وبعد وفاة النبى ﵊ تولى خلفاؤه (الخلفاء الأولون) وظيفته من حيث كان القاضى الأعلى للجماعة الإسلامية، على أنهم لم يكن لهم ما كان له من تبليغ الوحى الإلهى. صحيح أن الشيعة يعتقدون أن لأئمتهم هذا الشأن، لكن هذه العقيدة بقيت فى هذا الباب مجرد نظرية اعتقادية لا أكثر، وهى لم تؤثر فى تطور الشريعة تأثيرا فعليا. أما بالنسبة لأهل السنة (١) فإنه فى أثناء الثلاثين السنة الأولى من حياة الإسلام كان هؤلاء الأشخاص بأعيانهم فى الجملة هم الذين يصح أن يقال إنهم كانوا على علم بالأحكام الصحيحة فى الشريعة، وكان لهم أيضًا الشأن الحاسم فى قيادة الجماعة الإسلامية، وأولئك هم صحابة النبى ﵊ وفى وسطهم الخليفة. وعلى هذا لم يكن هناك خطر كبير من سيطرة آراء بعيدة كل البعد من أن تكون عملية. وفى طول هذه الفترة كلها روعيت بطبيعة الحال أوامر القرآن والقواعد الأخرى التى وضعها النبى ﵊، لكن المسلمين أخذوا فى الوقت نفسه دون تحرج بالقوانين التى وجدوها أمامهم فى البلاد الجديدة التى فتحوها ما دام لم يكن عليها اعتراض دينى (٢) لكن منذ قيام دولة بنى أمية فقد ممثلو
стр. 6127
المثل العليا الدينية والشرعية مركز الرياسة، وبقى الحال كذلك من بعد، ويستثنى من ذلك، بعض الاستثناء، العباسيون الأولون، وعند ذلك طاب لهم -وقد أصبحوا غير مقيدين بالواقع كما كان الحال من قبل- أن يمضوا فى التوسع فى نظرتهم عن الواجبات على نحو مثالى أصبح يوما بعد يوم يزداد مخالفة للحياة العملية. وهم كانوا ينظرون إلى الحياة كلها بمنظار الدين، فنظروا إلى القانون أيضًا بهذا المنظار وصاروا يستخلصون الأحكام الفقهية لا من القواعد الموجودة فى القرآن وحسب بل يستخلصونها أيضًا من الروايات الصحيحة لأقوال النبى ﵊ وأفعاله (١): وهم فيما يتعلق بالقانون العام اشتدوا بصفة خاصة فى محاربة أى فساد بصرف النظر عن الأشخاص، لكنهم أظهروا أيضًا فى عرض المسائل ما هو معروف عند "الربانيين" من روح الجدل فى استنباطات وتفريعات افتراضية متجددة الصورة دائمًا، وهكذا نشأت مدرسة، أو قل هيئة فقهاء، من المجلس الذى كان يحيط بالخلفاء الأولين. ولم يستسلم أهل التقى إلا بعد محاولات كثيرة غير مثمرة أرادوا من ورائها أن يعودوا إلى السلطة وعقدوا نوعا من الهدنة مع الدولة، هدنة لم تُكتب فى أية وثيقة ولم توضع شروطها وضعا صريحا فى أى مستند، لكن الطرفين احترموها تحت وطأة الظروف. وعبثا حاول الخلفاء الأولون من بنى العباس أن يملئوا الفجوة التى وجدت بين الشريعة وبين واقع حياة الدولة (٢) وكان أهل التقى يطيعون الحكومة عمليا (وكان فى الشريعة من الفهم لأمور الدنيا ما يكفى لأيجاب طاعة كل سلطة إسلامية موجودة بالفعل) (٣)، لكنهم احتفظوا لأنفسهم بكامل الحرية فى أن ينقدوا الحكومة نظريا, ولذلك يجد المرء دائما الشكوى من "هذا الزمان" والتحذير من "أمراء الدنيا". وكان هؤلاء الأمراء من جانبهم يعترفون بقانون الشريعة وهم أيضًا لم يدعوا
стр. 6128
لأنفسهم أبدا حق إصدار قوانين فى ميدان الشريعة، لكنهم كانوا يصرفون الأمور بحسب ما يبدو ملائما عمليا وذلك بواسطة أوامر يصدرونها أحيانا (وتسمى سياسة وقانونا -انظر ما يلى)، كما أنهم أنشأوا محاكم إدارية (١). على أن هذا لم يمنعهم، إذا أرادوا الظهور بمظهر التقوى، على حساب الغير أحيانًا (٢)، من أن ينفذوا هذا الحكم أو ذاك من أحكام الشريعة، خصوصا الأحكام المتعلقة بالحدود، لكنهم أحيانا لم يكونوا يفون بمجمل شروط الشريعة.
على أنه لا يصح أن يسرف الإنسان فيتصور أنه كان ثمة فاصل دقيق بين علماء الشريعة وسلطة الدولة. وهذا يتجلى بخاصة فى منصب القاضى، أعنى القاضى الشرعى الذى هو فى الوقت نفسه موظف فى الدولة (انظر Amsdroz فى JRAS، عام ١٩٠٩، ص ١١٣٨ وعام ١٩١٠, ص ٧٦١؛ وعام ١٩١١, ص ٦٣٥, وعام ١٩١٣, ص ٨٢٣؛ Bergstrasser فى ZDMG ١٩١٤, ص ٣٩٥؛ Margoliouth فى JRAS, ١٩٠٩ ص ٣٠٧).
فأمراء (٣) الإسلام كانوا دائما هم الذين يولون القضاة ويؤيدونهم من حيث المبدأ بالوسائل اللازمة لتنفيذ الأحكام. وكان القضاة يحكمون بحسب ما تمليه ضمائرهم مستندين فيما عدا اعتمادهم على أحكام القرآن وسنة الخلفاء إلى مراعاة الحق والعدل ومراعاة قانون العرف مع تفاوت فى إبراز المقاييس الدينية. وفى أثناء العصر الأول كله جاء القضاء بإضافات كبيرة نفت الشريعة، ولكن لم تكد الشريعة تبلغ مرحلة تكوينها النهائى حوالى الوقت الذى ظهر فيه العباسيون حتى أصبح القضاة مقيدين بهذا القانون الذى صار يعتبر أساسا ومقياسا، وصاروا مستقلين عن الحكومة استقلالا تاما.
هذا هو الوضع من الناحية النظرية، أما من الناحية العملية فإن القضاة لم يكونوا يستطيعون التخلص من تأثير
стр. 6129
الحكومة التى كانت توليهم وتعزلهم والتى كانوا يعتمدون عليها فى تنفيذ أحكامهم. وكانت هناك أيضًا أنواع من القضايا تؤخذ من اختصاص القاضى، وبذلك أصبح لا يمكن تطبيق بعض أحكام الشريعة. وفى عصر بنى أمية كانت المحاولات التى تأتى بين حين وآخر من جانب السلطات السياسية للتدخل المباشر فى القضاء تقابل بالرفض. لكن هذا الحال لم يلبث أن تبدل فى أيام العباسيين رغم التمسك بخلاف ذلك من الناحية النظرية. والشريعة تعترف إلى حد ما بمحاكم ناظر المظالم والمحتسب، وهى لم للبث أن أصبحت فى طول مدة مديدة من الزمان نظما مستقرة إلى جانب محكمة القاضى. وكان ناظر المظالم مختصا بأحوال تعدى قانون الشريعة مما لم يكن القاضى يستطيع أن يوقفه عند حد، هذا على حين أن اختصاصات المحتسب كانت كاختصاصات الشرطة (١) ثم لم يبق للقاضى أخيرا إلا مسائل العبادات والشعائر ومسائل الزواج والأسرة والميراث والنذور، ثم مسائل الأوقاف إلى حد ما. وكل هذه بحسب شعور جمهور الناس ميادين وثيقة الصلة بالدين قليلًا أو كثيرًا، وفيها كان حكم الشرع دائما هو السائد بمقدار ما تسمح الظروف. وكان الناس يتحرزون من المعاصى بمعناها الحقيقى أكثر من تحرزهم من صحة العقود، ذلك أن الصبغة الدينية لأقسام الشريعة المختلفة كانت من أول الأمر متفاوتة فى القوة (Islam: Bergstrasser الموضع نفسه) ففى ميدان القانون التجارى الشريعة لم تطبق تطبيقا كليا، وهذا (٢) القانون العرفى وما يدخل فيه من "حيل" لا يناقض الشريعة مناقضة صريحة بل يتمسك بقواعدها الأساسية، لكنه يصطبغ بصبغة المرونة، وهو أيضًا قد واصل بناء بعض أنظمته مكملا إياها إكمالا كبيرًا خصوصا فيما يتعلق بقانون الممتلكات وأخرج فى ذلك كثيرًا من المصنفات بما يتصل بالموضوع من أمر الوثائق (الشروط). وأخذت السلطة الدنيوية تستولى شيئًا فشيئا على المسائل المتعلقة بالقانون
стр. 6130
العام، وبالعقوبات والضرائب، وكل ما يمس الممتلكات من أمور هامة، وصارت تقرر الأمور هنا طبقا لمزيج من التحكم ومراعاة العادة (انظر ما يلى) والشعور بالصواب وأخيرا طبقا لقوانين من الطراز الأوروبى، وهكذا نشأ فى جميع بلاد الإسلام وعلى نحو مستقل تمام الاستقلال عن تأثير الغرب صنفان من القضاء يمكن تسميتهما القضاء الدينى والقضاء الدنيوى.
والحق أنه (١) بقيام دولة آل عثمان بدأت حركة جديدة لاحترام الشريعة فى الناحية العملية أيضًا، وهذا الاحترام يتجلى مثلا فى منصب شيخ الإسلام وهو قد أدى أخيرًا إلى وضع القانون الشرعى موحدًا فى "المجلة" لكننا لا نجد هنا أيضًا تطبيقا فعليا للشريعة، وقد بقى القضاء الدنيوى قائما فى هذه الحالة أيضًا. وبعد، فإن هذه الفترة لم يمض عليها زمان طويل فحسب (انظر الكتب المذكورة فيما تقدم حول حركة التجديد التركية) بل إن الترك يحاولون أن يبعدوا الشريعة عن الحياة العامة إبعادا تاما وإخراجها أيضًا من الميادين التى بقيت حتى الآن. وأخذوا بكتب تشريع أوروبية بأكملها (انظر أخبار ذلك فى مجلتى Oriente Moderno و Revue du Monde Musulman).
أما فى مصر فلم يبدأ إدخال القوانين على النمط الأوروبى فى الميادين التى أخلتها الشريعة عمليا إلا فى سنة ١٨٣٣. وفى سنة أدخلت لأول مرة بعض التعديلات على قوانين الإثبات الشرعية، وهى تشبه ما جاء فى "المجلة" لكنها ملزمة للمحاكم الشرعية. وأخيرًا عُدّلت بعض الأحكام المادية للقانون الخاص بالأسرة وذلك فى شئ من الحذر أول الأمر فى سنة
стр. 6131
١٩٢٠. ثم فى شئ من الجرأة فى سنة ١٩٢٩ و ١٩٣١ (وهنا أيضًا كانت تركية قد سبقت إلى ذلك فى سنة ١٩١٧).
على أن الفقهاء أنفسهم كانوا دائما بحكم الواقع شاعرين باستحالة تطبيق أحكام الشريعة فى الأحوال السائدة؛ ومهادنتهم للسلطة الدنيوية تستند إلى هذا الادراك. وهم لم يستطيعوا أن يدمغوا جميع المسلمين تقريبا بأنهم عصاة أو مارقون؛ لأن الأحوال كانت دائما تضطرهم إلى تعدى حدود الشريعة إذا كانوا لا يريدون أن ينفضوا يدهم من الدنيا نفضا تاما. وكان لا بد من اعتبار أن هذه الأحوال شئ قد وقع بل شئ أراده اللَّه، وهكذا (١) بقى للشريعة ما كان لها فيما سلف من الاعتراف بها نظريا دون قيد أو شرط، ومن قصَّر فى هذا الاعتراف فإنه يعتبر كافرًا. لكن الشريعة جردت بالفعل من سلطانها من حيث إن أحكامها لم تكن تنفذ عمليا، وهذا (٢) يتجلى فى أن بعض الأعمال اعتبرت سُنّةً فحسب أو مكروها، كما يتجلى فى عدم تطبيق العقوبات الشرعية على تاركى معظم فروض الدين، بل لقد بين الطريق للتملص من أحكام الشريعة، واستندوا إلى أن الضرورات تبيح المحظورات، وزعموا إن الإنسان لا يكفر بتعدى حدود الشريعة بل بالشك فى صحتها من الأزل إلى الأبد. واقتنع البعض بأن الانحلال سيظل فى الجماعة الإسلامية بعد عصرها الذهبى إلى أن يظهر المهدى، وهم استخلصوا هذا الاقتناع من مجرى تطور الأحوال وعبروا عنه فى أحاديث موضوعة نسبت إلى النبى
стр. 6132
عليه الصلاة والسلام، وبذلك اعتبرت هذه الأحوال تصديقا لما أخبر به ﵊؛ وصفوة القول أن الشريعة، بحسب اقتناع الفقهاء أنفسهم، إنما يقصد بها الجماعة المثالية الكاملة فى العقود الأولى من حياة الإسلام وفى عصر المهدى المنتظر. وكان هذا اعترافا من جانب أهل التقى بعجزهم أمام أحوال العصر. لكن الشريعة، التى تتسم بطابع أكاديمى فى جوهرها، كان لها دائما سلطان تهذيبى كبير على العقول، وهى لا تزال تدرس بشغف، وتعتبر عند دوائر كبرى من المسلمين الموضوع الوحيد للعلم الحقيقى، بالرغم من أن الغزالى قد ذهب إلى خلاف ذلك، ولكن اعتبار الشريعة مثلا أعلى لا يمكن تحقيقة، والقول بتنزه الإجماع عن الخطأ وأنه علاوة على الاقتناع بأن عصر الاجتهاد انتهى، كل أولئك قد منع كل انحراف عن السنة السابقة فجمدت الشريعة من ثم جمود، تاما. على أنه توجد بعد أحكام كثيرة لا يزال القوم يعنون بها، وهى لا تتعلق إلا بأحوال العرب القدماء وليست لها أهمية عملية اليوم حتى فى نظر المسلم السنى المتشدد.
وقد تقدم ذكر أبواب الشريعة التى لها شأن عملى بالنسبة للمسلم (بصرف النظر عن أحدث تطور فى تركية). على أنه لا بد لنا أن نزيد الملاحظات الآتية، ولكن لا يصح بحال أن يغيب عن بال المرء فى هذا المقام أنه يمكن أن توجد من حيث التفاصيل فوارق كبيرة بين مختلف العصور ومختلف البلاد، وأن شدة التمسك باتباع أحكام الشريعة أو التراخى فى ذلك لا شأن له بدرجة التعصب، فالجهل والتراخى الظاهر منتشران جدًا حتى فيما يتعلق بالعبادات وبفروض الدين بمعناها الضيق التى هى أهم شئ بالنسبة للمسلم. لكننا نلاحظ فى العالم الإسلامى كله اجتهادا للقيام بفروض الدين الجوهرية على الأقل والاستمساك بها ما أمكن وخصوصا العادات التى يتميز بها المسلمون فى ظاهر حياتهم من معتنقى الديانات
стр. 6133
الأخرى، فهم يراعونها فى الغالب تمام المراعاة، ويعدونها مهمة جدًا، وإن كانت لا تتفق كل الاتفاق مع نص الشريعة، هذا على حين أن كثيرا من الواجبات الدينية التى لا مفر منها من الناحية النظرية لا تراعى فى الجملة، ففيما يتعلق بقوانين الزواج والأسرة والميراث، وهى القوانين التى يمكن أن تتبع فى الغالب على أدق وجه ممكن، نجد قيود العادة أو العرف ماثلة، وهما القانون العرفى القائم منذ عهد سحيق فى مختلف البلاد الإسلامية. وأما سائر أبواب الشريعة فلم تعد لها قيمة عملية، وإن كان يوجد فى كل مكان وفى كل زمان أتقياء متحرزون يجتهدون حتى فى المسائل التجارية أن يراعوا أحكام الشريعة إلى حد ما (وحتى فى أيامنا هذه يرفض البعض فوائد البنوك) (١). وهنا ترجح العادة على الشريعة فى كل مكان، وإن كانت العادة بحسب كتب الفقه لا يكون لها التطبيق الملزم إلا فى الحالات التى يشير فيها القانون إلى العادة إشارة صريحة. على أن هذا التقليل من شأن العادة لا يتفق مع ما كان للعادة من مكانة فى تاريخ الشريعة: فالنبى نفسه ﵊ أبقى العادات العربية على ما هى عليه ما دامت العادة لا تتعارض مع مبادئه. وقد وضع النبى [ ﷺ ] قواعد قليلة فحسب، ولم يكن يراد بحال إزالة العادة عن عرشها، وإن كان النبى ﵊ لم يقرر هذا بحيث يجعله مبدأ. وقد نقل الإسلام العادات العربية إلى البلاد الأجنبية كما أنه أقر أيضًا فى أول الأمر بعض العادات الأجنبية إقرارا واسع المدى، لكن هذه النزعة تركت بعد ذلك من الناحية النظرية، وإن كانت العادة قد احتفظت دائما بسلطانها الكبير. وقد اشتكى الفقهاء دائما من ذلك أيضًا، ولم يرضوا بأن يعتبروا العادة أصلًا خامسا من أصول الفقه. لكن شعور جمهور الناس لا يعرف إلا العادة، بل إن الواجبات الشرعية التى يؤديها الناس بالفعل إنما تؤدى لأنها من جملة العادة. وفى جزائر الهند الشرقية الهولندية مثلا يعترف للعادة حتى من الناحية النظرية بمكانها إلى جانب
стр. 6134
الشريعة فى دوائر المسلمين ذات النفوذ (بصرف النظر عن علماء الدين بالمعنى الخاص).
وموقف القانون من الشريعة كموقفه من العادة، وتستعمل كلمة قانون أحيانا فى معنى العادة، لكنها فى معظم الأحوال تدل على الأوامر التى يصدرها أمراء الإسلام الدنيويون (وهى على كل حال تستند إلى العادة بعض الاستناد). وعلى هذا فإن ما هو قانونى يكون ضدًا لما هو شرعى. وخير الأمثلة المعروفة على ذلك قانون نامه سلاطين آل عثمان (ولنضف إلى المراجع المذكوره هنا: جريدة عدليه Dieride-i adliye، عدد ١٥٦، ص ٤٦٣ وما بعدها؛ عدد ١٥٨، ص ٦٦٩ وما بعدها؛ عدد ١٦٣ - ١٦٧, ص ١١٩٦ وما بعدها) ولمجموعة الفتاوى المستمدة من كتب الفقه، هى ومراجع "العادة" و"القانون" شأن فى تبين ما هو معمول به فعلا. ويستطيع المرء أن يرى من أسئلة طالبى الفتوى أى أجزاء القانون الشرعى يهتم بها أهل البلاد أكبر اهتمام، وأى أنواع الزندقة والفساد تظهر أكثر من غيرها، أو أى الأحوال تثير الشك من وجهة نظر القانون الشرعى عند الأتقياء الذين لا يعرفون هذا القانون. وإلى جانب هذا تأتى كتب "الحيل" التى تبين كيفية التملص من أحكام الشريعة (انظر ما تقدم) التى تراعى ما هو معمول به فعلا مراعاة كبيرة. وأخيرًا تأتى كتب الوثائق والشروط ففيها يراعى ما هو معمول به أكثر مما يراعى فى غيرها.
المصادر:
(١) Lane: قاموسه، بحث مادة شريعة.
(٢) كشاف اصطلاحات الفنون، طبع بإشراف A.Sprenger (المكتبة الهندية، السلسلة القديمة) جـ ١، ص ٧٥٩ وما بعدها.
(٣) تفسير الطبرى لسورة المائدة، الآية ٥٢.
(٤) Handbuch des islamischen Gestzes: Th. W. Juynboll فصل ١٥ - ١٧.
(٥) المؤلف نفسه: Handleiding tot de kennis van de mohammedaansche Wet ط ٣، فصل ١٦.
стр. 6135
(٦) Verspreide Geschriften: C Snouck Hurgronje, خصوصا مجلد ٢ و ٤ - ١, ٢.
(٧) المؤلف نفسه: Der Islam فى كتاب Lehrbuch der Religionsgeschichte: A Bertholet-E Lehmann ط ٤، ص ٦٤٨ وما بعدها (من ص ٦٩٥ وما بعدها الكلام عن الشريعة das Gesetz) .
(٨) Vorlesungen uber den Islam: I. Goldziher، ط ٢ , ص ٣٠ وما بعدها.
(٩) مادة Law فى قاموس A Dictionary of Islam: T.P.Hughes .
(١٠) يوجد المزيد فى كتب علم الأصول.
(١١) ويضاف إلى المراجع الخاصة بـ "عادة" كتاب E. Rackow, E. Ubach: Sitte Quellen zur ethnologischen Rechts Sitte and Recht in Nordafrika
forschung I, Erganzungsband zur Zeitschrift f.vergl Rechtswiss., XL) والمراجع المتصلة بالموضوع فى المراجع المذكورة فى مجلة Islam مجلد ١٣، ص ٣٤٩ وما بعدها.
أبو ريدة [شاخت J. Schaht]
تعليق على مادة "شريعة "
١ - نظرة عامة
عرضت المادة فى أضيق الحدود، فعنى فيها بأشياء يسيرة الأهمية، كترتيب أبواب الفقه، والاختلاف فيها، والأحكام الخمسة وأقسامها الجزئية، وشئون القاضى فى عصور مختلفة، وأشباه لذلك هيئة الشأن.
وما عرض له الكاتب من الشئون الكبرى كالعلاقة بين الشريعة والحقيقة، لم يأخذ ما هو جدير به من البيان، بل جاءت عباراته القليلة قاصرة موهمة، مثيرة للاشتباه.
ثم جاء هذا التناول القريب غير متسق، ولا مرتب، فتراه آخر المادة لمناسبة واهية، يعرض لعمل الرسول [ ﷺ ] فى العادة، بعد الكلام عن الشريعة فى مختلف العصور.
وفى هذا العرض القريب، غير المنسق، مساسٌ بالحقائق، سنعرض للهام منه تفصيلا.
* * *
ولقد كان المرجو أن تكتب مادة "شريعة" فى هذا العصر، وعلى يد
стр. 6136
اولئك المحدثين، فى بيئتهم العلمية المتقدمة، فتتناول من أفق أوسع من ذلك كثيرا، وعلى أساس أعمق مما فى الدائرة وأقوم. . والدراسات القانونية العصرية تعنى بجانبين من البحث العلمى هما: الدراسة التاريخية؛ والدراسة المقارنة؛ فكان الأمل أن تتجه العناية فى كتابة مادة "شريعة" إلى هذين الجانبين، فيكشف فيها عن مكان الشريعة الإسلامية، بين شرائع العالم، من وضعية ودينية، كشريعة المصريين، وشريعة البابليين، وشريعة اليونان، وشريعة الرومان، وشريعة الهنود وغيرها من القديم والحديث، كما يصف تطور هذه الشريعة، التى نشأت فى الجزيرة العربية، ثم عاشت واستقرت فى مواطن الحضارة المختلفة من مصرية، وفارسية، وإغريقية، ورومانية، وغيرها. . وأن يكشف البحث المقارن بين الشريعة الإسلامية وأخواتها عن المبادئ القانونية فيها، ومقاطع الحقوق، ومناشئ الواجبات، وصورة العدالة وأمثال لهذه الجوانب، تعرض هذه الحقائق فى حال تليق بالعصر، وبمستوى مَن تصدر عنهم هذه الموسوعة، وتلفتنا نحن إلى جوانب ينبغى أن نوجه إليها عنايتنا. . . وهى الصورة التى لا تزال تحتاج إلى جهد يتعاون عليه ضليع فى تاريخ القانون مع قدير فى الفقه وتاريخه، فتكتب مادة "شريعة"، الكتابة اللائقة بها الآن، من جديد.
ذلك هو الشعور العام الذى يتملك قارئ المادة. .، وأمّا ما يقف عنده من مواضع للتعقب فغير قليل من المسائل، نسوق أهمها:
٢ - بين الحقيقة والشريعة
أو بين الفقهاء والصوفية: فقد دكرت المادة أن الشريعة هى المحكمة الظاهرة، وأنها لا تتناول موقف الإنسان أمام المحكمة الباطنة. . وكان عرض هذه المسألة الكبرى موجزا جدا ومُوهِما، حتى ليظن الظان أنه إنكار للعمل القلبى فى الشريعة، مع أن النية التى بها قوام العمل فى الشريعة إنما هى عمل قلبى! ! . . ولو قد أسعف البيان فى المادة لاتضح أن النية عند الصوفية هى: ما يصحب الفعل من باعث نفسى، ومقصد خلقى. . وأما النية عند الفقهاء فهى ما
стр. 6137
يسبق الفعل من عقد العزم على أدائه. . وبهذا يتضح أن الشريعة محكمة ظاهرة، وأن المحكمة الباطنة هى محكمة الصوفية.
وكان الخير أن يكمل البيان فى المادة، بما يناسب أهمية هذا النزاع بين الصوفية والفقهاء وأن أثره قد امتد إلى الحياة الإسلامية السياسية والاجتماعية، والعملية، ومسّ العقائد، فى شهادة الوحدانية نفسها، وفى الرسول، والأنبياء، ﵈، وفى الملائكة؛ وتناول الثواب والعقاب والجنة والنار، كما مس التشريع من حيث طريقة الفهم لمصادره العليا، من قرآن وحديث؛ وقياس، وإجماع، وعبادات، وأحكام؛ كما عرض للسلوك الخلقى والحكم عليه. . وامتد إلى مسألة المعرفة العامة نفسها، فكان من بعض مظاهر ذلك النزاع الكبير بين الفقهاء والصوفية، تلك القضية التى وردت مجملة قاصرة فى المادة، وهى: كفاية الفقه لنجاة المسلم، وعدم كفايته. . وقد كان هذا النزاع الكبير بين الفقهاء والصوفية، وأخذ الأولين بالشريعة، وأخذ الآخرين بالحقيقة، موضعا لقول أوفى من ذلك وأكمل.
ولا نجد الفرصة هنا لتفصيل شئ من ذلك. . ولعل من خير المراجع العربية فى هذا الموضوع رسالة عن هذا النزاع لولدنا الفاضل الدكتور عبد المحسن الحسينى، كتبها لنيل درجه الماجستير من كلية الآداب بجامعة القاهرة سنة ١٩٤١؛ وفى الرجوع إليها غناء وكفاية، لتصوير سعة هذا النزاع وعمقه.
* * *
ولا نترك القول عن الشريعة والحقيقة قبل الإشارة إلى المفارقة المباغتة، فى انتقال المادة إلى إجمال هذه عبارته: . . و"بالجملة فإن الشريعة هى العنصر المميز للتفكير الإسلامى، وهى لب الإسلام نفسه، وهى إلى جانب ذلك نوع خاص من القانون المقدس"! ! فإن هذا القول عن الشريعة ليس جملة ما يقال عن الاختلاف بينها وبين الحقيقة، ذلك الاختلاف العميق المدى، على نحو ما بيناه، وأشارت المادة نفسها إلى طرف منه.
стр. 6138
هذا وليست الشريعة الفقهية العملية هى العنصر المميز للتفكير الإسلامى فحسب، ذلك التفكير الذى كانت له جولاته الفلسفية العامة؛ وله ميدانه الخلقى النظرى والسلوكى، وله. . وله. . من الميادين ما لا يفهم معه هذا القول بأن الشريعة هى العنصر المميز لهذا التفكير! ! وكيف والصوفية، وهم من هم فى الحياة الإسلامية، يحملون على التفكير الفقهى هذه الحملة القاسية، ولا يرونه كافيا لنجاة المسلم، ثم كيف يقال هنا، بعد الذى سمعنا من قول الصوفية، مهما يكن شأنهم: إن الشريعة، هى لب الإسلام نفسه! ! ثم أضف إلى هذه العبارات الملقاة على عواهنها دون بيان، ومع المخالفة لما قبلها، قول المادة: وهى -الشريعة- إلى جانب ذلك نوع خاص من "القانون المقدس"! ! فهذا التقديس اللاهوتى للشريعة ليس مما عرفته البيئة الإسلامية كثيرًا، ولا ادعاء الفقهاء أنفسهم؛ لأنهم حدثوا عن الخطأ فى الاجتهاد؛ وعرفوا الاختلاف الشديد بين رجالهم؛ وهو ما لا يفهم معه شئ من هذه القدسية للشريعة التى هى أحكام عملية! ! وكيف توصف بشئ من القدسية بعد الذى قيل من حديث الصوفية عنها! ! لا وجه لهذا يبدو للعقل إلا أن تكون هذه العبارات تمهيدًا لما أسرفت فيه المادة بعد ذلك من تقرير أن الشريعة الإسلامية تَعبدية تَعْلو على المدارك البشرية! ! ولا تعلل! ! الخ ما سنقف عنده قريبًا.
٣ - الإجماع قديما. . وحديثا
ورد فى المادة ما عبارته: ". . وعند المتأخرين صارت المعرفة بالشريعة، تعتمد على نحو قاطع من المذاهب الفقهية، التى اشتملت على أدق وأصغر المسائل التفصيليه، والتى كان مرجعها الأخير إلى الإجماع، وهو الحجة التى لا يعرض فيها الخطأ؛ وكان لا يجوز لمسلم من أهل السنة أن يتنصل من حكم الإجماع، ولكن المهدى محمد بن أحمد فعل ذلك. . . ويفعله أصحاب التجديد".
وهى عبارة تجعل للإجماع الأهمية الفريدة والكبرى قديما، وتشعر أن عمل مهدى السودان والمجددين المتأخرين هو وحده الذى لم يجعل للإجماع هذه الأهمية! ! ولكن الحقيقة غير ذلك؛ لأن
стр. 6139
الإجماع منذ القدم تثار حوله أبحاث مختلفة، لا تجعل له هذه الأهمية المبالغة المسرفة فى عبارة المادة؛ ونجد هذه الأبحاث فى كتب الأصوليين جميعًا؛ فمن القوم من يتحدث عن نفى تصور وقوع الإجماع! ! كما أن المتّفقين على تصور انعقاد الإجماع، قد اختلفوا فى إمكان معرفته والاطلاع عليه! ومنهم من نفى إمكان هذه المعرفة، وذلك الاطلاع على الإجماع؛ ومن النافين لهذا الإمام أحمد بن حنبل فى إحدى الروايتين عنه، ولهذا نقل عنه أنه قال: "من ادعى وجود الإجماع فهو كاذب" -الآمدى- الأحكام ١: ٢٨٤. ط المعارف سنة ١٩١٤ - ويقول فى تتمة عبارته هذه: "لعل الناس قد اختلفوا. . . ما يدريه، ولم ينتبه إليه، فليقل لا نعلم الناس اختلفوا- ابن حزم فى كتابه الإحكام -أيضًا- جـ ٤: ١٨٨ ط الخانجى-، وفوق ذلك أن من المسلمين من نفى أن الإجماع حجة شرعية، يجب العمل بها على كل مسلم، كالشيعة والخوارج والنظام؛ ولئن نص كاتب المادة على أن ذلك لا يجوز لمسلم من أهل السنة، فإن وجود هذا القول فى الميدان الإسلامى بين كثرة كالشيعة لا يجعل من السهل نفى جواز أن يتنصل السنى من حكم الإجماع، ولا سيما أهل العصر الحديث، وفيهم الداعون إلى التقريب بين المذاهب، المؤثرون للوحدة. .
على أن القائلين بحجية الإجماع أنفسهم يعودون فيختلفون فى أنه إجماع من؟ فيجعل تارة إجماع أهل المدينة، وتارة إجماع أهل البيت، بل يصل الأمر إلى القول بإجماع أهل الكوفة -إحكام ابن حزم ٤: ٢١٨ - ويتساءلون عن المجمعين من هم؟ فقيل هم الصحابة لا غير. . . ومتى يكون الإجماع؟ . . وكيف؟ فقيل. . وقيل. . مما لا نستقصى منه شيئًا هنا, ولا نرجع قولًا، ولكنا نعرض هذا كله فى إشارات فقط، ليتبين أنه ليس من السهل أبدًا، مع كل هذا الذى قيل عن الإجماع: أنه هو المرجع الأخير للمذاهب الفقهية، وهو الحجة الكبرى, التى لا يعرض فيها الخطأ؛ وأنه كان لا يجوز لمسلم من أهل السنة أن يتنصل من حكم الإجماع؛ وأن هذا النظر فى الإجماع وقوته عمل حديث، ينسب إلى مهدى السودان،
стр. 6140
وإلى المجددين المحدثين! ! فهو ما لا يقال بعد ما أشرنا إليه من قديم القول فى الإجماع وقوته! !
ومما يتصل بعدم تحرير العبارة بدقة فى المادة، ما ورد فيها من "أن كتب الفقه، وخاصة التى ترجع إلى عصر متأخر، والتى تعد المقياس المقبول عند الكافة (بسبب الإجماع عليها) هى فى الواقع كتب الشريعة عند المسلم السنى"! ! فإن القول بالإجماع على كتب فقهية، غريب من الوجهتين النظرية والعملية، فأما من الوجهة النظرية فإن الإجماع، هو: اتفاق المجتهدين من هذه الأمة، فى عصر من العصور على حكم شرعى. . فلا يفهم كيف يكون على الكتب! ! وعلى الكتب المتأخرة، حيث لا اجتهاد ولا مجتهدين! !
ومن الوجهة العملية كيف وقع الإجماع من أهل السنة على كتب الفقه، وخاصة التى ترجع إلى عصر متأخر! ! فإن هؤلاء السنيين، وخاصة فى العصر المتأخر، كانوا مختلفى المذاهب، طبعا، وكان الخلاف يشتد بينهم إلى حد القتال، والتأثير على السياسة، ومع هذا ما لا بد أن يكون معه، من المساس بدين المخالف وعبادته، فكيف أمكن أن كتب الفقه هى التى تعد المقياس المقبول عند الكافة (بسبب الإجماع عليها)! ! وهل: إذا كانت لكل من المذاهب كتب لها هذه القيمة فى العصر المتأخر، يقال: إن الإجماع الاصطلاحى الذى لا يتبادر سواه، عند الكلام على الشريعة، قد تم على كتب! ! ؛ أو أن إجماع أهل كل مذهب -إن صح الإجماع على الكتب- يكون هو الإجماع الاصطلاحى الفقهى! ! هذا كلام كذلك قد ألقى على عواهنه؛ ولم يظفر بتحرير ولا دقة. .! !
٤ - الشريعة والتعليل والمنطق
جاء فى المادة ما عبارته: "وشرع اللَّه لا يمكن إدراك أسراره بالعقل، فهو تعبدى، أى أن الإنسان يجب عليه أن يقبله، وأحكامه التى لا يدركها العقل، من غير نقد، وأن يعد ذلك حكمة لا يمكن إدراك كنهها, ولا يجوز للإنسان أن يبحث فى الشرع عن علل، بحسب مفهومنا, ولا عن مبادئ: ذلك أن منشأ
стр. 6141
الشريعة هو إرادة اللَّه التى لا تقيدها مبادئ. . . والشريعة الإسلامية. . . بدت فى نظر أتباعها دائما شيئًا يعلو على الحكمة الإنسانية؛ . . . ولهذا السبب نفسه لا تعد الشريعة قانونا بالمعنى الحديث لهذه الكلمة، ولا هى كذلك من حيث مادتها".
ويوشك من له صلة ما بالميدان الفقهى أن يضرب بمثل هذا الكلام عرض الحائط، ولا يقف لمناقشته، بل يعد الوقت الذى يصرفه فى مناقشته مثل تلك الأقوال ضائعا هدرا، مع الدهشة من أن يجرى بهذا قلم يتعاطى دراسة الفقه الإسلامى، ويحاضر فى ذلك، ويكتب، بل إن كتبه فى هذا الفقه تدرس فى بعض البلاد الإسلامية كالهند مثلا. . . لكنا مع هذه الدهشة نقدر وقوع الفتنة بمثل هذه الأقوال ونقف فى هدوء وتسامح واسع، لننظر ما فى هذه الأحكام على الشريعة من دخل، واضطراب، وبعد عن الواقع، فنرى فيها أول ما نرى:
التناقض: فإن الذى يقول ما سمعنا هو الذى يقول بعد ذلك فى المادة ما نصه: "لكنها بعد ذلك أخضعت -أى العناصر الكثيرة المختلفة من المصادر المادية التى استوعبتها الشريعة- لذلك التقييم الدينى، الذى شمل كل شئ، وأنتج من جانبه أيضًا عددًا كبيرًا، من المبتكرات الفقهية البالغة أعلى درجة فى الأصالة: ومن طريق هذه النزعة الشاملة فى بيان الأوامر والنواهى صار مضمون الشريعة، على تنوعه، وحدة متماسكة غير قابلة للانحلال" أهـ. .
فإذا كان شرع اللَّه لا يمكن إدراكه، ويجب على الإنسان أن يقبله وأحكامه التى لا يدركها العقل من غير نقد، وإذا كان لا يجوز للإنسان البحث فى الشرع عن علل فكيف، مع ذلك كله، أخضعت العناصر الكثيرة، المختلفة جدًا فى أصلها, للتقييم الدينى، وشمل ذلك التقييم الدينى كل شئ! وكيف انتج هذا عددا كبيرا من المبتكرات الفقهية، وكيف يكون هذا الابتكار فيما لا يمكن إدراكه! ! بل كيف كانت هذه المبتكرات بالغة أعلى درجة فى الأصالة! ! وكيف صار مضمون هذه الشريعة القليلة الحظ من المنطق -كما يُفهم من قول
стр. 6142
الكاتب-، وحدة متماسكة غير قابلة للانحلال! ! إنه لشئ من التناقض لا ننعته بشئ! !
وأكثر من هذا أنك لا تحتاج إلى استنتاج هذا التناقض استنتاجا، بل وستجد التناقض فى السياق الواحد فنرى مع الأسطر العنيفة العبارة فى إنكار حق الإنسان فى البحث لإدراك الأسرار، التى لا يمكن إدراك كنهها. . مع هذه الأسطر توَّا ما عبارته: "فإنه يشار فى كثير من الأحيان إلى الحكمة من شرع اللَّه" فكيف يشار إلى الحكمة من الشرع فى كثير من الأحيان، مع كون هذه الحكمة على ما وصفها به، من عدم إمكان إدراك الأسرار، وعدم إمكان إدراك الكنه، وكونها تعبدا يجب أن يقبل وأحكامه التى لا يدركها العقل من غير نقد! !
نعم إن الكاتب يقول عقب هذا: "لكن المرء يجب عليه دائما أن يحترز من المغالاة فى قيمة هذه الاعتبارات النظرية" فلا يدفع هذا الاستدراك تناقضا، لأن المسألة: أن البحث عن هذه الاعتبارات النظرية قد كان، وكان كثيرا، فكيف كان ذلك، والشريعة أو أحكامها تعبدية لا يجوز للإنسان أن يبحث فيها! ! أخالف أصحاب الشريعة فبحثوا، وعصوا كثيرًا؟ ! أم أن أمر الشريعة على غير ما وصف الكاتب، ولذلك اشتغل أصحابها كثيرا بالبحث عن الحكمة من الشرع! ! وكانت حكمة التشريع أخيرا مادة مستقلة تدرس فى البيئة الدينية، وتؤلف فيها الكتب المفردة؛ وتتناثر فى كتب الفقه تلك الحكم، فى كل مناسبة؟ وعند كل باب من الأبواب! !
وإلى هذا التناقض المضطرب نجد أيضًا:
التهافت: الذى يكشف فى سهولة فساد العبارات، واختلال المعانى، ونقضها بأيسر المشهورات المقررة من أمر الشريعة؛ وذلك أنه حين تقول المادة: "لا يجوز للإنسان أن يبحث فى الشرع عن علل" يقرأ المسلمون فى كتابهم قوله "فاعتبروا يا أولى الأبصار" فيفهمون أن هذا الأمر بالاعتبار أمر بالبحث فى الشريعة عن
стр. 6143
علل؛ ويثبتون به القياس، الذى هو حمل فرع على أصل لعلة مشتركة بينهما. . . بل إنهم يقررون أن هذا البحث عن العلل، والوصول إلى شئ من أحكام الشريعة، فرض كفاية على المجتمع الإسلامى، فيجب أن يقوم فى أفراده من يمارس هذا البحث، إذ إن الاجتهاد، وهو بذل الجهد واستنفاد الطاقة فى طلب الظن بشئ من أحكام الشريعة إلى أن يحسوا من أنفسهم بالعجز عن المزيد من هذا الجهد. . هذا الاجتهاد فرض على الكفاية بحيث إذا اتفق الكل على تركه لحقهم الإثم -الآمدى- الأحكام فى أصول الأحكام - جـ ٤: ٢١٨, ٣١٤.
وهم يمضون فى تأصيل هذا الوجوب الكفائى، فيبحثون فى عدم جواز خلو أى عصر من عصور حياتهم عن مجتهد، يبذل هذا الجهد فى الظن بشئ من أحكام الشريعة، يدرك به علة أصل فيثبت حكم الفرع، وينتهى إلى حكم فى حادثة. . . ويقول الجمع منهم بعدم جواز خلو الزمان عن مجتهد، ويشددون النكير على من يقول بجواز ذلك الخلو حتى يقول قائلهم: إنه قول يقضى الإنسان منه عجبًا -صديق حسن: حصول المأمول من علم الأصول -تلخيص إرشاد الفحول للشوكانى- ص ١٥٦, ط التقدم.
فإذا كان أصحاب الشريعة يقضون عجبًا من القول بخلو الزمن عن مجتهد يؤدى الفرض الكفائى عن المجتمع الإسلامى، فأى تهافت هذا الذى نجده فى قول قائل عن تلك الشريعة: إنه لا يجوز للإنسان البحث عن عللها. . بل أى تهافت فى هذا الكلام يتجسم إذا ما ذكرنا قول الظاهرية بحرمة التقليد، ووجوب الاجتهاد على كل أحد، فى أى مستوى من المعرفة، فالعامى والعالم يحرم التقليد عليهم سواه، وعلى كل أحد حظه الذى يقدر عليه من الاجتهاد، ومن قلد فى جميع قول أبى حنيفة، أو جميع قول مالك، أو جميع قول الشافعى، أو جميع قول أحمد، فقد خالف إجماع الأمة كلها عن آخرها، واتبع غير سبيل المؤمنين -ابن حزم،
стр. 6144
النبذ ص ٥٤، ٥٥، ط الأنوار- فكيف يكون فى رجال هذه الشريعة من فكر مثل هذا التفكير واشتد مثل هذه الشدة فى وجوب البحث فى الشريعة على كل أحد، ثم يقول الكاتب: إنه لا يجوز للإنسان البحث عن عللها. . . إلخ ما فى مادة شريعة! ! ولو تركنا هذا التعميم المتشدد فى وجوب الاجتهاد فقد بقى رأى الجمع المعتدل، فى أن الاجتهاد فرض كفاية، وأن الاعتبار مأمورٌ به، وهو بشهرته وشيوعه قول يكشف تهافت ما فى المادة. . .
ولا يقف أمر الكاتب عند هذا التناقض وذلك التهافت، بل يبدو معهما أيضًا:
التجاهل: أو هو شئ آخر من مادة ج هـ ل -كرهت أن أقوله جهرة، عملا بأدب القرآن: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾. . على أن فى التعبير بالتجاهل نظرا إلى الاعتبار النفسى الذى يسوق الكاتب إلى أن يفعل بالحقائق المقررة هذه الأفاعيل المشوّهة للشائع المشتهر، المخفية للحقائق. . ويبدو ذلك الصنيع فى أشياء: إذ يقول: "لا يجوز للإنسان أن يبحث فى الشرع عن علل ومبادئ" -أى أن المنطق الإنسانى. والتقعيد قليل الحظ فى الشريعة الإسلامية- ويتجاهل أن القياس أصل من أصول هذه الشريعة كالقرآن والسنة، وأن جمهرة المسلمين قد مارسوا هذا القياس ممارسة مسرفة؛ وحتى نفاة القياس، وهم الظاهرية، لم يلبثوا أن اعترفوا بصور من القياس، عدوها من دلالة النص على ما هو معروف. وقد سمعت قريبًا قول هؤلاء الظاهرية بوجوب الاجتهاد وجوبًا عامًا على كل أحد، ولا معدى يجتهد عن البحث فى علل الأحكام بأى طريق، من قياس أو غيره.
وما هذا القياس الذى هو أحد أصول الشريعة، ومصدر من مصادر أحكامها؟ إنه ليس إلا عملا كبيرا فى تعليل الأحكام! ! وإنه ليس إلا عملا منطقيا أصيلا. . وكل أولئك ليس إلا سبيلا إلى التقعيد، وتقرير المبادئ فى الشريعة المقيسة المعللة، المبحوث فيها عن أغراض الشارع ومراميه، حتى تلتزم المحافظة عليها! !
فالقياس هو حمل مجهول على معلوم لعلة مشتركة بينهما, وليس هو
стр. 6145
إلا عملا منطقيا أصيلا، صرفا؛ وأبحاث الأصوليين الواسعة، بل الفضفاضة فى "مسالك العلة"، من صميم المنطق، بل هم قد حلقوا فيها إلى آفاق من المنطق الحديث، منطق المادة، لا المنطق القديم منطق الصورة فقط، فإنهم بعد ما زاولوا منطق الصورة مزاولة متوسعة، وجرت كتب الفقه عندهم فى تناولها على نظام هذا المنطق فى أشكال القياس، حتى ما يستطيع الاستفادة منها إلا من يعرف هذا المنطق معرفة تؤهله لفهم أسلوبهم فى التأليف، وما يشيرون إليه من قضايا القياس، فى أضربه وأشكاله. . إلخ. . وما يثبتون وما يحذفون. . بعد ما شبعوا من ذلك وارتووا، قد شارفوا فى البحث عن العلل، صورا من الفرض العلمى، كيف يكون؟ وكيف تفحص الفروض المختلفة؟ حتى يبقى منها الأصح؛ وهو ما يعرفه كل ذى صلة بأصول الفقه، ولا نملك الفرصة لإشارة هنا إلى شئ منه إلا أن يكون ذكرًا لبعض اصطلاحهم فى ذلك الذى يسمونه "السير والتقسيم"، ويقدمون منه -كما قلت- مثلا من المنطق الحديث، منطق المادة والموضوع.
والذى يعرف هذا الصنيع فى التعليل والمنطقية فى الشريعة، يعرف كذلك أنهم قد وصلوا من ذلك كله إلى مبادئ وأصول كبرى استطاعوا بها أن يصفوا وصفا منضبطا مقاصد هذه الشريعة، فى مثل المشهور الشائع من قولهم: إن الشارع راعى فى أحكامه الضروريات الخمسة، وهى: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وأضاف إلى ذلك ما يصلحها، ثم ما يكملها، وراعى الشارع الحاجيات، والكماليات، حين لا تعود على أصل الضروريات بالإبطال. . . إلخ، -الخضرى. . أصول الفقه، ص ٣٦٥، ط الخانجى- وهم يبينون ذلك بيانا مفصلا شافيا.
والذين لا يستطيعون القياس إلا بعلة فى الأصل توجد فى الفرع المحمول عليه، لا يمكنهم أن يقوموا بشئ من هذا إلا بتعليل كامل أصيل، يعرف الأوصاف المناسبة التى اعتبرها الشارع، والأوصاف التى لم يعتبرها،
стр. 6146
ويحدث مع القياس عن الاستحسان، والمصالح المرسلة، مما لا يمكن القول فيه إلا على أساس من التتبع المعلل، المبين لما اعتبره الشارع ليكون علة تمكن من القياس، وإثبات الحكم المنصوص لما توافرت فيه هذه العلة؛ ولم يرد حكم فيه. .
هذا القياس أحد أصول الشريعة -واعتماده كل الاعتماد على التعليل؛ وأبحاثهم المتوسعة فى مسالك العلة. . . ومنطقية ذلك الأعمال كلها، ومشارفة تلك المنطقية لآفاق المنطق الحديث. . كل هذا مما لا أفرض معه فى سهولة أن الفقيه الأوربى، كاتب مادة شريعة يجهله، وليس أمامنا إلا فرض تجاهله له. . لحاجة فى النفس. .! ! وليس مع مثل هذا سلامة بحث، ولا صحة نتائج! !
ومن هذا التجنى المتجاهل للحقيقة قول المادة: "لا تعد الشريعة قانونا بالمعنى الحديث لهذه الكلمة ولا هى كذلك من حيث مادتها" مرتبا لهذا القول على ما تهافت من حكم بعدم جواز البحث عن العلل، وقول بأن الشريعة أمر تعبدى. . . وإذ انهار هذا كله بما رأينا فلم يبق سند لعدم عد الشريعة قانونا بالمعنى الحديث، وهو نفسه سيحدث عن "المجلة العدلية" كيف كانت صياغة شكلية، وموضوعية للشريعة الإسلامية فى وضع قانونى، وصورة قانونية؛ وما كان فى مصر من مثل هذا العمل، فى صنيع قدرى باشا المعروف، مما بدت به الشريعة قانونا موضوعيا فى مادته، وله صورة القانون فى مواده. . إنها لجرأة يمهد لها هذا التناقض والتهافت، والتجاهل. . .
٥ - المصادر المادية للشريعة
ورد فى المادة قوله: أما فيما يتعلق بالمصادر المادية للشريعة الإسلامية فإن عناصر كثيرة مختلفة جدًا، فى أصلها (من آراء عربية قديمة وبدوية؛ قانون التعامل بمدينة مكة التى كانت مدينة تجارية؛ وقانون الملكية فى واحة المدينة، والقانون العرفى الذى كان سائدا فى البلاد المفتوحة، وهو قانون رومانى إقليمى إلى حد ما؛ وقانون هندى) قد احتفظ بها الإسلام وأخذ بها من غير تحرج. .
стр. 6147
وقد وددت فى مطلع هذا التعليق أن تكون مادة "شريعة" قد كتبت من أفق واسع، وعلى أساس عميق، فاهتمت بالاتجاهات الحديثة، فى الدراسات القانونية، من التاريخ, والمقارنة، فكانت بذلك تبين لنا مكان الشريعة الإسلامية بين شرائع العالم الأخرى، كشريعة سولون، وشريعة حمورابى، وشريعة جوستنيان، وشريعة مانو، وما قبلها وما بعدها من الشرائع. . وتبين لنا المبادئ القانونية، والأصول التشريعية فى هذه الشرائع بالمقارنة المقابلة ولكن كاتب المادة لم يتجه هذا الاتجاه القيم ولا جاء بما يرجى أن يساير ثقافة العصر. . . وفى غير اتساق ألم بما سماه المصادر المادية للشريعة الإسلامية، وهو تعبير جرئ، وغير دقيق معا، فإن الأشياء التى ذكرها، فى أغلب الأمر، ضروب من العرف العملى، ومنها ما عرفه المسلمون بعد ما تلقوا المصادر الموحاة للشريعة الإسلامية، من القرآن والسنة، وإجماع الصحابة، والاجتهاد بالرأى، فى صور تدرجت حتى صارت قياسا ناضجا، وما ذلك الذى عرفوه بعد إلا ما يسميه هو نفسه "القانون العرفى الذى كان فى البلاد المفتوحة، وهو قانون رومانى إقليمي إلى حد ما، وقانون هندى".
فمن البين أن المسلمين منذ ظهرت دعوة الإسلام، طوال عهد الرسول [ ﷺ ] وقبل أن تعبدًا حركة الفتح، كانوا يحتكمون إلى شرعة إسلامية، جعل القرآن يعطى الأصول العامة فيها، وبعض التفصيل، وأخذ قول الرسول [ ﷺ ] وفعله وتقريره يبين ما فى القرآن من ذلك؛ ومضى المسلمون بعد ذلك يلتمسون حلول مشكلاتهم القانونية، أول ما يلتمسونها فى هذه الأصول وعلى أساس من توجيهها، يجتهدون أو ينتهون إلى اتفاق إجماعى، وتلك هى التى تسمى بدقة مصادر مادية للشريعة الإسلامية. . أما الأمور العملية التى كانت فى بيئتهم الأولى بالجزيرة، أو فى بيئاتهم الجديدة بعد الفتح، فمبلغ الأمر فيها أنها كما تقول المادة نفسها: عرف عملى أو قانون عرفى -وكل ما لهذا العرف من أثر أن يعتبر ويقدر وجوده، عند تطبيق الأحكام، وبذلك لا يكون العرف العملى أو القانون العرفى مصدرًا للشريعة التى عرفت مصادرها من صاحب الرسالة الدينية؛ واجتهدت فى اتباعه، وأخذ ما آتاها، والانتهاء عما
стр. 6148
نهاها عنه. . ومن أجل ذلك قلت إن تسمية هذه مصادر مادية للشريعة تعبير جرئ وغير دقيق معا. . وقد جاء مبتسرا لم تمهد له دراسة تاريخية، ولم تثبته دراسة مقارنة. . ونحن على كل حال لا نجزع من أن يكون العرف العملى فى البلاد المفتوحة -رومانيا كان أو هنديا أو ما يكون- قد روعى فى التشريع؛ لأننا نقبل أكثر من هذا حين نعد شرع من قبلنا شرعًا لنا. . إلخ. وحين نقرر أن الإسلام قد أبقى فعلا بعض أعمال العرب وعاداتهم فى الحج مثلا؛ لأن ذلك كان يتلاءم مع الوضع العملى والنظرى للإسلام. . وهو تقريره الوحدة الدينية الإنسانية، وتصديقه لما بين يديه من الكتاب. . . فليفرخ روع القوم فإنا نقبل من ذلك ما تقره نواميس الاجتماع، وسنن الحياة الحتمية، وأما ما زاد عن ذلك فلا وجه له ولا أصل.
ولعل فى المادة نفسها ما يقرر هذا المعنى العام إذ تقول ما عبارته. .: "نعم روعيت بطبيعة الحال أوامر القرآن، والقواعد الأخرى التى وضعها النبى ﵇، لكن المسلمين أخذوا فى الوقت نفسه دون تحرج بالقوانين التى وجدوها أمامهم فى البلاد الجديدة التى فتحوها، ما دام لم يكن عليها اعتراض دينى".
فإنه ما دامت تراعى بطبيعة الحال أوامر القرآن التى هى مصدر الشريعة الأول، وما دامت تراعى القواعد التى وضعها الرسول ﵊، وهى السنة، أى المصدر الثانى من مصادر الشريعة، وما دام العرف القانونى الموجود فى البلاد المفتوحة ليس عليه اعتراض دينى، فذلك هو التفاعل الطبيعى بين الطارئين وبين سكان البلاد، وبين الشريعة التى حملوها والعرف القانونى الذى وجدوه، وهو ما تقتضيه المرونة الحيوية والتأثر الاجتماعى؛ ولا بأس به، ولا عدوان على حقيقة، وعلى هذا التفسير الذى تقرره المادة نفسها لا تكون تلك الأشياء التى تؤخذ فى ظل التوجيه التشريعى الدينى هى التى تسمى مصادر الشريعة.
وبقيت فى المادة مواضع للملاحظة يستطيع القارى إدراك ما فيها؛ ولا ضرورة للوقوف المطول عندها.
أمين الخولى
стр. 6149
شريف *
(والجمع أشراف وشرفاء): يدل أصل هذه الكلمة على الارتفاع والعلو، وتطلق أولا على الشخص الحر الذى له آباء متقدمون فى الشرف (لسان العرب، جـ ١١، ص ٧٠ وما بعدها). والمفروض هنا بطبيعة الحال أن الصفات المحمودة فى الآباء تنتقل بالوراثة إلى الأبناء. وكثرة الآباء الأمجاد شرط ضرورى "للشرف الضخم" أو "الحسب الضخم" أيضًا (انظر Muh. Stud: Goldziher ١٨٨٩ - ١٨٩٠، جـ ١، ص ٤١ وما بعدها؛ Le Berceau de L'islam: Lammens، رومة ١٩١٤, ص ٢٨٩ وما بعدها).
ومع أنه قد ظهر فى الإسلام استنادا إلى ما جاء فى القرآن الكريم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (سورة الحجرات الآية ١٣) مبدأ المساواة بين جميع العرب ثم بين جميع المسلمين (انظر Goldziher. المصدر نفسه، جـ ١، ص ٥٠ وما بعدها، ص ٦٩ وما بعدها) فإن هذا المبدأ لم يتغلب أبدًا على الاعتزاز القديم بالنسب.
وكان الأشراف هم رؤساء القبائل ذات الشأن والجاه وكان بيدهم تدبير شؤون القبيلة أو شؤون أهل المدينة (انظر السيرة لابن هشام طبعة فستنفلد ص ٢٣٧, السطر الأخير؛ تاريخ الرسل والملوك للطبرى، ليدن، جـ ١، ص ١٩١١. ونجد عبارة "أشراف الحيرة" فى المرجع نفسه جـ ١، ص ٢٠١٧؛ عبارة "أشراف القبائل" فى جـ ٢، ص ٥٤١، س ١٧؛ وعبارة "أشراف الكوفة" فى جـ ٢، ص ٦٣١ وما بعدها وفى مواضع كثيرة! وعبارة "أشراف خراسان" فى جـ ٣، ص ٧١٤، س ١؛ وتجد فى تاريخ اليعقوبى، طبعة هوتسما، جـ ٢، ص ١٧٦، س ٨ عبارة "أشراف الأعاجم").
والأشراف يرون فى أنفسهم أنهم "أهل الفضل" وتطلق كلمة الشريف أيضا على الشخص ذى المكانة والجاه فى مقابل الضعيف والوضيع من الناحية الاجتماعية (البخارى، كتاب بدء الوحى، باب ٦؛ كتاب الحدود باب ١١،
стр. 6150
١٢) (١). وكثيرا ما ترد كلمة "الشريف" بهذه المعانى المذكورة آنفا فى تواليف صدر الإسلام، مثال ذلك ورودها فى عنوان كتاب البلاذرى فى التاريخ وهو "أنساب الأشراف" وفى عناوين أبواب الكتب كما عند ابن قتيبة (عيون الأخبار، القاهرة؛ ١٣٤٣ هـ، جـ ١، ص ٣٣٢): أفعال من أفعال السادة والأشراف، وعند ابن عبد ربه (العقد الفريد، بولاق ١٢٩٣ هـ، ص ٢٩ "مراثى الأشراف"، ص ٢٠٧: "أشراف كتاب النبى"، جـ ٣، ص ٣١: "من حُدّ من الأشراف"؛ وعند الثعالبى (لطائف المعارف، طبعة يونك، ليدن ١٨٦٧, ص ٧٧): "صناعات الأشراف"؛ (انظر أيضًا La Passion d'al-Hallaj: L. Massignon, باريس ١٩٢٢ جـ ١، ص ٢٣٠، هامش رقم ٦).
وفى الإسلام صار الانتساب إلى بيت النبى ﵊ علامة شرف خاص، بسبب تأثير آراء الشيعة والتعظيم للنبى [ ﷺ ]. وترجع عبارة "أهل البيت" إلى الآية القرآنية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (سورة الأحزاب، الآية ٣٣). والشيعة يصرفون معنى هذه الآية إلى على وفاطمة وأبنائهما (٢) (انظر هاشميات الكميت، طبعة هورفيتز، ليدن، ١٩٠٤, ص ٣٨، بيت رقم ٣٠ من المتن؛ وانظر ص ٩٢، بيت ٦٧) وذلك بأن فسروا هذه الآية بالحديث المشهور الوارد فى مسانيد أهل السنة أيضًا وهو "حديث الكساء" أو "حديث العباء". وتفسير عبارة أهل البيت تفسيرًا يلائم السياق والمقام ويجعلها شاملة "النساء"، وهو التفسير الذى يروى أن ابن عباس وعكرمة كانا يقولان به، وقد ورد فى بعض روايات لهذا الحديث تعد فيها أم سلمة فى نظر النبى [ ﷺ ] من أهل البيت. والرأى الجارى بين أهل السنة يمثل نزعة التوفيق التى تجعل عبارة "أهل البيت" شاملة، "أهل العباء" أى النبى ﵊ وعليا وفاطمة والحسن والحسين، وشاملة نساء النبى [ ﷺ ] أيضًا (٢). على أن بنى العباس أنفسهم قد استندوا إلى آية التطهير، وبذلك وجد أيضًا ما يقابل "حديث الكساء" ويجعل العباس وبنيه من أهل البيت.
стр. 6151
وقد جعل البعض لعبارة "أهل البيت" معنى أوسع، وذلك فى رواية للحديث المسمى "حديث الثقلين"، حيث تطلق العبارة على من لا يجوز لهم أخذ الصدقة. وهنا يذكر منهم على وجه التعيين آل علىّ، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس. وعلى هذا فإن عبارة "أهل البيت" تشمل الطالبيين والعباسيين الذين هم أهم فروع بنى هاشم فيما يتعلق بالأحاديث المذكورة آنفا انظر: المقريزى: المعرفة، ورقة ١٠٣ ظ وما بعدها؛ الصبّان، ص ٩٦ وما بعدها؛ النبهانى ص ٦، وما بعدها؛ وانظر Fatima: Lammess, رومة ١٩١٢, ص ٩٥ وما بعدها؛ و Das Staatssrecht der Zaiditen: Strothmann، ستراسبورغ ١٩١٢, ص ١٩ وما بعدها؛ De Opkomst vanhet Zaidietische Imamaat in Yemen: Van Arendonk، ليدن ١٩١٩, ص ٦٥ وما بعدها).
وقد جعل لبيت بنى هاشم على يد كتّاب السيرة النبوية مكان الصدارة. فلم يزل الاختيار الإلهى يقع على دوائر تصغر شيئًا فشيئا إلى أن اصطفى النبى [ ﷺ ] من بنى هاشم. وهناك حديث يروى روايات كثيرة ونصه: قال رسول اللَّه [ ﷺ ]: "إن اللَّه اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بنى كنانة، واصطفى من بنى كنانة قريشا، واصطفى من قريش بنى هاشم واصطفانى من بنى هاشم" (طبقات ابن سعد، طبعة سخاو، جـ ١، ص ١ و ٢)، وإحدى هذه الروايات تنتهى بهذه الكلمات: "فأنا (أى محمد ﵊ خيركم بيتا وخيركم نسبا" (ابن عبد ربه، جـ ٢، ص ٦ وانظر علاوة على ما تقدم كتاب نسيم الرياض فى شرح شفاء القاضى عياض للخفاجى، القاهرة ١٣٢٥ - ١٣٢٧ هـ, جـ ١ ص ٤٢٩ وما بعدها، الفصل الخاص بشرف النبى [ ﷺ ]؛ وكتاب النبهانى ص ٣٧ - ٣٩). أما عند الكميت الذى رفع صوته عاليا متغنيا بشرف النبى ﵊ (المصدر نفسه، ص ٥٤، بيت ٤٥ وما بعده) فإن بنى هاشم ذُرَى الشرف الرفيع (المصدر نفسه، ص ٥، بيت ١٤) الذين لهم رتب الفضل على الناس كلهم (ص ٥٨، بيت ٨٧). وإذن فالانتماء إلى بيت
стр. 6152
النبى [ ﷺ ] يجعل لصاحبه حقًا بيّنًا فى الشرف (انظر أيضًا كتاب المحاسن والمساوئ للبيهقى، طبعة شفالى، كيسين ١٩٠٢، ص ٩٥ وما بعدها). وكان الحسن والحسين يعتبران أشرف الناس نسبا (الثعالبى، المصدر نفسه، ص ٥١ وما بعدها).
وهذا المكان البارز خص به بنو هاشم الذين يمدح الكميت منهم الطالبيين ويصفهم بأنهم "أشراف وسادة" (المصدر نفسه، ص ١٠، بيت ٢٩، ص ٥٦، بيت ٨٠) أدى فى العصر العباسى المتأخر، حوالى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى)، إلى قصر لقب التكريم وهو كلمة "الشريف"، الذى يقال إنه كان أيضًا لقب على (انظر الرياض النضرة لمحب الدين الطبرى، القاهرة ١٣٢٧ هـ، جـ ٢، ص ١٥٥، س ١٨) على أبناء العباس وأبناء أبى طالب. ويذكر الطبرى (جـ ٣، ص ٦٣٥، س ٦) الأشراف باعتبار أنهم طائفة خاصة إلى جانب بنى هاشم. وعند الماوردى (الأحكام السلطانية، ط إنكر، بنون ١٨٥٣، ص ١٦٥، س ٧) ينقسم الأشراف إلى طالبيين وعباسيين. وكل من الأخوين الشريف الرضى والشريف المرتضى مشهور فى تاريخ الأدب فى النصف الثانى من القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى؛ انظر بروكلمان، تاريخ الأدب العربى، جـ ١، ص ٨٢). وعند السيوطى فى كتابه "رسالة السلالة الزينبية"، (ورقة ٤ وما بعدها = الصبّان، ص ١١٣ وما بعدها) أن لقب "الشريف" كان يطلق فى الصدر الأول على كل من ينتسب لأهل البيت، سواء كان من أبناء الحسن أو الحسين أو أبناء علىّ، أى أنه كان يطلق على أبناء محمد بن الحنفية أو أبناء أى ابن آخر من أبناء على سواء كان من أبناء جعفر أو أبناء عقيل أو أبناء العباس. ويشير السيوطى إلى أنه فى تاريخ الذهبى كثيرًا ما يجد المرء تسمية "الشريف العباسى" أو "الشريف العقيلى" أو "الشريف الجعفرى" أو "الشريف الزينبى". غير أن هذا ليس له كبير دلالة بالنسبة للمصدر الأول. أما الفاطميون فإنهم كما يلاحظ السيوطى، كانوا يقصرون لقب "الشريف" على أبناء الحسن
стр. 6153
والحسين، وبقى هذا هو المتبع فى مصر؛ حسبما أورده السيوطى، على إنّه إذا كان هذا لم يعد من بعد يتفق تمام الاتفاق مع النص المقتضب غاية الاقتضاب الذى ينقله السيوطى عن كتاب "الألقاب" لابن حجر العسقلانى والذى يقول إن لفظ "الشريف" كان فى بغداد لقبا لكل عباسى وفى مصر لقبا لكل علوى، فإن المرء يستطيع أن يفترض أن كلمة "الشريف" بمعناها الحق كانت تطلق فى ذلك الوقت على أبناء الحسن أو أبناء الحسين وحدهم، لأنه، كما يلاحظ السيوطى فى مقام آخر (ورقة ٦ و - ظ = الصبّان ص ١٩٠ وما بعدها، وكذلك ابن حجر الهيثمى فى كتاب الفتاوى الحديثية ص ١٢٤ وما بعدها) لا يكون الوقف أو ما يرد فى الوصية على أنه للأشراف إلا من نصيب أبناء الحسن والحسين؛ لأن العمل فيما يتعلق بهذه الأحكام يكون بحسب العرف المحلى وبحسب العرف الذى يرجع إلى العصر الفاطمى, وتبعا لذلك كانت تلك التسمية تطلق على أبناء الحسن والحسين. وإذا أخذنا بما يحكيه السيوطى فإنه كان هناك أيضًا الرأى القائل بأن الشرف بحسب عادة أهل مصر فى إطلاق الألقاب كان ينقسم إلى أقسام مختلفة هى: الشرف الذى يشمل جميع أهل البيت، والشرف الذى اختص به أبناء على ويشاركهم فيه الزينبيون، أى ذرية زينب بنت علىّ وكل ذرية بنات علىّ، وأخيرا الشرف الأخص وهو "شرف النسبة" الذى لأبناء الحسن والحسين وحدهم.
وعند المؤرخين أن لقب الشريف أطلق أول ما أطلق على العلويين فى عصر انحلال دولة بنى العباس. وفى هذا العصر ثار العلويون فى مناحية وانتزعوا السلطة من يد العباسيين فى طبرستان وفى جزيرة العرب (انظر Mekka: Snouck Hurgronje؛ جـ ١، ص ٥٦ ما بعدها).
وما يقال فى لقب "الشريف" يقال أيضًا فى لقب "السيد". فكلمة "السيد" تطلق على الإنسان الحر فى مقابل العبد (انظر مثلا البخارى, كتاب الأحكام، باب ١ وما بعده؛ الترمذى كتاب البر، باب ٥٣)، وكذلك تطلق على الرجل بالنسبة لزوجته (مثلا سورة يوسف،
стр. 6154
الآية ٢٥). وكان لفظ "السيد" أيضًا هو التسمية لرئيس القبيلة أو العشيرة (سورة الأحزاب، الآية ٦٧؛ سيرة ابن هشام ص ٢٩٥، س ١٧) الذى تستند سلطته بخاصة إلى الصفات الشخصية كالحلم والكرم والكلمة المسموعة (انظر عيون الأخبار لابن قتيبة جـ ١، ص ٢٢٣ وما بعدها؛ Altarab Beduinenleben: G.Jocob, الطبعة الثانية، برلين ١٨٩٧, ص ٢٢٣ وما بعدها؛ Le Berceau de L'Islam: Lammens، ص ٢٠٦، وما بعدها)، ولابد للسيد كذلك من صفات بدنية يتميز بها (ابن قتيبة، المصدر نفسه, Die Renaissance des Islam: Mez ص ١٤٤) والقرآن يمدح يحيى النبى [﵇] بأنه سيد (سورة آل عمران، الآية ٣٩).
ويجوز أنه فى نفس الوقت تقريبا الذى صارت فيه كلمة "شريف" لقبا للعلويين والطالبيين صارت كلمة "سيد" لقبا لهم بصفة خاصة. وهذا لم يحدث فى الحقيقة دون استناد إلى أحاديث تصف الحسن والحسين وأبويهما بأنهم "سادة"، فيروى عن النبى ﵊ أنه قال عن الحسن: "ابنى هذا السيد، ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" (٣) (البخارى، كتاب الفتن، باب ٢٠، حديث رقم ٢؛ كتاب "فضائل الصحابة" باب ٢٢؛ الترمذى، مناقب الحسن والحسين، باب ٣٠) ويوصف الحسين فى حديث بأنه "سيد شباب أهل الجنة" (النبهانى ص ٦٤، س ١٧ وما بعده)، كما يوصف هو وأخوه بأنهما "سيدا شباب أهل الجنة" (الترمذى: المصدر نفسه؛ النسائى: خصائص أمير المؤمنين علىّ ابن أبى طالب، القاهرة ١٣٠٨ هـ , ص ٢٤ و ٢٦)، هذا على حين أن أمهما فاطمة توصف فى الحديث يقول النبى ﵊ بأنها "سيدة نساء أمتى" أو "سيدة نساء هذه الأمة" أو "سيدة نساء العالمين" أو "سيدة نساء أهل الجنة" (انظر طبقات ابن سعد، جـ ٨، ص ١٧ س ٧ وما بعده؛ البخارى "فضائل الصحابة"، باب ٢٩، النسائى، المصدر نفسه، ص ٢٣ وما بعدها؛ النبهانى ص ٥٤، س ٣ وما بعده). ويروى أن النبى ﵊ سمى عليا بأنه "سيد
стр. 6155
العرب" و"سيد المسلمين" وأنه قال له مرة: أنت سيد فى الدنيا وسيد فى الآخرة (محب الدين الطبرى، المصدر نفسه، جـ ٢، ص ١٧٧). وفى بيت أورده البيهقي (المصدر نفسه، ص ٩٦، س ١٠) يسمى علىّ "سيد الناس"، على أن ألقابا مثل هذا اللقب الأخير لا تطلق فى الغالب إلا على النبى ﵊ (من ذلك تسميته: "سيد ولد آدم"، ابن سعد، المصدر نفسه، جـ ١، ص ١، س ١؛ ص ٣، س ١٥؛ و"سيد البشر" ابن عبد ربه، المصدر نفسه، جـ ٢، ص ٢٤٦, س ١٧).
ويجوز أن التسمية باسم "السيد" كانت تطلق فى أول الأمر على من كان لهم بعض السلطان بين قومهم. وفى "كتاب عمدة الطالب فى أنساب آل أبى طالب" كثيرا ما يسمى أشخاص من العلويين باسم "السيد" (طبعة بمباى ١٣١٨ هـ، مثلا ص ٥١، س ١٦؛ ص ٥٢، س ٢ و ٤؛ ص ٥٤، س ١٠؛ ص ٥٩، س ٢ و ٦ و ٩؛ ص ٦٥, س ١٥ و ١٧؛ ص ١١٧ السطر الأخير؛ ص ١٤٢، س ٧؛ ص ١٤٩، س ٩). والذهبى فى كتابه "تاريخ الإسلام" (مخطوط ليدن رقم ١٧٢١ ورقة ٦٥) يطلق هذا اللقب على علىّ بن محمد إمام الشيعة الإثنى عشرية. ويوجد أيضًا اللقب المركب: "السيد الشريف" و"الشريف السيد" (نهاية الأرب للنويرى، القاهرة ١٣٢٤ هـ جـ ٢، ص ٢٧٧, س ١٢؛ العقود اللؤلؤية للخزرجى، جـ ١، سلسلة كب التذكارية الأولى جـ ٣، ص ٤، ليدن - لندن ص ٣١٤, س ١١).
على أن كلمة "سيد" قد أطلقت أيضًا على مشايخ الصوفية وعلى الأولياء وعلى الأعلام من علماء الدين، فقيل مثلا "السادة" (الصوفية) و"السادة الأولياء" (طبقات الخواص للشرجى، القاهرة ١٣٢١ هـ, ص ٢، س ٩؛ ص ٣، س ١؛ ص ١٩٥، س ٣) و"السادة الأعلام" (الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيثمى، ص ١٢٤، س ٤ من أسفل). وكانت التسمية بسيدى أو سيدى مفضلة خصوصا فى الكلام عمن يعتبرون أولياء (وهذا كثيرا ما يرد عند الشعرانى فى كتابه لواقح الأنوار فى طبقات الأخيار، القاهرة ١٣١٥ هـ)، وعبارة سيدى هى العبارة التى يخاطب بها العبد سيده.
стр. 6156
وقد أطلقت التسمية "بالسيد" كما أطلقت التسمية "بالشريف" فى كثير من البلاد الإسلامية على أبناء الحسن والحسين وحدهم. ففى حضرموت لقبهم البخارى و"السيد" (Versp. Geschr.: Snouck Hurgronje، جـ ٣, ١٦٣). وإذا أخذنا بما يقوله الخزرجى (المصدر نفسه، جـ ١، ص ٣١٥ وما بعدها فى مواضع كثيرة) فإن التسمية "الشريف" كانت فى زمانه ببلاد اليمن هى التسمية المستعملة بالنسبة لهم، أما الآن بحسب ما يقوله أمين الريحانى (ملوك العرب، بيروت ١٩٢٤، جـ ١ هامش رقم ١) فإن لقبهم هو "السيد". وفى الحجاز كانت العادة هى أن يسمى باسم "الشريف" أبناء الحسن وحدهم الذين كان أجدادهم حكام مكة، وكان اسم "السيد"، يطلق على أبناء الحسين فقط. ومع ذلك فإن أهل مكة يتكلمون عن الشريف الأكبر بقولهم "سيدنا". وكان الشريف الأكبر يمنح أعضاء عشيرته لقب "السيد" (Mekka: Snouck Hurgronje، جـ ١، ص ٥٧، المؤلف نفسه: Verspr. Geschr، جـ ٣، ص ١٦٣؛ جـ ٥، ص ٣١ و ٤٠، النبهانى، ص ٤١).
ولقب "السيد" و"المير" (الأمير) الذى كان مستعملا فى فارس صار أيضًا جاريا فى تركية والهند. (Chardin: Voyages, ط. لانكليس، باريس ١٨١١, جـ ٥ ص ٢٩٠؛ Tableau de empire othoman: d, Ohsson، باريس ١٧٨٦ - ١٨٢٠, جـ ١, ص ٧٠؛ Des osmanischen Reichs Staatsverfassung und Staatsverwaltung: J. von Hammer، فينا ١٨١٢, جـ ٢ ص ٣٩٨؛ Islam in Indiaor the Qanun-i-Islam: Sharif Herklots، الطبعة الجديدة لـ W. Crooke، لندن ص ٢٦ - ٢٨).
وإلى جانب لقب السيد الذى كان مستعملا فى جزائر الملايو ظهر فى آشى لقب تشريف و"الحبيب" الذى كان مستعملا فى جزيرة العرب أيضًا (The Achehnese: Snouck Hurgronje جـ ١، ص ١٥٥).
وفى العصر العباسى كان الأشراف من عباسيين وطالبيين يتبعون نقيبا يختار فى الغالب من بينهم. وتاريخ هذا المنصب لا يزال غير واضح تماما. ومن المشكوك فيه جدًا أنه كان موجودا فى عصر الأمويين كما يفترض فون كريمر
стр. 6157
(Culturgesch des Orients unter den Chalifen: von Kremer فينا ١٨٧٥ جـ ١، ص ٤٤٩, هامش رقم ١) مستندًا إلى ما يذكره ابن خلدون فى كتاب العبر (بولاق ١٢٨٤ هـ، ص ١٣٤, س ٥ من أسفل) وذلك أنه يوجد على الأرجح تحريف فى هذا النص (انظر الطبرى جـ ٢، ص ١٦، السطر الأخير؛ ص ١٧، س ١). والراجح أن فرعى بنى هاشم كانا فى أول الأمر تحت رياسة نقيب واحد كما كانت الحال حوالى سنة ٣٠١ هـ (٩١٣ - ٩١٤ م؛ انظر كتاب عريب، طبعة دى غوى, ص ٤٧، س ١٠). على أن الطبرى (جـ ٣، ص ١٥١٦، س ٥). يذكر فى أخبار سنة ٢٥٠ هـ (٨٦٤ م) أن عمر بن فرج (الزخجى) كان "يتولى أمر آل طالب" ويظهر أنه لم يكن هاشميا. وكان علىّ بن محمد ابن جعفر الحمانى العلوى المتوفى سنة ٢٦٠ هـ (٨٧٣ - ٨٧٤ م) نقيبًا فى الكوفة (مروج الذهب للمسعودى، باريس ١٨٦١ - ١٨٧٧, جـ ٧، ص ٣٣٨) ويجوز أنه كان هناك فى ذلك الوقت، كما كانت الحال بعد ذلك فى معظم المدن الكبيرة، نقباء يرأسهم نقيب أكبر وهو "نقيب النقباء". وكان لا بد للنقيب أن يكون على علم جيد بالأنساب، وكانت مهمته فى الجملة هى أن يمسك سجلا للأشراف يدون فيه من يولد ومن يموت منهم وأن يبحث دعاوى الانتساب إلى علىّ (انظر من ثم كتاب عريب ص ٤٩ وما بعدها، ص ١٦٧) وكان عليه أن يراقب سلوك الأشراف وبأخذهم من الآداب بما يضاهى شرف أنسابهم، ويحثهم على واجباتهم، ويحول دون كل ما ينقص من حشمتهم. وكان عليه إلى جانب ذلك أن يدافع عن حقوقهم وخاصة قِبل بيت المال، وأن يحفظ النساء منهم من الزواج بغير الأكفاء، وأن يسهر على حسن إدارة أوقاف الأشراف. وكان لنقيب النقباء مهام أخرى خاصة منها اختصاصات قاضى الصلح (*) (انظر الماوردى، المصدر نفسه ص ١٩٤ وما بعدها! فون كريمر، المصدر نفسه؛ جـ ١، ص ٤٤٨ وما بعدها؛ ميتز Mez ص ١٤٥).
أما العمامة الخضراء التى أصبحت، خصوصًا فى مصر، شعارًا يتميز به
стр. 6158
الأشراف فإن أصلها يرجع إلى ما أمر به السلطان الأشرف شعبان (٧٦٤ - ٧٧٨ هـ = ١٣٦٣ - ١٣٧٦ م) من أن يجعل السادة الأشراف فى عمائمهم شطفات خضرًا حتى يمتازوا عن غيرهم وتعظيما لقدرهم (بدائع الزهور لابن إياس، القاهرة ١٣١١ هـ, جـ ١, ص ٢٧٧؛ محاضرات الأوائل ومسامرات الأواخر لعلىِّ دده، بولاق ١٣٠٠ هـ، ص ٨٥, Diction desnoms des vetements chez les Arabes: Dozy, أمستردام ١٨٤٥, ص ٣٠٨؛ Mez: المصدر نفسه ص ٥٩). وهذا الأمر الذى أصدره السلطان شعبان عام ٧٧٣ هـ (١٣٧١ - ١٣٧٢ م) والذى خلّده شعراء ذلك العصر فى أبيات لهم يعيد إلى الذكرى ما أمر به المأمون فى رمضان (سنة ٢٠١ هـ = ٨١٧ م)، من إحلال اللون الأخضر شعارًا لبيته محل الأسود، وذلك عندما عين علىّ بن موسى الرضا من أبناء الحسن وليا للعهد (الطبرى جـ ٢، ص ١٠١٢ وما بعدها). ويقول محمد بن جعفر الكتانى الحسنى الذى كان يقطن دمشق فى رسالته المسماة "الدعامة من لمعرفة أحكام سنة العمامة" (دمشق ١٣٤٢ هـ، ص ٩٧ وما بعدها) إن أبناء علىّ وفاطمة احتفظوا منذ ذلك الحين باللون الأخضر، لكنهم اقتصروا على قطعة من القماش الأخضر توضع على العمامة. ثم إن هذا بطل بعد ذلك إلى أن أمر به السلطان شعبان من جديد. وقد جاء فى كتاب درر الأصداف الذى استشهد به الكتانى أن لبس عمامة خضراء كلها يرجع إلى ما أمر به باشا مصر السيد محمد الشريف فى سنة ١٠٠٤ هـ (١٥٩٦ م؛ انظر الاسحاقى: أخبار الأول فيمن تصرف فى مصر من أرباب الدول، القاهرة ١٣١١, ص ١٦٤ من أسفل): فقد أمر الباشا فى أثناء طواف الكسوة بأن يسير الأشراف أمامه وعلى رأس كل منهم عمامة خضراء. ويلاحظ السيوطى أن لبس هذا الشعار بدعة مباحة لا يجوز منع أحد من اتباعها شريفا كان أو غير شريف، ولا يجوز إلزام أحد بها إذا كان لا يريد أن يتبعها، لأنها ليست مأخوذة من الشرع. وأقصى ما يمكن أن يقال هو أن هذا الشعار قد استحدث لتمييز الأشراف عن غيرهم، وعلى هذا يجوز قصره على
стр. 6159
أبناء الحسن والحسين أو جعله شاملا للزينبيين أيضًا وتوسيع دائرته بحيث يشمل سائر العلويين والطالبيين.
ويحاول البعض أن يجد لاستعمال هذا الشعار سندًا فى القرآن الكريم (سورة الأحزاب الآية ٥٩) وبعض العلماء يجدون فى هذه الآية إشارة إلى أنه يحسن بالعلماء أن يتميزوا فى اللباس بالكم الطويل مثلا أو بالطيلسان لكى يُعرفوا ويعظمهم الناس من أجل العلم (٤) (السيوطى ورقة ٥ و - ٦ و؛ وقد أورد الصبان النص كاملا ص ١٨٩ وما بعدها، وأورده مختصرا ابن حجر الهيثمى فى الفتاوى الحديثية ص ١٤٠ فى أعلى الصفحة، والنبهانى ص ٤١ وما بعدها) لكن الصبان يرى (ص ١٩١) فيما يتعلق بهذه الآية القرآنية أنه يجب القول بأن الشعار الأخضر أو العمامة الخضراء شئ مستحب للأشراف مكروه لغيرهم؛ لأن من يلبس هذا الشعار من غيرهم يضع نفسه بذلك فى غير نسبه الحقيقى، وهذا شئ غير جائز. ويقول الكتانى إن علماء المالكية أيضًا يرون لهذا السبب أن لبس العمامة الخضراء غير جائز لمن لم يكن شريفًا. ويقال إنه، بالاستناد إلى حديث رواه ابن حنبل أن النبى ﵊ سيمثل أمام ربه يوم القيامة لابسًا عمامة خضراء، مال علماء الشافعية إلى القول بأن هذا اللباس المميز مستحب للأشراف (الكتانى، ص ٩٨ أسفل الصفحة، وانظر أيضًا ص ٩٥). على أنه فيما عدا هذا نذكر دائمًا أن اللون الأخضر هو لون ثياب أهل الجنة (انظر سورة الكهف، الآية ٣١، سورة الإنسان، الآية ٢١) وأن اللون الأخضر كان هو اللون المفضل عند النبى ﵊ (الكتانى ص ٩٥ وما بعدها، مع شواهد من الحديث).
على أن العمامة الخضراء لم تصبح اللباس العام الذى يلبسه جميع الأشراف، فهم فى جزيرة العرب يندر أن يلبسوا شيئًا سوى العمامات البيضاء (Verspr.Gesch.: Snouck Hurgronje , جـ ٤/ ١، ص ٦٣). وكان اللون الأخضر مفضلًا فى فارس أيضًا (Voyages: Chardin، الموضع نفسه) ويقول سايكس (Thousand Miles in Persia: P.M. Sykes لندن ١٩٠٢، ص ٢٤,
стр. 6160
هامش ١٨) إن السيد هناك يتميز بعمامة زرقاء وحزام من القماش الأخضر. وفى الهند يلبس "السادة" اللون الأخضر، ولذلك يسمون أحيانا سبزبوش أى لابسى الثياب الخضر (انظر Djafar Sharif-Herklots, المصدر نفسه، ص ٣٠٣). ويقول النبهانى (ص ٤٢، وما بعدها) إن العمامة الخضراء ليست علامة للأشراف فى إستانبول، فهناك يلبسها إلى جانب العلماء والطلبة الصناع وباعة الطرقات خصوصا فى الشتاء لأنها لا تتسخ بسرعة. ومن أجل هذا فإن بعض الأشراف يتجنبون لبس اللون الأخضر.
ويرى أهل السنة أن يتميز أهل بيت النبى ﵊ يتجلى فى أشياء أخرى كثيرة، فهم لا يجوز أن يأخذوا الصدقة (الزكاة، انظر هذه المادة) ويروى أن النبى ﵊ كثيرًا ما قال عن الصدقة إنها لا تنبغى لمحمد [ ﷺ ] ولا لآل محمد (٥). ويختلف علماء الشريعة فى هذا الحكم: هل هو ينطبق إلى جانب بنى هاشم على بنى المطلب ومواليهم أيضًا، وهل هو يشمل "صدقة النفل" أو "صدقة التطوع" أيضا (النبهانى، ص ٣٣ وما بعدها).
ولأبناء فاطمة الحق الأول فى أن يسموا "أبناء رسول اللَّه" فينتسبوا بذلك إلى النبى ﵊؛ ولذلك فإن عبارة "ابن رسول اللَّه" هى العبارة المفضلة فى مخاطبتهم. ويذكر لدعم هذا الخطاب من كتاب الطبرانى فى الحديث أقوال للنبى ﵊ مثل: "كل أبناء آدم ينتسبون إلى عصبة أبيهم إلا ولد فاطمة فإنى أنا أبوهم وأنا عصبتهم" (انظر الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيثمى, ص ١٢٣، س ٢٤ وما بعده؛ النبهانى، ص ٤٨ وما بعدها).
ويترتب على كون أهل البيت أشرف الناس نسبا أن أحدا من سائر الناس ليس كفؤا لنسائهم. ويذكر السيوطى (ورقة ٣ وما بعدها؛ الصبان ص ١٨٨؛ ابن حجر الهيثمى: المصدر نفسه، ص ١٢٣ س ٣١) أن من الآراء المأثورة أن الابن الذى ترزق به شريفة من زوج غير شريف ليس شريفا. ومع هذا فإن من العلماء، كما يذكر الصبان (ص ١٩٢). من يعتبرونه شريفًا. على
стр. 6161
أن الزواج بين بنات الأشراف وبين رجال ليسوا أكفاء لهن شئ نادر جدًا فى جميع البلاد (Snouck Hurgronje: The Achehnese، ليدن ١٩٠٦، جـ ١، ١٥٨؛ المؤلف نفسه: Verspr. Geschr, ٤/ ١ ص ٢٩٧ ما بعدها: Observation on the Mussulmanns of India: Mrs. Meer Hasan Ali, الطبعة الثانية مع تعليق , W. Crooke لندن ١٩١٧, ص ٤ وما بعدها).
ويرى الشعرانى (فى النبهانى ص ٨٩ وما بعدها) أنه ليس من الأدب التزوج من مطلقة الشريف أو أرملته، ولا يصح للمرء أن يتزوج من شريفة إلا إذا كان يعرف أنه قادر على أن يقوم بحقوقها ويعمل على رضاها ويكون خادمًا لها.
وينطبق على أهل البيت بخاصة قول النبى ﵊: "كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبى وصهرى". فأهل البيت هم وحدهم الذين سينفعهم نسبهم" (النبهانى، ص ٢٢, ٣٠ , ٣٩ وما بعدها، ص ٤٧).
وفى حديث ضعيف أن النبى ﵊ قال: "النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتى أمان لأمتى". ويرى الشراح أن المقصود بأهل البيت هم أبناء فاطمة، فوجودهم على الأرض أمان لأهلها عامة ولأمة النبى ﵊ خاصة من العذاب أو من أن تأخذهم الفتن. ولا يقصد هنا الصالحون منهم خاصة، بل إن هذه الميزة لأهل البيت ترجع إلى العنصر النبوى، ويحاول البعض أن يجد لذلك إشارة فى القرآن الكريم أيضا (سورة الأنفال الآية ٣٣؛ النبهانى، ص ٢٨ وما بعدها، ص ٣٠، ٤٧؛ وانظر الصبان ص ١١٩ وما بعدها؛ وكتاب الصواعق لابن حجر الهيثمى ص ١٤٤, وأيضًا كتاب الفتاوى الحديثية ص ١٢٢, س ١١ وما بعده).
ولن يعذب أحد من أهل البيت بنار جهنم (المقريزى ورقة ١٠٩ ظ، النبهانى ص ٢١، س ١٧ وما بعده؛ ص ٢٣، س ٥ وما بعده، ص ٤٥) وسيكون النبى ﵊ ومعه علىٌّ والحسن والحسين وأبناؤهم جميعًا أول من يدخلون الجنة (النبهانى، ص ٤٨، س ١١ ما بعده).
стр. 6162
ولأبناء رسول اللَّه ﵊ أن يكونوا واثقين من مغفرة اللَّه ويجب أن يُقبل أى ذنب يقترفونه بالرضا والتسليم لأنه من إرادة اللَّه. وابن عربى إذ ينظر فى آية التطهير (سورة الأحزاب، الآية ٣٣) يقرنها بما فى سورة الفتح، الآية ٢، التى جاء فيها أن اللَّه قد غفر للنبى ﵊ ما تقدم من ذنبه وما تأخر. ومما يقوله ابن عربى: "ينبغى لكل مسلم يؤمن باللَّه وبما أنزله أن يصدق اللَّه تعالى فى قوله: "ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا"، فيعتقد فى جميع ما يصدر من أهل البيت أن اللَّه قد عفا عنهم فيه فلا ينبغى لمسلم أن يلحق المذمة بهم ولا ما يشنأ أعراض من شهد اللَّه بتطهيره وذهاب الرجس عنه لا بعمل عملوه ولا بخير قدموه بل سابق عناية اللَّه بهم، ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء واللَّه ذو الفضل العظيم" (الفتوحات المكية، القاهرة ١٣٢٩ هـ , فصل ٢٩، جـ ١، ص ١٩٦, س ١٧؛ ص ١٩٨، س ٢٥ وخصوصا ص ١٩٦، س ٣١ وما بعده. انظر ص ١٩٧, س ١٤ وما بعده؛ المقريزى ورقة ١٠٨ ظ، س ١٣ وما بعده؛ والنبهانى، ص ١١ - ١٣, ٧٦ - ٧٩).
والشريف الذى يقام عليه الحد يمكن أن يعتبر مثل أمير أو سلطان تغطت قدماه بالوسخ ثم غسله خادم له، وهو يشبه أيضًا بالابن العاق الذى لا يحرم من الميراث رغم عقوقه (ابن حجر الهيثمى: المصدر نفسه، ص ١٢٢, س ٢٠ وما بعده؛ النبهانى؛ ص ٤٦).
وعند البعض أن محبة أهل البيت واجبة بمقتضى القرآن الكريم (سورة الشورى الآية ٢٣) حيث يصرفون معنى كلمة قربى إلى القرابة للنبى ﵊ (كتاب خصائص وحى المبين لابن بطريق الحلى، ص ٥١ وما بعدها، المؤلف نفسه: كتاب العمدة، ص ٢٣ وما بعدها؛ المقريزى، ورقة ١١٢، س ١٦ وما بعده، وكتاب الصواعق لابن حجر الهيثمى ص ١٠٤ وما بعدها؛ الشبراوى، ص ٤ وما بعدها؛ الصبان ص ٩٦ وما بعدها؛ النبهانى ص ٧٢
стр. 6163
وما بعدها) وكذلك يستند البعض إلى أن نهاية التشهد تحتوى على الدعاء لآل محمد [ ﷺ ] (كتاب الصواعق لابن حجر الهيثمى ص ١٤٣؛ والنبهانى ص ٧٥) وينسب للشافعى أنه قال:
يا آل بيت رسول اللَّه حبكم ... فرض علىَّ وفى القرآن مكتوب
وإلى جانب ما تقدم يوجد عدد كبير من الأحاديث التى تحض على محبة آل البيت وتعتبرها دليلًا على الإيمان وسببا فى شفاعة النبى ﵊ يوم القيامة وفى نوال الأجر الأخروى؛ وتوجد أحاديث أخرى فى ذم بغض أهل البيت بل اعتباره كفرًا (كتاب الصواعق لابن حجر الهيثمى، ص ١٤١ وبعدها؛ الشبراوى ص ٣ وما بعدها؛ النبهانى، ص ٨١ وما بعدها).
وعلى هذا فالواجب احترام الأشراف دائما وإظهار التعظيم لهم وخصوصا الصالحين والعلماء منهم. وتعظيم النبى ﵊ يستوجب ذلك. ويجب على المرء أن يتواضع فى حضرة الأشراف؛ ومن آذاهم وجب بغضه. ويجب احتمال أذاهم مع الصبر ومقابلة إساءتهم بالإحسان. وتجب معاونتهم إذا لزم الأمر وتجنب ذكر عيوبهم. أما محاسنهم فيجب إذاعتها، كما يجب التقرب إلى اللَّه ورسوله [ ﷺ ] بدعاء الصالحين منهم (الشبراوى، ص ٧، س ٧ وما بعده) ويرى الشعرانى أنه يجدر بالمرء أن يعامل الشريف بما يعامل به الوالى أو قاضى العسكر. ولا يصح أن يجلس المرء إن لم يكن للشريف مجلس يليق به. ويجب تعظيم الشريفة خاصة حتى أنه يكاد لا يجوز للمرء أن يرفع طرفه إليها، ومن كان يحب أبناء رسول اللَّه ﵊ فإنه يهدى إليهم ما يريدون أن يبتاعوا. ومن كانت له بنت أو أخت ويريد أن يزوجها بجهاز كبير فلا يصح أن يرد شريفا يطلبها زوجة له ولو كان لا يملك سوى المهر أو كان يعيش عيشة الكفاف. وإذا لقى المرء فى الطريق شريفا أو شريفة يسأل عطاء فإنه يجب عليه أن يهدى لهما ما يستطيع (النبهانى، ص ٨٩ وما بعدها).
стр. 6164
ولا يصح الامتناع من احترام الشريف الفاسق ذلك أن فى الإمكان القول بأن ذنبه سيغفر له وبأن عنصره الطاهر هو الذى يستوجب احترامه وأن الفسق لا يصيب نسبه (النبهانى، ص ٤٥). وإذا شك أحد فى نسب شخص هل هو شريف أم لا, ولم يكن على نسبه اعتراض من الناحية الشرعية فإنه يجب أن يظهر له الاحترام اللائق به. وحتى إذا لم يكن نسبه ثابتًا شرعًا فإنه لا يصح اتهامه بالكذب من غير القطع بالأمر (الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيثمى، ص ١٢٢ س ٢٧ وما بعده؛ النبهانى، ص ٤٦). وهناك عدد كبير من الحكايات يذكر فيها أن النبى ﵊ أو فاطمة أنّب فى المنام شخصًا لم يراع حق شريف أساء إليه (المقريزى، ورقة ١٤٤, سطر ١١ وما بعده؛ ابن حجر الهيثمى: الصواعق، ص ١٤٨ النبهانى ص ٤٥، ٩٥ وما بعدها) (٦).
والأشراف والسادة الكثيرون موجودون فى جميع بلاد العالم الإسلامى، وكثير من أسر الأشراف وصلت إلى الحكم زمانا قصيرًا أو طويلًا كما حدث فى طبرستان وبلاد الديلم، وغربى جزيرة العرب، واليمن ومراكش. وكان لأسر أخرى شأن محلى. ومنذ زمان طويل لم تعد صحة النسبة العلوية فوق الطعن أحيانا. وقد حفظ النسب على أنقى صورة فى غربى جزيرة العرب وفى حضرموت؛ وبيت العلويين فى حضرموت يشتمل على كثير من علماء الشريعة والعقائد والصوفية المشهورين، وهو يحترم من الأشراف بما يليق بهم؛ أشراف غربى جزيرة العرب.
ومن السهل أن يعظم السيد الذى يتميز بالحياة الصالحة كما يعظم الأولياء، وأن يرجى الخير من دعائه؛ على حين أن غضبه يجلب البلاء؛ والناس يحاولون أن ينالوا بركته بالنذور والهدايا، ويزورون قبره. وفيما يتعلق بأضرحة الأشراف رجالا ونساء التى تزار كثيرًا فى القاهرة؛ انظر كتاب الشبلنجى المذكور فيما يلى.
وفى حضرموت وفى اليمن أيضًا يتميز السيد بعكاز ومسبحة عن
стр. 6165
الشريف الذى يتميز بحمل السلاح. والسيد يظهر وسيطا بين الأطراف المتخاصمة، وهو فوق ذلك يطرد الجراد ودعاؤه يمنع القحط، على حين أن سخطه يجعله مستمرًا. وبعض السادة يُقصَدون للبرء من الأسقام، وكثيرًا ما يعبر الناس عن تعظيمهم للسيد بإهدائه قطعًا من الأرض (Perfumes of Araby: H. Jacob، لندن ١٩١٥, ص ٤٥, ١٧٣ وما بعدها).
وفيما يتعلق بمميزات الأشراف والسادة وتعظيمهم انظر التفصيل فى كتاب سنوك هرجرونى (Mekka: Snouck Hurgronje، جـ ١، ص ٣٢ وما بعدها ٧٠ وما بعدها) وفيما يتعلق بالسادة فى حضرموت، وهم يوجدون بكثرة فى جزر الملايو ومنهم مؤسسو سلطنات "سياك" و"بونتياناك" (انظر للمؤلف نفسه كتابيه: Geschr Verspr, جـ ٣، ص ١٦٢ مابعدها و The Achehnese، جـ ١، ص ١٥٣ وما بعدها).
أما فيما يتعلق بتاريخ الأشراف الذين حكموا فى مكة وفى الحجاز منذ القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى؛ انظر كتاب سنوك هرجرونى Mekka: Snouck Hurgronje, جـ ١؛ ومادة مكة "تأريخها" انظر أيضًا الموجز الذى ذكره البتنونى فى كتابه الرحلة الحجازية، الطبعة الرابعة، القاهرة ٣٢٩ هـ, ص ٧٣ وما بعدها) وتوجد معلومات عن عشائر الأشراف فى جزيرة العرب فى الكتاب المسمى A Handbook of Arabia (جـ ١) الذى ألفه القسم الجغرافى لفرقة الاستعلامات البحرية، لندن، بدون تاريخ السنة، الفهرس تحت مادة أشراف.
أما نسب الطالبيين فقد تناوله أحمد ابن على. . . بن مهنا الداوودى الحسنى فى كتابه "عمدة الطالب فى أنساب آل أبى طالب، بمباى ١٣١٨ هـ.
المصادر:
(١) النسائى: كتاب خصائص أمير المؤمنين على بن أبى طالب، القاهرة ١٣٠٨ هـ.
(٢) يحيى بن الحسن. . . بن البطريق الحلىّ: كتاب خصائص وحى المبين فى