرها. ولا يزال أمر إنشائها قيد البحث، نظراً لما تحتاج إليه هذه المعاهد الفنية من إمكانات خاصة، وتجهيزات ذات مستوى مكلف.
وللفتاة نصيب غير قليل من هذا كله.
وبلغت جملة المعاهد الأزهرية فى مصر -حسب آخر إحصاء- أكثر من ألف ومائتى معهد، يزيد عدد طلابها على ثلثمائة ألف طالب وطالبة.
وهذا بخلاف أكثر من ألفى كتاب فى أنحاء مصر المختلفة.
يستقبل الأزهر كل عام أعداداً وفيرة من الطلاب الوافدين من مختلف أنحاء العالم، على منح وعلى غير منح؛ وهؤلاء يلحقون بالمعاهد السالفة. وقد أنشئ لهم أيضا (معهد البعوث الإسلامية) بالقاهرة من قسمين: إعدادى وثانوى، وتقرر فى عام (١٩٨٣ م) إنشاء معهد آخر للبعوث الإسلامية فى مدينة الإسكندرية، لمواجهة التزايد فى عدد هؤلاء الطلاب.
وتقوم مدينة البعوث الإسلامية بإيواء هؤلاء الطلاب ورعايتهم ثقافياً واجتماعياً ورياضياً. وليس من باب المبالغة القول بأن هذه المدينة تعد بمثابة هيئة أمم طلابية لمختلف الجنسيات.
وتقع مدينة البعوث الإسلامية بالقاهرة فى حى العباسية، على مساحة ثلاثين فداناً (١٢٦ ألف متر مربع)، وتضم أربعين عمارة سكنية، عدا المسجد والمكتبة والمستشفى، وقاعات الاستذكار والترفيه، والمغاسل، والملاعب، وغيرها من المرافق.
وتتسع المدينة حالياً لأكثر من أربعة آلاف طالب.
وللمدينة فرع فى الإسكندرية، يستغل فى النشاط الرياضى والاجتماعى والرحلات.
وهناك معاهد فى خارج مصر، تسير على مناهج معاهد الأزهر، ويمدها الأزهر بالكتب والبرامج، ويشرف على بعضها إشرافاً فنياً، ويدير امتحاناتها، ويمنح المؤهلات
стр. 659
لخريجيها، فى كل من: غزة بفلسطين، والصومال، ونيجيريَا، وتشاد، وتنزانيا، وزنجبار.
ثالثاً: مجمع البحوث الإسلامية:
يضم مجمع البحوث الإسلامية عدة أروقة بحثية، وإدارات تنظيمية؛ وتعمل كلها متعاونة فى سبيل الرقى بالبحث العلمى فى الدراسات الإسلامية، وتجديد الثقافة الإسلامية، وتجريدها من الفضول والشوائب، وتجليتها فى جوهرها الأصيل الخالص، وتحقيق التراث ونشره، وتوسيع نطاق العلم بالإسلام والثقافة الإسلامية.
وفى الداخل ينتشر آلاف الوعاظ فى مدن مصر وقراها للوعظ والإرشاد والإعلام الدينى فى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة. وكذلك يعير الأزهر الدول الشقيقة والمؤسسات التعليمية فى الخارج المعلمين والوعاظ، وقد بلغ عددهم -حسب آخر إحصاء- أكثر من أربعة آلاف، تشرف إدارة البعوث الإسلامية بالأزهر على اختيارهم وتأهيلهم، ليؤدوا الواجب عليهم أداء طيبًا، كما تشرف هذه الإدارة على الطلاب الوافدين، وإعداد المناهج الدراسية لهم.
وتشرف إدارة الثقافة الإسلامية بالأزهر على مراجعة المصحف الشريف، والتصريح بطبعه وتداوله، ومراجعة ترجمات معاني القرآن الكريم، وعلى فحص المصنفات الإسلامية، أو التى تتعرض للإسلام، قبل نشرها وتداولها وعرضها، كما تشرف على ترجمة المؤلفات والدراسات العبادة التى تكتب عن الإسلام باللغات الأجنبية، وعلى نشر البحوث العلمية، وبخاصة تلك التى يحققها أعضاء مجمع البحوث
الإسلامية.
وقد عني المجمع بثروة كبيرة من هذه البحوث، ومنها:
(أ) بحوث فى علوم القرآن والسنة:
- القرآن فى التربية الإسلامية، - التفسير بالرأي، - المحكم والمتشابه من القرآن، - القراءات بين حقيقة التوقيف ودعوى الاجتهاد، - جمع القرآن وثبوته بالقطع واليقين، - رسم المصاحف العثمانية، - ذكرى نزول القرآن وتحقيق
стр. 660
فى تاريخه، - مكانة السنة فى بيان الأحكام الإسلامية، - الحديث وقيمته العلمية والدينية.
(ب) بحوث فى العقيدة:
- العقيدة الإسلامية كما جاء بها القرآن الكريم، - الدين ضرورة لتقدم المجتمع، - موقف الإسلام من الفلسفة، - كيف نكافح الاغتراب والبدعة السيئة، - علاقة الإسلام بالأديان الأخرى.
(جـ) بحوث فى مجال التشريع:
- الاجتهاد: ماضيه وحاضره، - التلفيق بين أحكام المذاهب، - الذبائح التى تنحر فى موسم الحج، - الهدى وطرق انتفاع الفقراء بلحمه، - الفكر التشريعى الإسلامى واختلافه باختلاف الشرائع، - نشأة الفقه الاجتهادى وتطوره، - نظرة إلى العقوبة فى الإسلام، - التجديد والاجتهاد وما جد من تيارات فكرية معاصرة، - الاتباع والابتداع فى مقام الاستصلاح والاستحسان، - الولاية المقيدة للسلطة العامة فى الإسلام.
(د) بحوث فى مجال الاقتصاد والمال:
- الملكية الفردية والملكية الخاصة وحدودهما، - الموارد المالية فى الإسلام، - المعاملات المصرفية، - طرق استثمار الأموال وموقف الإسلام منها، - الزكاة والصدقة، - الاقتصاد الإسلامى والاقتصاد المعاصر، - نحو اقتصاد إسلامى، - التكامل الاقتصادى فى الإسلام، - الأسس الاقتصادية التى تقوم عليها بعض المصارف المصرية، - حكم الربا فى نظر الشريعة الإسلامية، - شركات التأمين من وجهة نظر الشريعة الإسلامية، - حكم الشريعة الإسلامية على شهادات الاستثمار، - التأمينات، - أهمية الاقتصاد الإسلامى، - التكامل الاجتماعى فى الإسلام.
(هـ) بحوث فى العلاقات الدولية:
- العلاقات الدولية فى الإسلام، - النظرة العالمية فى الإسلام، - الإسلام والتفرقة العنصرية، - الإسلام ووحدة العرب.
(و) بحوث فى الجهاد:
- الشهيد فى الإسلام، - الإسلام والحرب النفسية، - الجهاد بالمال فى
стр. 661
نظر الإسلام، - العمل الفدائى فى نظر الإسلام، - الجهاد والاستشهاد فى سبيل الله والتولى يوم الزحف، - الجهاد، - إرادة القتال فى الجهاد، - الجهاد طريق النصر، - الجهاد فى الإسلام.
(ز) بحوث خاصة بفلسطين:
- فلسطين وإسرائيل والرد على مزاعم اليهود، - الوحدة الإسلامية، - بنو إسرائيل قبل الإسلام، - العنصرية أساس قيام إسرائيل، - محنه حقوق الإنسان فى إسرائيل، - الإسلام والمعركة مع إسرائيل، - الدين والدولة فى إسرائيل، - المسلمون ومشكلة فلسطين، - مكانة بيت المقدس فى الإسلام، - جوهر القضية الفلسطينية، - اليهود من كتابهم المقدس أعداء الحياة الإنسانية، - اليهود كما تحدث عنهم القرآن الكريم، - الإسراء وفلسطين ودولة اليهود.
(ح) بحوث فى الدعوة الإسلامية:
- العرب وإنتشار الإسلام، - الدعوة الإسلامية إلى غير الملايويين، - وظيفة المسجد فى المجتمع المعاصر، - الدعوة الإسلامية فى أفريقيا الوثنية، - الدعاية المنظمة وأثرها الفعَّال، - موقف الإسلام والمسلمين فى أوروبا فى ضوء العقيدة، - الدعوة الإسلامية وكيف نوجهها، - وحدة الثقافة الإسلامية ودور اللغة العربية.
(ط) بحوث فى الحضارة الإسلامية:
- فلسفة الحرية فى الإسلام، - نظام الحسبة، - معالم الفكر الإسلامى فى التفكير الأوروبي الحديث والمعاصر، - مقومات الحضارة الإسلامية، - أثر الحضارة الإسلامية فى رقى البشرية وسعادتها، - القرآن وتجديد المجتمع، - موقف الإسلام من الرق فى العصر الحاضر، - حقوق الإنسان بين النظرية والتطبيق فى الحضارة الإسلامية وفى حضارة الغرب، - تحديد أوائل الشهور القمرية,- المجتمع الإنسانى فى ظل الإسلام، - حقوق الإنسان فى الإسلام، رعاية الإسلام للقيم والمعانى الإنسانية الحريات والحقوق فى الإسلام - الدين الإسلامى دين الإنسانية، - الوظيفة الاجتماعية للحقوق فى الإسلام، - الإسلام والعلم,- كفاية الشريعة الإسلامية فى تثبيت التعامل واستقراره.
стр. 662
(ى) بحوث فى شئون المجتمع والتربية والأسرة والشباب:
- تنظيم الأسرة والنسل، - مكانة المرأة فى الإسلام، - تربية الشباب، - شبابنا المثقف أمام الإيمان والتدين، - التربية الخلقية للشباب، - الدين وحماية الشباب من الانحراف، - الإسلام والشباب، - التربية الخلقية والاجتماعية فى السنة النبوية، - التربية الدينية التى يحتاج إليها العالم المعاصر، - ملامح المجتمع المثالى، - الإسلام وحل مشكلات المجتمع المعاصر، - الموقف التربوى المعاصر، - ضرورة تقييد أساليب التربية بأصول الدين.
وعلى رأس هذه الجهود قام الأزهر بعمل عظيم حسبة لله تعالى. وذلك هو طبع المصحف الشريف بقراءة حفص "عن عاصم" طباعة خاصة، تلتزم بالرسم العثمانى، وتحافظ على الوقفات المنضبطة. والشكل الكامل، والسلامة المطبعية. وقد أشرف الأزهر على مصحفه بمعرفة رجال بصراء من أهل العلم والقراءات والخبرة، وصدرت منه حتى الآن ثلاث طبعات فى أحجام متنوعة لإرضاء كافة الرغبات، وزاد ما وزع منها على أنحاء العالم الإسلامى على مئات الألوف. وأنشأ الأزهر مطبعة خاصة لمصحفه هذا، زودها بالأجهزة والمعامل والأدوات والورق الممتاز؛ وكان لتبرعات كثير من أهل الخير فى داخل مصر وخارجها أثر كبير فى المضى بهذا المشروع العظيم.
وعلى قمة هذه الجهود أيضًا ما عرف باسم (تقنين الشريعة)، ونعنى بها صياغة الأحكام والقواعد والمبادئ الفقهية فى صورة مواد قانونية، مع وضع الشروح التفسيرية لها. وقد قام الأزهر بتقنين مذاهب أبى حنيفة والشافعي ومالك وأَحمد بن حنبل، كل على حدة، لتتيسر مناظرتها ومقارنة بعضها ببعض، للأخذ منها بما هو أيسر على الناس. وهذا العمل الكبير تدرسه الآن الهيئة التشريعية فى مصر، ليصدر عنها فى صورة (قوانين) يكون معمولاً بها -بإذن الله- من تاريخ صدورها، بدلاً من القوانين الوضعية، فى المعاملات التجارية، والعقوبات، والمرافعات، ونظام التقاضى، وغيرها.
стр. 663
أروقة الأزهر الشريف
من التقاليد التى اشتهر بها الأزهر إنه خصص لكل طائفة من طلابه رواقا يقيمون فيه إقامة مجانية دائمة طوال سنوات دراستهم. والرواق جناح أو عدة حجرات أو حجرة واحدة تخصص لإقامة الطلبة. وكان للطلبة المصريين القادمين من خارج القاهرة رواق خاص بهم، وللطلبة الوافدين من كل قطر من أقطار العالم الإسلامى، رواق يفرد لهم. وكانت الأروقة تنقسم قسمين رئيسيين: أروقة المصريين، وأروقة الغرباء والأخيرة هى أهم الأروقة وأكثرها عددًا وإعداداً.
وإلى جانب التقسيم الجغرافى للأروقة, كان هناك تقسيم آخر يقوم على أساس المذهب الدينى الذى يعتنقه الطالب, إذ كان بعض الواقفين يشترطون ألا تصرف إيرادات الأوقاف المرصودة لرواق معين إلا للطلبة الذين هم من أتباع مذهب معين. فمثلاً كان رواق المغاربة لا يقبل إلا الطلبة المغاربة, الذين يعتنقون المذهب المالكى.
وكانت بعض أروقة الغرباء تكتظ بالطلبة القادمين من بلاد كان السفر بينها وبين مصر مُيسراً، كالشام وشمالى أفريقية، مثل رواق الشوام ورواق المغاربة، فى حين كان عدد الطلبة قليلاً نسبياً فى أروقة أخرى نظراً لقدومهم من بلاد نائية جداً
بالنسبة لوسائل المواصلات فى ذلك الوقت؛ وكان السفر شاقاً ومكلفاً للقادمين من بلاد كالصين، والروسيا، وأفغانستان، وأندونيسيا، والملايو، والفلبين. أما أروقة المصريين فكان عدد طلبتها يختلف كثرة وقلة تبعًا لاختلاف درجة الوعى الدينى والعلمى، وتبعا لكثرة الأوقاف المحبوسة عليها، وغزارة الموارد المالية التى تدرها؛ إذ كانت بعض الأروقة تقدم الجراية فحسب، ويقدم بعضها الآخر بجانب الجراية رواتب نقدية فى أول كل شهر هجرى.
وكان لكل رواق رئيس يسمى (شيخ الرواق)، ينتمى إقليمياً إلى طلبة الرواق، وبفضل من كان مدرساً بالأزهر. وكان شيخ الرواق يرعى مصالحهم، وتخاطبه الجهات المسئولة فى شئونهم، سواء
стр. 664
شيخ الأزهر، أو ناظر الأزهر، أو شيوخ المذاهب، كشيخ الشافعية، أو شيخ المالكية. وقد يتصل به مباشرة المسئولون من خارج الأزهر. ومن هنا لطلبة الأروقة شبه حصانة تحول دون مساءلتهم إلا عن طريق شيوخ الأروقة، وكان لأى طالب أن يتصل بشيخ رواقه إذا نزل به ضيم فيذود عنه. وكان لكل رواق أوقاف، يصرف شيخ الرواق ما تغله على طلبة الرواق. وإذا كان للرواق أوقاف متعددة تدر كثيراً، كان له أن يعين جابياً لتحصيل إيرادها، وكاتباً لضبط حسابات الموارد والمصارف،
وبواباً لحراسة الرواق، حتى لا يتسلل أحد إلى أمكنة الطلبة. وكان شيخ الرواق يعين غالبًا ناظراً على أوقاف رواقه.
وكان لشيخ الرواق وكيل يسمى النقيب، يحتفظ بسجلات للرواق تضم أسماء الطلبة، واسم البلدة التى وفد منها كل طالب، وتاريخ التحاقه بالرواق، والمذهب الذى ينتمى إليه، والدراسات التى يتلقاها، واسم الشيخ الذى يدرس عليه. وكان النقيب يشرف على الجابى والكاتب، ويعد مسئولاً عن مكتبة الرواق والمطبخ وسائر مرافق الرواق.
نذكر هنا -منعا لأى التباس- أن هناك فرقًا بين الأروقة بوصفها نظاماً هندسياً معمارياً فى مبنى الجامع، والأروقة من حيث هى مساكن للطلبة. فالأروقة بمعناها الأول هى المكان المحصور بين صفين من البوائك، التى تمثل جزءًا من مبنى الجامع منذ أن بناه جوهر. وكان عددها وقتذاك أحد عشر رواقاً, ولكنها اً تستخدم مساكن للطلبة فى ذلك الوقت المبكر. وهذا هو منشأ الالتباس الذى وقع فيه بعض المؤرخين والباحثين حين ذكروا أن الأروقة، بوصفها مساكن للطلبة، كانت نظاما قديمًا عاصر الأزهر منذ إنشائه، استناداً إلى أن الخليفة العزيز بالله أخذ باقتراح وزيره ابن كلَّس تنظيم دراسة علمية بالأزهر تضم ٣٥ فقيهًا ورئيسهم، تجرى عليهم الدولة الرواتب، وتعد لهم داراً لسكناهم. وتدل ملابسات هذا الحادث على أنه كان بعيداً عن الفكرة التى قام عليها نظام
стр. 665
الأروقة بوصفها مساكن لطلبة الأزهر, كما أن هذه الحادثة لم تتكرر فى العصرين الفاطمى والأيوبى، فضلاً على أن الخليفة العزيز لم يأمر بإيوائهم داخل الجامع، بل بنى لهم دار، بجوار الأزهر.
ولم يبدأ استخدام الأروقة مساكن للطلبة إلا فى عصر متأخر هو عصر دولتى المماليك البحرية والشراكسة، ثم شهد العصر العثمانى نشاطاً ملحوظاً فى إنشاء أروقة جديدة. وانكمشت بعد ذلك حركة بناء الأروقة فى عصر محمد على وخلفائه؛ فلم يشيد محمد على سوى رواق السنَّارية لطلبة "سنار" الوافدين من السودان؛ أما رواق الحنفية فقد شرع عباس الأول فى بنائه, وأتمه راتب باشا؛ وأما الرواق العباسى فقد بنى على عهد الخديو عباس حلمى الثانى, وإحتفل بافتتاحه فى سنة ١٣١٥ هـ (١٨٩٧ - ١٨٩٨ م).
كانت الأروقة تكفل للطلبة حياة متكاملة فى جوانبها العقلية والروحية والجسمية؛ وكان لكل رواق كبير مكتبة يشرف عليها قيِّم. وكان فى معظم الأروقة أماكن تسمى خلوات، يتعبد فيها الطلبة.
وكان طلبة الأروقة يحرصون على تلاوة ما يتيسر من القرآن الكريم فرادى فى جميع ليالي الأسبوع، وفى ليلة أو أكثر من ليلة كانوا يقرأون القرآن العظيم قراءة جماعية، وفقا لنظام الرَّبعات. وكانوا يستذكرون دروسهم ليلًا فى ضوء قناديل تستمر موقدة طوال الليل.
وكانت الأروقة تظل مفتوحة طوال شهور السنة، بما فيها العطلة السنوية، وهى أشهر رجب وشعبان ورمضان، فضلَا عن العطلات الموسمية، كعيد الأضحى، والمولد النبوى الشريف. وكان يسمح لمن شاء من الطلبة بالإقامة المتصلة طيلة سنوات دراستهم. وكان يستفيد من هذه الرخصة الطلبة الغرباء والمصريون على السواء. وكان يحول دون عودة الطلبة الغرباء إلى أوطانهم كثرة نفقات السفر، وبعد الشقة، وطول الوقت. أما المصريون فكانوا فريقين: طلبة أقاصى الصعيد، وكانوا لا يرجعون عادة إلا بعد إنتهاء دراستهم،
стр. 666
فيستقبلهم ذووهم بحفاوة، ويقيمون لهم الولائم. ويتمثل الفريق الثانى فى بعض طلبة الوجه البحرى وأقاليم الصعيد القريبة، وكانوا يقضون العطلة فى القاهرة، يتلون القرآن الكريم فى السهرات الدينية، ويترددون على مكتبات الأروقة، وينسخون الكتب الصغيرة استعداداً للعام الدراسى المقبل.
وكان الطلبة الغرباء يلتحقون بالأزهر فى سن تجاوز العشرين عامًا، بعد أن يكونوا قد اكتسبوا قسطا من العلم فى بلادهم، ليستكملوا دراساتهم العليا. وكانوا فى حياتهم الخاصة والعلمية يترفعون عن الصغائر، ويحافظون على كرامتهم، وكانت تربطهم بزملائهم المصريين أواصر المودة. وكان من عادة الطلبة الغرباء أنَّهم إذا اعتزم أحدهم العودة إلى بلاده بعد إنتهاء دراسته أن يقيم قبيل سفره حفلاً فى رواقه، يدعو إليه طلبة الرواق، وأصدقاءه من طلبة الأروقة الأخرى، وشيوخ الأروقة، وبعض العلماء. وكان الرواق يُضاء بالشموع، ويجتمع فيه المدعوون بعد صلاة العشاء، ويبدأ الحفل بتلاوة آيات من القرآن الكريم، ثم يطاف عليهم بأكواب من الشراب، وأطباق من الحلوى والنقل ثم القهوة. ويلقى بعض زملاء الطالب قصائد وخطباً، يشيدون فيها بغزارة علمه وسمو أخلاقه، ويتمنون له توفيقا فى حياته. ويرد عليهم الطالب بكلمة شكر؛ وينتهى الحفل بتلاوة آيات من القرآن الكريم.
لعل أهم خصيصة من خصائص أروقة الأزهر أنها لم تطبق سياسة التمييز العنصرى على الطلبة الغرباء، ولم تأخذ بنظام الطبقية، فكانت الأروقة تستقبل بنى الإسلام دون تمييز عنصرى أو طبقى أو لونى أو اقتصادى. وكانت سياسة الباب المفتوح، التى أخذت بها الأروقة فى قبول الطلبة، تطبيقا عمليا لمبادئ الإسلام. وقامت الأروقة بدور بارز فى دعم الترابط بين الشعوب الإسلامية فى المشرق والمغرب. وكان لها فى سبيل دعم هذا الترابط وسيلتان: كانت الوسيلة الأولى جبهة شعبية واسعة، تمثلت فى الطلبة الغرباء؛ وكان هؤلاء
стр. 667
يعودون إلى أوطانهم بعد انتهاء دراستهم، يحملون تقديرًا عميقا لأساتذتهم فى الأزهر، ويحتفظون بصداقات لزملائهم الطلبة المصريين، ويكتنزون فى عقولهم حصيلة علمية غزيرة اكتسبوها خلال عكوفهم على الدراسة فى الأزهر سنوات طوالاً، ثم كانوا يظفرون بتقدير عميق من مواطنيهم، وسرعان ما يشغلون المناصب القيادية فى مجالات القضاء والإفتاء والتدريس وغير ذلك من المراكز المرموقة، ويحتفظون بأجمل الذكريات عن السنوات التى أمضوها فى أروقة الأزهر، وعن الأوقات التى قضوها دارسين فى الحلقات الدراسية على أيدى العلماء. ويظل الأزهر بأروقته وحلقاته وعلمائه الأفذاذ مقرونًا فى أذهانهم بذكر مصر فى مجال الضيافة، ومجال الريادة فى الدراسات العليا، الدينية واللغوية والأدبية. ولا يلبث أن
يشد الرحال إلى مصر مواطنون آخرون، لينهلوا العلم من موطنه فى الأزهر، ويسيروا على نهج من سبقوهم، ثم ينطلقوا عائدين إلى أوطانهم، ناشرين الثقافة الإسلامية.
وتسير عجلة الزمان، ويتوالى توافد الطلبة من أرجاء العالم الإسلامى كافة على الأزهر وأروقته.
أما الوسيلة الأخرى فى دعم الترابط بين الشعوب الإسلامية فقد تمثلت فى الصفرة الممتازة فى المجتمعات الإسلامية فى المشرق والمغرب، ونعنى بها كبار علماء المسلمين، وقد بهرتهم المكانة العلمية التى سما إليها الأزهر فى عصر دولتى المماليك البحرية والشراكسة، وفى العصر العثمانى؛ فوفدوا إليه، وبعد أن ينزلوا ضيوفا على بعض كبار علماء الأزهر، كانوا ينتقلون إلى أروقة الطلبة الوافدين، حيث ينزل كل عالم فى الرواق المخصص لأبناء إقليمه. ويستأنفون نشاطهم العلمى؛ فيتصدرون الحلقات الدراسية؛ فإذا فرغوا منها انصرفوا إلى الأروقة، عاكفين على التأليف العلمى. وعلى هذا النحو كانوا يقضون بقية حياتهم فى الأزهر وأروقته، حتى يدركهم الموت، أو يعودوا إلى أوطانهم. ومن أشهر هؤلاء ابن خلدون، وشمس الدين الفنارى، والمقرى، والزبيدى، وابن سودة المرى الفاسى.
стр. 668
ويتضح لنا -فى النهاية- أن الأروقة تعد قطعة من التاريخ العلمى والاجتماعى للأزهر. ويصعب على الباحث الذى يؤرخ للأزهر أن يتجاهل دورها فى انفتاح الأزهر على العالم الإسلامى.
مكتبة الأزهر الشريف
جاء فى كتاب "أخبار مصر" لابن ميسر أنه قد أسند إلى داعى الدعاة أبى الفخر صالح منصب الخطابة بالجامع الأزهر مع خزانة الكتب وذلك فى أخبار سنة ٥١٧ هـ وإسناد الإشراف على خزانة الكتب إلى داعى الدعاة، وهو رئيس دينى بعد قاضى القضاة، شاهد على قيمتها وأهميتها.
وذكر المقريزى "أن الحاكم أمر بنقل نصف الكتب التى كانت بدار الحكمة إلى الجامع الأزهر، والباقي إلى مسجده ومسجد المقس". وقد أشارت، "خطط المقريزى" إلي أن عدد الكتب بدار الحكمة بلغت مائة ألف كتاب، ولنا أن نستنتج من هذا أن مكتبة الأزهر كانت تحوى أكثر من خمسين ألف كتاب.
وقد صارت مكتبة الأزهر من أشهر المكتبات فى العالم؛ يعرفها أهل البصر بالكتب، والباحثون من الشرق والغرب، ويشيرون إلى ما فيها من نفائس المخطوطات فى مؤلفاتهم عن الكتب والمكتبات، مثل "بروكلمان" وغيره. وهى ثانية المكتبات فى مصر من حيث عدد ما فيها من الكتب، واحتواؤها على كثير من نوادر المؤلفات والمخطوطات.
وقد كان من نظم الأزهر فى القديم نظام الأروقة، وكان لكل رواق مكتبة خاصة يتم الانتفاع بها بالطريقة التى يراها أهل الرواق. وكذلك كان لبعض المساجد والمدارس القديمة التابعة للأزهر مكتبات على هذا النحو، كمسجد شيخون، ومسجد محمد أبى الدهب، وغيرهما.
وكان فيما تناوله الإمام محمد عبده من إصلاح الأزهر إنشاء مكتبة أزهرية عامة، تعيد مجد مكتبته القديمة، وتجمع شتات الكتب المتفرقة فى الأروقة والمساجد، وتحفظ التراث العلمى الذى خلفه علماء الأزهر وغيرهم فى العصور المتوالية من الضياع، ذلك أن كثيراً من
стр. 669
نفائس الكتب التى كانت مودعة بمكتبات الأروقة تسرب إلى أيدي علماء أوروبا عن طريق سماسرة الكتب، فضلاً عن تعرض كثير منها للحشرات والأتربة؛ فتلفت أوراقها، وبليت ومزقت وخرمت وقطعت جلودها, ولم يسلم منها كتاب إلا فى النادر.
وحوالى سنة ١٢٧٠ هـ (١٨٥٣ م) أمر ديوان عموم الأوقاف بجرد مكتبات المساجد والتكايا وأروقة الأزهر وحاراته, وقيدت جميعها فى سجلين جامعين، خصص أولهما لمكتبات الجامع الأزهر، وثانيهما لمكتبات المساجد والتكايا. وقد بلغ مجموع المجلدات فى ذلك الوقت فى مكتبات أروقة الأزهر وحاراته ١٨٥٦٤ مجلد. فإذا رجعنا الآن إلى هذا السجل التاريخى لا نجد من أثمن الكتب وأنفسها إلا أسماءها.
وتقدم الأستاذ الإمام بفكرة إنشاء المكتبة إلى مجلس إدارة الأزهر، فنالت القبول من أعضائه، وبخاصة المغفور له الشيخ حسونة النواوى, شيخ الجامع الأزهر إذ ذاك؛ وقد وهبها مكتبته الخاصة الشيخ عبد الكريم سلمان، الذى كان عضداً قويًا للأستاذ الإمام فى حركات إصلاح الأزهر. وقد تحققت الفكرة فى أول المحرم سنة ١٣١٤ هـ (١٨٩٧ م)، بعد أن لاقى صاحبها عناء عظيمًا فى إقناع أهل الأروقة بفائدتها. وعلى الرغم مما بذله من محاولات فى هذا السبيل، فقد امتنع أهل بعض الأروقة عن ضم مكتباتها إلى المكتبة, كرواق الأتراك، ورواق المغاربة. وقد ضُمت مكتبة الصعايدة إلى المكتبة العامة فى سنة ١٩٣٦ م، وضمت مكتبة رواق الأحناف فى سنة ١٩٥٦ م. وقام المباشرون للتنفيذ بتذليل صعوبات جمة فى ترميم الكتب وإصلاحها وترتيبها، للحالة السيئة التى كانت عليها فى خزائن الأروقة كما أسلفنا، وفى ترتيبها فى أماكنها الجديدة، وتوزيعها على الفنون المكتبية. وقد ضمت هذه المكتبة عددًا من أجود المصاحف خطاً وورقاً، وكتباً فيها من الفوائد وعلوم التجويد ما لا يوجد فى سواها، وغير ذلك كثير.
ولم يكتف الأستاذ الإمام فى تكوين المكتبة بما جمع من مكتبات الأروقة، بل دعا العظماء والعلماء، إلى المشاركة فى
стр. 670
فضل تكوينها، فاستجاب لدعوته بعض من علية الناس، ووهبها الشيخ حسونة النواوى، شيخ الجامع الأزهر، مكتبته الخاصة، ووهبها ورثة المرحوم سليمان باشا أباظة مكتبة والدهم، وهذه المكتبة هى أنفس المكتبات الخاصة بالمكتبة الأزهرية.
وتشغل المكتبة الآن ستة مواقع متفرقة داخل الجامع الأزهر، وهى: المدرسة الأقبغاوية، والمدرسة الطيبرسية، والرواق العباسى، ورواق الأتراك، ورواق المغاربة، ورواق الشوام.
وبالمدرسة الأقبغاوية المكتبة العامة بجميع فنونها، وبها أيضًا بعض المكتبات الخاصة، وفى قبتها الخارجية مكتب مدير المكتبة، وبدهليزها إدارة المكتبة وقاعة المطالعة.
وبالمدرسة الطيبرسية طائفة من كتب العلوم التى تدرس غالباً فى الأزهر؛ وكانت تعار للطلاب على هيئة ملازم من الكتاب.
وبالرواق العباسى بعض المكتبات الخاصة، وبعض الفنون التى ضاقت بها المدرسة الأقبغاوية؛ وقد أعدت به قاعة للمطالعة، تتسع لعدد كبير من المطالعين.
وهذه الأماكن جميعها لم تنشأ أصلاً لتكون مكتبات؛ لهذا فهى الآن غير وافية بالغرض الذى تستخدم فيه، ومفتقدة إلى كثير من الجوانب التى يجب توافرها فى أبنية المكتبات.
ولقد تنبه إلى ذلك الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغى، حين ولى مشيخة الأزهر فى سنة ١٩٢٨ م، فوضع ضمن مشروع مبانى الجامعة الأزهرية مشروع بناء خاص بالمكتبة، تلاحظ فيه الحاجات اللازمة فى بناء المكتبات، وقد ظل هذا المشروع يتعثر فى طريق التنفيذ، حتى رأى الأزهر إقامة هذه المكتبة فى حديقة الخالدين (الدراسة) حيث يجرى العمل فيها الآن.
ومكتبة الأزهر -كغيرها من المكتبات العامة- تزود روادها، على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم، بالمواد العلمية فى جميع فروعها، وإن كان يغلب عليهم أنهم على مستوى خاص من الثقافة، وأن قصدهم منها الرجوع إلى المصادر
следующие страницы →