← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

فى قرافة مال تبه خارج طوب قابو (باب القديس رومانوس St. Romanus بالآستانة: Ottoman Poetry: Gibb جـ ٤، ص ٧٩). المصادر: (١) سامى بك فراشرى: قاموس الأعلام، جـ ٤، ص ٢٩١٦. (٢) Geschichte der osmanischen Dichtkunst: J.Von Hammer، جـ ٣، ص ٤٨٢. الشنتناوى [إيوار Cl. Huart]. الصاع ويقال الصُواع (كلمة عربية، والصاع يذكر ويؤنث): "مكيال لأهل المدينة يأخذ أربعة أمداد" (لسان العرب). وإذا كان عيار الصاع، مثل عيار المد، يختلف من حيث المعاملات التجارية باختلاف البلدان والأقاليم، فإن مقدار الصاع الشرعى قد حدده النبى [ ﷺ ] شرعا فى السنة الثانية للهجرة حين استنَّ تفصيلات الشعائر الصحيحة لعيد الفطر التى اقترنت بفرض زكاة الفطر التى قدرت بصاع على كل فرد من أفراد الأسرة. وكان صاع المدينة بطبيعة الحال هو الذى اختير مكيالا قياسيا، ولذلك سمى مدُّ المدينة مدَّ النبى [ ﷺ ]. وهذا المدّ الأولى الذى أخذ به الإسلام على مذهب أهل السنة قد جعله زيد بن ثابت المكيال القياسى؛ والظاهر أن المد والصاع اللذين استعملا من ثمَّ فى الأغراض الدينية قد اصطنعا نقلا من هذا العيار القياسى مع شئ من الزيادة أو النقصان، وذلك هو على الأقل ما استطعت إثباته لأهل المغرب مستندا إلى ما بين يدى من وثائق مختلفة. وعلى ذلك يكون العيار الرسمى لمد النبى [ ﷺ ] اعتمادا على هذه الوثائق ٧٥ سنتيلترا على وجه التقريب. والصاع ثلاثة ألتار. ويورد فقهاء المسلمين: التقديرات الآتية لهذا المكيال، فهم يقولون: إن الصاع ستة وعشرون رطلا وثلثان، والرطل ١٢٨ درهما مكيّا، والدرهم خمسون حبة من الشعير وخمسان، ونحن نتبين من ذلك كيف تعوز الدقة هذا التحديد. على أنه إذا

стр. 6372

تعذر وجود مد أو صاع، فإن زكاة الفطر تقاس بمقدار الحبات التى تسعها اليدان مضمومتين، وراحتاهما مبسوطتان نصف بسط إلى أعلى. ونذكر أخيرا علاوة على هذا الاستعمال للصاع ومد النبى [ ﷺ ]، أن هذين المكيالين مستعملان أيضًا فى غرضين آخرين يقتضيهما الشرع وهما: (١) حساب الزكاة (٢) حساب أقل قدر ممكن يتطلبه الوضوء، ويقدر بمد واحد، والغسل، ويقدر بصاع واحد. المصادر: (١) المعاجم العربية وبخاصة محيط المحيط، طبعة بيروت سنة ١٨٧٠ م، جـ ٢، ص ١٢٣١، عمودًا. (٢) الرسائل التى تتناول الفقه الإسلامى وكتب الحديث. (٣) Note sur trois anciens vases en quivre grave,trouves a Fez et servant a mesurer I'aumone legale du Fitr: Alfred Bell فى Bull. Arckeolog، باريس ١٩١٧، ص ٣٥٩ - ٣٨٧، وهذا المقال محلى بالصور، وقد ذكرت فيه مصادر أخرى. خورشيد [بل Alferd Bell] صالح ﵇ نبى أرسل لقوم ثمود العرب، صوِّر كما هو المألوف بأنه بشير ونذير وفقًا للأسلوب الذى انتهجه القرآن الكريم، وقد طلب صالح من قومه أن يستمعوا إليه وأن يعبدوا اللَّه الذى لا إله لهم غيره (سورة الأعراف، الآية ٧٣؛ سورة هود، الآية ٦١؛ سورة الشعراء، الآية ١٤٢)؛ وناشدهم أن يذكروا آلاء اللَّه (سورة الأعراف، الآية ٧٤؛ سورة الذاريات، الآية ٤٣) وقال إنه لا يسألهم على ذلك أجرا (سورة الشعراء، الآية ١٤٥)، ولكنهم أعرضوا عنه فى جفاء، ورموه بأنه من المُسَحّرين (سورة الشعراء، الآية ١٥٣) وأنه ليس إلا بشرًا مثلهم وأنَّى له أن يُلقى عليه الذكر من بينهم (سورة القمر، الآيتان ٢٤، ٢٥)، ولم يستطيعوا أن يتركوا دين آبائهم (سورة هود، الآية ٦٢)؛ وكذبوا بالقارعة (سورة الحاقة الآية ٤)؛ وقد أثار ظهوره الفرقة بينهم (سورة النمل، الآية ٤٥)، فلم يؤمن به إلا المستضعفون، أما المستكبرون فقد كفروا به (سورة الأعراف، الآية ٧٥). وإنما الجديد فى

стр. 6373

الأمر هو أنه كان فيهم مرجوًا قبل أن يزعجهم بدعوته (سورة هود، الآية ٦٢)، وإذا كان هذا الجديد يستند إلى حادثة تقابله، فإن ذلك يكون زيادة هامة فى تاريخ محمد [﵊]. ثم تأتى بعد ذلك قصة النبى صالح ﵇، فقد جاءت ثمود بينة من ربهم ناقة (سورة الأعراف، الآية ٧٣) ورجاهم صالح أن يذروها تأكل فى أرض اللَّه ولا يمسوها بسوء ولها شِرْب ولهم شِرْب يوم معلوم (سورة الأعراف، الآية ٧٣؛ سورة الشعراء، الآية ١٥٥؛ سورة القمر، الآية ٢٨). ولكنهم عقروها (سورة الأعراف، الآية ٧٧؛ سورة هود، الآية ٦٥؛ سورة الشعراء، الآية ١٥٧) بيد شقى من أشقيائهم (سورة الشمس، الآية ١٢؛ سورة القمر، الآية ٢٩)، وسألوا صالحًا ساخرين أن يأتيهم بما توعدهم من عذاب (سورة الأعراف، الآية ٧٧) فقال لهم تمتعوا فى داركم ثلاثة أيام (سورة هود؛ الآية ٦٥) فأخذتهم الرجفة فى قول الآية ٧٨ من سورة الأعراف (انظر أيضا سورة القمر، الآية ٣١، وسورة الحاقة، الآية ٥) وأصبحوا فى ديارهم جاثمين. وقد تناولت القصص الإسلامية عن الأنبياء فى هذه المعالم المختصرة بشئ من التفصيل. والحق أن ثمود خلفاء عاد، فى قول الآية ٧٤ من سورة الأعراف، كانوا قبيلة عربية قديمة عرفناها أيضا من مصادر أخرى. وما من شك فى أن البيوت التى نحتتها ثمود من الصخر (سورة الفجر، الآية ٩؛ سورة الأعراف، الآية ٧٤؛ سورة الشعراء، الآية ١٤٩) وذكرت كثيرا فى النصوص، والتى لا تزال أطلالها قائمة (سورة العنكبوت، الآية ٣٨) هى قبور تضم بقايا عظام آدمية نحتت من صخور العلا، وقد حمل ذلك فيليب بيركر Philippe Berger على القول بفرض آخر، هو أن كلمة "كفرا، (أى قبر) التى وردت فى النقوش هناك ربما كانت قد فسرت بأنها الكفر بمعنى عدم الإيمان. ولكننا لا نستطيع أن نتحقق اسم صالح وقصة الناقة. ومما يستلفت النظر بالإضافة إلى ذلك أن قصتى صالح وهود تناقضان الدعوة المألوفة التى أتى

стр. 6374

بها محمد [ ﷺ ] فى سور العهد المكى (١) من حيث إنه قال إنه لم يرسل من قبله نبى إلى العرب (سورة القصص، الآية؛ ٤٦ سورة السجدة، الآية ٣؛ سورة سبأ، الآية ٤٤؛ سورة يس، الآية ٦). وقد وردت قصتا هذين النبيين فى أقدم السور المكية، مثل سورة النجم، الآية ٥٠ وما بعدها، وسورة البروج، الآية ١٧ وما بعدها، وسورة الفجر، الآية ٩، وسورة الشمس، الآية ١١ وما بعدها؛ كما ترد كثيرًا فى السور التى تليها. المصادر: (١) تفاسير القرآن الكريم لسورة الأعراف. (٢) المسعودى: مروج الذهب، طبعة باريس ١٨٦١ - ١٨٧٧ م، جـ ٣، ص ٨٥ - ٩٠. (٣) الثعلبى: قصص الأنبياء، أو عرائس المجالس، القاهرة ١٢٩٠ هـ، ص ٥٨ وما بعدها. (٤) Muhammed: Grimme, مونستر ١٨٩٢ - ١٨٩٥ م، جـ ٢، ص ٨٠ (٥) L'Arabie avant Mahomet d'apres les inscriptions: Philippe Berger، باريس ١٨٨٥. (٦) ترجمة القرآن الكريم التى قام بها بالمر (The Sacred Books of the East) جـ ١، ص ١٤٧ وما بعدها. (٧) Annali dell'Islam: Caetani مجلد ٢، جـ ١ سنة ٩ هـ الفصل ٣٤. خورشيد [بول Fr.Buhl] تعليق على مادة "صالح" للأستاذ أمين الخولى - ١ - فى المادة كثير من الآيات، وبالمراجعة يتبين اختلاف رقمها عن رقم المصحف المصرى، بالرقمين والثلاثة زيادة *؛ وتتبعها يطول، فى غير كبير فائدة، فأكتفى بالإشارة إلى هذا الاختلاف. وبعض الآيات ليس فيها ما استشهد بها عليه كآية ٤٣ من الذاريات، فإن الكاتب يسوقها بعد قوله: وناشدهم أن يذكروا آلاء اللَّه؛ والذى فى الذاريات عن ثمود هو: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ

стр. 6375

فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ فلا شئ فيها من المناشدة التى يذكرها، إلا أن يكون ذلك على تكلف واضح فى عبارة ﴿تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾: وليس الحال على هذا الوجه، فى آية الأعراف -٧٤ - التى ساقها مع الذاريات؛ إذ فى آية الأعراف ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. وليس فى الأمر كبير خطر، ولكن الحقيقة تقدر لذاتها. . ثم فيها دلالة على مدى الدقة عند الكاتب. وقد تكررت عبارات من المستشرق "خرجت عن الحد" لما سبق بيانه غير مرة، من أن منهج البحث الموضوعى، القاصد إلى الدراسة فقط لا يتطلب شيئا ما من هذا التهجم؛ لأنه يحدث عن هذا النص، بما يشاء، ويلتمس فيه التناقض ويبين مخالفته للتاريخ، وأشباه ذلك من الإسراف أو الاعتدال، فلا حاجة به إلى مهاجمة عقيدة أصحابه فيه بأكثر من هذه الموضوعيات التى نعرف مدى حاجتها إلى التحرير والمناقضة. . . وفى الحق: إن هذه التعبيرات، التى لا مبرر لها، ولا مناسبة تتهم منهج الكاتب نفسه بالهوى، وتلفت إلى أنه لا يدرس الموضوع دراسة باحث عن الحقيقة، أو حتى دراسة ناقد متماسك، بل يتناوله تناول مفتون بهواه، مغلوب على أمره. . وتلك شر آفات المنهج. . . - ٢ - يقول الكاتب "إنما الجديد فى الأمر هو أنه كان فيهم مرجوا قبل أن يزعجهم بدعوته. . . وإذا كان هذا الجديد يستند إلى حادثة تقابله فإن ذلك يكون زيادة هامة فى تاريخ محمد". . وهى عبارة غير جلية المراد، فى الأصل؛ ولعله يريد أن اعتراف قوم صالح بأنه كان قبل دعوته مرجوا فيهم صنف من قول المعادين لدعوات الأنبياء، لم يسمع كثيرًا من غير قوم صالح. وإذا كان هذا القول من قوم صالح يقابل حادثة فى حياة محمد [ ﷺ ] مع قومه، فإن ذلك يقدم لنا زيادة من الضوء على تاريخ محمد [ ﷺ ]. . . وأحسب ان مراده هنا هو أن هذا

стр. 6376

القصص من القرآن كان يجئ فى حوادث محمد [ ﷺ ] مع قومه مثبتًا لفؤاده، وحاكيًا من حال الأنبياء السابقين ما يهون وقع الأحداث على الرسول [ ﷺ ] لأنها وقعت لغيره كذلك، وهو ما تشير اليه الآية ١٢٠ من سورة هود ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ. . .﴾ الآية فعلى هذا الأساس يمكن أن تفهم أن قول قوم صالح ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ يستند إلى قول أو حادث من قوم محمد [ ﷺ ] مشابه لذلك، فيلقى ذلك ضوءًا على السيرة المحمدية. . هذا شئ يمكن أن يفهم من نص الكاتب الذى لم يتهيأ له الوضوح الكافى. - ٣ - ويؤكد الكاتب بقوة أن البيوت التى نحتتها ثمود من الصخر ليست إلا قبورا، ويروى فرض أن تكون كلمة "كفرا" أى قبر الواردة فى نقوشها قد فسرت بالكفر، ضد الإيمان. ولا تظهر قوة الاتصال بين هذا الفرض، وبين كون بيوت ثمود الصخرية المذكورة فى آيات القرآن هى قصور أو قبور؛ إلا أن يكون ذلك بتكلف كثير. وإذا ما رددنا بعض قول القوم على بعضه وجدنا من كلامهم هم ما عبارته: وقد نحت فيها عدد كبير من الآثار الفنية بما فى ذلك قصر البنت وبيت الشيخ، وبيت الأخريمات [؟ ] ومحل المجلس والديوان كما نجد بعد ذلك أن من زار الحجر من زائريهم المقربين: "وجد أن هذه النحوت كلها، فيما خلا الديوان مقابر" ومع المقابر ديوان بقى حتى اليوم، ويمكن أن يكون ما أشارت اليه كلماتهم هم السابقة من القصر، والبيت، والمجلس، والديوان، قد رآها العرب أيام نزول القرآن، وهى التى حدثهم عنها؛ وهكذا لا يبدو وجه للاهتمام الكبير من الكاتب بتقرير أن هذه النحوت ليست إلا قبورًا؛ لأن بينها بالفعل بيوتا، ولأنه يمكن -فى قرب- أن يكون غير هذا الباقى من البيوت إلى الآن، قد كان موجودًا، وعنه حدث القرآن؛ ولا مفارقة فيما قاله على هذا. . . ولو قدر الدارس أن من معنى البيت فى العربية "القبر" وأن القرآن يذكر

стр. 6377

لثمود قصورًا فى السهول، ثم يذكر معها البيوت فى الجبال فيقول: ". . . وبوأكم فى الأرض تتخذون من سهولها قصورًا، وتنحتون من الجبال بيوتا. . . " الأعراف/ ٧٤ - . . لو قدر ذلك بان له أن ذكر القرآن البيوت بعد القصور يؤذن بأن تكون البيوت هنا معنى آخر من معانيها اللغوية، ولا غرابة فى أن تكون منحوتات ثمود فى الجبال، بعد قصور السهول هى المقابر التى يذكرونها. . ولا مفارقة بين ما يقوله القرآن، وبين ما يوجد من مقابر ثمود المنحوتة فى الجبال، لأنها البيوت فى قول القرآن. وليس فى هذه الفقرة، مع ذلك، ما يمهد لهجوم الكاتب بل إن فى صنيع القرآن، بذكر القصور، والبيوت معا، من الدقة ما يلفت إلى الفرق بينهما، ويؤيده أن تكون هذه المنحوتات فى الجبال بيوتا -أى قبورا- مع قصور السهول. - ٤ - قال الكاتب: "ومما يلفت النظر علاوة على ذلك أن قصتى صالح وهود تناقضان دعوة محمد [ ﷺ ] المألوفة. . أنه لم يرسل من قبله نبى إلى العرب: سور كذا وآيات كذا؛ فمسألة القبور والبيوت شبهة، ثم يلفت النظر علاوة عليها ما يذكره من التناقض! ! والكاتب هنا أكثر إخلالا بالمنهج، حين يقول "لم يرسل من قبله نبى إلى العرب" ويستشهد لدعوته المزعومة بآيات نضعها هنا ليبدو دخل الاحتجاج بها، فعند ذكر القصص/ ٤٦ - والذى فيها ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾. وذكر سورة السجدة، والذى فيها ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾. وذكر سورة سبأ والذى فيها: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾؛ والحديث عن قوم محمد [ ﷺ ] حين تتلى عليهم الآيات البينات فيقولون: ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم. . وما هذا إلا إفك مفترى؛ وذكر يس وفيها ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾. وواضح من هذه الآيات أن الحديث ليس عن العرب بعموم هذا اللفظ الذى أخذ منه الكاتب ما سماه تناقضا، بل الحديث عن الجيل والقوم الذين جاءهم

стр. 6378

محمد [ ﷺ ]، فى ثلاث آيات مما ذكره، وعن آباء هذا الجيل فى آية أخرى، وقوم محمد [ ﷺ ] وآباؤهم لم يأتهم نذير حقا. . ولا تناقض! ! ولو قدر الكاتب -وكان ينبغى أن يقدر- أن آية يس، لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم، قد فسرت -على وجه- بأن ما فى ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ مصدرية، أو موصولة، ومنصوبة على المفعول الثانى: لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم من العذاب "الكشاف ٢: ٢٤٧ ط محمد مصطفى" وعلى هذا التفسير لا تنفى الآية أن آباءهم قد جاءهم نذير، بل هى تفيد إثبات الإنذار بمعناه الذى يستعمله به القرآن! ! ولقد كان ينبغى بلا شك أن ينظر الكاتب فى هذا قبل أن يعقد التناقض الذى استلفت نظره، بل كان ينبغى -أو يتحتم- أن يرجع الكاتب إلى تفسير هذه الآية وغيرها فى أقرب التفاسير، كالكشاف فإنه أشبع القول فى هذا الموضوع، وكان مما قال: ولا مناقضة لأن الآى فى نفى إنذارهم، لا فى نفى إنذار آبائهم. .! ! ثم لم يكتف بهذا بل فرض أن الظاهر من تفسير الآية أن آباءهم لم ينذروا، وقال فى بيان عدم التناقض ما نصه: "أريد آباؤهم الأدنون دون الأباعد" الكشاف فى الموضع السابق. وأكثر من هذا إخلالا بالمنهج من كاتب المادة، أنه وهو الذى يتصدى للكتابة فى القرآن لا يعرف أن فيه غير آية تقرر أن العرب قد جاءهم المنذرون، مثل: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ -فاطر/ ٢٤ - والعرب بخاصة قد ذكروا، بأن هذه ملة إبراهيم أبيهم فى قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ الحج/ ٧٨، فكيف ساغ للكاتب مع هذا كله أن يقول "تناقضان الدعوة المألوفة التى أتى بها محمد [ ﷺ ] فى سور العهد المكى من حيث إنه قال إنه لم يرسل نبى قبله إلى العرب. . .! ! وقد تلوت عليكم من الآيات المكية ما يقرر إرسال الأنبياء إلى العرب، وأن أحدهم أبو هذه الدعوة الإسلامية. ويزيد التبعة فى الإخلال بالمنهج، ما يقضى به الحق من التفكير فى التوفيق لو ظهر التخالف، قبل الجهر بتقرير

стр. 6379

التناقض، فكيف وقد نظر له من قبله فى هذا التوفيق، على فرض التخالف السطحى، وبدا أن الأمر أخيرا لا موضع فيه لشئ من تناقض. ولقد أطلت فى هذا تذكيرًا لنا بالتبعة المنهجية، ووجوب الصبر على مطالب البحث، وعدم المسارعة المستخفة قبل الدرس الواجب. أما صرف الكلم عن مواضعه، وسوء الرأى، فى الموضوع المدروس فذلك ما نعيذ قومنا منه دائما. أمين الخولى الملك الصالح صلاح الدين حاجى ابن الملك الأشرف شعبان من بيت السلطان قلاوون، وقد ارتقى العرش سنة ٧٨٣ هـ (١٣٨١ م)، عقب وفاة أخيه على وهو بعد غلام فى السادسة من عمره، وما انقضى على ارتقائه بضعة أشهر حتى خلعه الأتابك برقوق فى التاسع عشر من رمضان سنة ٧٨٤ هـ (٢٦ نوفمبر سنة ١٣٨٢)، ذلك أن السلطنة كانت فى حاجة إلى أن يحكمها رجل لا غلام، ورُدّ حاجى إلى الحريم ونودى ببرقوق سلطانًا تنفيذًا لما اتفق عليه من قبل. وأعيد تنصيب حاجى سلطانًا سنة ٧٩١ هـ (١٣٨٩ م)، وكان قد بلغ الثالثة عشرة وقتئذ، إلا أن الأتابك يلبغا أساء معاملته ولم يسمح له بالتدخل فى شئون الحكم. وقد روى عنه أنه عين خياطه خياطًا للبلاط وخلع عليه كسوة من كساوى التشريف. وقد سرقت هذه الكسوة من الخياط، ثم ضرب وألقى به فى السجن، وإنما أطلق سراحه أحد كبار الأمراء بعد جهد جهيد. وغضب السلطان غضبًا شديدًا من المعاملة الشائنة التى كان يعامله بها يلبغا؛ بل إن يلبغا اشتط فى ذلك فأبعد عنه مماليك أبيه وخصيانه وحجابه، وقرت عينه حين عاد منطاش فتولى الحكم مرة أخرى، وأتاح له من الحرية قدرًا لم يكن ينعم به من قبل. ولما بدأ منطاش من بعد يشن الحملة على برقوق فى الشام صحب معه الخليفة والسلطان ليدلل على شرعية الحرب التى شنها على هذا الثائر، بيد أنه ثبت أن هذه الخطوة لم تكن فى مصلحته. ومنى برقوق بالهزيمة فى الموقعة

стр. 6380

الفاصلة، إلا أنه استولى على الفسطاط الذى كان يقيم فيه الخليفة والسلطان والقضاة لعدم كفاية الحراسة التى أقيمت عليه، ومن ثم تم له النصر، زد على ذلك أنه انتصر فى الوقعة التى نشبت من بعد. وأسرع بأسراه ذوى الشأن إلى القاهرة، على حين كان أحد أنصاره، وهو الأمير بطا، قد استولى على القلعة ونادى به سلطانًا فى صلاة الجمحه. ثم عزل الخليفة حاجى عن العرش بأمر من برقوق، وأفرد له مكانا يقيم به فى القلعة، ولكن برقوقًا راح يحسن معاملته ويكثر من زيارته؛ وقد كف برقوق عن هذه الزيارات من بعد، ذلك أن حاجى، وكان غليظ القلب، أساء معاملة إمائه وكان يأمر بأن تعزف الموسيقى وتنشد الأناشيد حتى لا تسمع صياحاتهن. وقد ألف أيضًا شرب الخمر واخذ يمطر برقوقا بوابل من الإهانات كلما زاره، وانتهت أسرة قلاوون العظيم بهذا الوريث الإمَّعة. المصادر: (١) Gesehichte de Chalifen: Weil جـ ٥، ص ٥٣٨ - ٥٤٠ و ٥٥٦ - ٥٧١. (٢) المنهل الصافى، باريس، المخطوط العربى رقم ٢٠٦٨ - ٢٠٧٣. صبحى [سوبرنهايم M.Sobernheim] الملك الصالح صلاح الدين صلاح ابن السلطان محمد الناصر من بيت قلاوون، وقد نصب سلطانًا وعمره أربعة عشر عاما بدلًا من أخيه حسن، على إثر خلاف نشب بين المماليك سنة ٧٥٢ هـ (١٣٥٧ م)؛ ولم ينته الشقاق بين الأمراء فى عهده. وكان من العوامل ذات الشأن فى ذلك أيضًا الخلاف الدائم بين حكام الولايات الشآمية وأعيان البلاط فى القاهرة، وقد استطاع بفضل هيبته إبان حملته على الشام أن يسحب هؤلاء الحكام من صفوف الثوار وأن يوقع الهزيمة بهم. ومن ثم نشب الخلاف من جديد بين أحزاب القاهرة. وقد حال انغماسه فى اللذات بينه وبين تولى شئون الحكم بنفسه حتى يحول دون سيطرة أى أمير من الأمراء وأتباعه على الحكم، ولذلك وقع فريسة لدسائس الأمراء، وخلع عن العرش سنة ٧٥٥ هـ

стр. 6381

(١٣٥٤ م)، ودعى أخوه حسن لارتقاء العرش مرة أخرى. المصادر: (١) Gesch. der Chalifen: Weil جـ ٥، ص ٤٩٠ - ٤٩٩. (٢) المنهل الصافى باريس، المخطوط العربى ٢٠٦٨ - ٢٠٧٣ تحت مادة " الملك الصالح صالح" صبحى [سوبرنهايم Sobernheim] الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن السلطان محمد الناصر من بيت قلاوون، نصب سلطانًا وعمره ١٧ سنة بعد عزل أخيه أحمد (٧٤٣ هـ = ١٣٤٢ م)، وكانت قسوته قد أثارت غضب الأمراء عليه، وعد عماد الدين شابًا فاضلا تقيًا، إلا أنه وقع من بعد تحت تأثير حريمه اللائى كنَّ وبالا عليه، ذلك أنه بعد أن أقام العمال الجدد فى المناصب الإدارية الكبرى فى الولايات، شرع فى وضع حد لدسائس أخيه رمضان، وسرعان ما قبض عليه وقتله، ثم راح يقاتل أخاه أحمد فى الكرك، واقتضاه ذلك جهدًا كبيرًا ونفقات طائلة أنفقها على الجيش؛ وحاول أن يكسب البدو الذين يقيمون فى تلك النواحى إلى جانبه حتى يتعذر على أحمد الحصول على المؤن، إلا أن يقظة أحمد أحبطت هذه المحاولة؛ وقد خشى إسماعيل من ناحية أخرى أن يفقد العون الذى كان ينتظره، ذلك أن وزيره نفسه كان يفاوض أحمد سرًا. وفى مستهل سنة ٧٤٤ هـ (١٣٤٤ م) نصب أميرًا آخر وزيرًا وأنفذ حملة على الكرك، واستطاع بهذه الحملة أن يستولى على المدينة وعلى القلعة جميعًا عندما بلغته النجدات فى مستهل سنة ٧٤٥ هـ. ووقع أحمد فى الأسر، ثم خنق فى سجنه بعد ذلك ببضعة أيام. واستنفد إسماعيل فى قتاله مع أحمد كل وقته وموارده حتى أهمل كل شئ عدا القتال؛ وقد صرف كل وقته وقوته فى الحروب التى شنها على إخوته وفى الانغماس فى الملذات. وكان البلاط ينفق نفقات باهظة حتى قلت موارد الدولة، وكثيرًا ما افتقر إلى المال اللازم للحملات العسكرية الضرورية. واستغل أعداء دولة المماليك الألداء

стр. 6382

ضعف هذا السلطان وهم: أمير مكة واليمن وأمراء آسية الصغرى، وشيوخ البدو فى شمالى الشام، فثاروا على ولاتهم الذين يحكمون أراضيهم تحت سيادة السلطان. على أن سيادة الخليفة والسلطان ظلت على ما هى عليه فى الشرق الأقصى والهند. وقد أرسل محمد بن طغلق صاحب دلهى مبعوثا إلى الخليفة يسأله أن يوليه مقاليد الأمر فى المدينة، وأعلن أنه من أتباع السلطان، كما طلب أن يرسل إليه بعض المتفقهين فى الشريعة ليزيدوا رعاياه معرفة بمبادئ الإسلام، فأجيب إلى طلبه عن طيب خاطر؛ وتأثر السلطان إسماعيل غاية التأثر بقتاله لأحمد وقتله حتى إنه لم يستطع أن يشفى من هذه العلة، وأدركته المنية سنة ٧٤٦ هـ (١٣٤٥ م) بعد أن مرض شهرين، ولم يكن إذ ذاك قد جاوز العشرين. المصادر (١) Geschichte d.Khalifen: Weil جـ ٤، ص ٤٥٢ - ٤٦١. (٢) المنهل الصافى، باريس، المخطوط العربى، رقم ٢٠٦٨ - ٢٠٧٣ تحت مادة " الملك الصالح إسماعيل". صبحى [سوبرنهايم Sobernheim] الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب، ولد سنة ٥٩٨ هـ (١٢٠٢ م) ولم يذكر اسمه فى تقسيم الأراضى التى وزعها أبوه بين إخوته، وإنما ورد ذكر اسمه للمرة الأولى سنة ٦٢٣ هـ (١٢٢٦ م) نصيرًا لأخيه الملك المعظم عيسى، وقيل إنه أمير بصرى. وتوفى المعظم فوصل عماد الدين حبله بالملك الناصر داود، وكثيرًا ما نجده يقاتل إلى جواره. فقد صحبه فى الوقعة التى جرت بدمشق سنة ٦٢٦ هـ (١٢٢٩ م)، وأكره داود على التسليم فترك عماد الدين وفى حوزته إقطاعه بصرى. ونجده فى السنة التالية فى خدمة أخيه الملك الأشرف موسى الذى أنفذه لحصار بعلبك ونيط به أن ينتزعها من الملك الأمجد بهرام شاه. وأكره إسماعيل الملك الأمجد على

стр. 6383

التسليم بعد حصار دام طويلا، وتوفى أخوه موسى سنة ٦٣٥ هـ (١٢٣٧ م) فورث دمشق وراح يقوم بدور أعظم شأنا، وإن كان قد اتضح من بعد أن دوره فى ذلك كان بغيضًا. ووجد إسماعيل من الأسباب ما يدعوه إلى الخوف من أخيه الملك الكامل سلطان مصر فعقد حلفًا مع الأمراء الأيوبيين فى الشام (فيما عدا أمير حماة). ثم تأهب للحصار، إذ جاءته الأنباء بتقدم الكامل وابن أخيه داود؛ ولم تجده مقاومته إلا قليلا. وسرعان ما أكره على تسليم دمشق، وعوض عنها ببعلبك والبقاع وبقيت له بصرى أيضًا. وقد ارتبطت بقية حياته ارتباطا وثيقًا بحياة كل من ابنى أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب، والسلطان الملك الناصر يوسف الثانى حتى ليجمل بنا أن نحيل القارئ على سيرتهما. وقتل اسماعيل فى القاهرة سنة ٦٤٨ هـ (١٢٥٠ م) وهو يقاتل السلطان يوسف فى وقعة عباسة التى نشبت بينه وبين المصريين، وكثيرًا ما تحالف مع الخوارزمية والفرنجة لا لسبب إلا إرضاء أطماعه وحبه للسلطان هما كان له أسوأ الأثر على رعاياه وإخوانه المسلمين. المصادر: انظر مادة، الملك الصالح نجم الدين أيوب. صبحى [سوبرنهايم Sobernheim] الملك الصالح نجم الدين أيوب: أكبر أبناء الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبى بكر ابن أيوب، ولد سنة ٦٠٣ هـ (١٢٠٧ م). وقد أوصى له أبوه بالملك سنة ٦٢٥ هـ (١٢٢٨ م) وجعله نائبًا له فى مصر وهو غائب فى الحملات التى شنها على الشام. وفى هذه الأثناء (ربيع الأول سنة ٦٢٦ هـ = فبراير سنة ١٢٢٩ م) كان الكامل قد تخلى عن بيت المقدس للإمبراطور فريدريك مدة عشر سنوات. واضطربت العلاقات بين أيوب وأبيه سنة ٦٢٨ هـ (١٢٣١ م) بسبب وشايات إحدى زوجات الكامل التى كانت تريد ولاية مصر لابنها العادل أبى بكر، ذلك أنها اتهمت أيوب فى خطاب بأنه سعى

стр. 6384

إلى عرش مصر، وأبوه لا يزال على قيد الحياة، إذ جند لذلك أكثر من ألف من مماليكه. واطمأن بال الكامل بالصلح الذى عقده مع الإمبراطور، فعاد إلى القاهرة ليتولى زمام الأمور بنفسه مرة أخرى. وفى سنة ٦٢٩ هـ (١٢٣٢ م) حملته الظروف السياسية (تقدّم التتر والخوارزمية إلى حدود الإمبراطورية) على الشخوص إلى الشام وعقد لواء الجيش لأيوب حتى يبعده بهذه الوسيلة عن مصر. وحقق الكامل الهدف من حملته هذه بالاستيلاء على بلاد ما بين النهرين بوصفها حصنا حصينًا يدفع غائلة التتر والخوارزمية، وأقطع ابنه أيوب حصن حيفا، ثم عاد فمنحه سنة ٦٣٣ هـ (١٢٣٦ م) مدينة الرها Edessa وحرّان اللتين كان قد فتحهما. ولا شك أن موقف أيوب من التتر والخوارزمية لم يكن بالموقف السهل. وقد حالف أيوب الخوارزمية وألحقهم بخدمته بإذن من الكامل. وتلقى سنة ٦٣٥ هـ (١٢٣٨ م) حكم سنجار ونصيبين بالإضافة إلى أملاكه الأخرى. وظل أيوب سيد الشرق قيد الحياة ما بقى الكامل على قيد الحياة، ولم يجرؤ أحد على مهاجمته، على أن هذه الحال تبدلت عندما توفى الكامل فى السنة نفسها (٦٣٥ هـ) فى دمشق التى كان أخوه الملك الصالح إسماعيل قد تنازل له عنها قبل ذلك بشهرين نظير بعلبك وبصرى. ونودى بالملك العادل الثانى فى القاهرة خليفة للكامل، ونصب الملك الجواد يونس واليًا على دمشق من قبله؛ وقد تلقى أيوب الأنباء بوفاة أبيه وهو يحاصر الرحبة، فرفع من فوره الحصار ولكنه لقى مقاومة من الخوارزمية الذين كانوا فى خدمته، وقد استشاطوا غضبا لخوفهم من أن تفلت منهم الغنيمة، وكانوا على وشك القبض عليه فاضطر إلى الهرب، وكذلك حاول سلطان الروم: غياث الدين أن يأسره فحاصر آمد وقسم المدن التى كان أيوب قد استولى عليها بين أمراء الشام وأمراء بلاد ما بين النهرين حتى قبل أن يستولى عليها. وكان لؤلؤ حاكم الموصل من أعداء أيوب أيضًا، فحاصره فى سنجار حيث

стр. 6385

كان أيوب قد لجأ إليها، وأنقذ أيوب من هذا الموقف الخطر تدخل القاضى الجليل المقام الذى كفل له عون الخوارزمية، واستطاع بفضل ذلك أن يرفع الحصار عن سنجار، وأن يوقع هزيمة منكرة ببدر الدين لؤلؤ، ثم رفع الحصار عن آمد، وهزم سلطان الروم هزيمة ماحقة، وبذلك كفل لنفسه بلاد ما بين النهرين وفى السنة التالية (٦٣٦ هـ) عرض عليه الملك الجواد والى دمشق أن ينزل له عن دمشق فى نظير سنجار أو الرقة وعانة، ذلك أن الملك الجواد لم يكن يحس بالأمن على مركزه حيال العادل سلطان مصر. فسلم أيوب أملاكه الشرقية إلى ابنه المعظم توران شاه فى حين منح الخوارزمية حران والرها وولاية الجزيرة. وهنالك قبل دعوة الجواد وشخص إلى فلسطين على رأس جيشه واحتل دمشق. وقرر السلطان العادل وداود أمير الكرك أن يمتشقا الحسام لقتاله، ولكن نفرًا من الأمراء تخلوا عن السلطان الذى جلب على نفسه سخط الشعب بسبب حبه للملذات، واستقر رأيه على أن يلحق بأيوب. وعرض داود بنفسه أن يعاونه بشرط أن يعطى دمشق، ولكن أيوب رفض عرضه فعاد إلى العادل. وأحس الخليفة أنه مهدد دائما من قبل التتر والخوارزمية، فأخذ يهتم اهتماما كبيرا بالمحافظة على السلام وتقوية سلطان الأيوبيين بوجه عام، وأوفد مبعوثا إلى أيوب يفاوضه فى الصلح، ولكن المبعوث عاد يجر ذيول الخيبة، وغادر أيوب دمشق سنة ٦٣٧ هـ (١٢٤٠ م) فى خمسة آلاف رجل، وذهب إلى نابلس ليتأهب هناك للحملة على مصر، وقد حاول أيضا الحصول على مؤازرة عمه إسماعيل الذى تظاهر بالموافقة ثم خدعه برسائل كاذبة (انظر Baalbek zu islam ischer zeit: Sobernheim، ص ٩ من الطبعة الثانية؛ والرواية التى وردت فى المقريزى، ترجمة Blochet؛ ص ٤٤٥ أبو الفداء، حوادث سنة ٦٣٧ هـ). ولكن إسماعيل عقد اتفاقا سريًا مع أمير حمص، وأغرى جنود أيوب بالوعود حتى يتخلوا عنه ويوافوه إلى دمشق، وترك أيوب آخر الأمر وحيدًا أو

стр. 6386

يكاد. وفى هذه الأثناء كان أمير الكرك قد تشاجر مع السلطان العادل مرة أخرى، وبدأ يتفاوض مع أيوب، فلما علم أن أيوب يكاد يكون وحيدا بلا نصير فى نابلس، شخص إليها هو وجيشه وأسره وبعث به إلى الكرك، وأحسن معاملته ورفض أن يسلمه إلى أخيه العادل. وكانت المعاهدة التى عقدت بين العادل وفريدريك الثانى بشأن احتلال بيت المقدس قد انتهى أجلها آنذاك. وآنس داود من نفسه القدرة على انتزاع المدينة من الفرنجة عنوة، وكانوا غير راغبين فى تسليمها طوعا، وأفلح فى الاستيلاء عليها بعد أن حاصرها واحدًا وعشرين يوما، وتم له ذلك فى جمادى الأولى سنة ٦٢٠ هـ (٢ فبراير سنة ١٢٢٢ م)؛ ودمر داود حصونها التى كان الفرنجة قد أعادوا بناءها إبان الشهور الأخيرة من احتلالهم لها. وبدأ الحظ يحالف أيوب، فقد جرت مفاوضات طويلة بين داود وإسماعيل والعادل على التحالف، إلا أنها لم تسفر عن نتيجة، ومن ثم عقد اتفاق بين أيوب وداود بفضل وساطة أمير حماه، وأفرج عن أيوب فى شهر رمضان من السنة نفسها، وذهب مع داود إلى بيت المقدس حيث عقدا معاهدة صلح، قضت بأن تصبح مصر من نصيبه، والشام والولايات الشرقية من نصيب داود. وكان اتحاد الأميرين بطبيعة الحال مدعاة لأن يستبد القلق الشديد بالعادل، فأقنع إسماعيل أمير دمشق بأن يمتشق الحسام فى وجه هذين الحليفين، على حين شخص هو نفسه إلى بلبيس على رأس جيش. وكان السخط قد دب فى صفوف فريق من المماليك يقال لهم: الأشرفية (نسبة إلى الأشرف موسى عم العادل) فخلعوه عن العرش وأرسلوه أسيرًا إلى قلعة القاهرة، ثم عرضوا عرش البلاد على أيوب بعد شئ من التردد وطلبوا منه أن يأتى فورًا إلى بلبيس؛ فذهب أيوب وداود إلى مصر لتوهما ولقيا خالص الترحيب من الأمراء أينما حلا، وبعد أن احتل أيوب القاهرة نودى به حاكما فى خطبة الجمعة وأيد الخليفة ذلك من بعد بمرسوم. وظل العادل سجينا فى القلعة ولم يقتل إلا سنة ٦٤٥ هـ (١٢٤٧ م) عندما رفض أن ينتقل إلى حصن

стр. 6387

الشوبك إطاعة لأمر السلطان؛ ومن ثم استتب الأمر لأيوب فى مصر؛ أما فى الشرق (بلاد ما بين النهرين) فإن ابنه توران شاه كان يحمى مصالحه. وأما العضو الثالث أمير دمشق، فقد كان لا يزال عازفا عن أن يسلمه دولة صلاح الدين كلها تقريبا مرة أخرى. ومن ثم لم يسلم إلى داود الذى لا يؤتمن، الأراضى الممتدة بين مصر والشام التى كان قد احتلها، ولم يسلمه أيضا الشوبك وبيت المقدس، بل أعلن أنه قد أكده على توقيع معاهدة بيت المقدس إكراهًا؛ على أنه تفادى قيام خلاف سافر ووعده بدمشق على أن يستقل بملكها بعد أن يفتحاها معًا؛ وفى السنة التالية (٦٣٨ هـ = ١٢٤٠ م) انشغل أيوب بتوطيد دعائم حكمه فى مصر، فأخمد فتنة أشعلها البدو فى مصر العليا، وعمل على القبض على الأمراء الذين لم يكن يثق بهم واحدًا بعد واحد، وأعطى إقطاعياتهم إلى مماليكه؛ وهنالك بدأ يقيم العمائر على جزيرة النيل الحالية، جزيرة الروضة، وكانت آنذاك لا تزال شبه جزيرة. وكانت تلك العمائر هى قصره، وثكنات مماليكه الذين يسمون المماليك البحرية والذين أطلق اسمهم على أول أسرة للمماليك. ونشب القتال بين أيوب وأعدائه فى العام نفسه؛ وأدرك داود أنه لن يحصل منه على أى مزيد من الأرض، وشعر إسماعيل بحق أنه مهدد حين سعى أيوب إلى امتلاك دمشق؛ أما فى الشرق، فقد كان لؤلؤ أمير الموصل قد تلقى النجدات وانتزع آمد من توران شاه بن أيوب، فلم يبق لتوران شاه إلا حصن كيفا وقلعة الهيثم، ثم عقد إسماعيل وداود حلفًا مع الفرنجة تنازلا فيه لهم عن طبرية وشقيف أرنون وصفد، وسمحوا لهم بأن يشتروا الأسلحة من دمشق، وتوثقت العلاقات بين زعماء المسلمين والنصارى حتى كان كل فريق منهم يسدى الخدمات الكثيرة للآخر، ومن ثم سلم الفرنجة الأمير الجواد، وكان قد لاذ بهم، إلى إسماعيل نظير مبلغ من المال، ولم يلبث إسماعيل أن قتله. وأنذر داود وإسماعيل بدورهما الفرنجة بتمرد الأسرى المسلمين فى شقيف أرنون،

стр. 6388

ولذلك نقل الفرنجة هؤلاء الأسرى إلى عكا وقتلوهم هناك، ومن ثم سارت جيوش الفرنجة وإسماعيل فى حملة على أيوب؛ والتقى الجيشان فى موضع بين غزة وعسقلان، بيد أن جيش المسلمين انضم إلى أيوب فلحقت الهزيمة بجيش الفرنجة، وخسر كثيرا من الأسرى فاستخدموا فى إقامة العمائر بجزيرة الروضة فى القاهرة، على أن هؤلاء الأسرى أطلق سراحهم بمقتضى معاهدة صلح أبرمت فى السنة نفسها، وكانت المعاهدة مرضية للفرنجة إلى حد كبير، فقد سمح لهم بأن يحتفظوا بأملاكهم فى فلسطين والشام. وظل أيوب بضع السنوات التالية بعيدًا عن الشام، على حين نشب قتال ضيق النطاق بين داود والفرنجة، اتسم بالقسوة البالغة؛ وفى سنة ٦٤١ هـ (١٢٤٣ م) كانت المفاوضات تجرى بين أيوب وإسماعيل، وكان من مقتضى هذه المفاوضات أن يفك إسماعيل إسار الملك المغيث بن أيوب، وأن ينادى بأيوب سلطانًا فى خطبة الجمعة، غير أن المفاوضات فشلت عندما علم إسماعيل أن أيوب يحرض الخوارزمية عليه سرًا، وقبل أن ينصرم هذا العام، كان إسماعيل وداود قد عقدا حلفًا وثيقا مع الفرنجة، وتنازلا لهم عن أجزاء كبيرة من فلسطين وبيت المقدس والأراضى الإسلامية المقدسة هناك. وكتب على داود، عدو النصارى اللدود، أن يسمع القداس يتلى فى قبة الصخرة والأجراس تقرع فى الجامع الأقصى. واستنجد أيوب بالخوارزمية ليعينوه على هؤلاء الحلفاء فجاءوا فى العام التالى (٦٤٢ هـ) واحتلوا بيت المقدس إلى حين وأشاعوا فى ربوعه أبشع الدمار؛ وأنفذ أيوب جيشًا من القاهرة لمعاونة الخوارزمية، وأنفذ اسماعيل بدوره جيشًا إلى الفرنجة انضم إلى صفوفهم، والتقى الجيشان فى غزة فى موقعة رهيبة أحرز فيها الخوارزمية والمصريون نصرًا مبينا. وكانت غنائم الخوارزمية مما لا يحصيه العد، واستطاع الجيش المصرى إثر هذا النصر أن يفتح بيت المقدس وفلسطين مرة أخرى، وبقيتا فى أيدى المسلمين حتى سنة ١٩١٨، ولقد استطاع داود أن يحتفظ بالكرك والصلت وعجلون،

стр. 6389

وحاصر المصريون دمشق، بيد أنها ثبتت لحصارهم طويلا، ولم يستسلم إسماعيل إلا فى السنة التالية (٦٤٣ هـ = ١٢٤٥ م)، وسلم دمشق واقتصر على بعلبك وبصرى والنواحى التابعة لهما، وانتظر الخوارزمية أن يجزل لهم العطاء لقاء هذه الانتصارات، إلا أن ما استولوا عليه لم يرضهم، فدخلوا فى خدمة إسماعيل وداود وحاصروا دمشق باسمهما، وكان يدافع عنها قائد من قواد أيوب ظل صامدًا حتى مستهل سنة ٦٤٤ هـ (١٢٤٦ م). وأراد أميرا حلب وحمص أن يضعا حدا لإرهاب الخوارزمية، ولم يكونا يعطفان فى ذلك الحين على أيوب إلا عطفا قليلًا، فأنفذا جيشهما فى حملة على الخوارزمية، ومن ثم أضطروا إلى رفع الحصار والمضى للقاء جيش حلب، وفى وقعة قصب، منى الخوارزمية بهزيمة منكرة، فقد قتل أحد قوادهم، ولاذ آخر بأذيال الفرار. ولجأ إسماعيل إلى حلب ونعم بحماية واليها: يوسف الثانى، إلا أنه خسر بعلبك التى استولى عليها أيوب، واخذ أبناؤه وزوجاته إلى مصر أسرى. وكذلك حرم داود جميع ممتلكاته فيما عدا الكرك، ولجأ هو أيضا إلى حلب، ونصب ابنه نائبا عنه، وكان والى حلب لا يثق أبدا بأيوب، فحاول أن يؤمن نفسه من أية حملة قد يشنها أيوب بحمل الأشراف على أن يسلمه حمص سنة ٦٤٦ هـ (١٢٤٨ م) بعد أن حاصر المدينة شهرين. واستبد الغيظ بأيوب فشخص إلى دمشق ليقاتل يوسف الثانى، وأنفذ أحد قواده إلى حمص لينتزع المدينة من الأشرف. وعند بلوغه دمشق علم بوصول الصليبيين الذين كان لويس التاسع قد قادهم فى حملة على دمياط، ودعاه هذا إلى أن يعقد معاهدة صلح فى الحال مع يوسف موسطا فى ذلك الخليفة، وبالرغم من اشتداد وطأة المرض عليه، فقد شرع فى العودة محمولا على محفة، وبلغ الأشمونين بعد ذلك بقليل. ولم يستطع أن يحول بين الصليبيين وبين النزول إلى البر والاستيلاء على دمياط، ذلك أن الفساد كان قد بدأ يتطرق إلى النظام فى جيشه بسبب مرضه، وهربت قبيلة كنانة

стр. 6390

البدوية، التى نيط بها حراسة المنطقة، هروب الجبناء الرعاديد، إذ دخل فى روعهم أن جيوش السلطان قد تخلت عنهم. وأثلج صدر أيوب، قبل أن توافيه منيته بقليل، ما سمعه من أن أولاد داود الكبار قد انتابهم السخط لانتقال السلطان فى الكرك إلى أخيهم الصغير، فهاجموا أخاهم هذا وأخذوه أسيرًا، وقرروا تسليم مقاليد الأمور إلى أيوب بدلًا منه، فأنفذ أيوب فى الحال أحد أمرائه على رأس جيش ليستولى على الحصن. وتوفى أيوب فى الخامس عشر من شعبان سنة ٦٤٧ هـ (٢٣ من نوفمبر سنة ١٢٤٩ م). وكان أيوب سياسيًا ولكنه لم يك قائدًا؛ فقد كان على الأقل لا يقود جيشه بنفسه إلا نادرًا. وكان أكبر ما يطمح إليه إنشاء دولة كدولة صلاح الدين والكامل تتألف من مصر وفلسطين والشام وبلاد ما بين النهرين. وفى أواخر عمره كان قد حقق جزءًا كبيرًا من حلمه، إلا أن إمارة حلب المستقلة وإمارة الموصل لم تكونا خاضعتين لنفوذه. وقد قوى مركزه بإنشاء فرقة من المماليك، وهو إجراء أملته عليه الضرورة فى ذلك الحين، إلا أنه أدى كما حدث فى كثير من الحالات المماثلة لذلك، إلى سقوط دولته آخر الأمر وكان هو نفسه يكبح جماح أمرائه وعماله فلم يكونوا يجرؤون فى حضرته على الكلام دون أن يبدأهم هو بالكلام، وكان يهتم اهتماما عظيما بإقامة العمائر، بل لقد كان ذلك يقع منه وقع المتعة يفرط فيها المرء ويبالغ. وكانت قصوره فى شبه جزيرة الروضة بالنيل وفى الكبش، ومدرسته، ذائعة الصيت فى تلك الأيام. وقد أنشأ مدينة الصالحية ثغرًا للدفاع عن حدود مصر. المصادر: Geschichte der Chalifen: Weil، جـ ٣. صبحى [سوبرنهايم M.Sobernheim] الملك الصالح نور الدين إسماعيل من بيت زنكى، وابن أتابك حلب ودمشق؛ وقد خلف نور الدين بن زنكى أباه على العرش سنة ٥٦٩ هـ (١١٧٣ م)، وعمره أحد

стр. 6391

عشر عامًا؛ وكان قد احتفل بختانه قبل ذلك ببضعة أسابيع احتفالا عظيما، وزعت فيه الصدقات على الفقراء فى سخاء عظيم؛ وذكر اسمه فى خطبة الجمعة وضربت به السكة بلا معارضة من الأمراء فى دمشق وحلب أو من صلاح الدين. وإنما انتهز ابن عمه سيف الدين الغازى هذه الفرصة فاحتل بجيشه مدن الجزيرة التابعة لنور الدين، وكان سيف الدين على وشك القدوم إلى نور الدين بجيش كان نور الدين ينوى أن يستخدمه فى قتال صلاح الدين، وظن الفرنجة أيضًا أن الفرصة قد سنحت لهم فحملوا على حصن بانياس، ووجد الأمراء أنفسهم فى هذه الظروف العصيبة بين أمرين إما الاستنجاد بصلاح الدين أو الاتفاق مع العدو، فاتفقوا مع العدو وتركوا لسيف الدين الغازى ما غنمه من فتوحات وبينوا للفرنجة بأنهم سوف لا يفلحون إلا فى إيغار صدر صلاح الدين دون مبرر؛ وكان صلاح الدين إذ ذاك قد أخمد فتنة قامت فى مصر ولم يعد لديه من الأسباب ما يحمله على خشية نور الدين، ونال الفرنجة بالإضافة إلى ذلك، تعويضًا منهم ثم انسحبوا. وكان من أثر التحالف مع الغازى أن انتقل مركز الحلف إلى حلب وحمل إليها إسماعيل فى أمان، وتولى بعض الرجال القادرين الولاية والحكومة، وبذلك ضعف نفوذ أمراء دمشق فاستنجدوا بصلاح الدين، وكان صلاح الدين قد استشاط غضبًا لما بدا من ضعف الأمراء أمام الفرنجة والاستسلام للغازى فكتب إلى إسماعيل خطابًا لامه فيه أشد اللوم لأنه لم يستنجد به. وكما حدث من قبل أن اضطر نور الدين إلى بذل الجهد للاستيلاء على دمشق بدلا من أبق البورى الواهن العزم كذلك لم يجد صلاح الدين بدا من أن يقبض بيده على زمام الأمور، واستمر من الناحية الرسمية يعلن أنه التابع المخلص لإسماعيل. وبلغ صلاح الدين دمشق، ولكن القلعة لم تسلم إليه، وإنما سلمها إليه ريحان أحد خصيان اسماعيل بعد مفاوضات دامت بضعة أشهر عندما أعلن صلاح الدين مرة أخرى أنه تابع إسماعيل المخلص؛ ولم يصل صلاح الدين إلى اتفاق تام مع إسماعيل، بل إن

стр. 6392

الأمر كان على نقيض ذلك إذ أن حكومة حلب كانت تفاوض الفرنجة سرًا. وصح عزم صلاح الدين على الحرب، فاستولى حماة وحمص، وفى جمادى الآخرة سنة ٥٧٠ هـ (أواخر سنة ١١٧٤ م) شرع يحاصر حلب، ولكن الغازى استنجد بكمشتكين بوصفه حليف إسماعيل فأنفذ كمشتكين جيشًا انضم إلى جيش حلب وتقدم صوب حماة وهدد مؤخرة صلاح الدين؛ ولكن إسماعيل الذى لا تنكر عليه التحلى ببعض المواهب الطبيعية، استحلف أهل البلاد أن يدفعوا عنه، وهو اليتيم، ما وسعهم الدفاع بحق ما كان لأبيه من أفضال عليهم، وتأثر أهل حلب بندائه فدافعوا عن المدينة بشن الهجمات لفك الحصار وثبتوا فى القتال هذه المرة وفى مرات أخرى من بعد. والحق أن أهل حلب تميزوا دون أبناء الشام بأنهم أظهروا فى كثير من الأحيان شعورًا بالاستقلال وشيئا من الاعتزاز بانتسابهم إلى هذه المدينة. وأبدى كمشتكين، قائد حلب، فى قتاله صلاح الدين من البسالة قدر ما أبداه من انعدام الضمير، حتى أنه طلب من سنان، زعيم الحشاشين أن يبعث إليه بسفاحيه المشهورين ليجهزوا على صلاح الدين، إلا أنهم لم يفلحوا فى اغتياله ولقوا حتفهم فى هذه المحاولة. ولم يقف كمشتكين عند هذا الحد بل اشتط فأطلق سراح الكونت رايموند أمير طرابلس، وكان سجينًا فى حلب، وحرضه على مهاجمة حمص؛ وفى هذا الموقف العصيب أعلن صلاح الدين أنه على استعداد لتسليم حمص وحماة بشرط أن يسمح له بالاحتفاظ بدمشق بوصفه واليًا عليه من قبل إسماعيل، وبلغ من حماقة الغازى أنه رفض هذا العرض، إذ كان يعتمد على أخيه عماد الدين زنكى الثانى فى مده بالمعونة، ولكن عماد الدين لم يهبّ إلى نجدته لأنه كان على صلة طيبة بصلاح الدين، والتقى جيش صلاح الدين وخصومه فى حماه، وانتصر انتصارًا مبينًا قرر مصير الشام، وحاصر حلب للمرة الثانية، وشدد عليها النكير هذه المرة وحمل إسماعيل على عقد الصلح فى شهر شوال سنة ٥٧٠ هـ (١١٧٥ م) واحتفظ بحماة وحمص ودمشق وبعض

стр. 6393

البلاد الكبيرة الأخرى، ولم يبق لإسماعيل إلّا حلب، وكان لهذا النصر شأنه العظيم، فقد أعلن صلاح الدين استقلاله عن إسماعيل وأسقط اسم إسماعيل من خطبة الجمعة ومن السكة؛ ولم ينقض على ذلك وقت طويل حتى وصل مبعوث من الخليفة العباسى المستضئ إلى حماة وقدم إلى صلاح الدين براءة السلطنة على مصر والشام وكسوة من كسى التشريف المألوفة؛ وفى السنة التالية (٥٧١) نشب القتال بين صلاح الدين والأمراء من بنى زنكى، وعلى إثره حاصر صلاح الدين حلب مرة أخرى، وكان ذلك فى ذى الحجة من السنة نفسها، ولكن حامية المدينة وأهلها المدنيين دافعوا عن أنفسهم دفاعا غاية فى إلبسالة حتى أكره على الانسحاب وعقد صلحًا نهائيًا فى مستهل سنة ٥٧٢ هـ (يوليه ١١٧٥ م) أيّد به نصوص المعاهدة التى عقدت من قبل، على أنه حدث بعد ذلك بوقت قليل أن تنازل صلاح الدين لإسماعيل عن قلعة عزاز بناء على طلب أخته الصغيرة. ومن ثم استتب السلام بين صلاح الدين وإسماعيل، بل إن مصدرًا من المصادر يقول إن صلاح الدين كان قد انتوى معاونة إسماعيل على أن يسترد ما كان له من سلطان كبير لولا أن مماليكه أثنوه عن عزمه هذا. ويبدو أن إسماعيل رضى كل الرضا عن تثبيته فى ملك حلب؛ ومن حملاته العسكرية الأخرى التى تستحق الذكر حملة شنها على أرض جبل السُّمَّاق (غربى حلب، انظر ياقوت: المعجم، طبعة فستنفلد، جـ ٢، ص ٢١) سنة ٥٧٢ هـ (١١٧٥ م)، وكان أهلها قد رغبوا فى الانضمام إلى سنان، "شيخ الجبل"؛ وحصار حارم التى لم ير بدًا من انتزاعها من كمشتكين، الذى ظل مدة طويلة لا يثق فيه، وكان كمشتكين قد اتهم بأنه أخرج ثروته من حلب وأنه فاوض الفرنجة فى تسليم حارم، ومن ثمّ أمر إسماعيل بالقبض عليه وقتله بعد ذلك بقليل سنة ٥٧٣ هـ (١١٧٦ م)، ولكن الفرنجة، احترامًا منهم للمعاهدة المعقودة بينهم وبين كمشتكين، تقدموا صوب حارم سنة ٥٧٤ هـ وضيقوا الخناق على أهلها تضييقًا شديدًا. فاستنجد هؤلاء

стр. 6394

بإسماعيل، فأرسل لهم النجدات، واستطاع إسماعيل آخر الأمر أن يحمل الفرنجة على الانسحاب بعد أداء التعويض بأن هددهم بتسليم المدينة لصلاح الدين، ثم عمل بعدئذ على أن تدخل المدينة فى حوزته وأن يعيَّن عليها واليًا. واشتدت وطأة المرض على إسماعيل سنة ٥٧٦ هـ فأقام عز الدين مسعود أمير الموصل خليفة له. ذلك أنه لم يتزوج ولم يقيض له من صلبه وريث يلى الأمر بعده، كما أنه ظن أن عز الدين يستطيع أن يثبت لصلاح الدين: وتوفى إسماعيل فى السنة التالية (٥٧٧ هـ = ١١٨٠ م). وكان عند اعتلائه العرش فى شرخ الشباب لا يمكن أن يلومه أحد إذا هو فقد أملاكه. ونحن لا نستطيع أن نقرر إلى أى مدى كان مسئولا عن سياسته التى اقتضت أن يؤثر الفرنجة بمحالفته دون سائر الناس، وقد ظل مستوليًا على حلب بيد من حديد، ويبدو أنه كان منذ نعومة أظفاره محبوبًا من رعاياه، وقد دافعوا عنه دائمًا دفاعًا باسلا، وحزنوا لموته حزنًا صادقًا. المصادر تجد أوفى المعلومات فى: (١) Recueil des Historiens des Croisades, Historiens Orientaux ١ - أبو الفداء وابن الأثير: كامل التواريخ ٢ - ابن الأثير Histoire des Atabecs ٣ - كمال الدين: بغية الطلب فى تاريخ حلب. (٢) كمال الدين: زبدة الحلب فى تاريخ حلب، ترجمة Blochet, باريس ١٩٠٠، والمصادر الواردة عو الصليبيين فى مادة "صلاح الدين". صبحى [سوبرنهايم Sobernheim] صالح بن على ابن عبد اللَّه بن عباس العباسى، ولد بالسواد أو فى نجاد البلقاء سنة ٩٢ هـ (٧١٠/ ١١ م). وكان هو وأبو عون عبد الملك بن يزيد الجرجانى على رأس الحملة التى أنفذت إلى مصر لمطاردة مروان بن الحكم آخر خلفاء بنى أمية، وفى غرة المحرم سنة ١٣٣ هـ (٩ من

стр. 6395

أغسطس سنة ٧٥٠ م) نصب واليًا على هذه الولاية، ثم استدعى من مصر فى غرة شعبان سنة ١٣٣ هـ (٤ من مارس سنة ٧٥١ م) ونصب واليًا على فلسطين بعد أن عين زميله فى السلاح أبو عون خليفة له؛ ولكن ما إن حلت غرة ربيع الأول سنة ١٣٦ هـ (سبتمبر ٧٥٣ م) حتى أعيد تنصيبه واليًا على مصر مع إشرافه على مالية البلاد، ثم أقيم من بعد واليًا على إفريقية حتى اجتمعت فى يده ولاية المغرب جميعا؛ وفى الخامس من ربيع الثانى سنة ١٣٦ - (٨ من أكتوبر سنة ٧٥٣ م) دخل مصر، بيد أنه أكره العودة إلى فلسطين بعد سنة ونصف سنة، وكان ذلك فى ٤ من رمضان من السنة التالية (٢١ من فبراير سنة ٧٥٥ م) على إثر فتنة شبت فى مصر، وعاد فعهد إلى أبى عون الولاية على مصر والإشراف على شؤونها المالية. وكان عليه بعدئذ أن يستبدل الشام بفلسطين (١٤١ هـ = ٧٥٨/ ٩ م)؛ ثم قام بحملتين على الروم، وتوفى فى قنسرين أو فى عين أباغ، بالغًا من العمر الثامنة والخمسين بعد أن ولى ابنه الفضل على حمص. ونجد الاسم صالح على خاتمين من الزجاج فى مجموعة فوكيه (Fouquel فى كازانوفا Catalogue des pieces de verre des epoques byzantine el arabe de la collection Fouquet. M.M.A.F: P.Casanova، ١٨٩٣، جـ ٦، ص ٣٧٠، ١٤٠ و ١٤١) وعلى قطع من السكة النحاسية المضروبة فى حلب سنة ١٤٦ هـ (٧٦٣/ ٤ م) و ١٤٨ هـ (٧٦٥/ ٦ م؛ فى Katalog, der orientalischen Munzen in den Kgl. Museen zu Berlin: H. Nutzel، جـ ١، ص ٣٢٨، رقم ٢٠٨٣/ ٨٤؛ وص ٣٢٩، رقم ٢٠٨٦؛ انظر أيضا إسماعيل غالب: مسكوكات قديمة إسلاميت كتالوغى، ص ٢٨٤، رقم ٧٦٩ و ٧٧٠؛ وانظر Brit. Mus. Cat. Orient coins: S.Lane-poole، جـ ١، ٢٠٠، جـ ٩، ص ٩٤). المصادر: (١) الكندى: كتاب الولاة، طبعة R.Guest، سلسلة كب التذكارية، جـ ١٩، ص ٩٦ - ١٠٢ و ١٠٥ و ١٠٦ (٢) أبو المحاسن: Annales، طبعة T.G.J.Juynboll، جـ ١، ص ٣٥٩ و ٣٦٠ و ٣٦٦ - ٣٧٢

стр. 6396

(٣) المقريزى: الخطط، جـ ١، ص ٣٠٣ و ٣٠٦ (٤) الطبرى: طبعة ده غوى، جـ ٣/ ١، ص ٤٨ - ٥٠ و ٧٣ - ٧٥ و ٨١ و ٨٤ و ٩١ و ١٢١ و ١٢٢ و ١٢٤ و ١٢٥ و ١٣٨ و ٣٥٣. (٥) ابن الأثير: الكامل، جـ ٥، ص ٣٢٦ - ٣٢٨ و ٣٤٤ و ٣٤٨ و ٣٥٤ و ٣٧٠ و ٣٧٢ و ٣٨٧. (٦) Die Statthalter von Agypten zur Zeit du Chalifen, vol. u: F.Wusetenfeld (= Abh. G.W.Cott، ١٨٧٥، جـ ٢٠)، ص ٢ - ٤ (٧) Corpus Papyrorum Raineri، جـ ٣، السلسلة العربية، طبعة A. Grohmann جـ ١/ ٢، ص ١٠٨ و ١٠٩ صبحى [كرومان Adolf Grhmann] صالح بن مرداس أبو على أسد الدولة (انظر سلسلة نسبه فى سيرته الواردة فى ابن خلكان، ترجمة de Slane، باريس ١٨٤٢، جـ ١، ص ٦١١)، وكان صالح من أعظم شيوخ البدو شأنًا فى الشرق الأدنى خلال القرن الخامس بعد الهجرة، وهو من قبيلة بنى كلاب التى نزحت تحت إمرته ميممة شطر الشمال من العراق إلى حلب فى مستهل القرن الرابع وأكسبته هذه الهجرة إمارة حلب. ونحن لا نعرف إلا القليل عن خلقه وحياته الخاصة، على أنه كان فيما يظهر شجاعًا حازم الرأى ماضى العزيمة. وقد ورد ذكره أول ما ورد سنة ٣٩٩ هـ (١٠٠٨ م) حليفا لابن محكم، الذى لم يعرف إلا بهذه المناسبة، إذ استنجد بابن مرداس ليعاونه فى الدفاع عن الرحبة التى كان قد استولى عليها: ولم يكن الحلف وثيقًا ولا صادقًا، وقد تصالح الزعيمان بعد أن وقع بينهما شئ من الاحتكاك، وكان من نتائج هذا الصلح أن تزوج صالح ابنة المحكم، وظل يقيم فى الحلة، كما نص على ذلك ابن الأثير صراحة ولم تدم صداقة صالح بابن المحكم على الرغم من أواصر المصاهرة التى ربطت بينهما، وعمل صالح فى السنة نفسها على قتل حميه، واستولى على الرحبة وأخذ يدير شؤونها باسم الخليفة الفاطمى فى

стр. 6397

القاهرة. وكان قد اعترف بولائه له فى خطبة الجمعة، وفى السنة التالية (٤٠٠ هـ = ١٠٠٩ م) تورط فى شؤون حلب للمرة الأولى. وكان منصور مرتضى الدولة بن لؤلؤ المملوك الحمدانى يحكم حلب، ولكن أبا الحجى حفيد سيف الدولة تحداه. وكان أبو الحجى قد أدخل بنى كلاب فى خدمته، إلا أنهم تحولوا عنه إلى منصور الذى وعدهم بقطع كبيرة من الأرض، ومن ثم فقد كان من اليسير على المنصور أن يوقع الهزيمة ببنى حمدان، إلا أن بنى كلاب راحوا يلحون فى مطالبتهم بالجزاء، وغزوا أراضيه وسلبوها، فلجأ المنصور إلى خطة حربية قديمة، إذ دعا شيوخ بنى كلاب إلى مأدبة يبحث فيها الأمر معهم، ثم انقض عليهم وقتل بعضهم وأسر الباقين؛ وقد يكون هناك شئ من المبالغة فى الرواية التى تقول إنه قتل ألف كلابى فى هذه المناسبة غير شيوخهم، وبلغ صالح من إذلاله لنفسه أن أوقع الطلاق على زوجته إرضاء للمنصور، وظل صالح يرسف فى أغلاله ثلاث سنوات، وإنما أفلح سنة ٤٠٥ هـ (١٠١٤ م) فى الهرب وهو مقيد بالأغلال فى قول بعض المصادر، أو بعد أن نشرها بمبرد دس إليه فى سجنه فى رواية بعضها الآخر. وظل مختفيًا زمنًا ثم جمع حوله الكلابيين شيئًا فشيئًا وحمل على المنصور. ومنى المنصور بالهزيمة وقبض عليه وقيد، فى قول الرواية، بالأغلال نفسها التى كان قد قيد بها صالح ثم أطلق سراحه بشروط معلومة وسلم صالحًا أكثر من ٥٠٠٠ دينار و ٧٠ رطلًا من الفضة و ٥٠ ثوبًا، ولكنه لم ينفذ الشرط الذى كان يقضى بأن يدفع للكلابيين نصف دخل حلب عن السنة ٤٠٥ هـ وأن يزوج صالحا ابنته. ومن ثم فرض الكلابيون الحصار على المنصور، ولم يثق المنصور بالفتح قائد الحصن فهرب إلى الروم سنة ٤٠٦ هـ (١٠١٥ م). واتفق الفتح وصالح وسلم حلب لعلى بن أحمد العجمى والى أفامية الفاطمى. وغضب الخليفة من هرب المنصور فاعترف بعلى واليًا، وأثنى على الفتح وصالح، وأنعم على صالح بلقب التشريف أسد الدولة ومنحه النصف الموعود من دخل حلب

стр. 6398

عن سنة. وقد أثار حكم الفاطميين وما عمدوا إليه من تغيير ولاتهم باستمرار سخط قبائل البدو فاتحدت لمناهضة الفاطميين سنة ١٤٤ هـ (١٠٢٤ م). وغزا صالح حلب وحمص وبعلبك وصيداء خلال السنتين التاليتين، وامتد سلطانه إلى ما بعد عانة على نهر الفرات. ولما قوى سلطان الفاطميين مرة أخرى أرسل الخليفة الظاهر إليه جيشًا جديدًا سنة ٤٢٠ هـ (١٠٢٩) تحت أمرة آنوشتكين الدزبرى، وامتشق صالح الحسام لقتاله، ووقع صريعًا فى وقعة أخوانة على نهر الأردن، وهرب ابنه نصر مع جزء من الجيش واحتفظ بولاية حلب. وتعود أهمية صالح إلى أنه قاد قبيلته من بلاد ما بين النهرين إلى حلب وأسكنهم فيها منازل ثابتة. المصادر: (١) كمال الدين عمر بن العديم: زبدة الحلب فى تأريخ حلب، سانت بطرسبرغ، المخطوط العربى المحفوظ بالمتحف الأسيوى ٥٢٢، باريس ١٦٦٦، وقد نشر منه الجزء الخاص بالمرداسية مولر Historia Merdasidarum: J.J Muller بون، ١٨٣٠ (٢) ابن الأثير: الكامل، طبعة Tornberg, جـ ٩، ص ١٤٨، و ١٥٩ وما بعدها. (٣) ابن خلكان، ترجمة de Slane باريس ١٨٤٢، جـ ١، ص ٦٣١. صبحى [سوبرنهايم M.Sobernheim] الصبر كلمة عربية؛ ويقول أصحاب المعاجم العرب إن الأصل "ص ب ر"، والمصدر منه صبَر، يدل على الإمساك أو الحبس، ومن ثم قيل القتل صبرًا بمعنى "نَصب الإنسان للقتل"، ويقال للقاتل صابر وللمقتول مصبور، وهذا التعبير ينطبق مثلا على الشهداء وأسرى الحرب الذين يصير قتلهم، كما ينطبق فى الحديث فى كثير من الأحوال على الحيوانات التى تعذب حتى الموت خلافا لما نهى عنه الإسلام (البخارى: الذبائح، باب ٢٥؛ مسلم: الصيد، حديث ٥٨؛ أحمد بن حنبل: المسند، جـ ٣ ص ١٧١). وتستعمل الكلمة استعمالا اصطلاحيا خاصا عند القول: "يمين صبر" بمعنى اليمين يكره

стр. 6399

السلطان عليها إنسانا (انظر مثلا البخارى: مناقب الأنصار، باب ٢٧؛ الأيمان، باب ١٧؛ مسلم: الأيمان، حديث ١٦٧). وتتردد فى القرآن الكريم كثيرًا مشتقات من الأصل "ص ب ر" تدل أولا على المعنى العام للصبر أى عدم الجزع، فقد أوصى النبى [ ﷺ ] بالصبر كما صبر الرسل من قبله (سورة ص، الآية ١٧؛ سورة الأحقاف، الآية ٣٥؛ ثم زادت الآية ٦٠ من سورة الروم على ذلك: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾). ووعد الصابرين بأن يؤتوا أجرهم مرتين (سورة المؤمنون، الآية ١١١؛ سورة القصص، الآية ٥٤؛ انظر أيضًا سورة الفرقان، الآية ٧٥)، بل لقد جاء فى الآية ١٠ من سورة الزمر أن الصابرين يوفون أجرهم بغير حساب (وفسرت هذه العبارة فى هذا المقام بغير ميزان ولا حد). وهذا المفهوم استعمل استعمالا خاصًا فى الكلام على الجهاد (مثال ذلك: سورة آل عمران، الآية ١٤٢، سورة الأنفال، الآية ٦٦)، والصبر فى مثل هذا المقام هو الاحتمال والجلد. وتكاد الصيغة الثانية -اصطبر- تستعمل فى هذا المعنى أيضًا مثل الآية ٦٥ من سورة مريم: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. وترد فى القرآن أيضًا الصيغة الثالثة -صابر- من صبر (سورة آل عمران، الآية ٢٠٠؛ وانظر ما يلى). وترد الكلمة بعدٌ بمعنى التسليم، مثال ذلك ما جاء فى قصة يوسف ﵇ (سورة يوسف، الآية ١٨) حيث قال يعقوب عندما بلغه نبأ مقتل يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. ويقترن الصبر بالصلاة أحيانًا (سورة البقرة، الآيتان ٤٥، ١٥٣). ويقول المفسرون إن الصبر فى هذه المواضع مرادف للصوم ويستشهدون على ذلك بإطلاق اسم شهر الصبر على شهر رمضان. ونجد كلمة صبر فى استعمالها صفة (صبّار) واردة فى القرآن مقرونة

стр. 6400

بشكور (سورة إبراهيم، الآية ٥ وما بعدها)، ومن ثم يقول الطبرى فى تفسيره: "نعم العبد عبد إذا ابتلى صبر وإذا أعطى شكر". وجاء فى مسلم (كتاب الزهد، حديث ٦٤): "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبَر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبَر فكان خيرًا له". وفكرتا الصبر والشكر مقترنتان أيضًا عند الغزالى (انظر ما يلى). وكذلك انعكس التطور المتأخر لمفهوم الصبر فى تفاسير القرآن بطبيعة الحال. ومن العسير أن نقول إلى أى حد تحتمل لغة القرآن هذه التفاسير. ومهما يكن من شئ فإن مفهوم الصبر بكل ما يتضمنه من معان هو فى جوهره يرجع إلى التفكير اليونانى المتأخر، ويشمل فكرة السكون عند الرواقيين، وهى صبر النصارى، وقمع النفس والعزوف عن الدنيا المأثورين عن الزهاد (انظر ما يلى). وحسبنا أن نذكر من أقوال المفسرين الآخرين الكثيرين قول فخر الدين الرازى (مفاتيح الغيب، القاهرة ١٢٧٨ هـ. تفسير الآية ٢٠٠ من سورة آل عمران)؛ فهو يفرق بين ثلاثة أنواع من الصبر: (١) الصبر على مشقة النظر والاستدلال فى معرفة التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، وعلى مشقة استنباط الجواب عن شبهات المخالفين. (٢) الصبر على مشقة أداء الواجبات والمندوبات. (٣) الصبر على مشقة الاحتراز عن المنهيات. (٤) الصبر على شدائد الدنيا وآفاتها. . الخ؛ وأما المصابرة فهى عبارة عن تحمل المكاره الواقعة بين المرء وبين الغير (ويدخل فى ذلك الجيران وأهل البيت)، وترك الانتقام، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. . الخ. ونتبين أيضا مبلغ الفضل الذى ينسب للصبر من إدخال صفة الصبور ضمن أسماء اللَّه الحسنى. ويقول صاحب لسان العرب (مادة صبر): "الصبور تعالى وتقدس هو الذى لا يعاجل العصاة بالانتقام. . . ومعناه قريب من معنى الحليم، والفرق بينهما

стр. 6401

أن المذنب لا يأمن العقوبة فى صفة الصبور كما يأمنها فى صفة الحليم". وقد جعل الحديث صبر اللَّه تعالى فوق كل صبر إذ قال النبى [ ﷺ ]: "ما أحد أصبر على أذى سمعه من اللَّه يدعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم، (البخارى: كتاب التوحيد، باب ٣). ونجد الصبر فى الحديث مذكورًا فى المحل الأول عند الكلام على المسائل العامة مثل: ". . ومن يتصبّر يصبّره اللَّه وما أُعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر" (البخارى: كتاب الزكاة، باب ٥٠: كتاب الرقاق، باب ٢٠؛ أحمد بن حنبل، جـ ٣، ص ٩٣)؛ ويطلق الصبر أيضا فى الحديث على الجلد فى الجهاد؛ فقد أتى رجل النبى [ ﷺ ] فقال: "أرأيت إن جاهدت بنفسى ومالى فقتلت صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، أأدخل الجنة؟ قال: نعم، (أحمد بن حنبل، جـ ٣، ص ٣٢٥). ووردت كلمة الصبر فى مواضع أخرى من الحديث بمعنى الجلد، أى الصبر على السلطان أو الأمير: ". . . سترون بعدى أمورا تنكرونها. . . اصبروا حتى تلقونى على الحوض" (البخارى: الرقاق، باب ٥٣؛ كتاب الفتن، باب ٢؛ وانظر كتاب الأحكام، باب ٤؛ مسلم، كتاب الإمارة، حديث ٥٣، ٥٦ الخ). والغالب أن كلمة صبر فى هذا المقام معناها التسليم كما يتردد فى الحديث المتواتر: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى، أو أول صدمة، أو أول الصدمات، (البخارى: الجنائز، باب ٣٢، ٤٣؛ مسلم؛ كتاب الجنائز، باب ١٥؛ أبو داود: كتاب الجنائز، باب ٢٢ الخ). ومما له دلالة، من نواحى أخرى أيضا، قصة المرأة المصابة بالصرع التى سألت النبى [ ﷺ ] أن يدعو لها بالشفاء فقال: ". . . إن شئت صبرت ولك الجنة" (البخارى: المرضى، باب ٦؛ مسلم: البر والصلة، حديث ٥٤). وكثيرًا ما ترد كلمة صبر فى هذا المقام مقترنة بالكلمة الصحيحة الدالة على التسليم وهى الاحتساب (البخارى: الأيمان، باب ٩: مسلم: الجنائز، حديث ١١)، ويجب أن نقارن ذلك بالحديث القدسى التالى: ". . . إن اللَّه قال إذا ابتليت عبدى بحبيبتيه

стр. 6402

فصبر عوضته منهما الجنة، يريد عينيه" (البخارى المرضى، باب ٧: أحمد ابن حنبل، جـ ٣، ص ٢٨٣). ونلاحظ أخيرًا أن معنى ترك الدنيا فى كتب الأحاديث الصحاح قلما يرد، وهذا المعنى يكتسب شأنًا عظيمًا فى تصرف الزهاد الخلقى. (انظر ما ذكرناه آنفًا عن الآيتين ٤٥، ١٥٣ من سورة البقرة). وقد جاء فى الباب العشرين من كتاب الرقاق للبخارى (وهو ككتاب الزهد فى غير ذلك من مجموعات الحديث، يمثل أقدم مرحلة لهذه النزعة فى الإسلام) أن عمر قال: "وجدنا خير عيشنا بالصبر". وإنا لنستطيع فى هذا المقام أن نتتبع أثر التفكير اليونانى المتأخر الذى كان يرى أن ترك الدنيا هو الحياة التى تناسب الرجل الحق، والرجل الحكيم والشهيد. . وما ذكره القرآن الكريم والحديث عن الصبر يتردد بعضه فى الكتب الأخلاقية الصوفية، ولكن كلمة الصبر قد غدت فى هذا المقام ما نستطيع أن نسميه مصطلحًا بمعنى الكلمة، ذلك أن الصبر هو الفضيلة المثلى فى هذا المذهب من مذاهب الفكر. ونحن نجد تعريفات عديدة للصبر شأنه شأن غيره من المفاهيم الأخرى الجوهرية، وهى تعريفات تدل فى كثير من الأحيان على خصب الخيال أكثر من دلالتها على الشرح المستقصى للفكرة، ولكن هذه التعريفات عظيمة الفائدة لما تلقيه على الموضوع من ضوء أشبه بلمحات البرق. ويسوق القشيرى فى رسالته (طبعة بولاق، ص ٩٩ وما بعدها) هذه المجموعة من التعريفات للصبر: "تجرع المرارة من غير تعبيس" (الجنيد)؛ "التباعد عن المخالفات، والسكون عند تجرع غصص البلية، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة" (ذو النون)؛ "الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب" (ابن عطاء)؛ "الفناء فى البلوى بلا ظهور شكوى"؛ "الصبار الذى عود نفسه الهجوم على المكاره" (أبو عثمان)؛ "الصبر المقام مع البلاء بحسن الصحبة كالمقام مع العافية"؛ "الصبر هو الثبات مع اللَّه تعالى وتلقى

стр. 6403

بلائه بالرحب والدعة" (عمرو بن عثمان)، "الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنة" (الخواص)، "صبر المحبين (أى الصوفية) أشد من صبر الزاهدين" (يحيى بن معاذ)؛ "الصبر ترك الشكوى" (رويم)؛ "الصبر هو الاستعانة باللَّه تعالى" (ذو النون)؛ "الصبر كاسمه" (أبو على الدقاق) "الصبر على ثلاثة أقسام: متصبر، وصابر، وصبَّار" (أبو عبد اللَّه بن خفيف)، "الصبر مطية لا تكبو" (على ابن أبى طالب)؛ "الصبر أن لا يفرق بين حال النعمة والمحنة مع سكون الخاطر فيهما، والتصبر هو السكون مع البلاء مع وجدان أثقال المحنة، (أبو محمد الجريرى. وهذه الكتب، علاوة على تلاعبها بالكلمات والتعريفات، قد أغرمت أيضًا بتخريج ألوان من المعنى باستخدام حروف الجر. وشاهد ذلك أن رجلا سأل الشبلى: "أى صبر أشد على الصابرين؟ فقال: الصبر فى اللَّه ؛ فقال لا، قال الصبر للَّه تعالى، قال لا؛ قال فأى شئ، قال الصبر عن اللَّه ، قال فصرخ الشبلى صرخة كادت روحه أن تنلف (القشيرى: الرسالة ص ١٠, س ٩). ويتناول الغزالى الصبر فى الجزء الرابع من إحياء علوم الدين الذى يصف الفضائل المحمودة الواردة فى الكتاب الثانى؛ وقد رأينا فيما سبق كيف ارتبط الصبر والشكر فى القرآن. . ويناقش الغزالى مفهومى الكلمتين فى الكتاب الثانى كلا على حدة، ولكنهما فى الحق مرتبطان أوثق ارتباط؛ وهو لا يدعم هذا الارتباط بالاستناد على عبارة القرآن، بل على الحكمة القائلة "الإيمان نصفان، نصف صبر ونصف شكر" وهذا أيضًا يرجع إلى الحديث: "الصبر نصف الإيمان" (انظر أيضًا الأحاديث التى ذكرناها آنفا، وهى أيضًا تربط بين الصبر والشكر). وقد عالج الغزالى الصبر مندرجا تحت العناوين الآتية: (١) فضل الصبر (٢) حقيقة الصبر ومعناه (٣) الصبر نصف الإيمان (٤) الأسامى التى تتجدد

стр. 6404

للصبر (٥) أقسام الصبر بحسب اختلاف القوة والضعف (٦) نطاق الحاجة إلى الصبر وأن العبد لا يستغنى عنه فى حال من الأحوال (٧) دواء الصبر وما يستعان به عليه. وهذا التقسيم يكاد يكون هو التقسيم الذى اتبعه ابن العبرى فى: الأخلاق لماسايبرانوطا (Bar Hebraeeus' Book of the Dove: A.J.Wensiuck، ليدن ١٩١٩ م، ص ١١٧ - ١١٩). وحسبنا أن نذكر من هذه الأقسام ما يلى: الصبر مقام كسائر مقامات الدين ينتظم من ثلاثة أمور، معارف وأحوال وأعمال؛ فالمعارف كالأشجار، والأحوال كالأغصان، والأعمال كالثمار. والصبر خاصية الإنسان من دون الملائكة والبهائم، وذلك أن البهائم قد سلطت عليها الشهوات وصارت مسخرة لها؛ وأما الملائكة فقد جردوا للشوق إلى حضرة الربوبية، ولم تسلط عليهم شهوة صارفة عنها، ولذلك فهم ليسوا فى حاجة إلى الصبر للتغلب على الشهوة. أما الإنسان فعلى خلاف ذلك، لأنه يتصارع فى قلبه باعثان: باعث الهوى وباعث الدين، ويثير الأول الشيطان، ويثير الثانى الملائكة. ومعنى الصبر الاستمساك بباعث الدين ومقاومة باعث الهوى. والصبر ضربان، أحدهما ضرب بدنى كتحمل المشاق بالبدن والثبات عليها، وهو إما بالفعل كتعاطى الأعمال الشاقة، وإما بالاحتمال كالصبر على الضرب الشديد والمرض العظيم، وذلك محمود؛ والآخر وهو الصبر النفسى عن مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى، ثم هذا الضرب يختلف باختلاف الصبر على الشهوات ومقتضيات الهوى، فيسمى العفة، وضبط النفس، والشجاعة، والحلم وسعة الصدر، وكتمان السر، والزهد، والقناعة. ونستطيع أن نتبين من هذه السلسلة الواسعة من المعانى السبب فى أن النبى [ ﷺ ] عندما سئل فى ذلك قال: "الإيمان صبر". وهذا الضرب الثانى من الصبر محمود تام.

стр. 6405

أما أقسام الصبر بحسب اختلاف القوة والضعف فالناس فى ذلك على ثلاثة أحوال: (أ) أولئك الذين يقهر داعى الهوى فى نفوسهم فلا تبقى له قوة المنازعة، وهؤلاء هم الصديقون المقربون (ب) أولئك الذين تغلب فى نفوسهم دواعى الهوى وتسترقهم شهواتهم. (ج) أولئك الذين تدور الحرب فى نفوسهم سجالا بين الباعثين، وهؤلاء هم المجاهدون" عسى اللَّه أن يتوب عليهم. ويروى الغزالى أن بعض العارفين قال إن أهل الصبر على الثلاثة المقامات: أولها ترك الشهوة وهذه درجة التائبين؛ وثانيها الرضا بالمقدور، وهذه درجة الزاهدين، وثالثها المحبة لما يصنع به مولاه، وهذه درجة الصديقين. ويبين الغزالى تحت العنوان السادس كيف أن المؤمن يحتاج إلى الصبر فى جميع الأحوال: (أ) فى الصحة والمرض، وتتضح هنا الصلة الوثيقة بين الصبر والشكر (ب) كل ما عدا ذلك كما فى أداء الواجبات الشرعية، والامتناع عن المحرمات، وكل ما يصيب المرء على غير إرادته سواء من غيره من الناس أو بقضاء اللَّه. ولما كان الصبر شاهدًا على الصراع بين الباعثين، فإن أثره المحمود يشمل كل ما يقوى باعث الدين ويضعف باعث الشهوة. وإضعاف باعث الهوى يكون بالزهد، واجتناب كل ما يقوى هذا الباعث كالعزلة، أو ممارسة المباح كالزواج. أما تقوية باعث الدين فيكون أولا بإطماعه فى فوائد المجاهدة وثمراتها مثل قراءة أخبار الصديقين والأنبياء؛ وثانيًا أن يعوِّد هذا الباعث مصارعة باعث الهوى تدريجا قليلا قليلا حتى يدرك لذة الظفر بعزيمة الصبر. المصادر علاوة على المراجع الواردة فى صلب المادة: (١) Dict. of Tecknical terms: Sprenger، جـ ١، ص ٨٢٣ وما بعدها. (٢) La Mystique d'al-Gazzali: Palacios M. Asin، فى Melanges de la Faculte

стр. 6406

Orientale de Beyrouth، جـ ٧، ص ٧٥ وما بعدها. (٣) Al-Kuschairis Darstellung des Sufitums,Turk Bibl: R.Hartmann، جـ ١٨، برلين ١٩١٤، الفهرس. (٤) L.Massignon: Al- Hallaj, martyr mystique de l'Islam، باريس ١٩٢٢، الفهرس. (٥) المؤلف نفسه: Essai sur L'origines. . .de mystiques musulmane، باريس ١٩٢٢, الفهرس. خورشيد [فنسنك A.T.Wensinck] صحار مرفأ على ساحل عمان على خط عرض ٢٤ ْ ٢٢ َ شمالا وخط طول ٥٦ ْ ٤٥ َ شرقًا، ويسكنها ٧٥٠٠ نسمة. وللمرفأ طريق جيد ومرسى بديع، تحميه حماية كاملة من الشمال والغرب أكمة فرقصة البحرية، ومن الجنوب رأس سوارة؛ وأهم عمائر المدينة قصر أميرها، وقد زين زينة فاخرة، وبه عقود مستدقة وأعمدة مستديرة رفيعة وأقبية متعارضة وأبراج وشرفات بارزة. ويقوم القصر على ربوة صغيرة داخل المدينة ويحيط به سور مثلث وخندق يمكن عبوره على جسر يؤدى إلى الباب الكبير الداخلى؛ وعلى السور بعض مدافع الميدان القديمة وأربعة مدافع ضخمة أمام المدخل، وثمة ميدان مكشوف أمام القصر غرست فيه أشجار تمتد حتى ساحل البحر. والبلدة محصنة بأسوار لا تزال تقوم عليها بعض المدافع القديمة، ويحميها خندق من جهة البر؛ والسوق كبيرة وتجارتها ناشطة، ومبنى السوق ويسمى قيصرية له قباب وأبواب متأرجحة عظيمة، وهو مستطيل الشكل فسيح الأرجاء، ومعظم أصحاب الحرف فيه من النساجين والحدادين وصاغة الذهب والفضة والنحاسين، وكل منهم رب من أرباب صناعته، والبلدة خلابة المنظر؛ وكثيرًا ما تتصل. بيوتها ذات الطبقتين أو الثلاث بأقواس تعلو الطرقات الضيقة. وربما كان محيط المدينة يبلغ نحو الميلين، ويصلها طريق

стр. 6407

عريض بالمدن المجاورة مثل مسقط؛ والأرض المناوحة للساحل وافرة الخصب جيدة الرى مكتظة بالسكان. وصيد السمك من الحرف التى يقبل عليها السكان إقبالا شديدًا، وله شأن عظيم فى تزويد السكان بالطعام. ونحن لا نستطيع أن نؤيد قول شبرنكر A.Sprenger بأن صحار هى عمان التى ذكرها بليناس، على أنه لا شك فى أنه كانت تقوم فى هذا المكان مستعمرة قديمة جدًا يمكن أن نرد تاريخها إلى الجاهلية على الأقل. أما مبلغ قدم هذه البلدة فى نظر علماء العرب فيمكننا أن ندركه من تلك القصة التى تقول أن الذى شيدها هو صحار ابن إرم بن سام بن نوح؛ ولعل الفرس الذين كانوا فى وقت من الأوقات يسيطرون كل السيطرة على الخليج الذى نسب إلى اليمن هم أول من حكم هذه البلدة؛ ثم إن اسم المدينة القديم مزون، الذى ذكره كتاب العرب الأقدمون، هو أيضًا اسم فارسى. ولقد ظهر الاسم صحار أول ما ظهر فى التاريخ سنة ٨ هـ (٦٢٩/ ٦٣٠ م) عندما سلم عمرو بن العاص السهمى وأبو زيد الأنصارى مبعوثا النبى [ ﷺ ] كتابه إلى أميرى البلدة جيفر وعبد (أو عباد)، وقد قبلا ما عرضه محمد [ ﷺ ] عليهما وأسلما، وظل عمرو بن العاص مقيما فى عمان: وقد ورد ذكر البلدة مرة أخرى فى أخبار جهاز النبى فقيل أن جثمان النبى [ ﷺ ] لف فى ثوبين من صنع صحار (وفى بعض النصوص الأخرى من ثياب سحولية). وكانت صناعة النسيج فى البلدة حتى فى ذلك الحين راقية فيما يظهر رقيا عظيما لعله يرجع إلى النفوذ الفارسى؛ وقد تأثرت عمان بذلك القلق العام الذى ساد بلاد العرب جميعًا بعد وفاة النبى [ ﷺ ]، وخاصة صحار، وأشهرت الحرب على ذى التاج لقيط بن مالك الأزدى زعيم الحزب الجاهلى فى عمان، وكان زعيما الحزب الإسلامى فيها الأخوين، عبادًا وجيفرا من بيت الجلندى، ولم يجد الأخوان بدا من الرحيل عن صحار إلى حين والالتجاء إلى الجبال، ولكن يبدو

стр. 6408

أنهما أفلحا فى العودة إلى صحار وتزعما المناهضين للحزب الجاهلى حتى استولى المسلمون على البلدة سنة ١٢ هـ (٦٣٣/ ٣٤ م)، على أن البلدة ظلت كبقية عمان لا تتصل بالدولة الإسلامية إلا اتصالا واهنا؛ ثم تغير الموقف عندما غزا عمان الوالى الأموى الذى اشتهر بقوته، وهو الحجاج بن يوسف، وضمها إلى العراق؛ وفى سنة ٧٥١ م عادت عمان فاستقلت بأمر نفسها، واختارت واليًا هو الجلندى بن مسعود الأزدى، أول إمام لعمان، على أن قصبة البلاد لم تكن هى صحار بل نزوة. وما إن حل القرن العاشر الميلادى حتى كانت صحار قد ارتقت رقيًا كبيرًا وعدت أهم بلدة فى عمان وأجمل البلدان على الخليج الفارسى، ذلك أنها كانت مزدهرة، عامرة بأهلها، غنية، ناشطة التجارة، بل لقد غدت أعظم شأنًا من زبيد أو صنعاء، وكانت منتجعًا صحيًا، تضم أسواقًا رائعة، وتقع وسط مناظر تسر الناظرين، وقد بنيت بيوتها الجميلة بالآجر وخشب الساج، وشيد مسجدها الجامع بجوار البحر. وقد قام هذا البناء الرائع بمئذنته الشامخة فى الموضع الذى بركت فيه ناقة رسول اللَّه [ ﷺ ]، وكان للمحراب سلم حلزونى تتبدى من جوانبه المختلفة ألوان شتى كالأصفر والأزرق والأحمر، وللمسجد مصلى يقوم وسط حرجة من حراج النخيل، وكانت العيون السائغة والقنوات ذات المياه العذبة تزود المدينة بما يلزمها من ماء. وكان جو البلدة كأطيب ما يكون، كما كانت أسواقها الرحيبة تمتلئ بالسلع من كل صنف ولون؛ وكانت صحار هى مخزن السلع الواردة من الصين ومركز التجارة مع الشرق، وكان لها أيضًا شأن فى تجارة اليمن، ومقام ممتاز فى التجارة مع الشرق. أما الميناء الذى كان دائمًا مزدحمًا بالسفن الغادية والرائحة فقد كان طوله فرسخًا وعرضه فرسخًا، وقد ذكر المقدسى صراحة أن لغة التجارة فيها كانت هى الفارسية، وكان التجار من جميع أنحاء العالم يلتقون فيها، وتتصل اتصالا مستمرًا باليمن والصين، وكانت الرحلات إليهما تتزود

стр. 6409

بمؤونتها من صحار، وكانت أرضها الخصبة الغنية تغل البلح والموز والتين والرمان والسفرجل وغيرها من الفواكه؛ وكذلك كانت صحار دائبة الاتصال بالبحرين، متوسلة فى ذلك بطريق يخرج منها ويمتد مسايرًا الشاطئ مجتازًا الجبال إلى جلفار، ولكن سرعان مادب الاضمحلال فى هذا الطريق. والظاهر أن حملة الخليفة هارون الرشيد، ثم حملة المعتضد الذى حاول أن يضم عمان إلى الخلافة وصادف فى هذا نجاحًا أكبر مما صادفه هارون الرشيد، لم يكن لهما أثر بالغ فى صحار. على أن البلدة قد دمرت أثناء فتن القرامطة، ثم أعيد بناؤها؛ وفى سنة ٣٦٢ هـ (٩٧٢/ ٩٧٣ م) حدث اشتباك أمام صحار بين أبى حرب قائد عضد الدولة والزنج الذين كانوا قد احتلوا عمان، وكتب النصر لأبى حرب فاستولى على صحار واضطر أهلها إلى الفرار؛ وفى سنة ٤٣٣ هـ (١٠٣١ - ١٠٤٢ م) أنفذ أبو كاليجار البويهى جيشًا فارسيًا بالبحر إلى عمان وكانت قد انتقضت عليه، ورسا الأسطول أمام صحار واستولى عليها وأخضع أهلها، ولكن البويهيين وولاة الفرس السلاجقة الذين ورثوا ملك خلفاء بغداد لم يفعلوا شيئًا لرد ما كانت عليه صحار من رفاهية وازدهار؛ وحوالى منتصف القرن الثانى عشر الميلادى توقفت تجارة صحار مع الشرق الأقصى عندما أفلح إمام من أئمة اليمن فى السيطرة على الخليج الفارسى بضربة بارعة وخنق التجارة بالبحر بل أعمل يد السلب والنهب فى الشاطئ حتى تحولت التجارة شيئًا فشيئًا إلى عدن. ويقول ابن المجاور، وهو من الثقاة الذين يعتمد على روايتهم، إن صحار كانت خربة بالفعل فى الربع الأول من القرن السابع للهجرة (حوالى ١٢٢٥ م)، وقد تحولت تجارتها إلى هرمز مركز التجارة الفارسية وإلى ميناء قلهات العربية. والظاهر أن صحار انتعشت مرة أخرى من بعد وأعيد بناؤها، فقد ذكرها ماركويولو باسم صوير Soer وقال إنها تتاجر فى الخيل مع مليبار؛ وقد ذكر ابن بطوطة صحار أيضًا فى رحلاته.

стр. 6410

وفى ١٦ من سبتمبر سنة ١٥٠٦ مر أسطول برتغالى، كان يحمل على هرمز من سقطرى، أمام المدينة للمرة الأولى، وكان البرتغاليون يسمونها صوار Soar، وقد احتلوا المدينة والحصن أيضًا. وفى سنة ١٥٨٨ م بنوا حصنًا جديدًا رمم فى مستهل القرن السابع عشر الميلادى وأحاطوه بمحيط من عشرة أميال من أشجار الطرفاء وحقول القمح والخضروات. ولم تكن الحصيلة من الضرائب وغيرها من الدخول ذات شأن، إذ بلغت ١٥٠٠ شريفى (١) (شرافين Xerafan)؛ وهاجم ناصر بن مرشد بن سلطان اليعربى الذى كان قد استمال أتباعا فى البلدان التى فى داخل عمان، أملاك البرتغاليين فى عمان، فلم يستطع البرتغاليون الاحتفاظ إلا بمدن الساحل المحصنة؛ صحار ومسقط والطرح وقريات، على أن نفوذهم فى البر لم يكن له شأن قط فى أية حال من الأحوال؛ وقد عمد ناصر بن مرشد، فى سبيل الاستيلاء على صحار، إلى بناء حصن على الساحل، ومن ثمّ هدد المدينة؛ وقد بلغ من نجاح هذا الهجوم أن البرتغاليين لم يستطيعوا الاحتفاظ بشئ إلّا بحصن صحار كما ضاعت منهم قريات؛ واستطاعوا أن يحتفظوا بالسوق المحصنة فترة من الزمن فى مقابل جزية كانوا يؤدونها إلى الإمام، وطردوا من البلاد حوالى سنة ١٦٥٠ م، إلى غير رجعة؛ واستولى خلف بن مبارك منافس محمد بن ناصر على صحار سنة ١٧٢٤ م، ولكنه سلمها من بعد لسيف بن سلطان اليعربى. وحاصر الفرس صحار سنة ١٧٢٨ م، ذلك أنهم بعد أن غزوا مسقط منوا بالهزيمة فى صحار على يد واليها أحمد بن سعيد، ولكنهم عادوا يحاولون الاستيلاء على المدينة، بيد أن استماتة المدينة فى الدفاع عن نفسها تحت إمرة أحمد أحبطت جهودهم جميعًا. ولا شك أن صحار قد قاست من ذلك كثيرًا، وكان البرتغاليون قبل ذلك قد قضوا على تجارتها ذات الشأن، وشاهد
следующие страницы →