← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

(أ) قوله: "فإنهم -أى الشهداء- وحدهم هم الذين لا يجوز تغسيلهم قبل دفنهم، وهذا رأى دخل، فى الفقه". فما الرأى؟ ! وما الدخول فى الفقه! تعبيران غير دقيقين، فقهيا، وموضع الضعف فيهما تعبيرا ومعنى واضح. . ومن ذلك: (ب) قوله: "ولأصحاب المذاهب الفقهية اختلافات طريفة كل الطرافة أحيانا، من حيث الأساس الذى تقوم عليه، وهى تتعلق بهل يجب غسل الشهيد. . وهل يصلى عليه صلاة الجنازة، وهل يدفن فى ثيابه" الخ ما يورده من هذه المسائل. فما الطرافة كل الطرافة أحيانا، من حيث الأساس الذى تقوم عليه المذاهب الفقهية فى هذه المسائل؟ ! إنها ليست إلا كسائر المسائل الفقهية فى أسسها، والخلاف فيها، والاستدلال لها. . . وعدم مناسبة التعبير، وعدم دقة المعنى واضحة. . ومن ذلك: (جـ) قوله ". . . وقد بحثت مرة مسألة ما إذا كانت الشهادة قد وقعت لهذه الحياة الدنيا أو للحياة الأخرى أو للحياتين معا" وهذه القولة ترد فى ختام ما سبق من طرافة الأساس، وكأنها عنده شاهد على هذه الطرافة، التى توشك أن تدل على أن المراد من الطرافة عنده الغرابة! ! والمتمرس بالتفكير الفقهى لا يجد فى المسألة شيئا من هذا أو ما يشبهه؟ وإنما هو الخلاف بين الفقهاء، فى أحكام الشهيد، يقول فيه الشافعى رضى اللَّه عنه إنه لا يصلى على الشهيد، ومما يحتج به لذلك: أن اللَّه وصف الشهداء بأنهم أحياء، والصلاة على الميت لا على الحى. . ويخالفه الحنفية فيقولون بالصلاة على الشهيد، ويناقشون احتجاج الشافعى هذا، فيقولون: إن الشهيد حى فى أحكام الآخرة. . أما فى أحكام الدنيا فهو ميت، يقسم ميراثه، وتتزوج امرأته بعد انقضاء العدة، وفريضة الصلاة عليه من أحكام الدنيا، فكان فيها ميتا يصلى عليه. . -المبسوط للسرخسى جـ ٢: ص ٥ - ط الساسى- وهو ما يدور بعد ذلك فى كتب الفقه

стр. 6267

الأخرى، وليس البحث فى هذا مرة، ولا هو مخالف لمألوف البحث الفقهى، ولا غريب فى مصادر استدلاله، وطرق ذلك الاستدلال. . ولذا لا نفهم وجها لعبارات كاتب المادة، ونشعر بما ينقصها من الدقة التى تكون عن طول الممارسة للفقه وكتبه. . ومن ذلك: (د) قوله: "وبهذا المعنى يعد من الشهداء مثلا من يموت فى أمراض مثل الطاعون. . . وكذلك من يموت موتا عنيفا إذ يقضى من الجوع أو العطش أو الغرق أو الهدم أو الحريق أو السم. إلخ ما يعد من ذلك فى سياق يوهم أن لهؤلاء أحكام الشهداء الفقهية، التى ساقها؛ وهو قول تنقصه دقة الملاحظة لتعريف الفقهاء للشهيد الذى يعطونه ما ذكروا من الأحكام؛ وبهذا التعريف يخرجون هؤلاء الذين عدهم من أحكام الشهيد الفقهية فى عدم التغسيل، وفى الدفن بالثياب الخ. . .، ويقررون أن لهؤلاء من الغرق والحريق، والمبطون ثواب الشهداء، وهم شهداء على لسان الرسول ﷺ ، لكن لا تجرى عليهم تلك الأحكام الخاصة، فهم يغسلون -انظر المبسوط جـ ٢: ص ٥١؛ والزيلعى على الكنز جـ ١: ص ٤١٧ وغيرهما من كتب الفقه، بل نجد ذلك فى مجموع الإمام زيد، الذى ذكره الكاتب نفسه فى مصادره- انظر ص ٧١، جـ ٢، فقرة ٣٠٩ ط ميلانو. ٤ - ما فى تمنى الشهادة قال كاتب المادة، وبحسب بعض الأحاديث أن كلا من النبى ﵊، وعمر رضى اللَّه عنه تمنى الشهادة؛ لكن علماء أهل السنة لا يحبذون بوجه من الوجوه هذا الطلب للشهادة، بل هم يحاربونه، وذلك لأنه فى قول مقبول ذهب اليه فنسنك يشبه الانتحار، والإسلام ينكر الانتحار". ومسلك الكاتب فى هذا ينقد منهجيا، من حيث اعتماده على غيره، فى قول اطمأن هو إليه فحق عليه أن يعرضه هو عرضه الخاص، ويحتج له بالمصادر الإسلامية الكافية، لا بقول مقبول ذهب إليه فنسنك. . ولأمر ما تكرر هذا الاحتماء من الكاتب بفنسنك، والانتهاء اليه فى الاحتجاج. وقد يبدو شئ من التدافع بين صدر عبارته عن تمنى الرسول [ ﷺ ]

стр. 6268

وعمر الشهادة "ومحاربة أهل السنة لهذا التمنى" ولاسيما حينما نحس قوة عبارته إلى حد العنف، بقوله "بل هم يحاربونه" ولم يتهيأ لى فيما رأيت من كتب الفقه، غير القليلة، فى أكثر من مذهب، أن أقف على ظواهر هذه المحاربة لتمنى الشهادة، وإن كان لهذا أصل فى شرح الحديث عند باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء فى ترجمات البخارى، إذ يقول ابن حجر -فتح البارى جـ ٦، ص ٧، ط الخشاب- ما نصه: "قال ابن المنير وغيره: وجه دخول هذه الترجمة فى الفقه أن الظاهر من الدعاء بالشهادة يستلزم طلب نصر الكافر على المسلم، وإعانة من يعصى اللَّه على من يطيعه؛ لكن القصد الأصلى إنما هو حصول الدرجة العليا المترتبة على حصول الشهادة، وليس ما ذكره مقصودا لذاته، وإنما يقع من ضرورة الوجود، فاغتفر حصول المصلحة العظمى. . . بحصول ما يقع فى ضمن ذلك من قتل بعض المسلمين؛ وجاز تمنى الشهادة، لما يدل عليه من صدق، من وفقت له، من إعلاء كلمة اللَّه، حتى بذل نفسه فى تحصيل ذلك" أ. هـ. ومنه يتبين أن شيئا قيل فى تمنى الشهادة، كما فى نقل ابن حجر؛ لكن ينتهى المحدثون إلى أن يأخذوا من الحديث، استحباب طلب القتل فى سبيل اللَّه -ابن حجر- جـ ٦، ص ١٢. ٥ - شهيد العشق فى سياق ما قدمنا فى الفقرة ٣ - من عبارات تنقصها الدقة، ذكر الكاتب فيما بينه من اتساع مفهوم "الشهيد" اتساعا كبيرا" من عشق فعف وكتم سره مات شهيدا". وهو شهيد ينبغى الوقوف عنده، وكان الظن أن يلتفت كاتب المادة إلى ما قيل فيه لطرافة هذه الشهادة كل الطرافة، لا ما عده هو طريفا، من أحكام الفقه المعتاد! ! وفى شأن هذا الشهيد أدع الكاتب وجها لوجه أمام حافظ إسلامى قديم، عرض لهذه الشهادة فى توسع وإسهاب، وذلك الحافظ هو: ابن قيم الجوزية فى كتابه "زاد المعاد من هدى خير العباد" - جـ ٣: ص ٢٠٦ - ٢٠٨ - ط صبيح. . فقد كتب فأطال عن حديث من

стр. 6269

عشق فعف. فنقد متنه وسنده نقدا مشبعا، وانتهى من نقده لمتن هذا الحديث إلى أنه: "لو كان إسناد هذا الحديث كالشمس كان غلطا ووهما". وهذه فيما يرى طلاب النقد الحديثى للمتن تعتبر سابقة حسنة، ومبدأ هاما فى نقد المتن، الذى لا تصده سلامة السند، ولو كان كالشمس. .! ! وندع هذا إلى موضع التعليق من إيراد كاتب مادة شهيد لهذا الحديث عن شهادة العشق دون شعور بشئ مما قيل فيه؛ مع أن من الطريف أن بعض ما ساقه ابن القيم فى نقد متنه مما يشارك فيه المستشرقون أنفسهم؛ وذلك أن ابن القيم يقول فيما قال من نقد المتن: "ولا يحفظ عن رسول اللَّه [ ﷺ ] لفظ العشق فى حديث صحيح ألبتة". وتلك قضية شارك فى إثباتها المستشرق فنسنك الذى ذكره الكاتب فى مادة شهيد، واعتمد على ما قرره؛ وفنسنك هذا هو صاحب المعجم الحديثى المعروف فى العربية باسم مفتاح كنوز السنة، وقد تتبع فيه مؤلفه إحصاء مفردات أربعة عشر كتابًا من كتب السنة فهرسها. وقد خلا معجمه هذا من مادة -ع ش ق- فشهد ذلك شهادة مستقرئة لقضية ابن القيم أن لفظ العشق لا يحفظ عن رسول اللَّه ﷺ فى حديث صحيح ألبتة. . على أن ابن القيم بعد ما قدم من نقد المتن قد نقد السند أيضا نقدا مفصلا، بعد ما أورد طرق الحديث المختلفة؛ وحسبنا هنا إشارة فقط إلى ما أطال به فى ذلك النقد. . فهو يبين أن راويه سويد بن سعيد قد أنكر عليه أئمة الحديث، العالمون بعلله؛ رموه لأجله بالعظائم، فأنكره عليه ابن معين وقال: هو ساقط كذاب ولو كان لى فرس ورمح كنت أغزوه. كما ساق ابن القيم مع ذلك أحكاما أخرى قاسية على سويد بن سعيد هذا، وإن يكن قد ساق معها بعض أحكام، لمن وثقوه، لكن عابوه بأشياء من عدم الدقة، لأسباب مختلفة. ولا نطيل فى هذا بأكثر مما أوردنا؛ وهو كاف فى التعليق على صنيع كاتب مادة شهيد، وحاجته إلى ضرب من الدقة. . أمين الخولى

стр. 6270

شوشترى سيد نور اللَّه بن شريف المرعشى: كاتب أصيل من كتاب الشيعة، دافع عن الإمامية مناهضا أصحاب الجدل من أهل السنّة؛ كما دافع عن الصوفية أمام منكريها وهم غالبية فقهاء الإمامية. وكان الشوشترى قاضى لاهور، وقد حكم عليه بالزندقة بأمر من جهانكير وضرب بالسياط حتى مات سنة ١٠١٩ هـ (١٦١٠ م) وهو الشهيد الثالث من الإمامية. وقد خلف كتابين لهما شأنهما: الأول بالفارسية واسمه "مجالس المؤمنين" (وقد تم فى لاهور سنة ١٠٧٣ هـ = ١٦٠٤ م) وهو مجموعة سير مدعمة أو فى تدعيم بالوثائق عن أكابر شهداء الإمامية والصوفية فى الإسلام؛ والثانى بالعربية واسمه "إحقاق الحق" وهو فى ردود الإمامية على مخالفيهم. المصادر: (١) Rieu، فهرس المخطوطات الفارسية بالمتحف البريطانى، لندن ١٨٧٩، جـ ١، ص ٣٢٧. (٢) Beitrage zur Literaturgeschichte der Shi'a und der sunnitischen Polemik: Goldziher، فيينا ١٨٧٤. صبحى [ماسينيون L.Massignon] الشيبانى أبو عبد اللَّه محمد بن الحسن بن فرقد، مولى بنى شيبان: فقيه حنفى ولد فى واسط سنة ١٣٢ هـ (٧٤٩/ ٧٥٠ م)، ونشأ فى الكوفة، ودروسا وهو بعد حدث فى الرابعة عشرة على أبى حنيفة، وتأثر به فقصر همه على "الرأى"، ويقال إنه ألقى دروسا فى مسجد الكوفة وهو فى العشرين، واستزاد من علم الحديث على سفيان الثورى (المتوفى سنة ١٦١ هـ) والأوزاعى (المتوفى سنة ١٥٧ هـ) وغيرهما، وخاصة مالك بن أنس (المتوفى سنة ١٧٩ هـ)! وحضر الشيبانى دروس مالك فى المدينة ما يربو على ثلاث سنين؛ على أنه كان مدينا فى علمه بالفقه لأبى يوسف خاصة، غير أنه لم يلبث أن أخذ يطغى على مكانة أبى يوسف بالدروس التى

стр. 6271

كان يلقيها ومن ثم حاول أبو يوسف أن يسعى إلى توليته القضاء فى الشام أو فى مصر، غير أن الشيبانى رفض المنصب؛ واستشاره الخليفة هارون الرشيد سنة ١٧٦ هـ (٧٩٢/ ٧٩٣ م) فى مسألة الإمام يحيى بن عبد اللَّه الزيدى، فأخطأ فى ذلك خطأ أفقده الحظوة عند الخليفة وأصبح الخليفة يشك فى أنه من المتشيعين للعلويين (الطبرى، جـ ٣، ص ٦١٩؛ كردرى جـ ٢، ص ١٦٣ وما بعدها)؛ والحق أنه كان من المرجئة كبعض شيوخه (ابن قتيبة: المعارف، ص ٣٠١؛ الشهرستانى، طبعة Cureton، ص ١٠٨)؛ على أنه ابتعد فيما يظهر عن نشاط الشيعة (الفهرست، ص ٢٠٤)؛ ولم ينصبه هارون قاضيا على الرقة إلا سنة ١٨٠ هـ (٧٩٦ م) وهو أبكر التواريخ التى يمكن القول بها. ذلك أن هارون جعل الرقة قصبة ملكه فى تلك السنة (الطبرى، جـ ٤، ص ٦٤٥)؛ وأقام الشيبانى فى بغداد بعد عزله (١٨٧ هـ = ٨٠٣ م) حتى أمره الخليفة أن يصحبه فى رحلته إلى خراسان (فى رواية أبى حازم المتوفى ٢٩٢ هـ التى استشهد بها كردرى، جـ ٢، ص ١٤٧). وتوفى بها فى السنة نفسها فى رنبويه قرب الرى. وكان الشيبانى من أهل الرأى المعتدلين، وقد سعى إلى الاعتماد فى دروسه على الحديث ما استطاع إلى ذلك سبيلا؛ وكان يعد أيضا من علماء النحو المقتدرين؛ ويذكر من تلاميذه الإمام الشافعى، على أن الشافعى كتب ردا يجادله فيه عنوانه "كتاب الرد على محمد بن الحسن" فى كتاب "الأم" (القاهرة ١٣٢٥, جـ ٧، ص ٢٧٧ وما بعدها)؛ ويرجع الفضل فى انتشار المذهب الحنفى أول ما اشتهر إلى الشيبانى وأبى يوسف. وآثار الشيبانى، التى كتب عليها كثير من الشروح، هى أقدم الآثار التى تيسر لنا الحكم على مذهب أبى حنيفة، وإن كانت تختلف فى كثير من النقاط عن آراء أبى حنيفة؛ ومن أهم آثار الشيبانى "كتاب الأصل فى الفروع" أو المبسوط و"كتاب الجامع الكبير"؛ و"كتاب الجامع الصغير" (طبع بولاق سنة ١٣٠٢ هـ على هامش كتاب الخراج لأبى يوسف) و"كتاب السير الكبير" (طبع مع تعليق السرخسى فى

стр. 6272

أربعة مجلدات، حيدرآباد، ١٣٣٥ - ١٣٣٦)؛ و"كتاب الآثار" (طبع على الحجر فى الهند). ونحن مدينون له أيضا بنسخة من الموطأ لشيخه مالك بن أنس، أضاف إليها نقدا كثيرا، وتختلف هذه الطبعة اختلافا واسعا عن النسخة المألوفة (انظر Muh Studien: Goldziher، جـ ٢، ص ٢٢٢ وما بعدها، وقد طبع فى قازان سنة ١٩٠٩). المصادر: (١) ابن سعد: الطبقات، طبعة sachau، جـ ٧/ ٢، ص ٧٨ (ملخص فى كتاب المعارف لابن قتيبة، طبعة Wustendfeld، ص ٢٥١؛ والطبرى، طبعة ده غوى، جـ ٣، ص ٢٥٢١؛ والنووى: Biograph. Dictionary: ص ١٠٤). (٢) الفهرست، ص ٢٠٣ وما بعدها أما المصادر المتأخرة فحظها من الأساطير كبير. (٣) الخطيب البغدادى، التاريخ، فى السمعانى: كتاب الأنساب، سلسلة كب التذكارية، جـ ٢٠، الورقة ٧٣٤٢. (٤) النووى، ص ١٠٣ وما بعدها. (٥) السرخسى، شرح السير الكبير، المقدمة. (٦) ابن خلكان: الوفيات، جـ ١، ص ٤٥٣ وما بعدها. (٧) الكردرى: مناقب الإمام الأعظم، حيدرآباد , ١٣٢١ هـ، جـ ٢، ص ١٤٦ - ١٦٧ (وهو يشير إلى مصادر قديمة). (٨) ابن قطلبغا، طبعة Flugel، رقم ١٥٩. (٩) Notice sur Moh. b. Hasan J.A: Barbier de Meynard, فى السلسلة الرابعة، جـ ٢٠، ١٨٥٢، ص ٤٠٦ - ٤١٩. (١٠) Classen der Hanafit.Rechtsge lehrten: Flugel، ص ٢٨٣. (١١) Asch Schaibani und sein corpus iuris: Dimitroff فى M.S.O.S. As، جـ ١١، ١٩٠٨، ص ٧٥ - ٩٨. (١٢) G.A.L.: Brockelmann جـ ١، ص ١٧١ وما بعدها. صبحى [هفننك Heffening]

стр. 6273

الشيبانى أبو عمرو إسحاق بن مرار، ويقول أبو منصور الأزهرى إنه كان يعرف بالأحوص، وقد انحدر الشيبانى من أسرة ريفية من الأعيان فى فارس، إلا أنه كان مولى رجل من قبيلة شيبان، ومن ثم عرف بالشيبانى وكان الشيبانى أعظم علماء النحو الكوفيين، وروي أنه إنما سمى بالشيبانى لأنه كان مؤدب أولاد الخليفة هارون الرشيد الذين كانوا يدرسون على يزيد بن مزيد الشيبانى؛ ولا يمكننا أن نتحقق من تاريخ ميلاده إلا على وجه التقريب، على أنه إذا كانت السن التى قيل إنه توفى فيها صحيحة فلا شك أنه ولد قبل سنة ١٠٠ هـ (٧١٩ - ٧٢٠ م). وكذلك لا نعرف تاريخ وفاته على وجه التحقيق، فقد قيل إنه توفى سنة ٢٠٥ و ٢٠٦ و ٢١٣ هـ، والراجح أن سنة ٢١٣ هى السنة التى مات فيها حقا، فقد روى أنه توفى فى اليوم نفسه الذى توفى فيه الشاعر أبو العتاهية والمغنى إبراهيم الموصلى اللذين أدركتهما المنية فى ذلك العام. ولم يشتهر أبو عمرو بالنحو فحسب بل اشتهر أيضا بأنه من رواة الحديث الأثبات، وذكر أنه من الثقات فى "مسند" أحمد بن حنبل؛ وقد تلقى العلم على أشهر شيوخ مدرسة الكوفة وقضى وقتا طويلا بين العرب الرحل يجمع الأشعار والمادة اللغوية، وانتقل إلى بغداد فى أواخر عمره، وقد عمد الشيبانى فى وقت مبكر من حياته إلى جمع طائفة من أشعار القبائل العربية، وكانت هذه المجموعة التى لم تصل إلى أيدينا تشتمل على قصائد ثمانين قبيلة أو نحوها، وقد أفاد منها كثيرا الكتاب المتأخرون الذين جمعوا دواوين الشعر العربى القديم، ونجد اسمه يذكر بانتظام وبخاصة حين يعرض لقصائد لم يكن غيره من النحاة يعرف عنها شيئا. وقد بز أقرانه، باستثناء أبى عبيدة، فى العناية أيضا بالإشارات التاريخية الواردة فى القصائد القديمة التى يبدو أن كثيرين غيره. مثل الأصمعى البصرى، كانوا يجهلونها أو لا يعنون بها خاصة. وكان الشيبانى رجلا تقيا، وليس ثمة ما يدعونا إلى العجب إذ نجده يورد فى بعض الأحيان

стр. 6274

بحسن نية قصائد منحولة على اعتبار أنها قصائد صحيحة، مثال ذلك القصيدة السادسة والستين فى ديوان الأعشى (طبعة Geyer) حيث يبين فيها بأجلى بيان النقل من القرآن. ولم يبق لنا من مصنفاته إلا مصنف واحد هو "كتاب الجيم" الذى كان يروم أن يجعله معجما للغة العربية، إلا أنه لم يتم قط. ولا شك أن "كتاب العين" للخليل بن أحمد هو الذى أوحي إليه القيام بتصنيفه. وقد رتب الشيبانى مصنفه على حروف الهجاء العربية المألوفة، ولكنه لم يتمه إذ بلغ به إلى حرف الجيم فحسب، وتوجد من هذا المصنف نسخة وحيدة فى مكتبة الإسكوريال، وهو من أقدم الكتب فى اللغة العربية ويستحق دراسة خاصة (تجد وصفا موجزا له فى فهرس درنبورغ Derenbourg، رقم ٥٧٢). ويقول كتاب سيرته إنه أبى أن يملى كتاب الجيم على أحد، ولذلك لم تنسخ منه نسخ إلا بعد وفاته. على أن ناسخ مخطوط الإسكوريال الذى لم أتحقق من شخصيته بعد ينتمى إلى عهد أقدم بكثير من العهد الذى ذكره درنبورغ؛ وقد استخدم نسخة عملها الفقيه النحوى السكرى، على أن بعض الأوراق كانت تنقص هذه النسخة، ومن ثم استعان الكاتب بنسخة من عمل أبى موسى الحامد. وكتاب الشيبانى ليس معجما على نحو ما يريد كتاب سيرته أن يلقوا فى روعنا، وإن كانت الكلمات فيه قد رتبت ترتيبا أوليا فى أربعة فصول تشتمل على كلمات تبدأ بالحروف الأربعة الأولى من حروف الهجاء العربية. وثمة أخطاء كثيرة وردت فى الكتاب ومردها المؤلف نفسه. وللكتاب قيمة خاصة، ذلك أنه يجمع بين دفتيه مجموعة كبيرة من العبارات المأثورة عن بعض القبائل. وقد ورد فى السبع والعشرين الصفحة الأولى ذكر ما لا يقل عن ثلاثين قبيلة مختلفة. وما من شك فى ان أبا عمرو قد استخلص الكلمات الغريبة من الدواوين الثمانين القديمة لقبائل العرب التى جمعها. وهذا واضح من استشهاده مثلا بالشاعر كُثَيّر أربع مرات متعاقبات. وإذا بحثنا بحثًا دقيقا فى لسان العرب تبين لنا أن كتاب الشيبانى لم يستعمله أيضا أصحاب المعاجم الذين استند إلى

стр. 6275

آثارهم لسان العرب. ولم يرد فى كثير من الأحوال ذكر الثقات والشعراء الذين استشهد بهم المصنف فى أى كتاب آخر عدا كتابه. وإنى لأرجو أن أُعد طبعة للمصنف كاملا، وهو أعظم أثر من آثار مذهب الكوفيين فى النحو. ويذكر كتاب سيرة أبى عمرو من كتبه الأخرى ما يلى، والظاهر أنها فقدت جميعا: غريب المصنف؛ وكتاب الخيل؛ وغريب الحديث؛ وكتاب الكتاب؛ وكتاب اللغات، وبخاصة كتاب النوادر، وهى مجموعة كثيرًا ما كان الكتاب المتأخرون ينقلون منها كما يشاءون دون الإشارة إلى صاحبها بصفة عامة. ومن تلاميذه المبرزون النحاة الكوفيون: ثعلب وابن السكيت وأبو عبيد القاسم ابن سلام وابنه هو عمرو. ولا تزودنا فهارس المفضليات والنقائض إلا بأمثلة ضئيلة عن مبلغ ما كان يستشهد به الكتاب على اعتبار أنه ثقة فى آداب القدماء. وقد ذكره القالى عدة مرات، مثال ذلك جـ ١، ص ١٣٦ و ٢١١ و ٢٣٨. المصادر: (١) ابن النديم: الفهرست، ص ٦٨. (٢) الزبيدى: طبقات النحاة فى R.S.O، جـ ٨، ص ١٤٥. (٣) الأنبارى: النزهة، ص ١٢٠ - ١٢٥. (٤) ياقوت: إرشاد الأريب طبعة Margolionth فى G.M.S, جـ ٢، ص ٢٣٣. (٥) ابن خلكان، رقم ٨٣، القاهرة ١٣١٠ هـ، جـ ١، ص ٦٥. (٦) ابن حجر: التهذيب، حيدرآباد ١٣٢٧ هـ، جـ ١٢، ص ١٨٣. (٧) السيوطى: بغية الوعاة، ص ١٩٢. (٨) Die graminatischen Schulen: Flugel، ص ٣٩ - ١٤٢. (٩) G.A.L.: Brockelmann, جـ ١، ص ١١٦. صبحى [كرنكو F. Krenkow]

стр. 6276

شيبة، بنو اسم سدنة الكعبة (حجبة الكعبة) الذين كان سلطانهم لا يمتد بحيث يشمل المسجد الحرام كله، أو يشمل حتى بئر زمزم وملحقاتها: وهؤلاء هم بنو شيبة أو شيبان، وعلى رأسهم زعيم أو شيخ. ولا تورد المصادر الحديثة عنهم إلا إشارات موجزة، ويذكر سنوك هركرونى Snouck Hurgronje الأيام التى يفتحون فيها باب الكعبة، ويلاحظ أنهم لا يسمحون بالدخول إلا للمؤمنين نظير مال يؤدونه، ويستشهد بالملحة المكية التى مؤداها: إن بنى شيبة تشرق وجوههم بالابتسام، فلابد إذن أن يكون يوم فتح الكعبة قد حل. ويجد بنو شيبة مصدرا آخر للرزق من بيع الكسوة العتيقة التى يستبدل بها غيرها كل عام بفضل رعايتهم. والأجزاء المقصبة من الكسوة التى يحتفظ بها نظريا للسلطان تعطى من غير مقابل أو مقابل شئ قليل للكبراء الذين يمثلونه فى مكة أو فى الحج. وقد جرى العرف بأن ما تبقى منها (Chroniken d. Stadt Mekka, جـ ٣، ص ٧٢) يعود على الشيبانيين فيبيعونه فى الدكاكين القائمة عند باب السلام (البتنونى، ص ١٣٩). وهو باب بنى شيبة القديم أكبر أبواب المسجد الحرام، وهم يبيعون هناك أيضا المكانس الصغيرة المصنوعة من سعف النخل التى كانت جميعها فيما يزعمون تستخدم فى غسل أرض الكعبة، وهو حفل جليل يفخر أكابر الناس. إذ يشاركون فيه (ابن جبير، ص ١٣٨؛ البتنونى، ص ١٠٩) وكذلك وكل لبنى شيبة الحفاظ على النذور التى يتقرب بها المؤمنون ويزين بها المسجد الحرام من الداخل. وهذا الكنز يشمل أشياء متباينة أشد التباين، من أدوات من الذهب والفضة، إلى أحجار كريمة، ومصابيح كثيرة الزينة، ونذور مقدمة من الذين أسلموا فى بلاد قاصية والحفاظ عليه وكان هذا الكنز يأخذه أمراء مكة وحكامها آنئذ وأيضا بنوشيبة أنفسهم (Le Pelerinage bynes: Gaudefroy-Demom) مع أن الرواية

стр. 6277

تقول إن سيد بنى شيبة قد رد محاولات الخليفة عمر عن الاستيلاء عليه (١) (أسد الغابة، جـ ٣، ص ٨). وبنو شيبة كانوا موكلون بالأستار الداخلية للكعبة، وكانوا فى وقت من الأوقات سدنة مقام إبراهيم الذى كان يُعَد من ملحقات المسجد الحرام. ويعترف الناس بعامة للشيبيين بولايتهم لهذه الوظائف المتباينة اعترافا حتى إن هذا الأمر لا يستلفت النظر. على أن ذلك قد أثار شيئا من اهتمام الكُتَّاب المتقدمين عامة والحجاج خاصة. وأهم الروايات فى هذا الشأن هى روايات ابن جبير سنة ١٨٨٣ م؛ وناصر خسرو سنة ١٢٧٦. وكانت زيارة الكعبة المقرونة بالصلاة ركعتين، إذا تيسر، فى نفس البقعة التى أداهما فيها النبى ﵊ يوم الفتح، عمل من أعمال التقوى، وإن لم يدخل فى مناسك الحج، ولكن الحجاج أنفسهم يأملون من أدائه أن ينالوا مزيدا من الثواب. ويبدو أن تواريخ فتح باب الكعبة للحجاج قد تغيرت قليلا (Le Pelerinage, ص ٦٠ وما بعدها)، ولكن الشعيرة ظلت كما هى لم تتغير. والزعيم وحده هو الذى عنده مفتاح الكعبة، وسأتناول تاريخ ذلك بعد: كان يقيم الشيبانيون الدرج المؤدى إلى الباب القائم فوق مستوى الأرض، ثم يتقدم زعيمهم من الباب، ويحجبه أحد أتباعه عن أنظار المؤمنين وهو يولج المفتاح فى القفل؛ وكان فى القرن الثانى عشر الميلادى (ابن جبير، ص ٩٣؛ Pelerinage، ص ٥٩) يمسك سترا أسود (شعار العباسيين) بيديه المبسوطتين. أما فى القرن الثالث عشر (ناصر خسرو، ص ٢٠٩) فكانت تقام على الباب ستارة يرفعها أحد بنى شيبه ليتيح للزعيم أن يمر ثم يدع الستارة تنزل بعد مروره.

стр. 6278

وقد ستر النبى ﵊ الباب عندما فتحه (اليعقوبى: التاريخ، طبعة هوتسما، جـ ٢، ص ٦١). ويدخل الزعيم، جريا على سنة النبى [ ﷺ ]، وحده أو يصحبه اثنان أو ثلاثة من أتباعه، ويؤدى الركعتين، ثم يفتح الباب للناس وينظم دخولهم، وكان الحجاج الفرس والأندلسيون وغيرهم من مختلف الأقطار يزورون الكعبة، وقد لاحظوا جميعا تلك الكرامة التى تجعل هذا البناء الصغير جدا (*) يأوى هذا العدد الكبير من المؤمنين فى وقت واحد. وقد أحصى ناصر خسرو سبعمائة وعشرين حاجا بين جنباته سواه. واهتم ابن جبير اهتماما خاصا بالكعبة وحجبتها، وكان هناك عندما استقبل سيف الإسلام طغتكين أخو صلاح الدين (ابن جبير، ص ١٤٦، ١٤٧)، إذ دخل المسجد يحف به الجلال وعلى يساره زعيم الشيبيين، وكان رأس من يطوفون به الزعيم محمد بن إسماعيل بن عبد الرحمن (ص ٨١)، وهو يروى لنا أنه حدث أثناء إقامته هناك أن قبض مكثر أمير مكة على الزعيم محمد واتهمه بأنه بلغ من الخسة مبلغا لا يليق بسادن البيت الشريف وصادر أمواله وأقام مكانه أحد أبناء عمومته الذى سرى بين الناس أنه متهم بهذه الرذائل نفسها، وقد رأى ابن جبير بعد حين الزعيم محمدا يعود إلى منصبه بعد أن دفع للأمير خمسمائة دينار، ويسير مزهوا امام باب الكعبة (ص ١٦٣، ١٦٤، ١٦٦، ١٧٦). ولا يدل هذا على أنه كان ثمة أية قاعدة ثابتة تنظم العلاقات بين الأمير وبنى شيبة وقد بعث بنو شيبة فى عهد المتوكل (٨٤٧ - ٨٦١ م) رسلا من قبلهم إلى الخليفة فى بغداد ليعارضوا المقترحات التى تقدم بها والى مكة مثبتين حقهم فى تقرير الأعمال الواجب النهوض بها فى الكعبة؛ وكان الأمر يقتضى من القائم بهذه الأعمال الموفد من قبل الخليفة ألا يلجأ

стр. 6279

إلا إليهم. على أن إسحاق بن سلمة الذى وكلت إليه هذه الأعمال أقبل فى صحبة الحجبة الشيبانيين والعامل وناس من أهل مكة من صلحائهم من القرشيين وصاحب البريد عندما جاء ليقوم بتحرياته الأولى فى هذا الأمر، وكان صاحب البريد فى الحق هو عين الخليفة الذى يخشاه، الناس (Chron.d.Stadt Mekka، جـ ١، ص ٢١٠/ ٢١١). وقد خص بنو شيبة بهذه الميزة منذ عهد جد قديم. ويثبت ذلك مؤرخو القرن التاسع الميلادى ابن هشام، وابن سعد، واليعقوبى، وجامعو الحديث، ولكنهم يحشدون الأدلة على شرعية ذلك على نحو يحمل المرء على الظن بأن هذه الأدلة حديثة تفتح الباب للجدل. وفى الحديث أن قصى جد قريش قد احتفظ بحجابة الكعبة لعبد الدار وأعقابه، وكانت حجابة الكعبة عندما فتحت مكة فى يد عثمان بن طلحة بن أبى طلحة عبد اللَّه بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار (الطبرى، جـ ٣، ص ٢٧٨، أسد الغابة، جـ ٣، ص ٧، ٣٧٢ وما بعدها). على أن ابن سعد (الطبقات، جـ ٥، ص ٢٣١) يذكر رواية أخرى تلقى شكوكا على القرابة القريبة التى تربط عثمان بشيبة، فى حين أن شجرة النسب التى ذكرها الزعيم لابن جبير (ص ٨١) تدخل فى هذه الشجرة جدا يدعى شيبة لا علم للمصادر الأخرى به. ومن التوفيقات السعيدة أن عثمان أسلم يوم الحديبية هو وغيره من وجوه مكة، مع أن عدة أفراد من أسرته هلكوا يوم أحد وهم يقاتلون فى صفوف قريش (الطبرى، جـ ١، ص ١٦٠٤، الأغانى، جـ ١٥، ص ١١؛ ابن سعد، جـ ٥، ص ٣٣١ وما بعدها). وقد صحب عثمان النبى ﵊ إلى الكعبة يوم فتح مكة، وطلب النبى [ ﷺ ] منه مفتاحها. وتقول المصادر بصفة عامة أن عثمان سلمه إليه، ولكن ثمة رواية واحدة (العينى: العمدة، جـ ٤، ص ٦٠٩؛ Chroniken, جـ ١، ص ١٨٧) تقول إن عثمان، وهو حديث عهد بالإسلام، لم يجد بدا من أن يطلب المفتاح من أمه، وكانت مشركة،

стр. 6280

فأبت أن تسلمه إليه. واضطر عثمان إلى تهديدها بأنه سوف يقتل نفسه أمام عينيها. وفى رواية أخرى (Chroniken جـ ١/ ١٨٥) أنها سمعت فى فناء البيت صوتى أبى بكر وعمر يتوعدانها قبل أن تحزم رأيها على تسليمه (ابن خلدون: العبر، جـ ٢، ص ٤٤). ولكن رواية ثالثة لا تزعم أن عثمان أسلم فى العام الثامن للهجرة، تظهره قائما على شرفة الكعبة ممسكا بالمفتاح يصيح فى النبى ﵊: "لو علمت أنه رسول اللَّه لم أمنعه". ولكن عليا تسلق الشرفة ومد يده وأخذ المفتاح وفتح الباب بنفسه. وفى هذه الرواية يبين التشيع للعلويين (الرازى: مفاتيح، جـ ٢، ص ٤٦٠؛ القلقشندى: صبح الأعشى، جـ ٤، ص ٢٦٤). والحديث الشائع أن النبى ﵊، وفى حوزته المفتاح، قد فتح باب الكعبة ودخلها هو وعثمان وبلال وأسامة، وصلى ركعتين فى البقعة التى تعد اليوم أرضا حراما، ثم خرج حاملا المفتاح فى يده. وفى هذه النقطة تختلف الأحاديث مرة أخرى فى التفصيلات، ولكنها تنتهى برد المفتاح لعثمان. ففى رواية: أن النبى [ ﷺ ]، إما مدفوعا بنفسه أو برجاء العباس أو علىّ، قد مال على قوائم باب الكعبة، وقال قولا ختمه كما يلى: "إن كل مأثرة كانت فى الجاهلية ودم ودعوى. وقال مرة: ودم ومال تحت قدمى هاتين إلا ما كان من سقاية الحاج وسدانة البيت فإنى أمضيهما لأهلهما على ما كانت"، فجعل السقاية للعباس وردّ المفتاح لعثمان. وفى رواية أخرى أن النبى ﵊ خرج من الكعبة وهو يتلو الآية ٦١ من سورة النساء التى يذهب رأى، يقول الطبرى: (التفسير: جـ ٥، ص ٨٦) إنه لم يقبله إلا على اعتبار أنه جائز، إلى أنها نزلت فى هذه اللحظة بمناسبة السدانة والسقاية (ياقوت: المعجم، جـ ٤، ص ٦٢٥، الرازى، مفاتيح الغيب، جـ ٢، ص ٤٦٠؛ Chroniken، جـ ١، ص ١٨٦). ولكن عثمان الذى وكل إليه السدانة والمفتاح لم يمارس حقوقه وتبع

стр. 6281

النبى [ ﷺ ] إلى المدينة وتوفى بها سنة ٤٢ هـ (٦٦٢ - ٦٦٣ م) أو قتل يوم إجنادين سنة ١٣ هـ ٦٣٤ م ولم يذكره أحد بعد، ويحتاط الكتَّاب فيجعلون النبى ﵊ يقول: إنه ردّ السدانة إلى عثمان وشيبة وبنى طلحة (أبو المحاسن، جـ ١، ص ١٣٨، النووى، ص ٤٠٧؛ أسد الغابة، جـ ٣، ص ٣٧٢؛ Chroniken، جـ ١، ص ١٨٤). على أن المحاولة التى بذلت لجعل شيبة بن عثمان بن أبى طلحة ابن عم عثمان الشقيق من شهود فتح مكة ليست محاولة موفقة. ذلك أن شيبة لم يكن قد أسلم وقتذاك، ولو أن بعض الكتاب المتأخرين حاولوا فى تردد أن يقولوا: إنه قد أسلم وقت فتح مكة، ولكنهم لم يستطيعوا أن يتخلصوا من القصة التى نمت حول إسلام شيبة يوم حنين بعد ذلك بشهر. فقد راح شيبة يبحث عن النبى [ ﷺ ] لينتقم لأبيه الذى كان قد قتله حمزة يوم أحد، ولكن نورا انبعث من النبى ﵊ فخانت شيبة شجاعته، ووضع النبى [ ﷺ ] يده على صدره فأذهب عنه الشيطان. وأسلم شيبة (اليعقوبى، جـ ٢، ص ٦٤؛ ابن هشام، ص ٨٤٥؛ ابن سعد، جـ ٥، ص ٣٣١؛ الطبرى: التاريخ، جـ ١، ص ١٦٦١, ٣؛ أسد الغابة، جـ ٣، ص ٧؛ Chroniken، جـ ٢، ص ٤٦ وما بعدها) ثم أصبح شيبة سادن الكعبة من غير أن يعلم الكُتاب السبب فى ذلك، وهبّ، أفراد أسرته جميعا إلى مساعدته: أخوه وهب بن عثمان، وأبناء عثمان بن طلحة، وأبناء مسافع بن طلحة بن أبى طلحة الذى قتل يوم أحد، ويختم الأرزقى روايته Chroniken, جـ ١، ص ٦٧) قائلًا: "فولد أبى طلحة جميعا يحجبون" (Chroniken, جـ ١، ص ٦٧). ولكن المحدثين جميعا يقولون إن شيبة هو زعيمهم، وكان هو صاحب السلطة فى هدم كل البيوت المشرفة على الكعبة (Chroniken, جـ ٣، ص ١٥) وهو الذى اصطدم بمعاوية بخصوص بيع بيت، وهو أيضا الذى أراد فى الحجة الثانية لهذا الخليفة ألا يعكر صفوه أحد، فبعث بحفيده شيبة ابن جابر ليفتح باب الكعبة (Chroniken، جـ ١، ص ٨٩) ثم لقد كان هو الذى

стр. 6282

حكم بين أميرى الحج اللذين كان أحدهما نصير علىّ والآخر نصير معاوية. (الطبرى: التاريخ، جـ ١، ص ٢٢٤٨؛ جـ ٣، ص ٢٣٥٢، مروج الذهب، جـ ٩، ص ٥٦/ ٥٧)، وذهب أحد أبنائه: عبد اللَّه أو طلحة ضحية للقسرى الذى كان الناس يمقتونه (Chroniken، جـ ٢، ص ٣٧، ٣٨، ١٧٥). وكذلك كان شيبة هو الذى ذكر فى إحدى روايات الحديث الذى يروى: أن عائشة أرادت أن تفتح الكعبة (Chroniken، جـ ١، ص ٢٢٠، ٢٢٢، ٢٢٣)، وقد دارت مناقشات مع عائشة، فقررت أن من حق الشيبيين أن يبيعوا فضلات من الكسوة بشرط أن ينفقوا ذلك فى سبيل اللَّه (Chroniken، جـ ١، ص ١٨٠، ١٨٢؛ جـ ٣، ص ٧٠ - ٧٢؛ القلقشندى: جـ ٤، ص ٢٨٣). وقد ناقش الفقهاء هذه المسألة على الرغم من الجهود التى بذلها واضعو الحديث، وفى سنة ٦٢٧ هـ (١٢٢٤ م) دفع الملك الكامل ابن أخى صلاح الدين للشيبيين مبلغا معلوما من المال نظير الموارد التى كان يدرها عليهم فتح الكعبة وأجبرهم على فتح بابها للحجيج بلا مقابل (Chroniken، جـ ١، ص ٢٢٦). وتوفى شيبة سنة ٥٧ هـ (٦٧٦ - ٦٧٧ م) أو فى عهد يزيد بن معاوية (الطبرى: التاريخ، جـ ٣، ص ٢٣٧٨؛ ابن سعد، جـ ٥، ص ٣٣١؛ أسد الغابة، جـ ٧، ص ٨). والرواية التى جعلت للشيبيين حجابة الكعبة رواية قديمة لا تزال تتواتر على الألسنة، ماثلة فى اسم الطريق المعقود الذى يبين، فى جوار زمزم: الحد القديم لسور المسجد الحرام فلما وسع هذا الطريق أصبح الباب الجديد، الذى يعرف فى الوقت الحاضر بـ "باب السلام" والذى يقوم فى صف الكعبة والطريق المعقود القديم، يسمى أيضا بـ"باب بنى شيبة" (Pelerinage, ص ١٣٢، ١٣٣) ولكن التاريخ الذى تقررت فيه هذه السنة هى وكثير غيرها ودخلت فيما يعده الإسلام من البدع قد ظل غامضًا. المصادر: انظر المراجع المذكورة فى صلب المادة. خورشيد [ديمومبين Goudefroy-Demombynes]

стр. 6283

شيث (وبالعبرية شيث): الابن الثالث لآدم وحواء (سفر التكوين، الإصحاح الرابع، الآيتان ٢٥ و ٢٦؛ الإصحاح الخامس، الآيات ٣ - ٨)، ورزق به أبوه وعمره ١٣٠ سنة، بعد مقتل هابيل بخمس سنوات. فلما حضرت آدم الوفاة جعل شيثًا خليفته وأوصى إليه، وعلمه ساعات النهار والليل، وقال له: إن الطوفان سيكون فى الأرض، وعلمه أن يعبد اللَّه فى خلوة كل ساعة من ساعات اليوم. وإلى شيث أنساب البشر كلهم، ذلك أن هابيل لم يخلف ورثة، وفقد ورثة قابيل فى الطوفان، وقيل إن شيثًا لم يزل مقيما بمكة يحج ويعتمر إلى أن مات، وإنه كان جمع ما أنزل اللَّه من الصحف إلى صحف أبيه آدم، (عددها خمسون صحيفة) وعمل بها، وإنه بنى الكعبة بالحجارة، والطين. ولما حضرته الوفاة أوصى لابنه أنوش، ومات فدفن مع أبويه فى غار جبل أبى قبيس. وقد عمر شيث ٩١٢ عامًا وفى رواية ابن إسحاق أنه تزوج أخته حزورة. الروايات المتأخرة: دهم المرض آدم فتاقت نفسه إلى شئ من زيتون الجنة وزيتها، فبعث بشيث إلى جبل سيناء يسأل اللَّه ما طلب أبوه، وأمره اللَّه أن يمد كأسه الخشبية فلم تلبث أن امتلأت بما يريد أبوه، فدلك جسمه بالزيت وأكل بعض الزيتون فبرئ من علته. وكان آدم أمرد، وكان شيث أول من نبتت له لحية ويقال أيضا: إنه أوريا الأول (وأوريا لفظ سريانى معناه "معلم" ["أور" فى العبرية معناها النور أو العرفان"])؛ وكان شيث صورة ناطقة من أبيه فى خلقه وخلقه، وكان أحب الأبناء إلى قلب أبويه. وقد قضى الشطر الأكبر من حياته فى الشام، وتقول رواية من الروايات إنه ولد فيها. ومن عهده انقسم بنو آدم فئتين، فئة أطاعته، وأخرى تبعت أولاد قابيل؛ وانتصح بعض أولاد قابيل بنصحه فسلكوا السبيل القويم، أما الباقون فظلوا فى غيّهم. وذكر ميرخواند بعض السنن التى يقال إن شيثًا استنّها لأعقابه (ميرخواند: روضة الصفا، بمباى، ١٢٧١ هـ، جـ ١، ص ١٢ وما بعدها).

стр. 6284

ويكتب الطبرى فى تاريخه الاسم شث وشاث (جـ ١، ص ١٥٣)، ويقول إن شاث هى الصيغة السريانية. ومعنى الاسم شيث "هبة اللَّه" أى بدل هابيل، لأن اللَّه عوض به آدم عن هابيل (سفر التكوين، الإصحاح الرابع، الآية ٢٦). ويقول المقنّع إن روح اللَّه قد انتقلت من آدم إلى شيث (مطهر بن طاهر المقدسى: كتاب البدء والتكوين جـ ٦، ص ٩٦) وهذه الفكرة قالت بها فرقة أدرية، هم الشيثيون الذين كانوا فى مصر منذ القرن الرابع والذين كان فى حوزتهم شرح سنن شيث، وهى إن شئت الدقة سبعة كتب لهذا الأب من آباء البشر وسبعة أخرى لأبنائه سموها "الأغراب" (Haer: Epiphanes، جـ ٣٩، ص ٥). وكان الأدريون يملكون كتب يلدبئوس الصانع Jaldaboath, the Demiurge المنسوبة إلى شيث (Epiphanes المصدر المذكور، جـ ٢٦، ص ٨) وكان فى حوزة صابئة حران عدة كتب تنسب إلى شيث. وقد عرف المانوية القرابة بين شيث وآدم (Les Ecritures manicheennec: Prosper Alfaric) باريس ١٩١٨ ص ٦، ٩، ١٠). والدروز أيضًا ينسبون شيث إلى آدم دائمًا (Drusen, Philip Wolff، ليبسك ١٨٤٥، ص ١٥١، ١٩٣، ٣٧٢ وما بعدها). المصادر: (١) الطبرى: تاريخ، جـ ١، ص ١٥٢ - ١٦٨ و ١١٢٢، ١١٢٣ (٢) ابن الأثير Chronicen، طبعة Tcmberg، جـ ١، ص ٣٥ و ٣٩ (٣) الثعالبى: عرائس المجالس، طبعة على الحجر، ١٢٧٧ هـ، ص ٤٢. صبحى [إيوار cl.Huart] شيخ الإسلام لقب من ألقاب التشريف التى ظهرت أول ما ظهرت فى النصف الثانى من القرن الرابع الهجرى، وقد كان يحمل الألقاب الأخرى التى يدخل فى تركيبها كلمة إسلام (مثل عز الإسلام، وجلال الإسلام، وسيف الإسلام) أشخاص يتولون السلطة الزمنية (ونخص بالذكر منهم وزراء الفاطميين؛ انظر Van Berchem فى Zeitschr. des Deutsch palastinavereins، جـ ١٦، ص ١٠١)،

стр. 6285

على حين أن لقب شيخ الإسلام كان دائمًا مقصورًا على العلماء والمتصوفة شأنه شأن ألقاب التشريف المركبة الأخرى التى يبدأ جزوها الأول بكلمة شيخ (مثل شيخ الدين؛ وقد لقب ابن خلدون الفقيه أسد بن الفرات بلقب "شيخ الفتيا" انظر المقدمة، ترجمة ده سلان، جـ ١، ص ٧٨). وكان لقب شيخ الإسلام من دون هذه الألقاب جميعا هو أوسعها استعمالا. وهكذا نجد فى القرن الخامس الهجرى أن رأس فقهاء الدين الشافعية فى خراسان إسماعيل بن عبد الرحمن قد لقب بشيخ الإسلام الذى تمثلت فيه خير صفات هذا اللقب (انظر أيضا الجوينى: جهان كشا، جـ ٢، ص ٢٣ حيث وردت فى هذا الكتاب إشارة إلى "شيخ الإسلام خراسان")، ونجد فى هذا العهد نفسه أن أنصار الصوفى أبى إسماعيل الأنصارى (١٠٠٦ - ١٠٨٨ م) قد لقبوه بهذا اللقب (السبكى: الطبقات، القاهرة ١٣٢٤ هـ، جـ ٣، ص ١١٧؛ جامى: نفحات الأنس، طبعة Lees، كلكته ١٨٥٩، ص ٣٣، ٣٧٦). وكذلك لقب بهذا اللقب فى القرن السادس الهجرى فخر الدين الرازى. ونذكر من بين من لقبوا بشيخ الإسلام فى القرون التالية: الشيخ الصوفى صفى الدين الأردبيلى (Persian Literature in Modern Times: Browne، ص ٣٣) والمتكلم التفتازانى. على أن لقب شيخ الإسلام أصبح فى مصر والشام لقب تشريف (ولكنه ليس لقبا رسميا) لا يطلق إلا على الفقهاء وبخاصة أولئك الذين أكسبتهم فتاواهم شهرة أو اعترافا من جمهور الفقهاء بالفضل، وكان ذلك على وجه خاص فى أوائل العهد المملوكى. ومن ثم فإن خصوم ابن تيمية فى المناظرات التى أثارتها أقواله، قد أنكروا عليه لقب شيخ الإسلام الذى خلعه عليه أنصاره. وإن المجددين فى أيامنا هذه المتأثرين بابن تيمية وابن قيم الجوزية يصورون هذين الفقيهين فى صورة إمامين من أئمة الدين جديرين حقا بأن يلقبا بلقب شيخ الإسلام (المنار، جـ ١ ص ٢٤، فى قول Die Richtungen der islamischen Koranaus legung: Goldziher، ص ٣٣٩) ومن ثم فإن شيخ الإسلام أصبح حوالى سنة ٧٠٠ هـ (١٣٠٠ م)

стр. 6286

لقبا يستطيع أى مفتٍ له بعض النفوذ أن يتلقب به. ويقول محمود بن سليمان الكفوى المتوفى سنة ١٥٨٢ م فى تراجمه لفقهاء الحنفية: "الأعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار" (Gesch. der Arab Litt.: Brockelmann, جـ ٢، ص ٨٣) إن من يلقب بشيخ الإسلام من أصحاب الفتيا هم أولئك الذين يفصلون فى المسائل الخلافية ويبتون فى الأمور التى تتعلق بالصالح العام (وفقا لقول على أميرى فى علميه سالنامه سى، ص ٣٠٦). وهكذا نجد فى مصر وروسيا حتى يومنا هذا (١)، وفى تركية حتى القرن الثامن عشر (انظر أوليا جلبى: سياحتنامه فى مواضع مختلفة) أن أصحاب الفتيا، سواء كانوا من أهل السنة أو من الشيعة، إذا بلغوا شيئًا من النفوذ جاز أن يلقبوا بهذا اللقب، على أن تطور اللقب فى فارس كان على خلاف ذلك، فقد أصبح شيخ الإسلام هناك سلطة قضائية يرأس فى كل قرية ذات شأن محكمة دينية مؤلفة من الملا والمجتهدين. وكان شيخ الإسلام فى عهد الصفويين يعينه صدر الصدور (Les six Vayages: Tavernier باريس ١٦٧٦ م، جـ ١ ص ٥٩٨؛ Persia: Curzon، لندن ١٨٩٢، جـ ١، ص ٤٥٢، ٤٥٤). بيد أن هذا اللقب بلغ أوج مجده بعد أن أطلق بخاصة على مفتى الآستانة الذى اكتسب منصبه فى دولة سلاطين آل عثمان بمرور الزمن أهمية سياسية ودينية لا نظير لها فى الدول الإسلامية الأخرى. وفى القرون الأولى من حكم الدولة العثمانية كان نفوذ مشايخ الصوفية يفوق كثيرًا نفوذ العلماء، فلما أعاد محمد الأول تنظيم الدولة، قام صراع عنيف بين النفوذ الجديد لأهل السنة وبين نفوذ الشيعة المتصوفة (مثال ذلك حادث بدر الدين محمود) وانتهى هذا الصراع بغلبة أهل السنة فى عهد سليم الأول. والظاهر أن أصحاب الرواية التاريخية العمليون قد تجاهلوا هذا التطور، ولا مناص من قبول روايتهم فى شئ كثير من التحفظ، على حين أن المصادر القديمة

стр. 6287

لا تزودنا فى هذا الشأن إلا بمعلومات قليلة. وهكذا نجد أن مجموعة التراجم المعروفة بالشقائق النعمانية (كتبت فى عهد سليمان الأول) قد صنفت معبرة عن وجهة نظر أهل السنة فحسب، على أنه يتبين لنا منها بأجلى بيان أن معظم الفقهاء القدامى فى البلاد العثمانية قد درسوا فى مصر أو فى فارس وتلقوا العلم على شيوخ من العرب أو الفرس. وكان بعض من تولوا الإفتاء فى الآستانة من الأجانب مثل فخر الدين العجمى (تولى الإفتاء من سنة ١٤٣٠ - ١٤٦٠ م) وعلاء الدين العربى. وتجعل الروايات المتأخرة الشيخ إده بالى حما عثمان أول مفت تولى الإفتاء فى البلاد العثمانية (علميه سالنامه سى، ص ٣١٥)؛ وهى تزعم أيضا أن مفتى الأنام قد تعين فى عهد مبكر يرجع إلى أيام مراد الثانى وعقدت له الرياسة على جميع المفتين الآخرين (سجل عثمانى، جـ ١، ص ٦)، وأن محمدًا الثانى بعد فتح القسطنطينية قد خلع اللقب الرسمى: شيخ الإسلام على مفتى القصبة الجديدة: خضر بك على، وجعل له فى الوقت نفسه الرياسة على قاضيى العسكر (d'Ohssnn von Hammer)، ولكن ليس بين أيدينا أى شئ يدل على أن المفتى كان قد غدا شخصا له شأن كبير فى تلك الأيام. وفى رواية الشقائق النعمانية أن خضر بك هذا، لم يكن إلا قاضى إستانبول فحسب، على حين كان فخر الدين العجمى هو المفتى (الشقائق، ص ١١١، ٨١). وإذا كنا نجد من بعد أن المترجم لشيوخ الإسلام فى كتاب "دوحة المشايخ" يبدأ تراجمه بالمفتى محمد شمس الدين الفنارى المتوفى سنة ١٤٣٠ م فإنما فعل ذلك فيما يظهر جريا على ما قضى به العرف فحسب. ولم يبدأ نفوذ مفتى إستانبول العظيم يظهر إلا على أيام سليم الأول فى الأربع والعشرين السنة التى تولى فيها هذا المنصب المفتى المشهور زمبللى على جمالى أفندى وفى عهد زمبللى (تولى منصب المفتى من سنة ١٥٠١ إلى ١٥٢٥ م) كان قاضيا العسكر لا يزالان لهما السبق عليه لأنهما كانا يجلسان فى الديوان السلطانى، أما المفتى فكان لا يجلس فيه (الشقائق، ص ٣٠٥)، على أننا نجد خبرا يقول: إن جمالى أفندى هذا

стр. 6288

رفض أن يقبل من السلطان سليمان الأول ما عرضه عليه من تولى منصبى قاضيى العسكر مجتمعين (الشقائق، ص ٣٠٧). والظاهر أن مفتى إستانبول لم يكتسب السلطان على جميع علماء الدولة العثمانية لا ينازعه منازع إلا فى عهد سليمان، ويدخل فى ذلك جميع القضاة على اختلاف درجاتهم. وكان هذا المفتى فى قول دوسون وفون هامر هو جوى زاده محيى الدين أفندى على أنه لا مناص لنا من أن نلاحظ أن جوى كان أيضا أول مفت صرفه السلطان عن منصبه (فى سنة ١٥٤١ م). وكان ارتفاع شأن مفتى إستانبول على أية حال أمرًا متعلقًا بشخصه لا تفرضه إرادة السلاطين السامية، ويتجلى ذلك فى اتخاذه من تلقاء نفسه لقب شيخ الإسلام الذى كان يحمله فى هذا العهد كثير من المفتين ونستطيع أن نبحث عن تفسير لهذا التطور فى عدة نواح. فمن ناحية نجد ذلك الفرض الخلاب الذى قال به ديمومبين Gau-defroy-Demombynes, فهو يرى تشابها عجيبا بين منصب مفتى إستانبول وبين الخليفة العباسى فى بلاط سلاطين المماليك قبل أن يفتح الترك مصر (La Syrie، باريس ١٩٢٣ , ص ٢٢) ومن ناحية أخرى نجد أن تنظيم علماء الدولة العثمانية تحت رياسة شيخ من رجال الدين قد يكون متأثرا من وجه بطبقات رجال الدين النصارى فى الامبراطورية البوزنطية يرأسهم بطرق يشرف على شئون النصارى جميعا، ثم أننا قد نرى فى منصب شيخ الإسلام بقية من السنة الصوفية الدينية القديمة فى الدولة العثمانية، وهى سنة كانت تقتضى أن يقوم إلى جانب السلطة الزمنية، سلطة دينية ليس لها سلطان قضائى، ولكنها تمثل ما نستطيع أن نسميه الضمير الدينى للناس. وهذا الفرض الأخير قد يفسر لنا ثبات منصب شيع الإسلام على مدى القرون التى تلت ذلك على الرغم من أن السلطان كان من سلطته أن يصرف صاحب اللقب عن منصبه، وهى سلطة لجأ إليها السلاطين كثيرًا. وقد بلغ الأمر بالسلطان عثمان الثانى (١٦١٨ - ١٦٢٢ م) أن حرم المفتى جميع امتيازاته

стр. 6289

لرفضه إصدار فتوى بتحليل أن يقتل الأخ أخاه، ولكن هذه الامتيازات ردت إلى المفتى فى عهد خلفه. وقد أمر مراد الرابع بقتل المفتى آخى زاده حسين (١٦٣٢) دون أن يرعى حرمة لجلال المنصب. وكان المفتى عبد الرحيم أفندى هو الذى عمل على خلع إبراهيم الأول وقلله بعد ذلك بستة عشر عاما، ولو أن فعلته هذه قد أفقدته منصبه. وكان آخر مفت استطاع أن يحتفظ بمنصبه سنين طوالًا متعاقبة هو أبو السعود (١٥٤٥ - ١٥٧٤ م). وقد تعاقب على المنصب بعد ذلك عدة أشخاص لم تدم ولايتهم له إلا فترات قصيرة قدرها ثلاث سنوات أو أربع فى المتوسط. ومنذ بداية القرن السادس عشر الميلادى، أصبح من الممكن أن يتولى الشخص الواحد منصب المفتى عدة مرات. أما التغيير المطرد الذى ألم بهذا المنصب، فقد أصبح شيئا فشيئا متصلا بالمؤامرات السياسية التى يدبرها الصدور الأعظمون، وحريم السلطان، والانكشارية، وهى مؤامرات كان يتورط فيها المفتون أنفسهم تورطا كبيرًا مثل المفتى المشهور قره جلبى زاده، على أن أغلب هؤلاء كانوا من أهل الاستقامة، ولو أن استقلالهم السياسى أصبح فى معظمه وهما من الأوهام. وغدا المفتون جميعا منذ أوائل القرن السادس عشر من أهل البلاد العثمانية وكانوا ينتمون، شأن العلماء كلهم، إلى أسر من المسلمين، وهم يتميزون فى ذلك عن كبار عمال الدولة وكبار ضباط الجيش الذين كانوا فى كثير من الأحوال من أبناء نصارى جندتهم الدوشرمه. وبعد ذلك كان المفتون ينتمون فى بعض الأحيان إلى أجيال مختلفة من أسرة واحدة. وكانوا فى الغالب يحصلون على المشيخة الإسلامية (مشيخت إسلامية) بعد أن يتقلبوا فى مناصب القضاء العليا ومن ثم فإن معظم المفتين كانوا من قبل قضاة عسكر قبل أن يلوا منصب الإفتاء. وقد خلقت هذه السنة غيرة طائفية بين العلماء وشيخهم، بدت كثيرًا فى صفحات التاريخ. واختلف الأمر فى منصب شيخ الإسلام عن السنة التى

стр. 6290

استقرت بمضى الزمن بالنسبة لوظائف القضاء العليا، فلم يعد هذا اللقب يمنح لشخص إلا إذا قبل المنصب فعلا (ولا نعرف استثناء لذلك إلا حالتين اثنتين). وتجلى جلال منصب شيخ الإسلام فى الدولة فى المحافل الرسمية، فقد كان يعد فى نظر قانون المراسم أبا حنيفة زمانه لا يتقدم عليه إلا الصدر الأعظم. وفى القرن الثامن عشر لم يكن يفرض على المفتى أن يؤدى الزيارة إلا للصدر الأعظم فحسب؛ وكانت زيارته للصدر الأعظم وللسلطان تتبع فيها مراسم دقيقة وكذلك حددت حقوق وواجبات المفتى فى المحافل الدينية، مثل دفن السلطان، وبيعة السلطان الجديد وارتقائه أريكة السلطنة. وكان له عدة ألقاب أخرى علاوة على لقب شيخ الإسلام أقدمها استعمالا مفتى الأنام، ثم أعلم العلماء، وبحر علوم شتى، وأساس أو أفضل الفضلاء، وصدر الصدور، ومسند نشين (١) فتوى. وكان ملبسه يتميز دائما بالبساطة. وكان المفتى المتقدم فى العهد ملاخسرو (المتوفى سنة ١٤٨٠ م) يضع عمامته فوق تاج الأمام الأعظم (الشقائق النعمانية، ص ١٣٧). وكان المفتى من بعد يرتدى قفطانا أبيض موشى بالفراء وعمامة مزينة بشريط من القصب (وثمة عدة صور لملبسه فى كتب من قبيل voyage pittoresque de la Grece: Choiseul Gouffier، جـ ٢، ص ٤٩). وكانت الوظيفة السياسية لشيخ الإسلام مقصورة فيما مضى على سلطانه فى إصدار الفتاوى. ولم يلبث أن حل محله فى إجابة الأفراد ما يسألونه من فتاوى أمين الفتوى (مفتى أمينى انظر ما يلى)، على أن الفتاوى التى يصدرها المفتى فى المسائل السياسية أو الأمور التى تتعلق بالصالح العام كان لها شأن خطير. ونضرب مثلا للنوع الأول: الفتوى التى أصدرها على جمالى فى شأن الحرب التى شنت على مصر (١٥١٦ م) والفتوى التى أصدرها أبو السعود بخصوص الحرب على البندقية (١٥٧٠ م). وفى عهد السلطان عثمان

стр. 6291

الثانى أبى المفتى أسعد أفندى أن يصدر فتوى يحلل فيها أن يقتل الأمير من العثمانيين أخاه. ومن الأمثلة على الفتاوى من النوع الثانى الفتوى التى أصدرها أبو السعود فى إباحة شرب القهوة والفتوى التى أصدرها عبد اللَّه أفندى فى شأن إقامة مطبعة (فى سنة ١٧٢٧؛ انظر Stambuler Buchwesen: Bahinger، ليبسك ١٩١٩، ص ٥)، والفتوى التى أصدرها أسعد أفندى بشرعية النظام الجديد الذى سنه سليم الثالث. وكان المفتون يشاركون بفتاواهم أيضا فى التشريع السلطانى بالإفتاء بشرعية القوانين المختلفة (قانوننامه؛ مثل قانون سليمان الأول الذى صدق عليه جميعا أبو السعود؛ انظر: مللى تتبعلر مجموعة سى" ١٣٣١ م، جـ ١، العددين ١ و ٢). زد على ذلك أن العرف جرى بأن يستشار شيخ الإسلام فى جميع المسائل السياسية ذات الشأن. ومن ثم كان المفتون فى معظم الأحوال محمودى الأثر فى المسائل العامة، ولو أنهم كانوا بتدخلهم الشخصى يقاسون فى كثير من الأحيان من عسف السلطان. ويعزى تدهور الدولة العثمانية فى بعض الأحيان إلى روح الرجعية التى يتسم بها نظام مشيخة الإسلام. ومع ذلك فإن من الأمور الواجب ذكرها، أن المفتين بدوا أقل رجعية من معظم رجال الدين، واستطاعوا بتدخلهم الشخصى أن يمنعوا أحكاما تقوم على التعصب والتعسف (مثال ذلك؛ معارضة أبى السعود فى حمل جميع النصارى على الدخول فى الإسلام قهرًا وغصبًا). صحيح أن شيخ الإسلام فى الدولة العثمانية أيام القرنين التاسع عشر والعشرين لم يعد له الشأن السياسى المعهود، إلا أنه كان يلجأ فى بعض الأحيان إلى السلطة المأثورة لهذا المنصب حين تدعو السياسة إلى ذلك. مثل الذى حدث عند خلع السلطان عبد الحميد سنة ١٩٠٤. وإعلان الجهاد سنة ١٩١٤ والفتوى التى صدرت ضد الوطنيين فى أنقرة سنة ١٩٢٠. ولم تكن الفتوى التى صدرت سنة ١٩١٤ مقصورة على سياسة الدولة العثمانية

стр. 6292

فحسب بل كانت موجهة أيضًا إلى العالم الإسلامى بأسره، وتكشف هذه الحقيقة عن تصور جديد أشمل لفكرة الجامعة الإسلامية التى تنطوى عليها مشيخة الإسلام العثمانية وهو تصور نما على ما يظهر فى تركية فى غضون القرن التاسع عشر. والراجح أنه كان متصلا بالنظريات الجديدة فى الخلافة. وكما هى الحال بالنسبة لهذه النظريات فإننا نجد أن أول من عبر عن فكرة ما لشيخ الإسلام من أهمية كبرى فى نظر العالم الإسلامى بأسره هم الكتَّاب الأوربيون النصارى فقد قارنه رحالة القرن السادس عشر (مثل ريكو Ricaut) بالبابا وعده فولنى (Volney: Voyage en syrie، باريس ١٧٨٩/ ١٧٩٠ م، جـ ٢، ص ٣٧١)، الممثل الروحى لسلطة الخليفة فى نظر العالم الإسلامى جميعًا. والحق أن فتوى المفتى هى، من الناحية الشرعية، موجهة إلى كل مسلم يريد أن يتبعها، ولكنه لم يحدث إلا فى سنة ١٩١٤ أن بذلت المحاولة التى ترمى إلى الاستفادة من السلطة الروحية العالمية التى نسبها فى ذلك الوقت النصارى والمسلمون على السواء لشيخ الإسلام فى الآستانة (Verspride GesChriften: Snouch Hurgronje، جـ ٣، ص ٢٧٢). وكان للمفتى، بوصفه رأس طبقة العلماء الحق فى أن يرشح لأشخاص السلاطين من يقتضى الأمر تعيينهم فى مراتب القضاء الستة العليا ولم يكن هو نفسه يتولى القضاء إلا فى أندر النادر. فلما شرعت الإدارة فى الدولة العثمانية تأخذ بالأساليب الحديثة أنشئت بالتدريج مصلحة إدارية على رأسها شيخ الإسلام، وما إن وافى هذا الوقت حتى كان ثمة عدة أشخاص يساعدون المفتى فى أداء واجباته الكثيرة، مثل الكتخدا أو الكيايا الذى يستطيع أن يمثل المفتى، والتلخيصجى الذى كان وكيله فى الحكومة، والمكتوبجى أى كاتب السر العام؛ وأمين الفتوى (فتوى أمينى) الذى نيط به إعداد الفتاوى التى يطلبها الجمهور ويتولى إصدارها. وكان لكل هؤلاء العمال مناصبهم؛ وفى عهد "التنظيمات" أحكمت روابط هذا النظام الإدارى، وجعل مقر شيخ الإسلام الرسمى فى المكان الذى كان مخصصًا

стр. 6293

من قبل لأغا الإنكشارية. وكانت تقوم فى هذا الديوان الذى سمى من ثم: "شيخ الإسلام قابيسى أو باب فتوى" إدارات مصلحته حتى ألغى هذا المنصب. وكانت هذه المصلحة تتولى إدارة وتصريف أمور جميع الهيئات التى قوامها الدين إلا إدارة الأوقاف. وهكذا أصبح شيخ الإسلام زميل رؤساء سائر المصالح التى أنشئت فى غضون القرن التاسع عشر، وغدا وزيرا فى الوزارة يبقى فى منصبه ما دامت الوزارة التى هو عضو فيها باقية فى الحكم؛ وكذلك احتفظ شيخ الإسلام بالسبق على سائر الوزراء، وقد نص على ذلك فى المادة ٢٧ من دستور مدحت باشا الذى صدر سنة ١٨٧٦، وورد فى أحكامه أن السلطان هو الذى يختار الصدر الأعظم وشيخ الإسلام بنفسه، أما سائر الوزراء فيعينهم الصدر الأعظم. وكان الصدر الأعظم وشيخ الإسلام، منذ عهد مبكر يرجع إلى القرن الثامن عشر، هما الوحيدان من عمال الدولة اللذين يتقلدان منصبيهما فى حضرة السلطان. وكان نفوذ شيخ الإسلام يضمحل كلما أمعنت الدولة العثمانية فى إسباغ الطابع الدنيوى على نظام الإدارة فيها. فلما أنشئ مجلس الشورى (شوراى دولت) سنة ١٨٣٩ حرم شيخ الإسلام الشئ الكثير من سلطانه على شئون السياسة الداخلية، وكذلك جوده إنشاء محاكم مدنية وجنائية جديدة يشرف عليها وزير عدل جديد (عدلية نظارتى) قدرًا آخر من هذا السلطان. وقد اتخذت سلسلة من الإجراءات التشريعية حددت اختصاص القضاء بما يتفق مع قيام محاكم الشريعة والمحاكم النظامية. وكان هذا التطور جزءًا بارزًا من الإصلاحات الدينية التى استحدثها رجال تركية الفتاة (انظر مثلا قصيدة "شيخت" لضياكوك ألب، ص ٦٢ من Aus der Religibsen Reformbewegung in der Turkei بقلم Dr. A. Fischer ليبسك ١٩٢٢) وبلغ غايته المحتومة حين نقلت حكومة حزب تركية الفتاة سنة ١٩١٩ تبعية المحاكم الشرعية جميعا إلى وزارة العدل، كما نقلت تبعية المدارس إلى وزارة المعارف؛ وقد كان المبرر لهذه الخطوة هو التمشى مع القانون العام الحديث فقد أعلن أن الغرض من ذلك هو تجنب الأخطاء التى ارتكبت فى عهد

стр. 6294

التنظيمات وجعل المشيخة الإسلامية مصلحة تتولى الأمور الدينية الصرفة فحسب (انظر مثلا جريدة طنين، ٣١ اكتوبر و ٢ نوفمبر سنة ١٩١٦). وكانت هذه الروح هى التى أملت إنشاء إدارة فى المشيخة سنة ١٩١٧ تدعى "دار الحكمة الإسلامية" تتسم وظيفتها بالدعوة إلى الدين. ومع ذلك فإن الإصلاحات التى أحدثها حزب تركية الفتاة ألغيت بعد إبرام هدنة مدروس فى ٢ نوفمبر سنة ١٩١٨. على أنه ما إن حل هذا الوقت حتى كان عمر المشيخة قد أشرف على النهاية، ذلك ان كل ما تبقى فى الآستانة من الإدارات الحكومية القديمة للدولة العثمانية قد ألغى فى نوفمبر سنة ١٩٢٢، وجمع عمال الحكومة الجديدة بأنقرة فى أيديهم اختصاصات هذه الإدارات، ولم يعد يدخل فى هذه الحكومة مشيخة للإسلام. صحيح أنه قد أنشئت عند قيام هذه الحكومة "وكالة شرعية" (شرعية وكالتى) إلا أن نزعة المجلس الوطنى الكبير المناهضة لنظام مشايخ الدين لم تكن لتسمح ببقاء صورة من صور المشيخة الإسلامية، فاستبدل بها إدارة متواضعة يقال لها "ديانت إشلرى رئيسلى" بحكم قانون أقره المجلس الوطنى الكبير فى ٣ مارس سنة ١٩٢٤، وهو اليوم الذى ألغيت فيه الخلافة العثمانية. ونجد أوفى وصف لمنصب شيخ الإسلام على أواخر أيامه فى "علمية سالنامه سى" الذى نشرته سنة ١٣٣٤ هـ (١٩١٦ م) مشيخة الإسلام التى كانت حينذاك تحظى برياسة مصطفى خيرى أفندى الحازمة. وكانت أهم) إداراتها: "فتوى خانه" و"مجلس تدقيقات شرعية" وهى نوع من محاكم النقض للمحاكم الشرعية؛ وإدارة للإشراف على شئون المدارس (درس وكالتى ومصالح طلبية)؛ وإدارة تتولى شئون الفرق الصوفية (مجلس مشايخ)؛ وإدارة لبيت المال (أموال أيتام). وكان ثمة أيضا أقسام إدارية للمحفوظات والمكاتبات والحسابات، وكانت الولاية على ذلك لوزير (مستشار) مثل الحكومات الأخرى. وكان ديوان شيخ الإسلام أيضا (شيخ الإسلام قابيسى) يضم المحاكم الشرعية الكبرى التابعة لقاضى

стр. 6295

العسكر، والـ "قسام" وقاضى إستانبول (إستانبول قاضى سى). ثم يأتى بعد ذلك عدد كبير من اللجان يرجع إلى رأيها فى الأمور المختلفة، ومنها لجنة لتعيين القضاة الذين يتخذون مقامهم هناك. ومن أراد المزيد فليرجع إلى: "علميه سالنامه سى". المصادر: وردت تراجم لمائة شيخ وثمانية من مشايخ الإسلام فى كتاب "دوحة المشايخ" لرفعت أفندى، وقد طبع على الحجر بإستانبول طبعة غير مؤرخة؛ وآخر ترجمة فيه هى ترجمة عمر حسام الدين أفندى المتوفى ١٢٨٨ هـ (١٨٧١ م). وقد كتب ذيلا لهذا الكتاب على أميرى أفندى. ويكمل هذين المرجعين كتاب "علمية سالنامه سى" الذى يترجم فى الصفحات من ٣٢٢ - ٦٤١ لمائة وأربعة وعشرين شيخا من مشايخ الإسلام حتى يصل بهم إلى مصطفى خيرى أفندى (الذى ظل فى هذا المنصب حتى نوفمبر سنة ١٩١٦)، وقد نشر هذا الكتاب المؤرخان: أحمد رفيق وعلى أميرى أفندى؛ وكتب على أميرى فى "سالنامه" هذه بحثًا عنوانه "مشيخت إسلامية تاريخجة سى" استغرق الصفحات من ٣٠٤ - ٣٢٠؛ وفى فينا مخطوط من كتاب "دوحة المشايخ" لمستقيم زاده (فلوكل، جـ ٢، ص ٤٠٩ وما بعدها)؛ ولكثير من الكتاب الغربيين الذين كتبوا عن تركية إشارات وردت فى كتبهم عن مشيخة الإسلام وهم The History of the present state of the Ottoman Empire: Ricaut، الطبعة السادسة، لندن ١٦٨٦ م، ص ٢٠٠ وما بعدها؛ Tobleau General de L'Empire Othoman: D'Ohsson, جـ ٢، باريس ١٧٩٠ م، ص ٢٥٦ وما بعدها: Des osmanischen Reiches staatsverfassung: J.von Hammer، فينا ١٨١٥ م، جـ ٢، ص ٣٧٣ وما بعدها؛ وثمة أوصاف أخرى وردت فى Uber titel Rangstufen und An dreden inder offiziellen osmanischen sprache: Dr. Stephan Kekule، هال ١٨٩٢، ص ١٦ وما بعدها؛ Corps de droit Ottoman: G.Young، أوكسفورد ١٩٠٥ م، جـ ١، ص ٢٨٥ وما بعدها؛ The Government of the Ottoman Empire in the Time of suleiman the Magnificent: A.H.Lybyer, كمبردج ١٩١٣، ص ٢٠٧ وما بعدها. خورشيد [كرامرز J.H. Kramers]

стр. 6296

شيخزاده كلمة فارسية مركبة معناها "ابن (أو حفيد) الشيخ" وهى مرادفة للمصطلح التركى شيخ أوغلى. واللفظ شيخ يدل فى الاستعمال التركى على "الواعظ فى المسجد الجامع، ورأس فى الرباط أو الطائفة الدينية". ويجب ألا يخلط بين هذا المصطلح والمصطلح شهزاده (وهو صيغة ثانوية دارجة من "شاهزاده") أى "الأمير ولى العهد". وشيخزاده اسم أسرة من قبيل إمام زاده أو إمام أوغلى، ومؤذن زاده أو مؤذن أوغلى ون -باشازاده، ون- بيك زاده، ون - أفندى، زاده. ولا يستعمل فى التركية "ابن الشيخ"؛ أما المصطلحات مثل ابن كمال بدلًا من كمال باشا زاده فشاذة. وقد استخدم لفظ الأسرة شيخزاده أو شيخ أوغلى اسم علم فى أسماء الأعيان الترك الآتى ذكرهم: ١ - مؤلف خورشيد نامه التى تمت حوالى ٢٠ مايو سنة ١٣٨٧. ونحن نجد فى مقدمة هذا الكتاب وخاتمته معلومات عن الشاعر شيخ أوغلى أو شيخ زاده، كما نجد فى الوقت نفسه معلومات عن مولاه سليمان شاه أمير الكرميان (والشواهد التى نوردها فيما يلى مأخوذة من المخطوط A.F.T.T رقم ٣١٤ بالمكتبة الأهلية بباريس). ولد شيخ أوغلى حوالى سنة ١٣٤٠ والحق أنه كان فى "نحو الخمسين من عمره"عندما أتم مؤلفه (جوشمدى إلى يه يقلشدى يشيم)، (الورقة ٣٠٤، الصفحة اليسرى، س ٩)؛ وكان عريق الأصل، من ناحية أبيه وأمه (إيكى ياندن بنوم أصلم أو لودور؛ الموضع المذكور، س ٢). وكان أجداده رجالا مقتدرين (دولت إسى) من أهل العلم (علم إسى فاخر بكلر) وأعيان المسلمين. وكان لسليمان شاه ثقة مطلقة فيه (هم إيج إدرم آكاهم طيش إدرم بن - نه قلسم نيلسم سبش (شاباش) إدرم بن، الموضع المذكور، س ٢) وقد خوله حق العمل كاتبا للسر وأمينًا أول لبيت المال (نشان ودفتر ومال وخزينة الورقة ٢٦ س ٧) وهذا يؤيد ما ذهب إليه سهى كل

стр. 6297

التأييد، إذ قال إن شيخ أوغلى كان "نشانجى" و"دفتر دار" لأمير الكرميان؛ وقد كانت نيته قد صحت على أن يهدى قصيدته إلى هذا الأمير أيضًا، وهو يقول حقًا: "سليمان شاه زمانى إيدى كى إلـ أوزتديم بوكتابى دوزميه الـ كى شاهى دى تمامت كرميانوك هم أولو أوغلى إيدى جخشا يانكك (المخطوط رقم ٣٥٥: جخشد انوك) "مددت يدى أول ما مددت لكتابة هذا الكتاب فى عهد سليمان شاه لقد كان أمير الكرميان جميعًا وكان ابنه الأكبر الذى قرع السلاح" على أن هذا الأمير مات والمؤلف فى منتصف كتابه (الورقة ١٦، س ١٠) ومن ثم التحق شيخ أوغلو بخدمة يلدرم بايزيد زوج ابنة سليمان شاه، وهو بعد ولى عهد السلطان، وكان قد أقطع بالفعل قصبة الكرميان وقد أهدى الشاعر القصيدة إلى بايزيد اعترافًا منه بالنعم التى أغدقها عليه هذا الأمير بدوره (الورقة ١٨، س ١). واجتماع هذه الظروف يعلل لنا كيف أن الشاعر أمكنه فى الوقت نفسه أن يكتب قصيدة فى رثاء مولاه السابق، ذاك أنه لم يكن يستطيع أن ينسى حقًا أن هذا المولى لابد أن يبزه ويخمله سميه القوى الذى كان هو أيضًا عميدًا لآل عثمان (الأمير سليمان بن بايزيد) ولم يحتفظ باسمه الا على النقوش والسكة (خليل أدهم: آل كرميان كتابه لرى: Revue de L'institut d'Histoire Ottomane [بالتركية]، جـ ١، ص ١١٢ - ١٢٨؛ أحمد توحيد. .. كوتاهية ده [كرميان] بكلرى، جـ ٢، ص ٥٠٥ - ٥١٣). وفى مديح بايزيد "الصغير السن العريق المعرفة" (يكت دور عمر له، عقل له بير، الورقة ١٨، الصفحة اليسرى، س ١١) وصف هذا الأمير بأوصاف شتى فى المخطوطات المختلفة؛ فقد وصفه مخطوط برلين، وهو أقدم المخطوطات، بقوله: "بايزيد بك ابن (= حفيد) أورخان بكك؛ وفى مخطوط باريس رقم ٣١٤ (الورقة ١٦، الصفحة

стр. 6298

اليسرى، س ١ و ٢) وصف بأنه ابن سلطان شاه (سلطان أوغليدور شاه)؛ وقد أعقب هذه الكلمات التعريف التالى: "نه (نا) سلطان بن سلطان بن سلطان شاهنشاه بايزيد بن مرادخان" ونجد الصيغة نفسها فى المخطوط رقم ٣٥٥، (الورقة ٤، س ٤) ولكن عبارة "شاهنشاه الخ" استبدل بها عبارة "جلبى بايزيد أول شير مردان". ومما يجدر ذكره أن الأمراء أولياء العهد كانوا يحملون لقب جلبى بالفعل حتى عهد محمد الثانى (سجل عثمانى، جـ ١، ص ٨٩). أما اللقب إيلدرم (وهى الصيغة العثمانية القديمة ليلدرم، فقد ورد فى بيت الشعر: صواشده إيلدرم درلرسه حق در، (الورقة ١٦ الصفحة اليسرى، س ٥). وورد فى المقدمة نفسها أن الكتاب قد تم فى عهد بايزيد (دولتنده؛ الورقة ١٧، س ١٠). وقد أعرب المؤلف من بعد عن أمله فى أن يمتد به العمر حتى يتم وضع "عشق نامه" باسم الأمير نفسه (شهوم أديله). ويبدو أن الخاتمة كانت مديحًا فى وزير (الصدر الأعظم على باشا، انظر الورقة ١٩ س ١٠). وكل هذا الخلاف والتباين يجعلنا نفترض أن المقدمة قد أعيدت كتابتها كلها فى وقت متأخر. ولعل الكاتب نفسه هو الذى أعاد صياغتها. وقد يكون من المستحسن إصدار نسخة محققة، ولكن أيّا ما كانت النسخة التى نتخذها عمدة لنا فإننا نستطيع أن نأخذ مأخذ اليقين أن تاريخ إتمام هذا الكتاب (٢٠ مايو سنة ١٣٨٧) وهو التاريخ الذى ورد فى الخاتمة. وقد ذكر هذا التاريخ على النحو التالى (الورقة ٣٠٤، س ١٣). . . يدى يوز سكسان دوقزده -كى تخت ورمش إيدى خورشيد أوكوزده- "فى سنة ٧٨٩ عندما ارتفعت الشمس فى برج الثور"؛ ثم تلا ذلك وصف الربيع وقد جاء فى ختامه: "ربيع الآخرون (كذا) آخر زاهر -بوخورشيد نامه أولدو أول آخر (كذا) "- "يبدو أن خورشيد نامه قد تمت فى أواخر ربيع الثانى (الموضع، المذكور، س ٢). وقد بدأ الشهر القمرى ربيع الثانى سنة

стр. 6299

٧٨٩ هـ فى ٢١ أبريل وانتهى فى ٢٠ مايو وهذا يوافق تمامًا دخول الشمس برج الثور. وهذا التوافق الدقيق الذى يناقض ما جرى عليه التأريخ العثمانى من عدم تحرى الدقة يجعلنا نستبعد جواز الخطأ. ومن ثم فالقصيدة أقدم مما ظن أغلب الناس. ونستخلص من هذا الذى قلناه أن سليمان شاه كان قد انقضى على وفاته بعض الوقت سنة ٧٨٩ هـ ونلاحظ أيضًا مما ورد فى مدح شيخ أوغلى له أنه كان ممعنًا فى التقوى والورع، حتى أن الدراويش نسوا أن يعاملوه بالاحترام الواجب نحو أمير عظيم (أولو شاه) ولم يكونوا يبدأونه بالتحية (سلام أونور تمز إيدى، الورقة ١٥ الصفحة اليسرى، س ١٣). أما فيما يتعلق بالكنية "جغشدن" التى وردت فى شاهد أوردناه من قبل، وهى الكنية التى كنى بها أبو سليمان شاه (كرميان أوغلى محمد) وترجمناها بعبارة "الذى قرع السلاح" فمن الواضح أنها اسم الفاعل القياسى المنتهى بـ" (يـ) ان" من فعل من أفعال السببية أصله جغ (ى) - شتمق (جخشتمق) وهو من الأشياء التى تسمى بأسماء أصواتها ويرادف الاسم المحرف من قغ (ى) شمق أو قخشتمق (ومن ثم فلا شك أنه مصدر اسم العلم فاج جاد الذى أورده خطأ V. Hammer: Gesch. dosm. Dichtkunst، جـ ١، ص ١١٠٠، التعليق ١ وسنصحح الأخطاء الأخرى التى وردت فى الشاهد الذى أوردناه). وقد ورد الفعل جخشمق فى كتاب محمود كاشغرى "ديوان لغات الترك" (جـ ٣، ص ٢١٢) بمعنى يخشخش (كالحصى الصغير) أو يرن وذلك عند الكلام على اللُعَب أو ما شابه ذلك (انظر أيضًا Gram turque: J.Deny, الفصل ٨٥٠، الملاحظة ٤ والتعليق؛ وأضف الكلمات جغيشدى المأخوذة من برهان قاطع"بالتركية، ص ٦٢٦، ص ٢٤، وجغيشمق المأخوذة من قاموس Redhouse، ص ٧٢٢ ب، وجخشق المأخوذة من كتاب كاشغارى، جـ ١، ص ٢٩٠، س ١٢ - ١٥، وقغثاشمق، ALtosm: Vambery, ص ١٨٥).

стр. 6300

ويصف كتاب خورشيد نامه غراميات خورشيد وابنة ملك الفرس شياوش وفرح شاد ابن ملك المغرب (انظر تحليل ذلك فى Hammer، المصدر المذكور)؛ وهى قصيدة من ٧٦٤٠ بيتًا (مع مصراعين مقفيين من أحد عشر مقطعًا) أى أنها مثل خسروشيرين بحرها هو البحر نفسه أى الهزج (U/U - U) ـ (١) ـ وقد أطلق سهى على هذه القصيدة الاسم خورشيد، وأطلق عليها حاجى خليفة (جـ ٤، ص ٤١٢) فراح نامه. وينطقها فون هامر V.Hammer وكب Gibb ومن تبعهما من المؤلفين فرخشاد. ويصحح كب Gibb ناشر حاجى خليفة رسمها بقرءاتها فرّخ نامه. وفى مخطوطات باريس التى أوردنا ذكرها يكتب هذا الاسم دائمًا فرحشاد، ويجب الأخذ دائمًا بهذه القراءة الوحيدة التى تتفق مع الوزن (U--) ـ (٢) ـ؛ والحق أننا نجد هذا اللفظ إما فى بداية المصراع الشعرى أو فى نهايته (الورقة ٧٠ و ٧٢؛ الصفحة اليسرى و ٧٣، ٧٨، ٧٨ ب و ٧٦ ألخ) حيث يكون اللفظ فرّخشاد) (----) (٣) مخالفًا للوزن، على أننا لا نجد اللفظ فرخّشاد لا فى الشاهنامه ولا فى يوستى (Iranisches Namenbuch: Justi، ما ربورغ ١٨٩٥) ويبدو أن السبب فى ذلك هو أن اللفظ قد اختلط باللفظين فرّ خزاد وفرّخروز (انظر خلطا مماثلا لذلك فى القصة الشعبية الخاصة بفرخّشاد وفرّخروز وفرّخناز التى ترجمها إلى الفرنسية Jeune de Langues Maltor سنة ١٧٤٢ (المكتبة الأهلية بباريس، الملحق التركى، رقم ٩٤٥) ويقول سهى إن شيخ أوغلى هو ابن أخت شيخى وخليفته، ويختلط الأمر أيضًا على المؤرخ عالى فيسميه جمالى شيخزاده (Hammer: جمالى زاده)؛ وتناقض التواريخ هذا التحقيق (ذلك أن شيخى، الذى كان يكتب فى عهد مراد الثانى، كان لا يزال على قيد الحياة سنة ١٤٢١). ويتعذر علينا أن نصدق أن خليفته يكون هو ابن أخته الذى ولد

стр. 6301

سنة ١٣٤٠، ومن ثم وجب التفريق فى هذا المقام بين شخصين مختلفين. ويذكر كوبريللى زاده محمد فؤاد فى المصدر رقم ١٢٤ من مصادر كتابه ترك أدبياتنده إلك متصوفلر، (إستانبول ١٩١٨) نسخة خطية وحيدة فى حوزته من كتاب عنوانه "كنز الكبرا" بقلم شيخ أوغلى "ولها شأن بالغ الأهمية فى تاريخ اللغة والأدب". ويستحيل علينا، مع افتقارنا إلى معلومات أكثر من ذلك تفصيلا، أن نقول هل هذا الكتاب من وضع الكاتب الذى نحن بصدده؟ المصادر انظر بوجه خاص History of Poetry Ottoman: Gibb، لندن ١٩٠٠، جـ ١، ص ٤٢٧ وما بعدها؛ ومخطوطات المكتبة الأهلية بباريس هى: A.F.T، رقم ٣١٢ (نسخة مشكولة جميلة من مخطوط يحمل التاريخ سنة ٨٨٢) و ٣١٥ و ٣٥٥ (وكلاهما ناقص)؛ ونسخة برلين (Pertsch رقم ٣٦٥) تحمل التاريخ ربيع الأول سنة ٨٠٧ (٧ سبتمبر - ٦ أكتوبر سنة ١٤٠٤). ٢ - مؤلف أو على الأصح مترجم كتاب "قيرق وزير حكاية سى" حكاية الأربعين وزيرًا. ولا نعرف عن هذا الكاتب إلا القليل الذى ورد عنه فى المقدمة. وكذلك يختلف النص باختلاف المخطوطات، ونحن نجد فى بعضها شيخزاده فحسب، وفى بعضها أحمد مصرى فحسب. ويرى كب Gibb أنهما شخص واحد، وهو مترجم قيرق وزير من العربية إلى التركية نقلا عن كتاب فقد منذ ذلك الحين وعنوانه "أربعين صباح ومساء". وهذه الترجمة، فى أغلب المخطوطات، مهداة إلى السلطان مراد الثانى (١٤٢١ - ١٥٤١ م)، وهذا يشير بالتقريب إلى الزمن الذى عاش فيه كاتبنا (ويقول Pertsch بأنه كتب قرق وزير سنة ٨٥٠ هـ = ١٤٤٦ م). على أنه مما تجدر ملاحظته أن شيخزاده وفقا لنص Belletete (وهو يوافق مخطوطا من مخطوطات فينا)، هو اسم كاتب كتب بالعربية إلى سلطان مصر (مِصْر وَمصْر بدلًا من "عصر" التى

стр. 6302

وردت فى المخطوطات الأخرى) وأن الذى صنع الترجمة التركية كاتب مجهول يتحدث عن نفسه بضمير المتكلم، وقد رصعها بثمار مختلفه من أساليب المنشئين والشواهد، ويجوز لنا أن نفترض اعتمادا على ما ورد فى المخطوطات الأخرى أن شيخزاده (أو أحمد مصرى) هو الذى قام بالترجمة الأولى وأن كاتبا مجهولا هو الذى أدخل عليها هذه التحسينات. ويرفض فليشر Fleischer وبهرناور Behrnauer وكب Gibb اعتبار القراءة مِصْر خطأ، ولكن ضمير الشخص (الذى يتغير من الغائب إلى المتكلم) يظل مع ذلك أمرا محيرا. ومن ثمّ فالضرورة تقضى بإصدار نص محقق من شتى مخطوطات قيرق وزير، وحسبنا أن يقرر لنا ذلك اسم الكاتب. و"الأربعون وزيرًا"، شأنها شأن بختيار نامه تفريع من سندباد نامة أو "تاريخ الحكماء السبعة" (الوزراء السبعة فى النسخة العربية). ويمكننا أن نلخص موضوع كتاب "الوزراء الأربعون" فيما يلى: كان فى فارس ملك يسمى شاه الخافقين (أى ملك الشرق والغرب)، أحبت زوجته الشابة ابن زوجها وهو أمير رائع الحسن عظيم الشمائل، وراودته الملكة (الخاتون) عن نفسه، فعمل الأمير بنصح معلمه (خواجه، أستاد)، الذى حسب طالعه ونصحه بأن يلزم الصمت كالأبكم مهما حدث، ويظل على ذلك فتره حرجة عدتها أربعون يومًا، وضاقت الملكة بإغفال الأمير لها فاغتابته عند أبيه. وأمر الشاه بأن يقتل ابنه. وفى هذه اللحظة يتدخل الأربعون وزيرًا؛ ويقص أولهم قصة فى حضور الجلاد (قصة الشيخ شهاب الدين المقتول الذى مات ضحية كيد امرأة)، وفى ختامها يوافق الشاه على تأجيل قتل الأمير حتى يتوفر له المزيد من المعلومات. وتقص الملكة فى المساء قصة قصدت منها إذكاء نار الغضب فى صدر زوجها، فعاد الشاه واستدعى الجلاد فى صباح اليوم التالى؛ ولكن الوزير الثانى يتدخل بدوره وهكذا دواليك حتى تتعاقب قصص الأربعين وزيرا هى وقصص الخاتون. وفى

стр. 6303

اليوم الحادى والأربعين وبينما الملك يهم بأن يصدق ما زعمته الملكة ويقتل ابنه ويلقى بالوزراء فى السجن، إذا بالخواجه الذى كان قد اختفى خلال هذه الفترة يعود ويحل الأمير من الصمت الذى التزمه نزولا على ما تضمنه الطالع. ومن ثمّ يكشف الأمير عن مؤامرات الملكة. وتذهل الملكة من شهادة خدمها ثم تربط فى ذيل جواد يجرها فوق الحجارة والطرق الوعرة فتتمزق إربا إربا. وقد جرى القول بنسبة قصص الأربعين وزيرًا إلى مصر، وهذا يتفق مع الإشارات التى وردت فى المقدمة عن المكان الذى قيل بأن هذه المجموعة من القصص قد كتبت فيه؛ ولعل "إقشد" سلطان مصر الذى ورد ذكره فى إحدى القصص (انظر Chauvin، ص ١٢٣) هو الإخشيد. المصادر تجد مصادر وافية كل الوفاء عن الأربعين وزيرًا Biblioraphie des Ouvrages arabes: V.Chauvin لييج وليبسك، ١٩٠٤، جـ ٨ (Syntipas)، ص ١٨ - ٢١ و ١١٢ وما بعدها (وقد نشر بعض المقتطفات Chrestnmathie: Smirnov [العنوان بالروسية]، سانت بطرسبرغ ١٩٠٣، ص ٢٢٠ - ٢٢٣. ويصح أن نذكر أيضا أن عالما فى اللغة التركية من براغ هو M.Duda يعد طبعة للأربعين وزيرًا). ومخطوطات المكتبة الأهلية بباريس هى A.F.T رقم ٣٤٨ - ٣٨٨ و ٣٩٢؛ الملحق التركى ٤٢٨ - ٤٣٤ و ١٣٩٢ - ١٢٩٤ و ٦٤٤. وفيما يتعلق بالمخطوطات الأخرى والطبعات المطبوعة فى تركية انظر Pertsch، برلين، الفهرس رقم ٤٥٤ و ٤٣٧ و ٤٣٨؛ كوتا Gotha، الفهرس رقم ٢٣٠ وبخاصة Rieu، المتحف البريطانى، ص ٢١٦ (أ). ٣ - محيى الدين محمد بن مصلح الدين مصطفى القوجوى الملقب بشيخزاده، المتوفى سنة ٩٥١ هـ (٢٥ مارس ١٥٤٤ - ١٤ مارس ١٥٤٥) وقد كتب تعليقا على تفسير البيضاوى،

стр. 6304

وتعليقا على "نهج البردة"، وغير ذلك من النصوص. المصادر (١) حاجى خليفه: كشف الظنون، جـ ٧، الفهرس، رقم ٦٤٣٢ (٢) G. A. L: Brockelmann، جـ ١، ص ٢٦٥ - ٤١٧ (٣) Catalogue . . . bib! . Ac Lugduno Bataviae: Dozy، ١٨٥١، جـ ٢، ص ٨٢. ٤ - عبد الرحمن بن الشيخ محمد بن سليمان، الملقب بشيخزاده (وفى حاجى خليفه: شيخى زاده)، المتوفى سنة ١٠٧٨ هـ (٢٣ يونية ١٦٦٧ - ١١ يونية ١٦٦٨ م) وقد أتم سنة ١٠٧٧ هـ "مجمع الأنهر"، وهو تعليق (بالعربية) على "ملتقى الأبحر"، وهى رسالة إبراهيم الحلبى فى فقه الأحناف والترجمة التركية لهذا المصنف بقلم موقوفاتى هى فى جوهرها الأصلى فى كتاب دوسون (Tableau general de l'empire othomon: d'Ohsson، وقد طبع هذا التعليق أول ما طبع فى الاستانة سنة ١٢٤٠ هـ/ ١٨٢٤/ ١٨٢٥ م)، ثم أعيد طبعه سنة ١٣٠٥ هـ، فى جزأين يضمهما مجلد واحد كبير من قطاع الربع. المصادر: (١) حاجى خليفة، جـ ٦، ص ١٠٥ (٢) Bibliotheca Orientalis: Zenker، رقم ١٤٥٠ (٣) G.A.L: Brockelmann, جـ ٣، ص ٤٣٢ (٤) Catalogue des Manuscrits arabes . . . offerts . . par de courdemanche: Blochet، ١٩٠٩، القسم العربى رقم ١٦٤١١ (وقد وقعت أخطاء مطبعية فى التواريخ) أما فيما يتصل بالأعيان الآخرين الذين يحملون اللقب شيخزاده فانظر: cat of Turk. Mss: Rieu فى المتحف البريطانى رقم ٨٢ ب، و ١٢٠ ب، Das asiatische Museum: Dor, سانت بطرسبرغ ١٨٤٦، ص ٢١٩. صبحى [دنى J.Deny]

стр. 6305

شيخ سعيد ميناء فى بلاد العرب الجنوبية على مضيق باب المندب، وعلى مسيرة ميلين من جزيرة بريم ويقوم الميناء على رأس تسيطر صخوره الشاهقة التى يبلغ ارتفاعها ٨٥٠ قدمًا على هذه الجزيرة؛ وثمة جبلان بركانيان قائمان فى شبه جزيرة يبلغ طولها ٦ أميال وعرضها ٤.٥ ميل يكونان الركن الجنوبى الغربى الأقصى لجزيرة العرب، وبين هذا الركن وبريم ما يعرف بالمضيق الصغير الذى يسميه العرب باب المنهلى أو باب إسكندر، ذلك أن الإسكندر فيما يقال كان قد شيد بلدة فى هذا المكان؛ وهناك أطلال قائمة حقا جنوبى الرأس، ويقول شيرنكر A.Sprenger وكليزر فى Glaser .E ولعلهما محقان فيما يقولان، إن الشيخ سعيد هى أوكيلس Ocelis أو آكيلا Acila القديمة التى ذكرها يليناس، (Nat,Hist: Pliny، جـ ٦، ص ١٥، الفصل ١٠٤، ص ٢٨، الفصل ١٥٢؛ بطلميوس، جـ ٢١، ص ٧ و Periplus Maris Erythaei, الفصل ٢٥). وكانت الرحلة من هذا المكان إلى برنيس Berenice تستغرق عشرين يوما. ويقول كليزر إن الاسم أوكيلس Ocelis ربما كان يخفى اسما آخر مثل عقيل. وكان الميناء فى الأصل من أملاك مملكة قتبان ثم انتقل إلى الجبانيين ثم انتهى أمره إلى الحميريين؛ وفى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) كان من أملاك بنى مجيد بن حيدان بن عمرو ابن الحاف بن قضاعة. وينسب الاسم الحديث للميناء إلى قبر الشيخ سعيد الذى دفن فى الجانب الشمالى من الرأس، ولكن الميناء لم يعد له الآن شأن ذو بال، ويقال إنه ميناء موسمى، قد يصبح شديد الخطورة على الملاحة عندما تهب الرياح الموسمية. وقد أغرى المركز الحربى الممتاز لهذا المكان أمير البحر الفرنسى ماهيه ده لا بوردونيه Mahe de Labourdonnais إلى انتزاع الرأس من سلطان وطنى فى تاريخ مبكر يرجع إلى سنة ١٧٣٤, بل قيل إن لويس السادس عشر احتفظ له بوكيل هناك، وظل ميناء شيخ سعيد منطقة نفوذ فرنسية، بل إن نابليون بونابرت نفسه أراد أن يقيم حامية
следующие страницы →