أن الزواج بين بنات الأشراف وبين رجال ليسوا أكفاء لهن شئ نادر جدًا فى جميع البلاد (Snouck Hurgronje: The Achehnese، ليدن ١٩٠٦، جـ ١، ١٥٨؛ المؤلف نفسه: Verspr. Geschr, ٤/ ١ ص ٢٩٧ ما بعدها: Observation on the Mussulmanns of India: Mrs. Meer Hasan Ali, الطبعة الثانية مع تعليق , W. Crooke لندن ١٩١٧, ص ٤ وما بعدها).
ويرى الشعرانى (فى النبهانى ص ٨٩ وما بعدها) أنه ليس من الأدب التزوج من مطلقة الشريف أو أرملته، ولا يصح للمرء أن يتزوج من شريفة إلا إذا كان يعرف أنه قادر على أن يقوم بحقوقها ويعمل على رضاها ويكون خادمًا لها.
وينطبق على أهل البيت بخاصة قول النبى ﵊: "كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبى وصهرى". فأهل البيت هم وحدهم الذين سينفعهم نسبهم" (النبهانى، ص ٢٢, ٣٠ , ٣٩ وما بعدها، ص ٤٧).
وفى حديث ضعيف أن النبى ﵊ قال: "النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتى أمان لأمتى". ويرى الشراح أن المقصود بأهل البيت هم أبناء فاطمة، فوجودهم على الأرض أمان لأهلها عامة ولأمة النبى ﵊ خاصة من العذاب أو من أن تأخذهم الفتن. ولا يقصد هنا الصالحون منهم خاصة، بل إن هذه الميزة لأهل البيت ترجع إلى العنصر النبوى، ويحاول البعض أن يجد لذلك إشارة فى القرآن الكريم أيضا (سورة الأنفال الآية ٣٣؛ النبهانى، ص ٢٨ وما بعدها، ص ٣٠، ٤٧؛ وانظر الصبان ص ١١٩ وما بعدها؛ وكتاب الصواعق لابن حجر الهيثمى ص ١٤٤, وأيضًا كتاب الفتاوى الحديثية ص ١٢٢, س ١١ وما بعده).
ولن يعذب أحد من أهل البيت بنار جهنم (المقريزى ورقة ١٠٩ ظ، النبهانى ص ٢١، س ١٧ وما بعده؛ ص ٢٣، س ٥ وما بعده، ص ٤٥) وسيكون النبى ﵊ ومعه علىٌّ والحسن والحسين وأبناؤهم جميعًا أول من يدخلون الجنة (النبهانى، ص ٤٨، س ١١ ما بعده).
стр. 6162
ولأبناء رسول اللَّه ﵊ أن يكونوا واثقين من مغفرة اللَّه ويجب أن يُقبل أى ذنب يقترفونه بالرضا والتسليم لأنه من إرادة اللَّه. وابن عربى إذ ينظر فى آية التطهير (سورة الأحزاب، الآية ٣٣) يقرنها بما فى سورة الفتح، الآية ٢، التى جاء فيها أن اللَّه قد غفر للنبى ﵊ ما تقدم من ذنبه وما تأخر. ومما يقوله ابن عربى: "ينبغى لكل مسلم يؤمن باللَّه وبما أنزله أن يصدق اللَّه تعالى فى قوله: "ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا"، فيعتقد فى جميع ما يصدر من أهل البيت أن اللَّه قد عفا عنهم فيه فلا ينبغى لمسلم أن يلحق المذمة بهم ولا ما يشنأ أعراض من شهد اللَّه بتطهيره وذهاب الرجس عنه لا بعمل عملوه ولا بخير قدموه بل سابق عناية اللَّه بهم، ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء واللَّه ذو الفضل العظيم" (الفتوحات المكية، القاهرة ١٣٢٩ هـ , فصل ٢٩، جـ ١، ص ١٩٦, س ١٧؛ ص ١٩٨، س ٢٥ وخصوصا ص ١٩٦، س ٣١ وما بعده. انظر ص ١٩٧, س ١٤ وما بعده؛ المقريزى ورقة ١٠٨ ظ، س ١٣ وما بعده؛ والنبهانى، ص ١١ - ١٣, ٧٦ - ٧٩).
والشريف الذى يقام عليه الحد يمكن أن يعتبر مثل أمير أو سلطان تغطت قدماه بالوسخ ثم غسله خادم له، وهو يشبه أيضًا بالابن العاق الذى لا يحرم من الميراث رغم عقوقه (ابن حجر الهيثمى: المصدر نفسه، ص ١٢٢, س ٢٠ وما بعده؛ النبهانى؛ ص ٤٦).
وعند البعض أن محبة أهل البيت واجبة بمقتضى القرآن الكريم (سورة الشورى الآية ٢٣) حيث يصرفون معنى كلمة قربى إلى القرابة للنبى ﵊ (كتاب خصائص وحى المبين لابن بطريق الحلى، ص ٥١ وما بعدها، المؤلف نفسه: كتاب العمدة، ص ٢٣ وما بعدها؛ المقريزى، ورقة ١١٢، س ١٦ وما بعده، وكتاب الصواعق لابن حجر الهيثمى ص ١٠٤ وما بعدها؛ الشبراوى، ص ٤ وما بعدها؛ الصبان ص ٩٦ وما بعدها؛ النبهانى ص ٧٢
стр. 6163
وما بعدها) وكذلك يستند البعض إلى أن نهاية التشهد تحتوى على الدعاء لآل محمد [ ﷺ ] (كتاب الصواعق لابن حجر الهيثمى ص ١٤٣؛ والنبهانى ص ٧٥) وينسب للشافعى أنه قال:
يا آل بيت رسول اللَّه حبكم ... فرض علىَّ وفى القرآن مكتوب
وإلى جانب ما تقدم يوجد عدد كبير من الأحاديث التى تحض على محبة آل البيت وتعتبرها دليلًا على الإيمان وسببا فى شفاعة النبى ﵊ يوم القيامة وفى نوال الأجر الأخروى؛ وتوجد أحاديث أخرى فى ذم بغض أهل البيت بل اعتباره كفرًا (كتاب الصواعق لابن حجر الهيثمى، ص ١٤١ وبعدها؛ الشبراوى ص ٣ وما بعدها؛ النبهانى، ص ٨١ وما بعدها).
وعلى هذا فالواجب احترام الأشراف دائما وإظهار التعظيم لهم وخصوصا الصالحين والعلماء منهم. وتعظيم النبى ﵊ يستوجب ذلك. ويجب على المرء أن يتواضع فى حضرة الأشراف؛ ومن آذاهم وجب بغضه. ويجب احتمال أذاهم مع الصبر ومقابلة إساءتهم بالإحسان. وتجب معاونتهم إذا لزم الأمر وتجنب ذكر عيوبهم. أما محاسنهم فيجب إذاعتها، كما يجب التقرب إلى اللَّه ورسوله [ ﷺ ] بدعاء الصالحين منهم (الشبراوى، ص ٧، س ٧ وما بعده) ويرى الشعرانى أنه يجدر بالمرء أن يعامل الشريف بما يعامل به الوالى أو قاضى العسكر. ولا يصح أن يجلس المرء إن لم يكن للشريف مجلس يليق به. ويجب تعظيم الشريفة خاصة حتى أنه يكاد لا يجوز للمرء أن يرفع طرفه إليها، ومن كان يحب أبناء رسول اللَّه ﵊ فإنه يهدى إليهم ما يريدون أن يبتاعوا. ومن كانت له بنت أو أخت ويريد أن يزوجها بجهاز كبير فلا يصح أن يرد شريفا يطلبها زوجة له ولو كان لا يملك سوى المهر أو كان يعيش عيشة الكفاف. وإذا لقى المرء فى الطريق شريفا أو شريفة يسأل عطاء فإنه يجب عليه أن يهدى لهما ما يستطيع (النبهانى، ص ٨٩ وما بعدها).
стр. 6164
ولا يصح الامتناع من احترام الشريف الفاسق ذلك أن فى الإمكان القول بأن ذنبه سيغفر له وبأن عنصره الطاهر هو الذى يستوجب احترامه وأن الفسق لا يصيب نسبه (النبهانى، ص ٤٥). وإذا شك أحد فى نسب شخص هل هو شريف أم لا, ولم يكن على نسبه اعتراض من الناحية الشرعية فإنه يجب أن يظهر له الاحترام اللائق به. وحتى إذا لم يكن نسبه ثابتًا شرعًا فإنه لا يصح اتهامه بالكذب من غير القطع بالأمر (الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيثمى، ص ١٢٢ س ٢٧ وما بعده؛ النبهانى، ص ٤٦). وهناك عدد كبير من الحكايات يذكر فيها أن النبى ﵊ أو فاطمة أنّب فى المنام شخصًا لم يراع حق شريف أساء إليه (المقريزى، ورقة ١٤٤, سطر ١١ وما بعده؛ ابن حجر الهيثمى: الصواعق، ص ١٤٨ النبهانى ص ٤٥، ٩٥ وما بعدها) (٦).
والأشراف والسادة الكثيرون موجودون فى جميع بلاد العالم الإسلامى، وكثير من أسر الأشراف وصلت إلى الحكم زمانا قصيرًا أو طويلًا كما حدث فى طبرستان وبلاد الديلم، وغربى جزيرة العرب، واليمن ومراكش. وكان لأسر أخرى شأن محلى. ومنذ زمان طويل لم تعد صحة النسبة العلوية فوق الطعن أحيانا. وقد حفظ النسب على أنقى صورة فى غربى جزيرة العرب وفى حضرموت؛ وبيت العلويين فى حضرموت يشتمل على كثير من علماء الشريعة والعقائد والصوفية المشهورين، وهو يحترم من الأشراف بما يليق بهم؛ أشراف غربى جزيرة العرب.
ومن السهل أن يعظم السيد الذى يتميز بالحياة الصالحة كما يعظم الأولياء، وأن يرجى الخير من دعائه؛ على حين أن غضبه يجلب البلاء؛ والناس يحاولون أن ينالوا بركته بالنذور والهدايا، ويزورون قبره. وفيما يتعلق بأضرحة الأشراف رجالا ونساء التى تزار كثيرًا فى القاهرة؛ انظر كتاب الشبلنجى المذكور فيما يلى.
وفى حضرموت وفى اليمن أيضًا يتميز السيد بعكاز ومسبحة عن
стр. 6165
الشريف الذى يتميز بحمل السلاح. والسيد يظهر وسيطا بين الأطراف المتخاصمة، وهو فوق ذلك يطرد الجراد ودعاؤه يمنع القحط، على حين أن سخطه يجعله مستمرًا. وبعض السادة يُقصَدون للبرء من الأسقام، وكثيرًا ما يعبر الناس عن تعظيمهم للسيد بإهدائه قطعًا من الأرض (Perfumes of Araby: H. Jacob، لندن ١٩١٥, ص ٤٥, ١٧٣ وما بعدها).
وفيما يتعلق بمميزات الأشراف والسادة وتعظيمهم انظر التفصيل فى كتاب سنوك هرجرونى (Mekka: Snouck Hurgronje، جـ ١، ص ٣٢ وما بعدها ٧٠ وما بعدها) وفيما يتعلق بالسادة فى حضرموت، وهم يوجدون بكثرة فى جزر الملايو ومنهم مؤسسو سلطنات "سياك" و"بونتياناك" (انظر للمؤلف نفسه كتابيه: Geschr Verspr, جـ ٣، ص ١٦٢ مابعدها و The Achehnese، جـ ١، ص ١٥٣ وما بعدها).
أما فيما يتعلق بتاريخ الأشراف الذين حكموا فى مكة وفى الحجاز منذ القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى؛ انظر كتاب سنوك هرجرونى Mekka: Snouck Hurgronje, جـ ١؛ ومادة مكة "تأريخها" انظر أيضًا الموجز الذى ذكره البتنونى فى كتابه الرحلة الحجازية، الطبعة الرابعة، القاهرة ٣٢٩ هـ, ص ٧٣ وما بعدها) وتوجد معلومات عن عشائر الأشراف فى جزيرة العرب فى الكتاب المسمى A Handbook of Arabia (جـ ١) الذى ألفه القسم الجغرافى لفرقة الاستعلامات البحرية، لندن، بدون تاريخ السنة، الفهرس تحت مادة أشراف.
أما نسب الطالبيين فقد تناوله أحمد ابن على. . . بن مهنا الداوودى الحسنى فى كتابه "عمدة الطالب فى أنساب آل أبى طالب، بمباى ١٣١٨ هـ.
المصادر:
(١) النسائى: كتاب خصائص أمير المؤمنين على بن أبى طالب، القاهرة ١٣٠٨ هـ.
(٢) يحيى بن الحسن. . . بن البطريق الحلىّ: كتاب خصائص وحى المبين فى
стр. 6166
مناقب أمير المؤمنين، طبع على الحجر سنة ١٣١١ هـ.
(٣) المؤلف نفسه: كتاب العمدة، طبع على الحجر بمباى ١٣٠٩ هـ.
(٤) المقريزى: كتاب فيه معرفة ما يجب لآل البيت من الحق على من عداهم، مخطوط ليدن ٥٦٠ - ١٣ (فهرس المخطوطات العربية جـ ٢، ص ٥٠ Cat. cod. Arab, II, ٥٠).
(٥) السيوطى: رسالة السلالة الزينبية، مخطوط ليدن رقم ٢٣٢٦ (فهرس المخطوطات العربية جـ ٢، ص ٦٥).
(٦) المؤلف نفسه: إحياء الميت فى الأحاديث الواردة فى آل البيت، مطبوع على هامش كتاب الإتحاف للشبراوى
(٧) ابن حجر الهيثمى: الصواعق المحرقة فى الرد على أهل البدع والزندقة، القاهرة؛ ١٣٠٨ هـ.
(٨) المؤلف نفسه: كتاب الفتاوى الحديثية، القاهرة ١٣٢٩ هـ.
(٩) الشبراوى: كتاب الإتحاف بحب الأشراف، القاهرة ١٣١٨.
(١٠) محمد الصبان: كتاب إسعاف الراغبين فى سيرة المصطفى وفضائل أهل بيته الطاهرين، مطبوع على هامش كتاب الشبلنجى.
(١١) نور الأبصار فى مناقب آل بيت النبى المختار، القاهرة ١٣٢٢ هـ.
(١٢) يوسف بن إسماعيل النبهانى: كتاب الشرف المؤبد لآل محمد، القاهرة ١٣١٨ هـ.
(١٣) Beschreibung von Arabien: Niebuhr، كوبنهاغن، ١٧٢٢ م، ص ١١ وما بعدها.
(١٤) An Account o f the Manners and Customs of the Modern Egyptians: E.W. Lane، الطبعة الثالثة، لندن ١٨٤٢, جـ ١, ص ٤٢, ٤٦, ١٩٧, ٢١٠, ٣٦٦.
(١٥) Ritual and Belief in Morokko: E. Westermarch، لندن ١٩٢٦, الفهرس تحت مواد، شريف، وسيدى، وسيد.
أبو ريدة [أرندنك C. Van Arendonk]
تعليق على مادة "شريف "
أطال الكاتب فى هذه المادة، ورجع إلى مراجع كثيرة، فجاء ما كتبه مستوعبا لكل نواحيها؛ إلا أن بعض ما
стр. 6167
كتبه فيه ما يلاحظ، ولذلك نجمل هذه الملاحظات فى هذه الكلمات:
(١) ذكر الكاتب أن كلمة "الشريف" تطلق أيضًا على الشخص ذى المكانة والجاه فى مقابل الضعيف والوضيع من الناحية الاجتماعية ونقل هذا عن صحيح البخارى.
والذى جاء فى البخارى (جـ ١: ٤ من الطبعة الأميرية سنة ١٣١٤ هـ)، فى حديث أبى سفيان عن لقائه هرقل ملك الروم بالشام، هو أن هرقل سأله: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم. .
(٢) ذكر الكاتب أن قوله تعالى فى سورة الأحزاب: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، يصرفه الشيعة إلى على وفاطمة وأبنائهما، وأن تفسير ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ تفسيرًا يلائم السياق والمقام يجعل الآية شاملة لنساء النبى، وأن هذا هو التفسير المروى عن عكرمة وابن عباس، وأن حديث الكساء يؤيد رأى الشيعة؛ وهذا كله فى حاجة إلى تحرير ومزيد من الدقة، كما يحتاج إلى بيان.
إن الذى فى كتب التفسير المعتبرة، مثل تفسير القرطبى وتفسير ابن كثير، أن هذه الآية نزلت فى نساء النبى أمرًا خاصة، ففى تفسير ابن كثير أنها "نزلت فى نساء النبى ﷺ خاصة". وهو ما رواه عكرمة عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما. ثم يقول ابن كثير بعد هذا وذاك: إن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن فصحيح، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن ففيه نظر؛ فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك.
ومع هذا، فإن السياق يدل على أن المراد بعبارة ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ فى هذه الآية، من نساء النبى ﷺ خاصة، ولا مانع أن تشمل سائر آل بيت النبوة بدلالة أحاديث وردت عن الرسول [ ﷺ ].
وحديث "الكساء" هو، كما جاء فى تفسير ابن كثير عن مسند الإمام أحمد ابن حنبل، بهذا النص عن واثلة بن الأسقع إذ يقول: أتيت فاطمة رضى اللَّه عنها أسألها عن علىِّ رضى اللَّه عنه فقالت: توجه إلى رسول اللَّه ﷺ ، فجلست أنتظره حتى جاء
стр. 6168
رسول اللَّه ﷺ ومعه على وحسن وحسين، آخذا كل واحد منهما بيده، حتى دخل؛ فأدنى عليّا وفاطمة رضى اللَّه عنهما وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنا وحسينا رضى اللَّه عنهما كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه، أو قل كساءه، ثم تلا ﷺ هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتى، وأهل بيتى أحق".
(٣) ذكر الكاتب نقلا عن البخارى: أن الرسول [ ﷺ ] قال عن الحسن بن على رضى اللَّه عنهما: "ابنى هذا السيد، ولعل اللَّه يصلح به بين فئتين من المسلمين"، والذى فى صحيح البخارى (جـ ٩: ٥٦ من طبعة بولاق الأميرية) هو أنه بينما كان النبى ﷺ يخطب جاء الحسن، فقال النبى ﷺ : "ابنى هذا سيدٌ (أو السيد)، ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين من المسلمين".
والمراد هنا فئتا على ومعاوية فى الحرب التى وقعت بينهما، هذه الحرب التى كانت فتنة عظيمة للمسلمين وانتهت بتنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية رضى اللَّه عن الجميع.
(٤) ذكر الكاتب أن البعض يحاول أن يجد للبس العمامة الخضراء سندا من القرآن، أى من الآية رقم ٥٩ من سورة الأحزاب التى أمر اللَّه تعالى رسوله [ ﷺ ] أن يقول لأزواجه وبناته ونساء المؤمنين بأن "يدنين عليهن من جلابيبهن" فإن ذلك "أدنى أن يعرفن فلا يؤذين".
وبالرجوع إلى كتب التفسير لا يجد الباحث فى هذه الآية سندا للبس هذا الشعار، بل ولا أى إشارة إلى ذلك. بل إن هذا الأمر كان ليتميز به الحرائر من الإماء، فلا يكن عرضة للأذى من الفساق الذين كانوا يبتغون السوء من غير الحرائر، فإذا غطت الواحدة وجهها من فوق رأسها بالجلباب عرفت بأنها حرة شريفة فلا ينالها أى أذى (راجع تفسير ابن كثير جـ ٣: ٥١٨ - ٥١٩).
(٥) تكلم الكاتب بعد ذلك عن ما يراه المسلمون من تميز آل بيت النبى ﵊ بأشياء فيها عدم
стр. 6169
حل الصدقة لهم، وعن هذا الحكم: هل يشمل آل المطلب ومواليهم أيضًا كما يشمل بلا ريب آل بنى هاشم، وهل يشمل صدقة النفل أيضًا بجانب الصدقة المفروضة؟
وهنا نذكر إنه لا خلاف فى أن بنى هاشم تحرم عليهم الصدقة، وفى هذا يقول الرسول [ ﷺ ] على ما جاء فى صحيح مسلم: "إن الصدقة لا تنبغى لآل محمد؛ إنما هى أوساخ الناس".
ويرى الشافعى أن بنى المطلب ليس لهم الأخذ من الصدقة كبنى هاشم تماما، وذلك لما جاء فى حديث رواه البخارى وابن حنبل من أن الرسول [ ﷺ ] قال: "إنا وبنى المطلب لا نفترق فى جاهلية ولا إسلام، إنما نحن وهم شئ واحد"، وشبك بين أصابعه.
وهنا يقول ابن حزم بأنه صح أنه لا يجوز أن يفرّق فى حكمهم فى شئ أصلًا لأنهم شئ واحد بنص كلامه ﵊؛ فصح أنهم آل محمد، وإذ هم آل محمد فالصدقة عليهم حرام.
وعن الإمام أبى حنيفة أن لبنى المطلب أخذ الزكاة، وبهذا الرأى يكون هناك فرق فى رأيه بينهم وبين بنى هاشم فى هذه المسألة.
والموالى تبع للسادة، أى لمن كانوا سادتهم فى هذا؛ فمثلا نرى الرسول ﷺ يحرم الصدقة على موالى بنى هاشم كما حرمها على بنى هاشم أنفسهم. وذلك لأن أبا رافع مولى الرسول [ ﷺ ] سأله فى هذا، فقال: "إن الصدقة لا تحل لنا، وإن موالى القوم من أنفسهم"، وهذا حديث حسن صحيح كما قال ابن حنبل وأبو داود والترمذى.
هذا، وفى صدقة التطوع هل تحرم على من تحرم عليهم صدقة الفرض، أو تحل لهم دون الصدقة المفروضة قياسا على الهبة والهدية والوقف، ففيها خلاف بين الفقهاء، ويحسن الرجوع فى هذه المسألة إلى كتب الفقه والحديث، وبخاصة كتاب "المغنى" لابن قدامة، و"نيل الأوطار" للشوكانى.
والقول الراجح فى رأينا أن النوعين حرام على آل النبى [ ﷺ ] لأن كلا منهما
стр. 6170
صدقة على كل حال، ولأن الرسول ﷺ لم يخصص فى تحريمه الصدقة بما كان مفروضًا منها دون صدقة التطوع أو النافلة.
(٦) أطال الكاتب فيما لأهل البيت من المزية والفضل بسبب نسبهم الشريف، وأن أحدًا منهم لن يعذب لأنه سيغفر لهم كل ما قد يقترفونه من الذنوب، وأن نسبهم ينفعهم يوم القيامة؛ وأنه لذلك يجب علينا حبهم واحترامهم وكذلك سائر الأشراف، إلى آخر ما قال فى هذه الناحية، وهو فى كل ما ذكره يرجع إلى كتب إسلامية ليس من السهل استقصاء ما جاء فيها مما اعتمد عليه.
ونحن نؤمن تماما أن لآل البيت النبوى من المكانة والفضل عند اللَّه ما لا يعلمه إلا هو وحده، ونؤمن أيضًا مع هذا بقوله ﷺ : "كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبى وصهرى"، كما رواه الحافظ ابن عساكر عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما؛ وبقوله أيضًا: "إن الأنساب تنقطع يوم القيامة إلا نسبى وسببى وصهرى" على ما رواه الإمام أحمد عن المسور بن مخرمة.
ولكننا مع هذا وذاك نؤمن كذلك بقوله ﷺ : "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه"، وبقوله لابنته رضى اللَّه عنها: "يا فاطمة بنت محمد، اعملى فإنى لن أغنى عنك من اللَّه شيئًا"، وكذلك قال لبنى هاشم ومن إليهم من ذوى القربى ثم قال للجميع: "لا يأتينى الناس بأعمالهم وتأتونى بأنسابكم"؛ وهذا ما يتفق مع ما جاء فى القرآن الكريم فى كثير من الآيات من أن كل إنسان سيسأل عما عمل ولا يغنى عنه غيره شيئًا.
ومع ذلك فإن فرضًا على كل مسلم أن يعرف لآل البيت النبوى ما لهم من منزلة توجب علينا احترامهم وإجلالهم، وتجعلنا نؤمن بأنهم أولى بالقبول والغفران من اللَّه من غيرهم، واللَّه -كما جاء فى القرآن نفسه- يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وهذا كله فضلًا عن أنهم أبعد الناس عن الذنوب والآثام.
هذا، وقد أشار الكاتب فى تضاعيف كلامه الذى استوجب هذا التعليق إلى
стр. 6171
أن البعض يرى أن أهل البيت هم أمان أهل الأرض من الفتن بسبب ما فيهم من العنصر النبوى، وأن هذا البعض حاول أن يجد إشارة لرأيه فى آية من سورة الأنفال، وهى الآية رقم ٣٣.
وهذه الآية التى أشار إليها الكاتب هى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. وبمراجعة كتب التفسير للقرطبى وابن كثير وأبى السعود وغيرهم، لا يجد الباحث أى إشارة للرأى الذى يذهب إليه ذلك البعض.
فإن الآية تشير إلى ما كان من إيذاء المشركين للرسول [ ﷺ ] وهو بينهم، وأن اللَّه آمنهم من العذاب حينا لوجود الرسول [ ﷺ ] فيهم. على أن الآية التى تليها قد نسخت حكمها، وهى قوله جل ذكره: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
على أننا لا نستبعد مطلقًا أن فى وجود الصالحين المتقين من آل البيت أمانًا من الفتن والبلاء لمن يقيمون بينهم وكذلك الأمر بالنسبة للصالحين المتقين من غير آل البيت؛ وذلك أن الرسول ﷺ يقول فى بعض ما روى عنه: "لولا عباد للَّه ركع، وصبية رضع، وبهائم رتع، لصب عليكم البلاء (وفى رواية: العذاب) صبا"، رواه الطيالسى والطبرانى وابن منده، وغيرهم، عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه.
[الدكتور محمد يوسف موسى]
شريف باشا
رجل من رجال الدولة المصريين فى عهد الخديو إسماعيل والخديو توفيق؛ وهو من أصل تركى، ولد عام ١٨٢٣ بالقاهرة، وكان أبوه حينذاك يشغل منصب قاضى القضاة الموفد من قبل السلطان، وبعد ذلك بعشر سنوات أو نحوها كانت أسرته تقيم مرة أخرى بالقاهرة ردحا من الزمن، فأرسل محمد على الغلام "شريف" إلى المدرسة الحربية التى كان قد أنشأها حديثا. ومن ثم قدر له أن يقضى حياته العملية كلها فى الخدمة المصرية. وكان شريف
стр. 6172
عضوا فى البعثة المصرية التى أوفدت إلى باريس للدراسة العليا وكانت تضم سعيد باشا وإسماعيل باشا اللذين اعتليا الأريكة الخديوية من بعد، كما كانت تضم على مبارك باشا. والتحق شريف باشا بالمدرسة العسكرية سان سير St. Cyr (١٨٤٣ - ١٨٤٥) وخدم فترة من الزمن فى الجيش الفرنسى حتى استدعى عباس الأول هذه البعثة عام ١٨٤٩. وعمل خلال السنوات الأربع التالية سكرتيرا للأمير حليم، ثم التحق مرة أخرى بالخدمة العسكرية عام ١٨٥٣ ووصل إلى رتبة اللواء فى عهد سعيد باشا. وكان خلال هذه الفترة على اتصال وثيق بسليمان باشا (de Sevves) القائد العام للجيش المصرى وتزوج ابنته.
وبدأ شريف باشا سنة ١٨٥٧ حياته السياسية وزيرا للخارجية، وناب عن الخديو إسماعيل عندما سافر إلى الآستانة عام ١٨٦٥, وتقلب بعد ذلك فى جميع المناصب العليا فى الدولة. وكان شريف باشا هو الذى وضع فى عام ١٨٦٦ المشروعات الخاصة بالمجلس النيابى الجديد.
ولما قامت الحكومة الدستورية فى مصر عام ١٨٧٨ ألف شريف باشا الوزارة ثلاث مرات. ولما سقطت وزارة نوبار باشا فى فبراير عام ١٨٩٧ (وكانت تضم اثنين من الأوربيين) على يد المجلس النيابى الوطنى بدأت حركة دستورية بقيادة شريف باشا وتزعم هذه الحركة فى البرلمان عبد السلام المويلحى. وقام هذا الحزب بوضع خطبة للإصلاحات المالية قدمت للخديو فعهد إلى شريف باشا فى أبريل عام ١٨٧٩ بتأليف وزارة من العناصر المصرية الصميمة، وقد أنشأت هذه الوزارة الجديدة (انظر أسماء أعضائها فى كتاب صبرى، ص ١٥٣، التعليق) مجلسًا للدولة كما جعلت المجلس النيابى يسن ويصدق على قانون أساسى جديد صدر فى الرابع عشر يونية, عام ١٨٧٩).
وبعد أن اعتلى الخديو توفيق باشا العرش، عدلت وزارة شريف باشا،
стр. 6173
ولكن الحكومة الجديدة لم تكن وطنية كسابقتيها. وقد رفض الخديو الجديد فى شهر أغسطس من السنة نفسها الموافقة على الدستور الذى أعده رئيس الوزراء ولذلك استقال شريف باشا فى الثامن عشر من الشهر ذاته وخلفه رياض باشا. واشترك شريف باشا عند ذاك فى تأليف الحزب الوطنى بحلوان، فأصدر بيانا ضد رياض باشا فى الرابع من شهر نوفمبر. ولما قامت بعد ذلك بسنتين الثورة العسكرية الوطنية فى التاسع من سبتمبر عام ١٨٨١ كان شريف باشا رجل الدولة الوحيد الذى وثق فيه الحزب العسكرى ثقة جعلته يعهد إليه تأليف وزارة جديدة (١٥ سبتمبر). وقد جمع شريف من ثم جمعية من أعيان البلاد لموازنة النفوذ العسكرى. واجتمعت هذه الجمعية فى السادس والعشرين من شهر ديسمبر، ولكن سرعان ما انضم الوطنيون بهذه الجمعية إلى العسكريين فى مناهضة الخديو ووزارته التى كان الرأى أنها واقعة تحت النفوذ السياسى والإشراف المالى للدول العظمى. وكان شريف باشا غير راغب فى التعاون مع المجلس عند التصويت على تعديل القوانين الخاصة بالميزانية ولذلك استقال فى يناير عام ١٨٨٢, وخلفه محمود باشا سامى. وفى العاشر من أغسطس من العام نفسه وعلى أثر وقوف الخديو موقفا معاديا من الحركة العرابية أصبح شريف باشا مرة أخرى رئيسا للوزراء (١٨ أغسطس سنة ١٨٨٢). وظل فى هذا المنصب بعد هزيمة عرابى والاحتلال الإنجليزى، ولكنه اصطدم أخيرًا بالوزارة الإنجليزية وممثلها عندما طلبت الجلاء عن السودان. وقد رأى شريف باشا أن الجلاء عن السودان فيه خطر سياسى واقتصادى على مصر، ولكنه اضطر إلى التسليم تحت الضغط الإنجليزى (يناير ١٨٨٤). وهنالك اعتزل السياسة ومات بعد ذلك بثلاث سنوات فى جراتز Grez. وكان قد سافر إليها للاستشفاء من مرض الكبد، ودفن بالقاهرة فى أبريل عام ١٨٨٧.
وينتسب شريف باشا فى الأصل إلى طبقة المصريين الأتراك فكان لذلك
стр. 6174
مرتبطا بالخديو بدرجة أكثر، ولكن الوطنيين مع ذلك لم يشكوا قط فى إخلاصه. فقد حاول بإخلاص أن يجعل مصر دولة دستورية تحت حكم الأسرة الخديوية. وهو فى السياسة يحتل مركزًا وسطا بين الميول التى كان يمثلها عرابى ونوبار ورياض.
المصادر:
(١) جورجى زيدان: مشاهير الشرق، القاهرة ١٩١٠، ص ٢٤٠ وما بعدها.
(٢) Geschichte Aegyptens im ١٩ jahrhundert: A. Hasenclever، هال ١٩١٧.
(٣) La Genese de l'Esprit national Egyptien: M.Sabry, باريس ١٩١٣، ص ٦٤, ١٤٣, ١٤٦, ١٥٢, ١٦٨, ١٨٤, ١٩٥, ٢٠٥.
(٤) Modern Egypt: Lord Cromer لندن ١٩٠٨، جـ ١ وانظر أيضًا المصادر الواردة فى هذه الكتب.
الشنتناوى [كرامرز J.H. Kramers]
الشريف الرضى
أبو الحسن محمد بن أبى طاهر الحسين بن موسى: سليل الحسين بن علىّ عن طريق موسى الكاظم، ومن ثمّ لقب هو وأخوه علىّ المرتضى بلقب الموسوى؛ وقد ولد أبو الشريف الرضى سنة ٣٠٧ هـ (٩١٩ - ٩٢٠ م)، وكان فى عهد بنى بويه فى بغداد نقيب الطالبيين، أى رئيس جماعة الأشراف من آل البيت أحفاد على من زوجه فاطمة.
وقد ولد الشريف الرضى فى بغداد سنة ٣٥٩ هـ (٩٧٠ م) والظاهر أنه كان قد نضج فى سن مبكرة جدًا؛ ويقول معاصره الثعالبى إنه نظم أشعاره الأولى ولما يتجاوز العاشرة، وقد قال أقدم ما أرخ من قصائد فى ديوانه سنة ٣٧٤ هـ حين كان فى الخامسة عشرة من عمره؛ ويؤكد الثعالبى والكُتّاب الذين نقلوا عنه أن الشريف الرضى كان بلا نزاع أعظم شعراء الطالبيين، بل أعظم شاعر أنجبته قريش. وإذا عرفنا أن القصائد التى نظمت فى ذلك العهد الحافل بالشعراء كانت دون أشعاره
стр. 6175
بكثير حكمنا بأن الثعالبى كان على حق فى قوله. ولا يسعنا إلا أن نسلم بأن بعض المراثى التى قالها الشريف الرضى فى أصدقائه تتسم بالشعور الصادق؛ ثم إن مقدار ما قال من الشعر فى حياته القصيرة الأجل عجيب، ذلك أن ديوانه كان يشغل فى الأصل أربعة مجلدات. ولا شك أن الشريف الرضى كان ضعيف البنية، وهو نفسه يروى فى إحدى قصائده أن الشيب بدأ يخط رأسه حين بلغ الحادية والعشرين، وهى من باكرة؛ ولعل من أسباب اعتلال صحته انشغاله على أبيه الذى ظل سجينا فى شيراز زمنًا طويلًا بسبب ذنب اقترفه ولم أتوصل للكشف عنه، وبسبب الاضطراب الذى قام فى بغداد، نتيجة محاباة أمراء البويهيين للشيعة محاباة ظاهرة وما نجم عن ذلك من موجدة أهل السنة. وكان أبوه قد اعتزل منصب النقيب، وكرّم الشريف الرضى بتوليته هذا المنصب الجليل. ويقول الثعالبى وغيره من كتاب السير الذين ينقلون عنه إنه تولى المنصب سنة ٣٨٨ هـ ولكن المقدمة التى صدر بها القصيدة التى بعث بها إلى بهاء الدولة يشكره على ما أسداه إليه من فضل تذكر أن البراءة أرسلت إليه من البصرة مصحوبة بأمر تقليده قيادة قافلة الحجيج، وبلغت بغداد فى غرة جمادى الأولى سنة ٣٩٧ وفى السنة التالية زاد بهاء الدولة فى تشريفه فأنعم عليه بلقب الرضى، وهو اللقب الذى غلب عليه. وبعد ذلك بثلاث سنوات، أى فى شهر ذى القعدة سنة ٤٠١ هـ، تلقى من الأمير نفسه لقبًا ثالثًا هو لقب الشريف، وظل بهاء الدولة ينعم عليه بآيات التشريف الأخرى. وفى يوم الجمعة السادس عشر من المحرم سنة ٤٠٣ هـ عين نقيبا لآل البيت فى جميع أملاك الأمير، على أن المرض اشتد عليه اشتداد، خطيرًا فى جمادى الأولى من السنة نفسها حتى يئس الناس من حياته، بيد أنه ما إن انقضى شهران حتى أبل من مرضه إلى حد أنه استطاع أن يرسل فى شهر رجب قصيدة أخرى إلى سلطان الدولة فى أرجان، حيث كان بهاء الدولة قد أدركته منيته فى جمادى الآخرة؛ وكانت قصيدته الأخيرة التى نظمها بحيث تصلح لمدح أى أمير هى التى
стр. 6176
وجهها إلى سلطان الدولة فى شهر صفر سنة ٤٠٤ هـ، وكانت آخر قصيدة مؤرخة فى ديوانه مرثية قالها فى الشاعر أحمد بن على البتّى الذى توفى فى شهر شعبان سنة ٤٠٥ هـ؛ وتوفى الشريف الرضى فى صباح الأحد السادس من المحرم سنة ٤٠٦ هـ (٢٦ من يونية سنة ١٠١٦ م)؛ وقد غلب الحزن أخاه على المرتضى حتى لم يستطع البقاء فى بغداد ليشيّع جنازته، وصلى الوزير فخر الملك صلاة الجنازة على قبره، ودفن بمنزله فى حى الأنبارية فى ضاحية الكرخ من ضواحى بغداد. وكان المنزل والقبر قد تهدما فى عهد ابن خلكان، وإنا لندرك من الإشارات القليلة المبعثرة عن الرضى أنه كان ودودًا واسع العقل كما تدل على ذلك صداقته للصابئ الذى كرَمه بمرثيتين بالرغم من أنه لم يكن مسلمًا، بل إن لوم أخيه بسبب مرثيته الأولى لم تحل بينه وبين نظم قصيدته الثانية التى أبرز فيها حزنه أكثر وأكثر. وقصائده كما مر بنا كثيرة جدًا، وقد جمعها بعض أصدقائه؛ ومخطوطاتها ليست نادرة، بل إن لدينا بالفعل نسختين مطبوعتين (بومباى ١٨٧٩ فى مجلد واحد؛ بيروت فى ١٨٩٠ - ١٨٩٢ فى مجلدين) وكلا الطبعتين مرتبتان على حروف الهجاء؛ وكذلك الحال فى المخطوطين اللذين فى المتحف البريطانى (Add، رقم ١٩٤١٠؛ Add ٢٥٧٥٠) وذلك إذا استثنينا أن المراثى فى أحد المخطوطين قد فصلت عن القصائد الأخرى. ومما هو جدير بالذكر أن كثيرًا من القصائد، سواء فى المخطوطات أو فى النسختين المطبوعتين، قد أرّخت تأريخًا دقيقًا وأمدتنا ببعض التفصيلات عن سيرته؛ وقد كان عدد كبير من هذه القصائد مراثى قيلت فى أشخاص بارزين توفوا فى بغداد، ومن ثم أصبح لهذه التواريخ قيمة تاريخية أيضًا. وثمة قصائد للشريف عن كل سنة من سنة ٣٧٤ إلى سنة ٤٠٥ هـ، ولو أننا شرعنا فى تحليلها تحليلًا كاملًا لاستغرق ذلك منا حيزًا كبيرًا. والرضى، علاوة على قصائده، صاحب الفضل فى مصنفين فى شرح القرآن أحدهما عنوانه "معانى القرآن" والثانى عنوانه "مجازات القرآن"، على أن هذين المصنفين لم يصلا إلينا. ويصف
стр. 6177
درينبورغ فى الفهرس الذى أصدره بالمخطوطات الموجودة فى مكتبة الإسكوريال مخطوطا تحت رقم ٣٤٨ عنوانه "طيف الخيال" نسبه إلى الرضى؛ ولاشك أن هذا خطأ سواء كان مرجعه إلى درينبورغ أو الكاتب الذى كتب المثبت. وما من شك فى أن على المرتضى أخا الرضى قد كتب كتابًا بهذا العنوان نفسه، زد على ذلك أن كاتبا علويا آخر اسمه هبة اللَّه بن الشجرى ينقل فى مصنفه "الحماسة" (باريس، مخطوط عربى رقم ٩٢٥٧، الورقة ٩٦ الصفحة اليمنى) شواهد من طيف الخيال للمرتضى؛ ثم إن صاحب المخطوط المحفوظ بمكتبة الإسكوريال يذكر فى مقدمته أنه سبق أن كتب كتابًا فى الشيب؛ وبين أيدينا هذا الكتاب فى نسخة مطبوعة (الآستانة ١٣٠٢) ولا جدال فى أنه بقلم المرتضى الذى يقول لنا فى ختامه إنه أتمه سنة ٤٢١ هـ أو بعد خمس عشرة سنة من وفاة أخيه الرضى. ولا نستطيع القول بأن الأخوين قد كتبا كتابين بالعنوان نفسه والمحتويات نفسها أو ما يشبهها, ولا حيلة لنا بعد إلا أن ننسب الكتاب الذى جاء فى المخطوط المحفوظ بمكتبة الإسكوريال إلى المرتضى.
المصادر:
(١) الثعالبى: اليتيمة، دمشق، جـ ٢، ص ٢٩٧ - ٣١٥، مع مقتطفات كثيرة من قصائده.
(٢) ابن خلكان، طبعة فستنفلد، ص ٦٣٩, طبعة القاهرة، جـ ٢، ص ٢.
(٣) اليافعى: مرآة الجنان، جـ ٣، ١٨ - ٢٠.
(٤) بروكلمان G.A.L، جـ ١، ص ٨٢ - وتجد قصائد الرضى فى جميع دواوين الشعر تقريبا.
صبحى [كرنكو F. Krenkow]
الششترى
أبو الحسن على بن عبد اللَّه، شاعر صوفى أندلسى وتلميذ ابن سبعين، وناظم بعض الموشحات باللغة العربية الدارجة.
стр. 6178
ولد الششترى فى شوذر قرب وادى آش حوالى سنة ٦٠٠ هـ (١٢٠٣ م) وتوفى بالطينة قرب دمياط فى ١٧ صفر سنة ٦٦٨ هـ (١٦ من أكتوبر سنة ١٢٦٩ م). وقد درس الششترى أول ما درس على ابن سراقة الشاطبى الذى شرح له عوارف المعارف للسهروردى البغدادى. والظاهر أنه كان فى هذه الفترة قد انضم إلى الطريقة المدينية. ثم أقام فى الرباط وفى مكناسة (ويقول عنها فى زجله:
شويخ من أرض مكناس ... وسط الأسواق يغنى
أش عليّا من الناس ... وأش على الناس منى)
ثم فى فارس. ورحل من بعد إلى الشرق. وفى سنة ٦٥٠ هـ (١٢٥٢ م) كان فى دمشق مع شاعر مشهور هو نجم بن إسرائيل المتوفى سنة ٦٧٦ هـ (١٢٧٧ م)، وكان من أتباع مذهب الرفاعية الحريرية "الديوان"، وهو مخطوط محفوظ فى آيا صوفيا بالآستانة تحت رقم ١٦٤٤). واستقر آخر الأمر فى مكة سنة ٦٥١ هـ (١٢٥٣ م)؛ ولقى فيها ابن سبعين الذى كان ذائع الصيت ولما يجاوز الثامنة والثلاثين، ومع أن الششترى كان يكبره سنا فقد أصبح تلميذه وتلقى منه الخرقة السبعينية (ونعلم عنها نقلا عن ابن تيمية أن الذكر فيها كان "ليس إلا اللَّه" وإن كان من بين أسانيدها الحلاج). واضطهد ابن سبعين ووضع تحت رقابة الشرطة فتولى الششترى مكانه على رأس "المتجردين" وجاء معه إلى مصر، قبل أن يموت، بنحو أربعمائة من الأتباع منهم أبو يعقوب ابن مبشر، ناسك باب زويلة (بالقاهرة)
وقد ذكر المقرى خمسة كتب بالنثر كتبها الششترى، على أنه لم تبق لنا منها إلا الرسالة البغدادية عن الفقر (الإسكوريال، مخطوط، رقم ١٦٨, الورقة ٧٥ (أ) - ٧٨ (ب)) وإذا كان اسمه لا يزال مذكورًا فإنما الفضل فى ذلك إلى الديوان أو مجموعة الموشحات التى نظمها باللغة العربية الدارجة. وهى قصائد قصيرة فيها لذع وجدة كل الجدة، وسرعان ما صنعت لها الألحان كما يقول ابن عباد الرندى. ولا تزال
стр. 6179
الشاذلية فى سورية حتى يومنا هذا يختمون "حالة الانجذاب"، التى تتملكهم فى أذكارهم بإنشاد: "ألف قبل لامين، وهاء قرة العين" (وقد شرحها ابن عجيبة). وقد نظم الششترى أيضًا بعض القصائد على نهج الشعراء القدماء، وأشهر هذه القصائد العيسوية التى شرحها النابلسى.
المصادر:
(١) الغبرينى: عنوان الدراية، مخطوط، باريس ٢١٥٥، الورقة ٧٢ (ب) - ٧٤ (أ).
(٢) ابن الخطيب: الإحاطة، مخطوط، باريس ٣٣٤٧, الورقة ٢٠٨ (أ) - ٣١٢ (أ)
(٣) ابن عباد الرندى: الرسائل الكبرى, مطبوعة على الحجر، فاس ١٣٢٠, ص ١٩٨
(٤) المقرى: Analecta طبعة دوزى، ١٨٥٥ - ١٨٦٠, جـ ١، ص ٥٨٣ - ٥٨٤
(٥) G.A.L: Broekelmann, جـ ١، ص ٢٧٤.
صبحى [ماسينيون L. Massignon]
شطرنج
كان الشطرنج معروفا عند قدماء اليونان، وهم ينسبون اختراعه إلى يالاميدس، ومن هناك جاء إلى أمم مختلفة. ويقال إن المسلمين أخذوه عن الهنود، لكن الأخبار المتعلقة بذلك أسطورية. والأغلب أنه جاء إليهم من بلاد فارس القديمة.
وفى العصور الوسطى فى الشرق كان هناك كثير من ألعاب الرقعة خصوصا النرد والشطرنج وقد تغيرت أحجار اللعب وقواعده. ويبدو أن كلمتى شطرنج ونرد من أصل هندى (من السنسكريتية). وقد أراد البعض أن يشتق أصل كلمة شطرنج من اللغة الفارسية: ياشاه، وهو النداء الذى يهدد به الملك، لكن هذا الاشتقاق لا يلقى كثيرًا من الاستحسان.
وللأساطير المتعلقة بأصل الشطرنج مسحة فيثاغورية، ويحكى المسعودى أن ملوكا حكماء من ملوك الهند اخترعوا الصناعات ووضعوا أصول العلوم، وكان أولهم البرهَمَن؛ وثانيهم
стр. 6180
الباهبود، وفى أيامه اخترع النرد، وثالثهم دبشليم الذى يقترن شخصه بكتاب كليلة ودمنة (١)، ورابعهم بلهيت الذى يحكى أن الشطرنج اخترع فى أيامه وأنه رتب للعبه كتابا لأهل الهند يسمى "طرق جنكا" يتداولونه فيما بينهم، وجعل أحجار الشطرنج على صورة الآدميين وغيرهم من الحيوان وجعلهم درجات ومراتب يظن أنها تمثل صور البروج. وفى أيام المسعود (القرن الرابع الهجرى = العاشر الميلادى) لم يكن للعب الشطرنج صورة ثابتة، فهو يعرف للعب الشطرنج لست صور رئيسية: فهناك الآلتان المربعتان، إحداهما ثمانية أبيات فى مثلها، والثانية عشرة أبيات فى مثلها. وهناك الآلة المستطيلة وأبياتها أربعة فى ستة عشر؛ وهناك آلتان مدورتان: إحداهما تنسب إلى الروم، والثانية هى الآلة النجومية التى تسمى الفلكية. والآلة السادسة، وقد استحدثت فى زمان هذا المؤلف، تسمى الجوارحية، وهى سبعة أبيات فى ثمانية، وأمثلتها اثنا عشر فى كل جهة منها ستة، وكل واحد من الستة يسمى باسم جارحة من جوارح الإنسان. وفى ذلك العصر كان هناك كتب مؤلفة فى الشطرنج وكان هناك لاعبون مشهورون بلعبه.
وقد عرف البيرونى أيضا صورًا شتى لهذه اللعبة، والصورة التى يصفها باعتبارها الأكثر تداولا هى لعبة حظ بالمعنى الحقيقى، وهى تلعب بفصين، والفصان هما اللذان يحكمان حركات الأحجار لا مهارة اللاعب، فكل من الواحد والخمسة يحرك الشاه أو البيدق، والاثنان تحرك الرخ، والثلاثة تحرك الفرس الذى حركته هى حركته فى أيامنا؛ وكل من الستة والأربعة يحرك الفيل وحركته مستقيمة، وقد أحل العرب محله الطابية. وللقطع قيم تؤخذ الحصص بحسبها، وجملة القيم تقرر اللعبة.
وقد كتب الفردوسى صحائف طريفة عن الشطرنج وقص أخبار لعبه شعرًا.
وهو يضع الملك فى الوسط ومعه وزيره الذى يقوم مقام الـ Dame عندنا،
стр. 6181
وإلى جانبهما فيلان وبعدهما جملان ثم فرسان، وأخيرا رخّان. وهذا الرخ حيوان، وهو عين الحيوان الأسطورى المذكور فى كتاب ألف ليلة وليلة، ومن اسمه اشتقت كلمة Rook فى الانجليزية مثلا.
وثم صورة أخرى للعب الشطرنج يتكلم عنها الشاعر نفسه، وهى أقرب إلى لعبة عندنا: فالرقعة لها ثمانية بيوت، وفى الوسط يقف الشاه مع وزيره، وعلى كل من الجانبين فيلان وفرسان ورخان، وإلى الإمام البيادق المرادفة للـ Pawns عندنا.
وللعبة الشطرنج أهمية فى علم الحساب حيث أدت إلى إثارة مسألة مهمة بعض الشئ، وهى جمع المضاعفات المتتالية للعدد ٢. وقد ذاع أمر تلك الأسطورة التى يحكى فيها أن مخترع لعبة الشطرنج طلب من الملك مكافأة له عليها عددا من حب القمح هو الذى يمكن الحصول عليه من وضع حبة فى البيت الأول وحبتين فى البيت الثانى وأربع حبات فى البيت الثالث وهكذا مع مضاعفة العدد باستمرار، فالحاصل يكون عددًا من عشرين رقما وهو يتجاوز كل إمكان. والصفدى يذكر هذه الأسطورة. والبيرونى إذ حاول اختصار الحساب وصل إلى ملاحظات طريفة (١).
وكانت لعبة الشطرنج لعبة الأشراف فى العصور الوسطى فى الشرق والغرب. وفى أيام الحروب الصليبية كان الشطرنج يلعب فى المعسكرين. وقد أهدى هارون الرشيد لشرلمان رقعة شطرنج, وأهدى شيخ الجبل إلى القديس لويس رقعة محلاة تحلية فاخرة. وقد اتخذ عمر الخيام من هذه اللعبة تشبيها جميلا للقدر، فهو يقول:
إنما نحن رخاخ القضاء ... ينقلنا فى اللوح أنى يشاء
وكل من يفرغ من دوره ... يلقى به فى مستقر الفناء.
المصادر:
(١) Lexicon persica-Latinum: Vullers, بون ١٨٦٤.
стр. 6182
(٢) المسعودى: مروج الذهب، باريس ١٨٦١، جـ ١، ص ١٥٧ - ١٦١؛ جـ ٨، ص ٣١٢.
(٣) البيرونى تحقيق ما للهند من مقولة، ترجمة سخاو, لندن ١٩١٠، جـ ١ ص ١٨٣ - ١٨٥.
(٤) المؤلف نفسه، الآثار الباقية، ترجمة سخاو, لندن ١٧٨٩، ص ١٣٤ - ١٣٥.
(٥) الشاهنامه، ترجمة ج. وول، باريس ١٨٧٦ - ١٨٧٨, جـ ٤، ص ٣٥٤ - ٣٥٦, ٣١١.
(٦) Historia Shahiludii: Th.Hyde, أكسفورد ١٦٩٤.
(٧) Algebraisches uber das schach bei Biruni: E. Sachau فى ZDMG مجلد ٢٩, ١٨٧٦, ص ١٤٨ - ١٥٦.
(٨) Die Wage im Altertum und Mittelalter: Th. Ibels، إيرلانكن ١٩٠٨, ص ٧٤.
(٩) Le Magasin pittoresque، جـ ٢ (١٨٣٤)، ص ١٥.
(١٠) Les Penseurs de L'Islam: Carra de vaux، باريس جـ ٢، ص ١١٤, ١٣٤ - ١٣٦
(١١) Geischichte und Litteratur des Schachspiels: A. van der Liude.
أبو ريدة [كاراده فو B. Carre de Vaox]
شط العرب
تستخدم كلمة شط، ومعناها الأصلى ضفة مجرى من الماء، فى العراق للدلالة على النهر الكبير كما تستخدم بهذا المعنى كلمة بحر فى مصر، وواد فى مراكش. وشط العرب هو الاسم الذى يطلق على المخرج الذى تكون بفعل المد والجزر من اجتماع مجريى الفرات، ودجلة وكان يعرف فى العصور الوسطى باسم دجلة العوراء وفيض البصرة، ويعرف فى الفارسية باسم بهمنشهير، ومن أسمائه الحديثة نهر البصرة؛ وقد جرى القول بأنه يمتد من قُرنة إلى عبادان (١) أو فاو. وظل هذان المجريان يلتقيان بعضهما ببعض عند قرنة خمسة قرون أو ستة، واستمر هذا حالهما حتى عهد قريب. ولكن هذا الالتقاء يحدث الآن على بعد
стр. 6183
ثلاثين ميلا أسفل المجرى عند "كرمة على" فوق البصرة بمسافة ليست كبيرة (انظر W. Willcocks فى Journal of the Royal Geographical Society سنة ١٩١٠, ص ١١) ويتلقى شط العرب بالإضافة إلى مياه هذين النهرين الكبيرين مياه نهر كارون وفروعه. ويبلغ طول شط العرب نحو مائة ميل وعرضه نحو ١٢٠٠ ياردة. وهو صالح لملاحة السفن التى يبلغ غاطسها خمسه عشر قدما. ويعوق الملاحة فيه الحاجز الذى عند المصب ومن ثم لقب بالعوراء والسفن التى غاطسها من ١٧ إلى ٢٠ قدما يمكنها السير فيه حتى البصرة، أى مسافة طولها سبعون ميلا مصعدة فيه. وتوجد الفنارات والعائمات على الشاطئ لإرشاد السفن. والبلاد التى على ضفتى هذا المخرج المائى تكاد تكون مستوية، فالبصرة التى يرتفع عندها المسند ويهبط تسع أقدام لا تعلو عن سطح البحر إلا بمقدار خمسة أقدام. والأراضى التى على طول الضفتين أعلى من التى على مسافة منهما، وذلك بسبب الطمى الذى يحمله التيار. وكان هذا المجرى المائى يلتقى بالبحر عند آبادان فى القرون الوسطى، ولكن الالتقاء يتم الآن على بعد عشرين ميلا إلى الجنوب عند فاو Fao حيث يوجد فنار ثابت. ونخرج من ذلك بأن الأرض تطغى على البحر بمعدل عشرين ميلا كل ألف سنة. وتمتد أحراج النخيل على طول ضفتى النهر.
المصادر:
(١) Lands of the Eastern Caliphate: Le Strange كمبردج سنة ١٩٠٥، الفهرس
(٢) Foreign office Handbooks رقم ٦٣, Mesopotoinia سنة ١٩٢٠
(٣) Expedition to the Euphrates and Tigris: F.R. Chesney سنة ١٨٥٠.
الشنتناوى [فير T. H. Weir]
شعبان
شعبان الملك الأشرف سلطان من المماليك، نصب سلطانًا فى الخامس عشر من شعبان عام ٧٦٤ هـ (٣٠
стр. 6184
مايو عام ١٣٦٣ م) ولما يجاوز العاشرة من عمره بفضل النفوذ المطلق للأتابك يلبغا العُمَرى، وصرف النظر عن أبيه، ذلك أن الأتابك يلبغا الطموح كان يريد الحكم لنفسه ففضل الغلام البالغ العاشرة من عمره وحفيد محمد الناصر؛ وقد يتميز عصر الأشرف بهجوم أساطيل الفرنجة المرة بعد المرة على موانى المماليك كالإسكندرية بمصر وطرابلس السورية، مثال ذلك أنه حدث فى مستهل سنة ٧٦٧ هـ (١٣٦٦ م) أن ظهرت سفن بيير له لوزينيان ملك قبرس مع سفن من البندقية وجنوة ورودس أمام الإسكندرية التى نهبوها، ولكنها انسحبت عندما أقبل الجيش المصرى الذى تمكن فى رواية المصادر، من أن يحمل معه ٥٠٠٠ أسير، وأكره النصارى فى مصر وسورية على دفع الفدية للمسلمين، كما دفعوا أيضًا نفقات بناء الأسطول الذى كان قد قصد به غزو قبرس.
ولم تنجح المفاوضات مع مصر، ذلك أن يلبغا لم يكن تواقا فى واقع الأمر إلى الصلح بل كان يدبر النزول فى قبرس بمعاونة أسطوله، إلا أن الاضطرابات التى وقعت على مصر حالت بينه وبين تنفيذ خطته، على أن ملك قبرس بدأ بالهجوم وأرسل أسطولا إلى سورية للاستيلاء على ميناء طرابلس ومدينة أياس فى جنوبى آسية الصغرى. واستطاع أسطوله أن ينزل إلى البر فرقا للغزو، بيد أنها أكرهت على الانسحاب لتفوق المسلمين، وكذلك كانت حال أسطول للفرنجة ظهر أمام الإسكندرية؛ وإنما انعقد الصلح فى مستهل سنة ٧٧٢ هـ (أغسطس سنة ١٣٧٠ م) وانتقم المصريون بعد ذلك من هذه الغارات الفرنجية بالانقضاض على مملكة إرمينية الصغيرة التى كانت حليفة لملك قبرس (٧٧٦ هـ = مستهل ١٣٧٤ م) وفتحوا مدينتى أياس وسيس وبقية المملكة وحمل ملك إرمينية أسيرًا إلى القاهرة، وضمت المملكة إلى ذلك المسلمين بصفة دائمة.
وثارت فتنة على يلبغا سنة ٧٦٨ هـ (١٣٦٧ م)، وذلك أن مماليكه لم يعودوا يحتملون خشونته وقسوته، وأراد المماليك أن يأسروه، إلا أنه تلقى
стр. 6185
تحذيرًا فى الوقت المناسب فاستطاع الهرب إلى جزيرة فى النيل اعتصم بها، إلا أنه سرعان ما عاد إلى القاهرة ونصب أنوك شقيق شعبان سلطانًا، على أن المماليك أكرهوا شعبان، وكان قد بلغ حينئذ السادسة عشرة من عمره، على أن يكون على رأسهم، واضطر يلبغا مرة أخرى إلى الارتداد إلى جزيرته القائمة فى النيل، وأفلح شعبان فى الاستيلاء على الأسطول الذى كان يلبغا قد بناه حديثا, ولم يبق ليلبغا من سبيل إلا أن يترك ملجأه ويهرع إلى القاهرة، وهناك أسره المماليك الذين كانوا قد عادوا فى الوقت نفسه إلى القلعة، ولم يلبث أن قتل بعد ذلك على يد مملوك وهو يحاول الهرب. وراح مماليك يلبغا عندئذ يوقعون الرعب فى قلوب الناس ويعصون زعيمهم الجديد الأمير أسندمير, وقد نشأ عن ذلك قتال متصل انتهى بنفى عدد كبير من مماليك يلبغا إلى سورية واعتقالهم فى الكرك، وكان لهم من بعد نصيب ذو شأن فى دولة المماليك. ثم حدثت تغييرات عدة فى شخص الوصى انتهت بتولى زمام الحكم الأمير أقتمير الصحابي وظل فى منصبه حتى توفى السلطان؛ وقد أحرز السلطان نجاحا مؤقتا فى الجنوب أى فى النوبة، واعترف ملك النوبة بسيادة مصر، إلا أن النوبيين ثاروا على أقتمير لقسوته فى معاملة الأسرى ودمروا مدينة أسوان القائمة على الحدود.
ولا شك أن فكرة السلطان فى الحج إلى مكة قد راودته فى هذه الأوقات العصيبة، وقد أراد أن يحمى نفسه من مؤامرات أقاربه فجاء بأخوته وأولاد عمومته إلى الكرك، وأنفذ نائبه إلى مصر العليا لحماية الحدود من البدو، إلا أن سلطانه على مماليكه كان ضئيلا مما جعل المجازفة بمثل هذه الرحلة أمرًا عسيرًا. وتمرد المماليك الطامحون فى العقبة، وأبى السلطان أن يجيبهم إلى مطالبهم فهددوه بالقتل مما اضطره إلى الهرب سرًا إلى القاهرة. على أنه كان للماليك شركاء فى القاهرة يعادون السلطان، ومع ذلك فقد استطاع أن يظل مختفيا فى القاهرة إلى حين فى منزل
стр. 6186
إحدى المغنيات، ولم يلبث أمره أن انكشف وقتل خنقا. وقد حزن عليه الناس، ذلك أنه كان قد ألغى الضرائب الفادحة، وكان يعامل رعاياه بالاعتدال بصفة عامة؛ أما السبب الجوهرى فى تلك الحالة البشعة التى سادت البلاد فكان تمرد المماليك وقسوتهم، إذ أنهم راحوا يسيئون معاملة الناس ويضطهدونهم.
المصادر:
(١) ابن إياس، طبعة بولاق، ص ٢١٣ - ٣٣٨.
(٢) Gesch der Chalifen: Weil, جـ ٤، ص ٥١٠ - ٥٣٠، وقد أشير إلى الطبعات الأوربية والمخطوطات الشرقية المتعلقة بهذه الحوادث
(٣) The Mameluke Dynasty of Egypt: Muir, ص ٩٧ - ١٠١؛ وانظر فيما يختص بيلبغا: المنهل الصافى، طبعة القاهرة، جـ ١٦٢, الورقة ٤٣٢ (ب) - ٤٣٤ (أ).
صبحى [سوبرنهايم M. Sobernheim]
شعبان
" الملك الكامل": سلطان من سلاطين المماليك، وابن الملك الناصر محمد وأخو الملك الصالح إسماعيل، اعتلى العرش فى الرابع من شهر ربيع الثانى سنة ٧٤٦ هـ (٤ من أغسطس سنة ١٣٤٥ م) بعد أن ضم إليه خلال مرض أخيه الأمراء ذوى النفوذ وبخاصة زوج أمه الأمير أرغون العلائى؛ وقد قيل إنه لجأ إلى تهديدهم بما سوف يأخذهم به من ضروب القسوة إذا لم ينتخبوه، مثلما قيل إنه أكره أرملة أخيه على أن تتزوجه، وما لبث أيضًا أن تزوج ابنة أمير آخر؛ والحق أن النساء كان لهن دائما فى حياته نصيب كبير. وكان أكثر ما يشغل نفسه به ضروب المصارعة جميعًا والسباق وقتال الديكة. وقد عرف بلاطه بالبذخ الشديد حتى إن الإماء كن يرصعن ثيابهن بالجواهر فى عهده وعهد أخيه، وكانت المناصب تباع علنًا فى غير حياء أو خجل، وقد ابتدع السلطان ضريبة خاصة تفرض على من يتولى الإقطاعيات والمناصب على حد قول الصفدى كاتب سيرته. وقد صدر
стр. 6187
فى عهده مرسوم احتفظ به فى قلعة طرابلس (من أعمال الشام) كما نجد جزءا منه فى قلعة الحصن؛ ويقضى هذا المرسوم بأن الزيادة فى المرتبات المستحقة للمماليك عن الفرق بين السنتين الشمسية والقمرية التى يجوز لورثتهم المطالبة بها إذا قضى هؤلاء المماليك نحبهم قبل انتهاء مدة خدمتهم تترك لأولئك الورثة (انظر المصادر) .
وقد عمل على قتل أخوين من اخوته وأميرين من أعظم أمرائه شأنا. وتعرض يلبغا اليحيوى وإلى دمشق إلى مثل هذا المصير، فدبر الأمر مع غيره من ولاة الشام وأرسلوا خطابا إلى السلطان هددوه فيه بالعزل ولاموه لومًا شديدًا على ما ارتكب من شر، وردّ السلطان شعبان بخطاب يعتذر فيه عما بدر منه ويعد بإصلاح شأنه، إلا أنه كان يعد العدة فى الوقت نفسه للنيل من المتمردين؛ ولما أراد أن يقتل اثنين آخرين من إخوته حالت أمه وزوج أمه دونه ودون ما يريد؛ ورأى بعض الأمراء الآخرين الذين كانوا من أصدقائه أنهم مهددون بالقبض عليهم فجمعوا أتباعهم وغيرهم من الساخطين فى جوار القاهرة حتى لم يبق للسلطان من الفرسان إلا ٤٠٠ فارس، فلجأ هو وأمه إلى القلعة حيث اكتشف أمره وأخذ أسيرًا. ثم قتل بعد ذلك بيومين، فى الثالث من جمادى الآخرة سنة ٧٤٧ هـ (٢٠ من نوفمبر سنة ١٣٤٦ م). وقد برهن فى عهده القصير على أنه كان من أتفه الولاة الذين جلسوا على عرش مصر.
المصادر:
(١) Geschichte der Chalifen: Weil, جـ ٤، ص ٤٦٢ - ٤٦٩ وسيرته فى الصفدى، مخطوط عربى ببرلين، رقم ٩٨٦٤, الورقة ٥١ (أ) والمنهل الصافى، مخطوط بباريس، القسم العربى، رقم ٢٠٨٠، الورقة ١٥٢ (أ) وانظر فيما يتصل بالمرسوم
(٢) M.Sobernheim فى Materiaux pour un corpus inscriptionum Arabiarum سورية الشمالية ص ٩٤ - ١٠٣، وانظر فى ذلك أيضا؛
(٣) Jst: Beckcr، جـ ١، ص ٩٧ - ٩٩، الذى يفسر النقش تفسيرا مختلفا بعض الشئ؛ وكذلك؛
стр. 6188
(٤) المقريزى: الخطط، جـ ٢، ص ٢١٧, س ١٠ من أسفل؛ وانظر فيما يتصل بالضرائب التى فرضها على الإقطاعيات
(٥) ابن إياس، جـ ١ ص ١٨٤، والمنهل، الموضع المذكور.
صبحى [سوبرنهايم M. Sobernheim]
الشعبى
أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عمرو الشعبى المحدّث: كان من عرب الجنوب الكثيرين الذين برزوا فى أيام الإسلام الأولى، وقد انحدر من عشيرة شعب، وهى بطن من قبيلة همدان الكبيرة. ولد فى الكوفة حيث كان أبوه شراحيل من أعظم القراء. وثمة خلاف كبير فى التواريخ التى رويت عن سنة مولده، على أنه يحق لنا أن نذهب إلى أن التاريخ الذى ذكره الشعبى هو القريب من الصحة، فقد روى أنه ولد فى السنة التى جرت فيها وقعة جلولاء، وقد حدثت هذه الوقعة سنة ١٩ هـ (٦٤٠ م)، ولكن رواية أخرى تقول إن أمه كانت من أسرى جلولاء، ومن ثم قد تكون سنة ٢٠ التى قالت بها مصادر غير هذه أصح من ذلك. ويذكر لنا الشعبى نفسه أن الحجاج عند ما قدم الكوفة واليا لها سنة ٧٥ هـ استقدمه ليسأله عن أحوال هذه المدينة فسرّه حسن اطلاعه على سير الأمور وجعله عريفا لأبناء قبيلة همدان وأجرى عليه رزقا. وظل الشعبى حائزا لرضا الحجاج حتى قامت فتنة ابن الأشعث سنة ٨١ هـ (٧٠٠ م)، وهنالك جاءه لفيف من أكبر قراء الكوفة وقالوا له إن زعامته للقراء فيها تقتضيه أن يشارك فى الفتنة واستطاعوا آخر الأمر أن يجتذبوه إلى صفهم. وقد بلغ به الأمر حقا أن وجه خطابا إلى الجيشين المتقابلين ركب فيه الحجاج بالملام، فلما بلغ ذلك الحجاج قال "ألا تعجبون من هذا الشعبى الخبيث، لئن أمكننى اللَّه منه لأجعلن الدنيا عليه أضيق من مسك جمل".
ولم يلبث جيش ابن الأشعث أن حلت به الهزيمة سنة ٨٣ هـ فى دير الجماجم، ومحمد الشعبى إلى
стр. 6189
الاختفاء إبقاء على حياته فلما علم أن الحجاج قد أمن كل من اشترك فى جيش قتيبة بن مسلم الذى كان يجند فى ذلك الوقت لإنفاذه إلى خراسان، حصل بمعونة صديق له على حمار وزاد ثم شخص إلى فرغانة وأقام فيها لا يعرفه أحد، ولكنه استطاع أن ينال رضا قتيبة فاستخدمه كاتبا له، ودار فى خلد الحجاج من رسالة لقتيبة أن الشعبى هو كاتبها، وأمر قتيبة أن يبعث به إليه دون إبطاء. وقد كان الشعبى منذ وقت طويل وثيق الصلة بابن أبى مسلم، حاجب الحجاج، والراجح أن ابن أبى مسلم كان قد أحسن الشهادة فيه أمام الحجاج، قبل أن يمثل الشعبى بين يديه. وأشار ابن أبى مسلم وغيره من الأصدقاء على الشعبى بما يمكن أن يقدمه للحجاج من معاذير، فلما مثل بين يديه تحمل صامتا ما كاله له الحجاج من ملام على تنكره للمنن التى أفاءها عليه، ثم اعترف بجريرته وحمقه، ولا شك أن الحجاج قد قدر علم الشعبى، وربما كان تقديره لهذا العلم قد فاق تقديره لمكانته بين أبناء عشيرته، فعفا عنه عن طيب خاطر.
وما من ريب فى أن شهرة الشعبى قد بلغت الخليفة عبد الملك، ذلك أنه أرسل للحجاج يستقدم الشعبى. وأقام الشعبى السنوات القليلة التالية فى بلاط عبد الملك بدمشق. ومن العسير أن نصدق الرواية التى تقول إن إقامته هذه كانت مدتها ثلاث سنوات انتهت بوفاة عبد الملك، ذلك أننا نعلم نقلا عن الشعبى نفسه أنه استخدم فى سفارتين هامتين جدًا، إحداهما إلى إمبراطور الروم فى القسطنطينية، والأخرى إلى أخى الخليفة عبد العزيز الذى كان واليا على مصر. وكانت السفارة الأولى التى روى خبرها الشعبى نفسه سفارة مشهودة، إذ حاول الإمبراطور أن يثير شكوك الخليفة فى سفيره ولكنه لم ينجح فى ذلك لاستقامة الشعبى. أما السفارة الأخرى فكانت من أشرف السفارات صفة، ذلك أن الخليفة أثنى لأخيه على سفيره بعبارات أغدق عليه فيها المديح. ولم يخص الخليفة الشعبى بفضله، فقد روى أن الشعبى صحب معه فى سفارته ثلاثين رجلًا آخرين من أسرته أجرى عليهم الخليفة جميعًا الرواتب. والظاهر أن الشعبى بعد أن
стр. 6190
شهد الخليفة وهو على فراش الموت، قد رجع عقب وفاة عبد الملك إلى الكوفة وفيها أدركته المنية قبيل وفاة الحسن البصرى الذى توفى سنة ١١٠ هـ (٧٢٨ م). وهنا أيضًا تختلف روايات المصادر اختلافا كبيرًا, فقد ذكرت كل سنة ما بين سنتى ١٠٣ و ١١٠ هجرية تاريخًا لوفاته، والراجح أن سنة ١١٠ هى السنة الصحيحة.
أما من حيث مظهره الشخصى، فقد كان الشعبى رجلًا ضئيلا نحيفا، وقد قال هو نفسه أن السبب فى ذلك يرجع إلى أنه ولد توأما. ولا شك أن كفاياته العقلية كانت عظيمة، كما أنه كان يتميز بروح الفكاهة. وسئل الأعمش لم لا يقضى إلى الشعبى ليسمع منه الأحاديث فأجاب: "ويحك! كيف آتيه وهو إذا رآنى سخر بى ويقول: هذه هيئة عالم! ما هيئنك إلا هيئة حائك! " ولكن إبراهيم النخعى كان يستقبله بالإكرام والتجلة.
ويقال إن الشعبى ذكر أنه سمع الأحاديث من نيف وخمسمائة صحابى، ويتفق نقاد الحديث بصفة عامة على أن روايته للحديث أهل للثقة الكبيرة. ومن تلاميذه الكثيرين الفقيه العظيم أبو حنيفة، وكان الشعبى أقدم رجال سنده، وما من عجيب أن أبا يوسف أنبه تلاميذ أبى حنيفة فقد استشهد به ما لا يقل عن سبع وثلاثين مرة. والشواهد التى رويت عنه فى كتب الأحاديث الصحاح أكثر من أن تحصى. ولم يكن الشعبى نفسه يزعم أنه فقيه، ومع ذلك فقد جرى فقهاء الكوفه على الشخوص إليه التماسًا لرأيه. وقد قال هو نفسه: "إنا لسنا فقهاء، ولكنا سمعنا الحديث، فرويناه الفقهاء، من إذا علم عمل". وكان الشعبى من أشد المعارضين للأخذ بالرأى.
وقد ذكر كثيرون ممن ترجموا له إنكاره لقواعد الرأى. على أن الشعبى لم يزودنا بالمعلومات فى الأحاديث فحسب، ذلك أننا ندين له أيضًا بقدر كبير من المعارف التاريخية عن أيام الأمويين. ونظرة واحدة إلى فهرس تاريخ الطبرى كافية لأثبات ذلك. وقد قال الشعبى نفسه إنه يستطيع أن يمضى فى رواية الشعر شهر، دون أن يستنفد ما عنده من ذخيرة فى هذا الباب. ولم يؤلف الشعبى أى كتاب،
стр. 6191
فقد كان يرى أن الوقت لم يحن له بعد للتأليف، ويروى أنه ذكر أنه لم يخط سطرا واحدا وإنما روى كل ما روى من حافظته. ولا يمكن أن يصدق ذلك إلا على نشر العلم، ذلك إنه قد نقل عنه شخصيًا أنه عمل كاتبًا لقتيبة.
المصادر:
لقد ذكر اسم الشعبى فى جل الكتب التى عرضت لأيام الإسلام الأولى. واهم المصادر إلى ذكرت سيرته هى:
(١) كتاب الأغانى، الفهرست
(٢) الطبرى، طبعة له غوى، الفهرس
(٣) ابن القيسرانى: الجامع بين الرجال، حيدرآباد، هـ، ص ٣٧٧
(٤) السمعانى: الأنساب، طبعة مركوليوث، فى سلسلة كب التذكارية، ١٩١٢, وورقة ٣٣٤, اليمنى
(٥) ابن القيسرانى: المترادفات اللفظية Homonyma, طبعة ليدن ١٨٦٥ م، ص ٢٠١
(٦) ابن خلكان، القاهرة ١٣١٠ هـ، جـ ١، ص ٢٤٤
(٧) ابن حجر: التهذيب حيدرآباد ١٣٢٨ هـ؛ جـ ٥، ص ٦٥ - ٦٩
(٨) الذهبى: تذكرة الحفاظ، حيدرآباد، جـ ١، ص ٦٩ - ٧٧.
خورشيد [كرنكو F. Krenkow]
الشعر
أقدم أدب للعرب الشعر، ولكن أبعد الأشعار قدما لا يجاوز وجوده سنة ٥٠٠ م. ولسنا نعلم شيئًا عن نشأتها. وقد انتهى إلينا اسم الرجل الذى نظم القصيدة الأولى. ولعل السبب فى ذلك أن العرب كانوا ينفرون من أن تكون هناك فجوات بين كل ما يتصل بالتاريخ.
ولقد خضع الشعر طيلة الفترة التى سبقت الإسلام لجملة من التقاليد، كتلك المطالع التى كانت ذات طابع واحد، وهذه الأوصاف التى تواضعوا عليها, وتلك الذخيرة من التشبيهات، وهذه النخبة المحدودة الملتزمة من الموضوعات.
стр. 6192
ويدل هذا على أن الشعر كان له تاريخ سابق طويل. وحق لأحد الشعراء أن يشكو أن من تقدموه لم يتركوا له شيئًا يقوله (١).
وبالإضافة إلى هذا توحى عبارة الشاعر "دعنا نبك كما بكى ابن خذام (٢)، بأنه كان بنحو نحوا جديدا فى فنه. وواضح أن الشعر كان وثيق الصلة بالسجع فى الكلام العاطفى، والراجح أن بعض أوزانه نشأ من أغانى حداة الإبل أو الفرسان. وكان هناك، فيما يتعلق بالشعر، شئ غريب كما تدل التسمية. فالشاعر هو الإنسان ذو المعرفة، الذى يعلم الأشياء الخافية عن عامة الناس، وكان قديما يستلهم القوى الخفية، وله شيطان يأنس به، ويظهر ذلك أجلى ما يكون فى فن الهجاء. وكان هذا الفن فى نشأته هجوما روحيا على الأعداء، يؤازر الهجوم المادى بالسيوف والحراب، ومحاولة لإهلاكهم بقوى خارقة. وكان إلقاء مثل هذا الشعر مصحوبا بحركات رمزية. وهذه علاقة أخرى بين الشعر والسجع، لغة الكهان والسحرة. ومع أن الاعتقاد فى القوة السحرية للشعر ضاع إلى حد بعيد فى الأزمنة القديمة إلا أن الأشعار التى تبدو لنا غير ذات دلالة على هذه القوة كان لها أثر على أولئك الذين وجهت إليهم.
أما عن الشكل فالشعر العربى يتألف من الوزن والقافية. وباستثناء الرجز، تتكون جميع أوزان الشعر العربى من شطرين مع قافية فى نهاية الشطر الثانى. والوزن كمى والحرية واسعة فى إحلال مقاطع طويلة محل مقاطع قصيرة وكذلك العكس. ومن الأفضل حقا أن نقول إن بعض المقاطع ثابت سواء كانت طويلة أو قصيرة، أما بعضها الآخر فتغييره مباح. وكانت القاعدة التقليدية وهى أن المقطعين القصيرين يساويان مقطعا طويلًا متبعة فى بحرين. واستعمل شعراء ما قبل الإسلام خمسة عشر بحرًا، وأضيف إليها بحر فيما يعد. ولم يستعملوا
стр. 6193
الرجز فى القصائد الطويلة، فقد كانوا يرونه لا يرقى إلى جلال الشعر، فاستخدموه أكثر ما استخدموه فى الأشعار المرتجلة. وفضلًا عن هذه البحور، عالج الشعراء، أحيانا، بحورا أخرى، ولكنها لم تصادف حظوة واعتبرت شذوذا. وقد تتضمن القافية عددا من المقاطع يبلغ الثلاثة، ولكل بيت فى القصيدة كلها نفس القافية، أما البيت الأول فينتهى كل شطر فيه بنفس القافية. ولم يكن معروفا إلا شكلا واحدا للشعر، هو القصيدة بقافيتها الواحدة ووزنها الواحد، ويتراوح طولها بين ثلاثين وبين مائة وعشرين بيتا، ولا يعرف تفسير مقنع لهذا الاسم "القصيدة". وتوجد أجزاء كثيرة من قصائد والراجح أنها لم تكن فى يوم ما أكثر من أجزاء. ولم يكن للقصيدة فى أول الأمر خطبة ثابتة سوى أنها كانت دائما، على وجه التقريب، تعبدًا بالوقوف على الأطلال التى كان الشاعر يتعرف عليها باعتبارها مشهدا للنسيب. وقد يتلو هذا وصف لناقته فى رحلة فى جوف الصحراء -الليل هو المفضل لمثل هذه الرحلة- أو وصف لصيد بقرة وحشية، أو، فى الواقع، أى شئ يختاره الشاعر. وكان ذكر بسالته الحربية أو بسالة قبيلته موضوعا شائعا مألوفا. ومن العسير فى كثير من الأحيان أن نقول إن القصيدة كان لها غرض ما، فالشاعر يتكلم لأنه يجب أن يتكلم. وبعد فترة من الزمن كانت القصيدة مقيدة بقواعد ثابتة. وكان التتابع المنتظم للموضوعات هو: المطلع الغزلى ووصف الناقة، والرحلة، وأخيرًا الموضوع الأساسى؛ كان فى الغالب مدحا فى أحد العظماء، وأملا فى نيل عطائه، وهنا يظهر وجهان للحياة: وجه غير جاد حيث يشرب الرجال ويقامرون بمالهم ويقدمون الهبات للفتاة التى تملأ أقداحهم وتغنى، ووجه جاد حيث ينفق شيخ القبيلة ماله فى إطعام المحتاجين، وبذلك يرفعون من سمعة قبائلهم فى الكرم, والجميع على أهبة لامتشاق الحسام دفاعا عن شرفهم، ولو أن العربى كان دائما مستعدا للقتال إلا أنه لم يكن من الضرورى أن يبادر فيلقى بيديه إلى التهلكة، وقد قال هذا دون استحياء. وكان الشعراء مولعين بالمواعظ الشائعة
стр. 6194
على بطلان الحياة وإن الموت حق. والرأى العربى يعترف بأن الرثاء ضرب خاص من الفن ولكن دون تبرير كاف. فالشكل كان هو نفسه ولكنهم بسبب حذف المطلع الغزلى الذى كان يعد غير لائق بالرثاء اعتبروه ضربا خاصا من الفن، بينما موضوع القصيدة فى الرثاء باستثناء بكاء الميت والدعوة إلى الثأر (إذا كانت الميتة قتلا) يشبه إلى حد بعيد الموضوع فى أضرب الشعر الأخرى.
وها أكثر ما نظمت النساء مرثيات؛ وكان بعض الشاعرات شهيرات.
وكل بيت من الشعر وحدة كاملة بذاتها, ولهذا كان سلسلة من تعبيرات منعزلة عن بعضها، تراكمت ولكنها لا يمكن أن تكون مترابطة. والقصص المتصل والتأمل كلاهما بعيدان عنه. وهو شعر وصفى وفيه أفكار ولكن حاصلها حكم. والشاعر ينظر إلى الدنيا من خلال مجهر، فتسترعى انتباهه الخصائص الدقيقة للأماكن والحيوان، وتجعل شعره وصفا لطبقات الأرض وتشريحا منظوما مغلقًا يستعصى على الترجمة. وكان الكلام القوى هدفا للشاعر، وحاصله فى نظرنا نحن الغربيين غريب بل ممجوج. ومثال ذلك تشبيهه كان المرأة بالعنم وبالأسروع. وثمة صلة ضعيفة بين أبيات القصيدة أو أجزائها. والرابطة الوحيدة لوحدتها هى شخصية الشاعر. والحق إن الشاعر هو الأجدر من الشعر بالإعجاب فهو رجل طليق يستمتع بالحياة تمام الاستمتاع، ينظر إلى الأمور فى كثير من الأحيان نظرة خالية من الانفعال، ومع ذلك فهو حين تناديه شريعة شرفه مستعد لأن يخاطر بكل شئ من أجل صديق أو غريب طلب حمايته. ومن وراء كل هذا شبح دائم للجوع والموت؛ ولكن ذلك لا يعكر دائما صفو الحياة. ومعظم الشعراء الذين يوصفون بهذا الوصف كانوا بدوا، ولكن هناك غيرهم معروفين بأنهم كانوا من سكان المدن.
وهؤلاء كطبقة يختلفون عن طراز الشعراء البدويين، ويظهرون أمارات على معرفة بالكتب، ويفضلون أوزانا غير تلك المحببة للبدويين، وتتضمن
стр. 6195
موضوعات قصائدهم أساطير ومأثورات تاريخية. ولغتهم كذلك أكثر ميلا إلى النثر، والعبارة قد تستغرق بيتين أو ثلاثة. ويعتبر رجال "المدينة" أحسن هؤلاء. وكان اليهود والمسيحيون كلاهما شعراء ولكن لا يمكن فى كثير من الأحيان تمييز أشعارهم من أشعار الجاهليين، وكانت قصور شتى الأمراء العرب -والحيرة بخاصة- مراكز نشاط شعرى. فهناك كان يأتى البدويون وكذلك كانوا يلتقون فى مختلف الأسواق حيث كانوا يتبارون فى الشعر.
وقد حُفظ الشعر البدوى بالرواية الشفوية. كان الشاعر يلقى أشعاره، وكان يتبعه راو محترف يحفظها ويرويها. وكثير من الشعراء بدأ راوية لشاعر آخر. وهذا يثير مسألة الأصالة فى الشعر العربى، والمفروض على وجه العموم أنه لم يدون حتى سنة مائة من الهجرة. وإن الضعف الطبيعى للذاكرة الإنسانية، والكتابة العربية بما لها من خصائص ليجعلان حدوث تغييرات كبيرة أمرًا راجح الحدوث فى ذلك الوقت. وساعد على ذلك نقص الترابط فى داخل القصيدة. وكثيرا ما توجد عدة روايات لبيت من قصيدة. ويستحيل علينا أن نذكر أيها هو الأصل. ولا يمكننا أن نتأكد من أن لفظا من ألفاظ القصيدة هو الأصل، وكل ما نستطيع أن نقوله إن اللغويين الذين جمعوا بقايا أدب ما قبل الإسلام خلال القرن الثانى قرأوا النص على هذا الوجه أو ذاك. ونحن نعرف أيضًا أنه هناك على الأقل شئ من التزييف. والخلاصة أن أغلب القصائد غير مزيف أو على الأقل قديم، وإن كان لا يمكن أن نبرهن على ذلك برهنة قاطعة بالنسبة لأى قصيدة (وقد تناقش العلماء حديثا فى أن الكتابة كانت أكثر انتشارا عما كان معتقدا. وأن الشعراء كانوا على دراية بفن الكتابة. وأن بعض الروايات المتغايرة لا يمكن تفسير وجودها إلا بافتراض وجود نسخ مكتوبة) وقليل من الصيغ اللهجية ظل باقيا ولكن معظم الشعراء استعملوا لغة واحدة فى
стр. 6196
شتى أرجاء شبه الجزيرة. ويمكن أن تعزى الثروة اللفظية فى لغة الشعر إلى دخول كلمات إليها من اللهجات الكثيرة، وإن كان قد نسى الآن مصدرها، وهناك بعض الدلائل على أن لغة الحياة اليومية كانت تسقط الإعراب المستعمل فى الشعر؛ وكانت قد بدأت سلسلة التغيرات التى أنتجت العاميات التى نجدها اليوم. وحين بدأ العلماء يهتمون بالشعر لذاته جمعوا بقاياه فى دواوين للأفراد أو للقبائل أو فى مختارات حوى بعضها قصائد كاملة، وحوى بعضها الآخر أجزاء من قصائد.
وقد أحدث الإسلام تغييرا كبيرا، يعزى نوعا ما إلى الدين، ولكنه يعزى أساسا إلى تغير الظروف وانتقال مركز الأهمية، وحياة الصحراء لم تعد لها نفس الجاذبية. ويكاد يكون مستحيلا على إنسان لم يعش حياة الصحراء أن يقدر شعرها. واحتفظ بعض الشعراء بالتقليد القديم، فيختم القصيدة بمدح الخليفة أو أحد العظماء الذين ترجى رعايتهم؛ وبعضهم أبقى على المطلع الغزلى ومضى منه مباشرة إلى الغرض المطلوب. وآخرون خالفوا التقليد ونظموا قطعة تعالج موضوعا واحدًا، قد يكون غزلا، أو دينا، أو فلسفة. ولنا أن نعجب بما عند بعض الشعراء المتأخرين من مهارة لفظية تملأ مجلدا بمديح مبالغ فيه، يصل أحيانا إلى حد تأليه الممدوح، قلما يكون فيه تكرار، ولكن الخواء المطلق والفقر فى الأفكار كان صارخا. وقاعدة أن القصيدة الواحدة تنظم على وزن واحد لا زالت مرعية، ولم يستحدث نمط جديد. وتوجد قصيدة صوفية تتضمن ما يربو على سبعمائة بيت على وزن واحد. وتطلب حدوث هذه التغيرات بضع قرون.
وكان تجديد آخر أن بحر الرجز الذى كان مستخفا به، استعمل فى القصائد الطويلة؛ فاستغل الشعراء كل براعتهم فى تناول الألفاظ ليحققوا البساطة التى لهذا البحر، والنتيجة أنهم كانوا فى كثير من الأحيان غير واضحين ويروى أن جارية فى عصر
стр. 6197
هارون الرشيد بدأت نظم الشعر بلغة العامة (ولم يعتبره المتحذلقون شعرا) وسموا هذا الأسلوب لحنا. أما فى الأندلس فقد ارتفع النظم بالعامية فى الزجل، إلى المرتبة الأدبية. وكان الموشح ضربا من ذلك إلا أنه بلغة كلها معربة. وفى البدء كان الموشح قصيدة تتألف من مقطوعات رباعية الشطرات أو خماسيتها، والشطرة الأخيرة من كل مقطوعة تربط برويها المشترك بين سائر الشطرات الأخيرة كل المقطوعات. وكان لكل مقطوعة رويها الخاص، ولكن البحر كان واحدا فى جميع المقطوعات. أما الخطوة الثانية فهى استعمال أكثر من قافية وأكثر من بحر فى كل مقطوعة. وأحيانا كانت الشطرة الأخيرة من المقطوعة بلغة عامية. وفى الغالب، على أى حال، اتبع الشعراء الأندلسيون الطريقة الأولى وإن كانوا قد حاولوا تجارب عديدة فى القافية؛ وخرجوا على التقاليد القديمة فى الموضوع. وشعرهم يلائم الأوربيين أكثر من شعر شعراء بلاد العرب. ولعل أهم سمات شعرهم هو تصورهم للحب تصورا يوحى بقصص الفروسية وإحساسهم إحساسا جديدا بالجمال الطبيعى.
ولم يعرف الشعراء القدماء شيئًا عن نظرية الأوزان الشعرية، وإنما اكتشف هذا الخليل بن أحمد. ويقال إن الفكرة جاءته عندما سمع حدادا يطرق بمطرقته. ونادرا ما نظر النقاد إلى القصيدة باعتبارها وحدة؛ بل كانت عندهم سلسلة من المحاسن غير متماسكة. وحق أن الشعراء قرظوا لحذقهم فى بعض أضرب فنهم، كوصف النعامة مثلا؛ ولكن كقاعدة كان النقد قديما يعالج الجزئيات والألفاظ فحسب، وآل إلى أن يكون مماحكات فأحد الشعراء يحمد على فنيته فى الانتقال من النسيب إلى وصف الناقة، وآخر يؤاخذ على إتيانه بألفاظ تشاؤم فى البيت الأول من القصيدة؛ وفى حالات أخرى غير تلك كان النقد طائشا أيضًا. واعتقد البعض أن شعراء ما قبل الإسلام -بحقيقة
стр. 6198
القدم وحدها- يعلون على جميع الآخرين. ونقاد من هذا الطراز هم الذين أنكروا على المتنبى وغيره لقب شاعر لأنهم لم يراعوا التقاليد فى شعرهم.
ومن العبث أن نحاول كتابة مجرد تاريخ مجمل للشعر الفارسى فى الحيز المخصص لنا هنا، وقصارى ما يمكننا وصف لشكل الشعر. ولقد استعار الفرس أوزانهم من العرب، مع أنهم كان عندهم أوزان أخرى مفضلة. واستعاروا كذلك القصيدة والقطعة، وليس من الضرورة أن نقول فيهما زيادة على ما قلناه. والغزل فى الواقع قطعة من اثنى عشر بيتا أو نحو ذلك، وتختار موضوعاته وتعالج بحرية تامة. والفكر فيه أقل تماسكا وأضعف ترابطا عن الفكر فى القطعة، مع أنه عادة شعر فى الغزل. أما الأشكال الفارسية الأصل فالرئيسى فيها هو المثنوى والرباعى، أو الدوبيت, ويتشكل الأول من بيتين من البحر المسمى بالرمل، وهو لون من المزدوج الحماسى. وهو الشكل المستعمل فى القصائد الطويلة أيا كان موضوعها. ويتكون الدوبيت من بيتين، الشطر الثانى فى أولهما والشطر الرابع فيهما مقفيان، وأحيانا يقفى كذلك الشطر الثالث. والبحر المستعمل فى هذا الضرب هو شكل من أشكال الهزج الكثيرة. والدوبيت دائمًا وحدة مستقلة، لا تنتظم منه قصائد طويلة.
وتمخضت نفس الرغبة التى أحسها من قبل قراء الغرب أنماطا متباينة من القصيدة الأحادية الروى. وينتظم هذه الأنماط جميعًا المسمط. وتتألف هذه من مقطوعات فى أى موضوع، ويبلغ طولها من أربع إلى عشر شطرات من بحر واحد، وكل مقطوعة لها رويها الخاص. وبعض الأشكال تكون مصرعة ذات روى مستقل. وأقدم شعر فارسى يرجع تاريخه إلى ما بعيد سنة ٩٠٠ م. ومنذ ذلك الوقت لم تتغير لغته وأشكاله إلا تغيرا طفيفا. وتتغير الأساليب، فتروج البساطة أحيانا، وإغراق فى الخيال أحيانا أخرى، ولكن الشكل الخارجى يبقى كما هو.
أما الشعر التركى والأردى فهما يرتفعان قليلًا عن أن يكونا مجرد تقليد للفارسى.
стр. 6199
ويحمل الأردى بعض سمات التأثير الهندى فى الشكل ومادة الموضوع كليهما؛ ودرجة هذا التأثير بسيطة فى الأزمنة القديمة ولكنها كبيرة فى الأعوام القليلة الماضية.
المصادر:
(١) History of Ottoman poetry: E.J.W. Gibb
(٢) uber poesie und poetik der Araber: Ahlwardt كوتا ١٨٥٦
(٣) Beitroge zur Kenntniss der Poesie der alten Araber: Noldeke، هانوفر ١٨٦٤؛
(٤) Das Muwashshah: Hartmann ١٨٩٦
(٥) Literary History of the Arabs: R.A. Nicholson
(٦) Literary History of Persia: E.G. Browne، لندن ١٩٠٦
(٧) Darstellung der Arabischen Verskunst: Freytag، بنون ١٨٣٠
(٨) Ancient Arabic poetry: Lyall ١٨٨٥
(٩) The use of Writing for the Preservation of Ancient Arabic poetry: Krenkow فى Brownie Oriental Studies presented to E.G
(١٠) Grammatik Poetik und Rhptnrik der Perser: Ruckert، طبعة pertsch، كوتا ١٨٧٤؛
(١١) The Prosody of the Persians: Brocklmann، كلكته ١٨٧٢
(١٢) Rudagi, der Samanidenichter: Ethe فى G.G.A ١٨٧٣
(١٣) المؤلف نفسه Vorlaufer und Z Zeitgenossen فى Morgenl. Forsch ليبسك ١٨٧٥, ٣٣ - ٦٨؛
(١٤) المؤلف نفسه: Firdusi als Lyriker فى S.B.Ak Wien ١٨٧٢, ص ٢٧٣ - ٣٠٤؛ ١٨٧٣ م, ص ٦٢٣ - ٦٥٩
(١٥) Die Lieder der Kisa'i فى S.B.Ak. Wien , ١٨٧٤, ص ١٣٣ - ١٥٣.
الأبيارى [ترتون A.S.Tritton]
стр. 6200
الشعرانى
نسبة عرف بها كثير من الأشخاص والغالب أنها مأخوذة من "الشَعر" وتطلق على امرئ نما شعره بغزارة أو طال (السمعانى: كتاب الأنساب، سلسلة كب التذكارية، ورقة ٣٣٤ ب، ٢؛ Arabic Grammar: Wrighl, الطبعة الثالثة، جـ ١، ص ١٦٤ ج) أما فى حالة أشهر من عرف بهذا الاسم، فإنها نسبة إلى مكان مثل الصيغة التى ترد أيضًا فى شواهد أكثر من ذلك حقا، وهى الشعراوى (على أن لهذه الصيغة أصل مختلف عن ذلك: Vollers فى Zeitschr der Deutsch Morgenl Gesells ١٨٩٠ م، ص ٣٩٠ وما بعدها وإن كانت قد فسرت بعد ذلك بالتفسير الأول).
(١) أبو المواهب (وهى كنية مثالية، ويقال له أيضًا أبو عبد الرحمن، نسبة إلى ولده) عبد الوهاب بن أحمد (المتوفى سنة ٩٠٧ هـ) بن على بن أحمد بن محمد بن موسى بن مولاى بن عبد اللَّه الزغلى (سلطان تلمسان) بن على الأنصارى الشافعى المصرى: صوفى مشهور ولد سنة ٨٩٧ هـ، وعاش فى القاهرة منذ شبابه الباكر، وتوفى بها سنة ٩٧٣ هـ (والتواريخ الأخرى التى ذكرت لوفاته غير صحيحة). وقد نسب إليه منذ سنة ١١٨٨ هـ المسجد الذى كان يؤثره والذى دفن بجواره. وكان أبو المواهب نساجا يكسب معاشه من هذه الصنعة. وكان ينتمى إلى الطريقة الصوفية التى أسسها على الشاذلى المتوفى سنة ١٠١ هـ (Brockelmann: Gesch der Arab Lit جـ ١، ص ٤٤٩، رقم ٢٩؛ وقد أسس هو نفسه الطريقة الشعراوية (Manners and Customsof Modern Egypitans ١٨٩٩: Lane ص ٢٥٢؛ ولكن هذه الطريقة لم تذكر فى Kagle: Islam, جـ ٦، ص ١٥٤). وأكبر شيوخه الصوفية هو على الخواص المتوفى بعد عام ٩٤١ هـ وظل الشعرانى يحضر مجالسه عشر سنين. وللشعرانى جملة من الشيوخ الآخرين ذكرهم فى كتب متعددة مثل "البحر المورود"؛ و"الجوهر المصون والسر المرقوم"، و"لطائف المنن". وقد ذكر الشعرانى فى آخر كتابه "الطبقات" بيانا بالشيوخ الذين عرفهم وحضر عليهم. وابتلى الشعرانى، شأن كثير من الصوفية، بالاضطهاد، ولكنه أفلح فى التغلب على جميع العداوات التى وقفت فى سبيله.