عن جماعات الشرفاء فى مراكش، أولها بحث عام فى الشريفية بقصبة مراكش عنوانه "الدر السنى فى بعض من بفاس من أهل النسب الحسنى"، وهو يتضمن أيضا، بالرغم من عنوانه الفروع الحسينية؛ وقد تعمد إغفال السعديين، حمله على ذلك الفترة التى كان يعيش فيها، على أن السعديين اختفوا بسرعة كبيرة نظرًا لانقطاع خلفهم. وقد طبع هذا المصنف على الحجر فى فاس سنة ١٣٠٣ هـ وسنة ١٣٠٨؛ أما بحثا القادرى الآخران فيعالجان: (١) الشرفاء القادريين: "العرف العاطر فيمن بفاس من أبناء الشيخ عبد القادر"؛ و (ب) الشرفاء العراقيين "مطلع الإشراق فى الأشراف الواردين من العراق".
وقد صنّفت فى مراكش فى أواخر القرن الحادى عشر وأوائل القرن الثانى عشر الهجريين رسالتان أخريان عن نسب الشرفاء؛ أفردت إحداهما لشرفاء سجلماسة العلويين. وقد كتبها أبو العباس أحمد بن عبد الملك الشريف السجلماسى وعنوانها "الأنوار السنية فى نسبة من بسجلماسة من الأشراف المحمدية"؛ أما الأخرى فعنوانها "شذور الذهب فى خير نسب"؛ وهى من تأليف شريف من شرفاء جبل العلم، هو التهامى بن محمد بن أحمد بن رحمون وضعها سنة ١١٠٥ هـ، (١٦٠٣ - ١٦٩٤).
وفى سنة ١١٢٧ هـ (١٧١٥ م) وضع سليل من سلالة أسرة المرابطين فى زاوية دلاء، هو أبو عبد اللَّه محمد المسناوى بن أحمد الدلائى (المتوفى سنة ١١٣٩ هـ = ١٧٢١ م)، رسالة جديدة فى شريفية القادريين عنوانها "نتيجة التحقيق فى بعض أهل الشرف الوثيق" (وقد نشرت فى تونس سنة ١٢٩٦ هـ، وفى فاس سنة ١٣٠٩ هـ، وترجم بعضها وير The First part of the Natijatu L-Tahqiq: Weir، أدنبرة، ١٩٠٣).
وقد أفردت رسالة، بعد ذلك بقليل، للشرفاء الصقليين فى فاس، وضعها قادرى هو حفيد مؤلف "الدر السنى"
стр. 6092
واسمه محمد بن الطيب القادرى المتوفى سنة ١١٨٧ هـ (١١٧٣ م)؛ وعنوان هذه الرسالة "لمحة البهجة العلية فى بعض فروع الشعبة الحسينية الصقلية"؛ وقد قيض لشرفاء وازّان أيضا بعض المؤرخين فى القرن الثامن عشر، نذكر منهم حمدون الطاهرى الجوطى (المتوفى ١١٩١ هـ = ١٧٧٧ م) مصنف "تحفة الإخوان ببعض مناقب شرفاء وازان" المطبوعة على الحجر فى فاس سنة ١٣٢٤ هـ.
وكذلك يرجع تاريخ تأليف "كتاب التحقيق فى النسب الوثيق" الذى يعده نسّابة فاس منحولا ويعزونه إلى أحمد بن محمد عشماوى المكى، إلى أواخر القرن الثامن عشر، ولا يعالج هذا المصنف إلا فروع الشرفاء التى استقرت فى الجزائر، وقد ترجمه الأب كيا كوبتى Pere Giacobetti سنة ١٩٠٦.
وكان أبو الربيع سليمان بن محمد الشفشاونى الحوات، المولود حوالى سنة ١١٦٠ هـ (١٧٤٧ م) والمتوفى بفاس سنة ١٢٣١ هـ (١٨١٦ م) إختصاصيًا فى نسب الشرفاء؛ وقد خلف فيما خلف رسالة فى الشرفاء الدباغيين ويسمون أيضا شرفاء العيون نسبة إلى الحى الذى يقيمون به فى فاس، وعنوان الرسالة "قرة العيون فى الشرفاء القاطنين بالعيون". كما خلف رسالة فى الشرفاء القادريين عنوانها "السر الظاهر".
وكان عبد اللَّه الوليد بن العربى العراقى المتوفى سنة ١٢٦٣ هـ (١٨٤٩ م) هو كاتب تاريخ الشرفاء العراقيين؛ وقد نشر مصنفه فى فاس وعنوانه "الدر النفيس فيمن بفاس من بنى محمد بن نفيس".
ونذكر آخر الأمر من التواليف الحديثة، علاوة على المعلومات المجموعة فى الكتاب النفيس "سلوة الأنفاس" لمحمد بن جعفر الكتانى كتابين يتحدثان عن فروع الشرفاء فى مراكش، أولهما مصنف محمد بن الحاج المدنى جنون المتوفى سنة ١٣٠٢ هـ (١٨٨٥ م)، وعنوانه "الدرر المكنونة فى النسبة الشريفة المصونة"، والكتاب الآخر وهو
стр. 6093
أكثر أهمية من الأول، وعنوانه "الدرر البهية والجواهر النبوية فى الفروع الحسنية والحسينية"، وقد طبع على الحجر بفاس سنة ١٣١٤ هـ؛ وهذا المصنف من وضع أبى العلاء إدريس ابن أحمد الفضيلى المتوفى سنة ١٣١٦ هـ (١٨٩٨ - ١٨٩٩ م) وهو مجموعة قيمة تحوى كثيرًا من المعلومات التى لم تنشر، وقد عرضت عرضًا واضحًا بينا.
المصادر:
انظر علاوة على الكتب العربية التى ورد ذكرها فى صلب المقال:
(١) Les charfa Idrisites de Fes: G.Salmon فى Archives marocaines جـ ١، ١٩٠٤، ص ٤٢٤ - ٤٥٩.
(٢) المؤلف نفسه: Les Chorfa Filala et Djilala de Fes، المصدر المذكور، جـ ٣، ١٩٠٥، ص ٩٧ - ١١٨.
(٣) المؤلف نفسه: Ibn Rahmoun، المصدر المذكور، ص ١٥٩ و ٢٦٥.
(٤) Le Maroc d'aujourd'hui: E.Aubin، باريس ١٩٠٧، فى مواضع متفرقة.
(٥) L' Etabissement des dynas.ties des cherifs au Maroc: A. cour، باريس ١٩٠٤، ص ١٧ وما بعدها.
(٦) Kitab en-Nasab, Generalogie des chorfa R.A: R.P. Giacobetti، الجزائر ١٩٠٦.
(٧) R.M.M.La maison d'ouezzan: E.Michaux Bellaire، جـ ٥, ١٩٠٨، ص ٢٣ - ٨٩.
(٨) Les historiens des chorfa: E.Lkviprovencal، باريس ١٩٢٣.
(٩) المؤلف نفسه: Le Maroc en face de L'etranger a L'epoque moderne باريس ١٩٢٥.
صبحى [ليفى بروفنسال E.Levi-provencal]
شرف الدين
على اليزدى: شاعر فارسى ومؤرخ ولد فى يزد، وكان صاحبًا لشاهرخ وخاصة لولده ميرزا إبراهيم سلطان المتوفى عام ٨٣٨ هـ (١٤٣٤ - ١٤٣٥ م). وقد أقيم ميرزا سلطان محمد واليا على العراق العجمى عام ٨٤٦ هـ (١٤٤٢ م)
стр. 6094
فاستدعى شرف الدين إلى قم وجعله من مستشاريه وانتقض هذا الأمير عام ٨٥٠ هـ (١٤٤٦ - ١٤٤٧ م) فاتهم شرف الدين بأن له يدا فى هذه المؤامرة، ولكنه نجا من الموت الذى حكم به عليه شاهرخ بفضل شفاعة ميرزا عبد اللطيف بن ألغ بك الذى استقدمه إلى سمرقند. وسمح له سلطان محمد الذى أصبح صاحب أمير خراسان بعد وفاة شاهرخ بالعودة إلى يزد (٨٥٣ هـ = ١٤٤٩ - ١٤٥٠ م) حيث توفى بها ٨٥٨ هـ (١٤٥٤ م). ودفن فى المدرسة الشرقية التى بناها فى قرية تفت.
وقد كتب شرف الدين سنة ٨٢٨ هـ (١٤٢٤ - ١٤٢٥ م) تاريخ تيمور "ظفر نامه" بأسلوب قوى مستمدًا معلوماته فيما يظهر من كتاب لم ينشر يحمل العنوان نفسه كتبه نظام الدين الشامى بأمر من تيمور ٨٠٤ - ٨٠٦ هـ. (١٤٠١ - ١٤٠٣ م) ومن هذا الكتاب مخطوط وحيد محفوظ بالمتحف البريطانى. وقد ترجم هذا التاريخ إلى اللغة الفرنسية بتى ده لاكروا Petis de la Croix (١٧٧٢) ثم ترجمة داربى J.Darby إلى الإنكليزية نقلا عن الفرنسية، ونشر نص هذا الكتاب دون المقدمة فى المكتبة الهندية Bibliotheca Indica (كلكته عام ١٨٨٧ - ١٨٨٨). وكتب شرف الدين أيضًا باسمه المستعار (تخلص) "شرب" رسالة فى الأحاجى وأخرى فى المربعات السحرية، وشرحا لبردة البوصيرى، وله أيضًا أشعار مختلفة.
المصادر:
(١) خواندمير: حبيب السير، مجلد ٣، جـ ٣، ص ١٤٨.
(٢) دولت شاه تذكرة، طبعة Browne ص ٣٧٨ - ٣٨١.
(٣) Geschichte d,schdn. Redek Pers: J. von Hammer, ص ٢٨٤.
(٤) Pers. Catal Brit Mus.: Rieu ص ١٧٣ - ١٧٥.
(٥) Hist. of Pers. Liter.under Tartar dominion: E.G. Browne ص ١٨٣، ٣٦٢ - ٣٦٥.
الشنتناوى [إيوار Cl. Huart]
стр. 6095
شركة إسلام
(والنطق الجارى "سركت"، ومعناها الرباط أو النقابة)؛ وهى اتحاد سياسى من الأندونيسيين المسلمين تألف فى سراكرتا من أعمال جاوة، وكان له شأن كبير فى تاريخ تقدم أهل البلاد الوطنيين فى جزائر الهند الشرقية الهولندية وفى السياسة الاستعمارية الهولندية فى الخمس عشرة السنة الأخيرة، وكان هدف هذه الشركة أن تحقق للوطنيين مركزًا أكثر بروزًا مما كان لهم فى المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، مع احتفاظهم فى الوقت نفسه بالإسلام، وهو الرابطة الطبيعية التى تربط بين العناصر المختلفة أشد الاختلاف التى هى عماد الوطنيين فى جزائر الهند الشرقية الهولندية؛ على أن زعماء شركة إسلام أنفسهم لم يكونوا يرضون بهذا الوصف، بل يجنحون إلى تحديد أهداف الشركة وتقديرها تقديرًا آخر مطابقا للظروف المحلية، إذا هم أقدموا حقا على الإجابة بأى جواب حين يسئلون عن أهداف منظمتهم.
تاريخ الشركة المبكر: كان موقف جماهير الجاويين إزاء حكامهم يتميز مند أقدم العصور بالخضوع التام، إلّا أن استقلال أهل البلاد وحكامهم أخذ خلال القرن التاسع عشر يضيق شيئا فشيئا بسبب نفوذ الهولنديين الذى كان ينمو باطراد، وأخذ شعورهم بالعزة القومية إذ يرتدون بأنظارهم إلى الماضى حين كان الأرخبيل الهندى كله تحت زعامة الجاويين، يتضاءل ويحل محله شيئًا فشيئًا شعور بتبعيتهم وانحطاط مستواهم عن الأجانب (سواء منهم الهولنديين أو العرب أو الصينيين) الذين كان الهولنديون منهم بوجه خاص ومن بعدهم الصينيون لا يخفون استخفافهم بأهل البلاد إلا نادرا؛ فلما أراد نفر من التقدميين من أشراف جاوة (البرييايى) فى أواخر القرن الماضى أو نحو ذلك أن يعلموا للمرة الأولى أولادهم تعليما أوربيًا عاونهم فى ذلك والحق يقال قلة من الهولنديين، ولكن أغلبية عظيمة من الموظفين عارضت هذه البدعة معارضة ملحوظة، بل لقد كان من أعسر الأمور على ذلك النفر الذين قاموا بهذه التجربة أن يجدو
стр. 6096
لهم مكانا فى المجتمع يتفق والمؤهلات التى حصلوا عليها حديثًا؛ على أنه تألفت شيئًا فشيئًا جماعة صغيرة من الجاويين المتعلمين كانوا هم بطبيعة الحال أقل الجاويين تقديرا للوصاية الأجنبية ثم وقعت حوادث الشرق الأقصى وأثرت فى الموقف فى جزائر الهند الهولندية؛ وكان اليابانيون حتى قبل الحرب الروسية اليابانية (١٩٠٤ - ١٩٠٥) قد منحوا حق المساواة بالأوربيين فى جزائر الهند الشرقية الهولندية؛ وحدث بعد قيام الجمهورية الصينية سنة ١٩١١ أن زارت البوارج الصينية جاوة وجاء الموظفون الصينيون يتحرون عن مركز مواطنيهم؛ وكان الصينيون فى جزائر الهند الهولندية قد تركت لهم (منذ سنة ١٩٠٨) المدارس الهولندية الصينية التى كانوا يطالبون بها منذ بضع سنوات، وألغيت القيود التى كانت مفروضة على حريتهم فى الحركة (١٩١٠) ووضعت إجراءات للتقاضى أكثر إرضاء للنفس (١٩١٢) عما كانت عليه الحال من قبل؛ وكذلك أصبح للعرب نصيب من مزايا المركز القانونى الجديد الذى أتيح للأجانب الشرقيين، ولكن مركز الجاويين بقى على حاله.
وفى سنة ١٩٠٨ أسس طلبة مدرسة "دكتر جاوه" (الطبية الوطنية) فى باتافيا رابطة الشباب الجاوى "بودى أوتاما" ("السعى النبيل")، وكانت هذه أول محاولة متواضعة بذلت فى سبيل الحصول من السلطات على ما يحقق بعض رغباتهم بسن النظم الكفيلة بذلك وخاصة زيادة التعليم والنهوض بمستواه. وكان "دكتر جاوه" وحيد الدين (سوديرا أوسادا) هو أبو هذه الحركة التى لم يكن ينظر إليها بعين الريبة والشك الهولنديون فحسب بل كثير من الجاويين المحافظين أيضا؛ وكان الأنصار الذين وجدتهم هذه المنظمة الجاوية الأولى ينتمون إلى الطبقات العليا من المجتمع الجاوى، ولم يلتحق بها العامة، ولكنهم أخذوا هم أيضًا يبدون رغبتهم فى إعادة تنظيم الأحوال الاجتماعية لعدة أسباب:
(أ) كان مركزهم الاجتماعى غير مرض بالمرة، فقد كان على الأندونيسيين، على خلاف الأجانب
стр. 6097
الشرقيين، أن يقدموا آيات الاحترام (حرمات لأسيادهم الأوروبيين أو الوطنيين؛ صحيح أن الحكومة المركزية قد عملت مرارا على تخفيف هذه "الحرمات" ولكن معظمها ظل فى الواقع على حاله، وكان تطبيق القانون يحابى الأوروبيين كثيرًا؛ فقد كان الحجز للتحقيق، لا يطبق على المتهمين وحدهم بل كثيرًا ما كان يطبق على الشهود أيضًا من قبيل تيسير الإجراءات، فظل بذلك شرًا لم يقض عليه القضاء المبرم بعد؛ ولم تكن المحاكمة والعقاب اللذان يتولاهما الشرطة عادلين فى جميع الأحوال، ولم يكونا يفرضان إلا على الوطنيين وحدهم؛ وكثيرًا ما كان تأمين الناس على ملكهم الخاص تافها؛ وقد حدثت حوادث كان الرجل فيها يفضل ألا يقول شيئًا إذا سرق شئ من ممتلكاته على أن يعانى ما تبذله السلطات فى هذه الأحوال من جهود ممقوتة. ولم تكن الحقوق القليلة لتجزى عن مشاق السخرة وسوء المعاملة التى كان العمال الوطنيون يكابدونها فى دوائر الأعمال التجارية الأوربية. وكان التعليم قاصرًا قصورًا شديدًا؛ ثم إن موقف كثير من الصينيين، وخاصة الوافدين حديثًا، من الجاويين أصبح غاية فى الصلف، نتيجة لما أصاب الصين من تقدم، حتى لقد شعر الجاويون بأنهم أوذوا فى شعورهم إيذاء شديدًا؛ ويشهد بعمق هذا الشعور بالإيذاء اشتطاط الجاويين فى مناوئة الصينيين.
(ب) كانت حالتهم الاقتصادية قد سارت من سئ إلى أسوأ، إذ زادت القيود المفروضة على التقدم الحر للصناعات الوطنية زيادة كبيرة حين استحدث حوالى سنة ١٨٣٠ نظام المزارع (المعروف فى الهولندية باسم Cultuursystem) وبخاصة مزارع البن، فكان نكبة على السكان الوطنيين؛ ولما ألغى هذا النظام سنة ١٨٧٧ كان قد غلّ على الحكومة الهولندية: ٨٣٢ مليون كولدن، أى ٢١ % من مصروفات الدولة (الفائض الهندى المزعوم)؛ وفى الفترة التى أعقبت ذلك كانت الطبقات الوسطى وطبقات الفلاحين يزداد حرمانها من استقلالها الاقتصادى بسبب المنافسة الشديدة التى كانت تجدها من
стр. 6098
الصناعات والمزارع الأوربية، فى حين أن معظم تجارة التجزئة كانت فى يد الصينيين والعرب منذ زمن طويل، على أنهم استطاعوا بشئ كثير من الإصرار والعزم أن يقاوموا المنافسة الأجنبية، وكان هبوط المنافسة شديدًا وخاصة بعد أن أكرهت صناعة الباتق التى كان معظمها يتسم بالصبغة الوطنية (والدخل السنوى الذى تدره عشرة ملايين كولدن أو نحوها، ويجد القارئ بيانًا موجزًا عن الصناعة الوطنية فى Koloniaal Verslag Van ١٩٢٠، العمود ٧) على استخدام المنسوجات وصباغ النيلة المستوردة بدلا من المواد الوطنية الخام (وتجد تفصيلات مستفيضة عن هذا التدهور الاقتصادى فى Onderzoek, naar de mindere welvaart der inlandsc h bevolking op Java en Madoera تقرير اللجنة، باتافيا ١٩٠٥ - ١٩١٤، فى ٣٢ مجلدا من القطع الكبير).
(جـ) ونذكر فى المحل الثالث الخوف من اعتناق المسيحية، ولو أن هذا العامل لم يكن قد بدأ يفعل فعله إلا منذ وقت قريب جدًا، وكانت الحركة التى قام بها أهل البلاد المسلمون والتى أثارها نشاط المبشرين المسيحيين تختلف جد الاختلاف عن هذا العامل فى الزمان والمكان، على أن زعماء شركة إسلام استغلوا زيادة الدعاية المسيحية، وانتصار بعض أعضاء البرلمان الهولندى لها انتصارا سافرا، وصدور تحذير من مكة بشأنها، فراحوا يثيرون الجماهير على نحو يؤدى إلى إلتحاقهم بشركة إسلام.
ويقال بأن حادثًا قليل الشأن نوعا ما هو الذى أدى إلى إنشاء شركة إسلام سنة ١٩١٠ (وليس ثمة بيانات تعتد بها عن السنوات الأولى)؛ ويقال أيضا إن شركة صينية (كونكسى) فى لاويان (نكلاويان)، وهى قرية قرب سراكرتا كان يقيم فيها التجار الجاويون الواسعو الثراء وتشتد المنافسة بينهم وبين الصينين عادة- قد ارتكبت فعلا من أفعال الغش أثارت به حفيظة الجاويين الذين أصابهم هذا الفعل فاتحدت كلمتهم على أن يقاطعوا السلع الصينية؛ وقد تولدت من هذا الشعور شركة إسلام، وهى منظمة ربما
стр. 6099
قامت على غرار شركة دا كنك إسلام فى بويتنزورغ التى أسسها جاوى وبعض التجار العرب قبل ذلك ببضعة سنوات؛ ومهما يكن من شئ فإن الاسم "شركة دا كنك إسلام" قد استخدموا أيضا فى سراكرتا. على أن شركة إسلام التى نشأت فى سراكرتا قد نشأت مستقلة برأسها.
ولم تمض شركة إسلام طويلا فى التزام أهدافها الأصلية التزاما تماما، وقد انتشرت الحركة بسرعة تثير الدهشة بعد أن نجحت مقاطعة السلع الصينية، ولا يمكن أن نرد الزيادة الهائلة فى عدد عضاء الداخلين فيها إلى كراهية الصينيين فحسب، وهو أمر طبيعى فى ذلك الوقت، ولكننا نرده فى جوهره إلى أن الجاويين الذى كانوا يتوقون إلى مزيد من الحرية وإلى الإقلال من الوصايا المفروضة عليهم بعد النجاح الذى أحرزوه على الصينيين، ظنوا أن الإتحاد الجديد قد يعينهم على تبوء مركز أعلى بالنسبة للأجانب الآخرين أيضًا، أى أن هذا الاتحاد تحت راية إسلامية (وكان إتحاد المسلمين بهذه الصفة فى لاويان السنية أمرًا طبيعيًا) بعد أن برهن مرة على أنه ليس من المستحيل تمامًا على الجاويين أن يحرزوا نصرًا من هذا القبيل، قد ملأ فراغًا أحس به الجميع حيال الظروف التى وصفناها من قبل فى البنود (أ) و (ب) و (جـ)، وأصبح فى استطاعته أيضًا أن يضم تحت لوائه كثيرًا من الناس الذين لم يكن لهم شأن بمقاطعة الصينيين. وكان قيام هذا الاتحاد وانتشاره بهذه السرعة أهم بكثير من تفصيلات تاريخه المبكر، كما أن تطور أهدافه فى السنوات التالية هى التى لفتت الأنظار إليه، وليست الحوادث الفردية أو ما أبداه من نشاط. وثمة فارق عظيم الآن بين أصل شركة إسلام وتطورها الذى نشأ من حاجات الجاويين العليا، ونما بتأثير الظروف الخارجية الحاسمة، ونعنى بها نشوب الحرب العظمى سنة ١٩١٤، والثورة الروسية التى اندلع لهيبها سنة ١٩١٧، والأزمة الاقتصادية التى عمت العالم بعد الحرب، والانهيار الذى أعقب ذلك بطبيعة الحال فى أوروبا؛ وقد تلقت شركة إسلام الأفكار من الخارج،
стр. 6100
وكانت هذه الأفكار غريبة على الجاويين الذين كانوا يطالبون بالوفاء ببعض المطالب المتواضعة وتحقيق بعض الضرورات المحلية فحسب. واستتبع ذلك أن أصيبت شركة إسلام بضعف داخلى شديد انتهى بها إلى أن فقدت التأثير العظيم الذى كان لها بالسرعة التى كسبته بها.
ويمكن تقسيم تاريخ شركة إسلام إلى فترات ثلاث:
(أ) وتمتد حتى المؤتمر الوطنى الأول.
(ب) ذروة المؤتمرات الوطنية.
(جـ) انهيار شركة إسلام قبل قيام شركة رعية المتطرفة.
(أ) ففى الفترة الأولى يتعذر على المرء أن يتحدث عن وجود شركة إسلام متجانسة، فقد انتشرت الحركة وجاوزت موطنها وبخاصة فى جاوه الشرقية، تحت إمرة رادن عثمان سيد تجاكرا أميناتا القوى القادر والخطيب المؤثر، ولكن سرعان ما بهرت الرجل أطماعه التى لا تحد. وقد أسست صحيفة شركة إسلام. "أوتوسان هنديا" (الرسول الهندى) فى مدينة سرابايا فى ديسمبر سنة ١٩١٢ وكان يحررها تجاكرا، وظلت فترة طويلة من أهم الألسنة التى تعبر عن حال الشركة؛ وقد أنشئت للشركة فروع من بعد فى سمارانغ وتجيريبون وباندونغ وباتافيا؛ ويسر أمر الانضمام إليها كل التيسير وأخذ الأعضاء الجدد يزدادون ويزدادون بدافع الفضول الذى استولى على الجماهير وما كانت توحى به شعيرة القسم السرى، وما لقيته شركة إسلام من شهرة راحت تتسع وتتسع؛ وكانت السنن التى اتخذت فى يوم التأسيس الرسمى للشركة، وهو اليوم التاسع من شهر نوفمبر سنة ١٩١١، تراعى، فى فترة الحماسة الأولى، مراعاة لا بأس بها بوجه عام (وتتضمن هذه السنن أن يعمل الأعضاء على تقوية روابط الأخوة فيما بينهم، وأن يعاونوا المسلمين، ويعملوا على رفع المستوى الاجتماعى والمستوى الاقتصادى لأهل البلاد بجميع الوسائل المشروعة)؛ على أنه سرعان ما أخذ كل فرع محلى من فروع شركة إسلام يعمل على تحقيق أهدافه المحلية دون سواها مسترشدا
стр. 6101
بآراء الزعماء المحليين؛ وكان بعضها يخدبم المصالح المحلية لأهل البلاد كإنشاء الجمعيات التعاونية لتقوية روح المنافسة الجاوية؛ وسعى بعض هذه الفروع بتدخله إلى القضاء على المساوئ التى كان يتعرض لها الجاويون من الموظفين وأصحاب الأعمال الأوروبيين؛ وراح بعضها (مثل شركة إسلام باتافيا التى سرعان ما انضم إليها ١٢.٠٠٠ عضو) ينادى بوجوب تنفيذ ما يقضى به الإسلام من واجبات تنفيذًا أدق؛ وأعرب عن رغبته فى تحسين حال النساء من أهل البلاد، بل أنشأ فرعا من شركة إسلام للأطفال (سوتارسا موليا).
على أن نجاح شركة إسلام فى الميدان الاقتصادى لم يدم إلا فترة قصيرة، فقد زالت الجمعيات التعاونية من الوجود بمجرد أن خمدت حماسة الأعضاء التى اشتعلت أول الأمر، وتأثرت جميع أوجه النشاط الاقتصادى بسبب ما كان يفتقر إليه الجاويون من دربة على الشئون المالية. وكثيرًا ما كان زعماء الحركة يستأثرون بأموال شركة إسلام؛ أما فى ميدان التقدم الاجتماعى فلاشك أن الفضل يرجع إلى شركة إسلام فى تحسن العلاقات بصفة عامة بين الأجانب والجاويين بما يحقق مصلحة الجاويين وإن كانوا قد خسروا بعدئذ كثيرًا مما جنوه حين أخذت الحركة تضمحل اضمحلالا عامًا. على أن زعماء الحركة استمروا يعنون بأمر دينهم، والراجح أنهم فعلوا ذلك خشية أن يكرههم الناس. وكان الهدف من الرابطة الدينية دفع هذا الشر؛ ولم تسهم شركة إسلام فى السياسة قبل المؤتمرات الوطنية إلّا بنصيب ضئيل.
ويبدو أن أول اتصال وقع بين شركة إسلام والحكومة الهولندية حدث حين عطلت شركة إسلام سراكرتا إلى حين على أثر الشطط فى معاداة الصينيين (أغسطس ١٩١٢). وقد قدم تجاكرا فى ١٤ من سبتمبر سنة ١٩١٢ التماسا طلب فيه من الحكومة المركزية الاعتراف بشركة إسلام، وتلقى قرارها فى ٣٠ من يونية سنة ١٩١٣ بعد أن ترددت طويلا فى الرد. وكان اعتراف الحكومة بقوانين الشركة التى كانت فى
стр. 6102
ذاتها بريئة من العدوان، يحمل فى طياته إلى حد ما احتمال حدوث تغيير فى الإدارة فى السياسة الاستعمارية التى كانت متبعة حتى ذلك الحين، والتى كانت تقوم على مبدأ تبعية الرعايا الوطنيين؛ وقد أثبت زعماء شركة إسلام أنهم أضعف من أن يحولوا دون وقوع العدوان على الصينيين، وقد كان الفرق العظيم بين الوعود المعسولة والأمر الواقع خليقا بأن يظهر سريعًا؛ ذلك أن اعترافا رسميًا بتلك القوانين كان خليقًا بأن يجعل لشركة إسلام مركزًا قانونيًا وأن يعده الجمهور الساذج تسليما كاملا بكل ما تقوم به شركة إسلام من نشاط، أو يؤوله هذا التأويل زعماؤها أنفسهم على الأقل؛ وفى مناقشة جرت بين الحاكم العام وبين وفد من شركة إسلام فى ٢٩ من مارس سنة ١٩١٢ أكد الحاكم العام عطفه الشخصى على شركة إسلام، لكنه أشار إلى نواحى الضعف الخطيرة التى تحول دون إجابة الشركة إلى الملتمس الذى تقدمت به، مثال ذلك إدارة الأعمال المالية إدارة سيئة (وكانت هذه دائمًا من نواحى الضعف). وقد صدر آخر الأمر فى ٣ يونية مرسوم رفض الاعتراف الذى سعت إليه شركة إسلام متذرعا بأسباب عملية، على أنه وجَّه نظر الشركة إلى أن الطلبات التى تقدمت بها فروع شركة إسلام للاعتراف بها وإكسابها المركز القانونى قد لا تمنى بالرفض، وتستطيع هذه الجمعيات المحلية أيضًا أن تتحد لتؤلف لجنة مركزية شرعية من ممثلى الأقسام المحلية، على أن تكون فروع شركة إسلام المحلية مسئولة، وعليها أن توحد صيغ يمينها وأن تجعل اليمين بحيث تعده الحكومة خاليًا من الضرر، ومن ثم فقد نظمت شركة إسلام وفقا لهذه التعليمات.
على أن مسلك الموظفين فى الأقاليم كان بوجه عام أشد عداء لشركة إسلام من مسلك الحكومة فى بويتنزورغ حيالها، ولعل هذا الفارق بين موقف الحكومة وموقف بعض موظفيها هو الذى بذر بذور الشك فى قلوب أهل البلاد الوطنيين إزاء الحكومة أو كان من أهم الأسباب المؤدية إلى هذا الشك
стр. 6103
الذى ما لبث أن بدا للعيان. وقد لقيت الشكاوى المتكررة من الإجراءات المضادة التى يتخذها الموظفون المحليون الذين اشتط بعضهم أول الأمر بالرغم من الاعتراف الرسمى، فعطل فروع شركة إسلام المحلية، صدى راح يشتد ويشتد فى المؤتمرات التالية. وكان السكان الأوروبيون فى هذا الوقت يعادون شركة إسلام عداوة تامة تقريبًا، وكانت أعصابهم تخونهم أحيانا وبخاصة عندما وقع العداء بين الجاويين والصينيين؛ وكانت لهجة الصحف الأوربية أول الأمر لهجة تنطوى بعامة على الاحتقار ثم أصبحت من بعد لهجة عدائية؛ وقد ظهر لهذه اللهجة رد فعل قوى فى الصحف أخذ يشتد ويشتد، ثم راح يستفحل بسرعة كبيرة. وكان الصينيون بطبيعة الحال يعادون شركة أسلام؛ وكان العرب أول الأمر على علاقة طيبة بها بل لقد كان لهم نصيب موفور فى نهضتها الأولى؛ على أن العرب ما لبثوا أن انسحبوا بعد أن تقرر فى أوائل سنة ١٩١٣ ألا يسمح لغير الأندونيسيين بالانخراط فى سلك شركة إسلام إلا بطريق الاستثناء، وخاصة بعد أن نهضت شركة إسلام على أسس تقدمية فأخذت تمس ما عرف به العرب من محافظة؛ وكانت العلاقات بين شركة إسلام و"بودى أوتاما" طيبة بالرغم من أنها كانت قليلة؛ وكانت كل هيئة من الهيئتين ترسل ممثليها إلى مؤتمرات الهيئة الأخرى إلخ. .
(ب) وفى الفترة التالية أصبح العنصر السياسى فى شركة إسلام بارزًا جدًا، وازدادت العلاقات وثوقا بين الشركة وبين الأحزاب والحركات السياسية الأخرى، وأخذ سلطان الاتجاهات الأوروبية المتطرفة المتزايد يظهر أكثر وأكثر وسعت الأحزاب الأوربية مثل حزب جزائر الهند الهولندية الديمقراطى الاشتراكى إلى ضم شركة إسلام إلى جانبها، وراحت الميول الرسمية لشركة إسلام تزداد تطرفًا عامًا بعد عام، ومع ذلك فقد قامت داخل الحركة تيارات مناهضة قوية. وكان تجاكرا يملو الحركة الشرعية الديمقراطية الوطنية، وأصبح سمعون زعيم الأقلية اليسارية
стр. 6104
الناهضة، وقد ظهر هذا الشاب، وكان من المشايعين المتحمسين لحزب جزائر الهند الهولندية الديمقراطى الاشتراكى، أول ما ظهر علنا فى المؤتمر الوطنى الأول حيث نصح بمقاومة الحكومة، ولكنه لم يستطع أن يلفت إليه أنظار الحاضرين أو يكاد؛ على أن حديثه كان بارعا جديرا بأن يلفت إليه الأنظار، ذلك أنه كان الوحيد الذى أوتى الشجاعة على أن يشير إلى وجوه الضعف فى الحكومة الوطنية، مثال ذلك افتقارها إلى النشاط. وكان سمعون، على النقيض من تجاركا الأرستقراطى، رجلا من عامة الشعب امتاز عمله بالإيثار والأمانة، وما إن حل المؤتمر الثانى حتى وجدناه قائمًا بأعمال رئيس شركة إسلام فى سمارانغ حيث كان التطرف الأوروبى قد اجتذب اليه أكثر عدد من الأنصار، ثم عضوًا بشركة إسلام المركزية فى المؤتمر الثالث؛ ولم يقبله تجاكرا فى الفرع المركزى إلا بعد تردد شديد، فقد كان يخشى أن يسعى هذا الرجل، الذى كان يعد الناس بأكثر مما يعد هو ويتفهم حاجياتهم أكثر مما يتفهمها، إلى فرض سلطانه على الشركة، وظن أن من الأيسر عليه أن يحد من نشاطه بقبوله عضوا فى شركة إسلام المركزية، على أنه راح ينحرف شيئًا فشيئًا عن موقفه الأصلى حتى لا يفقد شهرته، وكان من نتيجة ذلك أن ازدادت معارضة جناح المحافظين، وكان النضال بين تجاكرا وسمعون هو الذى حد من تقدم شركة إسلام فى السنوات القليلة التالية، وقد استطاع تجاكرا بمهارة فائقة أن يتفادى مرارًا الانشقاق داخل صفوف شركة إسلام، ولكن لظروف كانت آخر الأمر أقوى منه بكثير، وعندما أكرهت شركة إسلام فى المؤتمر السادس على أن تختار واحدا من الاثنين ثم انتهت إلى طرد سمعون من الحزب فى غيبة تجاكرا، وجاء ذلك القرار متأخرًا جدًا للشركة.
ويجمل بنا الآن أن نذكر بعض التفصيلات عن المؤتمرات الوطنية التى كان التعبير فيها عن الآراء والميول المختلفة واضحًا جليًا وقد عقد المؤتمر الوطنى الأول فى باندونغ فى الفترة من ١٧ إلى ٢٤ يونية سنة ١٩١٦؛
стр. 6105
وكانت شركة إسلام المركزية قد تلقت قبيل ذلك (فى ١٨ مارس) الاعتراف الرسمى بها، وقد فشلت محاولة بذلت لجعل فرعى الشركة بجاوة الغربية وسومطرة مستقلين عن شركة إسلام المركزية؛ ويمكن معرفة مدى انتشار مبادئ شركة إسلام من الأرقام التالية: حضر المؤتمر مندبون يمللون ٥٢ فرعا جاويا (تضم ٢٧٣.٢٧٧ عضوا)، و ١٥ فرعا فى سومطرة (تضم ٧٦.٠٠٠ عضو) و ٧ فروع فى بورنيو (تضم ٥.٥٧٤ عضوًا) وفرعًا فى كل من سلبيس وبالى، وأكد تجاكرا قيمة الاسم "المؤتمر الوطنى" فى خطاب مثير عالج فيه أهم الموضوعات المعروضة على بساط البحث؛ كان على شركة إسلام أن تضع لنفسها هدفًا جديدا يتلخص فى أن تعمل هذه البلاد على أن ترتفع بنفسها فتصبح أمة، وأن تتعاون شركة إسلام للحصول على الحكم الذاتى للجزائر الهندية الهولندية أو تمنح العناصر الوطنية نفوذًا أكبر فى الشئون الإدارية، على أن تجاكرا أطرى الحكومة المركزية التى كانت قد نبذت بالفعل الخطة القديمة وشرعت تتخذ الخطوة الأولى فى سبيل انتهاج نهج "السياسة وضم الصفوف" (انظر Verspr. Geschr. Snouch-Hurgronie، ٤/ ٢، ص ٢٩١ و ٣٠٦)، ووعدت بأن تؤلف مجلسًا من أعضاء أوروبيين ووطنيين وشرقيين أجانب يعاون الحاكم العام؛ وقد دار حديث طويل فى هذا المؤتمر وفى المؤتمرات التالية لم تفهمه الغالبية الغالبة من المندوبين؛ وتدلنا بعض التصريحات التى قيلت فيها مثل "القرآن أثر من أعظم الآثار شأنا بالنسبة للاشتراكية، وأن النبى [ ﷺ ] (فى رأى كاتب بعث برأيه إلى المجلة الهندستانية Hindustan Review) هو "أبو الاشتراكية" و"رائد الديمقراطية، على أساس كان ناشرو الدعوة للأحزاب الأوربية يسعون للحصول على أنصار لدعوتهم، ولعل أهم عمل من أعمال المؤتمر كان يحث الثمانية والستين اقتراحًا التى قدمتها فروع شركة إسلام المحلية والتى تضمنت فى معظم الأحوال شكاوى محلية ونشرت مقرونة برأى تجاكرا فى مجلة "أوتوسان هنديا" بعدديها الصادرين فى ١٥ و ١٦ يونية سنة
стр. 6106
١٩١٦؛ ونتبين من هذه الاقتراحات مدى الآمال التى يعقدها أهل الريف السذج على شركة إسلام لتحقيق مطالبهم، وقد ظلت الرغبة فى الحصول للافراد على قسط أكبر من الحرية والاستقلال مدار الحديث فى هذا المؤتمر والمؤتمرات التالية، ولم تكن الأفكار السياسية المضطربة التى قال بها نفر قليل من السياسيين هى التى جذبت الجماهير إلى شركة إسلام، بل كان الذى جذبهم إليها الأمل فى تحقيق رغباتهم عن طريق هذه المنظمة القوية، وهذا يعلل لنا سبب تركهم لشركة إسلام بغاية اليسر من بعد، حين وعددهم حزب سمعون بأن يرعى المصالح الوطنية أكثر مما رعتها شركة إسلام.
المؤتمر الوطنى الثانى: (باناوثيا، ٢٠ - ٢٧ أكتوبر سنة ١٩١٧ - ٢٨١ اقتراحًا من الفروع المحلية) وقد عالج موضوع الموقف الذى يجب على شركة إسلام أن تقفه من المجلس التشريعى (Volksraad) القادم (انظر فيما يتصل بنظام هذا المجلس التشريعى: Koloniale Studien، جـ ١، أكتوبر؛ Extra Politiek Nummer، ص ١٦٩ وما بعدها)؛ ولم يكن النصيب الذى خصص للأندونيسيين فيه ليرضيهم، ناهيك بتأجيل افتتاحه المتواصل؛ وقد أصدر المؤتمر تصريحًا بالمبادئ التى تفسر الهدف السياسى الذى تسعى إليه شركة إسلام المركزية، ودللت فيه على سمو الإسلام، ولكن المؤتمر طالب السلطات بالحياد التام؛ ولما كانت غالبية السكان الوطنيين تعيش فى حالة من البؤس والشقاء فإن شركة إسلام المركزية ستظل تحارب سيادة رأس المال الآثم (انظر Kol. Studien، المصدر المذكور، ص ٣٥ وما بعدها؛ وقد تضمن هذا المجلد أيضا برنامج العمل الذى تقوم به شركة إسلام مع تعليقات وإيضاح للموقف السياسى فى ذلك العهد، وتفصيلات عن برامج الأحزاب السياسية فى تلك الأيام بقلم زعمائها)
وقد وضحت فى المؤتمر الوطنى الثالث (سرابايا، ٢٠ سبتمبر - ٦ أكتوبر سنة ١٩١٨) نتائج هياج الخواطر الذى ساد أوروبا؛ ودارت فيه مناقشات عنيفة حول الموقف الجديد
стр. 6107
الذى نشأ عن افتتاح المجلس التشريعى فى ١٨ مايو سنة (وكان يمثل شركة إسلام فيه تجاكرا وزعيم واحد آخر)، وحول التحسينات التى كانت لا تزال مرغوبة، ولكن الاضطراب الذى تملك المجتمع الوطنى قد نوقش بوجه خاص، وكان من أثر الصعوبات الاقتصادية ونتائج الدعوة، التى نجحت نجاحا بينا، إلى الحرب القادمة على "رأس المال الآثم" قد زاد فى مرارة النفوس، وسرعان ما بدت النتائج الوخيمة لذلك" وكان الإضراب العظيم الذى حدث فى نهاية سنة ١٩١٧ وفتنة الرعاع التى نشبت فى كودوس وديماك فى نهاية سنة ١٩١٨ بداية الصراع الاجتماعى الذى ظل ناشبا تتخلله فترات من الانقطاع حتى نهاية سنة ١٩٢٤, والذى لا يكاد المرء يشك فيما سيسفر عنه من عواقب فى الوقت الحاضر بالنسبة إلى المركز الاقتصادى الضعيف لأهل البلاد الوطنيين، والافتقار إلى تلك الهمة التى هى السبيل الوحيد إلى الخلاص من هذا الشر الجوهرى. وكان انتظام الجاويين فى اتحادات زراعية (بيرسريكاتان كاؤم تانى) وفى اتحادات صناعية (بيرسريكاتان كاؤم بوروه) قد حدث منذ بضع سنوات ثم اتسع اتساعا كبيرا فى السنوات القليلة التالية. ونحن لا نستطيع فى هذا المقام أن نناقش بعد نشاط هذه الاتحادات التى يبدو أنها كانت تتلقى العون من البولشفيك فى السنوات الأخيرة، ولا علاقاتها من جميع الوجوه بشركة إسلام ثم بشركة رعية من بعدها (انظر ما يلى):
وفى عيد ميلاد المسيح [﵇] سنة ١٩١٩ م تركز هذا النشاط فى المجلس الثورى الاشتراكى لاتحادات أرباب الحرف على يد سسراكادانا، وقد انقسم هذا المجلس فى نهاية سنة ١٩٢٠ إلى مجلس معتدل فى جكياكرتا، ومجلس شيوعى برئاسة سمعون فى سمارانغ، وقد التأم هذان المجلسان مرة أخرى بعد رحلة سمعون الجريئة إلى روسيا فى مؤتمر اتحادات أرباب الحرف الذى انعقد فى مديون فى سبتمبر سنة ١٩٢٢. ولم يقتصر نشاطهما بحال على المسائل الخاصة بالطبقات العاملة، بل تجاوز ذلك إلى ميدان السياسة بأسره.
стр. 6108
وقد تميزت الفترة ما بين المؤتمر الثالث والرابع باضطراب فى الخواطر كبير. إذ ما إن انتهى المؤتمر الثالث حتى تسببت الثورة فى أوروبا إلى قيام ما يسمى بـ "تجمعات المتطرفين" (١٦ نوفمبر ١٩١٨) من الأحزاب على اختلافها فى المجلس التشريعى بما فى ذلك شركة إسلام. وفى هذا المجلس شرح زعماؤها التطور الجديد لشركة إسلام، ودافعوا عن القول بأن الحاجة تدعو إلى إتخاذ خطوات أبعد مدى مما نصت عليه قوانين الشركة الأساسية (١٤ نوفمبر، ٥ ديسمبر، Handelingen Van den Volksraad، ١٩١٩ - ١٩١٨، ص ١٧٥ - ١٨٥, ٥١٨ - ٥٢٥)؛ على أن الحكومة التى ظلت تنظر إلى مجرى الحوادث نظرتها إلى تطور سليم للمجتمع الوطنى (Koloniaal Verslag Von ١٩١٩, ص ٤ - ١٣) قد انتقدت بشدة موقف شركة إسلام المركزية من الحركات المتطرفة (٢ ديسمبر؛ انظر Handelingen, ص ٤٣٢ - ٤٣٤) وخاصة قول شركة إسلام المركزية بأنها لا يمكن أن تكون مسؤولة عن الاضطرابات التى تقوم بها فروع الشركة المحلية ما لم تجب إلى الرغبات التى أعربت عنها مرارًا وتكرارًا فى وقت أقرب مما بدا للأذهان، وأن الشركة المركزية مسئولة عن الهيمنة على اتجاه الحركة فى عمومها وليست مسئولة عن فروع الشركة. على أن الحكومة عادت فأعلنت استعدادها للتعاون مع الشركة المركزية بمقتضى قوانين الشركة الأساسية.
وقد وقعت حادثة ثبتت خطورتها على شركة إسلام، وهى اكتشاف منظمة ثورية سرية (وهى المعروفة بالقسم ب من شركة إسلام) فى برابنكر من أعمال جنوبى شرق جاوة، على أثر التحريات التى أجريت فى قضية مقاومة مسلحة للسلطات فى ديسا تجماريمى بالقرب من كاروت (٧ - ٤ يولية ١٩١٩, انظر ملخص تقرير مندوب الحكومة هازيو، G. A. j. Hazeu فى Handelingen Tweede Gewone Zitting, Van Volksraad ١٩١٩, Rijlagen, Onderwerp، جـ ١٠، ص ٢ - ٢١). على أن العلاقة بين القسم ب وبين شركة إسلام المركزية وبينه وبين شركة إسلام ليست بحال واضحة
стр. 6109
(Handelingen der Staten. Tweede Kamer Generael ١٩٢٠ - ١٩١٩، ٢ ديسمبر، ص ١١٥٨ ب؛ Blumberger فى Encyclopaedie van Ned - lndie Kolon. Verslag Van ١٩٢١ ص ١٥ ب، ص ٦) وقد أنكر تجاكرا وجود أية علاقة بين القسم ب وشركة إسلام المركزية أو فرع شركة إسلام المحلية (أنظر أيضا Handelingen der St. G etc, ص ١١٥٣ ب؛ Hand.v.d Volksraad. ١٩١٩ - ١٩٢١، ص ٩١ - ٩٢, ٩٤, ٩٦, ١٠٦, ١١٠, ١١٤, ٢١١). ومهما يكن من شئ فإن الحكومة قررت أن لا تمنح أى اعتراف شرعى لشركة إسلام ما لم تستبعد الأيمان التى يقسم بها الأعضاء من القوانين الأساسية للشركة إلخ، وقد اعتقدت الحكومة (والراجح أنها كانت محقة فى ذلك) إن بين ظهرانى شركة إسلام حركة مناهضة للهولنديين أصبحت مشهورة (١٩٢٠ Kol. Verl. Van, الفصل ب ص ٥). فسحبت العون الأدبى التى بذلته لشركة إسلام فى السنوات الأخيرة على السلطات المحلية. وسرعان ما واجهت شركة إسلام فى أمور أخرى كثيرا من الصعاب الكبيرة أثرت فى نشاطها الظاهر وأجبرتها على العمل على تقوية نفسها من الداخل.
أما المؤتمر الوطنى الرابع - سرابايا، ٢٦ أكتوبر - ٢ نوفمبر ١٩١٩) فقد انصرف فى جوهره إلى مناقشة المجلس التشريعى الثورى القادم (انظر ما سبق) وصلة شركة إسلام بهذا المجلس، ويمكن أن نمر بذلك هنا مر الكرام.
وازدادت المصاعب، وتأجل المؤتمر الوطنى الخامس نتيجة للنقد العنيف الذى وجه إلى الإدارة المالية والسياسية لشركة إسلام المركزية (وجهه الشيوعى دَرْسنا فى سنار هنديا، ٦ - ٩ أكتوبر ١٩٢١ وانظر kol.verslag ١٩٢١ Van عمود ٦؛ kol.verslag van ١٩٢٢ عمود ٩). وطالبت فروع الشركة ببيان عن الأموال التى أودعتها لدى الشركة المركزية؛ وقبض على سكرتير الشركة المركزية فى نوفمبر سنة ١٩٢٠، وصدر ضده حكم فيما يتعلق بحادثة القسم ب. وزاد الموقف اضطرابا على اضطراب نتيجة للنشاط المتزايد الذى كانت تبذله الاتحادات الأخرى.
стр. 6110
وقد كان المؤتمر الخامس الذى عقد فيما بين ٢ - ٦ مارس سنة ١٩٢١ بمثابة المحاولة الأخيرة لتجاكرا فى سبيل أن يبقى السيطرة على الحركة الشعبية الجاوية جميعا فى يد شركة إسلام المركزية باتخاذ موقف وسط بين الحركات المختلفة أشد الاختلاف وبين تأجيل النظر فى المشاكل المعقدة أشد التعقيد والتى لم يستطع الاهتداء إلى حل لها بعد. وكان قوام هذا الوقف برنامج من المبادئ جديد يتضمن: (أ) الكشف عن النفوذ الخطير للرأس مال الأوربى الذى استعبد فيما يقال أهل البلاد الوطنيين، (ب) تتخذ الشركة الإسلام أساسا لأعمالها بحكم أنه يتطلب حكومة شعبية، ومجالس للعمال، وتوزيع الأرض ووسائل الانتاج، ويحتم العمل ويمنع أى فرد من الأثراء على حساب عمل الآخر، (جـ) استعداد شركة إسلام للتعاون الدولى فى الحدود التى وضعها الإسلام مع تأكيد استقلال الشركة. أما المسائل الشائكة الخاصة بتنظيم الحزب (أيجوز للعضو فى شركة إسلام أن يصبح أيضا عضوا فى حزب سياسى آخر؟ ) فقد أرادت شركة إسلام المركزية أن تجيب عن هذا السوْال بالنفى، وأراد الجناح الأيسر المتحالف تحالفا وثيقا مع الحزب الشيوعى أن يجيب عنه بالإيجاب ولما كان الشيوعيون حريصين على إقرار البندين (أ، جـ)، وكانوا بلا شك مستعدين أن يرضوا بالبند (ب) من أجل هذين البندين فإنا نخرج من هذا بأن دعواهم بأن الشيوعية قد تحقق لها النصر الآن فى شركة إسلام أصبح مفهوما. ومن اليسير أيضا أن ندرك أن النضال بين صفوف شركة إسلام سرعان ما تجدد، ذلك أن الشركة المركزية لم تكن لتسمح بهذا التفسير للموقف الوسط الذى اتخذته (انظر أوتوسان هنديا، عدد ٢٦ مارس سنة ١٩٢١) وأعقب ذلك حدوث الإنشقاق فى المؤتمر الوطنى السادس (سرابايا، ٦ - ١٠ أكتوبر ١٩٢١)؛ ولم يشهد تجاركا هذا المؤتمر، فقد كان قبض عليه فى أغسطس سنة ١٩٢١ (ذلك أنه ظن أنه حنث بيمينه فى حادثة القسم (ب)، ولكنه أطلق سراحه فى
стр. 6111
أبريل سنة ١٩٢٢, وحكم ببراءته فى أغسطس سنة ١٩٢٢)، ولم يستطع نائب الرئيس أن يتحاشى القرار، ووافقت أغلبية المؤتمرين على مبدأ تنظيم الحزب؛ وترك سمعون وأتباعه شركة إسلام (٨ أكتوبر سنة ١٩٢١). وسرعان ما انتظموا فى سلك شركة اسلام بيراستوان، أو شركة إسلام ميراه (أى شركة إسلام الحمراء) متخذين مقر الشركة فى سمارانغ.
(جـ) وبعد هذا القرار أخذت شركة إسلام تفقد مكانتها سريعًا. وتلاشى إخلاص أعضائها أمام مغريات الحزب المتطرف. واستأنف تجاركا بعد إطلاق سرابحه دعوته لشركة إسلام ولكنه لم يلق نجاحا يذكر، وفقد كثيرا من نفوذه السابق، ولم يعد يمثل شركة إسلام فى المجلس التشريعى الجديد، وأصبح الآن يسير على سياسة تقدمية معتدلة. وعقد المؤتمر الوطنى السابع فى مركز مديون المحافظ (١٧ - ٢٠ فبراير سنة ١٩٢٣). وعاد تجاركا فاضطلع بالمسائل الثقافية والدينية. وكانت الشئون الإسلامية قد تركت فى السنين القريبة إلى اتحادات خاصة أى إلى المحمدية. وأصبح تجاركا رئيسا لمؤتمر الجامعة الإسلامية الأول (تجربون، ١ نوفمبر ١٩٢٢) الذى كان قد نظم على نهج "رابطة مسلمى الهند جميعًا". وقد تجلت فى المؤتمر العناية الكبيرة بالإسلام فى نطاقه الدولى. وأرسلت برقية تعبر عن الاحترام والتبجيل لمصطفى كمال باشا.
ونوقش موقف الجاويين من مشكلة الخلافة. وربطت شركة إسلام نفسها فى المجلس التشريعى بالكتلة الثانية المتطرفة التى تألفت نتيجة للمقترحات التشريعية التى قدمت لمراجعة دستور جزائر الهند الشرقية الهولندية. ولكن نشاط هذه الكتلة ظل محصورا فى أضيق الحدود.
وبينما كانت شركة إسلام تضمحل كانت شركة إسلام المتطرفة تنهض وتزدهر؛ وقد دخل زعيمها سمعون فى علاقات مع الحكومة الروسية السوفيتية فى موسكو، وقد أشرنا من قبل إلى نشاطه فى اتحاد أرباب الحرف. وكان اعتقاله هو السبب فى
стр. 6112
الإضراب الكبير بين عمال السكة الحديد الذى وقع فى مارس سنة ١٩٢٣. وقد نفى من جزائر الهند الهولندية فشخص إلى هولندة حيث أدخل عضوًا فى لجنة الجزب الشيوعى "ممثلا للحركة الأندونسية الشعبية". وكان فى نهاية سنة ١٩٢٤ فى الصين التى كان حزبه على اتصال دائب بها، وخاصة بعد اعتناق صن يات سن لمذهب البلشفية. وفى ٤ مايو سنة ١٩٢٣ عقدت شركة إسلام المتطرفة مؤتمرًا بالاشتراك مع الحزب الهندى الشيوعى فى باندونغ. وأطلق على شركة إسلام الحمراء بهذه المناسبة اسم شركة رعية (نادى اتحاد الشعب)، وأصبحت الدعوة إليها توجه بالاشتراك الوثيق مع الحزب الشيوعى.
وهكذا قدر أن تكون شركة رعية مدرسة إعدادية للحزب الهندى الشيوعى، ولم يكن يسمح بتلقى الدروس التى يعقدها هذا الحزب لإعداد القادة لشركة رعية إلا للطلبة المدربين فحسب، والظاهر أن هذه الخطة قد خلقت دعاة بارعين بالرغم من حديث الجرائد عن ذلك حديثًا يدل على الجهل الفاضح (ولعلها محقة فى ذلك). ولا تحفل شركة رعية بالدين فهى تقف من اللَّه [سبحانه] موقف الحياد (Neutraol hepada Allah). على أن الزعماء فى المدن يقفون من الدين موقفًا معاديًا فى كثير من الأحيان، أما فى الريف فهم مسلمون، ويبدو أنه توجد طائفة من الشيوعيين الذين يؤمنون بالدين. وقد دأبت السلطات على مناهضة شركة رعية، فمنعت اجتماعاتها، وعاقبت كل مخالفة للقانون فيما يختص بحرية الحديث والخطابة، وصادرت الكتب الشيوعية وما إليها، وكفت أذى الأعضاء المشاغبين باعتقالهم للتحرى عنهم. وقد زادت الحملة الموجهة إليهم شدة منذ ٣١ أغسطس سنة ١٩٢٤ ومن نتائج هذه الحملة اتخاذ موقف أكثر سماحة حيال الاتحادات المعتدلة (شركة إسلام وما إليها). على إننا لا نستطيع أن نذكر شيئا محددًا بعد عن نتائج هذه الحملة.
стр. 6113
وفروع شركة إسلام خارج جاوة أقل أهمية بكثير من الفروع التى فى جاوة، ذلك أن ظروف تلك الفروع مختلفة، كما أن الأرض التى بذرت فيها شركة إسلام مبادئها هنالك أقل صلاحية بكثير منها فى جاوة. وقد تألفت منذ سنة ١٩١٤ فروع للشركة فى أهم المراكز، وأثارت هذه المراكز اهتماما بالحياة الدينية أكثر نشاطا مما كان؛ واتسم ذلك أحيانا بالشطط فى بعض الأماكن المحلية، على أن هذه الحماسة سرعان ما فترت. وكانت هذه الفروع ترسل ممثلين لها إلى المؤتمرات الوطنية فى جاوة، فيبينون للمؤتمر شكاوى الناحية التى يمثلونها. وقد حدث من بعد فى بعض الأحيان الصراع المعهود بين شركة إسلام وشركة رعية، إلا أنه كان أقل حدة بكثير منه فى جاوة. وكان أول فرع لشركة إسلام فى خارج جاوة هو فيما يظهر الفروع الذى تالف فى بالمبانع فى ١٤ نوفمبر سنة ١٩١٣ على يد الجاويين وكان نفوذ شركة إسلام يختلف كثيرا باختلاف الظروف المحلية. وقد كان الموقف عصيبا فى آشى حوالى سنة ١٩٢١ ذلك أن شركة إسلام (وكان تنظيمها سريا فى كثير من الأحوال) انتهجت فيما يظهر دعاية مناهضة للهولنديين، وقد كان لشركة إسلام فى جمبى شأن فى الاضطرابات التى وقعت فى سنة ١٩١٦ وما بعدها من سنوات.
وكان الميل إلى الجامعة السومطرية فى مننككا بآو أقوى من النفوذ الجارى لشركة إسلام وكان عمل هذه الشركة فى جزائر ترنات وأمبون هاما، وقد ظهرت فى أمبون نزعات متطرفة قوية.
ويجب فى آخر الأمر ألا نغفل أن نمو شركة إسلام الفتية كان ينظر إليه فى مكة بأعظم الاهتمام. فقد قلقت الخواطر فيها بعض القلق لما نسب إلى الحكومة الهولندية من أنها انتوت أن تجعل الحج إلى مكة مستحيلا بالنسبة إلى رعاياها الأندونيسيين. ولا يخفى بطبيعة الحال أن المكيين كانوا يعتمدون فى كثير من معاشهم على الحجاج الجاويين (Mekka: Snouck Hurgronje, جـ ٢، الفصل ٤). والظاهر أنه قد تبودلت
стр. 6114
رسائل بين علماء مكة والسلطات الإسلامية فى أندونيسيا عن نشاط بعثات التبشير المسيحية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل يقال إنه قد أقيمت صلوات خاصة فى المسجد العتيق من أجل مسلمى أندونيسيا. ونخرج من هذا بأن الاهتمام كان كبيرًا بشركة إسلام. وفى أواخر سنة ١٩١٣ ظهر كتيب عن شركة إسلام باللغة العربية فى مكة، ثم ترجم من بعد إلى اللغة الملاوية. وأنشئ فرع لشركة إسلام فى مكة (والراجح أنه أنشئ من أجل الأندونيسيين الذين يقيمون فيها) ولا يعرف كاتب هذه المادة شيئًا آخر عن نشاطه. ولعل هذا الفرع هو الفرع الوحيد لشركة إسلام الذى قام خارج جزائر الهند الشرقية الهولندية.
ويحق لنا أن نقول تلخيصا لما ذكرنا أن شركة إسلام كان لها شأن هام فى نمو العلاقات بين هولندة وجزائر الهند الشرقية البولندية، وإن تاريخها له أيضا شأن فى تاريخ نهضة الإسلام ويقظة شرقى آسية. وهذه الشركة أول صيحة عظيمة مستقلة تعبر عن الحاجة التى أحس بها الأندونيسيون عشرات من السنين، وعن رغبتهم فى مزيد من الحرية ومزيد من الاستقلال. وقد وجه زعماؤهم هذه الرغبة وجهة متطرفة، بل ربما كانت وطنية أيضا، ولكن العامة لم يفهموا نظريات هؤلاء الزعماء، وكانوا يؤيدون أعظم تأييد الحركة التى تستجيب لمطالبهم خير استجابة. وفى السنوات الخمس عشرة التى انقضت على حياة شركة إسلام طرأ على المجتمع الجاوى فى مظهره تغيرات هائلة، يمكن أن نلتمس أسبابها أيضا فى الحوادث التى وقعت أثناء الحرب العالمية الأولى وما بعدها. أما التطور الداخلى فقد بدأ خاصة بتأثير شركة إسلام، ولكن هذا التطور خليق بطبيعة الحال أن يسير سيرًا أبطأ من ذلك بكثير. وأما تطور الحركة الشعبية من بعد بين الجاويين الذى يعد فى ذاته مهمًا بوصفه آية من آيات العصر فإنه سوف يعتمد على كثير من العوامل الخارجية. ولعل مدى ما تستطيعه السلطات الأوروبية من قدرة على تكييف سياستها بالموقف الذى يتغير تغيرا بطيئًا هو بخاصة العامل الحاسم فى تحديد طبيعة الحركة الشعبية.
стр. 6115
المصادر:
(١) ١٩٢٣ - ١٩١٣, Kolonial Verslag, الفصل جـ (التقارير السنوية عن الأحوال فى مقيميات جزائر الهند الشرقية الهولندية) فى Bijlagen van het Verslag der Handelingen van de Quveede; kamer der Staten. General Bilaje C
(٢) المصدر نفسه، ١٩١٩ وما بعدها، الفصل ب (Stroomingen onder de inlandische Bevolking
بعد عام ١٩٢٣ Verslag Van Bestuur en Staat: Van Nederlandsch-lndie van ١٩٢٢ (بسبب أن مركز جزائر الهند الهولندية قد تعدل بتغيير أدخل على الدستور الهولندى اقتضى أيضا تغيير الاسم Koloniaal" Verslag"), الفصل جـ فى مواضع مختلفة Bilaje A (مصادر رسمية).
وهناك مقالات قصيرة عن شركة إسلام وغيرها فى:
(٣) Repertorium op de Literatuur betrefende de Nederlandsche Kolonien etc. . Vierde Ve: Schalker-Muller roolg (١٩١١ - ١٩١٥), لاهاى ١٩١٧, ص ٨٩, ١٣٣ - ١٤٢, ١٤٦, ٢٩٩, ٣٠٢, ٣٠٩؛ vijfde vervolg ١٩١٦ - ١٩٢٠) لاهاى ١٩٢٣ م, ص ١٢٨, ١٦٤ - ١٧٢, ١٨٣, ١٩٣, ٢٠٢, ٢٢٢ - ٢٢٣, ٢٥٧.
ونذكر فى هذا المقام أيضا.
(٤) " A. Cabaton la "Sarekat Islam فى R.M.M ١٩١٢، جـ ٢١, ص ٣٤٨ - ٣٦٥ (ويسبقها [ص ٣٣٠ - ٣٤٨] مقال بقلم الكاتب نفسه عن المطابع الوطنية اليوم فى جزائر الهند الشرقية الهولندية)
(٥) Der "sarekat Dagang lslam" und der Aufruhr auf Dambi Deutsche Woch-enzeitung fir die Niederlande, ١٧ سبتمبر ١٩١٦.
(٦) Bemerkenswerte Stromungen in den Bataklanden. Der S.I فى Rhein Miss Ber، ١٩١٧ م، ص ٢٥.
(٧) Der "Sartkat Islam" auf Sumatra, Allg. Missionszeitschrift: G.Simon ١٩١٧ م، جـ ٥٤، ص ١٢٣ - ١٢٥.
стр. 6116
(٨) Der Mohammedaner Bund "Sarkat Islam": Fr. Von Mackay فى Die Islamische Weli, فبراير سنة ١٩١٨.
(٩) Der S.l فى " Kriegsbelenchtung" بقلم j.p. Blum berger فى Koloniaal Weekblad ٢، ٢ يونية سنة ١٩١٨.
(١٠) L'evolution de L'esprit indigene aux Indes Orientales Bull. Soc. Beige d'Etat: O.J.A.Collet, فى colNeerlandaises ١٩٢٠, جـ ٢٧, ٤٦١ - ٥٢٤؛ ١٩٢١، جـ ٢٨, ص ١ - ٧٥ (طبعة منفصلة، بروكسل ١٩٢١).
(١١) ومن ثم انظر Kolon. Weekblad، ١٢ مايو سنة ١٩٢١ و Kolon Tijd schrift , ١٩٢١ م، ص ٥٣٨.
(١٢) De inlandsche Beweging op, Java: P.H.Fromberg فى de Gids ١٩١٤ م، رقم ١٠، ١١.
(١٣) De Sarikat Islam: B. Alkema، أوترخت، ولم يذكر تاريخ هذه الطبعة.
(١٤) De Sarekat Islam, en hare beteekenis voor den Be sturrsambtenaar Tijdschr: J.Th.P.Blumberger، ١٩١٩ م, جـ ٨، رقم ٢, ٣, ٤.
(١٥) المؤلف نفسه: Stemmingen en Stroomingen in de SareKat Islam, لاهاى ١٩٢٠.
(١٦) المؤلف نفسه، مقال عن شركة إسلام فى Encyklopaedie van Nederlandsch-Indie، جـ ٣، لاهاى - ليدن، ١٩١٩ م، ص ٦٩٤ أ - ٧٠ أو AanwlLing، ص ١٥ أ - ٢١ ب (١٩٢٢) ص ١٩٦: ٢٠٣ ب (١٩٢٤).
(١٧) Verspreide Geschrifter: C.Snouck Hurgronje، بول ليبسك ١٩٢٤, مجلد ٤، جـ ٢، ص ٣٩٥ - ٤٠٢، ٤٠٥ - ٤٠٦, ٤٠٩ - ٤١٠.
(١٨) والكتاب التالى بقلم الكاتب نفسه عظيم القيمة فى الحكم على الموقف وعلى ظهور شركة إسلام، وإن كان قد كتب فى تاريخ مبكر: Politique MusuImane de la Hollande, باريس ١٩١١ , و Verspr .Geschr, المجلد ٤، جـ ٢، ص ٢٢٧ - ٣١٦.
صبحى [برغ C.C.Berg]
стр. 6117
شريعة (١)
ويقال أيضًا "شرع" (مصدر فى الأصل): هى لغة الطريق إلى مورد الماء؛ والطريق الواضح الذى يجب سلوكه، والطريق الذى يجب على المؤمنين أن يتبعوه؛ والديانة الإسلامية؛ واصطلاحًا: القانون المعترف به فى الإسلام، وهو جملة أحكام اللَّه (وتستعمل كلمة "شريعة" أيضًا فى الدلالة على الحكم الواحد، والجمع شرائع = أحكام. وهو يستعمل فى معنى الشريعة) وترادف كلمة "شريعة" كلمة "شرْعة" التى كانت تستعمل أيضًا بمعنى العادة وأصبحت من بعد كلمة مهجورة.
أما كلمة "شارع" فتستعمل أيضًا اصطلاحا للدلالة على النبى ﵊ بوصف أنه مبلغ الشريعة، لكنها تطلق فى الغالب على اللَّه بوصف أنه المشرِّع.
"والمشروع" هو ما نصت عليه الشريعة؛ والشئ الذى يدخل فى الشريعة أو يتفق معها وينطبق عليها يسمى "شرعيا". ويستعمل لفظ "شرعى" أيضًا مقابلا للفظ "حسى": فيطلق الأول على الأفعال الظاهرة المدركة بالحواس التى هى أيضًا صور للأحكام الشرعية؛ ويطلق الثانى على كل الأفعال التى لا يكون حالها هذا الحال أى التى ليس لها مدلول فى الشريعة (فمثلا الإيجاب والقبول فى التعاقد أشياء شرعية، وهى فى أحوال أخرى أشياء حسية). وعلى هذا النحو يكون الشرع والحكم مقابلين للحقيقة أى للعلاقات الواقعة فعلا والتى قد تكون مخالفة لما أوجده الشرع.
ويردّ الاستعمال الاصطلاحى للكلمة إلى بعض آيات من القرآن الكريم: (سورة الجاثية، الآية ١٨؛ وهى ترجع إلى أواخر الفترة المكية -وفيما يتعلق بالتواريخ انظر Ces Chichte des Koran: Noldeke-Schwully، جـ ١، ص ٥٨ وما بعدها؛ Mohammed: Grimme, جـ ٢، ص ٢٤ وما بعدها): "ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون" وسورة الشورى الآية ٣ (الفترة نفسها، وربما بعد ذلك بقليل): ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾. . . والسورة نفسها، الآية ٢١: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ
стр. 6118
يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾؛ وسورة المائدة، الآية ٤٨ (مدنية، وربما كانت من أول الفترة المدنية): ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. وكلمتا "شريعة" و"شرعة" فى هذا المقام لم تكونا قد أصبحتا بعد من المصطلحات.
ومن التعريفات القديمة للفظ "شريعة" ما يذكره الطبرى فى تفسير سورة الجاثية الآية ١٨ من أن الشريعة هى "الفرائض والحدود والأمر والنهى". أما فى المذاهب التى جاءت بعد ذلك فيفهم من "الشريعة" و"الشرع" جملة أحكام اللَّه المتعلقة بأفعال الإنسان، ومن هذه الأحكام يستبعد ما يتناول الأخلاق ويسمى "الآداب"، وعلم الفقه (هو وعلم التفسير وعلم الحديث، والعلوم المساعدة له) هو علم الشريعة أو علم الشرائع. ويمكن فى بعض الأحيان أن يستعمل مرادفا لعلم الشريعة كما أن "علم أصول الفقه" يسمى أيضًا "علم أصول الشرع". ويرى أهل السنة أن الشريعة هى منشأ الحكم على الأفعال بأنها حسنة أو قبيحة، ومردّ هذا الحكم عندهم إلى اللَّه وحده، على حين أن الحكم على الأفعال بأنها حسنة أو قبيحة فى نظر المعتزلة إنما يأتى مؤيدا الحاكم العقل السابق على الشرع.
والشريعة من حيث هى المحكمة الظاهرة Forum externum لا تضع القواعد إلا للعلاقات الظاهرة التى تربط المكلَّف باللَّه وتربطه بابناء جنسه، وهى لا تتناول باطنه، أى موقفه أمام المحكمة الباطنة (١) Forum internum، فالنية نفسها مثلا، مع أنها أمر مطلوب فى كثير من العبادات، لا تتضمن الباعث الباطنى من القلب. والشريعة إنما تطالب بأداء الواجبات الظاهرة المفروضة، وهى لا تنظر إلا إلى أدائها، وعلى هذا فإن الشريعة، والحكم على الأفعال بالاستناد إليها، وكذلك القضاء الذى لا يجاوز الواقع الظاهر، كل ذلك يجئ فى مقابل ما يكون فى قلب الإنسان وما يحس بأنه مسئول عنه شرعًا (وهذا ما يسمى الديانة والتنزه) وما يكون بينه وبين اللَّه، ولذلك فإن أهل الأرواح المتدينة، كالغزالى، عارضوا المبالغة فيما هو فقهى، والفقهاء أنفسهم
стр. 6119
يقولون إن مجرد القيام الشكلى بأحكام الشريعة جميعًا غير كاف. ويتصل بهذا مكان الشريعة عند الصوفية (انظر فيما يتعلق بالصوفية Vorlesungen uber den Islam: I.Goldziher, الطبعة الثانية ص ١٦٥ وما بعدها؛ Al- Hartmann
Kuschairis Darstellung des Sufitums ص ٧٢, ١٠٢ وما بعدها) والشريعة مرحلة بداية فى طريق الصوفى، ويمكن أن تكون من جهة أساسا لا بد منه للحياة الدينية التى تأتى بعد ذلك والتى يجب أن يكون فيها القيام بأحكام الشرع شيئًا باطنا، وعلى هذا فإن الشريعة التى هى أمر بالتزام العبودية والحقيقة التى هى مشاهد الربوبية تكوّنان مفهومين متضايفين. ويمكن أن تعد الشريعة من جهة أخرى مجرد رمز تصطنع فيه صور التعبير الحسية وإشارة لشئ آخر، أو أن تعد أخيرًا نافلة. وبالجملة فإن الشريعة هى العنصر المميز للتفكير الإسلامى، وهى لب الإسلام نفسه، وهى إلى جانب ذلك نوع خاص من "القانون المقدس".
وكانت المعرفة بالشريعة فى أول الأمر تُستمد من القرآن والحديث مباشرة (ولذلك كان علم التفسير وعلم الحديث من جملة الفقه)، وعند المتأخرين صارت المعرفة بالشريعة تستمد على نحو قاطع من المذاهب الفقهية التى اشتملت على أدق وأصغر المسائل التفصيلية والتى كان مرجعها الأخير إلى الإجماع وهو الحجة الكبرى التى لا يعرض فيها الخطأ. وكان لا يجوز لمسلم من أهل السنة أن يتنصل من حكم الإجماع، لكن المهدى محمد بن أحمد فعل ذلك ويفعله أصحاب التجديد (انظر مثلا فيما يتعلق بتركية A. Fischer: Ubersetzung and Texte; aus der neu osmanischen Literatur المؤلف نفسه Aus A. Muhiddin,: der religiosen Reformbe Die Kul-: wegung in der Turkei turbewegung in modernen Turkentum؛ وفيما يتعلق بمصر انظر كتاب الإسلام وأصول الحكم لعلى عبد الرازق، القاهرة ١٣٤٤ هـ، وفيما يتعلق بالهند انظر كتاب سيد أمير على: Life and The Teachings of Mohammed وله أيضًا: The: M. Barakatullah;The Spirit of Islam Khilafet) . لكن التجديد قد أخذ ينال
стр. 6120
مكانا فى العصر الحديث، وهو ينازع فى سلطة الصورة التقليدية التى للشريعة، ويدعى لنفسه الحق فى أن يصلحها بحسب الآراء والحاجات الحديثة، وهذا لا يحدث بدون تعسف فى اختيار الأقوال التى يجب الأخذ بها ولا بدون تأويل للنصوص الأساسية لا يخلو من تكلف.
وكان من نتائج تطور الفقه أن الشرع لم يُرتب على هيئة "مجموعة قوانين" بالمعنى الحديث (انظر خاصة Verspreide Ge schriften: Snouck Hurgronje، مجلد ٤، جـ ٢، ص ٢٦٠ وما بعدها) ثم إن كتب الفقه، وخاصة التى ترجع إلى عصر متأخر والتى تعد المقياس المقبول عند الكافة (بسبب الإجماع عليها)، هى فى الواقع "كتب الشريعة" عند المسلم السنى: فهو يجد فيها شريعة اللَّه مبينة على الوجه الذى يجب أن يتبعه وبحسب المذهب الذى ينتمى إليه، على حين أن القرآن الكريم والحديث بالإضافة إلى ما سبق فإنهما يثبتان الإيمان ويقويان اليقين. ولكن ليس كل إنسان قادرًا على أن يستخلص بنفسه من كتب الفقه وعن خبرة كافية رأى الشرع فى بعض الحالات، بل يحتاج غير المتخصصين فى الشريعة إلى سؤال المتخصصين فيها. ورأى هؤلاء يجئ فى صورة فتوى، والعالم الذى يعطى هذه الفتوى يسمى تبعًا لذلك بالمفتى.
وشرع اللَّه لا يمكن إدراك كل أسراره بالعقل، فهو تَعَبُّدى، أى أن الإنسان يجب عليه أن يقبله، وأحكامه حتى التى لا يدركها العقل، من غير نقد وأن يعد ذلك حكمة لا يمكن إدراك كنهها. ولا يجوز للإنسان أن يبحث فى الشرع عن علل بحسب مفهوماتنا, ولا عن مبادئ، ذلك أن منشأ الشريعة هو إرادة اللَّه التى لا تقيدها مبادئ. ولذلك فإن أنواع الرخص لا تعتبر أكثر من اصطناع وسائل وضعها اللَّه فى متناول الإنسان. والشريعة الإسلامية التى تكونت من الوجهة التاريخية بتضافر عوامل كثيرة لا يكاد يمكن تقديرها التقدير الدقيق (انظر Islam: Bergatrasser مجلد ١٤، ص ٧٦ وما بعدها) بدت فى
стр. 6121
نظر أتباعها دائما شيئًا يعلو على الحكمة الإنسانية. ولذلك أيضًا لم يحرم البحث فى معنى القوانين الإلهية بقدر ما هدانا اللَّه نفسه إلى طريقة هذا البحث، وعلى هذا فإنه يشار فى كثير من الأحيان إلى الحكمة من شرع شرعه اللَّه. لكن المرء يجب عليه دائما أن يحرّز من المغالاة فى قيمة هذه الاعتبارات النظرية.
ولهذا السبب نفسه لا تعد الشريعة "قانونا" بالمعنى الحديث لهذه الكلمة ولا هى كذلك من حيث مادتها، ذلك أنها، وهى القانون الخلقى الذى لا يتطرق إليه الباطل، تشمل جملة الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية والعائلية والفردية لمعتنقى الإسلام على أوسع نطاق وبدون تقييد، كما تشمل حياة أهل الأديان الأخرى الذين يسمح لهم بالحياة بين المسلمين ما دام نشاطهم بريئًا من العداوة للإسلام.
والمكلف بالعمل بأحكام الإسلام هو الشخص البالغ العاقل، وعلى هذا فإن الشريعة لا تقيد غير المسلم شيئًا من التقييد إلا فى بلاد الإسلام، فهى تقصر انطباقها طبقا للمبدأ الذى يراعى الشخص ويراعى البلاد معًا (١).
وهذه النظرة التى تميز الشريعة تمييزًا تاما تبدو بارزة منذ مرحلتها الأولى، أى المرحلة القرآنية، وإن الأحكام الواردة فى القرآن كانت بعيدة عن أن تكون شاملة لكل تفاصيل الميادين التى تقدم ذكرها. وقد وضح القرآن أولًا وقبل كل شئ ما يجب على الإنسان أن يفعله بالنسبة لأنواع معينة من التعاقد، وبالنسبة لأحوال معينة، وأن يبين ما لا يجوز للإنسان أن يفعله؛ أما فيما يتعلق بالمصادر المادية التى استوعبتها الشريعة الإسلامية فإن عناصر كثيرة مختلفة جدًا فى أصلها (من آراء عربية قديمة وبدوية: قانون التعامل بمدينة مكة التى كانت مدينة تجارية؛ وقانون الملكية فى واحة المدينة؛ والقانون العرفى الذى كان فى البلاد المفتوحة، وهو قانون رومانى إقليمى إلى حدّ ما؛ وقانون هندى) قد احتفظ بها الإسلام وأخذ بها من غير تحرج
стр. 6122
بعد أن أخضعت لذلك التقييم الدينى الذى شمل كل شئ وأنتج من جانبه أيضًا عددا كبيرا من المبتكرات الفقهية البالغة أعلى درجة فى الأصالة. ومن طريق هذه النزعة الشاملة فى بيان الأوامر والنواهى صار مضمون الشريعة على تنوعه وحدة متماسكة غير قابلة للانحلال.
وأحكام الشريعة يمكن أن تنقسم من حيث مادتها إلى طائفتين كبيرتين:
١ - أحكام تتعلق بالعبادات والشعائر.
٢ - أحكام ذات صبغة قضائية وسياسية.
وكل هذه الميادين هى بحسب طريقة التفكير الإسلامية من نوع واحد تماما (وإن كان المسلم يحس بطبيعة الحال بأن الأحكام الأولى المسماة العبادات أوثق صلة باللَّه). وهذا يصدق أيضًا على الأحكام الكثيرة المتفرقة فى جميع أنحاء كتب الفقه والتى تتعلق بأمور مختلفة أشد الاختلاف لا يكاد يمكن إدخالها فى إحدى الطائفتين الكبيرتين اللتين تقدم ذكرهما، وذلك مثل الأحكام المتعلقة بالآلات الموسيقية المباحة والمحرمة، وباستعمال آنية الذهب والفضة، والعلاقات بين الرجال والنساء، والمباراة فى الرماية والسباق، وتصوير الكائنات الحية، واتخاذ الملابس والزينة بالنسبة للرجال والنساء ونحو ذلك.
وكانت النزعة الكبرى عند نشأة الشريعة هى نزعة الحكم على كل أحوال الحياة على أساس النظرة الدينية، ولم تكن وجهات النظر القانونية إلا شيئًا ثانويا فحسب (انظر Bergstrasser، المصدر المتقدم) وأهل السنة يقسمون الشريعة أحيانا تقسيما شكليا إلى عبادات ومعاملات وعقوبات. أما الشيعة الاثنا عشرية، فقد قسموا الشريعة على نحو أكثر منهجية تقسيما شكليا أيضًا لم يمضوا فيه من حيث المنطق إلى نهايته، ذلك أنهم قسموها إلى عبادات وعقود وإيقاعات وأحكام.
وكان هناك إجماع بين الأجيال الأولى من المسلمين حول الواجبات الكبرى المفروضة على المسلم. فالقرآن كان قد جعل للصلاة والزكاة والصوم شأنا خاصا. ورأى الكثيرون إلى ذلك أن الاشتراك فى الجهاد فرض أساسى
стр. 6123
يجب على المسلم أن يقوم به، ثم إن المهدى محمد بن أحمد أيضًا قد جعل الجهاد من الواجبات الكبرى التى بينها هو من جديد (انظر Islam مجلد ١٤ ص ٢٨٥). وعند الشيعة أن القول بإمامة أئمتهم والولاية لهم من الفروض الكبرى؛ ويضيف الإسماعيلية إلى ذلك الجهاد. ولكن بحسب الرأى الذى أصبح هو السائد عند أهل السنة يقوم الإسلام على خمسة أركان (جمع ركن): الشهادة والصلاة، والزكاة والحج، والصوم. وكتب الفقه فى العادة لا تتناول الشهادة: وذلك أن المسائل المتعلقة بالعقيدة كانت من الكثرة بحيث لم يلبث موضوع هذا الركن الأول من أركان الإسلام أن صار فرع دراسة قائما بذاته. وهو علم الكلام. أما الأركان الأربعة الباقية فتدرج هى والطهارة (وتعد عند الإسماعيلية ركنا جديدًا) سويا أحيانا بوصفها "العبادات الخمس".
وبحسب الترتيب المأثور فى كتب الفقه والحديث -وهو الترتيب الذى قامت عليه بالفعل أقدم الكتب التى وصلت إلينا والذى لا نعرف الكثير عن نشأته التى لا بد أن تكون أقدم من المذاهب ويرجح أنها ترجع إلى القرن الثانى- تخصص الأبواب الخمسة الأولى دائما للعبادات الخمس، وبعدها تُعالج على الولاء فى الغالب مسائل: العقود، والميراث، والزواج وقانون الأسرة، والحدود، والجهاد، وموقف المسلمين إزاء الكافرين بوجه عام، وأحكام الأطعمة المحلفة والمحرمة، وأحكام الذبائح والأضاحى، والأيمان والنذور، والتقاضى وإثبات الدعوى، وعتق الرقيق. وهذا هو التبويب الجارى عند الشافعية؛ أما ما يوجد عند الحنفية من تبويب فهو يختلف عن ذلك. لكن كل أنواع التبويب على اختلافها تشترك فى بعض الوجوه، ولابد أن هذا يرجع إلى القرن الثانى للهجرة (١).
وليست كل أحكام الشريعة أوامر ونواهى، ففى كثير من الأحيان يعتبر فعل الشئ أو تركه فى نظر الشرع مجرد أمر مرغوب فيه أو مكروه. ثم إن الشرع أخيرًا يرتب أعمالا لا يأمر بها
стр. 6124
ولا ينهى عنها بل يعتبرها مباحة. وعلى هذا فإن علماء الشريعة يميزون بين الأحكام الخمسة الآتية:
١ - الفرض (أو الواجب، انظر ما يلى)، وهو الأعمال التى يثاب على فعلها ويعاقب على تركها. وأهم التقسيمات الأخرى للفرض (الواجب) التقسيم إلى "فرض عين" و"فرض كفاية"، وهذا التقسيم يصطنع أيضًا فى الطائفة التالية من الأعمال.
٢ - مندوب، أو سنّة، أو مستحب، أو نفل أو نافلة، وهو العمل المحمود الاختيارى، والقيام بهذا العمل يسمى "التطوع". ولا يصح الخلط بين السنة بهذا المعنى وبين سنة النبى ﵊ التى هى أصل من أصول الفقه -هذا رغم أن المفهومين مرتبطان. على أن معنى السنة من حيث هى صفة للفعل لم يخل أحيانا من التأثر بالمعنى الآخر. وكل ذلك أعمال لا يعاقب على تركها لكن يثاب على فعلها.
٣ - مباح، (ويندر أن يسمى: "جائزًا" -انظر ما يلى)، وهو يشمل الأعمال التى لا يتعرض الشرع للأمر بها أو النهى عنها والتى لا يرجى من ورائها ثواب ولا يخشى عقاب.
٤ - مكروه، وهو الأفعال التى لا يعاقب على فعلها ولكن يجب استنكارها من وجهة نظر الشرع. وعند متأخرى الشافعية صنف من المكروه بعض الكراهة، وهو المسمى "خلاف الأولى"، وتبعا لهذا يوجد أيضًا ما يسمى "الأولى"، وهو وسط بين السنة والمباح.
٥ - حرام (ويسمى المحظور أيضًا)، وهو الأعمال التى جعلها اللَّه موضوع عقاب، أما الشئ الذى يرضى عنه الشرع فهو يسمى "مطلوبا"، وهو قد يكون "فرضا" أو"سنّة" أو"أولى". وفى بعض الأحيان تستعمل الألفاظ الدالة على المباح بحيث تشمل المكروه، أى ما ليس حراما بالمعنى الحقيقى. ولهذه الأقسام التى تقدم ذكرها أقسام أخرى صغيرة كثيرة ولها درجات متوسطة (انظر Snouck Hurgronje: Verspr.Geschr، الفهرس تحت مادة Kategorieen؛ De Wijsbegeerte in den Islam: Tj. de Boer هارلم, ١٩٢١, ص ٣٣ وما بعدها؛ وانظر كتب الأصول).
стр. 6125
والأسباب التى ينبنى عليها وضع الأفعال فى أحد هذه الأقسام قد تكون غاية فى الاختلاف, وهنا مجال واسع للاختلاف بين علماء الشريعة؛ وكثيرًا ما اعتبر الشئ حراما مطلقا أو واجبا مطلقا فى نظر فريق، على حين اعتبر مكروها أو سنة بل مباحا فى نظر فريق آخر. على أنه تظهر فى ذلك "نزعة الإسلام" السمحة، فقد يحدث مثلا أن يُعتبر الشئ سنة فى أحد المذاهب لا لشئ إلا أن هذا المذهب لا يريد أن يبعد كثيرًا عن رأى مذهب آخر يعتبر الشئ نفسه واجبا. وإذا كان قد يحدث أن يكون الفعل بحسب الظروف حراما تارة، مكروها تارة، مباحا تارة، وسنة تارة، وواجبا تارة، فإن هذا شئ مسلَّمٌ به عند الجميع.
وإلى جانب التقسيم المتقدم (١) يوجد تقسيم للأعمال التى لها صلة بالشرع من حيث قيمتها القانونية إلى: صحيح، وضده باطل أو فاسد؛ وجائز (ولابد من التفرقة بين معنى هذا الجائز والمعنى الذى تقدم ذكره للجائز) على أن الاثنين يرجعان إلى أصل لغوى واحد، والسابق هو الأصلى (انظر Bergstrasser: المصدر نفسه)؛ وضد الجائز غير الجائز؛ ونافذ وضده غير نافذ؛ ولازم أو واجب (ولابد أيضًا فى الواجب من التفرقة بين معنيى الواجب؛ ومن البديهى أن الأول هو الأسبق، أما إنه أقدم من حيث المعنى الاصطلاحى للكلمة فهذا فيه نظر)؛ وضده "غير لازم" و"غير واجب"، وهذه تقسيمات متطابقة بعض التطابق، وعلاقتها من حيث التاريخ والمفهوم بعضها بالنسبة للبعض وكذلك علاقتها بالأقسام الخمسة السابق ذكرها لا تزال بحاجة إلى توضيح.
стр. 6126
وبعد وفاة النبى ﵊ تولى خلفاؤه (الخلفاء الأولون) وظيفته من حيث كان القاضى الأعلى للجماعة الإسلامية، على أنهم لم يكن لهم ما كان له من تبليغ الوحى الإلهى. صحيح أن الشيعة يعتقدون أن لأئمتهم هذا الشأن، لكن هذه العقيدة بقيت فى هذا الباب مجرد نظرية اعتقادية لا أكثر، وهى لم تؤثر فى تطور الشريعة تأثيرا فعليا. أما بالنسبة لأهل السنة (١) فإنه فى أثناء الثلاثين السنة الأولى من حياة الإسلام كان هؤلاء الأشخاص بأعيانهم فى الجملة هم الذين يصح أن يقال إنهم كانوا على علم بالأحكام الصحيحة فى الشريعة، وكان لهم أيضًا الشأن الحاسم فى قيادة الجماعة الإسلامية، وأولئك هم صحابة النبى ﵊ وفى وسطهم الخليفة. وعلى هذا لم يكن هناك خطر كبير من سيطرة آراء بعيدة كل البعد من أن تكون عملية. وفى طول هذه الفترة كلها روعيت بطبيعة الحال أوامر القرآن والقواعد الأخرى التى وضعها النبى ﵊، لكن المسلمين أخذوا فى الوقت نفسه دون تحرج بالقوانين التى وجدوها أمامهم فى البلاد الجديدة التى فتحوها ما دام لم يكن عليها اعتراض دينى (٢) لكن منذ قيام دولة بنى أمية فقد ممثلو
стр. 6127
المثل العليا الدينية والشرعية مركز الرياسة، وبقى الحال كذلك من بعد، ويستثنى من ذلك، بعض الاستثناء، العباسيون الأولون، وعند ذلك طاب لهم -وقد أصبحوا غير مقيدين بالواقع كما كان الحال من قبل- أن يمضوا فى التوسع فى نظرتهم عن الواجبات على نحو مثالى أصبح يوما بعد يوم يزداد مخالفة للحياة العملية. وهم كانوا ينظرون إلى الحياة كلها بمنظار الدين، فنظروا إلى القانون أيضًا بهذا المنظار وصاروا يستخلصون الأحكام الفقهية لا من القواعد الموجودة فى القرآن وحسب بل يستخلصونها أيضًا من الروايات الصحيحة لأقوال النبى ﵊ وأفعاله (١): وهم فيما يتعلق بالقانون العام اشتدوا بصفة خاصة فى محاربة أى فساد بصرف النظر عن الأشخاص، لكنهم أظهروا أيضًا فى عرض المسائل ما هو معروف عند "الربانيين" من روح الجدل فى استنباطات وتفريعات افتراضية متجددة الصورة دائمًا، وهكذا نشأت مدرسة، أو قل هيئة فقهاء، من المجلس الذى كان يحيط بالخلفاء الأولين. ولم يستسلم أهل التقى إلا بعد محاولات كثيرة غير مثمرة أرادوا من ورائها أن يعودوا إلى السلطة وعقدوا نوعا من الهدنة مع الدولة، هدنة لم تُكتب فى أية وثيقة ولم توضع شروطها وضعا صريحا فى أى مستند، لكن الطرفين احترموها تحت وطأة الظروف. وعبثا حاول الخلفاء الأولون من بنى العباس أن يملئوا الفجوة التى وجدت بين الشريعة وبين واقع حياة الدولة (٢) وكان أهل التقى يطيعون الحكومة عمليا (وكان فى الشريعة من الفهم لأمور الدنيا ما يكفى لأيجاب طاعة كل سلطة إسلامية موجودة بالفعل) (٣)، لكنهم احتفظوا لأنفسهم بكامل الحرية فى أن ينقدوا الحكومة نظريا, ولذلك يجد المرء دائما الشكوى من "هذا الزمان" والتحذير من "أمراء الدنيا". وكان هؤلاء الأمراء من جانبهم يعترفون بقانون الشريعة وهم أيضًا لم يدعوا
стр. 6128
لأنفسهم أبدا حق إصدار قوانين فى ميدان الشريعة، لكنهم كانوا يصرفون الأمور بحسب ما يبدو ملائما عمليا وذلك بواسطة أوامر يصدرونها أحيانا (وتسمى سياسة وقانونا -انظر ما يلى)، كما أنهم أنشأوا محاكم إدارية (١). على أن هذا لم يمنعهم، إذا أرادوا الظهور بمظهر التقوى، على حساب الغير أحيانًا (٢)، من أن ينفذوا هذا الحكم أو ذاك من أحكام الشريعة، خصوصا الأحكام المتعلقة بالحدود، لكنهم أحيانا لم يكونوا يفون بمجمل شروط الشريعة.
على أنه لا يصح أن يسرف الإنسان فيتصور أنه كان ثمة فاصل دقيق بين علماء الشريعة وسلطة الدولة. وهذا يتجلى بخاصة فى منصب القاضى، أعنى القاضى الشرعى الذى هو فى الوقت نفسه موظف فى الدولة (انظر Amsdroz فى JRAS، عام ١٩٠٩، ص ١١٣٨ وعام ١٩١٠, ص ٧٦١؛ وعام ١٩١١, ص ٦٣٥, وعام ١٩١٣, ص ٨٢٣؛ Bergstrasser فى ZDMG ١٩١٤, ص ٣٩٥؛ Margoliouth فى JRAS, ١٩٠٩ ص ٣٠٧).
فأمراء (٣) الإسلام كانوا دائما هم الذين يولون القضاة ويؤيدونهم من حيث المبدأ بالوسائل اللازمة لتنفيذ الأحكام. وكان القضاة يحكمون بحسب ما تمليه ضمائرهم مستندين فيما عدا اعتمادهم على أحكام القرآن وسنة الخلفاء إلى مراعاة الحق والعدل ومراعاة قانون العرف مع تفاوت فى إبراز المقاييس الدينية. وفى أثناء العصر الأول كله جاء القضاء بإضافات كبيرة نفت الشريعة، ولكن لم تكد الشريعة تبلغ مرحلة تكوينها النهائى حوالى الوقت الذى ظهر فيه العباسيون حتى أصبح القضاة مقيدين بهذا القانون الذى صار يعتبر أساسا ومقياسا، وصاروا مستقلين عن الحكومة استقلالا تاما.
هذا هو الوضع من الناحية النظرية، أما من الناحية العملية فإن القضاة لم يكونوا يستطيعون التخلص من تأثير
стр. 6129
الحكومة التى كانت توليهم وتعزلهم والتى كانوا يعتمدون عليها فى تنفيذ أحكامهم. وكانت هناك أيضًا أنواع من القضايا تؤخذ من اختصاص القاضى، وبذلك أصبح لا يمكن تطبيق بعض أحكام الشريعة. وفى عصر بنى أمية كانت المحاولات التى تأتى بين حين وآخر من جانب السلطات السياسية للتدخل المباشر فى القضاء تقابل بالرفض. لكن هذا الحال لم يلبث أن تبدل فى أيام العباسيين رغم التمسك بخلاف ذلك من الناحية النظرية. والشريعة تعترف إلى حد ما بمحاكم ناظر المظالم والمحتسب، وهى لم للبث أن أصبحت فى طول مدة مديدة من الزمان نظما مستقرة إلى جانب محكمة القاضى. وكان ناظر المظالم مختصا بأحوال تعدى قانون الشريعة مما لم يكن القاضى يستطيع أن يوقفه عند حد، هذا على حين أن اختصاصات المحتسب كانت كاختصاصات الشرطة (١) ثم لم يبق للقاضى أخيرا إلا مسائل العبادات والشعائر ومسائل الزواج والأسرة والميراث والنذور، ثم مسائل الأوقاف إلى حد ما. وكل هذه بحسب شعور جمهور الناس ميادين وثيقة الصلة بالدين قليلًا أو كثيرًا، وفيها كان حكم الشرع دائما هو السائد بمقدار ما تسمح الظروف. وكان الناس يتحرزون من المعاصى بمعناها الحقيقى أكثر من تحرزهم من صحة العقود، ذلك أن الصبغة الدينية لأقسام الشريعة المختلفة كانت من أول الأمر متفاوتة فى القوة (Islam: Bergstrasser الموضع نفسه) ففى ميدان القانون التجارى الشريعة لم تطبق تطبيقا كليا، وهذا (٢) القانون العرفى وما يدخل فيه من "حيل" لا يناقض الشريعة مناقضة صريحة بل يتمسك بقواعدها الأساسية، لكنه يصطبغ بصبغة المرونة، وهو أيضًا قد واصل بناء بعض أنظمته مكملا إياها إكمالا كبيرًا خصوصا فيما يتعلق بقانون الممتلكات وأخرج فى ذلك كثيرًا من المصنفات بما يتصل بالموضوع من أمر الوثائق (الشروط). وأخذت السلطة الدنيوية تستولى شيئًا فشيئا على المسائل المتعلقة بالقانون
стр. 6130
العام، وبالعقوبات والضرائب، وكل ما يمس الممتلكات من أمور هامة، وصارت تقرر الأمور هنا طبقا لمزيج من التحكم ومراعاة العادة (انظر ما يلى) والشعور بالصواب وأخيرا طبقا لقوانين من الطراز الأوروبى، وهكذا نشأ فى جميع بلاد الإسلام وعلى نحو مستقل تمام الاستقلال عن تأثير الغرب صنفان من القضاء يمكن تسميتهما القضاء الدينى والقضاء الدنيوى.
والحق أنه (١) بقيام دولة آل عثمان بدأت حركة جديدة لاحترام الشريعة فى الناحية العملية أيضًا، وهذا الاحترام يتجلى مثلا فى منصب شيخ الإسلام وهو قد أدى أخيرًا إلى وضع القانون الشرعى موحدًا فى "المجلة" لكننا لا نجد هنا أيضًا تطبيقا فعليا للشريعة، وقد بقى القضاء الدنيوى قائما فى هذه الحالة أيضًا. وبعد، فإن هذه الفترة لم يمض عليها زمان طويل فحسب (انظر الكتب المذكورة فيما تقدم حول حركة التجديد التركية) بل إن الترك يحاولون أن يبعدوا الشريعة عن الحياة العامة إبعادا تاما وإخراجها أيضًا من الميادين التى بقيت حتى الآن. وأخذوا بكتب تشريع أوروبية بأكملها (انظر أخبار ذلك فى مجلتى Oriente Moderno و Revue du Monde Musulman).
أما فى مصر فلم يبدأ إدخال القوانين على النمط الأوروبى فى الميادين التى أخلتها الشريعة عمليا إلا فى سنة ١٨٣٣. وفى سنة أدخلت لأول مرة بعض التعديلات على قوانين الإثبات الشرعية، وهى تشبه ما جاء فى "المجلة" لكنها ملزمة للمحاكم الشرعية. وأخيرًا عُدّلت بعض الأحكام المادية للقانون الخاص بالأسرة وذلك فى شئ من الحذر أول الأمر فى سنة