وبالنظر إلى القوة الطبيعية التى ظهرت بها عقيدة الشيعة المنطوية على كثير من المسائل، فى دنيا الإسلام التى كانت هى أيضا حافلة بمسائلها الخاصة، فإننا نستطيع أن ندرك أن الشخصيات التى تعتبر رؤساء للفرق فى جماعات الشيعة اليوم هى شخصيات لا تبتكر بقدر ما تحيط وتحدد، لكننا نستطيع أن ندرك أيضا أن الإجماع كان دائمًا يقتصر على دائرة صغيرة. وإذا استعمل الشيعة كلمة إجماع؛ فإن المقصود بذلك عند كل طائفة منهم لا يعدو الدائرة الضيقة لأهل هذه الطائفة، وهى ترى فى نفسها أنها وحدها الفائزة بالنجاة.
على أن هذا التحديد لم يصب نجاحا كبيرًا فى ميدان العقائد. ذلك أن الزيدية والإمامية انضموا آخر الأمر إلى المعتزلة ولم يكن ذلك من قبيل المصادفة المحضة، كما يتبين من الآراء التى دارت حول القرآن: فمن بين الاعتقادات التى سبق بيانها كان الاعتقاد الثالث قمينا بأن يتغلب على الثانى. إذ بمرور الأيام لم يكن هناك إلى جانب الإمام باعتباره الضامن للاعتقاد الحق محل للنظرية القائلة بأن القرآن غير مخلوق. وكان من المنطقى أيضًا أن يعمد الإمامية فى سبيل إدخال الكتاب المنزل فى معتقداتهم فى الامامة أن يؤولوه تأويلا رمزيا، وأن يحاربه الغلاة ويدلسوا فيه بل ينكروه وينقلبوا باطنية ولم يكن المعتزلة هم الذين مهدوا لذلك فحسب، بل إنه بسبب الاقتباس من الفلسفة -ولو أن هذا الاقتباس إنما كان يسعى فى المحل الأول إلى الشكل- دخلت الفلسفة فى الفراغ الذى خلا بالإيمان الغيبى بالوحى. وهكذا صار علم العقائد ثيو صوفية وغنوصية.
على أننا لا نكون قد كشفنا عن الأصل فى دوافع التشيع، إذا نحن عدنا فأكدنا الأمر الذى أصبح بينا فى ذاته بعد ما تقدم، وهو أن آراء غنوصية وأفلاطونية محدثة ومانوية وإيرانية قديمة، قد اختلط بعضها ببعض فى هذا المقام (١) لكنا بقدر ما نعرف اليوم لا
стр. 6337
نستطيع أن نتجاوز كثير، هذه الملاحظة لأن السبل المتميزة المؤدية إلى المراجع لم تتبين بعد، ثم إنه مع وجود أصداء للنصرانية أيضًا لابد للإنسان أن يكتفى الآن بالملاحظة العامة، وهى أن الإسلام قد غلب على بلاد كانت من قبل نصرانية، وإن الكثيرين ممن اعتنقوه كان أجدادهم نصارى. وأعم من ذلك، وإن لم يكن أقل أهمية، أن نلاحظ أن دوافع دينية خصيبة جدا مثل آلام الشهداء، والقول بالحلول، لا يمكن أن تزول بظهور دين جديد كالإسلام.
وبدأت أقدام الفرق القائمة برأسها تتوطد فى النصف الثانى من القرن الثالث للهجرة (التاسع الميلادى)، وكان أقدم ما تبيناه من شواهد على ذلك عند الزيدية، فقد تخير القاسم بن إبراهيم ابن طباطبا الرّسى المتوفى سنة ٢٤٦ هـ (٨٩٠ م)، وضع الأسس الاعتقادية والفقهية لإقامة دولة دينية تكفل بها حفيده يحيى بن الحسين فى اليمن سنة ٢٨٨ هـ (٩٠١ م)، وقد وجدت تعاليمه أيضا قبولا لدى الدولة الزيدية السابقة التى كانت قد ظهرت إلى حيز الوجود على بحر الخزر عام ٢٥٠ هـ (= ٨٦٤ م) وفى سنة ٢٩٧ هـ (٩٠٩ م) قامت دولة الفاطميين الإسماعيلية فى إفريقية، وفى هذه الأثناء احتلت طوائف من القرامطة مناطق صغيرة فى الشمال الشرقى لجزيرة العرب وفى جنوبها.
ونحن نحيل القارئ فى شأن الفرق الفرعية إلى المواد الخاصة بكل منها فى هذه الدئرة، ولكننا لا نجد مناصا من أن نتناول فى شئ من التفصيل الفرع الأكبر، وهم الإمامية أو الإثنا عشرية، الذين يخطرون على البال عادة عند ذكر الشيعة على الإطلاق، وهم من حيث العدد أيضا يؤلفون غالبية الشيعة، ذلك أنهم ما بين أربعة وخمسة ملايين فارسى من الأتباع، (١) وينضم إليهم فيما عدا جماعات مشتتة فى أماكن متفرقة جماعات كبيرة فى العراق والهند. ومصنفاتهم التى لا تزال أقرب المصنفات تناولا لدى جميع الشيعة، هى بالنظر إلى الموقف الوسط الذى يقفه الإمامية أقرب السبل إلى معرفة المشكلات الشيعية.
стр. 6338
بل ان العلويين القدماء مثل جعفر الصادق وعلى الرضا لم يكونوا هم أنفسهم الزعماء الحقيقيين، بل كان ينوب عنهم سفراء ووكلاء، أو يزعمون أنهم ينوبون عنهم. وكان منصب الوكيل يصبح أعظم شأنا عند ما يكون الإمام غائبا، فهو عند ذلك يدعى أنه الوحيد الذى يعرف الإمام الغائب. وقد أفلح أربعة أشخاص منذ عام ٢٦٠ هـ (٨٧٣ م) فى أن يدّعوا ذلك لأنفسهم. ولما مات رابعهم، وهو على بن محمد السامرائى سنة ٣٣٤ هـ (٩٣٩) انتهت الغيبة المسماة الغيبة الصغرى، وأعقبها الغيبة الكبرى التى تمتد إلى أيامنا، والتى فيها تسقط فى زعم الشيعة صلاة الجمعة مثلا، لأن الذى يؤم الناس فيها هو الإمام. وقد تولى الزعامة أرستقراطيون روحيون كان بعضهم يستند فى دعواه وآرائه إلى ما يزعمه من لقاء عجيب مع "سيد الزمان" الغائب. صحيح أن عالم الدين فى فارس الحديثة يمكن أن يكون مجتهدا إلا أنه يظل فى كل الأمور الجوهرية كالعالم السنى مقيدا بما يقَنّنه أولئك الأرستقراطيون. وتدوين هذه القوانين قد أخرج إلى حيز الوجود على طريقة الإسلاميين عددا كبيرا من المصنفات فى نقد الرواة والعلماء الذين كتبوا الكتب. وأولئك الأرستقراطيون الروحيون كانوا أشبه بهيئة رقابة دينية قبل أن يستحدث الصفويون لدولتهم الدينية شيخ إسلام. بزمان طويل.
وقد انفتحت أمام الشيعة آفاق الآمال السياسية بفضل ظهور السامانيين الذين كانوا متسامحين وإن لم يكونوا هم أنفسهم شيعيين، وبخاصة منذ فتح خراسان على يد إسماعيل سنة ٢٩٠ هـ (٩٠٣ م). وكذلك بفضل سعة صدر الحمدانيين أصحاب الموصل منذ سنة ٣١٧ هـ (٩٢٩ م). فلما دخل معز الدولة: أحمد البويهى الشيعى بغداد سنة ٣٣٤ هـ (٩٤٥ م) كان ذلك بداية عهد مجيد للشيعة الذين كانوا منذ عهد طويل يقيمون فى هذه القصبة، ويسكنون حى الكرخ برمته مثلا.
وقد اقترن هذا التوطد لمركزهم من الخارج بتوطد آخر فى الداخل. فظهرت مجموعات الحديث الصحيحة المسماة "الكتب الأربعة"، وهى:
стр. 6339
(١) كتاب "الكافى" (طبع فى طهران ١٣١٢ - ١٣١٨ هـ) للكلُينى المتوفى سنة ٣٢٨ أو ٣٢٩ هـ (= ٩٢٩ أو ٩٣٠ م). وقد عد المتأخرون أن من بين الأحاديث التى تربو على الستة عشر ألف حديث التى احتواها هذا الكتاب فى الأصول والفروع خمسة آلاف واثنين وسبعين حديثا صحيحا، ومائة وأربعين حديثا حسنا؛ وألفا ومائة وثمانية عشر حديثا مسندا؛ وثلاثمائة واثنين "حديث قوى"، وتسعة آلاف وأربعمائة وثمانية وثمانين حديثا ضعيفا. ومن الشروح المشهورة لهذا الكتاب "الشافى" لخليل ابن غازى القزوينى الذى بدأ فى كتابته بمكة سنة ١٠٥٧ هـ (= ١٦٤٧ م) وأخرجه هو نفسه باللسان الفارسى بعنوان: "الصافى".
(٢) وأصغر من ذلك كتاب "من لا يحضره الفقيه" (طبع فى طهران عام ١٣٢٤ هـ) لابن بابويه الأصغر المتوفى سنة ٣٨١ هـ (٩٩١ م). ومن الأحاديث التى احتوى عليها، ويقرب عددها من ستة آلاف، أربعة آلاف حديث، لها إسناد متصل؛ وقد شرح هذا الكتاب فى العصر الحديث محمد تقى المجلسى، أبو مؤلف كتاب "بحار الأنوار" وأخرج من هذا الشرح نسختين: نسخة عربية بعنوان: "روضة المتقين"، ونسخة فارسية بعنوان: "لوامع صاحب قران"، على حين أن شرح كتاب ابن بابويه الذى كتبه عبد اللَّه بن صالح السماهجى المتوفى سنة ١١٣٥ هـ (١٧٢٢ م) بعنوان "من لا يحضره النبيه" لم يتم قط.
(٣) أما كتاب "الاستبصار فيما اختلف من الأخبار" (طبع فى لكهنو من غير تاريخ) والكتاب الأوسع منه وهو:
(٤) كتاب "تهذيب الأحكام" (طبع فى طهران سنة ١٣١٤ هـ) فهما من تصنيف المؤلف الشيعى المشهور أبى جعفر محمد بن الحسن الطوسى صاحب كتاب "الفهرست" الشيعى (انظر المصادر)، وكان يقصد بهما فى الأصل أن يشرح كتاب "المقنع فى الفقه" لصاحبه مفيد المتوفى سنة ٤١٣ هـ (١٠٢٢ م). والمؤلف يحاول فى الكتابين أن يصنف المادة الحاشدة التى تيسرت له، ولكنه لم يصنفها بطبيعة
стр. 6340
الحال تصنيفا يقوم على النقد، بل صنفها تصنيفا راعى فيه مقدار مطابقتها للآراء التى أصبحت سائدة. ولا يصح الخلط بين كتاب التهذيب هذا وبين كتاب فى الفقه يسمى كتاب: "تهذيب الشيعة" لمحمد بن أحمد الجنيد الإسكافى المتوفى سنة ٣٨١ هـ (٩٩٠ - ٩٩١ م) وهو الكتاب الذى أهمل بسبب مبالغته فى الأخذ بالقياس. ولا يذكر كتاب "مدينة العلم" لابن بابويه، وهو كتاب أوسع، على أنه الكتاب الخامس للشيعة إلا نادرًا. ولنذكر من رؤساء الشيعة الإمامية فى القرنين الرابع والخامس: الكلينى محمد بن يعقوب الرازى، وقد عرف بأنه "المجدّد" فى أول القرن الرابع، كما عد محمد باقر، الإمام الخامس، مجدد المائة السنة الأولى. وعلى الرضا، الإمام الثامن، مجدد المائة الثانية. والشريف المرتضى من بعد مجدد المائة الرابعة، على حين أنه فيما يتعلق بالمائة الخامسة لم يكن ثمة من يمكن أن يبلغ شأو الغزالى الذى يلقى تعظيما عند كثير من الشيعة أيضًا. وكان من رؤساء الشيعة فى الرى وطهران أحد أخوال الكلينى، وهو علان. وكان لعلان هذا شأن فى بغداد حيث كان قبره ينال من التعظيم ما يناله قبر أحد الأئمة. وكان ابن بابويه محمد بن على، وهو الملقب بالشيخ الصدوق، يزعم أنه ولد لوالده بفضل دعاء الإمام الغائب الثانى عشر. وكان والده شيخ الشيعة فى مدينة قُم التى كانت منذ القرن الثانى شديدة الميل إلى على، لكنها ظلت إلى أخريات القرن الرابع من الأماكن الشاذة فى فارس التى غلبت عليها الشيعة. ومن مصنفاته: "رسالة فى الشريعة" كتبها لابنه الذى أفاد منها فى تأليف كتابه: "من لا يحضره الفقيه". وقد تقرب الابن من ركن الدولة بن بويه فى بغداد، وكان ركن الدولة يستطيع أن ينتفع انتفاعا كبيرًا بنظريته فى الإمامة فى أغراض سياسية. وكان من بين تلاميذ ابن بابويه الأصغر الكثيرين والد النجاشى (انظر المصادر) أيضًا. ويذكر أنه مات فى مدينة الرى، لكن قبره الذى يعظم فى طهران لم يكتشف إلا سنة ١٢٢٨ هـ (١٨٢١ م) بكرامة يقال إنها وقعت لحاشية فتح على شاه. وقد أحست
стр. 6341
فارس عينها بحاجتها إلى مزيد من قبور الأولياء علاوة على القبور التى كانت فى مدينة مشهد وطوس وقُم، ولا سيما أن النجف وكربلاء والكاظمين التى هى مقابر الشيعة الكبرى فى بغداد كانت تقع فى خارج فارس، أعنى أن قبر الوالد فى مدينة قم وكذلك قبر السيدة فاطمة شقيقة الرضا الإمام الثامن كان يزاران كثيرًا، كما نعلم، حتى فى العصر الأول. وقد طبع عدد كبير من مؤلفات الابن التى يبلغ عددها نحوًا من ثلاثمائة، مثل كتاب "الخصال الحميدة والذميمة" الذى طبع فى طهران سنة ١٣٠٢ هـ؛ وكتاب "علل الشرائع" والكتاب الخاص بغيبة المهدى: "كمال الدين وتمام النعمة"، وقد طبع فى طهران أيضا سنة ١٣٠١ هـ (انظر عن المهدى: E, Moller, Beitrage zur Mahdilegre des Islam، هيدلبرغ ١٩٠١). ومن كتبه الشائعة أيضا كتاب: "المجالس" وخصوصا كتاب: "عيون أخبار الرضا" الذى طبع فى طهران سنة ١٣١٧ هـ.
وبينما تشتمل هذه الكتب إلى جانب المادة الدينية والقصصية والتهذيبية والجدلية على مسائل كثيرة أيضا من مسائل الفقه، فقد وضع مفيد محمد بن محمد النعمان بن عبد السلام العكبرى العربى فقها خاصا واسعا هو كتاب "فقه الرضا" (مجلدان، تبريز ١٢٧٤ هـ). ولم يمنعه شعوره بالعزة العربية من أن يوثق صلته بعضد الدولة البويهى، وقد صلى عليه صلاة الجنازة الشريف المرتضى علم الهدى: أبو القاسم على بن الحسين، وفى شخص المرتضى بلغ شيعة بغداد ذروة شأنهم، وقد كان المرتضى السليل المباشر لموسى الكاظم الإمام السابع، ومن ثم أصبح بوصفه النقيب الرسمى الممثل المعترف به للعلويين، وكان يتولى أيضا منصب كبير الكتاب وأمير قافلة الحج، وكانت مكانته تجعل لمجالسه الخاصة ومشاركته فى تصريف شئون البلاط أهمية دينية وسياسية كبيرة، وكان يراسل بنشاط أتباعه فى الموصل والديلم وجرجان، بل فيما هو أبعد من ذلك من أمصار فى الشام ونعنى بها حلب وطرابلس. وكانت طرابلس تدين
стр. 6342
كلها بمذهب الشيعة بحسب شهادة الكاتب المعاصر لذلك وهو ناصر خسرو (سفر نامه، طبعة شيفر ص ١٢، السطر الأخير).
وقد طبعت المجالس التى عقدها مع تلاميذه فى محاط الرحال أثناء الحج وعنوانها: "غرر الفرائض ودرر القلائد" فى طهران سنة ١٣١٢ هـ كما طبع فيها أيضا سنة ١٣١٥ هـ كتاب "الانتصار" الذى أهداه إلى الوزير عميد الدين، وطبع كتابه "الأمالى" فى القاهرة سنة ١٣٢٥ هـ أما فى مسألة المسائل عند الشيعة فقد حمل على الخلفاء الثلاثة الأولين فى كتابه "الشافى" (طهران ١٣٠١ هـ)، وقبل أن يدفن فى مقبرة آبائه فى الكاظمين، تولى غسله النجاشى. وفى غضون ثمان وعشرين سنة جاءت بعد ذلك كان فى بغداد إلى جانب المرتضى الذى كان قد جاوز الثمانين تلميذه وتلميذ مفيد: أبو جعفر محمد بن حسن الطوسى الذى كان يسمى: "الشيخ" بإطلاق المعنى أو "شيخ الطائفة".
ولما دخل طغرل بك السلجوقى مدينة بغداد سنة ٤٤٧ هـ (١٠٥٥ م) ازداد موقف الشيعة عسرا. وقد أغرى هذا الأمر الطوسى بأن يدفن بقبر على المقدس (مشهد على) فنزح إلى النجف حيث توفى بين سنتى ٤٥٨ و ٤٦٠ هـ (١٠٦٥ - ١٠٦٨ م).
وكتب الشيعة الحاشدة التى ظهرت فى القرنين الرابع والخامس، والتى لا يمكن أن نذكر منها ومن مؤلفيها فى هذا المقام إلا القليل جدا، تبدو أمام الناظر فيها لأول وهلة ذات طابع واحد، ذلك أن الموضوعات المأثورة عن الشيعة تعود فتتردد فيها مرارًا، وتكرارًا وهى: الإمامة، الحكم فى أمر الخلفاء الأولين من الناحيتين الدينية والشرعية، وخصومهم يوم الجمل ويوم صفيّن، والغيبة، وكل ما يتعلق بالإمام الغائب؛ وكذلك يتردد فيها إلى جانب المسائل الفقهية العامة: الآراء التى اختص بها الإمامية مثل: زواج المتعة أو زواج المتعتين، أى زواج المتعة وزواج التمتع أثناء الحج، وهناك فيما عدا التفاسير الكاملة للقرآن؛ تأويلات الشيعة للآيات التى توائمهم، مثل الآية ٢٢ من سورة الشورى، والآية ٣٣ من سورة الأحزاب، وخصوصا آية النور، وهى
стр. 6343
الآية ٣٥ من سورة النور. وهناك أخيرا رد لا يزال يتكرر على المخالفين فى داخل صفوف الشيعة. ولكن لا يصح إنكار وقوع تطور يمكن أن تدل عليه المسألة الكبرى عندهم؛ فإن بابويه الأصغر كان لا يزال يسلم بجواز السهو على الأنبياء والأئمة فى الأمور الثانوية، بل لقد عد الرأى الذى ينكر السهو أول خطوة فى طريق الغلو. وقد خالفه فى ذلك الشيخ مفيد الذى كان يدافع عن العصمة المطلقة. وكتب فى ذلك رسالة قائمة بذاتها، ولكن هذا الموضوع كثيرا ما تناوله العلماء فيما بعد، على أن الحدود لم تقفل تماما أمام الغلاة، يدل على ذلك التقدير الذى دام طويلا للكتاب الأكبر للإسماعيلية، وهو كتاب "دعائم الإسلام". فمؤلفه وهو القاضى النعمان بن محمد بن منصور ابن حيان المتوفى سنة ٣٦٣ هـ (٩٧٤ م) والذى يعد "أبا حنيفة الشيعة"، لا يرجع عند ذكره للأئمة الذين يعتد بقولهم إلى أحد بعد جعفر الصادق الإمام السادس. على أنه إذا كان لا يوجد ذكر للأئمة المتأخرين عن جعفر، فإن هذا يمكن أن يعد تقية من جانب هذا القاضى الفاطمى فى القاهرة. ذلك أن الإمام الخاص بالشيعة السبعية، كان قد انتهى أمره أيضا. غير أن ابن شهراشوب المازندرانى (انظر المصادر) المتوفى سنة ٥٨٨ هـ (١١٩٢ م) يقول باختصار: إنه ليس إماميا وتابعه فى هذا المحدثون أيضا مثل النفريشى (انظر المصادر).
وفى القرون التالية ظهرت مثلا: تفاسير القرآن الكبرى التى طبعت فى طهران لأبى على الفضل الطبرسى المتوفى بين عامى ٥٤٨ و ٥٥٢ هـ (١١٥٣ - ١١٥٨ م)، وهى "مجمع البيان" و"جامع الجوامع"، الذى لا يزال بعد يُرجع إليه هو وتفسير على بن إبراهيم بن هاشم القمى (طهران ٣٠١ هـ)، وهو تفسير موجز جدا وجامع لجملة ما اختص به الشيعة ويرجع إلى أيام الكلينى وكان الفضل نفسه سليل أسرة ذات تراث غزير فى التأليف، فكان وهو فى طوس مقصدا لعلماء الشيعة يلتفون به، وكان من بينهم ابن شهراشوب وأبو الفضل شاذان بن جبريل مؤلف أحد الكتب الشيعية الكثيرة التى تحمل عنوان
стр. 6344
كتاب: "الفضائل والمناقب" (تبريز ١٣٠٤ هـ). وقد عمل الفضل على نشر مذهب الشيعة وتثبيته فى فارس بسبب هجرته إلى سبزوار، لكنه دُفن عند قبر الإمام الرضا فى طوس.
وكان من الرؤساء فى القرن التالى: جعفر بن الحسن بن يعقوب بن سعيد الحلى، الملقب "بالمحقق" والمتوفى عام ٦٧٦ هـ (١٢٧٧ م) وقد بلغ من تأثيره فى بغداد أنه وصل إلى الحاشية القريبة من الخليفة المستعصم آخر خلفاء بنى العباس. وكان من أصحابه غير واحد من أسرة بنى طاووس الأشراف الذين كانت لهم أيضا التصانيف الكثيرة. وهذا البيت هو الذى كان ينتمى إليه نقيب ذلك العصر، وهو أبو القاسم على بن موسى الطاووس مصنف الكتب التى لا تزال شائعة جدا إلى اليوم فى الأدعية وحكايات الشهداء والحجاج والتمائم مثل كتاب: "المجتنى من الدعاء" (بومباى ٣١٧ هـ) و"الإقبال" (طهران ١٣١٧ هـ).
والشيعة المحدثون أيضا مدينون لجعفر الحلى بفضل تأليفه مجملا من أكثر الكتب تداولا. وهو كتاب: "شرائع الإسلام، الذى لم يزل يشرح دائما بالعربية والفارسية (كلكته ١٨٣٩ م؛ طهران ١٣١٤ هـ وقد نشر الجزء الأول منه وترجمه قاسم بك، بطرسبرغ ١٨٦٢ م).
وإذا كان ما كتبه جعفر الحلى فى "الفروع" قد ضمن له الشأن الباقى، فإن أحد أبناء بلدته، وهو الحسن بن يوسف بن المطهر الحلى الذى كان يلقب بـ "العلامة" بإطلاق، يعد العالم الكبير فى "الأصول" بخاصة. وكان أبوه من قبل قد قدم باعتباره عالما كبيرا فى الأصول، وذلك بحضور جعفر، لنصير الدين الطوسى الفيلسوف الرياضى الفلكى والشيعى المتحمس المتوفى سنة ٦٧٢ هـ (١٢٧٣ م) وصل نصير الدين هذا الذى كان موضع ثقة هولاكو إلى مدينة الحلة التى كانت قرب بابل، وكانت من قديم شديدة التشيع.
ونصير الدين نفسه، ويلقب بالخواجه، لم يشتهر بسبب مؤلفاته الدينية التى ليست سهلة الفهم على كل حال، وإن كان الشيعة لا يزالون يدرسونها إلى اليوم، بل هو اشتهر لأنه من ألمع الأشخاص الذين ظهروا فى
стр. 6345
تاريخ السياسة الشيعية فقد ساعد على سقوط قلعة ألموت وميمنديز التى كانت معقلا للحشاشين فى أيدى خان المغول وسار مع جيش الخان لفتح بغداد، وأغرى هذا الخان الوثنى بقتل آخر الخلفاء. ولذلك لا يزال له فى نظر الشيعة الفضل فى القضاء على أسوأ عدوين: الغلاة وبنو العباس الأشرار الذين خدعوا آل البيت، فيما يزعم الشيعة. وهو أيضا قد ورث رعايته الإيجابية الفعالة للشيعة ابن المطهر الذى وصله نصير الدين بأسرة الخان ولحق باعتباره رئيسا شيعيا بخان ألجاتيو، وهو كان فى حضرة الخان يحارب باللسان كلا من الأشاعرة "وأهل السفسطة" وكتب رسائل فى الرد عليهم وعلى فقهاء أهل السنة، وقد حول الخان إلى مذهب الإمامية، بعد أن كان قد عمد وهو أمير، ثم اعتنق مذهب ابن حنبل ثم مذهب الشافعى. ولا يزال الشيعة إلى اليوم يتداولون نحوا من عشرين كتابا من مؤلفات ابن المطهر، مثل كتابه: "نجم المسترشدين" فى أصول الدين (بمباى ١٣٠٣ هـ)، وعليه شرح للعالم المتفلسف المقداد بن عبد اللَّه السيورى، ومثل كتابه: "كشف الفوائد" (طهران ١٣٠٥ هـ) وهو شرح لكتاب "قواعد العقائد" لنصير الدين الطوسى الذى كان أستاذا له. ومما يزيد كثيرا فى الفهم لبواطن مذهب هؤلاء الشيعة الوسط كتابه "مختلف الشيعة" وهو مجلدان (طهران ١٣٢٤ هـ).
ولم يكن ابن المطهر هو أول، ولا آخر من قدم البحث فى الأصول إلى المحل الأول؛ وموضوع الأصول له عند الشيعة شأن أهم من شأنه عند أهل السنة، لأن باب الاجتهاد لم يُقفل عند الشيعة؛ والفقيه العالم يدعى لنفسه فى فارس لقب المجتهد، وهو يصدر فتاواه ويكون آراءه على أساس القرآن والسنة مستخدما طريقة القياس والاستصحاب والاستحسان ومتبعا ما قدمنا الإشارة إليه من إجماع الأرستقراطيين الروحيين، وهكذا يبقى فى كل العصور نوع من عدم الاستقرار يبعث الحياة فى مادة علم أصول الدين وعلم الفقه عند الإمامية بالرغم مما فى تلك المادة من جمود. وكان ابن المطهر قد توصل إلى صوغ آرائه أثناء المناظرات التى رد بها على خصومه ونخص بالذكر منهم
стр. 6346
حفيدا (ابن بنت) للشيخ الطوسى الأكبر، وهو محمد بن أحمد ابن إدريس الحلى العجلى الذى بدا له أن الاجتهاد سينقلب إلى أحكام تستند إلى الهوى. وحتى فى القرن الحادى عشر الهجرى (السابع عشر الميلادى)، جاءت نكسة من الجانب المضاد، وذلك على يد الملا محمد أمين الإسترآباذى المتوفى سنة ١٠٣٣ هـ (١٦٢٣ - ١٦٢٤ م). والذى نشب حوله نزاع كبير لا يزال قائما إلى اليوم. وهو لما كان، فيما عدا القرآن، لا يقول بأصل للشريعة سوى السنة الشيعية، بالرغم من كثرة اشتغاله بشروح "الكتب الأربعة"، فإنه يسمى هو وكل من اتبعه "إخباريين"، وذلك فى مقابل "الأصوليين" الذين يميلون إلى الاجتهاد. وكان فى محاربته للاجتهاد شديدا جدا، وبعض محاربته له صدر عنه وهو فى مكة. وهو لا يعترف بأن للإجماع عند الشيعة من القيمة أكثر من إجماع اليهود أو النصارى أو الفلاسفة. لكن ظهور الإسترآباذى لم يكن أقل بعثا للحياة فى المناقشات حول القياس والاستحسان والاستصحاب، وحول إمكان الحكم الشرعى على أساس أحاديث الآحاد، مما كان هجوم ابن حنبل أو داود الظاهرى عند أهل السنة من قبل. على أن مادة الأصول المتنازع فيها عند الشيعة، قد تقدم عندهم على ما عداها تمشيا مع مذهبهم. وهذا هو شأن ما دعا إليه الإستراباذى من "تقليد الميت"، فهو الخضوع لما قرره الأئمة ودُوّن فى السنة.
ولم تزل فكرة آلام الشهداء دائما فكرة حية عند الشيعة. وعلى هذا ينال الشرف الخاص من بين علماء الشيعة الذين لا يحصى عددهم من يجمع إلى الاشتهار بالعلم والتصنيف الاشتهار بالاستشهاد. وقد اشتهر عندهم بخاصة أربعة شهداء؛ الأول هو محمد ابن مكى العاملى الجزينى، مؤلف كتاب "اللمع الدمشقية" فى الفقه. وقد خانه قوم انشقوا عليه فَحُبس فى دمشق وقُتل بالسيف بناء على فتوى من القاضى الشافعى وأجلس على الخازوق وأحرق بناء على فتوى القاضى المالكى خاصة، وذلك سنة ٧٨٦ هـ (١٣٨٤ م) فى قول معظم المصادر.
стр. 6347
والشهيد الثانى هو زين الدين بن على بن أحمد بن تقى العاملى الشامى، وكان له نشاط كبير فى دمشق وبعلبك وحلب، وأسفار كثيرة، ثم قُتل فى الآستانة أو وهو فى طريقه إليها بسبب إصداره فتوى شيعية. وفيما عدا مؤلفات له فى الفقه وفى أمور الآخرة وفى الموضوعات التى تثبت الإيمان طبع له (فى تبريز ١٢٨٧ هـ و ١٣٠٣ - ١٣١٠ هـ) شرح كتاب اللُمع، وهو فى مجلدين.
أما الشهيد الثالث فهو فيما جرى به القول السيد نور اللَّه (نور الدين أيضا) ابن شريف الدين المرعشى الششترى. وقد كتب كتابا مشهورا فى التراجم بالفارسية، وهو كتاب "مجالس المؤمنين" الذى استفاد منه إتيه Ethe وهورن Horn فى كتاب Crundries der iranischen Philologige وقد جرّ البلاء على المرعشى كتابه المسمى: "إحقاق الحق" (طهران ١٢٧٣ هـ) بسبب ما فيه من مناظرات أو بعبارة أدق بسبب ردوده على كتب أهل السنة مثل كتاب: "الصواعق المحرقة على أهل الرفض والزندقة" (القاهرة ١٣٠٧ و ١٣٠٨ هـ) لابن حجر الهيثمى الشافعى. وقد تغيظ شاه جهانكير من المرعشى فأمر بضربه بالسياط إلى أن مات سنة ١٠١٩ هـ. (١٦١٠ م) (انظر أيضا ما كتبه Horovitz فى مجلة, Der Islam مجلد ٣، ص ٦٣) وكان إخوانه فى المذهب، حتى فى العصر الأخير، يزورون قبره فى أكبر آباد (آكره).
أما الرابع الذى حظى بشرف الاستشهاد فهو محمد مهدى بن هدايت اللَّه الإصفهانى على أنه قد فاقه فى الشأن تلميذه السيد دلدار على بن معين الناصر آباذى المتوفى سنة ١٢٣٥ هـ (١٨١٩ م) والذى بسط علمه بالدين فى كتابه "عماد الإسلام" (طبع فى الهند عام ١٣١٩ هـ) وفى العصر الحديث نال شرف الاستشهاد الملا محمد تقى القزوينى الذى خاصم الشيخ أحمد الاحسائى كما خاصم البابية الذين خرج من بينهم قاتله الذى أرداه سنة ١٢٦٣ هـ (١٨٤٧ م).
стр. 6348
وكان الشهيدان الأولان من أهل الشام، وكان الثالث يعيش فى الهند، لكن فارس كانت قد أصبحت مركز الشيعة فى عهد الصفويين منذ عام ٩٠٧ هـ (١٥٠٢ م) والاضطهادات القصيرة الأمد التى وقعت فى عهد الملوك الأفغان بين سنتى ١١٣٥ و ١١٤٢ هـ (١٧٢٢ - ١٧٢٩ م) وفى عهد نادر بين سنتى ١١٤٨ و ١١٦٠ هـ (١٧٣٦ - ١٧٤٧ م) لم تغير من ذلك شيئا. وهناك رجل أسرته من الموطن نفسه الذى منه جد البيت الحاكم الجديد، وله النزعة الصوفية نفسها التى كانت لذلك الجد قد بادر باصطناع الثقافة الفارسية، وكتب رسائله وشروحه الفارسية وهو الحسين بن عبد الحق الأردبيلى الإلهى، وفى تلك البلاد التى كانت فى ذلك الوقت لا تزال سنية فى الغالب، كان لابد له فى كثير من الأحيان من أن يحيا حياة مهاجر بين تبريز وشيراز وهراة وغيرها.
أما الدم الجديد الذى لم يكن منه بد لحياة الشيعة فى فارس، فقد جاء من الخارج، وهذا شئ مهم أيضا لمسألة: فارس والشيعة! وهؤلاء الشيعة الذين أقبلوا من الخارج قد جاءوا بصفة خاصة من جبل عامل فى جنوبى الشام (انظر المقدسى، ص ١٦١، س ١٢، ص ١٦٢ س ٣؛ ص ١٨٤ س ٨؛ والمقدسى يكتبه دائما عاملة) ويحكى أن آخر سبزوار، وهو على مؤيد صاحب سبزوار، عرض على أحد العامليين، وهو الشهيد الأول، أن يهيئ له ملاذا يلجا إليه. وقد جاء هؤلاء العلماء القرويون فى عهد الصفويين فى أعداد كبيرة. وهم بعد أن استقروا، استطاعوا بفضل تقوية صفوفهم بوافدين جدد أن يحافظوا على تراث موطنهم الأول، وإلى جانبهم نزح شيعة من البحرين، ولذلك فإننا كثيرا ما نجد فى نسبة الشيعة فى فارس كلمة "العاملى" و"البحرانى" أو نجد أسماء تدل على الانتساب إلى وطن بعينه مثل: "الكركى" من جهة "والأحسائى" من جهة أخرى. ولا نستطيع أن نذكر فى هذا المقام سوى قليل من الأسماء التى ترجع إلى ذلك العصر المتأخر:
стр. 6349
محمد بن الحسن الحرّ العاملى المشغرى، وقد نبه صيته كثيرا بفضل كتابه الأول: "الجواهر السنية". لأنه كان فيما يقال أول من جمع للشيعة الأحاديث القدسية. لكن كثرة كتبه والسرعة فى كتابتها على نحو يجاوز الحد جلبت عليه نقدا شديدا حتى من جانب المؤلفين من علماء الشيعة الذين اعتادوا كثرة التأليف. على أن كتابه "تفصيل وسائل الشيعة إلى مسائل الشريعة" (طهران ١٢٢٨ هـ)، وهو فى ستة مجلدات وقد أتمه سنة ١٠٨٢ (١٦٧١ م)، لا يزال جديرا بالتقدير لأنه استفاد فى تأليفه من مادة الأحاديث الغزيرة، وذكر أسماء المؤلفين الذين رجع إليهم ولم يهاجر الحر إلا فى سن الأربعين، وقد أكثر من الرحلة وزار عددا كبيرا من المشاهد، ثم استقر فى طوس وإصفهان.
ومن بين أهل البلاد كانت الرياسة فى أيام الحر لأسرة المجلسى، وكان أهم من يمثلها هو محمد تقى المتوفى ١١١٠ أو ١١١١ هـ (١٦٩٨ - ١٧٠٠ م)؛ وقد أقامه شاه سليمان الأول شيخا للإسلام، وكان شديد الاجتهاد فى إرضاء جمهور الناس، فكتب نحو من نصف مصنفاته باللغة الفارسية. وهو أيضا قد نقل من العربية مصنفات أبى القاسم الطاووسى الذى تقدم ذكره، وهى المصنفات التى تتناول ما يثبت الإيمان فى النفوس؛ أما كتابه الأكبر فهو "بحار الأنوار"، وهو موسوعة كبيرة فى العقائد والفقه من خمسة وعشرين مجلدا، وقد طبع فى تبريز وطهران، وكثير منه ترجم إلى الفارسية مثل، المجلد الثالث عشر المتعلق بالمهدى، وذلك بأمر شاه ناصر الدين.
وموقف الشيعة بطبيعته موقف عداء إزاء أولئك الصوفية الذين لا حاجة بهم إلى وساطة إمام والذين يختلف ما عندهم من فناء روحى فى اللَّه يمكن أن يصل إليه كل مؤمن يحب اللَّه أشد الاختلاف عما عند الشيعة من قول "بالحلول الجزئى" فى الإمام المختار -وهذا أيضا إلى جانب أن تعظيم الأولياء
стр. 6350
عند أحد الفريقين يختلف كل الاختلاف عند الآخر من حيث السبب والغاية. وأهم ما يجدر أن يذكر من اصطدام الشيعة والصوفية هو اشتراك أبى سهل النوبختى الشيعى الإمامى المتوفى سنة ٣١١ هـ (٩٢٣ م) اشتراكا فعالا فى القضاء على الحلاج. وكان الحلاج قد أغضب الشيعة إغضابا شديدا بطبيعة الحال بسبب دعواه أنه الوكيل لسيد الزمان الغائب؛ Al Hallaj, martyr mystique de l'Islam: L.Massignon, باريس ١٩٢٢، جـ ١، ص ١٣٨ وما بعدها)
أما موقف الشيعة من الفلاسفة، فأقل ما يوصف به، أنه موقف ريبة، لأن النظر العقلى فى أصول الدين ربما يقوّض أساس الشيعة، كما تبين ذلك للإمامية من موقف الغلاة، وما أنذر به من خطر، لكن يوجد بالرغم من هذا كثير من نقط الالتقاء والتداخل، فهناك صوفية وفلاسفة ظهروا فى الوقت نفسه شيعة شاعرين بشيعيتهم ولم يكن القضاء عليهم ليتأتى بمجرد الرد المألوف عليهم. ومن ثم توجد فى كل القرون أمثلة تبين التنافر من حيث الأسس والأصول بين الشيعة والفلاسفة إلى جانب أمثلة تبين التجاذب المتبادل بينهم؛ فخواجه نصير الدين مؤلف كتاب: "أوصاف الأشراف" وهو كتاب صوفى لين (طهران ١٣٢٠ هـ)، قد كان يعظم الحلاج، على الرغم من الحكم المخالف من جانب ابن بابويه ومفيد والشيخ الطوسى وابن المطهَّر. ويوجه النقد لرجب بن محمد الحافظ البرسى بأنه مجدد الصوفية بين الشيعة، لأنه أقام مذهبه على تأويلات خادعة هوائية وعلى مبالغات شيعية متطرفة؛ لكن عالما كالمجلسى، مع أنه عدو للصوفية، قد استفاد فى كتابه: "بحار الأنوار", وإن كان ذلك فى شئ من التحفظ، من كتب البرسى مثل كتاب: "مشارق الأنوار" الذى ألفه سنة ٨٠٠ هـ (١٣٩٧ م).
وأهل التفكير الهادئ يقرون ما فعله الملا صدرا، أعنى محمد بن إبراهيم الشيرازى المتوفى بين سنتى ١٠٤٠
стр. 6351
و ١٠٥٠ هـ (١٦٤١ - ١٦٦٠ م) من أنه فى تفسيره لآية الكرسى (سورة البقرة الآية ٢٥٥) قد تحرر من الأوهام الصوفية. ويرجع إلى شرحه مفاتيح الغيب على "أصول الكافى" للكلينى (طهران، طبعة غير مؤرخة)، بل يقبل بيانه للارتقاء إلى اللَّه على أربع مراحل فى كتابه "الأسفار الأربعة" أو "الحكمة المتعالية" (طهران ١٢٨١ هـ) هذا على الرغم من أن المرء يشتم منه دائما أنه قد علق به من شرحه لحكمة الإشراق للسهروردى الصوفى كثير جدا من إحساس الصوفية ومن كلامهم. وتلميذه محمد بن المرتضى الكشى الملقب محسن "فيض" صاحب التفسير الشيعى للقرآن وهو كتاب الصافى (طهران ١٢٧٦) قد دفع عن نفسه مثل هذه المطاعن بشدة، وذلك فى كتابه "الإنصاف فى بيان طريق العلم لأسرار الدين" (فى مجموع رسائله، طهران ١٣٠١ هـ) والواقع أن تلميذه السيد نعمة اللَّه الجزائرى يستشهد بأقوال أستاذه فى الرد على الصوفية. وأكبر من ذلك حظا من التقدير حسن إيمان أستاذين للملا صدرا، وهما الصديقان اللذان كانا فى قصر عباس الأول: محمد بن حسين بهاء الدين أو بهائى العاملى المتوفى سنة ١٠٣٠ هـ (١٦٢١ م) ومحمد باقر الإسترآباذى المتوفى سنة ١٠٤١ هـ (١٦٣١ م) والذى كان يلقب بميرداماد لأنه كان ابن ختن لعلى بن عبد العلى الكركى، فهو قد كان عامليا، وكان أحد الشراح الكثيرين لكتاب "شرائع الإسلام" ومع تنوع نواحى اهتمام البهائى، فإنه، وقد كان شيخا للإسلام أيضا وشيعيا صادقا، أحيا فيما أحياه، سنة شيعية قديمة، هى تحريم ذبائح أهل الكتاب فأعاد الكتابة فيها فى "رسالة فى تحريم ذبائح أهل الكتاب" ومن الكتب المجملة المحبوبة والمكتوبة بلغة البلاد مشتملة على كل أبواب الفقه كتابه المسمى "جامع عباسى" (تبريز ١٣٠٩ هـ وبمباى ١٣١٩ هـ).
أما ميرداماد فإنه، وإن كان من معظمى الحلاج، إلا أنه قد أظهر أنه شيعى صادق، وفى كتابه "الرواشح
стр. 6352
السماوية فى شرح الأحاديث الإمامية، (طبع عام ١٣١١ هـ)، كما فى كتابه "القبسات" قد وفق بين فلسفته وبين العقيدة الصحيحة: ذلك أنه يعترف بأن اللَّه تعالى قديم لا أول، وأن العالم حادث، وقد بعث الحياة فى الأبحاث الفلسفية فظلت متشابكة مع الأبحاث الدينية الخاصة. وكان بين المتكلمين، أهل البحث العقلى فى العقائد، أصوليون كما كان من بينهم إخباريون (١) وكان الصراع ما يزال فى القرن السابق من الشدة أحيانا إلى حد أن الكتب فى كربلاء كان لا يمسكها الناس إلا وأيديهم ملفوفة فى قماش مخافة أن تكون قد لمستها يد أحد من الفريق الآخر. وكان من الزعماء الكبار فى هذا الصراع الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائى، أى أنه بحرانى كما يدل على ذلك اسمه، وكان عالما بالعقائد وشاعرا وفلكيا ورياضيا، وقد حارب الصوفية والفلاسفة، وحارب الإخباريين بخاصة من أجل الاجتهاد والإجماع (انظر كتابه جوامع الكلام أو حياة النفس، تبريز ١٢٧٦ هـ) وقد رأ ى فى مسألة الاعتقاد بالبعث رأيا فلسفيا مسرفا بدا فى نظر المتشددين من المستمسكين بالنصوص رأيا لا أساس له، فجر ذلك عليه وعلى أتباعه الشيخية تهمة الخروج على الجماعة كما جر عليه وعلى رجب من بعد، (انظر ما تقدم) المسئولية فى ظهور زندقة البابية. وقد عمل هؤلاء البابية، ثم البهائية وهم فرع منهم، على أن يستمر الصراع حيا بالأفعال والكتابة حتى فى عصر قريب جدا، ولم يخل الحال أيضا من أنواع أخرى من الرد على المخالفين. فلم يكن المجلسى آخر من رد على اليهود، أما الرد على النصارى، فقد نشأ عن ظهور المبشرين ابتداء من هـ. مارتين H. Martyn سنة ١١٩٥ هـ (١٧٨١ م) ثم عن كتاب "ميزان الحق" الذى كتبه ك. ج بفاندر C.G.Pfander يدعو به للنصرانية،
стр. 6353
ثم حديثا جدا عن كثرة توزيع الكتاب المقدس (١).
أما التعبير الشعبى عن عقيدة الشيعة، فيتجلى فى "المقاتل" وهى حكايات الاستشهاد وفى "التعزيات"، وهى التمثيل الذى يصور آلام الشهداء (٢) وهناك أيضا الكثير من الكتب المنحولة وغير الصحيحة، فمن ذلك: أشعار على رضى اللَّه عنه وأقواله التى كثيرا ما طبعت وشرحت (انظر Alis ١٠٠ Spruche . . .: Fleishcher)؛ ومجموع خطبه فى نهج البلاغة لمحمد الرضا، وهو أخو الشريف المرتضى؛ ثم كثير من الكتب الصغيرة فى الأدعية مثل: "صحيفة على" و"صحيفة على زين العابدين" الإمام الرابع؛ و"صحيفة على الرضا" الإمام الثامن، وإلى جانب ذلك توجد الأحاديث القدسية لعلى التى جمعها البهائى العاملى؛ وأخيرا هناك تفاسير للقرآن ظهرت باسم الإمام السادس جعفر الصادق أو الإمام الحادى عشر مثل تفسير العسكرى (طهران ١٣١٥ هـ) الذى استند إليه ابن بابويه الأصغر من غير تحرج، على حين عبّر كثير من المتأخرين عن شكهم فيه.
المصادر:
(١) إلى جانب الكتب التى ذكرناها فى صلب المادة وفى المواد التى أشرنا إليها، لابد من الرجوع إلى فهارس المخطوطات العربية والفارسية (وانظر أيضا كتاب بروكلمان فى تاريخ التأليف والمؤلفين عند العرب).
(٢) A History of Persian Literature in Modern Time ١٩٢٤: E. G. Browne، ص ٣٥٢ وما بعدها، حيث يتناول المؤلف تراجم للشيعة، ويذكر المراجع التى أفاد منها.
(٣) Volrlesungen: Goldziher الطبعة الثانية التى قام بها Bahinger، هيدلبرغ ١٩٢٥، ص ١٩٦ وما بعدها
стр. 6354
(٤) Les religions et les Philosophies dans L'Asie Centrale: Gobineau, الطبعة الثانية، باريس ١٨٦٦، ص ٦٣ وما بعدها.
(٥) Die Renaissance des Islam: Mez، هيدلبرغ ١٩٢٢، ص ٥٥ وما بعدها.
(٦) مقال Babinger فى مجلة ZDMG، مجلد ٧٦، ص ١٢٦ وما بعدها.
(٧) Noldeke فى مجلة Der Islam مجلد ٨، ص ٧٩ وما بعدها.
(٨) Die Person Muhammedsin Lehre und Glauben seiner Gemeinde: Andrae، ١٩١٨، انظر الفهرس.
(٩) Alidernes Stilling til de Shi'itiske Bevaesleger under Umajjaderne kgl. Danske Vidensk Selhabs Vorhand linger: BubI، ١٩١٠ رقم ٥. وللدخول فى معرفة الشيعة معرفة منظمة نوصى القارئ بالمصادر الآتية إلى جانب ما ذكر فى صلب المادة
(١٠) محمد بن عمر الكشى: معرفة أخبار الرجال، بمباى ١٣١٧ هـ.
(١١) النجاشى المتوفى سنة ٤٥٠ هـ (١٠٥٨ م)، معرفة علم الرجال، بمباى ١٣١٧ هـ
(١٢) الطوسى: أسماء الرجال، طهران ١٢٧١ هـ
(١٣) فهرست كتب الشيعة (نشره شبرنكر ومولوى عبد الحق، كلكته ١٨٥٣ - ١٨٥٥).
(١٤) ابن شهراشوب المتوفى سنة ٥٨٨ هـ (١١٩٢): معالم العلماء، مخطوط فى برلين رقم ١٠٠٤٧، وهو غير كامل
(١٥) ابن المطهر الحلى: خلاصة المقال (ويسمى أيضا: كتاب الرجال)، طهران ١٣١٠ هـ.
(١٦) محمد بن على الاخبارى الإسترآباذى، المتوفى سنة ١٠٢٨ هـ (١٦١٩ م): منهج المقال، طهران ١٣٠٧ هـ
(١٧) محمد الحر العاملى: أمل الآمل فى ذكر علماء جبل عامل، طهران ١٣٠٧ هـ
(١٨) خواندمير: حبيب السير (بالفارسية، كتب سنة ٩٢٩ هـ - ١٥٢٣ م، بمباى ١٢٧٣ هـ إلخ).
(١٩) النغريشى: نقد الرجال (كتب سنة ١٠١٥ هـ (١٦٠٦ م)، طهران ١٣١٨ هـ
стр. 6355
(٢٠) يوسف ابن أحمد البحرانى المتوفى ١١٨٧ هـ (١٧٧٣ م): لؤلؤ البحرين (طهران ١٢٦٩ هـ. وبمباى من غير تاريخ)
(٢١) محمد باقر الخوانسارى: روضة الجنات (كتب سنة ١٢٨٧ هـ - ١٨٧٠ م) طهران ١٣٠٥ هـ
(٢٢) محمد بن صادق بن مهدى: نجوم السماء (بالفارسية لكهنو ١٣١٣ هـ).
(٢٣) إعجاز حسين الكنتورى (المتوفى سنة ١٢٨٦ هـ - ١٨٧٠ م): كشف الحجب والأستار (نشره هدايت حسين ودينيسون روس فى كلكتة ١٩١٢ - ١٩١٤). وفيما يتعلق بالأئمة انظر:
(٢٤) أبو الفرج الأصفهانى: مقاتل الطالبيين (طهران ١٣٠٧ هـ، ونشر نصفه الأول أيضا على هامش كتاب فخر الدين أحمد بن على النجفى: المنتخب فى المراثى والخطب، بمباى ١٣١٤ هـ)
(٢٥) أحمد بن على بن مُهَنا (توفى سنة ٨١٨ هـ - ١٤١٥ م): عمدة الطالب فى أنساب آل أبى طالب، بمباى ١٣١٨ هـ
(٢٦) عبد اللَّه بن نور اللَّه (كتب سنة ١٢٤٠ هـ = ١٨٢٤ م وما بعدها) مقتل العوالم (١٢٩٥ هـ) - الحديث.
(٢٧) يحيى بن الحسن بن البطريق: توفى سنة ٦٠٠ هـ = ١٢٢٤ م خصائص الوحى المبين فى مناقب أمير المؤمنين (١٣١١ هـ).
(٢٨) المؤلف نفسه: العمدة فى عيون صحاح الأخبار، بمباى ١٣٠٩ هـ -مراجع جديدة فى نظرية النور
(٢٩) الحسين بن مرتضى اليزدى الطباطبائى: الرق المنشور ولوامع الظهور، بمباى ١٣٠٣ هـ - ردود أهل السنة مع النظر إلى الصراع الداخلى
(٣٠) محمود شكرى الألوسى: (توفى سنة ١٢٧٠ هـ - ١٨٥٣ م): مختصر التحفة الاثنى عشرية ١٣٠١ هـ
(٣١) Die Zwolfer Schi'a: R.Strothmann، ليبسك ١٩٢٦.
أبو ريدة [شتروتمان R.Strothmann]
стр. 6356
تعليق على مادة الشيعة
(رأينا إيراد هذا البحث للكاتب أحمد أمين على سبيل التعليق من كتابه فجر الإسلام)
كانت البذرة الأولى للشيعة الجماعة الذين رأوا بعد وفاة النبى ﷺ أن أهل بيته أولى الناس أن يخلفوه، وأولى أهل البيت العباس عم النبى وعلىّ ابن عمه، وعلىّ أولى من العباس، والعباس نفسه لم ينازع عليا فى أولويته للخلافة، وإن نازعه فى أولويته فى الميراث فى "فَدَك" (١).
وظهرت فكرة الدعوة لعلىّ بسيطة كما يدل عليه التاريخ، وتتلخص فى أن لا نص على الخليفة، فتُرك الأمر لإعمال الرأى، فالأنصار أدَّاهم رأيهم إلى أنهم أولى بها، والمهاجرون كذلك، وأصحاب على إلى أن الخلافة ميراث أدبى، ولو كان النبى [ ﷺ ] يورث فى ماله لكان أولى به قرابته، فكذلك الإرث الأدبى، ولم يرد من طريق صحيح أن عليًا ذكر نصّا من آية أو حديث يفيد أن رسول اللَّه [ ﷺ ] عينه للخلافة، ولو كان لديه نص وذكره لما بقى الأنصار والمهاجرون على رأيهم ولبايعوه؛ بل ما بين أيدينا من تاريخ يدل على أن عليا بايع أبا بكر، وإن كان بعد تلكؤ، كما بايع عمر وعثمان من بعده، كل ما صح عن علىّ أنه كان يرى أنه كان أولى بالأمر منهم، ويحتج بأنه وأهل بيته الثمرة وقريش الشجرة، والثمرة خير ما فى الشجرة. ويروى البخارى عن ابن عباس أن عليًا رضى اللَّه عنه خرج من عند النبى ﷺ فى وجعه الذى توفى فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن! كيف أصبح رسول اللَّه؟ فقال: أصبح بحمد اللَّه بارئًا، فأخذ بيده العباس رضى اللَّه عنه وقال: أنت واللَّه بعد ثلاث عبذ العصا، وإنى واللَّه لأرى رسول اللَّه [ ﷺ ] سيتُوَفى من وجعه هذا، إنى لأعرف وجوه بنى عبد المطلب عند الموت، فاذهب بنا إليه نسأله فيمن هذا الأمر، فإن كان فينا علمْناه، وإن كان فى غيرنا كلمناه فأوصى بنا. فقال علىٌّ رضى اللَّه عنه: أما واللَّه لئن سألناه
стр. 6357
فمُنِعْنَاها لا يعطيناها الناس بعده، وإنى واللَّه لا أسألها.
وكان جمع من الصحابة يرى أن عليًا أفضل من أبى بكر وعمر وغيرهما، وذكروا أن ممن كان يرى هذا الرأى عَمّارًا، وأبا ذر، وسلمان الفارسى، وجابر بن عبد اللَّه، والعباس وبنيه، وأبى بن كعب، وحُذَيفة، إلى كثير غيرهم.
ونرى بعد هذا العصر أن الفكرة تطورت فقال شيعَة على (١): "إن الإمامة ليست من المصالح العامة التى تفوّض إلى نظر الأمة، ويتعين القائم بتعيينهم، بل هى ركن الدين، وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبىّ إغفالها، ولا تفويضها إلى الأمة، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم، ويكون معصومًا من الكبائر والصغائر، وإن عليِّا رضى اللَّه عنه هو الذى عينه صلوات اللَّه وسلامه عليه بنصوص ينقلونها ويؤوّلونها على مقتضى مذهبهم، لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة، بل أكثرها موضوع أو مطعون فى طريقه، [حسبما قيل] أو بعيد عن تأويلاتهم. . . " (٢).
ومن هنا نشأت فكرة الوصية، ولُقبَ عَلىٌّ بالوصى، يريدون أن النبى [ ﷺ ] أوصى لعلى بالخلافة من بعده، فكان وصىّ رسول اللَّه؛ فعلىٌّ ليس الإمام بطريق الانتخاب، بل بطريق النص من رسول اللَّه، وعلىّ أوصى لمن بعده، وهكذا كل إمام وصىُّ مَن قبله، وانتشرت كلمة الوصى بين الشيعة واستعملوها؛ يروون أن أبا الهيثم وكان بدريًا يقول:
وكنا شِعَار نبينا ودِثَاره ... يَفْديه منا الروح والأبصار
إن الوصيَّ إمامُنا ووليُّنَا ... بَرِحَ الْخَفَاءُ وباحتَ الأسرار
ويروون أن غلامًا خرج من جيش عائشة فى وقعة الجمل وهو يقول:
نحن بنو ضبّةَ أعداء على ... ذلك الذى يُعْرف قِدْمًا بالوصىّ
وفارس الخيل عَلَى عهد النبى ... ما أنا عن فضل علىّ بالْعَمِى
لكننى أنعى ابن عفّان التّقىّ ... إن الولىَّ طالب ثَأرَ الولى
وقد سقناها هنا لبيان أن كلمة الوصى شاعت فى إطلاقها عَلَى علىّ،
стр. 6358
وإن كنا نشك فى نسبة هذه الأبيات إلى قائليها.
وقد أدّاهم هذا النظر إلى أمور: منها القول بعصمة الأئمة علىّ ومن بعده؛ فلا يجوز الخطأ عليهم، ولا يصدر منهم إلا ما كان صوابًا، ومنها رفع مقام على عن غيره من الصحابة حتى أبى بكر وعمر؛ ولأقص عليك مثلًا مما يقوله ابن أبى الحديد فى علىّ مع أنه يُعَدّ من معتدلى الشيعة، قال: "يقول أصحابنا -وقد سلكوا طريقة مقتصدة- إن عليّا أفضل الخلق فى الآخرة، وأعلاهم منزلة فى الجنة، وأفضل الخلق فى الدنيا، وأكثرهم خصائص ومزايا ومناقب، وكل مَن عاداه أو حاربه أو أبغضه فإنه عدو اللَّه وخالد فى النار مع الكفار والمنافقين، إلا أن يكون ممن ثبتت توبته ومات عَلَى تولِّيه وحبه؛ فأما الأفاضل من المهاجرين والأنصار الذين ولوا الإمامة قبله، فلو أنه أنكر إمامتهم وغضب عليهم، فضلًا عن أن يشهر عليهم السيف أو يدعو إلى نفسه، لقلنا إنهم من الهالكين، كما لو غضب عليهم رسول اللَّه ﷺ وآله، لأنه قد ثبت أن رسول اللَّه قال له (لعلِىّ): حربك حربى وسلمك سلمى؛ وأنه قال: اللهم وال مَن والاه، وعادِ مَن عاداه؛ وقال له: لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق؛ ولكنا رأيناه رضى إمامتهم وبايعهم وصلى خلفهم. . . فلم يكن لنا أن نتعدى فعله ولا نتجاوز ما اشتهر عنه. ألا ترى أنه لما برئ من معاوية برئنا منه؟ ولما لعنه لعنّاه؟ ولما حكم بضلال أهل الشام ومن كان فيهم من بقايا الصحابة كعمرو بن العاص وعبد اللَّه ابنه وغيرهما حكمنا أيضا بضلالهم! والحاصل أنَّا لم نجعل بينه وبين النبى [ ﷺ ]، إلا رتبة النبوة، وأعطيناه كل ما عدا ذلك من الفضل المشترك بينه وبينه، ولم نطعن فى أكابر الصحابة الذين لم يصح عندنا أنه طعن فيهم، وعاملناهم بما عاملهم هو ﵇" (١).
ودعاهم القول بأفضلية علىّ وعصمته إلى استعراض ما حدث من الصحابة فى بيعة أبى بكر وعمر وعثمان. وكان من هؤلاء الشيعة الغالى
стр. 6359
والمقتصد؛ فمنهم من اقتصر على القول بأن أبا بكر وعمر وعثمان ومن شايعهم أخطأوا إذ رضوا أن يكونوا خلفاء مع علمهم بفضل علىّ وأنه خير منهم، ومنهم من تغالى فكفرهم وكفر من شايعهم لأنهم -وقد أوصى النبى لعلىّ- جحدوا الوصية، ومنعوا الخلافة مستحقها، وانحدروا من ذلك إلى شرح حوادث التاريخ على وفق مذهبهم، وتأويل الوقائع تأويلًا غريبًا، أسوق لك مثلًا منه: "فتزعم الشيعة أن رسول اللَّه [ ﷺ ] كان يعلم موته، وأنه سيّر أبا بكر وعمر فى بعث أسامة لتخلو دار الهجرة منهماء فيصفو الأمر لعلىّ ﵇، ويبايعه من تخلف من المسلمين بالمدينة على سكون وطمأنينة، فإذا جاءهما الخبر بموت رسول اللَّه [ ﷺ ] وبيعة الناس لعلىّ بعده كانا عن المنازعة والخلافة أبعد. . . فلم يتم ما قَدَّر، وتثاقل أسامة بالجيش أيامًا مع شدة حث رسول اللَّه [ ﷺ ] على نفوذه" (١).
ولم يكتف غلاة الشيعة بهذا القدر فى علىّ، ولم يقنعوا بأنه أفضل الخلق بعد النبى، وأنه معصوم، بل ألَّهُوه، فمنهم من قال: "حلَّ فى علىّ جزء إلهى، واتحد بجسده فيه، وبه كان يعلم الغيب، إذ أخبر عن الملاحم وصح الخبر، وبه كان يحارب الكفار وله النصرة والظفر، وبه قلع باب خيبر، وعن هذا قال: واللَّه ما قلعت باب خيبر بقوة جَسدَانية، ولا بحركة غذائية، ولكن قلعته بقوة ملكوتية. . . قالوا: يظهر علىّ فى بعض الأزمان. . . والرعد صوته والبرق تبسمه. . . إلخ" (٢)، وهؤلاء الذين أَلَّهُوه ذهبوا فى تأليهه جملة مذاهب، وقالوا فيه أقوالًا غريبة لا داعى للإطالة بذكرها -وقد ذكروا أن أول من دعا إلى تأليه علىّ عبد اللَّه بن سبأ اليهودى (٣)، وكان ذلك فى حياة علىّ، وقد رأيت قبلُ طرفًا من سيرة ابن سبأ هذا؛ فهو الذى حرك أبا ذر الغفارى للدعوة الاشتراكية، وهو الذى كان من أكبر من ألَّب الأمصار على عثمان،
стр. 6360
والآن ألّه عليّا. والذى يؤخذ من تاريخه أنه وضع تعاليم لهدم الإسلام، وألف جمعية سرية لبث تعاليمه، واتخذ الإسلام ستارًا يستر به نياته؛ نزل البصرة بعد أن أسلم ونشر فيها دعوته فطرده واليها، ثم أتى الكوفة فأخرج منها، ثم جاء مصر فالتفَّ حوله ناس من أهلها. وأشهر تعاليمه الوصاية والرجْعَة؛ فأما الوصاية فقد أبنّاها قبل، وكان قوله فيها أساس تأليب أهل مصر على عثمان، بدعوى أن عثمان أخذ الخلافة من علىّ بغير حق، وأيد رأيه بما نسب إلى عثمان من مثالب. وأما الرجعة فقد بدأ قوله بأن محمدًا يرجع، وكان مما قاله: "العجب ممن يصدِّق أن عيسى يرجع، ويكذب أن محمدًا يرجع! " ثم نراه تحوَّل -ولا ندرى لأى سبب- إلى القول بأن عليّا يرجع. وقال ابن حزم إن ابن سبأ قال -لما قتل علىّ-: "لو أتيتمونا بدماغه ألف مرة ما صدقنا موته، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا". وفكرة الرجعة هذه أخذها ابن سبأ من اليهودية، فعندهم أن النبى "إلياس" صعد إلى السماء، وسيعود فيعيد الدين والقانون، ووجدت الفكرة فى النصرانية أيضًا فى عصورها الأولى، وتطورت هذه الفكرة عند الشيعة إلى العقيدة باختفاء الأئمة، وأن الإمام المختفى سيعود فيملأ الأرض عدلًا، ومنها نبعت فكرة المهدى المنتظر.
والناظر إلى هذا يعجب للسبب الذى دعا إلى الاعتقاد بألوهية علىّ، مع أن أحدًا لم يقل بألوهية محمد [ ﷺ ]، وعلىّ نفسه يصرح بالإسلام وتبعيته لمحمد [ ﷺ ]. والعلة فى نظرنا أن شيعة علىّ رووا له من المعجزات والعلم بالمغيبات الشئ الكثير، وقالوا إنه كان يعلم كل شئ سيكون، ووضعوا على لسانه ما جاء فى نهج البلاغة: "اسألونى قبل أن تفقدونى، فوالذى نفسى بيده لا تسألوننى عن شئ فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تَهْدى مائة وتضل مائة إلا أنبأتكم بناعقها، وقائدها وسائقها ومناخ ركابها ومَحَطّ رحالها، ومن يقتل من أهلها قتلًا، ومن يموت منهم موتًا. . . إلخ" ورووا له أنه أخبر بقتل الحسين، وأخبر بكربلاء، وأخبر بالحجَّاج، وأخبر بالخوارج ومصيرهم،
стр. 6361
وبنى أمية وملكهم، وأخبر ببنى بويه وأيام دولتهم، وأخبر عبد اللَّه بن عباس بانتقال الأمر إلى أولاده "فإنه لما ولد لعبد اللَّه بن عباس ابنه علىّ أخرجه أبوه إلى علىّ بن أبى طالب فأخذه وتَفَل فى فيه وحنكه بتمرة قد لاكها، ودفعه إليه وقال: خذ -إليك- أبا الأملاك" (١). هذه الأخبار وأمثالها انتشرت بين الشيعة حتى ليكادون يذكرون أنه أخبر بما كان وما سيكون إلى يوم الدين، كل هذا إذا أنت ضممته إلى أن أكثر شيعة علىّ كانوا فى العراق، وكانوا من عناصر متنوعة، والعراق من قديم منبع الديانات المختلفة، والمذاهب الغريبة، وقد سادت فيهم من قبل تعاليم مانى ومزدك وابن ديصان، كما رأيت من قبل، ومنهم نصارى ويهود سمعوا المذاهب المختلفة فى حلول اللَّه فى بعض الناس -كل هذه الأمور جعلت منهم من يؤله عليّا. فأما العرب فكانوا أبعد الناس عن المقالات والمذاهب الدينية، حياتهم البسيطة، وعقليتهم التى على الفطرة تأبى عليهم أن يلصقوا بمحمد [ ﷺ ] ألوهية، وهو الذى يكرر دائمًا ما جاء فى القرآن: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
هذه العقيدة فى علىّ تناقض فكرة الإسلام البسيطة الجميلة فى وحدانية اللَّه وتنزُّهه عن المادة. ومن حسن الحظ أن ليست هذه المقالة فى علىّ قول الشيعة جميعهم ولا أكثرهم، بل قول فرقة قليلة منهم هم الغلاة.
أساس نظرية الشيعة -كما رأيت- الخليفة أو كما يسمونه هم "الإمام" فعلى هو الإمام بعد محمد [ ﷺ ]، ثم يتسلسل الأئمة بترتيب من عند اللَّه، والاعتراف بالإمام والطاعة له جزء من الإيمان. والإمام فى نظرهم ليس كما ينظر إليه أهل السنة، فعند أهل السنة الخليفة أو الإمام نائب عن صاحب الشريعة فى حفظ الدين، فهو يحمل الناس على العمل بما أمر اللَّه، وهو رئيس السلطة القضائية والإدارية والحربية، ولكن ليس لديه سلطة تشريعية، إلا تفسيرًا لأمر أو اجتهادًا فيما ليس فيه نص؛ أما عند الشيعة فللإمام معنى آخر هو أنه أكبر معلِّم؛
стр. 6362
فالإمام الأول قد ورث علوم النبى [ ﷺ ]، وهو ليس شخصًا عاديًا بل هو فوق الناس لأنه معصوم من الخطأ.
وهناك نوعان من العلم: علم الظاهر وعلم الباطن، وقد علَّم النبى [ ﷺ ] هذين النوعين لعلىّ، فكان يعلم باطن القرآن وظاهره، وأطلعه على أسرار الكون وخفايا المغيبات؛ وكل إمام ورّث هذه الثروة العلمية لمن بعده، وكل إمام يعلم الناس فى وقته ما يستطيعون فهمه من الأسرار، ولذلك كان الإمام أكبر معلِّم. ولا يؤمنون بالعلم ولا بالحديث إلا إذا روى عن هؤلاء الأئمة.
وهم مختلفون اختلافًا كبيرًا فى الأئمة وتسلسلها، لا نطيل بذكرها (١). وأهم فرق الشيعة الزيدية والإمامية. فالزيدية أتباع زيد بن حسن بن على ابن الحسين بن على بن أبى طالب، ومذهبهم أعدل مذاهب الشيعة وأقربها إلى أهل السنة، ولعل هذا راجع إلى أن زيدًا -إمام الزيدية- تتلمذ لواصل بن عطاء رأس المعتزلة، وأخذ عنه كثيرًا من تعاليمه؛ فزيد يرى جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل، فقال: كان علىّ بن أبى طالب أفضل من أبى بكر وعمر، ولكن -مع هذا- إمامة أبى بكر وعمر صحيحة. ونظرهم إلى الإمام كذلك نظر معتدل، فليست هناك إمامة بالنص، ولم ينزل وحى يعين الأئمة، بل كل فاطمى عالم زاهد شجاع سخى قادر على القتال فى سبيل الحق يخرج للمطالبة يصح أن يكون إمامًا؛ فهو يشترط فى الإمام الخروج على الأمراء والسلاطين يطالب بالخلافة، ولهذا كانت الإمامة فى نظرهم عملية لا سلبية، كما هى عند الإمامية تنتهى بالإمام المختفى، وهم لا يؤمنون بالخرافات التى أُلصقت بالإمام فجعلت له جزءًا إلهيًا. وقد خرج زيد على هشام بن عبد الملك الخليفة الأموى فقتل وصلب سنة ١٢١ هـ، وخرج بعده ابنه يحيى فقتل كذلك سنة ١٢٥ هـ، ولا يزال الزيدية فى اليمن إلى الآن.
والإمامية سموا كذلك لأن أهم عقائدهم أسست حول الإمام، وقد قالوا بأن محمدًا [ ﷺ ] نص على خلافة علىّ، وقد اغتصبها أبو بكر وعمر، وتبرأوا
стр. 6363
منهما، وقدحوا فى إمامتهما، وجعلوا الاعتراف بالإمام جزءًا من الإيمان. والإمامية فرق متعددة لا تتفق على أشخاص الأئمة.
فمن أشهر فرقهم (١) الاثنا عشرية، سموا كذلك لأنهم يسلسلون أئمتهم إلى اثنى عشر إمامًا، وعقيدتهم هى العقيدة الرسمية لدولة إيران. و"الإسماعيلية" سميت كذلك لأنهم يقفون بأئمتهم عند إسماعيل بن جعفر الصادق، وهؤلاء لعبوا دورًا طويلًا فى تاريخ الإسلام، وأخذوا مذهب الأفلاطونية الحديثة وطبقوه على مذهبهم الشيعى تطبيقًا غريبا، واستخدموا ما نقله إخوان الصفا فى رسائلهم من هذا المذهب الأفلاطونى. ويقول بعض المؤرخين إنهم وضعوا لهم تعاليم درَّجوها تسع درجات تبتدئ بإثارة الشكوك فى الإسلام، كسؤالهم: ما معنى رمى الجمار؟ وما العَدْو بين الصفا والمروة؟ وتنتهى بهدم الإسلام والتحلل من قيودة؛ وأوّلوا كل ما فيه فقالوا: إن الوحى ليس إلا صفاء النفس، وإن الشعائر الدينية ليست إلا للعامة، أما الخاصة فلا يلزمهم العمل بها، وإن الأنبياء سُوّاس العامة، أما الخاصة فأنبياؤهم الفلاسفة؛ وليس هناك معنى للتمسك بحرفية القرآن، فهو رموز لأشياء يعرفها العارفون، إنما يجب أن يفهم القرآن على طريقة التأويل والمجاز، وللقرآن ظاهر وباطن، ويجب أن نخترق الحجب المادية حتى نصل إلى أطهر ما يمكن من الروحانية؛ ومن ثم أيضًا سموا "الباطنية". ولا يسعنا هنا أن نذكر أهم تعاليمهم وكيف أخذت من الأفلاطونية الحديثة، فإن هذه الفرقة لم تظهر فى عصرنا الذى نؤرخه إنما ظهرت فى الدولة العباسية، وكان من آثار دعايتهم الدولة الفاطمية فى المغرب ومصر، ولا يزال لهم بقايا إلى اليوم فى الشام والعجم والهند، وكان الآن "أغاخان" الزعيم المشهور.
والإمامية -على العموم- تقول بعودة إمام منتظر وإن اختلفوا -باختلاف طوائفهم- فيمن هو الإمام المنتظر، ففرقة ينتظرون جعفرًا الصادق، وأخرى تنتظر محمد بن عبد اللَّه بن الحسن بن الحسين بن على ابن أبى طالب، وثالثة تنتظر محمد بن الحنفية وتزعم أنه حى لم يمت، وأنه بجبل رضوى إلى أن يأذن اللَّه له
стр. 6364
بالخروج، ومنهم كثَيِّر عزَّة وفى ذلك يقول:
ألا إن الأئمة من قريش ... ولاةَ الحق أَرْبَعَةٌ سَوَاء
عَلىٌّ والثلاثة من بَنيه ... هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبْطٌ سبطُ إيمان وبرّ ... وسبطّ غَيتْه كَرْبِلَاء
وسبط لا يذوق الموت حتى ... يقودَ الخيلَ يقدمُها اللواء
تَغَيَّبَ لا يرى فيهم زمانًا ... بِرَضْوَى عنده عسل وماء
وكان السيِّد الحمْيرى الشاعر الأموى المشهور يعتقد كذلك أن محمد ابن الحنفية لم يمت وأنه فى جبل رضوى، بين أسد ونمر يحفظانه، وعنده عينان نَضَّاخَتَان تجريان بماء وعسل، ويعود بعد الغيبة فيملأ العالم عدلًا كما ملئ جورًا؛ ولهم فى ذلك آراء يطول شرحها. وأساس هذه العقيدة ما رأينا قبل من قول ابن سبأ بالرجعة ونقلها عن اليهودية، وأن الشيعيين فشلوا فى أول أمرهم فى تكوين مملكة ظاهرية على وجه الأرض، وعُذبوا وشردوا كل مشرَّد، فخلقوا لهم أملًا من الإمام المنتظر، والمهدى، ونحو ذلك.
وقد اتفقت تعاليم الخوارج والشيعة على أن خلفاء بنى أمية مغتصبون ظالمون، فاشتركوا فى مناهضتهم، ولكن الخوارج كانوا ظاهرين فى حروبهم، غلبت عليهم الطبيعة البدوية فى الصراحة، فأكثرهم لا يقول بالتقية؛ أما الشيعة فكانوا يحاربون جهرًا إذا أمكن الجهر، فإذا لم يستطيعوا فسرا، وقال أكثرهم بالتقية (١) فكانوا بهذا أشد على بنى أمية، وهم أدعى إلى الحذر منهم، فبثوا العيون والأرصاد على الشيعة. واضطهدوهم اضهادًا شنيعًا، فدسوا للحسن حتى طعن بخنجر فى
стр. 6365
جنبه ولكن لم يمته، وأوقعوا الفشل فى جيشه حتى وادعهم، ثم قتلوا الحسين فى واقعة كربلاء، ثم تتبعوا أهل البيت يستذلونهم ويمتهنونهم ويقتلونهم، ويقطعون أيديهم وأرجلهم على الظنة، وكل من عرف بالتشيع لهم سجنوه أو نهبوا ماله أو هدموا داره؛ واشتد بهم الأمر فى أيام عبيد اللَّه بن زياد قاتل الحسين، "وأتى بعده الحجاج فقتلهم كل قتلة، وأخذهم بكل ظنة وتهمة، حتى إن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال له شيعة علىّ" حتى يروى أن رجلًا -يقال إنه جَدُّ الأصمعى- وقف للحجاج فقال له: أيها الأمير، إن أهلى عَقّونى فسمونى عليّا، وإنى فقير بائس، وأنا إلى صلة الأمير محتاج، فتضاحك له الحجاج وولاه عملًا. ويقول المدائنى: "إن زياد بن سمية كان يتتبع الشيعة فى الكوفة وهو بهم عارف، لأنه كان منهم أيام على، فقتلهم تحت كل حَجَر ومدر، وأخافهم وقطع الأيدى والأرجل، وسَمَل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشردهم عن العراق فلم يبق به معروف منهم. وكتب معاوية إلى عماله فى جميع الآفاق ألا يجيزوا لأحد من شيعة على وأهل بيته شهادة، وكتب إليهم أن انظروا مَن قِبَلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته، والذين يروون فضائله ومناقبه فأدنوا مجالسهم، وقربوهم وأكرموهم، واكتبوا لى بكل ما يَرْوى كل رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته، ففعلوا ذلك حتى أكثروا من فضائل عثمان ومناقبه، لِمَا كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات. . . وقال إنه كتب إلى عماله أن "انظروا إلى من قامت عليه البينة أنه يحب عليًا وأهل بيته فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه". والعباسيون كانوا أبلغ فى التنكيل بهم لأنهم أعرف بخفاياهم، لما كانوا يعملون معهم فى عهد بنى أمية.
هذه الاضطهادات كان من نتائجها إحكام الشيعة للسرية ونظامها، فهم أقدر الفرق الإسلامية على العمل فى الخفاء، وكتمان عملهم حتى يتمكنوا من عدوهم. وهذه السرية استلزمت الخداع والالتجاء إلى الرموز والتأويل ونحو ذلك؛ وكان من أثر هذا الاضطهاد أيضًا اصطباغ أدبهم بالحزن العميق، والنوح والبكاء، وذكرى المصائب والآلام.
وقد حاربوا الأمويين بمثل ما حوربوا به، فكما وضع الأمويون
стр. 6366
الحديث فى فضائل الصحابة -عدا عليًا والهاشميين- وخاصة عثمان، وضع الشيعة أحاديث كثيرة فى فضائل علىّ وفى المهدى المنتظر، وعلى الجملة فيما يؤيد مذهبهم، وربما فاقوا فى ذلك الأمويين؛ فاشتغل بعض علمائهم بعلم الحديث وسمعوا الثقات وحفظوا الأسانيد الصحيحة، ثم وضعوا بهذه الأسانيد أحاديث تتفق ومذهبهم، وأضلوا بهذه الأحاديث كثيرًا من العلماء لانخداعهم بالإسناد، بل كان منهم من سُمِّى بالسُّدى، ومنهم من سمى بابن قتيبة، فكانوا يروون عن السدى وابن قتيبة، فيظن أهل السنة أنهما المحدثان الشهيران، مع أن كلا من السدى وابن قتيبة الذى ينقل عنه الشيعة إنما هو رافضى غال، وقد ميزوا بينهما بالسدى الكبير والسدى الصغير، والأول ثقة والثانى شيعى وضَّاع، وكذلك ابن قتيبة الشيعى غير عبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة. بل وضعوا الكتب وحشوها بتعاليمهم ونسبوها لأئمة أهل السنة، ككتاب "سر العارفين" الذى نسبوه للغزالى؛ ومن هذا القبيل ما نراه مبثوثًا فى الكتب من إسناد كل فضل وكل علم إلى علىّ بن أبى طالب إما مباشرة وإما بواسطة ذريته: فعلم المعتزلة جاء من أن واصل ابن عطاء -رأس المعتزلة- تلقى العلم عن أبى هاشم عبد اللَّه بن محمد بن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذ علىّ، وأبو حنيفة أخذ العلم عن جعفر الصادق، ومالك بن أنس قرأ على ربيعة الرأى، وقرأ ربيعة على عِكْرمة، وعكرمة على عبد اللَّه بن عبَاس، وعبد اللَّه قرأ على علىّ، وبهذه الطريقة ينسب فقه الشافعى إلى الإمام علىّ لأنه تلميذ مالك، بل فقه عمر بن الخطاب يرجع إلى علىّ لأنه كان يرجع إليه فيما أشكل من المسائل وكان يقول: لولا علىّ لهلك عمر! وتفسير القرآن أخذ أكثره عن عبد اللَّه بن عباس وهو أخذه عن على؛ فقد قيل لابن عباس: أين علمك من علم ابن عمك؛ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط -والتصوف منسوب إليه، وقد نسبه إليه الشبلى والجنيد وسَرىّ وأبو يزيد البسطامى، وينسبون الخرَقة التى هى شعارهم إليه- وأبو الأسود الدؤلى واضع علم النحو أخذه عن علىّ بن أبى طالب، فقد أملى عليه: الكلام كله ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف، وعلّمه تقسيم الاسم إلى معرفة ونكرة، وتقسيم الإعراب إلى الرفع والنصب والجر والجزم. وعلى الجملة فليس هناك من علم إلا وأصله
стр. 6367
علىّ بن أبى طالب، كأن العقول كلها أجدبت وأصيبت بالعقم إلا على بن أبى طالب وذريته، وعلى رضى اللَّه عنه من ذلك براء. . .
والذى أرى -كما يدلنا التاريخ- أن التشيع لعلىّ بدأ قبل دخول الفرس فى الإسلام، ولكن بمعنى ساذج، وهو أن عليًا أولى من غيره من وجهتين، كفايته الشخصية، وقرابته للنبى، والعرب من قديم تفخر بالرياسة وبيت الرياسة، وهذا الحزب -كما رأينا- وجد من بعد وفاة النبى ﷺ ونما بمرور الزمان وبالمطاعن فى عثمان، ولكن هذا التشيع أخذ صبغة جديدة بدخول العناصر الأخرى فى الإسلام من يهودية ونصرانية ومجوسية، وأن كل قوم من هؤلاء كانوا يصبغون التشيع بصبغة دينهم، فاليهود تصبغ الشيعة يهودية، والنصارى نصرانية، وهكذا: وإذ كان أكبر عنصر دخل فى الإسلام هو العنصر الفارسى كان أكبر الأثر فى التشيع إنما هو للفرس.
* * *
ومن أشهر الأدباء والشعراء المتشيعين فى هذا العصر أبو الأسود الدؤلى، وفى علىّ وبنيه يقول:
يقول الأرْذَلون بنو قشير ... طِوَالَ الدَّهر لا تَنْسى عليّا
بنو عمَّ النبىِّ واقرَبُوهُ ... أَحَبُّ الناس كُلِّهُمُوا إِلَيَّا
أحبهموا كَحُبِّ اللَّه حتّى ... أَجِئَ إذا بُعثْتُ عَلَى هَوَيّا
فإنْ يَكُ حُبُّهُمْ رُشْدًا أُصبْهُ ... ولسْتُ بمخِطئ إنْ كان غَيّا
وكذلك كان كثَيِّر عزة، وقد قرأت قبل شعره فى الرَّجعة، والكمَيْت وكان شيعيًا غاليًا، ومن شعره فى الخلافة:
يقولون لم يُورَثْ، ولولا تُراثُةُ ... لقد شَرَكَتْ فيه بَجِيل وأرْحَبُ (١)
ولا نْتَشَلتْ عضوين منها يُجَابِرٌ ... وكان لعبد القيس عضو مُؤَرّبُ
فإنْ هى لم تَصْلحْ لحىٍّ سِوَاهُمُو ... إذًا فَذَوُوا القُربى أحقُّ وأَقرَبُ
فَيَالَكَ أمْرًا قد أُشِتّتْ جُمُوعُه ... ودارًا ترى أسبابها تَتَقَضّبُ
تَبَدَّلَتِ الأشرار بعد خِيَارها ... وجُدَّ بها من أُمَّة وهى تلعب
رقم الإيداع بدار الكتب ٩٥٣٢/ ١٩٩٦
ISBN ٩٧٧ - ٠١ - ٤٩٥٥ - ١
стр. 6368
موجز دائرة المعارف الإسلامية
«صاري عبد الله أفندي - الطب»
[الجزء الحادي والعشرون]
стр. 6369
ص
стр. 6370
صارى عبد اللَّه أفندى
شاعر وأديب عثمانى، وهو ابن سيد محمد أحد أمراء المغرب الذين فروا إلى الآستانة فى عهد السلطان أحمد الأول وتزوج ابنة محمد باشا أخى الصدر الأعظم خليل باشا: وقد كفله محمد باشا، إذ عهد بتربيته إلى الشيخ محمود الإشقودرى واصطحبه بوصفه "تذكره جى" (محرر) عندما رأس الجيش فى الحملة الفارسية إبان وزارته الثانية، وأقامه رئيسا للكتاب عام ١٠٣٧ هـ (١٦٢٧/ ١٦٢٨ م) مكان محمد أفندى الذى كان قد توفى فى ذلك الحين، ثم صرف عن منصبه فى الوقت الذى أعفى فيه مولاه من الوزارة، ولما توفى محمد باشا عين صارى رئيسا للركاب السلطانى عام ١٠٤٧ هـ (١٦٣٧/ ١٦٣٨ م) وصحب مرادا الرابع إلى بغداد ثم أصبح رئيسا للكتاب مرة أخرى.
وشغل صارى عبد اللَّه مناصب أخرى حتى عام ١٠٦٥ هـ (١٦٥٥ م) وهنالك اعتزل الحياة العامة، وتوفى عام ١٠٧١ هـ (١٦٦٠ - ١٦٦١ م). وكتب صارى شرحا تركيا على المجلد الأول من مثنوى جلال الدين الرومى وألف عدة كتب مبتكرة بعضها فى الأخلاق مثل "نصيحة الملوك" و"ثمرات القلوب" وبعضها فى التصوف مثل "الدرة" و"الجوهرة" و"مسالك العشاق"، ومجموعة تشتمل على ١٤١ وثيقة رسمية تسمى دستور الإنشاء، كما نظم بعض الأشعار والأغانى باسمه المستعار "تخلص" عبدى. ويقوم قبره
стр. 6371
فى قرافة مال تبه خارج طوب قابو (باب القديس رومانوس St. Romanus بالآستانة: Ottoman Poetry: Gibb جـ ٤، ص ٧٩).
المصادر:
(١) سامى بك فراشرى: قاموس الأعلام، جـ ٤، ص ٢٩١٦.
(٢) Geschichte der osmanischen Dichtkunst: J.Von Hammer، جـ ٣، ص ٤٨٢.
الشنتناوى [إيوار Cl. Huart].
الصاع
ويقال الصُواع (كلمة عربية، والصاع يذكر ويؤنث): "مكيال لأهل المدينة يأخذ أربعة أمداد" (لسان العرب). وإذا كان عيار الصاع، مثل عيار المد، يختلف من حيث المعاملات التجارية باختلاف البلدان والأقاليم، فإن مقدار الصاع الشرعى قد حدده النبى [ ﷺ ] شرعا فى السنة الثانية للهجرة حين استنَّ تفصيلات الشعائر الصحيحة لعيد الفطر التى اقترنت بفرض زكاة الفطر التى قدرت بصاع على كل فرد من أفراد الأسرة. وكان صاع المدينة بطبيعة الحال هو الذى اختير مكيالا قياسيا، ولذلك سمى مدُّ المدينة مدَّ النبى [ ﷺ ].
وهذا المدّ الأولى الذى أخذ به الإسلام على مذهب أهل السنة قد جعله زيد بن ثابت المكيال القياسى؛ والظاهر أن المد والصاع اللذين استعملا من ثمَّ فى الأغراض الدينية قد اصطنعا نقلا من هذا العيار القياسى مع شئ من الزيادة أو النقصان، وذلك هو على الأقل ما استطعت إثباته لأهل المغرب مستندا إلى ما بين يدى من وثائق مختلفة. وعلى ذلك يكون العيار الرسمى لمد النبى [ ﷺ ] اعتمادا على هذه الوثائق ٧٥ سنتيلترا على وجه التقريب. والصاع ثلاثة ألتار.
ويورد فقهاء المسلمين: التقديرات الآتية لهذا المكيال، فهم يقولون: إن الصاع ستة وعشرون رطلا وثلثان، والرطل ١٢٨ درهما مكيّا، والدرهم خمسون حبة من الشعير وخمسان، ونحن نتبين من ذلك كيف تعوز الدقة هذا التحديد. على أنه إذا
стр. 6372
تعذر وجود مد أو صاع، فإن زكاة الفطر تقاس بمقدار الحبات التى تسعها اليدان مضمومتين، وراحتاهما مبسوطتان نصف بسط إلى أعلى.
ونذكر أخيرا علاوة على هذا الاستعمال للصاع ومد النبى [ ﷺ ]، أن هذين المكيالين مستعملان أيضًا فى غرضين آخرين يقتضيهما الشرع وهما: (١) حساب الزكاة (٢) حساب أقل قدر ممكن يتطلبه الوضوء، ويقدر بمد واحد، والغسل، ويقدر بصاع واحد.
المصادر:
(١) المعاجم العربية وبخاصة محيط المحيط، طبعة بيروت سنة ١٨٧٠ م، جـ ٢، ص ١٢٣١، عمودًا.
(٢) الرسائل التى تتناول الفقه الإسلامى وكتب الحديث.
(٣) Note sur trois anciens vases en quivre grave,trouves a Fez et servant a mesurer I'aumone legale du Fitr: Alfred Bell فى Bull. Arckeolog، باريس ١٩١٧، ص ٣٥٩ - ٣٨٧، وهذا المقال محلى بالصور، وقد ذكرت فيه مصادر أخرى.
خورشيد [بل Alferd Bell]
صالح ﵇
نبى أرسل لقوم ثمود العرب، صوِّر كما هو المألوف بأنه بشير ونذير وفقًا للأسلوب الذى انتهجه القرآن الكريم، وقد طلب صالح من قومه أن يستمعوا إليه وأن يعبدوا اللَّه الذى لا إله لهم غيره (سورة الأعراف، الآية ٧٣؛ سورة هود، الآية ٦١؛ سورة الشعراء، الآية ١٤٢)؛ وناشدهم أن يذكروا آلاء اللَّه (سورة الأعراف، الآية ٧٤؛ سورة الذاريات، الآية ٤٣) وقال إنه لا يسألهم على ذلك أجرا (سورة الشعراء، الآية ١٤٥)، ولكنهم أعرضوا عنه فى جفاء، ورموه بأنه من المُسَحّرين (سورة الشعراء، الآية ١٥٣) وأنه ليس إلا بشرًا مثلهم وأنَّى له أن يُلقى عليه الذكر من بينهم (سورة القمر، الآيتان ٢٤، ٢٥)، ولم يستطيعوا أن يتركوا دين آبائهم (سورة هود، الآية ٦٢)؛ وكذبوا بالقارعة (سورة الحاقة الآية ٤)؛ وقد أثار ظهوره الفرقة بينهم (سورة النمل، الآية ٤٥)، فلم يؤمن به إلا المستضعفون، أما المستكبرون فقد كفروا به (سورة الأعراف، الآية ٧٥). وإنما الجديد فى
стр. 6373
الأمر هو أنه كان فيهم مرجوًا قبل أن يزعجهم بدعوته (سورة هود، الآية ٦٢)، وإذا كان هذا الجديد يستند إلى حادثة تقابله، فإن ذلك يكون زيادة هامة فى تاريخ محمد [﵊]. ثم تأتى بعد ذلك قصة النبى صالح ﵇، فقد جاءت ثمود بينة من ربهم ناقة (سورة الأعراف، الآية ٧٣) ورجاهم صالح أن يذروها تأكل فى أرض اللَّه ولا يمسوها بسوء ولها شِرْب ولهم شِرْب يوم معلوم (سورة الأعراف، الآية ٧٣؛ سورة الشعراء، الآية ١٥٥؛ سورة القمر، الآية ٢٨). ولكنهم عقروها (سورة الأعراف، الآية ٧٧؛ سورة هود، الآية ٦٥؛ سورة الشعراء، الآية ١٥٧) بيد شقى من أشقيائهم (سورة الشمس، الآية ١٢؛ سورة القمر، الآية ٢٩)، وسألوا صالحًا ساخرين أن يأتيهم بما توعدهم من عذاب (سورة الأعراف، الآية ٧٧) فقال لهم تمتعوا فى داركم ثلاثة أيام (سورة هود؛ الآية ٦٥) فأخذتهم الرجفة فى قول الآية ٧٨ من سورة الأعراف (انظر أيضا سورة القمر، الآية ٣١، وسورة الحاقة، الآية ٥) وأصبحوا فى ديارهم جاثمين. وقد تناولت القصص الإسلامية عن الأنبياء فى هذه المعالم المختصرة بشئ من التفصيل.
والحق أن ثمود خلفاء عاد، فى قول الآية ٧٤ من سورة الأعراف، كانوا قبيلة عربية قديمة عرفناها أيضا من مصادر أخرى. وما من شك فى أن البيوت التى نحتتها ثمود من الصخر (سورة الفجر، الآية ٩؛ سورة الأعراف، الآية ٧٤؛ سورة الشعراء، الآية ١٤٩) وذكرت كثيرا فى النصوص، والتى لا تزال أطلالها قائمة (سورة العنكبوت، الآية ٣٨) هى قبور تضم بقايا عظام آدمية نحتت من صخور العلا، وقد حمل ذلك فيليب بيركر Philippe Berger على القول بفرض آخر، هو أن كلمة "كفرا، (أى قبر) التى وردت فى النقوش هناك ربما كانت قد فسرت بأنها الكفر بمعنى عدم الإيمان. ولكننا لا نستطيع أن نتحقق اسم صالح وقصة الناقة. ومما يستلفت النظر بالإضافة إلى ذلك أن قصتى صالح وهود تناقضان الدعوة المألوفة التى أتى
стр. 6374
بها محمد [ ﷺ ] فى سور العهد المكى (١) من حيث إنه قال إنه لم يرسل من قبله نبى إلى العرب (سورة القصص، الآية؛ ٤٦ سورة السجدة، الآية ٣؛ سورة سبأ، الآية ٤٤؛ سورة يس، الآية ٦). وقد وردت قصتا هذين النبيين فى أقدم السور المكية، مثل سورة النجم، الآية ٥٠ وما بعدها، وسورة البروج، الآية ١٧ وما بعدها، وسورة الفجر، الآية ٩، وسورة الشمس، الآية ١١ وما بعدها؛ كما ترد كثيرًا فى السور التى تليها.
المصادر:
(١) تفاسير القرآن الكريم لسورة الأعراف.
(٢) المسعودى: مروج الذهب، طبعة باريس ١٨٦١ - ١٨٧٧ م، جـ ٣، ص ٨٥ - ٩٠.
(٣) الثعلبى: قصص الأنبياء، أو عرائس المجالس، القاهرة ١٢٩٠ هـ، ص ٥٨ وما بعدها.
(٤) Muhammed: Grimme, مونستر ١٨٩٢ - ١٨٩٥ م، جـ ٢، ص ٨٠
(٥) L'Arabie avant Mahomet d'apres les inscriptions: Philippe Berger، باريس ١٨٨٥.
(٦) ترجمة القرآن الكريم التى قام بها بالمر (The Sacred Books of the East) جـ ١، ص ١٤٧ وما بعدها.
(٧) Annali dell'Islam: Caetani مجلد ٢، جـ ١ سنة ٩ هـ الفصل ٣٤.
خورشيد [بول Fr.Buhl]
تعليق على مادة "صالح" للأستاذ أمين الخولى
- ١ -
فى المادة كثير من الآيات، وبالمراجعة يتبين اختلاف رقمها عن رقم المصحف المصرى، بالرقمين والثلاثة زيادة *؛ وتتبعها يطول، فى غير كبير فائدة، فأكتفى بالإشارة إلى هذا الاختلاف.
وبعض الآيات ليس فيها ما استشهد بها عليه كآية ٤٣ من الذاريات، فإن الكاتب يسوقها بعد قوله: وناشدهم أن يذكروا آلاء اللَّه؛ والذى فى الذاريات عن ثمود هو: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ
стр. 6375
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ فلا شئ فيها من المناشدة التى يذكرها، إلا أن يكون ذلك على تكلف واضح فى عبارة ﴿تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾: وليس الحال على هذا الوجه، فى آية الأعراف -٧٤ - التى ساقها مع الذاريات؛ إذ فى آية الأعراف ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
وليس فى الأمر كبير خطر، ولكن الحقيقة تقدر لذاتها. . ثم فيها دلالة على مدى الدقة عند الكاتب.
وقد تكررت عبارات من المستشرق "خرجت عن الحد" لما سبق بيانه غير مرة، من أن منهج البحث الموضوعى، القاصد إلى الدراسة فقط لا يتطلب شيئا ما من هذا التهجم؛ لأنه يحدث عن هذا النص، بما يشاء، ويلتمس فيه التناقض ويبين مخالفته للتاريخ، وأشباه ذلك من الإسراف أو الاعتدال، فلا حاجة به إلى مهاجمة عقيدة أصحابه فيه بأكثر من هذه الموضوعيات التى نعرف مدى حاجتها إلى التحرير والمناقضة. . .
وفى الحق: إن هذه التعبيرات، التى لا مبرر لها، ولا مناسبة تتهم منهج الكاتب نفسه بالهوى، وتلفت إلى أنه لا يدرس الموضوع دراسة باحث عن الحقيقة، أو حتى دراسة ناقد متماسك، بل يتناوله تناول مفتون بهواه، مغلوب على أمره. . وتلك شر آفات المنهج. . .
- ٢ -
يقول الكاتب "إنما الجديد فى الأمر هو أنه كان فيهم مرجوا قبل أن يزعجهم بدعوته. . . وإذا كان هذا الجديد يستند إلى حادثة تقابله فإن ذلك يكون زيادة هامة فى تاريخ محمد". .
وهى عبارة غير جلية المراد، فى الأصل؛ ولعله يريد أن اعتراف قوم صالح بأنه كان قبل دعوته مرجوا فيهم صنف من قول المعادين لدعوات الأنبياء، لم يسمع كثيرًا من غير قوم صالح.
وإذا كان هذا القول من قوم صالح يقابل حادثة فى حياة محمد [ ﷺ ] مع قومه، فإن ذلك يقدم لنا زيادة من الضوء على تاريخ محمد [ ﷺ ]. . . وأحسب ان مراده هنا هو أن هذا