← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

طبعة عام ١٧٧٨). ويذهب كل من كويز Goes وكاستنهيدا Castanheda إلى أن الربان الذى نحن بصدده كان من أهل كجرات. أما باروس Barros فيذكر أنه مسلم من أهل كجرات؛ ووصف المؤرخين البرتغاليين لهذا الربان تعبير لغوى مأخوذ من لغتين: فكلمة ماليمو Malemo مرادفة للكلمة العربية معلم فى لغة الملاحة، أى أستاذ الملاحة، أما كلمة كانكوا Canaqua فمرادفة لكلمة كنكة وهى الصيغة التامولية للكلمة السنسكريتية كنكه ganaka أى مجنم "مُنَجم" (انظر The Book of Duarte Barbosa طبعة M.Longworth of Duarte . Hakl.Soc سنة ١٩٢١، جـ ٢، ص ٦١/ ٦٢ مع التصحيح الذى استدركه رونكل v.Ronkel فى Museum سنة ١٩٢٥ رقم ١، ص ١٨). على أننا لا نشك فى أن ماليمو كانكوا Malemo Canaqua هذا هو أحمد ابن ماجد نفسه الذى ذكره صاحب كتاب البرق اليمانى. ونحن نعلم منه أن المعلم المشهور كان عربيا من سلالة عربية، وقد ولد فى جلفار. وخطأ كل من كويز Goes وكاستنهيدا وباروس، أو بالأحرى المصادر التى أخذوا عنها، واضح لا لبس فيه، ولكنى عاجز عن تفسيره. ونحن نعرف ابن ماجد أيضا من مصادر أخرى إذ يقول سيدى على أمير البحر التركى فى مقدمة مجموعته الخاصة بالإرشادات البحرية المسماه "المحيط": "فى خلال خمسة الأشهر التى مكثت فيها بالبصرة (فى عام ١٥٥٤) واستمرت حتى بداية الرياح الموسمية، وأثناء رحلتى من البصرة إلى الهند التى استغرقت ثلاثة أشهر من بداية شهر شعبان حتى نهاية شهر شوال (٢ يوليو = ٢٧ سبتمبر عام ١٥٥٤) لم تفتنى طوال هذه الأشهر الثمانية فرصة إلا اغتنمتها للتحدث فيها ليلا ونهارا عن المسائل البحرية مع ربابنة الشاطئ والملاحين (من أهل البلاد) الذين كانوا على ظهر سفينتى، فعرفت بذلك كيف كان ربابنة هرمز وهندستان القدامى: ليث بن كهلان، ومحمد بن شاذان، وسهل بن أبان يبحرون فى المحيط الهندى، وقد جمعت

стр. 6232

أيضا الكتب التى كتبها الربابنة المحدثون، مثل أحمد بن ماجد من أهل جلفار باقليم عمان وسليمان بن أحمد وهو من أهل مدينة تسمى شحر من بلاد جرز (فى بلاد العرب الجنوبية) وكذلك الكتب المسماه: "الفوائد"، و"حاوية الاختصار" (لابن ماجد) و ("تحفة الفحول", "المنهاج" و"قلادة الشموس" لسليمان المهرى)، ودرست كل كتاب منها دراسة شاملة. والحق أنه كان من الصعوبة بمكان أن يبحر المرء فى المحيط الهندى دون الاستعانة بهذه الكتب. وقد كان الربابنة (الأجانب) والقواد والملاحون لا يعرفون كيف يبحرون فيه ومن ثم كانوا دائما لا يستغنون عن ربان يرشدهم، إذ لم تكن لديهم المعلومات الضرورية، ولذلك فكرت فى الأمر ووجدت أن الأمر يقتضينى على أقل تقدير أن أدون أهم ما فى هذه الكتب وأترجمه إلى التركية ثم أؤلف من بعد كتابا جيدا يستطيع من يرجع إليه أن يبلغ غايته دون حاجة إلى ربان أو طلب المشورة من ربان. وقد أتممت ترجمة ما ترجمته من هذه الوثائق العربية فى زمن قصير بمعونة الملك القدير (اللَّه). وشملت كتبى جميع عجائب الملاحة، ولذلك سميت "المحيط" أى "ما يحيط بشواطئنا وما يشملها جميعا" (Die topographischen Capitel des Indischen Seespiegels Mohit ترجمة M. Bittner مع مقدمة وثلاثين خريطة بقلم W.Tomaschek فينا سنة ١٨٩٧ ص ٥٣). ويذكر سيدى على من بعد ابن ماجد (ص ٥٦) ويثنى عليه وينعته بأنه العمدة بين الملاحين، معلم بحر الهند. وأجدر الناس بالثقة بين المحدثين من كتاب الإرشادات البحرية. ونستطيع أن نقول بقدر ما نتبين من المقتطفات المطبوعة من كتاب المحيط لسيدى على أن هذا الكتاب ليس إلا الترجمة التركية -وهى ترجمة متوسطة القيمة فى كثير من مواضعها- لجزء من كتاب الطرق والتعليمات البحرية لابن ماجد وسليمان المهرى. ولم يحاول ماكسميليمان بتنر Maximilian Bittner ولا سلفه فون هامر von Hammer أن يتقصيا النصوص العربية التى ذكر عناوينها باختصار أمير البحر

стр. 6233

التركى أو يتتبعا مؤلفيها. ولم يذكر أى تاريخ أدبى هذه الكتب، ولكنها ظهرت فى فهرس المخطوطات العربية بالمكتبة الأهلية تحت رقم ٢٢٩٢ ورقم ٢٥٥٩ (وقد حصلت هذه المكتبة على المخطوط الأول عام ١٨٦٠، أما الثانى فيستدل من التعليق الذى كتبه القسيس السورى يوسف أسكارى أنه كان بالفعل ضمن المجموعة العربية سنة ١٧٣٢)، ويضم هذان المخطوطان الثمينان جميع المؤلفات التى استغلها سيدى على كما يضمان نصوصا أخرى لم يكن فيما يظهر على علم بها. والمخطوط رقم ٢٢٩٢، وهو نسخة من الكتاب الأصلى يشتمل على ١٨١ ورقة من مقاس ٢٧٠ × ١٨٠ مليمترًا، وفى كل صفحة ١٩ سطرا، ويتضمن ١٩ كتابا فى الطرق والرسائل البحرية لابن ماجد نسخت على النحو التالى بيد ناسخ لم يعن كثيرا بتسلسل التواريخ: ١ - "كتاب الفوائد فى أصول علم البحر والقواعد"، الأوراق ١ - ٨٨ أ (وهو النص الذى أطلق عليه سيدى على اسم فوائد) وهذا الكتاب بالنثر من اثنى عشر فصلا، وتاريخه عام ٨٩٥ هـ (١٤٨٩/ ١٤٩٠ م). وتبحث الصفحات الأولى منه فى الأصول الأسطورية للملاحة والإبرة الممغطسة. ثم يتناول ابن ماجد منازل القمر الثمانية والعشرين، والنجوم التى تطابق أخنان البوصلة الاثنين والثلاثين، والطرق البحرية فى المحيط الهندى، وخطوط عرض عدد من الموانى فى المحيط وبحر الصين الغربى، والعلامات أو الإشارات التى تحدثها الطيور وتخطيط الشاطئ ومشارف الأرض (نتخة، وبالعربية ندخة) على الشاطئ الغربى للهند والجزائر العشر الكبيرة المشهورة (جزيرة العرب، وجزيرة القمر أو مدغشقر، وسومطرة، وجاوة، والغور أو فرموزة، وسيلان، وزنجبار والبحرين، وابن جاوان فى الخليج الفارسى، وسقطرة Soctora)، والرياح الموسمية المواتية للرحلة مع بيان التاريخ بالحساب الفارسى لكل ريح. وتختم هذه الرسالة بوصف للبحر الأحمر يذكر بالتفصيل مراسيه وأوشاله وشطآنه وشعابه. ويقول ده سلان (Catal ص ٤٠١) أن "أسلوب

стр. 6234

الكتاب مسهب كل الأسهاب حافل بالمصطلحات الفنية التى لا يعرف معانيها إلا أولئك الذين جابوا المحيط الهندى". وهذا القول لا يصدق إلا بعضه فحسب، إذ لا شك أن نصى المخطوطين رقم ٢٢٩٢ ورقم ٢٥٥٩ قد أعدهما ملاحون لفائدة الملاحين. ولسوف تكون المصطلحات الكثيرة الواردة فيهما (وهو أمر كان متوقعا) هى والألفاظ البحرية التى أمدانى بها من الزيادات الهامة التى يمكن إضافتها إلى المعاجم العربية. ٢ - "حاوية الاختصار فى أصول علم البحار" (وهو النص الذى ذكره سيدى على بعنوان "حاوية") وهو يتضمن الأوراق من ٨٨ ب إلى ١١٧ أوهذا النص من الرجز وقد قسم إلى أحد عشر فصلا ويبدأ الفصل الأول، بعد مقدمة نثرية مقتضبة من عشرين سطرا، ببحث الإشارات الدالة على قرب ظهور الأرض، وهى التى يجب أن يعرفها الربابنة. ويبحث الفصل الثانى فى منازل القمر والأخنان؛ ويبحث الفصل الثالث فى معرفة السنين العربية والقبطية والرومية والفارسية؛ ويبحث الرابع فى معرفة الباشيات، أى التصحيح الذى يجب إدخاله على مواقع بعض النجوم، والباشيات (كذا) ومواسمها وشهورها وثبات قياسها وزواله، وقد ذكرت تواريخ ذلك بالحساب الفارسى؛ ويبحث الفصل الخامس فى الطرق البحرية عند شواطئ بلاد العرب والحجاز وسيام (وسيام فى لغة ابن ماجد هى الشاطئ الغربى لشبه جزيرة الملايو، وكان فى تلك الأيام تابعا بأكمله لسيام). وآخر بر السودان (أى ساحل السودان)؛ ويبحث الفصل السادس فى الطرق البحرية عند شاطئ الهند الغربية فنازلا حتى البلاد التى تحت الريح (أى شرق رأس كمهر (قمران) Comorin فى قول ابن ماجد) مثل جزيرة بلتن Billiton عند الشاطئ الشرقى لسومطرة [بلاد] المهراجا = سومطرة (انظر الأوراق من ١٠١ حتى ١٠٣) والصين وفرموزة ويبحث الفصل السابع فى الطرق البحرية على طول شاطئ الجزائر الشرقية: سومطرة، والفال أى لكاديف، ومدغشقر، واليمن، والحبشة والصومال، والأطواح فى بلاد العرب

стр. 6235

الجنوبية، ومكران؛ ويبحث الفصل الثامن فى معرفة الحسابات من بر العرب إلى بر الهند؛ ويبحث الفصل التاسع فى عروض موانى البحر المحيط الواغل للشمال، أى بحر الهند الغربية؛ ويبحث الفصل العاشر فى الملاحة بالمعنى الدقيق لهذا اللفظ، وفى معرفة تيارات البحار العميقة والبحر المحيط الواغل بين بر السودان والهند والصين، أى المحيط الهندى المعروف فى خرائطنا؛ ويبحث الفصل الحادى عشر فى علم الفلك البحرى. والحاوية التى تذكر كثيرا فى الرسالة المتقدمة (رقم ١) مؤرخة فى الورقة رقم ١١٦ على هذا النحو؛ تمت لشهر الحج فى جلفار ... أوطان أسد البحر فى الأقطار يوم الغدير أبرك الأيام ... إذ خصّ بالإحسان والصيام وكان فى الهجرة يا مولايه ... ستة وستين وثمان مايه أى فى الثامن عشر من ذى الحجة سنة ٨٦٦ الموافق ١٣ سبتمبر سنة ١٤٦٢؛ والأوراق من ١١٧ حتى ١٢٣ بيضاء. ٣ - أرجوزة فى الملاحة فى الخليج البربرى، وهو خليج عدن فى خرائطنا، من الورقة رقم ١٢٣ إلى الورقة رقم ١٢٧. وتاريخها عام ٨٩٠ هـ (١٤٨٥ م). ٤ - رسالة منظومة صدرت بمقدمة فى ثلاثة وثلاثين سطرا بالنثر، وعنوانها "قبلة الإسلام فى جميع الدنيا". ويذكر المؤلف أن هذه المنظومة قد أعدت "خصوصا فى المدن اللواتى بقرب البحر وجزره التى يمر بها المسافر" وتاريخها سنة ٨٩٣ هـ الموافقة ١٤٨٨ م، وتشغل الأوراق من ١٢٨ إلى ١٣٧. ٥ - أرجوزة "بر العرب فى خليج فارس"، من الورقة ١٣٧ حتى الورقة ١٣٩، وتاريخها غير معلوم. ٦ - أرجوزة فى قسمة الجمة على أنجم بنات نعش من كوكبة الدب الأكبر وكوكبة الدب الأصغر)، الأوراق من ١٣٩ إلى ١٤٥، وتاريخها عام ٩٠٠ هـ الموافق ١٤٩٤ -

стр. 6236

١٤٩٥ م. ٧ - أرجوزه عنوانها "كنز المعالمة وذخيرتهم فى علم المجهولات فى البحر والنجوم والبروج وأسمائها وأقطابها Poles"؛ وهى غير مؤوخة، ولكن يستدل من محتوياتها على أنها وضعت قبل عام ١٤٨٩، وهى من الورقة رقم ١٤٥ حتى الورقة ١٤٧. ٨ - أرجوزه فى النتخات لبر الهند وبر العرب من خط عرض ٢٥ شمالا حتى خط عرض ٦٠ شمالا؛ وتاريخها غير معروف. وهى من الورقة رقم ١٤٧ حتى الورقة رقم ١٥٤. ٩ - الأرجوزة المسماة بميمية الأبدال، وتاريخها غير معلوم وهى تبحث فى بعض النجوم الشمالية، من الورقة رقم ١٥٤ حتى الورقة رقم ١٥٦. ١٠ - أرجوزة المخمسة، وتبحث فى بعض النجوم الشمالية؛ وتاريخها غير معلوم، من الورقة رقم ١٥٦ حتى الورقة رقم ١٥٧. ١١ - منظومة فى ١٣ بيتًا من قافية النون تبحث فى الشهور الرومية، وتاريخها غير معلوم (قبل عام ١٤٨٩). ١٢ - أرجوزة عنوانها "ضريبة الضرائب" وتبحث فى استخدام بعض النجوم فى أغراض الملاحة، وتاريخها غير معلوم، وهى من الورقة رقم ١٥٨ حتى الورقة رقم ١٦٣. ١٣ - الأرجوزة المنسوبة لأمير المؤمنين على بن أبى طالب فى معرفة المنازل وحقيقتها فى السماء وأشكالها وعددها، على التمام والكمال. وتاريخها قبل عام ١٤٨٩، وهى من الورقة رقم ١٦٣ حتى الورقة رقم ١٦٥. ١٤ - منظومة رائية عنوانها "القصيدة المكية" وتبحث فى الطرق البحرية من جدة إلى رأس فرتك (بلاد العرب الجنوبية)، وكالكوت (قاليقوط) ودابول (الديبل)، وكنكن Konkan وجوزرات (كجرات، الهند الغربية) وإلى الأطواح، وهراميز (هرمز)، وتاريخها غير معلوم، من الورقة رقم ١٦٤ حتى الورقة رقم ١٦٩. ١٥ - القصيدة الرائية المسماة "نادرة الأبدال، فى الواقع وذبان "العيوق" من الورقة رقم ١٦٩ حتى الورقة رقم

стр. 6237

١٧١؛ وتاريخها قبل عام ١٤٨٩. ١٦ - القصيدة البائية المسماة "الذهبية"، من الورقة رقم ١٧١ حتى الورقة رقم ١٧٦: وتاريخها قبل عام ١٤٨٩. وتتناول هذه المنظومة بحث الشعاب، والأعماق السحيقة، وما يفعله المرء عندها، والمغارز، والعلامات الدالة على الأرض مثل الطيور والريح؛ وظهور مشارف الأرض عند الرؤوس إبان الرياح الموسمية التى تهب من الجنوب الغربى، وظهور البر والريح تهب من الغرب؛ وهى مذكورة فى ورقة رقم ٤٠، فصل ١٠، ويرجع تاريخها إلى عهد السلطان المملوكى الأشرف سيف الدين قايتباى (٨٧٣ - ٩٠١ هـ = ١٤٦٨ - ١٤٩٥ م). ١٧ - أرجوزة تبحث فى رصد الضفدع وهو النجم a من برج الحوت الجنوبى إذا كان الضفدع الأول أو النجم B من برج الحوت إذا كان الضفدع الثانى. وهذه المنظومة نونية وتسمى الفائقة، وتشمل الأوراق من ١٧٦ حتى ١٧٨ وقد كتبت قبل عام ١٤٨٩. ١٨ - أرجوزة من قافية العين وتسمى البليغة، وتبحث فى رصد نجمى سهيل والسماك الرامح، وتشمل الأوراق من ١٧٨ حتى ١٧٩ وتاريخها غير معلوم. ١٩ - تسعة فصول قصيرة بالنثر غير مؤرخة، وهى تبحث فى مسابر الأغوار فى أجزاء مختلفة من المحيط الهندى، من صفحة ١٧٩ حتى صفحة ١٨١ وهى الصفحة الأخيرة. أما المخطوط الثانى من المجموعة العربية المحفوظة بالمكتبة الأهلية بباريس تحت رقم ٢٥٥٩ فهو من الحجم المتوسط، طوله ٢١٥ مليمترا وعرضه ١٥٠ مليمترا، ويشتمل على ١٨٧ ورقة، وكل صفحة من خمسة عشر سطرا ويضم الرسائل التالية لابن ماجد: ٢٠ - الأرجوزة المسماة "السبعية" (مقسمة إلى سبعة فصول) لأن فيها سبعة علوم من علوم البحر، وهى من الورقة رقم ٩٣ حتى الورقة رقم ١٠٣، وتاريخها عام ٨٨٨ هـ (١٤٨٣ م). ويشار إليها فى النهاية بأنها "الأرجوزة

стр. 6238

المعظمة". وقد أعيد إثبات القصيدة الذهبية (انظر رقم ١٦ فيما سبق) فى الأوراق من ١٠٣ حتى ١٠٩. ٢١ - قصيدة قافية تبحث فى الفلك، من الورقة ١٠٩ حتى الورقة ١١١، وتاريخها قبل عام ١٤٨٩. ٢٢ - قصيدة عنوانها ". . . والقياس عليه (كذا! ) وعلى نجوم تليق للنتخات وصفات المناتخ والبرور من الديو إلى دابول، (الديبل) وهى من الورقة ١١١ حتى الورقة ١١٦. والعنوان الصحيح لهذه المنظومة البحرية وارد فى الصفحة رقم ١١٦ فى البيت الآتى: "سميتها هادية المعالمه ... لأنها من العيوب سالمة" وهو يقول فى آخر هذه القصيدة "تمت القصيدة المسماة الهادية" وتاريخها قبل عام ١٤٨٩. وتحوى الرسالة البحرية الأولى (١) أيضا بعض شواهد شعرية مأخوذة من عشر رسائل أخرى لابن ماجد لم تصل إلينا (٢٣ - ٣٢). ويمكن ترتيب هذه الرسائل الاثنتين والثلاثين بحسب تسلسلها الزمنى كما يأتى: - (أ) ١٤٦٢: الحاوية (٢) (ب) ١٤٨٣: السبعية (٢٠) (ج) ١٤٨٥: الأرجوزة الخاصة بالملاحة فى خليج عدن (٣) (د) ١٤٨٨: المنظومة الخاصة بقبلة الإسلام (٤) (هـ) ١٤٨٩ - ١٤٩٠: كتاب الفوائد (١) (و) ١٤٩٤ - ١٥٩٥: الأرجوزة (٦) وقد ذكرت نصوص ٦, ١١، ١٣، ١٧، ٢١ - ٣٠ فى بند هـ أ، وهذا يضعها فى الفترة السابقة على عام ١٤٦٢. والرسالة ١٥ سابقة على الرسالتين ١٦ و ١٤ اللتين تشيران إليها. والرسالة التاسعة سابقة على الرسائل ١٥، ١٦، ١٢ أكثر من الرسالة رقم ١٤ والرسائل ٨، ١٠، ١٨، ١٩ ليس بها أية إشارة تمكننا من تعيين تواريخها ولو على وجه التقريب. وتقع الفترة التى نشر خلالها ابن ماجد رسائله الثلاثين البحرية بين تاريخ غير محقق سابق لعام ١٤٦٢

стр. 6239

وعام ١٤٨٩/ ١٤٩٠. وليس من شك فى أن أهم كتاب لهذا المعلم المشهور سواء من حيث حجمه أو من حيث قيمته العملية هو كتاب الفوائد (رقم ١). ويحتوى هذا الكتاب على ١٧٨ صفحة (من الورقة ١ حتى الورقة ٨٨ مع ٤٨ صفحة مكررة)، وفى كل صفحة ١٩ سطرا، أى أنه يشتمل على ٣٣٨٢ سطرًا يضاف إليها تعليقات على الهامش من سطر أو عدة أسطر ترد فى ٢٧ صفحة. وهذا الكتاب الذى تم سنة ١٤٨٩/ ١٤٩٠ ملخص فيما يظهر للمعلومات المعروفة عن الملاحة النظرية والعملية، ومن ثم فهو أوفى وأحسن من النتيجة التى تتحصل من التجربة والعمل الفردى؛ ولا مناص من أن نعده مزاجا من العلوم البحرية التى كانت معروفة فى السنوات الأخيرة من العصور الوسطى. وابن ماجد فى الوقت نفسه هو أقدم كتاب الإرشادات البحرية المحدثين. وكتابه جدير بالإعجاب، ذلك أن وصفه لبحر القلزم مثلا لا يفوقه بل لا يدانيه أى وصف آخر لأى كاتب فى الإرشادات البحرية للمراكب الشراعية بصرف النظر عما وقع فيه من أخطاء فى العروض لم يكن ثمة حيلة فى تجنبها. والمعلومات الواردة عن الرياح الموسمية والرياح المحلية والطرق والعروض الخاصة بعبور المحيط الهندى كله دقيقة ومفصلة على خير ما يمكن أن نتوقعه من ملاحى ذلك العهد. وكانت دراية ابن ماجد بأندونيسيا أقل من درايته بالقارة وجزائر المحيط الهندى. فقد وقع فى خطأ لا يمكن لنا تفسيره، إذ جعل موقع جاوة من الشمال إلى الجنوب على عكس اتجاهها الصحيح؛ وهذا الخطأ نفسه تكرر فى رسائل سليمان المهرى (المخطوط رقم ٢٥٥٩) الذى عاش فى النصف الأول من القرن السادس عشر، وانتقل الخطأ منه إلى الترجمة التركية التى قام بها سيدى على. وهذا هو التصحيح الهام الوحيد الذى تقتضيه الحال. وقد جاء فى المخطوط رقم ٢٢٩٢ عرضا لبعض المعلومات عن سيرة ابن ماجد وأسرته، فهو يسمى شهاب الدين أحمد بن ماجد محمد بن عمر بن فضل

стр. 6240

ابن دويك بن يوسف بن حسن بن حسين بن أبى معلق السعدى بن أبى الركايب النجدى (ورقة ٢، أسفلها). وهو يلقب نفسه بلقب ناظم القبلتين (مكة وبيت المقدس) حاج الحرمين الشريفين، خلف الليوث (الأوراق ١٣٧ أ, ٦٥ أ، ١٤٥ ب، ١٤٧ ب) أسد البحر الزخار" (ورقة ٨٨ وما بعدها)؛ ويقول أيضا فى الورقة رقم ١١٧ أ: "أنا أحمد ابن ماجد المعلم العربى". وجاء فى بعض صفحات المخطوط رقم ٢٢٩٢ أن أبا ابن ماجد وجدّه كانا معلمين وصاحبى رسائل بحرية وأن ابنهما وحفيدهما قد أتم عملهما. وهو يقول فى صفحة ٧٨ أ: "ولم نذكر شيئا من بحر القلزم قلزم العرب، فيجب أن نذكره. إن فيه نوادر وحكم لم يذكرها إلا من جرّبها لأنه على طريق الحجاج. وقد كان جدّى عليه الرحمة محقق فيه ومدقق ولم يقر لأحد فيه، وزاد عليه الوالد رحمة اللَّه عليه بالتجريب والتكرار وفاق علمه علم أبيه، فلما جاء زماننا هذا وكررنا قريبا من أربعين سنة وقد حرّرنا وقررنا علم الرجلين النادرين وورَّخناه وجميع ما جربناه وأرخناه انكشف لنا عن أشياء وحكم لم يجمعها فى زماننا شخصا واحدا إلا أن يكون عدة شخوص متفرقة". وهو يذكر فى ص ٧٨ ب: "وكان الوالد عليه الرحمة يسمونه الربابين: ربان البرين (شاطئ بحر القلزم) ونظم الأرجوزة المشهورة الحجازية فوق ألف بيت. ومع ذلك كله قد أصلحنا له منها ما رأينا فيه الخلل ورتبنا ما لم يكن فيها، وتوجد إشارة أخرى إلى هذه الأرجوزة فى صفحة ٨١ أ. ويقول ابن ماجد (ص ٨٧) بخصوص الشعب الذى عند الشاطئ الشرقى لبحر القلزم المجاور لجزيرة المرما إلى الجنوب من خط عرض ٢٠ إن أكثر أهل هذا الزمان سموه "ظهرة ماجد لأن أباه كان يربط فيها (أى يرسو) " وهذا دليل على شهرتها بين الملاحين فى أيامه. وقد أظهر ابن ماجد فى مناسبات كثيرة ثقته التامة فى أقوال أبيه التى كانت تختلف عن تجارب ملاحى القرن

стр. 6241

الخامس عشر. فقد قال فى صفحة ٨٤ أ: "وكانت سلامتى على أقوال الوالد لا على الربان"، وهو يبين من بعد مستشهدا بحادث وقعت له فعلا أن ثقته هذه بعلم أبيه كان لها ما يبررها فهو يذكر فى صفحة ٨٤ ب: "ولما أرسينا فيها (بين أسما ومسند، وهما جزيرتان عند الشاطئ الغربى لبحر القلزم إلى الجنوب من خط عرض ١٧) سنة ٨٩٠ هـ (١٤٨٥ م) واتفق الناخوذة والربان على الصراية بين أسما وبين مسند فلم أطاوعهم على ذلك لأنى رأيت فى أرجوزة الوالد أنه لم يكن بينهم طريق فى قربهم فإذا تباعد وحَوَتهم الشعبان، ولم يكن طريق إلا على باعين" ويمضى ابن ماجد فى الكلام قائلا: "واستشرنا بعضنا بعضا فقلت لهم الرأى إرسال سنبوق (نوع من الزوارق) قبلنا بيوم واحد، فراح السنبوق وعنده البلد (رصاصة سبر الأغوار) فوجد الماء باعين ولم يتغاير السنبوق فرجع بين مسند وساسوه فوجد الطريق فجاء لنا آخر النهار. وكانت أرجوزة الوالد (الأقوال الواردة فيها) خيرا من جميع ميراثه". أما فيما يختص بالأصول الأسطورية للملاحة، والإبرة والبوصلة، والإسطرلاب، فيقول ابن ماجد: "وأول من صنع السفينة (ص ٢، أسفلها من المخطوط رقم ٢٢٩٢) نوح ﵇ بإشارة جبريل ﵇ عن البارى ، وقد رتبت على صفة الخمسة الأنجم (كذا! ) من بنات نعش الكبرى، عجزها ثالث النعش (ورقة ١٣) وهيرابها الرابع والخامس والسادس وصدرها سابع النعش. وإلى عصرنا هذا (١٤٨٩ م) أهل الزنج (الساحل الشرقى لإفريقية الاستوائية) والقمر (مدغشقر) والريم (مريمة الساحل الإفريقى قباله زنجبار) وأرض سفالة يسمون الخامس من النعش والسادس الهيراب، وهما نجمى القياس عند استقلال الصّرفة (B من برج الأسد) عند عدم الفراقد (B و Y من كوكبة الدب الأصغر) لأنهم على صفتهم على صفة هيراب سفينة نوح واختلف الرواة فى طولها وعرضها، وقيل إنها كانت أربع ماية ذراعا طول وماية ذراع

стр. 6242

عرض، وماية ذراع عمقا، محتومة بغير دقل ولها مقذافين (عند مؤخرتها ليقوما مقام الدفة). فلما صارت السفينة وضرب الطوفان ركبها نوح ﵇ ومن معه فحملتهم وأنجتهم من الطوفان والغرق؛ وقيل إنها طافت بالبيت سبعة أشواط، وكان البيت يومئذ رمل أحمر لم يبنى عليه ولم يناله الطوفان". "فلما استوت السفينة (ورقة ٣ ب) وتعلمت الناس صنعة السفن على جميع سواحل البحر فى جميع الأقاليم التى قسمها (اللَّه) بين أولاده (أى أولاد نوح): يافث وسام وحام، وهو آدم الثانى فصار كلا يعمل السفن فى البحريات والخلجان وأطراف البحر المحيط حتى انتهت الدنيا لعصر بنى العباس (١٣٢ هـ = ٧٥٠ م) فكان استقامة ملكهم ببغداد وهى عراق العرب. وكان خراسان جميعه لهم، والطريق من خراسان لبغداد بعيدة مسيرة ثلاثة أشهر أو أربعة". "وفى ذلك العصر (أى فى عهد العباسيين) الثلاثة الرجال المشهورين محمد بن شاذان، وسهل بن أبان، وليث ابن كهلان ما هو ابن كاملان؛ وقد رأيت ذلك. فى رسالة لإسماعيل بن حسن ابن سهل بن أبان) بخط ولد ولده (أى ولد ولد سهل) فى رهمانى (أورهمانك، وبالبهلوية راهنامك أى "كتاب الطريق") تاريخه خمسماية وثمانين سنة فاغتنوا بتأليف هذا الرهمانى الذى أوله إنا فتحنا لك، ولم يكن فيه أرجوزة ولا قيد إلا فى كتاب ملفق لا له آخر ولا له صحة يزاد فيه وينقص، وهم مؤلفين لا مصنفين ولم يركبون البحر إلا من سيراف إلى بر مكران (ورقة ٢٤) سبعة أيام، ومن مكران إلى خراسان شهرا واحدا فاستقربوا الطريق وهى مسيرة ثلاثة أشهر من بغداد، وصاروا يسألون عن كل بر أهله ويؤرخونه". "وكان فى زمانهم من المعالمة المشهورين عبد العزيز بن أحمد المغربى وموسى القندرانى، وميمون بن خليل وألف قبلهم (كذلك) أحمد بن تبرويه (الذى كان قد كتب رسائل بحرية)، وأخذوا الوصف من المعلم خواشير بن يوسف بن صلاح الأركى (الإفريقى) وكان يسافر فى عام أربعمائة من

стр. 6243

الهجرة النبوية وما قارب منها فى مركب (وكان قد كتب قصة رحلته) دبوكره الهندى. وكان فى عصرهم من النواخيذ المشهورة أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أبو الفضل بن أبو المُغَيْرى (المغيرى)، وكان أكثر علمهم فى صفات البرور ومسايرات البرور أكثرها من تحت الريح (الأراضى التى إلى الشرق من رأس قمران) وبر الصين وقد اندرست تلك البنادر والمدن التى وصفوها) وتنكرت أسمائها. ولم يستفد فى زماننا هذا (القرن الخامس عشر الميلادى) شيئا له صحة كعلومنا وتجاربنا واختراعاتنا التى فى كتابنا هذا، لأنها مصححة مجربة وليس على التجريب شئ منّة ونهاية المتقدم بداية المتأخر. وقد عظمنا علمهم وتأليفهم وجللنا قدورهم رحمة اللَّه عليهم بقولنا: أنا رابع الثلاثة، وربما فى العلم الذى اخترعناه فى البحر ورقة واحدة تقيم فى البلاغة والصحة والفايدة والدلالة بأكثر مما صنفوه ورقة ٤ ب). "فيأخذوا هؤلاء الثلاثة الوصف والقوة من هؤلاء المذكورين وغيرهم، فيأخذون من كل أحد معرفة برّه وبحره ويؤرخونه وهم مؤلّفون لا مجربين، ولم أعلم لهم رابع غيرى، وقد وقرتهم بقولى إنى رابعهم لتقدمهم فى الهجرة فقط. وسيأتى بعد موتى زمانا ورجالا يعرفون لكل أحد منا منزلته. ولما أطلعت على تأليفهم ورأيته ضعيف بغير قيد ولا صحة بالكلية ولا تهذيب هذبت ما صح منه وذكرت الاختراعات التى اخترعتها وصححتها وجربتها عام بعد عام فى نظم الأراجيز والقصائد وفى هذا الكتاب عام ثمانين وثمان مايه هـ (١٤٧٥ - ١٤٧٦ م) فاستحسنوه الماهرين من أهل هذا الفن وعملوا به واعتمدوا عليه فى شدايدهم مثل رؤيا الجبال ومثل القياسات وأسماء النجوم ومعرفتها والهداية عليها، ولم يعلمون أهل زمانى على ما ألفوه القدماء إلا قليلا مثل الدير الصحيحة والترفات والرحوبات وأما الشقاقات فلا، وقد ذكرناها فى شرح الذهبية، وسنذكرها فى غير هذا المكان". "وفى الحقيقة إن الناس كانوا فى الزمان الأول أكثر حزما ولا يركبون البحر إلا باهلة من شدة الحزم والخوف

стр. 6244

والحذر من البحر، ويعدّون للمركب اعتدادا جيدا ولا يؤخرون الموسم ولا يشحنون المركب غير العادة. ونحن أكثر منهم علما وتجربة، وكل فن من فنون البحر له أصل فاصل للسفينة ذكرناها أنه من نوح ﵇. وأما المغناطيس الذى عليه المعتمد ولا تتم هذه الصنعة إلا به وهو دليل على القطبين فهو استخراج داوود ﵇، وهو الحجر الذى قتل به داوود جالوت. وأما منازل القمر وبروجه تصنيف دانيال ﵇ وزاد فى ذلك الطوسى رحمه اللَّه تعالى توفى سنة (١٢٦١ م). . . . . رجعنا للبحث الأول؛ وأما نجوم أخنان الحقة وأسمائها هو تصنيف قديم قبل الليوث المتقدم ذكرهم رحمة اللَّه عليهم، وهى تقريبية وأزوامها (الزوم مسيرة ثلاثة ساعات بالبحر) تقريبية لا حقيقية، ولذلك صفات البرور التى جربناها وحررناها (رقم ٥ ب) ودلنّا على ذلك كثرة التجربة وصفة البرور ومررنا عليها أحسن من تصنيفهم". "وأما ضرب بيت الإبرة بالمغناطيس (أى البوصلة) قيل إنها من داوود ﵇ لما خرج فى طلب ماء الحياة ودخل الظلمة وبحره ومال لأحد الأقطاب حتى غابت عنه الشمس، قيل اهتدى بالمغناطيس، وقيل اهتدى بالنور؛ والمغناطيس (ورقة ٦ أ) حجر يجذب الحديد فقط؛ والمغناطيس كل شئ ما جذبه إليه. وقيل إن السبع السماوات والأرض معلقات بمغناطيس القدرة وقال الناس فى ذلك أقوال كثيرة، وقيل إنها من الخضر". ويمضى ابن ماجد فى قوله (ورقة ١٤ أ، سطر ٣ من أسفل): "وأصل القياس (أى الرصد الفلكى) أسطرلاب إدريس ﵇، وهو مصنف الأسطرلاب للدرج، فجعلوا (أى القدماء) الدرج أصابع وقد ذكروه فى قصة مدينة النحاس، وقد رتبوه غير الثلاثة: محمد بن شاذان وأصحابه (أى صاحبيه) لأن المركب يسافر فى البحر الكبير بالقياس من عصر الأنبياء ﵈، وهو لا الثلاثة جاءوا على عصر العباسية، وهذا النقل من تواريخهم بخط أيديهم". وقد شاد ابن ماجد بفضل أسلافه بقوله فى مناسبات مختلفة إنه "رابع الثلاثة" أو "رابع الليوث" على أنه لم

стр. 6245

يفته أن يحذر الملاحين من الثغرات والأخطاء الواردة فى تصانيفهم، وهو يقابل بينها وبين المعلومات التى جاء بها فى مجموعة رسائله عن الأرشادات البحرية Nautical Instructions، فيقول (الورقة رقم ٣١ من المخطوط رقم ٣٢٩٢: "سُهيل، وهو يطلع عن القطب الجنوبى فى مئتين اثنين وعشرين من النيروز بالفجر ويغيب فى أربعين النيروز فإذا سألت أحدا من ركاب البحر لم يعرف هذا أبدا إن لم يطلع هذا الكتاب ما عرف هذه المسألة ولو قرأ فى مصنفات محمد بن شاذان وأصحابه مائة سنة". ويتضح من فقرة وردت فى المخطوط رقم ٢٥٥٩ (ورقة رقم ١٢٦ ب، سطر ٥ وما بعده) أن تصانيف القدماء، أى الثلاثة المعهودين، كان يرجع إليها بعد فى النصف الأول من القرن السادس عشر. ويستدل من نص رسائل ابن ماجد أن الثلاثة: وهم محمد بن شاذان، وسهل بن أبان وليث بن كهلان، لم يكونوا معلمين ولا رؤساء بحر ولا ملاحين وانما كانوا علماء من أصحاب التواليف فى الطرق البحرية أفادوا فى تصانيفهم من رحلات الربابنة. وتذكر هذه الفقرة التى نحن بصددها من كتاب الفوائد (رقم ١) علاوة على ذلك واقعتين محددتين هما: أن هؤلاء الثلاثة أو على الأقل سهل بن أبان كان يعيش فى النصف الأول من القرن الثانى عشر للميلاد، وأن اخبار الرحلات المذكورة آنفا تشتمل بصفة خاصة على أوصاف البلاد التى تحت الريح (شرق رأس قمران والصين). ونستطيع أن نذهب إلى أن مصنفات هؤلاء الثلاثة كانت تعتمد على أخبار الرحلات فتى الهند، وما وراء الكنج فى الهند، وأندونيسيا والصين، مثل رحلات التاجر سليمان التى نشرت عام ٨٥١ ثم نقحها وزاد عليها أبو زيد حسن حوالى عام ٩١٦ (١٠)، وأبو زيد هذا، وهو من هواة العلوم الجغرافية، كان يعيش فى بغداد وفيها جمع كل المعلومات التى أمكنه العثور عليها فى المخطوطات أو استقاها من الملاحين فى عهده. والظاهر أن ذلك هو ما فعله الثلاثة الذين يقول ابن ماجد أنه رابعهم لأنه يشير صراحة إلى أنه يختلف عن الآخرين فى أنه يكتب عن مسائل السفر فى البحر معتمدا على تجاربه الشخصية الطويلة.

стр. 6246

ويذكر ابن ماجد أن مصنفات هؤلاء الثلاثة قد ذكرت مدنًا وموانى لم يعد لها وجود فى القرن الخامس عشر. وهذه إشارة إلى أسماء الأماكن القديمة التى كان من الممكن أن تكون ذات فائدة عظمى فى تعيين الأسماء الجغرافية المحفوظة فى النصوص الصينية وفى الأثبات التى ذكرها بطلميوس. غير أننا فقدنا الآن هذا المصدر من المعلومات، على أن من المهم أن نعرف أنه كان موجودا فى وقت من الأوقات. وكل شئ ممكن الحدوث فى المشرق لا نستثنى من ذلك إمكان العثور على مخطوط لواحد من الثلاثة، وليكن أحمد ابن تبرويه أو خواشير بن يوسف بن صالح الإفريقى. وإن حيازة المكتبة الأهلية بباريس للمخطوطين رقم ٢٢٩٢ ورقم ٢٥٥٩ من المصادفات السعيدة التى لا يكف المرء عن الرجاء فى أن تتكرر. والظاهر أن كتاب الفوائد (أ) الذى اتضحت لنا أهميته من الملخصات والمقتطفات التى سقناها آنفا هو ثمرة تجارب ابن ماجد الناضجة؛ ونحن لا نعرف تاريخ مولده؛ وإذا كان قد بلغ الخامسة والعشرين أو الثلاثين فى سنة ١٤٦٢ عندما كتب الحاوية (٢) فإنه يكون قد بلغ الثانية والخمسين أو السابعة والخمسين عندما ظهر كتاب الفوائد (أ) وبلغ الثالثة والخمسين أو الثالثة والستين فى الوقت الذى أتم فيه المنظومة (رقم ٦) التى تاريخها ١٤٩٤ - ١٤٩٥ م. وقد وصل فاسكوداجاما إلى مالندى فى أبريل من عام ١٤٩٨ ومنها أبحر معه ابن ماجد ربانا له. ونحن لا نعرف تاريخ وفاة هذا المعلم. ويذكر جيمس برنسب James Prinsep أن ذكرى ابن ماجد كانت لا تزال حية فى الهند وجزر ذيبة المهل فى النصف الأول من القرن التاسع عشر. فقد قال: "لقد سعيت إلى الحصول على بوصلة عربية. ولكنى لم أعثر على واحدة منها فى أية مركب ثم وجد صديقى سيد حسين سيدى أخيرا رسمًا لها فى كتاب من كتب الملاحة البحرية العملية يسمى كتاب ماجد أو كما أسماه صديقى المنتسب إلى هذه الجزائر على سبيل الفكاهة "كتاب جون هاملتون العرب" John Hamilton Kitab of the Arabs جده فى حوزة ناخوذة، فقطع الورقة دون

стр. 6247

كلفة ليرينى إياها فقد كان الربان يخشى أن يفارقه الكتاب إذ هو خليق بدونه أن يتعرض لخطر جسيم من غير شك فى عودته من رحلته (Note on the Nautical Instruments of the Arabs فى مجلة الجمعية الأسيوية البنغالية J.A.S.B سنة ١٨٣٦، جـ ٢، ص ٧٨٨) ومن البين أنه يشير هنا إلى كتاب يشبه المخطوطين رقم ٢٢٩٢ ورقم ٢٥٥٩ مع بعض لوحات إضافية تبين الآلات المستخدمة فى الملاحة وكذلك بعض الخرائط، بل لعله كان نسخة من المخطوط رقم ٢٢٩٢ ومن ثم كان اسمه كتاب ماجد". ويقول برتون R.F.Burton فى كتابه Eirst Footsteps in East Africa or an Exploration of Harar (لندن سنة ١٨٥٦، ص ٣ - ٤) "إنه فى يوم الأحد الموافق ٢٩ أكتوبر سنة ١٨٥٤ أعلن أنه قد تمت جميع الاستعدادات المختلفة وبارك صديقى س رحلتنا. وفى نحو الساعة الرابعة مساء أقلعنا من مالا بندر Maala Bunder) ذلك الجزء من ميناء عدن المخصص لمراكب الوطنيين) وأخرجنا ملابسنا الخفيفة، وأبحرنا هابطين الميناء المتلظى من الحرارة وعندما مررنا بسفينة الحراسة سلمنا جواز المرور. وقبل أن ندخل فى عرض البحر كررنا تلاوة الفاتحة تمجيدا للشيخ ماجد (كذا) مخترع البوصلة البحرية، وكانت السفينة ترقص بنا عند المساء فوق سطح البحر اللامع الصافى، ويضيف برتون فى تعليق له. قائلا: "ولسوف يكون من الأمور العجيبة أن يكف المشارقة عن نسج القصص حول أصل اختراع مثل الدائرة أو البوصلة. ويقال إن الشيخ ماجد كان وليا من أهل الشام رزقه اللَّه القدرة على النظر فى الأرض كأنها كرة فى يده ويتفق معظم المسلمين على نسبة هذا الأصل للدائرة، ولا يزال كل ملاح تقى يقرأ الفاتحة تمجيدا لهذا الرجل الورع، وتدعو جميع الدلائل إلى الاعتقاد بأن الشيخ ماجد كان وليا من أهل الشام، غير أن المعلم ابن ماجد قد وجد له مكانا بين سير الأولياء المسلمين للخدمات الجُلى التى أدتها كتبه للملاحين هنذ القرن الخامس عشر، وهذا الأمر واضح، كما أن هناك حالات كثيرة معروفة من هذا القبيل. وفى عام ١٩١٣ قام زميلى

стр. 6248

وصديقى المرحوم بول أوتافى paul Ottavi الذى عاش نحو خمسة عشر عاما فى زنجبار ومسقط ببحث فى هذه المراكز البحرية عن المؤلفات البحرية لابن ماجد وسليمان المهرى، غير أن اسمى هذين المعلمين كانا غير معروفين عند الملاحين العرب هناك. المصادر: (١) Extracts from the Mohit, that is the Ocean, a Turkish work on Navigation in the Indian Seas: V.Hammer، فى مجلة الجمعية الأسيوية البنغالية سنة ١٨٣٤، ص ٥٤٥ - ٥٥٣ سنة ص ١٨٣٦، ص ٤٤١ - ٤٦٨؛ سنة ١٨٣٧، ص ٨٠٥ - ٨١٢؛ سنة ١٨٣٨، ص ٧٦٧ - ٧٨٠؛ سنة ١٨٣٩، ص ٨٢٣ - ٨٣٠. (٢) Extractos da historia da historia da conquista do Yaman pelos othmanos: D.Lopes، بحث مقدم من الجمعية الجغرافية إلى المؤتمر الدولى للمستشرقين فى جلسته العاشرة لشبونه عام ١٨٩٢. (٣) Del Muhit o descrizione dei mari delle Indie dell'ammiraglio turco Sidi Ali detto Kiatib-i-Rum, R.R.A.L: L.Boneli، سنة ١٨٩٤، ص ٧٥١ - ٧٧٧ (٤) المؤلف نفسه: Ancora del Muhit o descrizione dei mari delle Indie, ibid، سنة ١٨٩٥، ص ٣٦ - ٥١ (٥) Zum W.Z.K.M., Indischen ocean des Sidi Ali: M. Bittiner, جـ ١٠ (٦) Les sources arabes du Muhit turc: nes: M. Goudeferoy-Demomby المجلة الأسيوية، المجموعة العاشرة، جـ ٢٠، سنة ١٩١٢، ص ٥٤٧ - ٥٥٠ (٧) Relations de voyages et textes geographiques arabes, persans et turks relatifs a L' Extreme-Orient du VIlle au XVIIIe siecles: G.Ferrand، جـ ٢، باريس سنة ١٩١٤؛ ص ٤٨٤ - ٥٤١. (٨) المؤلف نفسه Le Pilote arabe de Vasco de Gama et les instructions nautiques des Arabes au XVe siecle فى Annales de geographie باريس سنة ١٩٢٢، ص ٢٩٠ - ٣٠٧.

стр. 6249

(٩) المؤلف نفسه: Instructions nautiques et routiers arabes et portugais des XVe et XVIe siecles, I, Le pilote des mers de L'Inde, de la Chine et de L'Indonesie par Shihab ad-din Ahmad bin Majid، النص العربى، باريس سنة ١٩٢٣ (عن نص سليمان المهرى ومجلدات الترجمة). (١٠) المؤلف نفسه: L'element per San dans Les toxtes nautiques arabes des XVe et XVIe siecles, المجلة الأسيوية سنة ١٩٤٤، ص ١٩٣ - ٢٥٧. التعليقات: ١ - هناك نسخ كثيرة فى أوربا وفى المشرق. ٢ - لقد كشف مصادفة فى دمشق عن نسخة أخرى من المخطوط رقم ٢٢٩٢، وهى محفوظة فى المجمع العلمى العربى؛ انظر مجلة المجمع العلمى العربى، فبراير سنة ١٩٢١، دمشق، ص ٣٣ - ٣٥. ووجدت نسخة أخرى ناقصة من المخطوط رقم ٢٥٥٩ بجدة حيث تفضل زميلى أحمد زكى باشا بالتحرى عنها نيابة عنى. ٣ - إن استخدام هذا التعبير الشيعى المشهور بدلا من الكلمة العربية المألوفة يبين أن المؤلف كان هو نفسه على ما يظهر من الشيعة أو على الأقل كان هواه مع أنصار على. ٤ - إن كلمة النتخات الواردة هنا تؤخذ بمعنى اكتشاف رأس أو أرض لتمكين المرء من التحقق من الطريق. ٥ - التورية فى اسم سلفه ليث بن كهلان (الليث كلمة مرادفة للأسد فى العربية). ٦ - انظر عن هذا اللفظ الهام: المجلة الأسيوية سنة ١٩٢٤، ص ٢٠٩ - ٢١٥. ٧ - إن الكتاب الذى نحن بصدده مؤرخ فى كل الأحوال بعام ٨٩٥ للهجرة. - لم يصل الينا هذا الشرح. (٩) انظر عن مدينة النحاس الأسطورية: M. Gaudefroy-Demombynes: Les cent et une nuits باريس سنة ١٩١١ ص ٢٨٤ - ٣٤٨ والكتّاب الواردين به.

стр. 6250

(١٠) انظر Relation des voyages faits par les Arabes et les Persans dans l'Inde et a la Chine dans le IXe siecle de l'ere Chretienne النص العربى بقلم Langles والترجمة والتعليقات بقلم Reinand سنة ١٨٤٥. وقد نشرت ترجمة جديدة بعنوان Voyage du marchand arabe Sulayman en Inde et en Chine redige en ٨٥١, Suivi de reniarques par Abu Zayd Hasan (٩١٦ vers) باريس سنة ١٩٢٢. الشنتناوى [جبرائيل فران Gabriel Ferrand] شهاب الدين " شهاب الدين" أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل أبو شامة مؤرخ عربى وفقيه لغوى ولد فى دمشق فى الثالث والعشرين من ربيع الثانى سنة ٥٩٩ (١٠ يناير سنة ١٢٠٣)، درس فى مسقط رأسه ثم فى الاسكندرية فقه اللغة والأصول، ولما عاد إلى دمشق عين شيخا فى المدرسة الركنية وأثار حول نفسه الشبهات فى جريمة وقعت فقتله نفر من العامة ثارت ثائرتهم فى التاسع عشر من رمضان سنة ٦٦٥ (٣ يونية ١٢٦٨) وأهم كتبه هو تاريخ للسلطانين نور الدين وصلاح الدين عنوانه "كتاب الروضتين فى أخبار الدولتين"، وقد نقل فى كتابه هذا أو كاد كل ما ورد فى سيرة صلاح الدين لابن أبى طئ التى فقدت (طبع كتابه فى القاهرة سنة ١٢٨٧ - ١٢٨٨ هـ ١٢٩٢ هـ فى مجلدين). وقد نشر باربييه ده مينار النص العربى لهذا الكتاب وترجمته الفرنسية التى قام بها Abou chamah,le livre des deux jardins, ou Histoire des deux regnes celui de Nour ed-Din et celui de salah ed-Din: Barbier de Meynard فى Re-des cueil historiens des croisades, Hist or، باريس ١٨٩٨، ١٩٠٦، قارن Fleischer، فى Sitzungsber. der sachs. Gesellsch Wissensch ١٨٥٩ م، ص ١١ وما بعدها، Arab, Quellen beitrage zur Gesch. der Kreuzuge: E.P.Goergens and R. Rohricht، النص والترجمة جـ ١، Zur Gesch salahaddins, برلين ١٨٧٩) ويوجد مخطوط من "ذيل الروضتين"

стр. 6251

يتناول السنوات من ٥٩١ - ٦٦٥ هـ (١١٩٥ - ١٢٦٦ م؛ انظر VERZ D. ARAB. HONDsch rift: Ahlwardt، الرقمين ٩٨١٣ - ٩٨١٤؛ فهرس كوبنهاغن رقم ١٥٦؛ باريس، شيفر رقم ٥٨٥٢؛ Supplement: C.Rieu، الرقمين ٥٥٥ - ٥٥٦؛ قارن Neue arab. Anthologie: Wahl، ص ٢٠٨؛ مقتطفات وردت فى طبعة باربييه ده مينار، جـ ٢). وقد كتب أبو شامه أيضا ملخصا لتاريخ دمشق لابن عساكر (Ahlwardt: المصدر المذكور؛ رقم ٩٧٨٢) وكتب شروحا على سبع قصائد من نظم شيخه علم الدين السخاوى (توفى سنة ٦٤٣ هـ - ١٢٤٥) فى مدح الرسول [ ﷺ ] وعلى البردة وعلى الشاطبية (حرز الأمانى). المصادر: (١) الكتبى: فوات الوفيات، جـ ١، ص ٢٥٢. (٢) السيوطى: طبقات الحفاظ، جـ ١٩، ص ١٠. (٣) المقريزى: الخطط، جـ ١، ص ٤٦. (٤) Orientalia، جـ ٢؛ ص ٢٥٣. (٥) Die Geschischtsschreiber der Araber: Wustenfeld، ص ٣٤٩. (٦) Gesch. der. Arab. Litter: Brockelmann، جـ ١، ص ٣١٧. خورشيد [بروكلمان Brockelmann] الشهرستانى محمد بن عبد الكريم، عمدة مؤرخى الملل والنحل فى المشرق أيام القرون الوسطى: ولد فى شهرستان من أعمال خراسان سنة ٤٦٩ هـ (١٠٧٦ م) وقيل أيضا إنه ولد سنة ٤٦٧ وسنة ٤٧٩؛ ودرس الشهرستانى الفقه والكلام فى جرجانية ونيسابور، وكان شيخه فى علم الكلام أبا القاسم الأنصارى. ويقول ابن خلكان إن الشهرستانى من أتباع مذهب الأشعرى، أما السمعانى فيذهب إلى أنه كان يأخذ بأحلام الإسماعيلية وكان فى حديثه ومناقشاته لا يتحدث إلا عن الفلاسفة. على أنه حج إلى بيت اللَّه وآب من الحج بعد أن قضى ثلاث سنوات فى بغداد. واستقر فى مسقط رأسه وتوفى به سنة ٥٤٨ هـ

стр. 6252

(١١٥٣ م). وقد ألف الشهرستانى عدة كتب أهمها رسالة فى الملل والنحل: "كتاب الملل والنحل"، ونذكر من تواليفه الأخرى رسالة فى علم الكلام وعنوانها "نهاية الإقدام فى علم الكلام"؛ ورسالة فى ما وراء الطبيعة اسمها "مصانعات الفلاسفة"، وهى تذكرنا بتهافت الفلاسفة للغزالى؛ ورسالة فى تاريخ الحكماء، وعنوانها هو نفس عنوان الكتاب المشهور الذى ألفه ابن القفطى المتوفى ١٢٤٨ م بعد ذلك بنحو قرن من الزمان. ورسالته فى الملل والنحل من أشهر الوثائق فى التأليف الفلسفى عند العرب، وقد كتبت سنة ٥٢١ هـ (١١٢٧ م) ويستعرض الشهرستانى فيها جميع المذاهب الفلسفية والدينية التى استطاع دراستها، ويصنفها بحسب مبلغ بعدها عن الإسلام على مذهب أهل السنة، ولذلك يبدأ بالفرق الإسلامية: المعتزلة فالشيعة فالباطنية؛ ثم يتناول أهل الكتاب أى النصارى واليهود. ويتبع ذلك بأصحاب الكتب الأخرى سواء كانت مشكوكا فيها أو باطلة؛ ثم يلى هؤلاء الصابئة عبدة النجوم. ثم يرجع بعد أن يتناول أصحاب الكتب المنزلة إلى أهل الشرك فى الزمن القديم، فيفرد مقالات لأئمة فلاسفة الإغريق وحكمائهم، ثم يستعرض مذهب علم الكلام عند العرب بوصفه منقولا من الفلسفة الإغريقية، وخصص القسم الأخير من الكتاب لأديان الهند. وقد صدر كتاب الشهرستانى هذا بمقدمة ألمَّ فى فصل منها، وهو الفصل الرابع، بجميع الخلافات التى نشبت فى الإسلام فى آخر عهد النبى ﵊ بالدنيا، تلك الخلافات التى أثرت فى الدين من ناحية وفى السياسة من ناحية أخرى، وكانت هى السبب فى قيام الشيعة ثم المعتزلة. وهذا القسم من الكتاب جيد حقا. ويتناول الشهرستاتى فى فصل آخر من المقدمة علم الحساب، ويزعم بعض الزعم أنه من أهل الرياضيات ولكن هذا الزعم لم

стр. 6253

ينته إلى نتيجة تؤيده، ذلك أن عقل الشهرستانى فى جوهره عقل فلسفى لا يكاد يتعدى هذه الصفة، فهو لا يعنى إلا بالأفكار، ولا يسوق من التفاصيل الخاصة بأخبار الأعيان إلا القليل، ولا يذكر شيئا تقريبا عن عناوين الكتب. أما التقويم والتواريخ فقليلة عنده، وهو فى تحليل المذاهب والنحل نافذ البصيرة، وتتسم أحكامه فى جملتها بالنزاهة الشديدة والبعد عن التحيز. وقد برئ من تلك الصفة المشهودة التى تنزع إلى اتخاذ موقف الدفاع، وهى الصفة التى لابد أن كتاب الأشعرى المفقود فى النحل مثلا كان يتسم بها. وأهم أجزاء كتاب الشهرستانى هى التى تتناول المعتزلة، والشيعة، والثانوية والصابئة، والشهرستانى هو والإيجى من أهم المصادر التى نرجع إليها عن المعتزلة، أولئك الفقهاء الذين لا يتركون شاردة ولا واردة من مسائل الفقه إلا تناولوها، والفلاسفة المتوقدى الذهن، أجل أولئك الفقهاء والفلاسفة الذين لم تصل كتبهم إلينا. ولهذا السبب نفسه كانت مقالته عن الأشعرى ومذهبه التى حددت آراء اهل السنّة فى الإسلام ذات شأن؛ وكذلك كانت مقالاته عن الشيعة والخوارج والمرجئة، الذين انشعبوا فرقا متعددة سياسية الطابع اختلفت فى نظرية الإمامة، عظيمة الأهمية. ولكن الشهرستانى جنح إلى الإيجاز فى حديثه عن الإسماعيلية والباطنية، ويصدق هذا أيضا على حديثه عن اليهود، أما النصارى فقد كان يعرف من مذاهبهم فرقا ثلاثا كبرى هى الملكانية والنساطرة واليعاقبة. وهو يقابل بين القديس بولس والقديس بطرس (سمعان الصفا) قائلا إن بولس قد جاء لينقض مادبر بطرس ومزج تعاليم المسيح بالآراء الفلسفية. وكان لا يعلم إلا القليل عن أناجيل النصارى، ولكنه لا يشتد فى نقدها اشتداد ابن حزم. ولا شك أن إشاراته إلى الاثنينية والمانوية وعبادة الأجداد ومزدك وبرديصيان ومرقيون عظيمة القيمة؛ وللتقابل بين النور والظلمة فيها شأن

стр. 6254

كبير يماثل ما له من شأن فى الفلسفة الإشراقية. ويصدق هذا على القسم الطويل الذى أفرد للكلام عن الصابئة، ويورد فيه الشهرستانى حوارا يحاج فيه مسلم سنى رجلا من الصابئة ويعارض فكرة إسناد النبوءة إلى عقول الأفلاك، وينكر وجود هذه العقول وينتقد هذا التصور. ويبدو الشهرستانى لأبناء عصرنا هذا جاهلا بالفلسفة اليونانية، ولكنه كتب مقالا جيدا كل الجودة عن أفلاطون، وقد فهم نظريته فى المثل كما كتب مقالا آخر هاما عن فيثاغورس عرض فيه لنظريته فى العدد ومعانيه الهندسية مدركة على أنها مبادئ للوجود أما مقالته عن أرسطو فمأخوذة من ابن سينا وشرح تيماسطيوس. وأما مقالته المسهبة غاية الإسهاب عن علم الكلام عند العرب فهى فى جوهرها تلخيص كتاب النجاة لابن سينا. ونذكر أخيرا القسم الذى خص به الهند وهو يشتمل على فقرات عجيبة. ونحن نعلم أن كتاب العرب بعامة لا يعرفون إلا النزر اليسير عن الهند، على أننا نجد فى الشهرستانى بعض التعليقات الدقيقة عن عقائد البوذية وعن أتباع بوذا وسلسة البددة وعن بعض شعائر الهندوكية، وكذلك عن عبادة الآلهة كالى، التى يصف صنمها كاليا، وعن الاغتسال فى الأنهار المقدسة، وشعائر الانتحار الدينية وما إلى ذلك، والظاهر أن الشهرستانى بعد فيثاغورس هو الأصل فى التفكير العقلى فى الهند. المصادر: (١) محمد الشهرستانى: كتاب الملل والنحل، طبعة كيرتن، فى مجلدين، لندن ١٨٤٦؛ طبعة أخرى، بولاق ١٢٦١ هـ؛ ترجمة Religionspartheien und philo Sophenschulen: Th Haarbrucker فى مجلدين، هال ١٨٥٠/ ١٨٥١ م. (٢) ابن خلكان، طبعة ده سلان. (٣) السمعانى فيما رواه عنه ياقوت: Dictionnaire de la Perse، ترجمة باربييه ده مينار، باريس ١٨٦١، ص ٣٥٩. خورشيد [كارا ده فو Carra De Vaux]

стр. 6255

شهيد (والجمع شهداء): كثيرًا ما ترد فى القرآن بمعناها الأصلى وهو الشاهد (وهذا هو أيضا شأن كلمة شاهد، وجمعها شهود، ولا يميز بينها وبين كلمة شهيد تمييزًا واضحا) والأمثلة الآتية لها دلالتها على مختلف المناسبات التى ترد فيها كلمة شهيد. سورة البقرة، الآية ١٣٣: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ. . .﴾. وسورة النور، الآية ٦: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ. . .﴾. وسورة البقرة، الآية ١٤٣: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا. . .﴾. وسورة ق الآية ٢١: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾، وكثيرا ما ترد كلمة شهيد فى الكلام عن اللَّه مثل سورة آل عمران، الآية ٩٨: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾؛ وسورة المائدة الآية ١١٧: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، ومن هنا صار اسم الشهيد من أسماء اللَّه الحسنى أيضًا. وليس فى القرآن شواهد على أن كلمة "شهيد" لها معنى من يشهد للَّه بدمه أو يموت شهيدًا، وإنما حاول متأخرو المفسرين أن يستخرجوا هذا المعنى من سورة النساء، الآيات ٧١ - ٧٤. والقرآن يستعمل دائما فى بيان مفهوم الشهيد عبارات ترسم وتصور مثل سورة آل عمران، الآية ١٥٧: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ والسورة نفسها، الآية ١٦٩: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ وسورة محمد الآيات من ٤ - ٦: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾. وتطور معنى كلمة شهيد فى دلالتها على من يموت شهيدا (وهو تطور لم تشترك فيه كلمة شاهد، فكلمة شاهد صارت منذ ذلك الحين تدل على

стр. 6256

الشهادة خصوصا أمام القضاء) حصل بتأثير جاد من جانب النصرانية (قارن كلمة ساهدا Saheda السريانية التى ترادف الكلمة اليونانية: الواردة فى العهد الجديد) والبحث الذى كتبه فنسنك عن الشهداء فى المشرق يثبت أن التطور الذى وقع فى النصرانية وفى الإسلام قد سار على غرار واحد حتى فى التفاصيل، وأن نظرية الشهداء فى هاتين الديانتين ترجع أخيرًا إلى تراث شرقى قديم يهودى وإلى آراء من العهد اليونانى المتأخر. وقد نسى فيما بعد المعنى القديم لكلمة شهيد، وهو الشاهد فى الإسلام، إلى حد أننا نجد خطأ مطردًا فى تفسير أصل كلمة شهيد (من شهد بمعنى: رأى، عاين، حضر). والقتيل الذى يطبع إيمانه بخاتم الموت فى محاربة الكفر شهيد فى كتب الحديث؛ وثمة أحاديث كثيرة تصور ضروب النعيم التى تنتظره فى الجنة، فهو لموته فى سبيل اللَّه ينجو من سؤال منكر ونكير فى القبر ولا يجوز البرزخ. والشهداء ينالون أعلى الدرجات فى الجنة، وهم يكونون فى أقرب مكان للعرش، وفى الحديث أن النبى [ ﷺ ] قد رأى أجمل دار فى الجنة وهى دار الشهداء. وفى يوم القيامة ستكون الجراح التى أصابت الشهداء فى جهادهم فى سبيل اللَّه مضيئة. حمراء كالدم وستكون رائحتها كالمسك. ولا أحد من أهل الجنة يتمنى أن يعود إلى الدنيا إلا الشهيد، لأنه لما يناله من أنواع النعيم فى الجنة يتمنى لو يقتل فى سبيل اللَّه عشر مرات. والشهداء تغفر لهم كل ذنوبهم فلا يحتاجون لشفاعة النبى [ ﷺ ]، بل هم فى الأحاديث يظهرون شفعاء لغيرهم من الناس. ونظرًا لأن الشهادة تطهرهم فإنهم وحدهم هم الذين لا يجوز تغسيلهم قبل دفنهم، وهذا رأى دخل فى الفقه (انظر كتاب Handbook of early Muhammadan Tradition: A.J.Wensinck تحت مادة Martyrs) . وفى كتب الفقه عند الكلام عن الصلاة، نجد الكلام عن الشهيد بعد الكلام عن صلاة الجنازة، ولأصحاب المذاهب الفقهية اختلافات طريفة كل

стр. 6257

الطرافة أحيانا من حيث الأساس الذى تقوم عليه وهى تتعلق بـ: هل يجب غسل الشهيد؟ وهل يصلى عليه صلاة الجنازة؟ وهل يدفن فى ثيابه التى فيها دمه؟ ونحو ذلك من المسائل. وقد بحثت مرة مسألة ما إذا كانت الشهادة قد وقعت لهذه الحياة الدنيا أو للحياة الأخرى أو للحياتين معا، وذلك لأن الشهادة عمل خلقى فيكون الحكم عليه بحسب النية. ومن جهة أخرى يذكر أصناف الشهداء بالمعنى الواسع على اختلافهم، وهم مذكورون فيما يلى؛ ولا تعرض حالة الشهيد من الناحية القانونية الشرعية إذا كان بعد الموقعة قد عاش رغم جراحه واستطاع أن يرتب بعض أموره قبل أن يفارق الحياة. وأحيانا يشتمل كتاب الجهاد على فصول "فى فضل الشهداء". وفيها تعظيم للشهادة على نحو ما يوجد فى الحديث تماما. وقد أدى تعظيم فضل الشهادة إلى شوق حقيقى لميتة الشهداء، وبحسب بعض الأحاديث أن كلا من النبى [ ﷺ ] وعمر رضى اللَّه عنه تمنى الشهادة، لكن علماء أهل السنة لا يحبذون بوجه من الوجوه هذا الطلب للشهادة، بل هم يحاربونه، وذلك لأنه، فى قول مقبول وذهب إليه فنسنك، يشبه الانتحار، والإسلام ينكر الانتحار دائما (١). ولذلك يعد القيام بالواجبات الخلقية السلمية كالشهادة بل خير، منها، مثل الصوم ودوام العبادة وقراءة القرآن وبر الوالدين والأمانة فى أخذ الخراج وطلب العلم، فهذه كلها أعمال "فى سبيل اللَّه" (وهذه العبارة قد تحولت، مع هدوء حروب الفتح والتوسع تدريجا، من الميدان الحربى إلى الميدان السلمى الخلقى كما تحولت كلمة شهيد) وهى يمكن أن تكون سبيلا لأن ينال بها الإنسان ما يناله الشهداء من الثواب [تأمل مثلا التمييز الذى ظهر فيما بعد بين الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس، والجهاد الأصغر الذى هو القتال فى سبيل اللَّه، انظر مجلة W.I مجلد ٣ (١٩١٦) ص ٢٠٠، الهامش - هيئة التحرير] على أن مفهوم الشهيد نفسه -وفى الأحاديث إلى حد ما- قد اتسع اتساعًا كبيرًا، حتى أن جمهور الناس

стр. 6258

أصبحوا ينظرون إلى كل من يلقى موتا عنيفا يثير مشاعرهم أسفا عليه أنه شهيد بل ولى أيضا، وكان من العوامل الكبيرة التى ساعدت على هذا التطور ما فى جمهور الناس من ميل قديم إلى تعظيم الأولياء بعامة وبهذا المعنى يعد من الشهداء مثلا من يموت فى أمراض مثل الطاعون، أو مرض ذات البطن وذات الجنب، وكذلك من يموت موتا عنيفا إذ يقضى من الجوع أو العطش أو الغرق، والهدم أو الحريق أو السم أو الصاعقة أو يقتله قطاع الطريق، أو تفترسه السباع وكذلك ذات الطلق (١)، ومن يموت وهو يؤدى فرضا من فروض الدين كالحج مثلا، ومن يموت غريبا بلا حبيب أو قريب أو فى سفر مما يعتبر سنة، أو فى زيارة قبر ولن أو شهيد أو عالم، أو فى الصلاة، أو بسبب دوام الوضوء، أو فى ليلة جمعة، أو فى طلب علم الدين، أو فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أمام الظالمين، ومن عشق وعف وكتم سره مات شهيدًا؛ ومن مات فى مجاهدته لنفسه، أى فى الجهاد الأكبر، مات شهيدًا. وقبر الشهيد يعد مشهدًا، ينال تعظيم الأتقياء ويصبح مزارا يحج إليه، وفيما يتعلق بكثير من هذه المشاهد يمكن إثبات أنها كانت أماكن عبادة قبل الإسلام، ثم بقيت من بعده على حالها، وهذه الناحية من بقاء مظاهر العصر القديم قد ألقى عليها فان بيرشم ضوءًا، بدراسته للنقوش. لكن الحكم الأخير لن يتيسر إلا بعد الكشف عن مادة جديدة. ومن الطريف تلك العبارة التى توجد على القبور منذ القرن الثالث للهجرة وهى: "هذا ما يشهد به وعليه". وربما كانت لهذه العبارة علاقة بالتسمية "مشهد" بوجه ما (هذا هو ما ذهب إليه Martin Hartmann فى مجلة Z.D.P.V مجلد ٢٦، ص ٢٦٥، راجع ما يقوله Ritter فى مجلة Islam، مجلد ١٢، ص (١٤٨ - ١٥٠) وإذا كان السلاطين يسمون فى النقوش باسم الشهداء فإن هذه الكلمة لا يكون لها هنا سوى معنى ليس له من المعنى الصحيح إلا ظله،

стр. 6259

وهى مجرد تسمية دينية "للميت". وفى كثير من الأحيان أطلقت تسمية المشهد على أماكن للعبادة لها علاقة بشهيد. وفى اللغة التركية تطلق كلمة "شهيدلك" وكلمة "مشهد" (التى تنطق مشَط أيضا) على القرافة بوجه عام (انظر Mordtinann فى مجلة Islam، مجلد ١٢، ص ٢٢٣). وتدل النقوش أيضا على أن بناة المشاهد من المسلمين كانوا يبنونها فى حياتهم، وكان غرضهم الظاهر من ذلك أن ينالوا بركة أعمالهم الصالحة فى هذه الحياة الدنيا. وكان يقام فى القاهرة فى اليوم الثامن من شهر مايو عيد نصرانى كبير للشهداء، لكن المسلمين كانوا يشتركون فيه حتى القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى؛ انظر كتاب الخطط للمقريزى، جـ ١، ص ٦٨ وما بعدها؛ Die Renaissance des Islam: Mez, ص ٣٩٩ وما بعدها). وعلى الخلاف من أهل السنة تمسكت الفرق من وجوه كثيرة بالمعنى الأصلى للشهيد، فمثلا كان الخوارج يغالون فى طلب الموت محاربة للحكومة التى كانت فى رأيهم جائرة، على حين أن علماء أهل السنة كانوا يرون أن هذا الخروج على الحكومة ليس جهادا تنال من ورائه الشهادة فى سبيل اللَّه. والشهادة تلعب عند الشيعة دورًا فريدًا له أهمية مشهودة، فالحسين رضى اللَّه عنه هو سيد الشهداء عندهم، وهو شاه شهدا (وهذا على نحو ما يعد الحلاج عند الصوفية الشهيد الممتاز) وهنا يجعل الشيعة، بحسب طريقتهم الخاصة، للحسن ملامح تذكر بآلام المسيح ﵇ أو بآلام القديس فرانسيس Francis (التضحية بالنفس عن وعى، وانتقال النور الإلهى إلى بيت النبى [ ﷺ ] وتوارثه فيهم وعدم الموت ونحو ذلك) وهناك كتب كثيرة تتكلم عن الشهداء وتبين آلام الحسين وغيره من آل بيت النبى [ ﷺ ] بيانا مفصلا، وهذا شئ اختص به الشيعة. ومن الكتب المشهورة مثلا كتاب روضة الشهداء للحسين بن على الواعظ الكاشفى الذى ترجم إلى التركية (ترجمه فضولى بعنوان حديقة السعداء) كما ترجم إلى اللغة التركية الشرقية واقتبس منه كثيرًا.

стр. 6260

وتعظيم الشهداء يستلفت النظر فى الهند فى بعض الأحيان حيث يوجد بناء ضخم يسمى "شهيد كنج" وهو فيما يقال قبر ما لا يقل عن مائة وخمسين ألف شهيد. المصادر: (١) The Oriental Doctrine of the Martyrs: A.J.Wensinck، فى Med. Akad Amsterdam، ١٩٢١، مجلد ٥٣، السلسلة أ، رقم ٦ (٢) Muhammed anische Studien: Goldziher، جـ ٢، ص ٣٨٧ - ٣٩١ (٣) كشاف اصطلاحات الفنون، مادة شهيد (٤) Koranische Untersuchungen: Horovits, برلين ١٩٢٦، ص ٥٠ وفى الفقه الحنفى انظر: (٥) ابن الحلبى: ملتقى الأبحر، وعليه شرح: مجمع الأنهر وشرح الدر المنتقى، إستانبول ١٣٢٨ هـ، جـ ١ ص ١٨٨؛ وفى الفقه الشافعى انظر: (٦) حاشية الباجورى، القاهرة ١٣٢١ هـ، جـ ١ ص ٢٦٥؛ وفى الفقه المالكى انظر: (٧) المختصر للخليل بن إسحاق، ترجمة كويدى وسانتلانا، ميلانو ١٩١٩، جـ ١، ص ١٥٣؛ وفى فقه الزيدية انظر: (٨) مجموع زيد بن على، طبعة كريفينى، ص ٧٠ و ٢٣٧. (٩) الميزان للشعرانى، القاهرة ١٣١٧ هـ، جـ ١ ص ١٩٧ (١٠) المدخل لابن الحاج، جـ ٢، ص ١١٦ وما بعدها (١١) Das Muslimische Kriegsrecht: Haneberg ص ٢٣٩ وما بعدها. (١٢) Corpus Inscriptionum Araicarum II. Jerusalem ville: Van Berchem، ص ٨٤ وفى مواضع أخرى. (١٣) المؤلف نفسه فى Churasanische Baudenkmaler: Diez، جـ ١، ص ٨٩ وما بعدها؛ وفيما يتعلق بالشيعة انظر: (١٤) Vorlesungen: Goldziher، ص ٢١٣.

стр. 6261

(١٦) La chaire de la Mosque Festchrifi fair Eduard: Berchem van فى d, Hebron Sachau، برلين ١٩١٥، ص ٣٠١ وما بعدها. (١٧) A Histary of Persian Literature in Modern Times: E.G.Browne كمبردج ١٩٢٤، ص ١٧٢ وما بعدها. (١٨) Iver Lassy: The Muharrammyrteries among the AzerbeijanTurks Of Caucasia رسالة فى هلسينجفورس، ١٩١٦، ص ١٣٢ وما بعدها. (١٩) Grundriss der iranischen Philologie: Geiger-kuhn، جـ ٢، ص ٣٥٨. (٢٠) Das Heillgtum des Husain zu Kerbelo: A.Noldeke، برلين ١٩٠٩، ص ٣٧، ٤٣ أبو ريدة [بيوركمان W. Bjorkman] تعليق على مادة شهيد للأستاذ أمين الخولى ١ - التمييز بين شاهد وشهيد قال كاتب مادة "شاهد": . . . وانظر فيما يتعلق بتطور معنى هذه الكلمة أول مادة "شهيد" وفى مادة "شهيد" هذه يقول كاتبها: ". . . ولا يميز بينها -أى شاهد- وبين كلمة شهيد تمييزًا واضحا". وهكذا نفتقد فى أول مادة شهيد ما أحال عليه كاتب مادة شاهد فلا نجده، بل نجد قوله "ولا يميز بينها وبين كلمة شهيد تمييزًا واضحا". فإن تركنا القول فى عدم الوفاء بما وعد به فى هذه الإحالة، فما أحسبنا نترك القول بعدم التمييز الواضح بين كلمتى شاهد وشهيد، فى اللغة أو فى القرآن، لأن عدم التمييز بين هاتين الكلمتين ليس فى شئ من الدقة، التى يمتاز بها الحس اللغوى للعربية، إذ إن شاهدًا وشهيدًا صيغتان مختلفتان، وإن كانتا من مادة واحدة، ولا يترك التمييز بين الصيغ المختلفة بهذه السهولة! ! ثم إن استعمال كل واحدة من الصيغتين يتدخل فى تمييز معناها، بل إن هذا الاستعمال ليؤثر فى معانى الكلمة الواحدة، حسب إطلاقاتها، ويميز هذه الإطلاقات بالتمييز بين مصادر مختلفة للفعل الواحد، أو جموع مختلفة

стр. 6262

للاسم الواحد، كما هو المعروف؛ فلا يترك التمييز بين صيغتين مختلفتين بهذه السهولة! ! وفوق ذلك كله أن الباحثين فى الفروق قد عرضوا فعلا للتمييز بين شاهد وشهيد، وإليك بيان هذه الاعتبارات الثلاثة فى التمييز الواضح بين اللفظتين: ١ - اختلاف الصيغة: تقول فيه اللغة ما ورد فى اللسان - مادة ش هـ د: "الشهيد الحاضر، وفعيل من أبنية المبالغة فى فاعل". وإلى جانب هذا ما تقرره الصناعة الصرفية من: أن هذه الصفات وإن كانت المشبهة باسم الفاعل، فبينهما تباين، وطريقهما مختلف؛ وذلك أن حسنا مأخوذ هن فعل ماض وأمر مستقر، ومع ذلك فإذا أضفته إلى معموله لا يتعرف، وإن كان ما أضيفت إليه معرفة، وتصف به النكرة، . . . وليس كذلك اسم الفاعل. . . الخ" - راجع ابن يعيش على المفصل. جـ ٦: ٨٢ وهذا واضح فى التفريق بين صيغتى شاهد وشهيد؛ وننظر إلى الاعتبار الثانى، وهو: ٢ - الاستعمال: فنرى أن الاستعمال اللغوى قد جعل "شهيدا" اسما من أسماء اللَّه، ولم يجعل شاهدا من هذه الأسماء؛ والتسمية بهذا دون ذاك تفريق واضح، لا نتوسع بالتعرض له هنا. . . وننظر إلى الاعتبار الثالث، وهو نص فى التفريق: وهو: ٣ - القول فى الفرق بين شاهد وشهيد: فنرى أحد رجال القوم المستشرقين أنفسهم يشارك فى ذلك، وهو الأب هنريكوس لامنس اليسوعى فى كتابه "فرائد اللغة فى الفروق"، ينقل عن فروق الجزائرى، فى هذا ما عبارته "الشاهد: هو بمعنى الحدوث، والشهيد بمعنى الثبوت، فإنه إذا تحمل الشهادة فهو شاهد، باعتبار حدوث تحمله، فإذا ثبت تحمله لها زمانين أو أكثر فهو شهيد" جـ ١: ٢٩ أ - من الفرائد المذكورة. . . وكاتب مادة شهيد أولى بعلم صاحبه هذا. . . وإذا تميز الفرق بين الكلمتين فى اللغة لم يبق مجال لشك فى أن هذا

стр. 6263

التميز واضح فى القرآن لأنه أدق ما يكون الحس اللغوى، فيما عرفت العربية، وهو كتاب إعجازها. ولو اتسع المجال لعرضت استعمالات القرآن للفظتين وبينت فروقها، لكن المجال لا يتسع هنا لذلك. وبتقرر التمييز الواضح بين الكلمتين لا يكون موضع لمعاودة الكاتب تقرير عدم التفريق ثانية بقوله: "قد نسى المعنى القديم لكلمة شهيد وهو الشاهد فى الإسلام". ٢ - مأخذ معنى الشهيد قال كاتب المادة: ". . وليس فى القرآن شواهد على أن كلمة شهيد لها معنى: من يشهد بدمه أو يموت شهيدا، وإنما حاول متأخرو المفسرين أن يستخرجوا هذا المعنى. . الخ. . . " كما قال: "وتطور معنى كلمة شهيد فى دلالتها على من يموت شهيدًا. . . تطور حصل بتأثير جاء من جانب النصرانية -فإن كلمة "ساهدا" السريانية. . . والبحث الذى كتبه فنسنك عن الشهداء فى المشرق يثبت أن التطور الذى وقع فى النصرانية وفى الإسلام قد سار على غرار واحد، حتى فى التفاصيل، وأن نظرية الشهداء فى هاتين الديانتين ترجع أخيرا إلى تراث شرقى قديم يهودى، وإلى آراء من العهد اليونانى المتأخر"، "وقد نسى فيما بعد المعنى القديم لكلمة شهيد، وهو الشاهد فى الإسلام، إلى حد أننا نجد خطأ مطردا، فى تفسير أصل كلمة شهيد من شهد بمعنى رأى، عاين، حضر" وفى هذه الفقرة مجال للنظر: فمن حيث سلامة المنهج البحثى يلحظ: أن دعوى حصول تطور معنى كلمة شهيد إلى من يموت فى سبيل اللَّه حصل بتأثير جاء من جانب النصرانية. . هى دعوى لم يستدل لها ما بعدها من كلام الكاتب، إلا أنه أورد شيئين: ١ - الكلمة "ساهدا" السريانية المرادفة للكلمة اليونانية الواردة فى العهد الجديد. . . وعلى فرض أن صلة لغوية على هذا الوجه، بين العربية والسريانية، بل على فرض أن دلالة لفظ شهيد قد تأثرت بالكلمة السريانية، أو حتى كانت تعريبا لها، وذات صلة بالكلمة اليونانية، فإن كبرى الدليل بعد

стр. 6264

ذلك لم تورد، لأن هذا كله لا يثبت حصول هذا بتأثير من جانب النصرانية! ٢ - وثانى ما أورده الكاتب هو أن البحث الذى كتبه فنسنك يثبت أن التطور الذى وقع فى النصرانية وفى الإسلام قد سار على غرار واحد؛ حتى فى التفاصيل، وأن نظرية الشهداء فى الديانتين ترجع أخيرا إلى تراث شرقى قديم يهودى، وإلى آراء من العهد اليونانى المتأخر. . وهذا كله لا يثبت دعواه أن التطور اللغوى لشهيد حصل بتأثير من جانب النصرانية، بل هو يثبت غير هذا، لأنه يرد التطور فى النصرانية والإسلام جميعا إلى تراث شرقى قديم. . الخ، وقضية التأثير موضع لكلام كثير، وولع القوم برد هذا التأثير إلى اليهودية وغيرها موضع للملاحظة الكثيرة! ! ولم ينصف الكاتب حين اقتصر على هذا من تلخيص بحث فنسنك، كما لم يحسن إلى المنهج بالاعتماد على بحث لغيره دون أن يورد منه موضع الفائدة له، ثم دون أن يعرف تعريفا كافيا بالمرجع الذى يرجع إليه فيه، وقد ضاع منى وقت طويل، وجهد كبير فى البحث عما كتبه فنسنك فى المشرق، وسألت السيد الأستاذ نجيب العقيقى، عما إذا كان فى سجله عن أعمال المستشرقين نبأ هذا البحث لفنسنك، كما سئل الأب قنواتى عما يعرفه عن ذلك البحث الهام، فى شأن مسيحى، ولم يكف هذا للاهتداء إلى بحث فنسنك المحال عليه هنا! ! ونرجع للنظر فى تطور المعنى إلى شهيد أى مقتول فى سبيل اللَّه فلا نجد فى عدم استعمال القرآن له حجة لشئ، لأن من مواد اللغة ما لم يستعمله القرآن -كالأدب- فهل مس ذلك كيان المادة اللغوى أو دلالتها. . ولاعتبار بلاغى أو اجتماعى يصف القرآن الموتى فى سبيل اللَّه بجمل وعبارات دون استعمال لفظة واحدة فى الدلالة عليهم؟ وليس من السهل قبول دعوى الكاتب الجريئة "أننا نجد خطأ مطردا فى تفسير أصل كلمة شهيد من شهد بمعنى رأى، عاين، حضر" ونقول: إنها

стр. 6265

دعوى جريئة مع شعورنا بعدم كفاية ما يساق من بيان لمعنى الشهيد فى سبيل اللَّه من دلالات المادة الأولى كالرؤية والحضور. ولو نظر إلى استعمال القرآن للفظ شهيد، فى مثل النساء: ٧٩، ١٦٦؛ يونس: ٢٩؛ والرعد: ٤٣؛ والإسراء: ٩٦؛ والفتح: ٢٨؛ والعنكبوت: ٥٢؛ والأحقاف: ٨ - لوجد أن قوله فى هذه المواطن: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أو ﴿كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾، يفهم منه غير ما يفهم من شهيد فى مثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، وأمثالها مما يعدى بعلى؛ فالشهيد بينى وبينكم فى معنى الحجة الفاصلة القائمة. وأخذه من الشهود بمعنى الحضور قريب واضح؛ وأما الشهيد على كذا فأقرب لمعنى الشهادة المؤداة. . وإذا أدركنا فى قرب أن لفظ "شهيد" دون تعدية على، فيه معنى الحجة والفصل، وما هو من ذلك بسبيل ثم سمعنا إلى ما ينقل من أن الشهيد "يحاج" قاتله، وذلك فيما ينقل أكثر من مرة، من قول زيد بن صوحان لما استشهد يوم الجمل، لا تغسلوا عنى دما ولا تنزعوا عنى ثوبا فإنى رجل محجاج أحاج يوم القيامة من قتلنى، وقول عمار بن ياسر لما استشهد بصفين: لا تغسلوا عنى دما ولا تنزعوا عنى ثوبا فإنى ألتقى ومعاوية بالجادة؛ وهكذا نقل عن غيرهما؛ فالشهيد حجة الحق، وشهادة على القاتل، وإذا انضم إلى هذا ما فى الشهادة من أن بها قوة القضاء، حتى يعز على الشاهد الحكم فى مثل القولة السائرة: شاهداك قاتلاك، يفهم من قرب أخذ معنى الشهيد فى سبيل اللَّه، من الحجية والمعرفة القوية القاضية بالحق. وهذا وجه بدا لصاحب التعليق حين لم ينجل المأخذ مما رآه من بيانهم لمعنى الشهيد؛ ولم يروجها لضرورة رد هذا المعنى إلى عامل أجنبى؛ وإن كان التفاعل اللغوى لا يجحد، والاتصال بين الأديان لا يرفض. . ٣ - قضايا تنقصها الدقة عرض صاحب المادة فى بيان معنى الشهادة، وتعديد صنوف الشهداء لقضايا تنقصها الدقة فى التعبير وفى المعنى. . ومن ذلك:

стр. 6266

(أ) قوله: "فإنهم -أى الشهداء- وحدهم هم الذين لا يجوز تغسيلهم قبل دفنهم، وهذا رأى دخل، فى الفقه". فما الرأى؟ ! وما الدخول فى الفقه! تعبيران غير دقيقين، فقهيا، وموضع الضعف فيهما تعبيرا ومعنى واضح. . ومن ذلك: (ب) قوله: "ولأصحاب المذاهب الفقهية اختلافات طريفة كل الطرافة أحيانا، من حيث الأساس الذى تقوم عليه، وهى تتعلق بهل يجب غسل الشهيد. . وهل يصلى عليه صلاة الجنازة، وهل يدفن فى ثيابه" الخ ما يورده من هذه المسائل. فما الطرافة كل الطرافة أحيانا، من حيث الأساس الذى تقوم عليه المذاهب الفقهية فى هذه المسائل؟ ! إنها ليست إلا كسائر المسائل الفقهية فى أسسها، والخلاف فيها، والاستدلال لها. . . وعدم مناسبة التعبير، وعدم دقة المعنى واضحة. . ومن ذلك: (جـ) قوله ". . . وقد بحثت مرة مسألة ما إذا كانت الشهادة قد وقعت لهذه الحياة الدنيا أو للحياة الأخرى أو للحياتين معا" وهذه القولة ترد فى ختام ما سبق من طرافة الأساس، وكأنها عنده شاهد على هذه الطرافة، التى توشك أن تدل على أن المراد من الطرافة عنده الغرابة! ! والمتمرس بالتفكير الفقهى لا يجد فى المسألة شيئا من هذا أو ما يشبهه؟ وإنما هو الخلاف بين الفقهاء، فى أحكام الشهيد، يقول فيه الشافعى رضى اللَّه عنه إنه لا يصلى على الشهيد، ومما يحتج به لذلك: أن اللَّه وصف الشهداء بأنهم أحياء، والصلاة على الميت لا على الحى. . ويخالفه الحنفية فيقولون بالصلاة على الشهيد، ويناقشون احتجاج الشافعى هذا، فيقولون: إن الشهيد حى فى أحكام الآخرة. . أما فى أحكام الدنيا فهو ميت، يقسم ميراثه، وتتزوج امرأته بعد انقضاء العدة، وفريضة الصلاة عليه من أحكام الدنيا، فكان فيها ميتا يصلى عليه. . -المبسوط للسرخسى جـ ٢: ص ٥ - ط الساسى- وهو ما يدور بعد ذلك فى كتب الفقه

стр. 6267

الأخرى، وليس البحث فى هذا مرة، ولا هو مخالف لمألوف البحث الفقهى، ولا غريب فى مصادر استدلاله، وطرق ذلك الاستدلال. . ولذا لا نفهم وجها لعبارات كاتب المادة، ونشعر بما ينقصها من الدقة التى تكون عن طول الممارسة للفقه وكتبه. . ومن ذلك: (د) قوله: "وبهذا المعنى يعد من الشهداء مثلا من يموت فى أمراض مثل الطاعون. . . وكذلك من يموت موتا عنيفا إذ يقضى من الجوع أو العطش أو الغرق أو الهدم أو الحريق أو السم. إلخ ما يعد من ذلك فى سياق يوهم أن لهؤلاء أحكام الشهداء الفقهية، التى ساقها؛ وهو قول تنقصه دقة الملاحظة لتعريف الفقهاء للشهيد الذى يعطونه ما ذكروا من الأحكام؛ وبهذا التعريف يخرجون هؤلاء الذين عدهم من أحكام الشهيد الفقهية فى عدم التغسيل، وفى الدفن بالثياب الخ. . .، ويقررون أن لهؤلاء من الغرق والحريق، والمبطون ثواب الشهداء، وهم شهداء على لسان الرسول ﷺ ، لكن لا تجرى عليهم تلك الأحكام الخاصة، فهم يغسلون -انظر المبسوط جـ ٢: ص ٥١؛ والزيلعى على الكنز جـ ١: ص ٤١٧ وغيرهما من كتب الفقه، بل نجد ذلك فى مجموع الإمام زيد، الذى ذكره الكاتب نفسه فى مصادره- انظر ص ٧١، جـ ٢، فقرة ٣٠٩ ط ميلانو. ٤ - ما فى تمنى الشهادة قال كاتب المادة، وبحسب بعض الأحاديث أن كلا من النبى ﵊، وعمر رضى اللَّه عنه تمنى الشهادة؛ لكن علماء أهل السنة لا يحبذون بوجه من الوجوه هذا الطلب للشهادة، بل هم يحاربونه، وذلك لأنه فى قول مقبول ذهب اليه فنسنك يشبه الانتحار، والإسلام ينكر الانتحار". ومسلك الكاتب فى هذا ينقد منهجيا، من حيث اعتماده على غيره، فى قول اطمأن هو إليه فحق عليه أن يعرضه هو عرضه الخاص، ويحتج له بالمصادر الإسلامية الكافية، لا بقول مقبول ذهب إليه فنسنك. . ولأمر ما تكرر هذا الاحتماء من الكاتب بفنسنك، والانتهاء اليه فى الاحتجاج. وقد يبدو شئ من التدافع بين صدر عبارته عن تمنى الرسول [ ﷺ ]

стр. 6268

وعمر الشهادة "ومحاربة أهل السنة لهذا التمنى" ولاسيما حينما نحس قوة عبارته إلى حد العنف، بقوله "بل هم يحاربونه" ولم يتهيأ لى فيما رأيت من كتب الفقه، غير القليلة، فى أكثر من مذهب، أن أقف على ظواهر هذه المحاربة لتمنى الشهادة، وإن كان لهذا أصل فى شرح الحديث عند باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء فى ترجمات البخارى، إذ يقول ابن حجر -فتح البارى جـ ٦، ص ٧، ط الخشاب- ما نصه: "قال ابن المنير وغيره: وجه دخول هذه الترجمة فى الفقه أن الظاهر من الدعاء بالشهادة يستلزم طلب نصر الكافر على المسلم، وإعانة من يعصى اللَّه على من يطيعه؛ لكن القصد الأصلى إنما هو حصول الدرجة العليا المترتبة على حصول الشهادة، وليس ما ذكره مقصودا لذاته، وإنما يقع من ضرورة الوجود، فاغتفر حصول المصلحة العظمى. . . بحصول ما يقع فى ضمن ذلك من قتل بعض المسلمين؛ وجاز تمنى الشهادة، لما يدل عليه من صدق، من وفقت له، من إعلاء كلمة اللَّه، حتى بذل نفسه فى تحصيل ذلك" أ. هـ. ومنه يتبين أن شيئا قيل فى تمنى الشهادة، كما فى نقل ابن حجر؛ لكن ينتهى المحدثون إلى أن يأخذوا من الحديث، استحباب طلب القتل فى سبيل اللَّه -ابن حجر- جـ ٦، ص ١٢. ٥ - شهيد العشق فى سياق ما قدمنا فى الفقرة ٣ - من عبارات تنقصها الدقة، ذكر الكاتب فيما بينه من اتساع مفهوم "الشهيد" اتساعا كبيرا" من عشق فعف وكتم سره مات شهيدا". وهو شهيد ينبغى الوقوف عنده، وكان الظن أن يلتفت كاتب المادة إلى ما قيل فيه لطرافة هذه الشهادة كل الطرافة، لا ما عده هو طريفا، من أحكام الفقه المعتاد! ! وفى شأن هذا الشهيد أدع الكاتب وجها لوجه أمام حافظ إسلامى قديم، عرض لهذه الشهادة فى توسع وإسهاب، وذلك الحافظ هو: ابن قيم الجوزية فى كتابه "زاد المعاد من هدى خير العباد" - جـ ٣: ص ٢٠٦ - ٢٠٨ - ط صبيح. . فقد كتب فأطال عن حديث من

стр. 6269

عشق فعف. فنقد متنه وسنده نقدا مشبعا، وانتهى من نقده لمتن هذا الحديث إلى أنه: "لو كان إسناد هذا الحديث كالشمس كان غلطا ووهما". وهذه فيما يرى طلاب النقد الحديثى للمتن تعتبر سابقة حسنة، ومبدأ هاما فى نقد المتن، الذى لا تصده سلامة السند، ولو كان كالشمس. .! ! وندع هذا إلى موضع التعليق من إيراد كاتب مادة شهيد لهذا الحديث عن شهادة العشق دون شعور بشئ مما قيل فيه؛ مع أن من الطريف أن بعض ما ساقه ابن القيم فى نقد متنه مما يشارك فيه المستشرقون أنفسهم؛ وذلك أن ابن القيم يقول فيما قال من نقد المتن: "ولا يحفظ عن رسول اللَّه [ ﷺ ] لفظ العشق فى حديث صحيح ألبتة". وتلك قضية شارك فى إثباتها المستشرق فنسنك الذى ذكره الكاتب فى مادة شهيد، واعتمد على ما قرره؛ وفنسنك هذا هو صاحب المعجم الحديثى المعروف فى العربية باسم مفتاح كنوز السنة، وقد تتبع فيه مؤلفه إحصاء مفردات أربعة عشر كتابًا من كتب السنة فهرسها. وقد خلا معجمه هذا من مادة -ع ش ق- فشهد ذلك شهادة مستقرئة لقضية ابن القيم أن لفظ العشق لا يحفظ عن رسول اللَّه ﷺ فى حديث صحيح ألبتة. . على أن ابن القيم بعد ما قدم من نقد المتن قد نقد السند أيضا نقدا مفصلا، بعد ما أورد طرق الحديث المختلفة؛ وحسبنا هنا إشارة فقط إلى ما أطال به فى ذلك النقد. . فهو يبين أن راويه سويد بن سعيد قد أنكر عليه أئمة الحديث، العالمون بعلله؛ رموه لأجله بالعظائم، فأنكره عليه ابن معين وقال: هو ساقط كذاب ولو كان لى فرس ورمح كنت أغزوه. كما ساق ابن القيم مع ذلك أحكاما أخرى قاسية على سويد بن سعيد هذا، وإن يكن قد ساق معها بعض أحكام، لمن وثقوه، لكن عابوه بأشياء من عدم الدقة، لأسباب مختلفة. ولا نطيل فى هذا بأكثر مما أوردنا؛ وهو كاف فى التعليق على صنيع كاتب مادة شهيد، وحاجته إلى ضرب من الدقة. . أمين الخولى

стр. 6270

شوشترى سيد نور اللَّه بن شريف المرعشى: كاتب أصيل من كتاب الشيعة، دافع عن الإمامية مناهضا أصحاب الجدل من أهل السنّة؛ كما دافع عن الصوفية أمام منكريها وهم غالبية فقهاء الإمامية. وكان الشوشترى قاضى لاهور، وقد حكم عليه بالزندقة بأمر من جهانكير وضرب بالسياط حتى مات سنة ١٠١٩ هـ (١٦١٠ م) وهو الشهيد الثالث من الإمامية. وقد خلف كتابين لهما شأنهما: الأول بالفارسية واسمه "مجالس المؤمنين" (وقد تم فى لاهور سنة ١٠٧٣ هـ = ١٦٠٤ م) وهو مجموعة سير مدعمة أو فى تدعيم بالوثائق عن أكابر شهداء الإمامية والصوفية فى الإسلام؛ والثانى بالعربية واسمه "إحقاق الحق" وهو فى ردود الإمامية على مخالفيهم. المصادر: (١) Rieu، فهرس المخطوطات الفارسية بالمتحف البريطانى، لندن ١٨٧٩، جـ ١، ص ٣٢٧. (٢) Beitrage zur Literaturgeschichte der Shi'a und der sunnitischen Polemik: Goldziher، فيينا ١٨٧٤. صبحى [ماسينيون L.Massignon] الشيبانى أبو عبد اللَّه محمد بن الحسن بن فرقد، مولى بنى شيبان: فقيه حنفى ولد فى واسط سنة ١٣٢ هـ (٧٤٩/ ٧٥٠ م)، ونشأ فى الكوفة، ودروسا وهو بعد حدث فى الرابعة عشرة على أبى حنيفة، وتأثر به فقصر همه على "الرأى"، ويقال إنه ألقى دروسا فى مسجد الكوفة وهو فى العشرين، واستزاد من علم الحديث على سفيان الثورى (المتوفى سنة ١٦١ هـ) والأوزاعى (المتوفى سنة ١٥٧ هـ) وغيرهما، وخاصة مالك بن أنس (المتوفى سنة ١٧٩ هـ)! وحضر الشيبانى دروس مالك فى المدينة ما يربو على ثلاث سنين؛ على أنه كان مدينا فى علمه بالفقه لأبى يوسف خاصة، غير أنه لم يلبث أن أخذ يطغى على مكانة أبى يوسف بالدروس التى
следующие страницы →