سنة ١٣٤٠، ومن ثم وجب التفريق فى هذا المقام بين شخصين مختلفين.
ويذكر كوبريللى زاده محمد فؤاد فى المصدر رقم ١٢٤ من مصادر كتابه ترك أدبياتنده إلك متصوفلر، (إستانبول ١٩١٨) نسخة خطية وحيدة فى حوزته من كتاب عنوانه "كنز الكبرا" بقلم شيخ أوغلى "ولها شأن بالغ الأهمية فى تاريخ اللغة والأدب".
ويستحيل علينا، مع افتقارنا إلى معلومات أكثر من ذلك تفصيلا، أن نقول هل هذا الكتاب من وضع الكاتب الذى نحن بصدده؟
المصادر
انظر بوجه خاص History of Poetry Ottoman: Gibb، لندن ١٩٠٠، جـ ١، ص ٤٢٧ وما بعدها؛ ومخطوطات المكتبة الأهلية بباريس هى: A.F.T، رقم ٣١٢ (نسخة مشكولة جميلة من مخطوط يحمل التاريخ سنة ٨٨٢) و ٣١٥ و ٣٥٥ (وكلاهما ناقص)؛ ونسخة برلين (Pertsch رقم ٣٦٥) تحمل التاريخ ربيع الأول سنة ٨٠٧ (٧ سبتمبر - ٦ أكتوبر سنة ١٤٠٤).
٢ - مؤلف أو على الأصح مترجم كتاب "قيرق وزير حكاية سى" حكاية الأربعين وزيرًا. ولا نعرف عن هذا الكاتب إلا القليل الذى ورد عنه فى المقدمة. وكذلك يختلف النص باختلاف المخطوطات، ونحن نجد فى بعضها شيخزاده فحسب، وفى بعضها أحمد مصرى فحسب. ويرى كب Gibb أنهما شخص واحد، وهو مترجم قيرق وزير من العربية إلى التركية نقلا عن كتاب فقد منذ ذلك الحين وعنوانه "أربعين صباح ومساء". وهذه الترجمة، فى أغلب المخطوطات، مهداة إلى السلطان مراد الثانى (١٤٢١ - ١٥٤١ م)، وهذا يشير بالتقريب إلى الزمن الذى عاش فيه كاتبنا (ويقول Pertsch بأنه كتب قرق وزير سنة ٨٥٠ هـ = ١٤٤٦ م). على أنه مما تجدر ملاحظته أن شيخزاده وفقا لنص Belletete (وهو يوافق مخطوطا من مخطوطات فينا)، هو اسم كاتب كتب بالعربية إلى سلطان مصر (مِصْر وَمصْر بدلًا من "عصر" التى
стр. 6302
وردت فى المخطوطات الأخرى) وأن الذى صنع الترجمة التركية كاتب مجهول يتحدث عن نفسه بضمير المتكلم، وقد رصعها بثمار مختلفه من أساليب المنشئين والشواهد، ويجوز لنا أن نفترض اعتمادا على ما ورد فى المخطوطات الأخرى أن شيخزاده (أو أحمد مصرى) هو الذى قام بالترجمة الأولى وأن كاتبا مجهولا هو الذى أدخل عليها هذه التحسينات. ويرفض فليشر Fleischer وبهرناور Behrnauer وكب Gibb اعتبار القراءة مِصْر خطأ، ولكن ضمير الشخص (الذى يتغير من الغائب إلى المتكلم) يظل مع ذلك أمرا محيرا. ومن ثمّ فالضرورة تقضى بإصدار نص محقق من شتى مخطوطات قيرق وزير، وحسبنا أن يقرر لنا ذلك اسم الكاتب.
و"الأربعون وزيرًا"، شأنها شأن بختيار نامه تفريع من سندباد نامة أو "تاريخ الحكماء السبعة" (الوزراء السبعة فى النسخة العربية). ويمكننا أن نلخص موضوع كتاب "الوزراء الأربعون" فيما يلى: كان فى فارس ملك يسمى شاه الخافقين (أى ملك الشرق والغرب)، أحبت زوجته الشابة ابن زوجها وهو أمير رائع الحسن عظيم الشمائل، وراودته الملكة (الخاتون) عن نفسه، فعمل الأمير بنصح معلمه (خواجه، أستاد)، الذى حسب طالعه ونصحه بأن يلزم الصمت كالأبكم مهما حدث، ويظل على ذلك فتره حرجة عدتها أربعون يومًا، وضاقت الملكة بإغفال الأمير لها فاغتابته عند أبيه. وأمر الشاه بأن يقتل ابنه. وفى هذه اللحظة يتدخل الأربعون وزيرًا؛ ويقص أولهم قصة فى حضور الجلاد (قصة الشيخ شهاب الدين المقتول الذى مات ضحية كيد امرأة)، وفى ختامها يوافق الشاه على تأجيل قتل الأمير حتى يتوفر له المزيد من المعلومات. وتقص الملكة فى المساء قصة قصدت منها إذكاء نار الغضب فى صدر زوجها، فعاد الشاه واستدعى الجلاد فى صباح اليوم التالى؛ ولكن الوزير الثانى يتدخل بدوره وهكذا دواليك حتى تتعاقب قصص الأربعين وزيرا هى وقصص الخاتون. وفى
стр. 6303
اليوم الحادى والأربعين وبينما الملك يهم بأن يصدق ما زعمته الملكة ويقتل ابنه ويلقى بالوزراء فى السجن، إذا بالخواجه الذى كان قد اختفى خلال هذه الفترة يعود ويحل الأمير من الصمت الذى التزمه نزولا على ما تضمنه الطالع. ومن ثمّ يكشف الأمير عن مؤامرات الملكة. وتذهل الملكة من شهادة خدمها ثم تربط فى ذيل جواد يجرها فوق الحجارة والطرق الوعرة فتتمزق إربا إربا.
وقد جرى القول بنسبة قصص الأربعين وزيرًا إلى مصر، وهذا يتفق مع الإشارات التى وردت فى المقدمة عن المكان الذى قيل بأن هذه المجموعة من القصص قد كتبت فيه؛ ولعل "إقشد" سلطان مصر الذى ورد ذكره فى إحدى القصص (انظر Chauvin، ص ١٢٣) هو الإخشيد.
المصادر
تجد مصادر وافية كل الوفاء عن الأربعين وزيرًا Biblioraphie des Ouvrages arabes: V.Chauvin لييج وليبسك، ١٩٠٤، جـ ٨ (Syntipas)، ص ١٨ - ٢١ و ١١٢ وما بعدها (وقد نشر بعض المقتطفات Chrestnmathie: Smirnov [العنوان بالروسية]، سانت بطرسبرغ ١٩٠٣، ص ٢٢٠ - ٢٢٣. ويصح أن نذكر أيضا أن عالما فى اللغة التركية من براغ هو M.Duda يعد طبعة للأربعين وزيرًا). ومخطوطات المكتبة الأهلية بباريس هى A.F.T رقم ٣٤٨ - ٣٨٨ و ٣٩٢؛ الملحق التركى ٤٢٨ - ٤٣٤ و ١٣٩٢ - ١٢٩٤ و ٦٤٤. وفيما يتعلق بالمخطوطات الأخرى والطبعات المطبوعة فى تركية انظر Pertsch، برلين، الفهرس رقم ٤٥٤ و ٤٣٧ و ٤٣٨؛ كوتا Gotha، الفهرس رقم ٢٣٠ وبخاصة Rieu، المتحف البريطانى، ص ٢١٦ (أ).
٣ - محيى الدين محمد بن مصلح الدين مصطفى القوجوى الملقب بشيخزاده، المتوفى سنة ٩٥١ هـ (٢٥ مارس ١٥٤٤ - ١٤ مارس ١٥٤٥) وقد كتب تعليقا على تفسير البيضاوى،
стр. 6304
وتعليقا على "نهج البردة"، وغير ذلك من النصوص.
المصادر
(١) حاجى خليفه: كشف الظنون، جـ ٧، الفهرس، رقم ٦٤٣٢
(٢) G. A. L: Brockelmann، جـ ١، ص ٢٦٥ - ٤١٧
(٣) Catalogue . . . bib! . Ac Lugduno Bataviae: Dozy، ١٨٥١، جـ ٢، ص ٨٢.
٤ - عبد الرحمن بن الشيخ محمد بن سليمان، الملقب بشيخزاده (وفى حاجى خليفه: شيخى زاده)، المتوفى سنة
١٠٧٨ هـ (٢٣ يونية ١٦٦٧ - ١١ يونية ١٦٦٨ م) وقد أتم سنة ١٠٧٧ هـ "مجمع الأنهر"، وهو تعليق (بالعربية) على "ملتقى الأبحر"، وهى رسالة إبراهيم الحلبى فى فقه الأحناف والترجمة التركية لهذا المصنف بقلم موقوفاتى هى فى جوهرها الأصلى فى كتاب دوسون (Tableau general de l'empire othomon: d'Ohsson، وقد طبع هذا التعليق أول ما طبع فى الاستانة سنة ١٢٤٠ هـ/ ١٨٢٤/ ١٨٢٥ م)، ثم أعيد طبعه سنة ١٣٠٥ هـ، فى جزأين يضمهما مجلد واحد كبير من قطاع الربع.
المصادر:
(١) حاجى خليفة، جـ ٦، ص ١٠٥
(٢) Bibliotheca Orientalis: Zenker، رقم ١٤٥٠
(٣) G.A.L: Brockelmann, جـ ٣، ص ٤٣٢
(٤) Catalogue des Manuscrits arabes . . . offerts . . par de courdemanche: Blochet، ١٩٠٩، القسم العربى رقم ١٦٤١١ (وقد وقعت أخطاء مطبعية فى التواريخ)
أما فيما يتصل بالأعيان الآخرين الذين يحملون اللقب شيخزاده فانظر: cat of Turk. Mss: Rieu فى المتحف البريطانى رقم ٨٢ ب، و ١٢٠ ب، Das asiatische Museum: Dor, سانت بطرسبرغ ١٨٤٦، ص ٢١٩.
صبحى [دنى J.Deny]
стр. 6305
شيخ سعيد
ميناء فى بلاد العرب الجنوبية على مضيق باب المندب، وعلى مسيرة ميلين من جزيرة بريم ويقوم الميناء على رأس تسيطر صخوره الشاهقة التى يبلغ ارتفاعها ٨٥٠ قدمًا على هذه الجزيرة؛ وثمة جبلان بركانيان قائمان فى شبه جزيرة يبلغ طولها ٦ أميال وعرضها ٤.٥ ميل يكونان الركن الجنوبى الغربى الأقصى لجزيرة العرب، وبين هذا الركن وبريم ما يعرف بالمضيق الصغير الذى يسميه العرب باب المنهلى أو باب إسكندر، ذلك أن الإسكندر فيما يقال كان قد شيد بلدة فى هذا المكان؛ وهناك أطلال قائمة حقا جنوبى الرأس، ويقول شيرنكر A.Sprenger وكليزر فى Glaser .E ولعلهما محقان فيما يقولان، إن الشيخ سعيد هى أوكيلس Ocelis أو آكيلا Acila القديمة التى ذكرها يليناس، (Nat,Hist: Pliny، جـ ٦، ص ١٥، الفصل ١٠٤، ص ٢٨، الفصل ١٥٢؛ بطلميوس، جـ ٢١، ص ٧ و Periplus Maris Erythaei, الفصل ٢٥). وكانت الرحلة من هذا المكان إلى برنيس Berenice تستغرق عشرين يوما. ويقول كليزر إن الاسم أوكيلس Ocelis ربما كان يخفى اسما آخر مثل عقيل. وكان الميناء فى الأصل من أملاك مملكة قتبان ثم انتقل إلى الجبانيين ثم انتهى أمره إلى الحميريين؛ وفى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) كان من أملاك بنى مجيد بن حيدان بن عمرو ابن الحاف بن قضاعة. وينسب الاسم الحديث للميناء إلى قبر الشيخ سعيد الذى دفن فى الجانب الشمالى من الرأس، ولكن الميناء لم يعد له الآن شأن ذو بال، ويقال إنه ميناء موسمى، قد يصبح شديد الخطورة على الملاحة عندما تهب الرياح الموسمية.
وقد أغرى المركز الحربى الممتاز لهذا المكان أمير البحر الفرنسى ماهيه ده لا بوردونيه Mahe de Labourdonnais إلى انتزاع الرأس من سلطان وطنى فى تاريخ مبكر يرجع إلى سنة ١٧٣٤, بل قيل إن لويس السادس عشر احتفظ له بوكيل هناك، وظل ميناء شيخ سعيد منطقة نفوذ فرنسية، بل إن نابليون بونابرت نفسه أراد أن يقيم حامية
стр. 6306
هناك، وقد اقترحت الحكومة الفرنسية هذا الاقتراح على "محمد على" سنة ١٨٢٨, على أنه عندما شرع بالفعل فى تحقيق هذه الخطة لقى معارضة حازمة من إنجلترا التى احتلت عدن سنة ١٨٣٩ وبريم سنة ١٨٥٧، ولم تنقض فترة طويلة حتى عاد الفرنسيون يهتمون بهذا المكان اهتماما جديا، وبعد مفاوضات طويلة اشترت شركة من مارسيليا من السلطان الوطنى الأرض التى كان يملكها بخمسين ألف فرنك، ولم يثبت هذا الحق لشركة باب المندب التى أسسها رابو بازان Rabaud-Razin إلا سنة ١٨٧١. وقد استخدم الفرنسيون هذا الميناء لتزويد سفنهم بالفحم خلال الحرب الفرنسية الألمانية. ولكن اهتمام الفرنسيين به قلّ بعد الحرب؛ وفى سنة ١٨٣٧ عقد اتفاق بين إنجلترا وتركية اعترفت فيه تركية بسيادة إنجلترا على رأس باب المندب واحتل الترك شيخ سعيد سنة ١٨٨٤، واضطر الفرنسيون إلى السكوت عن ذلك، وخاصة أن الترك كانوا قد أقاموا التحصينات فى الرأس ولم يشرع مجلس النواب الفرنسى فى الاهتمام بأمر هذا الميناء مرة أخرى إلا فى سنة ١٨٩٦, بل قيل إن فرنسا أعلنت أن أرض شيخ سعيد مستعمرة فرنسية، ثم بذلت محاولات متكررة بعد ذلك لتثبيت مزاعم فرنسا قوة واقتدارّا بطريقة عملية. على أن هذه المحاولات جميعا كانت تبوء بالخيبة دائما. وظلت تركية تحتل المكان، وجعلت منه بمرور الزمن حصنا حصينا؛ وقد ألقى الإنجليز عليه القنابل سنة ١٩١٤، إلا أن جنود الإمام يحيى حميد الدين دافعوا عنه دفاعًا مجيدا فى العام التالى، بل استطاعوا أن يلقوا القنابل على بريم ويغلقوا المضيق فترة من الزمن. وقد أدى الانهيار العسكرى لتركية فى الحرب العالمية الأولى إلى عودة المكان إلى أهل البلاد. وميناء شيخ سعيد، شأنه شأن مخا، بلدة ساحلية لها شأنها فى الإمارة المستقلة التى يتولى أمرها إمام اليمن الزيدى، بل إن شأنها أعظم من مخا لوجود الفحم والحديد فيها.
стр. 6307
المصادر:
(١) الهمدانى: صفة جزيرة العرب، طبعة D.H.Muller, ليدن ١٨٨٤ - ١٨٩١، ص ٥٣.
(٢) Reich nach sudarabien: H.v. Maltzan براونشفيك ص ١٨٧٣، ص ٣٨٤ و ٣٨٥.
(٣) Die alte Geographie Arabiens: A.Sprenger، برن ١٨٧٥، ص ٦٧, ٧٧، ١٠٤، ٢٥٨.
(٤) Skizze der Geschichte und Geographie Arabiens: E. Glaser، برلين ١٨٩٠، جـ ٢، ص ٢٣ و ١٣٩ و ١٦٩ و ٢٣٨.
(٥) Der Islamische Orient: M.Hartmann، جـ ٢، Die arabische Frage، ليبسك ١٩٠٩، ص ١٥٣ و ٤١٧ و ٤١٨ و ٤٦٩.
(٦) Das sudwestliche Arabien (Angewandte Geographie Serie iv Part ٨, Frankfurt a/M ١٩١٣: W. Schmidt، ص ٧٨, و ٧٩.
(٧) Der kamph um Arabien zwischen der Turkie und England (Hamburgische Forschungen,Braunschweig ١٩١٦,i: F.Stuhlmann, ١٩١٦, ص ١١٣ و ١٢٠.
(٨) Arabia Infelix or the Turks in Yaman: G.W.Bury لندن ١٩١٥ ص ١٧ و ٢٧.
(٩) Sudarabien als Wirtschaftsgebiet: A.Grohmann، فيينا ١٩٢٢، ص ١٦٨ و ١٨٥.
(١٠) المؤلف نفسه فى Osterreich Monatsschr f.d Orient، ١٩١٧، جـ ٤٣، ص ٣٤٠.
صبحى [كرومان Adolf Grohmann]
شيخية
اسم فرع من الطريقة الشاذلية هو أقرب إلى الرباط منه إلى الطريقة، وقد أسسه عبد القادر بن محمد (٩٥١ - ١٠٢٣ هـ = ١٥٤٤ - ١٦١٥ م) الملقب بسيدى شيخ، ويرجع نسبه إلى الخليفة أبى بكر، وينحدر من فرع من هذه الدوحة هاجر من جزيرة العرب إلى مصر فى القرن الأول للهجرة، ثم نزح منها إلى بلاد تونس حيث أقام من سنة ٦٩٩ إلى سنة ٨٠٢ هـ ووقع هذا الفرع منذ ذاك فى مشاحنات بالمغرب،
стр. 6308
وهناك عرف أفراده باسم "بو بكرية" أو "أولاد أبى بكر".
وكان سيدى شيخ، "مقدّم" الطريقة الشاذلية، وقد أبقى على شعائر هذه الطريقة، وأهّله ورعه وخلقه لزعامة قومه فى أمور الدين والدنيا. وأراد سيدى شيخ أن يهيئ سبل الإقامة لزواره الكثيرين، فبنى قصرًا فى الأبيض، ويعد هذا القصر إلى اليوم من القصور الخمسة التى يأوى إليها الشيخية، وظلت رياسة هذه الطريقة وراثية فى أسرته بضعة أجيال. وفى النصف الثانى من القرن الثامن عشر، دبت الفرقة بين أتباع الطريقة فانشعبوا طائفتين: الشرقة والغربة، وأصبح تاريخ الطريقة من بعد تسيطر عليه هذه الفرقة.
وفى القرن العشرين حاول رجل يدعى "بو عممه" (عمامة) أن يوحّد بين هاتين الطائفتين تحت سلطانه. وكانت نزعته الشخصية تشبه ما ألفناه فى الدراويش بعامة، وتوسع فى شعائر طريقته فزاد عليها ذكرًا ودعاءً.
ويقوم المقر الرئيسى للشيخية على الحدود الجنوبية بين بلاد الجزائر وبلاد مراكش؛ ومن الواضح أن هذه الطريقة لم تمتد قط إلى خارج هذه البلاد.
المصادر:
(١) Marabouts et Rhounn: L. Rinn، ص ٣٤٩ وما بعدها.
(٢) Les Confredries religieuses musulmanes: Coppolanie O. Depont et X، ص ٤٦٨ وما بعدها.
خورشيد
شيراز
مدينة فى فارس، وقصبة ولاية فارس، وهى تقوم فى سهل مترامى الأطراف جنوب أصفهان؛ وقد غزاها أبو موسى الأشعرى وعثمان بن أبى العاصى فى أواخر خلافة عمر؛ وأعاد بناءها محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبى عقيل الثقفى، ابن عم الحجّاج ونائبه فى عهد الخليفة الوليد ابن عبد الملك، على أنقاض مدينة قديمة كانت تابعة لولاية أردشير خرّه، وكانت قصبتهما كور (جور)، وهى فيروز أباد
стр. 6309
الحديثة؛ وقد شيد أسوارها أبو كاليجار سلطان الدولة البويهى من سنة ٤٣٦ إلى سنة ٤٤٠ هـ (١٠٤٤ - ١٠٤٨ م). وجعل لها اثنى عشر بابًا (قال المقدسى، ص ٤٣٠، إنه لم يكن لها إلا ثمانية أبواب أورد أسماءها)؛ ورممت هذه الأسوار فى منتصف القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر ميلادى) على يد محمود شاه إنجو منافس المظفرية. ووصل تيمور أمام المدينة سنة ٧٩٥ هـ (١٣٩٣ م) فهاجمه شاه منصور المظفرى الذى لقى حتفه فى الموقعة، ثم استولى الأفغانيون على المدينة سنة ١١٣٧ هـ (١٧٢٤ م)؛ وقد جعلها كريم خان زند قصبته وأحاطها بالأسوار والخنادق ورصف شوارعها وأقام العمائر الجميلة فيها، وبخاصة السوق الكبيرة؛ وقد دمرها الزلزالان اللذان وقعا سنتى ١٨١٣ و ١٨٢٤ وكان فيها فى وقت من الأوقات حصن قديم اسمه شاه موبذ (الإصطخرى، ص ١١٦)، وفى القرون الأولى للإسلام كان لا يزال فيها هيكلان من هياكل النار الزرادشتية، كان أحدهما يسمى كارنبان والآخر هرمز؛ وكان ثمة هيكل ثالث خارج أبوابها يسمى مسوبان فى قرية تَرْكان (الإصطخرى، ص ١١٩).
وقد اشتهرت هذه القرية أيضًا بالشهد وأحجار الرّحى وغيرها. وتزودها بالماء قناة ركن آباد، وهى التى تغنى بها حافظ وشقها ركن الدولة البويهى أبو عضد الدولة؛ والقناة القادمة من قبر سعدى؛ وللمدينة ثلاثة مساجد جامعة:
١ - جامع عتيق وقد بناه عمرو بن الليث فى القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى).
٢ - المسجد الجديد الذى بناه سعد ابن زنكى الأتابك السلغرى فى النصف الثانى من القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى).
٣ - مسجد سنقر، الذى بناه أول أتابك سلغرى؛ وفى المدينة أيضًا كثير من أضرحة الأولياء مما حدا بالناس إلى تسميتها ببرج الأولياء، ونخص بالذكر منها أضرحة أحمد بن محمد بن موسى الكاظم العلوى، والشاعر بن الصوفيين سعدى وحافظ، وهى شمال المدينة. وثمة حديقتان فى المدينة هما حديقتا
стр. 6310
دلكشا وهفت تن، وتصنع المدينة الفسيفساء المعروفة باسم خاتم كارى، ومنسوجات الملابس، والشاش والديباج (القماش المقصّب) ومشاقة الحرير. وكانت المدينة مسقط رأس الشعراء: أثير المسمى شفعا، وأهلى، وبوسحاق (أبو إسحاق الحلّاج) وحافظ، وسعدى، وعرفى، وبابافغانى، ومانى، ومجد الدين همسكر، كما كانت مسقط رأس المصلح الدينى مجلى محمد الملقب بالباب.
وثمة قرية تحمل الاسم نفسه شمال سمرقند، على مسيرة أربعة فراسخ أو نحو ١٦ ميلًا منها (N.E.: Quatremere، جـ ١٤، ص ٤٩٠، J.A يناير ١٨٥٢، ص ٨٣، Voyage a Boukhara Burres، جـ ٣، ص ٢٠٧).
المصادر
(١) ياقوت: المعجم، طبعة Wustenfeld، جـ ٣، ص ٣١٨ = Dict. de la Perse: Barbier deMeynard, ص ٢٦١.
(٢) مراصد الاطلاع، جـ ٢، ص ١٣٩.
(٣) المكتبة الجغرافية العربية، (الإصطخرى، ص ١٢٤، ابن حوقل، ص ١٩٥؛ المقدسى، ص ٣٢٩).
(٤) الدمشقى، طبعة Mehren، ص ٢٤٠.
(٥) البلاذرى: فتوح ص ٣٨٨ و ٤٣٦.
(٦) حمد اللَّه مستوفى: نزهة القلوب، طبعة Strange Le، ص ١١٤ - ١١٧. الترجمة. ص ١١٢ - ١١٤.
(٧) ابن البلخى: فارس نامه (طبعة Nicholuos. Le Strange, سلسلة كب التذكارية، ١٩٢١)، ص ١٣٢ - ١٣٤
(٨) A Year amongst the Persians: E. G. Browne، ص ٢٦٣ وما بعدها.
(٩) The Lands of The Eastern Caliphate: Le Slrange، ص ٢٤٩ - ٢٥١ و ٢٩٣.
(١٠) سامى بك: قاموس الأعلام, جـ ٤، ص ٢٨٩٥.
(١١) La Perse, Chaldee et la Susiane: J. Dieulafuy، باريس ١٨٨٧، ص ٤٢٢ وما بعدها، ص ٤٤٠ وما بعدها.
стр. 6311
(١٢) Reize naar Arabie: Niebuhr، أمستردام ١٧٨٠، جـ ٢، ص ١٠٧ وما بعدها.
صبحى [إيوار Cl. Huart]
الشيرازى
أبو إسحق إبراهيم بن على بن يوسف الفيروزآبادى، فقيه شافعى، ولد فى فيروز آباد سنة ٣٩٣ هـ (١٠٠٣ م)، وشخص إلى شيراز لدراسة الفقه سنة ٤١٠ هـ، ومنها إلى البصرة، وبلغ بغداد فى شهر شوال سنة ٤١٥ هـ (ديسمبر ١٠٢٤ م)، حيث أتم دراسة الأصول على أبى حاتم القزوينى (المتوفى سنة ٤٤٠ هـ)، والفروع على أبى الطيب الطبرى (المتوفى سنة ٤٥٠): وبدأ يدرس فى بغداد سنة ٤٣٠ هـ (١٠٣٨/ ٣٩ م). (السبكى، جـ ٣، ص ١٧٧)، وسرعان ما اشتهرت دروسه شهرة جعلت الطلاب من جميع أنحاء العالم الإسلامى يجلسون عند موطن قدميه: وقد ولى كثير من تلاميذه مناصب القضاء والوعظ فى شرقى دولة الخلافة؛ وفى سنة ٤٥٩ هـ (١٠٦٧ م) ناط به الوزير نظام الملك فتح أول مدرسة عامة أنشاها فى بغداد وهى المدرسة النظامية، ولكن الشيرازى تخلف عن الحضور فافتتحها ابن الصباغ؛ وهدد تلاميذه بالانصراف عنه إلى ابن الصباغ فقبل آخر الأمر. وظل يعلّم فيها حتى حضرته الوفاة (ابن الصابى فى ابن خلكان، جـ ١، ص ٣٤)؛ فلما اشتد النزاع بين أبى نصر بن القشيرى (المتوفى سنة ٥١٤ هـ) وحنابلة بغداد حول أقوال الأشعرى وبلغ الخلاف غايته حتى أريقت بسببه الدماء، تحمس الشيرازى فانضم إلى صفوف الأشعرية وأقنع الوزير بأن يسجن شيخ الحنابلة (ابن الأثير، جـ ١٠، ص ٧١، السبكى، جـ ٣، ص ٩٨ وما بعدها؛ جـ ٤، ص ٢٥١)، ومن الشواهد على علو مكانته، الرحلة التى قام بها إلى نيسابور فى مهمة عهد بها إليه الخليفة فى شهر ذى الحجة سنة ٤٧٥ هـ (مايو ١٠٣٨ م) وكانت هذه الرحلة أشبه بموكب من مواكب النصر، فقد خرج إمام الحرمين فى نيسابور لاستقباله وحمل عباءته، وقد جرت بينه وبين
стр. 6312
إمام الحرمين مناظرات اعترف فيها إمام الحرمين بتفوقه عليه؛ وتوفى الشيرازى بعد عودته إلى بغداد بقليل فى الواحد والعشرين من جمادى الآخرة سنة ٤٧٦ هـ (٥ نوفمبر ١٠٨٣ م) ودفن فى جبانة باب أبرز باحتفاء كبير، وصلى عليه الخليفة صلاة الجنازة، وأغلقت المدرسة النظامية سنة كاملة بأمر منشئها حدادًا، عليه؛ وقد أمر الوزير تاج الملك (المتوفى سنة ٤٨٦ هـ) ببناء قبر ومدرسة قرب هذه المدرسة (ابن الأثير، جـ ١، ص ١٤٧).
وأهم آثاره هى: (١) "كتاب التنبيه فى الفقه" الذى ألفه سنة ٤٥٣/ ٤٥٢ هـ (طبعة Juynboll ليدن ١٨٧٩)، وهو مختصر فى الفقه كتبت عليه شروح كثيرة؛ (٢) "كتاب المذهب فى المذهب"، وهو كتاب شامل وضع فى السنوات ٤٥٥ - ٤٦٩ هـ، ولكنه لم يطبع بعد (انظر ياقوت: المعجم، جـ ٣، ص ٢١٤)؛ (٣) كتاب تذكرة المسئولين"، وهو كتاب فى الاختلاف فى عدة مجلدات يتناول أقوال الحنفية والشافعية، والظاهر أنه لم يصل إلى أيدينا (حاجى خليفة، رقم ٢٨٤٨)؛ "طبقات الفقهاء"، ويشمل سيرا مختصرة لفقهاء القرنين الأولين والمذاهب الأربعة حتى أيامه، وهو كتاب استشهد به كثيرا أصحاب الطبقات المتأخرون مثل النووى والسبكى وابن خلكان والقرشى ونقلوا عنه فى كثير من المواضع دون أن يذكروا مرجعهم.
المصادر:
(١) السمعانى: كتاب الأنساب، سلسلة كب التذكارية، جـ ٢٠، الورقة ٤٣٥ (٥)(٢) ياقوت: المعجم، طبعة Wustenfeld، جـ ٣، ص ٣٤٩.
(٣) ابن الأثير: الكامل، جـ ١٠، ص ٣٨ و ٧١ و ٨١ وما بعدها و ٨٥.
(٤) النووى: Biograph. dictionary، ص ٦٤٦ - ٦٤٩.
(٥) ابن خلكان: وفيات، جـ ١، ص ٥ وما بعدها.
стр. 6313
(٦) السبكى: طبقات الشافعية الكبرى، القاهرة ١٣٢٤ هـ، جـ ٣، ص ٨٨ - ١١١ و ٢٧٥ - ٢٨٠.
(٧) Schafi'iten: Wustenfeld، رقم ٤٥٢ (= Abh Gott Ges .Wiss xxxvll [١٨٩١].
(٨) G.A.L.: Brockelma، جـ ١، ص ٣٨٧؛ انظر أيضا جـ ١، ص ٣٢٤، رقم ٢.
صبحى [هفننك Heffening]
الشيرازى
أبو الحسين عبد الملك بن محمد: عالم فى الرياضيات نبه صيته حوالى منتصف القرن الثانى عشر وقد درس علمى الرياضيات والفلك اليونانيين. وكان يتوفر فى أيامه ترجمة عربية جيدة لمخروطيات (. . .) أبولونيوس البركاوى صنعها هلال بن أبى هلال الحمصى (المتوفى سنة ٨٨٣/ ٨٨٤) وثابت بن قرة الحرَّانى (٨٢٦ - ٩٠١). وقد استعان الشيرازى بهذه الترجمة فأعد ملخصا لمحتويات كتاب المخروطيات، ونجد ترجمته العربية فى أوكسفورد (مكتبة بودليانا، ٩١٣ و ٩٨٧ و ٩٨٨) وتنسب إليه أيضا ترجمة مختصرة للمجسطى لبطلميوس، الذى أعد منه قطب الدين الشيرازى (١٢٣٦ - ١٣١١) ترجمة فارسية. والترجمتان العربيتان لمخروطيات أبولونيوس لهما شأن عظيم فى تاريخ الرياضيات، إذ لم يبق فى العربية إلّا الكتب الثلاثة الأخيرة من الكتب السبعة لهذا المؤلف الهام، على أن الكتاب الثامن من المخروطيات كان قد غاب عن علم الناس عندما حل زمن المترجم العربى.
المصادر:
(١) Die Mathematiker und Astronomen der Araber und ihre Werke: H. Suter، ليبسك ١٩٠٠، ص ١٢٦ و ١٥٨.
(٢) Das funfte Buch der Conica des Appollonius von Perga in der Arabischen Ubersetzung des Thabit ibn Corrah: L.M.Ludwig Nix، ليبسك ١٨٩٩، ص ٣ - ٧) ولا يخلو من أخطاء طوبوغرافية).
صبحى [شوى C.Schoy]
стр. 6314
الشيرازى
صدر الدين المتوفى سنة ١٦٤٠ م: أحد الكبار المجهولين فى تاريخ العقل الإنسانى. وقد وجد فى غمرة الظروف التى أحاطت بحياته العلمية المتواضعة البائسة، الوقت والقوة لإقامة صرح مذهبه فى العالم، ولتنظيم وبسط جملة العلوم المعروفة فى زمانه وذلك وفقا لوجهات نظر جديدة. واستطاع أن يحل على وجه فيه طرافة وابتكار المشكلات الكبرى التى أسلمتها الفلسفة القديمة لعصره. ومذهبه فى العالم مذهب فى الوجود، فالأشياء التى لها وجود واقعى فى العالم والتى تحيط بنا، هى "أفراد جزئية للوجود". شبيهة بأجزاء لوجود لامتناه، وصادرة عن اللَّه مصدر النور كأنها أشعة منفصلة، وبناء على هذا المبحث يتصور الشيرازى كل مراتب الحقيقة الوجودية على وجه جديد: فما نأخذه من الأشياء على أنه "ماهية"، إنما هو تعين الأشعة المنفصلة "للوجود"، وما ندركه فى الأشياء على أنه "وجود"، إنما هو الوجود الفعلى لهذه الأشعة عينها. وعلى هذا النحو أصبح لدينا حل جديد، لتلك المشكلة الكبرى التى وجدت منذ زمان بعيد، وهى مشكلة "الماهية والوجود"، فقد نظر إلى الماهية والوجود"، على أنهما وجهتان مختلفتان للنظر، أو على أنهما وجهان مختلفان للحقيقة الوجودية الميتافيزيقية الواحدة.
ولقد كانت الفكرة القائلة بانتقال النفوس حية فى عصر الشيرازى الذى تحولت على يديه هذه الفكرة على وجه يلائم فلسفته الميتافيزيقية فى الوجود: فالنفس الإنسانية بما لها من روحانية ترقى إلى مرتبة من صور الوجود أعلى وإلى التشبه باللَّه، وإلى الاتصال باللَّه. ومبدأ هذا الترقى إنما يكون إذن فى العرفان الذى هو أرقى صور المعرفة. والذى بفعل ما يشتمل عليه يمحو من الإنسان نقائص الوجود وأخطاءه، ومن ثم يغمره بفيض من الكمال. فمعرفة عقولنا هى فعل من شأنه أن يكسب هذه العقول بتأثير العقل الفعال ماهية تجعلها قريبة من ماهية اللَّه الخلاقة. وليس اللَّه هو الوجود القديم فحسب، وإنما هو مركز القيم أيضا، وانعكاسات هذه القيم القديمة هى الأشياء المخلوقة،
стр. 6315
ولهذا فإن هذه الانعكاسات التى نجدها فى العالم وفى مظاهره المتكثرة المضطربة، والتى هى انعكاسات لحقيقة الخير والجمال والمحبة، إنما هى انعكاس للَّه تنبعث منه الأشعة إلينا فيظهرنا على اللَّه، وهاهنا يتبين لنا فى عين الوقت طريق الكمال الأخلاقى.
إن الاتجاهات الثلاثة الكبرى للحياة العقلية فى الإسلام قد وجدت نقطة التقائها فى الشيرازى الذى، وقد كان متكلما وفيلسوفا وصوفيا معا، قد زاوج ووازن بين الأفكار التى جرت بها هذه التيارات. على أن أخص ميدان له هو ميدان التصوف الفارسى ممثلا فى "الإشراق" كما أنشأه السهروردى، والذى عول فيه الشيرازى على ابن سينا والفارابى، وذلك باصطناعه أدلة أرسطية، وبتوسعه أيضا فى هذا المذهب لاسيما فكرة تطور الماهيات التى ينكر ثباتها. وقد دحض بمذهبه فى صدور الوجود اعتراضات هذا الضرب من التصوف الإسلامى المصطبغ بصبغة واحدية هندية. ويثبت لنا الشيرازى أن الفلسفة لم تمت فى الإسلام منذ سنة ١١٠٠، بل هى قد ازدهرت كذلك فى عصور لاحقة، ولقد جمع فى موجز مؤلف تأليفا جيدا الثقافة العليا التى كانت فى العصر الزاهر لحكم الشاه عباس.
المصادر:
(١) Die Gottesbeweise bei Shirazi: Morten، بون ١٩١٢
(٢) المؤلف نفسه: Das philosophische System des Shirazi ستراسبورغ ١٩١٣.
(٣) المؤلف نفسه Die philosophie des Islam ميونخ ١٩٢٤، ص ٩٣، وما بعدها, ١٢٤ - ١٢٦، فى مواضع مختلفة.
م. مصطفى حلمى [هورتن M. Horten]
حياة الشيرازى ومصنفاته
تعليق للدكتور محمد مصطفى حلمى
الشيرازى هو محمد بن إبراهيم القواص الملا صدر الدين، فارسى الأصل إذ كان موطنه شيراز، وعربى
стр. 6316
التصانيف إذ كتب كتبه بالعربية، ورحل إلى أصفهان وتلقى علومه بها، ثم إلى البصرة حيث توفى فيها وهو عائد من سفره حاجا إلى مكة، وكانت وفاته فى سنة ١٠٥٠ هـ.
وقد تلقى الشيرازى بعض العلوم الفلسفية على يد أستاذه الأمير داماد، وهو الأمير محمد الباقر ابن محمد الإسترآباذى الذى كان من أكبر وأشهر العلماء والفلاسفة فى العصر الصفوى، والذى كان يقيم فى أصفهان، وكانت له مجالس علم وتدريس يلتف فيها حوله الطلاب المقيمون والوافدون، مما جعل له منزلة علمية كبرى وأثرا بعيدا فى نفوس معاصريه بصفة عامة، وفى قلوب وعقول تلاميذه ومريديه بصفة خاصة، وليس أدل على ما كان له من أثر، من أن بين الذين أخذوا عنه، وتخرجوا عليه، صدر الدين الشيرازى الذى يمكن أن يقال إنه أجل فلاسفة العصر الصفوى شأنا، وأعظمهم خطرا، حتى لقد بلغ من دقة البحث، وعمق التفكير، وطرافة التحقيق، مبلغا جعله فى منزلة تأتى بعد منزلة كل من أرسطو وابن سينا.
وإذا كان صدر الدين الشيرازى قد عرف مذهب السهرودى المقتول فى حكمة الإشراق فأساغه وتمثله وتأثر به، فأكبر الظن أن يكون قد تأثر أيضا فى الناحية الإشراقية لمذهبه فى الوجود بما ألقاه أستاذه الأمير داماد من دروس وما خلفه من مصنفات، لاسيما ما كان من هذه المصنفمات وتلك الدروس مطبوعا بالطابع الأشراقى؛ ولعله قد تأثر من بين مصنفات أستاذه المطبوعة بهذا الطابع الاشراقى بكتابه (القبسات). وبما نظمه من شعر يدور على الإشراق، لاسيما ما كان من هذا الشعر فى المثنوى الذى نظمه وجمعه باسم (مشرق الأنوار).
ولصدر الدين الشيرازى مصنفات عدة فى موضوعات مختلفة، وكلها يدل على سعة علمه، ودقة بحثه، مما جعله خليقا بأن يعرف باسم "ملا صدرا"، و"مولانا صدرا" و"الأخوند"، وكل أولئك يعنى أنه يلقب ويعرف بالأستاذ: فمن مصنفاته الفلسفية: كتاب (الأسفار الأربعة فى الحكمة" وكتاب (شواهد الربوبية)، وكتاب (المبدأ والمعاد)، وكتاب (مفاتيح الغيب)، وكتاب
стр. 6317
(المشاعر)، ورسالة (القضاء والقدر). ورسالة (إنصاف الماهية بالوجود)، ورسالة (أكسير العارفين).
ومن مصنفاته الأخرى: كتاب (أسرار الآيات)، و (تفسير سورة الواقعة)، و (جزء فى التعبير)، و (شرح الهداية للآبهرى)، و (شرح أصول السكاكى).
شيركوه
أبو الحارث أسد الدين بن شاذى، وأخو أيوب بن شاذى أبى صلاح الدين، وكان شيركوه أول الأمر قائدا من قواد نور الدين أمير حلب ودمشق، ثم أصبح وزيرا للعاضد آخر الخلفاء الفاطميين، وكان بصفته هذه يحمل لقب التشريف الملك المنصور.
ونحن نلقى أول ما نلتقى بشيركوه فى تكريت حيث كان أخوه أيوب يتولى الحكم باسم الخليفة العباسى، ولكن شيركوه ارتكب جريمة قتل فلم تجد أسرته كلها بدا من مغادرة المدينة وعرض خدماتها على زنكى أمير حلب فقبل ذلك منهم، وظل شيركوه فى بلاط نور الدين محمود بن زنكى، وقد صدع شيركوه بأمر نور الدين فمضى إلى الاستيلاء على دمشق التى كان يدافع عنها أخوه أيوب باسم أمراء بنى بورى: وسوى الأمر بين الطرفين دون أن يضرب أحدهما فى سبيل ذلك ضربة واحدة واحتفظ أيوب بدمشق، ولكن باسم نور الدين الذى أقطع شيركوه ناحية حمص، وهذا منشأ إمارة حمص الأيوبية التى آلت فيما بعد إلى أحفاده.
وفى سنة ٥٥٨ هـ (١١٦٣ م) طلب شاور من نور الدين أن يساعده فى تولى منصب الوزارة فولى شيركوه أمر الحملة المشورية، وسار شاور وشيركوه على رأس جيش يقل عدده كثيرا عن عدد الجيش الذى حشده الوزير ضرغام وفاز فوزا مبينا فى وقعة قرب تل بصطة، ومهما يكن من أمر ما كان يدبره شيركوه أول الأمر لشاور فإن هذه الوقعة تعد نقطة هامة فى العلاقات بين الرجلين، ويبدو أن شيركوه كان يخشى نزعة التآمر التى كانت تسيطر على شاور، وكان تأكيد شاور من أن له عيونا فى جيش شاور يستقى منهم الأخبار، وهو أمر تحقق فى النهاية -مزعجا لشيركوه؛ وتولى
стр. 6318
شاور منصب الوزارة فانتقل النزاع بينهما من السر إلى العلن، ولم يرض شيركوه أن يرحل عن مصر قبل تنفيذ الإتفاق المعقود مع نور الدين، ونشب القتال بين الرجلين عدة مرات، وكانت الغلبة فى المواقع التى جرت بينهما فى ضواحى القاهرة لشيركوه، فاستنجد شاور بالفرنجة، وحوصر شيركوه فى بلبيس فاضطر إلى الإستسلام، وعاد إلى دمشق قبل أن ينصرم عام ٥٥٩ هـ (نوفمبر ١١٦٤ م).
وعاد شيركوه ٥٦٢ هـ (١١٦٧ م) فغزا مصر ليقاتل شاور مرة أخرى، وكان شاور لا يزال حليفا للفرنجة وقد فاز فى معركة بابين التى أجبره خصومه على خوضها، إلا أن هذا النصر الذى سفكت فيه الدماء سفكا لم يؤد إلى أية نتيجة حاسمة، ووجد شيركوه فى الإسكندرية قاعدة احتلها بسهولة ونصب ابن أخيه صلاح الدين واليا عليها؛ بيد أن هذا الجهد كله لم يأت بطائل، ذلك أن شاور أفلح فى الاستيلاء على المدينة مرة أخرى بعد حصار دام طويلا، مما أدى إلى رحيل شيركوه عنها.
على أن الخليفة العاضد اضطر إلى استدعائه بعد ذلك بسنتين عندما حاصر الفرنجة القاهرة وكانت نتيجة هذا الغزو الثالث فاصلة، فقد ارتبط مصير شيركوه بمصير مصر بعد رحيل الفرنجة ورفض أن يلبى دعوات نور الدين الملحة للاستنجاد به، وكان نور الدين يأبى أن يحرم الخدمات التى يؤديها له، وبعد مصرع شاور قبل شيركوه منصب وزير الخليفة العاضد، ولكننا لا نعلم: هل كان قد فكر فى قرارة نفسه فى إقامة دولة خاصة به أم لا؟ على أننا نعتقد أن العكس كان صحيحا، ويجوز لنا أن نفترض أن فكرة إقامة هذه الدولة طرأت على نور الدين، الذى صمم على أن يضرب ضربة مزدوجة ليعيد ضباطه إلى الولاء له وليحكم مصر ويضمها إلى مملكته السورية بعد أن يرد هؤلاء الضباط إلى المذهب السنى مرة أخرى؛ وكان من الواجب إثارة هذا الموضوع فى مادة تتحدث عن شيركوه نظرا لقرابته لصلاح الدين، ولكن ليس ثمة ما يدل على أن صلاح الدين قد اتخذ من ذلك موقفا محددا.
стр. 6319
وقد اتفق استيلاؤه على السلطان مع فتنة قام بها أهل القاهرة وأعملوا يد النهب والسلب حتى فى مكاتب الوزارة، وقد لحق شيركوه بابن أخيه صلاح الدين، وهو الذى وصفه وليم الصورى " William of Tyre" بقوله: " Vieltz, Patie de cors et mout gras وقد امتدح المؤرخون مقدرته، فقد كان على سنيته حكيما إذ سمح للمصريين بأن يظلوا مستمسكين بعقائدهم الدينية، على أن سلطانه لم يدم إلا فترة وجيزة جدا لا تكفى لإقامة نظام سياسى جديد للدولة، وتوفى شيركوه فجاه بعد أن تولى منصب الوزارة أكثر من شهرين بقليل، وكانت وفاته فى الثانى والعشرين من جمادى الآخرة سنة ٥٦٤ هـ (٢٣ من مارس سنة ١١٦٩ م)، فقد وقع فريسة لشراهته الشديدة فى الطعام التى كانت فى كثير من الأحوال تصيبه بعسر الهضم المصحوب بالاختناق.
وجرى الحديث بموته مسموما، وقد أوصى شيركوه صراحة بأن تنقل رفاته بعد موته إلى المدينة، ولم يتم ذلك إلا بعد ستة عشر عاما.
وكان من خلفائه بعض المماليك الذين عرفوا فى مستهل العهد الأيوبى باسم الأسدية، وقد استخدمت هذه النسبة نفسها فى تسمية المدارس التى بناها فى حلب وفى دمشق.
المصادر:
(١) انظر مادتى "الأيوبيون" و"شاور".
(٢) أبو شامة، جـ ١؛ ص ٨ و ١٠، ١٥ و ٤٦ - ٤٨ و ٥٥ و ٥٨ و ٦٧، ٨١ و ١٠٧ - ١٠٩ و ١٢٠ و ١٢١ و ١٢٢ - ١٢٤ و ١٢٩ - ١٣٢ و ١٣٧ و ١٤١ - ١٤٧ و ١٥٤ - ١٦٢ و ١٦٦ - ١٧٤ و ١٧٨ و ١٨٠ و ٢١٠ - ٢١١؛ جـ ٢، ص ٦٧ و ٢١٨
(٣) ابن شحتة، تاريخ حلب، ص ١١٢ و ١١٩.
(٤) كمال الدين: تاريخ حلب Hist d, Alep, ترجمة Blochet، ص ٢٣٠.
(٥) Oumara: Derenbourg، جـ ١ الجزء الفرنسى، الفهرس، ص ٣٩٦.
(٦) ابن خلكان، طبعة بولاق، جـ ١، ص ٢٨٤، ص ٢٨٥؛ جـ ٢، ص ٥٠٢.
стр. 6320
(٧) ياقوت: إرشاد الأريب، طبعة Margo liouth، جـ ٢، ص ٢٤٧.
(٨) القلقشندى: صبح الأعشى، جـ ٤، ص ١١٢، جـ ١٠، ص ٨٠، ٦ - ٩٠.
(٩) La Syrie: Gaudefroy Damombynes, ص ٧٦.
(١٠) المقريزى: خطط، جـ ٢، ص ٣٤٣
(١١) أبو المحاسن: النجوم الزاهرة، طبعة Popper جـ ٣، ص ٥٦.
(١٢) على باشا مبارك: الخطط الجديدة، جـ ١، ص ١٩.
(١٣) Von Kremer فى S.B.A.K wien.١٨٥٠، جـ ٤، ص ٣٠٥ و ٣٠٨.
(١٤) A: J. Descr. de Damas, Sauvaire، ١٨٩٤، جـ ١، ص ٣٠٤ و ٣٨٧ - ٣٨٨ و ٤٥١ و ٤٧٤، جـ ٢، ص ٤٩٢.
(١٥) At Qadi Al Fadel: Helbig ص ٥٥ - ٥٦.
صبحى [فيت G. Wiet]
شيروان
وتكتب أيضا شروان بفتح الشين أو كسرها (مثال ذلك: ياقوت، جـ ٣، ص ٢٨٢ س ٧؛ ورواية السمعانى، طبعة Margoliouh، الورقة ٣٣٣ (أ): ناحية على الساحل الغربى لبحر الخزر، شرقى الكر، وكانت فى الأصل جزءا من ألبانيا القديمة أو آران، التى كانت معروفة فى مستهل القرون الوسطى. ويقول الإصطخرى (ص ١٩٢ = ياقوت، جـ ٣، ص ٣١٧، س ١٩) إن الطريق من برذعه كان يؤدى إلى دربند مارا بشيروان وشماخية (وفى ياقوت شماخى)؛ وفى رواية الإصطخرى أن الرحلة من شماخية إلى "شروان" كانت تستغرق ثلاثة أيام، وقد ذكر فى بعض المخطوطات وفى ياقوت الاسم "شابران" بدلا من "شروان". وفى كتاب حدود العالم الذى لا يعرف كاتبه (الورقة ٣٣ (ب))، ذكر أن شابران (وقد كتبت فيه شاوران)، هى قصبة شيروان، ولم يفقد الطريق ولا المدن القائمة عليه أهميتها إلا بعد إنشاء الخط الحديدى فيما وراء القوقاز. وقد ظلت شابران تذكر كمدينة إلى وقت متأخر يرجع إلى سنة ١٥٧٨، فى تقرير
стр. 6321
الغزوات التركية لتلك السنة (v.Hammer: O.R.G، جـ ٢، ص ٤٨٥)؛ وظهر فى القرن السابع عشر بلدة جديدة اسمها قبا أو قوبا بوصفها قصبة الخان الذى يحكم تلك المنطقة، على مسيرة ١٥ ميلا شمال غربى شابران، ولم يجد كملن Gmelin إلّا خرائب "حقيرة" فى شابران تخلفت من البلدة القديمة التى كان أهلها قد هجروها تماما وقتئذ (Untersuchung Reise durch Russland zur drr Drey Naturreiche: S.G.Gmelim، جـ ٣، ص ٣٦)؛ وكانت أهميتها كمركز للتجارة قد انتقلت إلى قوبا، وقد رحل ورنتسوف Worontsow، حاكم دربند، فى تاريخ متأخر يرجع إلى سنة ١٨٥١، إلى تفليس عن طريق قبه وشماخة وكجة (Archiv Knyarya Woronsowa، جـ ٤٠، ص ٤٠٥).
ويقال إن شماخى، وبالروسية شمخه، وهى قصبة شيروان من بعد، أنشئت فى العصر الإسلامى، وقد نسبت (البلاذرى، ص ٢١٠) إلى شماخ ابن شجاع ملك شيروان فى عهد ولاية سعيد بن سلم (معاصر الخليفة هارون الرشيد؛ انظر اليعقوبى: تاريخ، جـ ٢، ص ٥١٧ وما بعدها؛ الطبرى، جـ ٣، ص ٦٤٨)، وكانت شيروان بوصفها ملك الشيروانشاه تشمل الأراضى الممتدة من الكرّ إلى دربند؛ وقد ذكر أن هذه الحدود كانت هى نفسها حدود شيروان فى العصر المغولى (فى حمد اللَّه القزوينى: نزهة القلوب، طبعة Le Strange، ص ٩٢، س ٧)؛ وقد أصبحت القصبة شماخة من بعد ذات شأن. وبخاصة كمركز لصناعة الحرير وتجارته، ، فلما ألغى الصفويون اللقب شيروانشاه، أصبحت شيروان ولاية فى فارس. وكان يحكمها فى العادة خان كثيرا ما لقب ببكللربك أو أمير الأمراء. وقد ثار أهل البلاد عدة مرات على الأسرة الشيعية الحاكمة واستنجدوا بسلطان تركية بوصفهم من أهل السنة؛ واستولى الترك سنة ١٥٧٨ على شيروان كما استولوا على أرض قوقازية أخرى، واحتفظوا بها بعد سلسلة من الوقائع اختلفت نتائجها، ثم نزل عنها للسلطان آخر الأمر بمقتضى معاهدة سنة ١٥٩٠. وقد قسمت
стр. 6322
شيروان فى عهد الترك إلى أربعة عشر سنجقا، وكانت تشمل: شكى فى الشمال الغربى وباكو فى الجنوب الشرقى، أى شيروان بأسرها تقريبا التى عرفت فى القرون الوسطى. وكانت دربند، التى انفصلت عن شيروان منذ زمن طويل، ولاية مستقلة بذاتها، ولم يستتب الأمر للفرس فيها استتبابا إلا سنة ١٦٠٧، وفى القرن السابع عشر أعطيت قبا وساليان بوصفهما إمارة مستقلة إلى القيتاق الذين كانوا قد هاجروا جنوبا. وفى سنة ١٧٢٢ خضع حسين على، خان قبا، لبطرس الأكبر وثبت فى منصبه، وبمقتضى المعاهدة التى عقدت بين روسيا وتركية سنة ١٧٢٤، فصل الإقليم الساحلى هو وباكو سياسيا عن بقية شيروان للمرة الأولى، وكان الروس يحتلون هذا الإقليم فى ذلك الحين، وقد ترك للأتراك هذه البقية من شيروان ومن ضمنها شماخة قصبتها، وظل هذا التقسيم قائما فيما يتعلق بالإدارة حتى بعد أن ألحق القسمان بفارس مرة أخرى. وبمقتضى معاهدات سنة ١٧٣٢ ظلت الأراضى الساحلية شمالى الكر من أملاك الروس والأجزاء الأخرى من شيروان وداغستان من أماوك الترك؛ ، وإنما نزل الروس عن الأراضى الساحلية طوعا لنادر شاه (معاهدة كنجة، ١٠/ ٢١ مارس سنة ٧٣٥) بعد أن انتزع نادر شاه هذه الأراضى من الترك بقوة السلاح.
وكان الاستيلاء على شماخة فى ٢٢ من أكتوبر سنة ١٧٣٤، ثم مات نادر شاه فلم يعد من الممكن فرض الحكم الفارسى على هذه المناطق، وقامت عدة إمارات مستقلة بذاتها، وأصبح الاسم شيروان مقصورا على إقليم خان شماخة الذى انقسم فى العهد الروسى ثلاث نواح إدارية (شماخة وكوك جاى وجواد) وأفلح فتح على، خان قبا (١٧٥٨ - ١٧٨٩) فى إخضاع دربند وشماخة لسلطانه، ومن ثم فقد صدق دورون Dorn إذ قال: "لقد تمثل فيه بحق روح الشيروانشاهيه". وراودت فتح على فى السنوات الأخيرة من عهده فكرة إخضاع بلاد فارس نفسها لحكمه واعتلاء عرش حكام إيران، ولما أفلح القاجارية فى إعادة الوحدة لبلاد
стр. 6323
الفرس، لم يعد أولاد الخان بمستطيعين أن يحتفظوا باستقلالهم، وكان شأنهم فى ذلك شأن زعماء القوقاز الآخرين، ولم يجدوا بدا من الاختيار بين روسيا وفارس. وكان الجنرال زوبوف (General Zubow) الذى أوفدته كاترين الثانية قد بلغ الكرّ أسفل جواد (١٧٩٦) عندما استدعاه القيصر بول هو وجيشه، وخضع مصطفى خان شيروان (شماخة) الذى كان قد دخل فى مفاوضات مع زوبوف للروس سنة ١٨٠٥، واحتل الروس دربند وباكو فى السنة التالية (١٨٠٦)، ولكنه سرعان ما بدأ يتقرب إلى الفرس واستنجد بهم، وبمقتضى معاهدة كلستان (أكتوبر ٢٤/ ١٢ سنة ١٨١٣) نزلت فارس عن كل حق لها فى دربند وقبا وشيروان وباكو، على أن مصطفى ظل يتعامل سرا مع فارس، ولم تحتل الجيوش الروسية أرضه إلا سنة ١٨٢٠. وهرب الخان إلى بلاد فارس وضمت شماخة إلى الأراضى الروسية، وانتهز مصطفى، وحسين من قبله وهو أحد خانات باكو الأولين، نشوب الحرب مرة أخرى سنة ١٨٢٦ فحاولا إثارة رعاياهما على روسيا، ولكنهما لم يفلحا فى ذلك. ومنذ سنة ١٨٤٠ ألحقت أراضى خان شيروان السابقة بقبا وباكو وتألفت منها جميعا منطقة إدارية واحدة (سميت أول الأمر "بإقليم الخزر"، ثم سميت منذ سنة ١٨٤٦ "حكومة شماخة"، وسميت منذ ١٨٥٩ "حكومة باكو" وذلك بعد أن دمر شماخة زلزال من الزلازل الكثيرة التى تقع فى تلك المنطقة). وتؤلف شيروان القديمة فى الوقت الحاضر جزءا من جمهورية أذربيجان السوفيتية وقصبتها باكو، وقد ألغى الروس التقسيم إلى "حكومات" واحتفظوا بالتقسيم إلى "دووائر"، وكان عدد سكان قصبة شيروان القديمة، فى وقت متأخر يرجع إلى منتصف القرن التاسع عشر، أكبر من عدد سكان باكو، فقد قال ريتر (Geografisch tistishe I.sexicion: Ritter الطبعة الخامسة sta، ١٨٦٤ - ١٨٦٥) إن عدد سكان شماخة كان ٢١.٥٥٠ نسمة، وباكو ١٠.٦٠٠ نسمة، وفى العقد التاسع من القرن الماضى انقلبت الآية (انظر Putevoditel' po Kawkaz: E.Weidenbaum،
стр. 6324
تفليس ١٨٨٨، ص ٣٤٢ و ٣٩٦: باكو ٤٥.٦٧٩ نسمة، وشماخة ٢٨.٥٤٥ نسمة)، وشماخة الآن بلدة صغيرة جدا إذا قورنت بباكو (١٩١٧: باكو ٢٣١.٠٠٠ وشماخة ٢٧.٨٠٠).
المصادر:
انظر بوجه خاص Gesstatthaltern Shirwans unter dem chichte und Chanen von ١٥٣٨ - ١٨٢٠ (Beitrage zur Geschichte der Kaukasischen Lander und Volker, ii = mem.del'Acad,etc,Ser,٦,Sciences Politiques, etc.,V ٣١٧ - ٣٤٤): B.Dorn
صبحى [بارتولد W. Barthold]
الشيعة
الاسم الشامل لمجموعة كبيرة من فرق إسلامية مختلفة أشد الخلاف، ترجع نشأتها جميعا إلى القول بأن عليا رضى اللَّه عنه، هو الخليفة الشرعى بعد وفاة النبى ﵊.
دوافع الشيعة والعصر الأول
الإسلام ظاهرة دينية وسياسية وكذلك كان مؤسسه نبيا ورجل دولة معا، وعلى ذلك فإن تطور الأمة الإسلامية إلى طوائف متفرقة كان نتيجة طبيعية للصلات الطبيعية المحتملة التى يمكن أن تكون قد قامت بين الدستور السياسى والعقيدة الدينية. ويمكن أن نتبين فى هذا المقام ثلاثة مذاهب كبرى: المذهب الوسط فيها هو الذى يتمسك به أهل السنة؛ وإنه ليتجلى فى المبدأ الجوهرى الذى جعله أهل السنة أساسا لمذهبهم، وهو "أن تكون الإمامة فى قريش" اعترافا بواقع تاريخى، وهو أن الدولة الإسلامية كانت تحكمها فى القرون الأولى أسر مكية. فأما المطلب الذى يسهل إدراكه، وهو أن الحكام الذين يمثلون الدولة التى قامت على الدين يجب أن يكونوا شخصيات دينية بالمعنى الحقيقى، فإنه أدى عند أهل السنة أيضا منذ وقت مبكر جدا إلى تمييز الخلفاء الأولين ووصفهم بأنهم: "الأربعة الراشدون"، ثم واجههم بمهمة البحث عن مبررات تجعل طاعة الخلفاء القليلى الشأن، بل طاعة السلاطين الغرباء، واجبا يفرضه الدين أيضا ما دام القيام بأحكام
стр. 6325
الشريعة وحفظ النظام مكفولين تحت حكمهم. لكن التحذيرات الدائمة من حكام الدنيا، مع أنهم كانوا فى الواقع على مذهب أهل السنة، تلك التحذيرات التى لم تكن تأتى من جانب أهل الورع وحدهم، تدل على مقدار ما كان فى النفوس من قلة الرضا عن مثل هذه المبادئ.
وعلى هذا فإنه إذا لم تكن عند أهل السنة نظرية واضحة بمقدار ما كانت عندهم محاولة للتوفيق بين المثل الأعلى الدينى والواقع السياسى، فإنه قد ظهرت على جانبى جمهور الأمة الإسلامية نظريتان الأولى تطالب بالفصل الواضح بين المسألة الدستورية والمسألة الدينية (١)؛ والثانية تمزج بين الاثنين.
والنظرية الأولى، ولو أنه كان لها وجود من قبل، فهى إنما قد ظهرت على الملأ فى الفتنة الأولى (٢) التى قامت عند الخوارج الذين لم يجعلوا لمسألة نسب الخليفة شأنا دينيا إلى حد أنهم أجازوا أن يكون "عبدا حبشيا". أما الشيعة فإنهم جعلوا لمسألة الإمامة قيمة دينية، وكتبهم فى العقائد تشتمل على باب خاص يتمشى مع مضمون حديث يرونه هو: من مات جاهلا بالإمام الحق فى عصره مات كافرا.
وأقدم وقت قامت فيه الشيعة السياسية، وبعبارة أدق شيعة على هو منذ وفاة النبى ﵊، أما إذا أخذنا بروايات الشيعة، فإن الشيعة الأولى كانت تتألف من ثلاثة أشخاص هم: سلمان الفارسى وأبو ذر الغفارى والمقداد بن الأسود الكندى، فهؤلاء، فيما يدون الشيعة، كانوا هم وحدهم (وبعض الروايات تذكر أسماء
стр. 6326
أخرى قليلة) الذين دعوا بعد وفاة النبى ﵊ إلى أن يكون علىّ هو خليفة النبى، أى أنهم فى رأى الشيعة لم يرتدوا عن الدين، وذلك أن مبايعة سائر صحابة النبى [ ﷺ ] لأبى بكر عدت فى نظر غالبية الشيعة "ردة". غير أن الروايات، خصوصا المتعلقة بسلمان الفارسى روايات أسطورية بحتة (Horovitz فى مجلة، Islam جـ ١٢، ص ١٧٨ وما بعدها). وقد ألصقت باسم سلمان طائفة. كبيرة من الروايات الشيعية المتأخرة، ونسبت إليه نبوءات كثيرة حول مصير العلويين فيما يستقبل من الزمان.
على أن ما كان يبتغيه الشيعة من أن تبقى الإمامة فى الإسلام للعلويين، باعتبار أنهم "آل بيت" النبى ﵊، بقى من غير أن يتحقق. فخلافة علىّ بين عامى ٣٥ و ٤٠ هـ (٦٥٦ - ٦٦١ م) لم تكن سوى خلافة قصيرة؛ على حين أن ابنه الحسن لا يندرج فى عداد الخلفاء. وكانت أول إمارة علوية مستقلة هى التى أسسها إدريس بن عبد اللَّه الحسنى فى مراكش سنة ١٧٢ هـ (٧٨٩ م)؛ لكن بلاده كانت جميعا على مذهب أهل السنة؛ ومعنى هذا أنه لم تكن ثمة دولة شيعية بل مجرد إمارة علوية. مثلما وجدت بعدئذ دول صغيرة يحكمها أمراء علويون. وكان إمام صنعاء فى اليمن هو الشيعى الوحيد بين هؤلاء الأمراء، وقيل هو فى الحقيقة زيدى.
ولم كان نشاط الشيعة قد لقى فى الميدان السياسى مقاومة شديدة جدا لم يتمكن معها من تحقيق أغراضه، فقد اقتصر على الميدان الدينى، وهنا ساعدته تجاربه السياسية على نحو فريد فى بابه، ذلك أن استشهاد الواحد من العلويين كان يعقب استشهاد الآخر، وكان مقتل الحسين الذى لقى مصرعه بسيوف جند الدولة، أكثر مما كان دم على الذى اغتاله فرد من الخوارج، هو بذرة مذهب الشيعة، وهكذا عاد إلى الظهور بين الشيعة عنصر الاستناد إلى آلام الشهداء،
стр. 6327
وهو العنصر الذى كان الإسلام الرسمى (١) قد فقده منذ ذلك التحول الذى وصل بعد الهجرة بمجرى حياة النبى ﵊ إلى ذروة الحظ فى الدنيا وختم حياته بموت هادئ بعيد عن كل صور المأساة المروعة. فأما الشيعة؛ فإن ميلهم إلى الاستفادة من آلام الشهداء قد تعمق فى نفوسهم إلى حد أنهم فى قصص لهم يصعب التحقق من أمرها، صوروا نهاية بعض العلويين الذين لم يبرزوا قط فى أى شأن، فى صورة الاستشهاد، مسمومين فى الغالب بإيعاز من الخلفاء. مثل الحسن بن على، وجعفر الصادق وعلى الرضا وغيرهم.
وهذا الشعور بآلام الشهداء الذى يمكن أن يظل أمرا دنيويا، وقد ظل عند الزيدية الذين هم أقرب المسلمين إلى أهل السنة، أمرًا ممعنا فى الدنيوية، قد تحول عند غالب الشيعة إلى أمر دينى محض، بمعنى أن مقتل الحسين مثلا كان عندهم بمثابة تمهيد الطريق إلى الجنة (٢)، فإن ذلك يرجع إلى أن تصورا دينيًا ارتبط بعنصر الاستفادة من آلام الشهداء، قد انضاف إلى الأمر.
وإذا نحن نظرنا إلى الشيعة من هذا الوجه استطعنا أن نعبر عما يميزهم على النحو الآتى: الركن الأول: أؤمن باللَّه الواحد؛ والركن الثانى: أؤمن بالوحى الذى فى القرآن، وهو قديم غير مخلوق، بعد هذا يأتى الركن الثالث: أومن بأن الإمام الذى اختاره اللَّه حاملا لجزء من الجوهر الإلهى هو السبيل إلى النجاة.
على أنه إذا كان مثل هذا الإمام يختص فى نظر من يؤمن به بصفة، أو كما هو الغالب بجوهر من أصل إلهى، فإن هؤلاء الأتباع لا يتعزون عن موته بأنه يكون حيا فى الجنة حياة يشاركه
стр. 6328
فيها غيره من المؤمنين، وإن كانت حياته أغلى من حياتهم، بل إنه فى نظرهم يبطل معنى الموت بالنسبة للإمام، وذلك بسبب فكرة الرجعة، أعنى الإيمان بأن الخليفة قد غاب وأنه سيرجع، فالإمام يصبح هو المهدى المنتظر. ولا يتمسك الكثيرون بالناحية الدنيوية للإمام بل يرون أن الجانب الإلهى فيه ينتقل إلى الإمام الذى يأتى بعده، وذلك على سبيل الاعتقاد بالتناسخ. ومما يدل أيضا على التفاعل بين عنصر الاستناد إلى آلام الشهداء وفكرة ظهور الإله فى البشر، أن انتظار رجعة الإمام، وهو ينشأ من التصور الثانى، يزداد قوة بتأثير عنصر الاستشهاد، ولكن انتظار رجعة الإمام يمكن أن يظهر مستقلا عن الاستشهاد كما يدل على ذلك القول بغيبة المهدى محمد بن الحنفية.
وحالة المراجع التى بين أيدينا لا تسمح لنا بالنظرة اليقينية فى التطور التاريخى لالتقاء الدوافع المختلفة للشيعة، فلابد إذن أن يظل من بين المسائل المطروحة للبحث هذه المقالة: إلى أى حد كانت آراء الشيعة من ظهور الإله فى البشر ومن شفاعة الإمام استمرارا مباشرا لتلك التصورات المماثلة التى ناطها بحسب ما يرويه ابن إسحاق بعض شعراء الإسلام الأولين بشخص محمد ﵊ (١)؛ أى أننا يمكن أن نتساءل: إلى أى حد كانت هذه الأفكار الدينية عند الشيعة داخلة فى الإسلام قبل سنة ١١ هـ (٦٣٢ م). أما فى عهد على فإن هذه الأفكار تبدو ذات صبغة اعتقادية دينية قوية. وإذا كانت الروايات المتعلقة بعبد اللَّه بن سبأ ما زال يكتنفها الغموض، فإننا نرى الأمور أوضح من ذلك بعض الشئ عند كثير من الشعراء المائلين إلى التشيع. فرجل مثل أبى الأسود الدؤلى، وهو قد حارب إلى جانب علىّ فى وقعة صفين، يمدح عليا مدحا يبلغ حد الافتتان فيقول:
стр. 6329
إذا استقبلت وجه أبى حسين ... رأيت البدر راق الناظرينا
فقد علمت قريش حيث كانت ... بأنك خيرهم حسبًا ودينا
فقد كان موقف أبى الأسود من علىّ ذا صبغة دينية (١)، وهو يسميه بحسب الأحاديث المتعلقة بالموضوع والتى كانت معروفة له، بقوله: "مولانا" و"وصيّنا". وكثيرا ما نصادف عبارات مثل: "إنى أرجو اللَّه والدار الآخرة بحبى لعلىّ، وكان كثّير الشاعر المتوفى سنة ١٠٥ هـ (٧٢٣ م) ينتظر رجعة محمد بن الحنفية. وكان الكميت المتوفى سنة ١٢٦ هـ (٧٤٣ م) يتغنى بالنور الذى انتقل بوساطة محمد من آدم إلى أهل البيت.
وفى العصر العباسى جاءت خيبة الآمال السياسية، فزادت فى ذلك الحب الدينى، وأفرد له السيد الحميرى قصائده. وكذلك إذا رأينا دعبلا "شاعر أهل البيت" يهجم هجوما لا تحفظ فيه على بيت الأمراء الذى يرث فيه الخلافة فاسق عن فاسق، فإنه يمكن تعليل هذا الهجوم بإيمان دعبل بحق على الرضا فى الإمامة دون غيره فى ذلك العصر؛ ودعبل فى قصيدة له فى مقتل الحسين الذى كثيرا ما قيلت فيه القصائد قبل ذلك ينتظر "القائم" فيقول:
فلولا الذى أرجوه فى اليوم أو غد ... لقطع قلبى إثرهم حسراتى
خروج إمام لا محالة خارج ... يقوم على اسم اللَّه والبركات
على أنه حتى فى الميدان السياسى لم تكن القيادة فى الغالب للعلويين أنفسهم، فقد كان أتباعهم هم الذين يستحثونهم، كما حدث للحسين ولزيد ابن على، أو هم قد استغلوهم لأغراض سياسية، كما حدث لمحمد بن الحنفية على يد المختار؛ ولمحمد بن طباطبا؛ ومحمد بن محمد بن زيد على يد أبى السرايا. وكذلك كانت الحال فى الميدان الدينى. فقد كان مع كل علوى بارز قومٌ متعصبون. ولنذكر ممن كان حول على
стр. 6330
مولاه قنبر الذى يروى أنه كان يرى فى سيده "لسان كلمة اللَّه". ومما يدل على أن مثل هذا الكلام كان لا يزال معتدلا حكاية تصور لنا "قنبر" وهو يحارب أولئك الشيعة الغلاة الذين نسبوا الربوبية لعلى، فأحرقهم هو وقنبر. وكذلك صحب زين العابدين بن الحسين وابنه محمدا الباقر، جابر بن عبد اللَّه الأنصارى الذى كان من أهل المدينة الأولين الذين بايعوا النبى ﵊ بيعة العقبة الأولى. وهو قد ظهر أمام هذين العلويين الشابين بمظهر المحافظ على استمرار العقيدة الشيعية. وأخذ من محمد الباقر الوعد بالشفاعة له يوم الحساب، وكان حول الباقر نفسه وحول خلفيه: جعفر الصادق وموسى الكاظم علماء مثل: جابر بن يزيد الجعفى، وهشام بن سالم الجواليقى بن الحكم الذى كان أسير حرب، ويونس بن عبد الرحمن مولى على بن يقطين بن موسى، وكان يونس أيضا من شيعة على الرضا الكثيرين. وكانت المبادئ الأساسية لشريعة الشيعة بطبيعة الحال على المنهج الإسلامى.
الحديث: والشيعة سنيّون أكثر كثيرا من أهل السنة. ولا يصح أن نرجع بداية أحاديثهم إلى عهد جد متأخر، لأننا نجد أن بعضها يرجع إلى عهد متقدم يرد إلى أبى الأسود الدؤلى، وأشهرها: على هو هارون؛ على هو الوصى الذى أوصى له الرسول، واختاره الرسول واللَّه؛ على هو المولى؛ آل البيت هم سفينة نوح؛ آل البيت هم والقرآن كنزا الأرض؛ محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين هم أصحاب الكساء الخمسة.
ومثل هذه الأركان تؤيد تأويلا للقرآن يتخذ الكثير من الآيات (مثل سورة الأحزاب، الآية ٣٣؛ سورة الحديد، الآية ٢٦؛ سورة النور، الآية ٣٥) أدلة على ما يعتقده الشيعة من حقوق.
وكان ما اختص به الشيعة من تراث شيئا يلائم البحث النظرى فى مسائل العقائد ويحرك الخيال الدينى إلى حد أن الشيعة لم يستطيعوا قط أن يصلوا فيما بينهم إلى اتفاق واسع المدى، كما توصل أهل السنة. ويمكن أن نتبين عند الشيعة ثلاث فرق كبرى:
стр. 6331
فالزيدية، وهم أقرب ما يكون إلى أهل السنة، ينزعون فى مسألة ظهور الإله فى الأئمة نزعة عقلية من كل وجه، ويؤولون ذلك على معنى أنه مجرد الهداية والتوفيق، وهم ينكرون حلول النور الإلهى فى شخص معين من العلويين. أما استشهاد الأئمة فإنه اتخذ عندهم صبغة سياسية من حيث الجوهر، وهى المحاولات المستمرة المتجددة للوصول إلى الهدف، وهو استيلاء العلويين على الخلافة، وذلك فى آخر الأمر من طريق السيف وبعون اللَّه. وهم قد نجحوا فى مقاومة كثير من الآمال التى كانت تعلق على ظهور المهدى والتى ظهرت بينهم أيضا.
أما عند أهل الطرف الآخر من الشيعة فإن ظهور الإله قد اتخذ صورة الحلول المطلق. فالعنصر البشرى فى الإمام يتلاشى تماما، وأخيرا لا يبقى إلى جانبه محل للإله. والزيدية والإمامية الذين يمثلون المذهب الوسط يحاربون هؤلاء الشيعة الحلوليين حربا شعواء ويعتبرونهم غلاة (جمع غال) يسيئون إلى الشيعة، بل يعتبرونهم مارقين من الإسلام. أما عند الإمامية فالإمام إنسان، ولكن فيه جوهر نورانى إلهى دخل فيه من طريق حلول جزئى وموت الإمام عند الغلاة كالدروز مثلا، هو مجرد غيبة هذا الشخص المؤلَّه، وعندهم تصير قوة التدين سرورا بالموت. وهم عن قصد اعتقادى يؤولون أن هذا الموت اختيارى: هم يقولون إن اللَّه بعث إلى الحسين فى يوم كربلاء ملك النصر لكنه أحب لقاء اللَّه.
وعلى مر التاريخ لم يكن بدٌّ بحكم الضرورة من أن تنقسم كل فرقة من هذه الفرق الثلاث إلى شعب كثيرة، وذلك حول الأفكار الشيعية الخاصة بكل فرقة؛ ونشأت كثمرة لجهود الزيدية إمارات صغيرة فى طبرستان وبلاد الديلم منذ عام ٢٥٠ هـ (٨٦٤ م)، وفى بلاد اليمن منذ عام ٢٨٨ هـ (٩٠١ م)، وهذه الإمارات لم تستطع بسبب تباعدها أن تؤلف وحدة أو حتى ما يشبه الوحدة. وزيدية العراق الذين لم يستطيعوا قط أن يصلوا إلى الاستقلال السياسى، ونالوا العوض عن ذلك من طريق ما كان لهم من تأثير كبير فى دولة الخلفاء، كان لابد لهم فى كثير من الأحيان أن يسايروا الأحوال
стр. 6332
هناك بالمزيد من الالتجاء إلى التقية أو الكتمان.
أما اتجاه الغلاة الذى كان أشد الاتجاهات الشيعية بعدا فى مجاوزة القول بشئ يورث عن النبى محمد ﵊ وهيأ أكبر مجال للنزعات التى تصدر عن الأفراد فإنه ظهر فى صور مختلفة فيما بينها اختلافا كبيرا، وذلك عند جماعات القرامطة والإسماعيلية والدروز وأخيرا عند جماعة النصيرية وجماعة على إلهى. وهنا ازداد تحرر الشيعة الغلاة من أشخاص آل البيت. وقد تجلى هذا بالفعل عند الكيسانية الذين لم يكن إمامهم، وهو محمد بن الحنفية، من أبناء النبى ﵊، وهو يتجلى أيضا فى حديث يروى عن النبى ﵊ وهو قوله: سلمان الفارسى من أهل البيت؛ وهو فوق ذلك قد أدى مثلا فى القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادى) عند الحروفية إلى تنحية أئمة العلويين من طريق دعوى حلول الإله فى فضل اللَّه الإسترآباذى.
لكن الفكرة الأساسية عند الإمامية أيضا كانت تحمل فى ذاتها بذور الانقسام، ذلك أن الاتصال بين الإله والإنسان لا يتم فى نقطة تقاطع بل فى خط متصل، ولا يكون فى شخص منفرد بل فى سلسلة غير منقطعة من الأئمة المؤيدين بالوحى والذين يعين الأب منهم ابنه من بعده فى كل جيل؛ أو أنه فى قول آخرين: ينتقل العنصر الإلهى من الإمام إلى ابنه الأكبر مباشرة، إذا كانت أم هذا الابن أيضا من أهل البيت. لكن الولاء الدينى للإمام والتمسك به كان يبلغ أحيانا من القوة بحيث لا يستطيع الموالى له أن ينصرف عنه بعد أن يموت، أى أنه لم يكن يؤمن بأنه قد مات حقيقة، أو قد كان يحصل أن يكون خلف الإمام شخصا غير أهل للإمامة بالكلية أو أن يكون صبيا قاصرا، أو كان يحدث ألا يكون هناك إمام على الإطلاق، وهكذا نشأت فرق فرعية هى الواقفية والقطيعية أو القطعية. والأولون يترددون فى القول بموت الإمام، ولذلك يقفون عنده، ويرون فيه المهدى، والآخرون يقطعون
стр. 6333
بموت الإمام، ولذلك يستمرون فى بيان تتابع الأئمة. وهناك طائفة كبيرة من مثل أولئك الواقفية كالجعفرية الذين وقفوا عند جعفر الصادق، والموسوية والرضاوية وهكذا: أما بالمعنى الخاص فالمقصود بالواقفية هم الجعفرية.
غير أن بيان تتابع الأئمة لم يكن، للأسباب المذكورة عينها، يستمر إلى غير نهاية حتى عند القطعية. ومن المشكوك فيه كل الشك أن الحسن الخالص، وهو الإمام الحادى عشر، قد خلَّف ولدا على الإطلاق لما مات عام ٢٦ هـ (٨٧٣ م). لكن ساد بين الشيعة الإمامية، الاعتقاد بوجود ابن له هو محمد حجة اللَّه الذى قيل إنه اختفى على نحو غير معرف، وإنه سيظهر على صورة المهدى. وهكذا يصير الإمامية اثنى عشرية، وإن كان قد قام خلاف مدة طويلة حول مسألة هى: هل كان ثمة إمام ثالث عشر؟
وعلى هذا؛ فإذا نحن تبينا عند فرق الشيعة من حيث هم مجرد شيعة تباعدا فى أقوالهم يناظر ذلك التباعد الموجود بين الفرق التى اختلفت فى تاريخ الكنيسة النصرانية حول القول فى المسيح، من جماعة السوسينوسيين Socinians إلى جماعة التيوباسكيتيين Theopaschites (١) فإننا لا نكون بذلك قد نظرنا إلا إلى عنصر واحد من عناصر نشأة التشيع. ذلك أن الشيعة من أهل الإسلام. فهم لذلك يقفون أمام كل تلك المسائل التى تثير اهتمام الإسلام بوجه عام. لكن الإسلام لا ينظر إلى العالم نظرة دينية فحسب بل إن له مشكلاته الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، وله فيما عدا مشكلة الخلافة مشكلاته السياسية. ونحن لا نستطيع هنا أن نفعل أكثر من مجرد الإشارة إلى النتائج التى نتجت من ذلك بالنسبة للشيعة.
ففيما يتعلق بالعقائد هناك إلى جانب الشيعة الذين ذهبوا مذهب المعتزلة (٢) أيضا قوم يقولون بالقدر السابق مثل:
стр. 6334
هشام بن سالم بن جرير الزيدى؛ وقوم مُشَبَّهة مثل: هشام بن سالم الجواليقى الإمامى الذى تقدم ذكره. وإذا أردنا أن نعرف إلى أى حدّ كان اختلاف المسلمين فى أمر القرآن خطرا يهدد الشيعة بالانقسام وجدنا دليلا فى عبارة ينسب إلى جعفر الصادق أنه قالها ليونس بن عبد الرحمن الذى تقدم ذكره، وهى تشعر بأنها قاعدة موقوتة وتلك هى قوله: القرآن ليس خالقا ولا مخلوقا، وإنما هو كلام الخالق.
أما فيما يتعلق بالفلسفة فإن الإقبال عليها والنفور منها، كان عند الشيعة أقوى بكثير مما كان عند أهل السنة، فمن جهة كان النظر الدينى عند الشيعة بما فيه من غزارة يحتاج، فى إرساء العقائد، إلى المقولات الفلسفية والجدل الفلسفى أكثر مما كان يحتاج إلى ذلك النظر الدينى عند غيرهم. ومن جهة أخرى كان الشيعة فى هذا المقام حساسين بصفة خاصة، بل هم كانوا معرضين للطعن على نحو شبيه بكل جماعة دينية تبدأ بفروض ميتافيزيقية خالصة كما فعل الشيعة فى عقيدتهم فى الأئمة.
وإذا نحن صرفنا النظر عن ضروب التعارض الذى يدخل فى باب نظرية المعرفة والذى جاءت به إلى الشيعة الفلسفة التى استعانوا بها، فإنه لم يكن بد للشيعة من البحث فى المسائل الخلافية المعروفة فى أصول الدين وأصول الفقه، فبحثوا مثلا فى مسألة وجوب العمل باحاديث الآحاد وفى مسألة القياس. وعلى هذا وجدت فى الفقه الشيعى مسائل خلافية تتراوح بين الظاهرية والحنفية. وفيما يتعلق بالعبادات ظهر عند جميع طوائف الشيعة ميل شديد إلى إرضاء الحاجة إلى العبادة بتعظيم الأئمة والتبرك بزيارة قبور الشهداء منهم، مع الحرص على أن يظلوا مسلمين.
أما الحد الفاصل بين الشيعة والسياسة الداخلية، أى القومية مثلا، فإنه معقد كثير الفجوات، إذا لا يقتصر الأمر على أن الشعوب. المغلوبة كالفرس قد انضموا إلى الشيعة المعارضين من أول الأمر، ذلك أن أقدم الأئمة الكبار من الشيعة كانوا عربا خلصًا، وإن كانوا من اليمنيين خاصة، فكان ممن التفوا
стр. 6335
بالرضا مثلا: يونس وهشام الجواليقى من الموالى، لكن دعبلا كان يمنيا فخورًا بيمنيته وكان عدوا لعرب الشمال. وبعد ذلك بقرنين كان مفيد (انظر ما يلى) يفخر بأصله اليمنى وبأنه من نسل يقطان أول من تكلم بالعربية.
أما المشكلات الاجتماعية؛ فقد دخلت بين الشيعة منذ عهد متقدم يرجع إلى المختار، لما جمع حوله الموالى والعبيد. وعند بعض الغلاة كالقرامطة ازدادت المطالب الاجتماعية جنوحا إلى الشيوعية، ولو أنها فى هذا المقام كانت، بفعل الالتزام بسلطة الإمام أو بمن ينوب عنه، مجرد قناع تستتر وراءه حكومة أقلية مستبدة.
وقد تكونت أرستقراطية أوضح من ذلك على يد طائفة عمال الدولة الكبار فى البلاط العباسى، وكان هؤلاء فى الغالب من الإيرانيين الذين ربطهم بعضهم ببعض ولاؤهم الشديد للإمامية. وكان من بينهم مثلا آل نوبخت.
وقد تناول الشيعة فى مسألة النساء أيضا جميع صور المشكلة، فيرمى بعض القرامطة على الأقل بشيوعية النساء. ويبيح الأمامية زواج المتعة. أما الزيدية فيقتصرون على تعدد الزوجات المعروف عند أهل السنة. وجماعة على إلهى انتهوا إلى القول بزواج الواحدة.
ولما كان عدد الأراء الممكنة فى الميدان الاعتقادى وميدان المعرفة والميدان الفقهى وميدان العبادات والميدان السياسى والاجتماعى ليس شيئا يأتى وينضاف إلى الآراء الممكنة فى مسألة الإمامة. بل هو شئ يضاعف من عدد هذه الآراء، فإنه نتج عن ذلك أنه وإن كانت لم تتحقق من حيث العمل كل الاحتمالات الخليقة بأن تزاوج بين هذه الميادين، فإنه قد ظهر عدد من فروع الفرق الشيعية يزيد كثيرًا عن الفرق الاثنتين والسبعين المشهورة. ويفسر لنا امكان هذا التنوع فى الوقت نفسه الثغرات الكثيرة الموجودة فى الكتب الإسلامية الجارية التى تتناول الفرق الدينية، ذلك أن هذه الكتب تذكر الفرقة الواحدة بعينها فى عداد طوائف شتى بحسب الموضوع الخاص الذى تهتم به تلك الكتب، وهذا شئ يسهل فهمه.
стр. 6336
وبالنظر إلى القوة الطبيعية التى ظهرت بها عقيدة الشيعة المنطوية على كثير من المسائل، فى دنيا الإسلام التى كانت هى أيضا حافلة بمسائلها الخاصة، فإننا نستطيع أن ندرك أن الشخصيات التى تعتبر رؤساء للفرق فى جماعات الشيعة اليوم هى شخصيات لا تبتكر بقدر ما تحيط وتحدد، لكننا نستطيع أن ندرك أيضا أن الإجماع كان دائمًا يقتصر على دائرة صغيرة. وإذا استعمل الشيعة كلمة إجماع؛ فإن المقصود بذلك عند كل طائفة منهم لا يعدو الدائرة الضيقة لأهل هذه الطائفة، وهى ترى فى نفسها أنها وحدها الفائزة بالنجاة.
على أن هذا التحديد لم يصب نجاحا كبيرًا فى ميدان العقائد. ذلك أن الزيدية والإمامية انضموا آخر الأمر إلى المعتزلة ولم يكن ذلك من قبيل المصادفة المحضة، كما يتبين من الآراء التى دارت حول القرآن: فمن بين الاعتقادات التى سبق بيانها كان الاعتقاد الثالث قمينا بأن يتغلب على الثانى. إذ بمرور الأيام لم يكن هناك إلى جانب الإمام باعتباره الضامن للاعتقاد الحق محل للنظرية القائلة بأن القرآن غير مخلوق. وكان من المنطقى أيضًا أن يعمد الإمامية فى سبيل إدخال الكتاب المنزل فى معتقداتهم فى الامامة أن يؤولوه تأويلا رمزيا، وأن يحاربه الغلاة ويدلسوا فيه بل ينكروه وينقلبوا باطنية ولم يكن المعتزلة هم الذين مهدوا لذلك فحسب، بل إنه بسبب الاقتباس من الفلسفة -ولو أن هذا الاقتباس إنما كان يسعى فى المحل الأول إلى الشكل- دخلت الفلسفة فى الفراغ الذى خلا بالإيمان الغيبى بالوحى. وهكذا صار علم العقائد ثيو صوفية وغنوصية.
على أننا لا نكون قد كشفنا عن الأصل فى دوافع التشيع، إذا نحن عدنا فأكدنا الأمر الذى أصبح بينا فى ذاته بعد ما تقدم، وهو أن آراء غنوصية وأفلاطونية محدثة ومانوية وإيرانية قديمة، قد اختلط بعضها ببعض فى هذا المقام (١) لكنا بقدر ما نعرف اليوم لا
стр. 6337
نستطيع أن نتجاوز كثير، هذه الملاحظة لأن السبل المتميزة المؤدية إلى المراجع لم تتبين بعد، ثم إنه مع وجود أصداء للنصرانية أيضًا لابد للإنسان أن يكتفى الآن بالملاحظة العامة، وهى أن الإسلام قد غلب على بلاد كانت من قبل نصرانية، وإن الكثيرين ممن اعتنقوه كان أجدادهم نصارى. وأعم من ذلك، وإن لم يكن أقل أهمية، أن نلاحظ أن دوافع دينية خصيبة جدا مثل آلام الشهداء، والقول بالحلول، لا يمكن أن تزول بظهور دين جديد كالإسلام.
وبدأت أقدام الفرق القائمة برأسها تتوطد فى النصف الثانى من القرن الثالث للهجرة (التاسع الميلادى)، وكان أقدم ما تبيناه من شواهد على ذلك عند الزيدية، فقد تخير القاسم بن إبراهيم ابن طباطبا الرّسى المتوفى سنة ٢٤٦ هـ (٨٩٠ م)، وضع الأسس الاعتقادية والفقهية لإقامة دولة دينية تكفل بها حفيده يحيى بن الحسين فى اليمن سنة ٢٨٨ هـ (٩٠١ م)، وقد وجدت تعاليمه أيضا قبولا لدى الدولة الزيدية السابقة التى كانت قد ظهرت إلى حيز الوجود على بحر الخزر عام ٢٥٠ هـ (= ٨٦٤ م) وفى سنة ٢٩٧ هـ (٩٠٩ م) قامت دولة الفاطميين الإسماعيلية فى إفريقية، وفى هذه الأثناء احتلت طوائف من القرامطة مناطق صغيرة فى الشمال الشرقى لجزيرة العرب وفى جنوبها.
ونحن نحيل القارئ فى شأن الفرق الفرعية إلى المواد الخاصة بكل منها فى هذه الدئرة، ولكننا لا نجد مناصا من أن نتناول فى شئ من التفصيل الفرع الأكبر، وهم الإمامية أو الإثنا عشرية، الذين يخطرون على البال عادة عند ذكر الشيعة على الإطلاق، وهم من حيث العدد أيضا يؤلفون غالبية الشيعة، ذلك أنهم ما بين أربعة وخمسة ملايين فارسى من الأتباع، (١) وينضم إليهم فيما عدا جماعات مشتتة فى أماكن متفرقة جماعات كبيرة فى العراق والهند. ومصنفاتهم التى لا تزال أقرب المصنفات تناولا لدى جميع الشيعة، هى بالنظر إلى الموقف الوسط الذى يقفه الإمامية أقرب السبل إلى معرفة المشكلات الشيعية.
стр. 6338
بل ان العلويين القدماء مثل جعفر الصادق وعلى الرضا لم يكونوا هم أنفسهم الزعماء الحقيقيين، بل كان ينوب عنهم سفراء ووكلاء، أو يزعمون أنهم ينوبون عنهم. وكان منصب الوكيل يصبح أعظم شأنا عند ما يكون الإمام غائبا، فهو عند ذلك يدعى أنه الوحيد الذى يعرف الإمام الغائب. وقد أفلح أربعة أشخاص منذ عام ٢٦٠ هـ (٨٧٣ م) فى أن يدّعوا ذلك لأنفسهم. ولما مات رابعهم، وهو على بن محمد السامرائى سنة ٣٣٤ هـ (٩٣٩) انتهت الغيبة المسماة الغيبة الصغرى، وأعقبها الغيبة الكبرى التى تمتد إلى أيامنا، والتى فيها تسقط فى زعم الشيعة صلاة الجمعة مثلا، لأن الذى يؤم الناس فيها هو الإمام. وقد تولى الزعامة أرستقراطيون روحيون كان بعضهم يستند فى دعواه وآرائه إلى ما يزعمه من لقاء عجيب مع "سيد الزمان" الغائب. صحيح أن عالم الدين فى فارس الحديثة يمكن أن يكون مجتهدا إلا أنه يظل فى كل الأمور الجوهرية كالعالم السنى مقيدا بما يقَنّنه أولئك الأرستقراطيون. وتدوين هذه القوانين قد أخرج إلى حيز الوجود على طريقة الإسلاميين عددا كبيرا من المصنفات فى نقد الرواة والعلماء الذين كتبوا الكتب. وأولئك الأرستقراطيون الروحيون كانوا أشبه بهيئة رقابة دينية قبل أن يستحدث الصفويون لدولتهم الدينية شيخ إسلام. بزمان طويل.
وقد انفتحت أمام الشيعة آفاق الآمال السياسية بفضل ظهور السامانيين الذين كانوا متسامحين وإن لم يكونوا هم أنفسهم شيعيين، وبخاصة منذ فتح خراسان على يد إسماعيل سنة ٢٩٠ هـ (٩٠٣ م). وكذلك بفضل سعة صدر الحمدانيين أصحاب الموصل منذ سنة ٣١٧ هـ (٩٢٩ م). فلما دخل معز الدولة: أحمد البويهى الشيعى بغداد سنة ٣٣٤ هـ (٩٤٥ م) كان ذلك بداية عهد مجيد للشيعة الذين كانوا منذ عهد طويل يقيمون فى هذه القصبة، ويسكنون حى الكرخ برمته مثلا.
وقد اقترن هذا التوطد لمركزهم من الخارج بتوطد آخر فى الداخل. فظهرت مجموعات الحديث الصحيحة المسماة "الكتب الأربعة"، وهى:
стр. 6339
(١) كتاب "الكافى" (طبع فى طهران ١٣١٢ - ١٣١٨ هـ) للكلُينى المتوفى سنة ٣٢٨ أو ٣٢٩ هـ (= ٩٢٩ أو ٩٣٠ م). وقد عد المتأخرون أن من بين الأحاديث التى تربو على الستة عشر ألف حديث التى احتواها هذا الكتاب فى الأصول والفروع خمسة آلاف واثنين وسبعين حديثا صحيحا، ومائة وأربعين حديثا حسنا؛ وألفا ومائة وثمانية عشر حديثا مسندا؛ وثلاثمائة واثنين "حديث قوى"، وتسعة آلاف وأربعمائة وثمانية وثمانين حديثا ضعيفا. ومن الشروح المشهورة لهذا الكتاب "الشافى" لخليل ابن غازى القزوينى الذى بدأ فى كتابته بمكة سنة ١٠٥٧ هـ (= ١٦٤٧ م) وأخرجه هو نفسه باللسان الفارسى بعنوان: "الصافى".
(٢) وأصغر من ذلك كتاب "من لا يحضره الفقيه" (طبع فى طهران عام ١٣٢٤ هـ) لابن بابويه الأصغر المتوفى سنة ٣٨١ هـ (٩٩١ م). ومن الأحاديث التى احتوى عليها، ويقرب عددها من ستة آلاف، أربعة آلاف حديث، لها إسناد متصل؛ وقد شرح هذا الكتاب فى العصر الحديث محمد تقى المجلسى، أبو مؤلف كتاب "بحار الأنوار" وأخرج من هذا الشرح نسختين: نسخة عربية بعنوان: "روضة المتقين"، ونسخة فارسية بعنوان: "لوامع صاحب قران"، على حين أن شرح كتاب ابن بابويه الذى كتبه عبد اللَّه بن صالح السماهجى المتوفى سنة ١١٣٥ هـ (١٧٢٢ م) بعنوان "من لا يحضره النبيه" لم يتم قط.
(٣) أما كتاب "الاستبصار فيما اختلف من الأخبار" (طبع فى لكهنو من غير تاريخ) والكتاب الأوسع منه وهو:
(٤) كتاب "تهذيب الأحكام" (طبع فى طهران سنة ١٣١٤ هـ) فهما من تصنيف المؤلف الشيعى المشهور أبى جعفر محمد بن الحسن الطوسى صاحب كتاب "الفهرست" الشيعى (انظر المصادر)، وكان يقصد بهما فى الأصل أن يشرح كتاب "المقنع فى الفقه" لصاحبه مفيد المتوفى سنة ٤١٣ هـ (١٠٢٢ م). والمؤلف يحاول فى الكتابين أن يصنف المادة الحاشدة التى تيسرت له، ولكنه لم يصنفها بطبيعة
стр. 6340
الحال تصنيفا يقوم على النقد، بل صنفها تصنيفا راعى فيه مقدار مطابقتها للآراء التى أصبحت سائدة. ولا يصح الخلط بين كتاب التهذيب هذا وبين كتاب فى الفقه يسمى كتاب: "تهذيب الشيعة" لمحمد بن أحمد الجنيد الإسكافى المتوفى سنة ٣٨١ هـ (٩٩٠ - ٩٩١ م) وهو الكتاب الذى أهمل بسبب مبالغته فى الأخذ بالقياس. ولا يذكر كتاب "مدينة العلم" لابن بابويه، وهو كتاب أوسع، على أنه الكتاب الخامس للشيعة إلا نادرًا. ولنذكر من رؤساء الشيعة الإمامية فى القرنين الرابع والخامس: الكلينى محمد بن يعقوب الرازى، وقد عرف بأنه "المجدّد" فى أول القرن الرابع، كما عد محمد باقر، الإمام الخامس، مجدد المائة السنة الأولى. وعلى الرضا، الإمام الثامن، مجدد المائة الثانية. والشريف المرتضى من بعد مجدد المائة الرابعة، على حين أنه فيما يتعلق بالمائة الخامسة لم يكن ثمة من يمكن أن يبلغ شأو الغزالى الذى يلقى تعظيما عند كثير من الشيعة أيضًا. وكان من رؤساء الشيعة فى الرى وطهران أحد أخوال الكلينى، وهو علان. وكان لعلان هذا شأن فى بغداد حيث كان قبره ينال من التعظيم ما يناله قبر أحد الأئمة. وكان ابن بابويه محمد بن على، وهو الملقب بالشيخ الصدوق، يزعم أنه ولد لوالده بفضل دعاء الإمام الغائب الثانى عشر. وكان والده شيخ الشيعة فى مدينة قُم التى كانت منذ القرن الثانى شديدة الميل إلى على، لكنها ظلت إلى أخريات القرن الرابع من الأماكن الشاذة فى فارس التى غلبت عليها الشيعة. ومن مصنفاته: "رسالة فى الشريعة" كتبها لابنه الذى أفاد منها فى تأليف كتابه: "من لا يحضره الفقيه". وقد تقرب الابن من ركن الدولة بن بويه فى بغداد، وكان ركن الدولة يستطيع أن ينتفع انتفاعا كبيرًا بنظريته فى الإمامة فى أغراض سياسية. وكان من بين تلاميذ ابن بابويه الأصغر الكثيرين والد النجاشى (انظر المصادر) أيضًا. ويذكر أنه مات فى مدينة الرى، لكن قبره الذى يعظم فى طهران لم يكتشف إلا سنة ١٢٢٨ هـ (١٨٢١ م) بكرامة يقال إنها وقعت لحاشية فتح على شاه. وقد أحست