← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

تاريخ، ولعله مشابه للمصنف رقم ١٥ أو مطابق له. (٢٣) "نصرة الثائر على المثل السائر" وهو رد على كتاب ابن الأثير المعروف المثل السائر انظر Spec. Div. Script: Hoogvleit، ليدن ١٨٣٩، ص ١٣٥). (٢٤) "جنان الجناس فى علم البديع"، وهو كما يدل اسمه يشتمل بوجه خاص على أشعار الصفدى (طبع بالآستانة سنة ١٢٩٩). (٢٥) "اختراع الخراع"، وهو شرح للأبيات المستغلقة من حيث اللغة والبديع. (٢٦) "فض الختام عن التورية والاستخدام"، فى التورية واستخدام الكلمات التى يمكن تعديلها فيتغير معناها. (٢٧) "شرح مصنف ابن العربى الذى عنوانه "الشجرة النعمانية فى الدولة العثمانية" وهى تنبؤات عن الدولة التركية. (٢٨) "طوق الحمامة"، وهو ملخص لشرح ابن عبدون على قصيدة ابن بدرون. (٢٩) "تمام المتون فى شرح رسالة ابن زيدون" وهو شرح رسالة ابن زيدون الذائعة الصيت، ولاشك أن الذى ألهمه بها هو كتاب شيخه ابن نباتة. (٣٠) "غوامض الصحاح"، وهو مصنف صغير فى غوامض الصحاح للجوهرى (بخط المؤلف فى مكتبة الإسكوريال رقم ١٩٢ وتاريخه سنة ٧٥٧ هـ). (٣١) "نجد الفلاح فى مختصر الصحاح" وهو مختصر الصحاح، وقد عمد المؤلف فيه إلى حذف الشواهد من أبيات الشعر الواردة وتصحيح الأخطاء، وأتم هذا المصنف فى شهر رمضان سنة ٧٥٧ هـ. (٣٢) "حلى النواهد على ما فى الصحاح من الشواهد" وهو شرح الشواهد من أبيات الشعر التى وردت فى الصحاح. (٣٣) وقد كتب السيوطى مصنفا يشتمل على أبيات من الشعر للصفدى ومعاصريه فى الهلال استخلصها من

стр. 6442

التذكرة للصفدى وأطلق عليها العنوان نفسه الذى ورد فى رقم ١٨، فلما تبين هذا أعاد النظر فى تسمية كتابه وأطلق عليه "رصف اللآل فى وصف الهلال" وقد طبع هذا الكتاب بالآستانة فى التحفة البهية، ص ٦٦ - ٧٨. المصادر: (١) ابن حجر: الدرر الكامنة، المتحف البريطانى، القسم الشرقى، رقم ٣٠٤٣، الورقة ١٢٠ (ر). (٢) ابن قاضى شهبة: الطبقات، المتحف البريطانى، الإضافات ٢٣٣٦٢، الورقة ١٥٥. (٣) السبكى: الطبقات (طبعة القاهرة)، جـ ٦، ص ٩٤ - ١٠٣. (٤) خواندمير: حبيب السير (طبعة بمباى ١٨٥٧) جـ ٣، الجزء ٢، ص ٩. (٥) J.A: Amar السلسلة ١٠، جـ ١٧ - ١٩. (٦) Gesch, der. Arab.Lit: Brockle mann، جـ ٢، ص ٣١ - ٣٣. (٧) Hartmann: الموشى، ص ٨١. (٨) Die Geschichtsschr der Arabe: Wustenfeld، ص ٤٢٣. (٩) Div. Script,: Hoogvliet (ليدن ١٨٣٩) ص ١٥٢ - ١٥٨. (١٠) J.A.,Notice sur Khalil، السلسلة ٩، جـ ٥، ص ٣٩٢؛ وقد وردت أشعار الصفدى فى كل ديوان تقريبًا صدر بعد زمنه، وقد استشهد به كثيرًا فى حلبة الكميت للنواجى وفى معاهد التنصيص لعبد الرحيم العباسى. ٢ - الحسن بن أبى محمد عبد اللَّه الهاشمى الصفدى، ويتبين إشارات عابرة وردت فى مصنفه أنه كان نديمًا للسلطان المصرى الناصر بن قلاوون، وقد استحال علينا أن نجد شيئًا من سيرته فى أى مصنف من المصنفات التى بين أيدينا والتى تتناول تاريخ الزمن الذى عاش فيه، ولاشك أنه توفى فى مستهل القرن الثامن للهجرة، إذ إن الحوادث الأخيرة المسجلة فى تاريخه تتعلق بسنة ٧١١ هـ (١٣١١/ ١٢ م) أو لعلها تتعلق بزمن متأخر عن ذلك يصل إلى سنة ٧١٤ هـ؛ ويظهر من خبر ورد

стр. 6443

فى الورقة ٦٢ (٥) بالمتحف البريطانى أنه كتب التاريخ فى سنة ٧١٦ هـ، وربما كان قد ولى قبل ذلك منصبًا فى مكتب الوزير، حسبما ورد فى (مخطوط بالمتحف البريطانى، الورقة ٦٩ (٥)) أنه تلقى أمرًا من الوزير ابن الخليلى سنة ٦٩٤ هـ بتحقيق واقعة خلال القحط الذى تفشى فى مصر أثناء تلك السنة والسنة التالية؛ وقد كتب تاريخًا موجزًا لمصر نجده فى مخطوط باريس رقم ١٧٠٦ وعنوانه: نزهة المالك والمملوك فى مختصر سيرة من ولى مصر من الملوك، على أن مخطوط باريس الآخر رقم ١٩٣١، ٢٢، يحمل عنوانًا مخطئا هو فضائل مصر، بيد أن مخطوط لندن يحمل عنوانا غير ذلك يبدو منه أن العنوان الأول ربما يكون هو العنوان الصحيح، ويشمل الجزء المتقدم الذى يبدأ بفضائل مصر الطبيعية وفضائلها الأخرى بيانا موجزًا عن ولاة مصر الأولين، ويتضمن بوجه خاص النوادر، ولكن أهم ما اشتمل عيله الكتاب ذلك الجزء الذى يتحدث فيه عن السلاطين الأتراك، وهنا يذكر الصفدى التواريخ والوقائع الدقيقة التى تكمل معلوماتنا عن السنوات الأخيرة من القرن السابع الهجرى، وربما كان تاريخ الفيضان العظيم الذى طغى على بعلبك سنة ٧١٧ هـ، والذى نجده فى مخطوط لندن، قد كتب بقلمه، على أننا لا نجده فى النسختين الأخريين؛ ويسرد المخطوط الذى فى المتحف البريطانى والذى كتب للخليفة المصرى المتوكل الحوادث حتى سنة ٧٩٥ هـ، لكن يؤخذ من الورقة ١١٣ (٥) أنه لا يشتمل إلا على أمور تتعلق بأسرة صاحب المخطوط، فهو يذكر أولا سلسلة نسب المتوكل (الورقة ١١٣ (٥)، ثم قائمة طويلة بأولاده الذكور أولا، ثم الإناث، مبينا فى كل حالة تاريخ ولادتهم وساعتها، ثم تواريخ وفاتهم فى الحالات التى يكونون فيها قد توفوا قبل سنة ٧٩٤، وكان آخر تسجيل بالخط نفسه، ولكن بحبر يختلف عن الحبر الذى كتب به أولا، ويثبت مولد ابن فى الخامس والعشرين من شهر شعبان سنة ٧٩٥ هـ؛ والمخطوطات الثلاثة تشتمل على المصنف نفسه بالرغم

стр. 6444

من اختلاف عناوينها (المتحف البريطانى، الملحق ٢٣٣٢٦ باريس، ١٧٠٦ و ١٩٣١ و ٣). المصادر: وردت فى صلب المادة. صبحى [كرينكو F.Krenkow] الصفر الخلو أو الفراغ، وهو ترجمة لكلمة سونيا Sunya السنسكريتية فى الحساب الهندى - العربى، ويرادف كلمة Zero، وهو أيضًا الأصل فى الكلمات الغربية Cipher, Cifra Ziffer, Chiffre, Zero ومشتقاتها (مثل decipher وغيرها) أما فيما يتصل بإدخال الأعداد التسعة والصفر أو استحداثها فبالرغم من جميع البحوث الخاصة بالخطوط القديمة والدراسات التى دارت حول تاريخ الرياضيات، فإن هذه المسألة لم تتضح بعد الوضوح الكافى. وقد عرف علماء الرياضيات من العرب الأرقام الهندية وطريقة العد فى عهد المأمون على يد محمد بن موسى الخوارزمى الشرقى الفارسى. وأقدم ذكر للصفر العربى كان فى وثيقة بردية تاريخها ٢٦٠ هـ (٨٧٣ - ٨٧٤ م). أما أقدم إشارة موثوق بها كل الثقة عن الحساب الهندى بطريقة الأرقام التسعة العددية فقد عثر عليها ف. ناو F.Nau فى سفروس سابخت السورى Severus Sabokht المتوفى سنة ٦٦٢. وينبغى ألا نستخلص من ذلك أن الصفر الذى يعد خطوة تقدميه أساسية فى الترقيم العددى لم يكن مستعملا آنئذ، لأنه حتى إلى عصر متأخر، كانت الأرقام التسعة التى نطلق عليها الآن الأرقام الأولى تتميز عن غيرها من العلامات الخاصة الدالة على وجود فراغ متروك. ونحن نعرف فوق هذا أن براهما كوبتا الفلكى الهندى (المولود سنة ٥٩٨) أعد على التحديد قواعد للعد بواسطة الصفر. أما فيما يتحمل بالعداد الحسابى والخلاف بين أصحاب هذا العداد الحسابى وأصحاب الترقيم بالرموز فيستطيع القارئ الرجوع إلى الكتب المذكورة فيما يلى. ويرسم الصفر على شكل دائرة عند الهنود والعرب المغاربة، أما عند العرب المشارقة فيرسم على شكل نقطة، ويظن

стр. 6445

أيضًا أنه كان يرسم كذلك فى الفارسية الهندية القديمة. أما الأصفار التى تكتب تحت الحروف كعلامات مميزة كما يشير إلى ذلك صاحب الفهرست (جـ ١، ص ١٨ وما بعدها) فهى جديرة بالملاحظة. المصادر: (١) Verlesungen uber Gesch. d. Mathematik: M.Cantor، جـ ١، الطبعة الثالثة، ص ٥١١, ٦٠٣، ٦٠٩، ٧١١ وما بعدها. (٢) Zur altesten arab Algebra and Rechenkuns: J.Ruska (فى S.B.Heid AK.، ١٩١٧، جـ ٢) ص ٣٦ وما بعدها. (٣) Der Einfluss d. Morgenl. auf des Abendland: G.Jacob، هانوفر ١٩٥٤؛ ص ١٦ - ٢٤. (٤) Indian Mathematics: G.R. Kaye (٥) Wieleituer فى Unterrichtsblf Matk. u Natw، ١٩١١ م، ص ٥٦ - ٦١. (٦) Geschichte der Etementar-Mathematik: J.Tropfke، جـ ١، ص ١٥ وما بعدها والمراجع المذكورة فى هذا المصدر. الأبيارى [رسكا J. Ruska] الصفويون أشهر وأمجد الأسر الوطنية التى حكمت فارس منذ دخول الإسلام فى هذه البلاد، والصفوية نسبة إلى الشيخ صفى الدين إسحق ومؤسسها إسماعيل الصفوى هو سادس من انحدروا من صلبه، وكانت الأسرة قد استقرت منذ عهد طويل فى أردبيل، يتوارث شيوخها إرشاد أهل البلاد فى أمور الدين. وفى أواخر القرن السادس عشر عمد إسماعيل، بعد وفاة أخويه الأكبرين، إلى مد سلطانه شيئًا فشيئًا على شيروان وآذربيجان والعراق وسائر بلاد الفرس "وكان الجهد قد بذل لتمهيد الطريق بنشر الدعوة. . . " وكان مذهب الشيعة هو المذهب الشائع دائما فى بلاد الفرس، إلا أن إسماعيل كان أول, حاكم جعله مذهب الدولة ونشره بين القبائل التركية التى تنزل الشمال والتى ألحقها بخدمته وميزها بإلباسها القلسنوات

стр. 6446

الحمر فعرفت باسم قزل باش (أى ذوى الرؤوس الحمر)، وقضى على مذهب أهل السنة فى بلاد فارس أو كاد، وتوفى فى الرابع والعشرين من شهر مايو سنة ١٥٢٤ وخلفه ابنه طهماسب الأول الذى طرد الأوزبكية مرارًا من خراسان، وأشهر حربًا موفقة بعض التوفيق على الترك العثمانيين الذين كانوا فى عهد سليم الأول قد أوقعوا الهزيمة بأبيه وساعدوا همايون على استرداد عرشه الهندى. وتوفى طهماسب سنة ١٥٧١ وآل العرش بعد شئ من النزاع إلى ابنه الرابع إسماعيل الثانى، وأصبحت البلاد خلال حكمه فريسة للنزاع الداخلى والعدوان الأجنبى، فلما توفى خلفه ابنه الأصغر الشاه عباس الأول (١٥٨٥ - ١٦٢٨)، وهو حقا جدير بهذا اللقب، وقد أعاد عباس بلاد فارس إلى مركزها الحق فى العالم الإسلامى، وأوقع بالترك هزيمة حالت بينهم وبين تكدير صفو مملكته وطرد الأوزبكية والتركمان من خراسان واسترد قندهار من إمبراطور الهند، وكان عادلا متسامحًا، وقد استقدم جالية نشيطة من الأرمن من جلفا على نهر الرس إلى أصفهان حيث شيدوا ضاحية جلفا الجديدة وأقاموا فيها، وشجع التجارة والتعامل مع الأمم الغربية، وكان نصيرًا كريمًا من أنصار فن المعمار، وخلفه حفيده صفى الأول الذى تولى أمر البلاد أربعة عشر عامًا كان خلالها حاكما مستبدًا تجرد من العدل والإنسانية جميعًا، وقد ردت جيوشه عادية الغارات التى شنها التركمان فى خراسان، إلا أن إمبراطور الهند استرد فى عهده قندهار، وشجعت الاضطرابات التى أثارها طغيانه الترك فاستردوا بغداد بل احتلوا تبريز، بيد أن قر الشتاء وضآلة المؤن أكرهتا الترك على الانسحاب من آذربيجان، واسترد صفى أريوان من الترك وتوفى سنة ١٦٤٢، فخلفه ابنه عباس الثانى، وكان لا يزال فى العاشرة من عمره، واسترد عباس قندهار من شاه جهان أمير دلهى، وأدت حركة قامت بها جيوشه تجاه شيخ من شيوخ الأوزبكية على حدود خراسان إلى حمل القوات الهندية عل إخلاء بلخ، وتحسنت العلاقات بين فارس وتركية تحسنًا عظيما فى عهده واتسع نطاق التعامل

стр. 6447

بين فارس والدول الغربية، وتوفى عباس الثانى فى السادس والعشرين من شهر أكتوبر سنة ١٦٦٦، وخلفه ابنه الأكبر صفى الذى أحبط محاولة قام بها الأمراء لإقصائه عن العرش واتخذ اسم سليمان، وكان عاهلا مستنيرًا متسامحًا رحب بسفراء الدول الأوروبية بل بسفير روسيا الذى كانت عاداته تشمئز منها نفسه. وكان صفى معتل الصحة دائمًا، ولكنه ظل فى الحكم تسعًا وعشرين سنة، وتوفى سنة ١٦٩٤ فخلفه ابنه السلطان حسين، وهو أمير ضعيف سمح لرجال الدين بأن يديروا جميع شئون الدولة، وكان كل من يخرج على مذهب الدولة الشيعى، يضطهد. وقد أثارت هذه السياسة الخرقاء عداء الأفغان الذين كانوا يحتفظون بقندهار باسم ملك الفرس، ومن ثم فقد أعلن ميرويس والى تلك الولاية استقلاله سنة ١٧٠٩ م. وفى سنة ١٧٢٢ غزا محمود بن ميرويس بلاد فارس وحاصر إصفهان وأكره القحط المدينة على الاستسلام، وخلع محمود السلطان حسين عن عرش البلاد ولكنه توفى بعد ذلك بقليل. وفى سنة ١٧٢٩ طرد الأشرف، وهو أخو محمود وخليفته، من بلاد فارس وأقام نادر قلى طهماسب الثالث من الأسرة الصفوية على عرش البلاد، إلا أنه خلعه عن عرش البلاد بعد ذلك بقليل لأنه كان غير أهل للحكم ونادى بابنه، وكان لا يزال فى الشهر الثامن من عمره، ملكا على البلاد باسم عباس الثانى، إلا أن الطفل سرعان ما توفى بعد ذلك. وفى ٢٦ من فبراير سنة ١٧٣٧ اعتلى نادر شاه عرش البلاد فقضى بذلك على الأسرة الصفوية. المصادر: (١) محمد محسن مستوفى: زبدة التواريخ، مخطوط. (٢) History of Persia: Malcolm (٣) E.G.Browne فى J.R.A.S عدد شهر يوليو سنة ١٩٢١، ص ٣٦٥ وما بعدها. (٤) Voyages en Perse: Chardin، أمستردام ١٧٣٥.

стр. 6448

(٥) Grundriss der iran. Philol، جـ ٢، ص ٥٧٩ - ٨٥ مع شواهد فى ص ٥٨٨. (٦) A History of Persia: P. Sykes (لندن ١٩٢١) , جـ ٢، ص ١٥٨ - ٢٣٠. (٧) History of Persian Literature in modern: E.G.Browne، الفصول ١ - ٤، كمبردج ١٩٢٤ صبحى [هيك T.W.Haig] صفى الدين الشيخ: جد الصفويين فى بلاد فارس، وقد ولد صفى الدين فى أردبيل سنة ٦٥٠ هـ (١٢٥٢/ ٣ م)، وهو ابن خواجه كمال الدين عربشاه من زوجته دولتى وقيل إنه السبط الخامس والعشرون لعلى، والسبط العشرون لموسى الكاظم، وقيل إنه الإمام السابع (انظر فى سلسلة نسبه فى E.G,Browne فى J.R.A.S ١٩٢١" ص ٣٩٧, وسلسلة نسب الصفوية، برلين ١٩٢٤). وكان الخامس من سبعة أولاد، وتوفى أبوه وهو فى السادسة من عمره، وقد وصف صفى الدين بأنه شاب جاد نشأ بلا أصحاب وانقطع منذ عهد مبكر لممارسة الشعائر الدينية، ولم يجد بين علماء أردبيل من ترتاح له نفسه حتى يدرس عليه، فمضى إلى شيراز وفى نيته حضور درس الشيخ نجيب الدين بزغوش (المتوفى سنة ٦٧٨ هـ = ١٢٧٩ م) ولكن الشيخ نجيب الدين توفى قبل أن يصل صفى الدين إلى شيراز، وتعرف ببعض أهل الورع من الدراويش وذوى التقى من الناس، ومنهم الشيخ ركن الدين البيضاوى وأمير عبد اللَّه الذى أحاله آخر الأمر إلى الشيخ زاهد، وهو تاج الدين إبراهيم بن رشوان أمير بن بابل بن الشيخ بندار الكردى السنجانى الكيلانى، وقيل إن تاج الدين كان يعيش على ضفاف بحر الخزر، وقيل إن صفى الدين أنفق أربع سنوات كاملة فى البحث عنه واكتشفه آخر الأمر فى حليكران ناحية خانبلى من أعمال كيلان، ورحب به الشيخ زاهد، ترحيبا كريمًا، ولزمه صفى الدين ٢٥ عامًا حتى توفى زاهد بالغا من العمر الخامسة والثمانين، ثم خلفه صفى

стр. 6449

الدين على رباطه حتى أدركته هو أيضًا منيته بالغا من العمر الخامسة والثمانين أيضًا، وكانت وفاته فى يوم الاثنين الثانى عشر من شهر المحرم سنة ٧٣٥ هـ (١٢ من شهر سبتمبر سنة ١٣٣٤ م) وحج صفى الدين إلى مكة قبيل وفاته، وكان قد استخلف ابنه صدر الدين، وأصيب بالمرض عند عودته فلزم الفراش اثنى عشر يومًا ثم توفى، وكانت له زوجتان: بيبى فاطمة ابنة الشيخ زاهد، وابنة أخى سليمان الكلخورانى. وكانت بيبى فاطمة أم: (١) محيى الدين، المتوفى سنة ٧٢٤ هـ (١٣٢٤ م) (٢) صدر الدين (المولود فى ٢٧ من أبريل سنة ١٣٠٥ م = شوال سنة ٧٠٤؛ والمتوفى سنة ٧٩٤ هـ = ١٣٩٣ م)، وكان خليفة صفى الدين، (٣) أبى سعيد. وقد ولدت له زوجته الثانية ولدين هما علاء الدين وشرف الدين كما ولدت له بنتا تزوجت الشيخ شمس الدين، وهو أحد أبناء الشيخ زاهد. وكان صفى الدين مؤسس طريقة الدراويش الصفوية التى سيطرت سياسيًا على بلاد فارس من بعد، ولم نحقق بعد نظام هذه الطريقة وتاريخها تحقيقًا دقيقًا على أنها تتصل اتصالا وثيقًا فى تاريخها السياسى والدينى بطرق الدراويش التى ظهرت بعد فى الأناضول وأصبح لها شأن فيها مثل الآخية والبكتاشية، ولبس أتباعها بعد ذلك قلنسوة من الصوف القرمزى واتخذوها شعارًا لهم (وسميت القلنسوة بعد باسم حيدر؛ انظر Islam، جـ ١١، ص ٨٣) واشتق منها الاسم التركى قزل باش (أى الرأس الأحمر). أما فيما يتصل بالمذهب الدينى لهذه الطريقة فمن المحقق أن نظرتها المتأخرة كانت تأخذ بالمذهب الشيعى وإن كان قد قيل بأن صفى الدين نفسه، مؤسس الطريقة، كان سنيًا (انظر Persian Litertaure in Modern Times: E.G.Browne ص ٤٣ وهو مستمد من "أحسن التواريخ")، وكان لصفى الدين مريدون كثيرون من بلاد فارس وبخاصة من الأناضول (انظر J.R.A, S, ١٩٢١, ص ٤٠٣ - ٤)، والفضل لصفى الدين فيما بلغته هذه الطريقة من شأو عظيم فى الدوائر الصوفية وفيما بلغته بعد ذلك

стр. 6450

من اتساع وانتشار عظيمين كانا ضربة قاضية على الدولة العثمانية بعد. المصادر: (١) المصدر الأكبر هو صفوة الصفاء لابن البزاز، طبعة على الحجر، بمباى، ١٣٢٩ هـ = ١٩١١ م. (٢) مخطوط فى المتحف البريطانى، الإضافة ١١٧٤٥، وفى كلية كنجز بجامعة كمبردج (انظر E.G.Rrowne، المصدر المذكور، ص ٣٥)؛ وهذا المصنف، الذى يستعرضه Browne, فى كتابه المذكور، ص ٣٨ وما بعدها، استعراضًا بارعًا، لا يتحدث إلا عن سلطان صفى الدين ويهمل تمامًا أو يكاد المعلومات المجردة المتعلقة بسيرته (٣) ولا يقل عن هذا المصنف شأنا "سلسلة النسب الصفوية" التى أورد F.G. Browno بعض المقتطفات منها فى J.R.A.S، ١٩٢١، ص ٣٩٥ - ٤١٨ (انظر فيما يتعلق بهذا الموضوع F.Babinger فى Islam، جـ ١٣، ص ٢٣١ وما بعدها) ونشرها بالفارسية فى مطبعة كافيانى Kaviani ببرلين سنة ١٩٢٤: وانظر فيما يتصل بهذا المقال الذى نشره قبل ذلك Von Khanikoff فى. . Melanges Asiatiques de St. Peters bourg، جـ ١، ص ٨٥٠ - ٨٥٣؛ وانظر فيما يتصل بالمصنفات الفارسية الأخرى P.Hom فى Grundriss der iranischen Philologie، جـ ٢، ستراسبورغ, ١٨٩٦/ ١٩٠٤، ص ٥٨٦ وما بعدها و v.khanikoff فى Melanges Asiatique، جـ ١، ص ٥٤٣ وما بعدها؛ وانظر بخاصة فيما يتصل بالشيخ صفى الدين التاريخ الجامع الوافى الذى كتبه E.G.Browne وهو Persian Literature in Modern Times، كمبردج ١٩٣٤. ص ٣ - ٤٤. وانظر فيما يتصل بطريقته، القزل باشيه وصلتها بطرق الدراويش فى الأناضول Schejch Bedr ed-Din: F.Babinger ليبسك وبرلين ١٩٢١. ص ٧٨ وما بعدها (Islam جـ ١١، ص ٧٨ وما بعدها). والمصادر الواردة فى هذا المصنف. وكذلك انظر للمؤلف نفسه: Marino Sanuto's Tagebu. cher als Quelle Oriental zur Geschichte der Safawija فى A Volume of Oriental Studies Presented to Edward G.Browne كمبردج ١٩٢٢، ص ٢٨ - ٥٠. صبحى [بابنكر Franz Babinger]

стр. 6451

صفى الدين عبد المؤمن ابن يوسف بن فاخر الأرموى البغدادى: من أشهر كتاب العرب فى نظرية الموسيقى (أطلق على صفى الدين فى "نشرة بأسماء كتب الموسيقى"، دار الكتب المصرية، القاهرة ١٩٣٢: عبد المؤمن بن أبى المفاخر؛ انظر Collangettes فى A.J، نوفمبر - ديسمبر ١٩٠٤. ص ٨٣٨، Introduction to the History of Science: Sarton المجلد ٢ جـ ٢، ص ١٠٣٤)، وقد وفدت أسرته من أرمية، إلا أنه ولد فيما يظهر ببغداد وتعلم فيها. وفى السنة الأخيرة من حكم المستعصم آخر الخلفاء العباسيين، كان صفى الدين مغنيًا له ونديما، وكان أيضا من أمناء المكتبات والنساخ، فقد عهد إليه بخزانة المكتبة التى أنشأها الخليفة فى قصره. ويقرر ابن تغرى بردى أنه لم يضارعه أحد فى الموسيقى منذ أيام إسحاق الموصلى. أما فى الخط فقد زعم أنه يضارع ياقوت وابن مقلة. وكان الراتب الذى خصه به الخليفة ٥٠.٠٠٠ دينار. وروى حاجى خليفة. (جـ ٢، ص ٤١٣) قصة عنه نقلها من كتاب حبيب السير (المجلد الثالث جـ ١، ص ٦١) هى أنه لما نهب هولاكو بغداد سنة ١٢٥٨ م استطاع صفى الدين بفضل شهرته فى الموسيقى، أن يصل إلى الفاتح المغولى، ويطربه بعزفه على العود، فكان ذلك سببًا فى خلاصه هو وأسرته. ثم دخل فى خدمة هولاكو، وأجرى عليه هولاكو راتبًا قدره ١٠.٠٠٠ دينار من دخل بغداد؛ وظل هناك يعمل مؤدبًا لابنى الوزير المغولى صاحب الديوان شمس الدين الجوينى، وقد أصبح هذان الأميران الشابان، وهما بهاء الدين محمد المتوفى سنة ١٢٧٩ م، وشرف الدين هارون المتوفى سنة ١٢٨٦ م، من رعاة الفن والأدب المتحمسين (Hist. des Mongols: d'Ohsson, جـ ٤، ص ١١ - ١٢. Persian Literature under Tatar Dominion: Browne، ص ٢١). وكان شرف الدين هارون هو الأمير الذى كتب له صفى الدين رسالته المشهورة فى الموسيقى المسماة "رسالة الشرفية فى النسب التآلفية" (يقول بروكلمان Gescrh. d. Arab. Lit: Brockelmann، جـ ١، ص ٤٨٦، إنها كتبت حوالى سنة ١٢٥٢ م. ويجعل

стр. 6452

شمس الدين الجوينى هو وزير المستعصم، انظر أيضًا Sarton، كتابه المذكور). وأقيم الموسيقار المشهور صفى الدين رئيسا لديوان الإنشاء ببغداد بفضل نفوذ الوزير شمس الدين الجوينى، وعلاء الدين الجوينى مؤلف كتاب "تاريخ جهان كشا". وفى سنة ١٢٦٥ م صحب صفى بهاء الدين محمد إلى إصفهان عندما أقيم بهاء الدين واليًا على إقليم العراق العجمى. وخمل شأنه بعد وفاة راعيه سنة ١٢٧٩, وسقوط أسرة الجوينى خاصة (١٢٨٤ وما بعدها). وحل به آخر الأمر الفقر المدقع، وزج به فى السجن لقاء دين مقداره ثلثمائة دينار، وهو ذلك الموسيقار العظيم الذى اشتهر بمجالس لهوه، وكان ينفق فى أيام عزه أربعة آلاف دينار على فاكهته وطيبه وأصدقائه. وقد كتب صفى الدين علاوة على الرسالة الشرفية كتابًا آخر فى الموسيقى هو "كتاب الأدوار"، وكتابا ثالثا فى العروض اسمه "فى علوم العروض والقوافى والبديع"، وهذا الكتاب الذى هو جدير بالتحقيق والترجمة محفوظ فى مكتبة بودليانا (Dictionary of Music: Grove، الطبقة الثالثة، جـ ٤، ص ٤٩٨، ويصفه كروف خطأ بأنه يتناول الإيقاع وهو خطأ الراجح أن السبب فيه هو العنوان اللاتينى الذى سمى به فى فهرس هذه المكتبة [Bibl. Bodleianae cod. manuscr. orietn Catalogus، جـ ٢، ٢٤٧]، وقد أخطأ كروف أيضًا فى زعمه بأن الرسالة الشرفية: "مأخوذة من رسالة الفارابى وأنها بسطت هذه الرسالة وحسنتها"؛ والحقيقة تخالف ذلك، لأن الرسالة الشرفية عمل مبتكر جدا يتحدى صاحبها فى عدة أمور أقوال الفارابى). وتوجد رسالتا صفى الدين الموسيقيتان مخطوطتين فى كثير من المكتبات، وخاصة مكتبة بودليانا (انظر Arabic Musical MSS in the Bodleian Libraoy: Faimer حيث وصفت محتوياتهما)، والمتحف البريطانى (القسم الشرقى ٢٣٦١؛ القسم الشرقى ١٣٦)، وبرلين (Ahlwaradt ٥٥٠٦)، وباريس (De Slane ٢٤٧٩)، وفينا (Flugel ١٥١٥، ١٥١٦) والقاهرة (الفنون الجميلة ٨، ٣٤٩، ٤٢٨، ٥٠٧،

стр. 6453

٥٠٨، ٥٠٩ هـ)، وقد نشر ملخص (وليس ترجمة انظر Dictionany of Music: Crove) للرسالة الشرفية بالفرنسية بمعرفة كاراده فو Carra de Vaux سنة ١٨٩١, ويؤمل كاتب هذه المادة أن ينشر نص هذه الرسالة وترجمة إنجليزية لها (وكذلك كتاب الأدوار) فى مجموعته: كتاب الموسيقى عند المشارقة Collection of Oriental Writers on Music وقد أظهر صفى الدين أنه أستاذ فى موضوعه (حاجى خليفه، جـ ٦، ص ٢٠٥) ويكاد كل كاتب عربى أو فارسى فى الموسيقى جاء بعده يشيد بفضله، ومن هؤلاء قطب الدين الشيرازى ومحمد بن محمود الآملى فى كتابه "نفائس الفنون"، وصاحب "كنز التحف" عبد القادر بن غيبى، وابنه عبد العزيز، وحفيده محمود، ومحمد بن عبد الحميد اللاذقى وكثيرون غير هؤلاء. وقد كتبت شروح عدة على نظرياته باللغة العربية ونخص بالذكر منها: "شرح مولانا مبارك شاه"، وشرح آخر لفخر الدين الخجندى، وكلا الشرحين محفوظان فى المتحف البريطانى (القسم الشرقى، رقم ٢٣٦١). ولعل الشرح الأول من صنع على بن محمد الجرجانى وقلما ينسب إلى شخص يدعى مبارك شاه (La Musique Arabe: d'Erlanger جـ ١، ص ١٥). وقد اشتهر صفى الدين على وجه الخصوص بأنه رائد النظرية المعروفة بنظرية النسب التى قسم فيها الديوان سبع عشرة مسافة. والحق إنه قد يكون صفى الدين مستحدث هذه النظرية، ولو أن هلمهولز Helmholtz رأى أنه من المستطاع أن ترد إلى أيام الساسانيين (Sensations of tone, الطبعة الإنجليزية الثالثة، ص ٢٨٠)، وهو رأى أيده كيسفتر (Die Musik der Araber: Kiesewetter)، ويقول هلمهولز "وهذه النظرية فيها ما يدل على أنها تطورت بنظرية فيثاغورس تطورًا جوهريًا"، أما السير بارى (The Art of Music: Sir C.Hubert H.Parry، جـ ١، ص ٢٩) فيقول إنها أرست قواعد: "أكمل سلم موسيقى استنبط بعد". ويشتمل "كتاب الأدوار" على موسيقى صوتية من الآواز الثانى المعروف بالنوروز ومن ضرب الرمل

стр. 6454

الذى ربما كان أقدم شاهد من الموسيقى العربية أو الفارسية المدونة زودتنا به المراجع المكتوبة. وقد أورد كاتب هذه المادة صورة طبق الأصل منه فى كتاب History of Arabian Music (الصورة المواجهة لصفحة ٢١)، وتناوله بالبحث لاند (J.P.N.Land فى Viertel jahrschrift fur Musikwissenschaft، جـ ٢، ١٨٨٦ م، ص ٣٥١ وما بعدها). وقد اخترع صفى الدين وهو فى أصفهان آلتين موسيقيتين: النزهة وهى قيثارة مستطيلة؛ والمغنى وهو نوع من العود القديم؛ وفى "كنز التحف" (مخطوط بالمتحف البريطانى، القسم الشرقى رقم ٢٣٦١، الأوراق ٢٦٣ - ٢٦٤، ٢٦٤ - ٢٦٥) وصف لهما، وقد أورد كاتب هذه المادة رسمهما فى كتابه Studies in Oriental Musical Instruments (١٩٣١) وكتابه Arabic Musical Manuscripts in the Bodleian Library، (١٩٢٥). المصادر: (١) ابن شاكر الكتبى: فوات الوفيات، بولاق، جـ ٢، ص ١٨ - ١٩. (٢) تاريخ وصاف، بومباى، ص ٤٣، ٥٥، ٦١، ٦٥. (٣) ابن تغرى بردى: المنهل الصافى، جـ ٤، فى باب العين. (٤) كتاب الفخرى، طبعة درنبورغ، ص ٤٤٩ - ٤٥٠، ترجمة E.Amar فى Archives Marocaines، جـ ١٦، ص ٣٧٢. (٥) علاء الدين الجوينى: تاريخ جهان كشا (سلسلة كب التذكارية، المجلد ١٦، جـ ١) المقدمة ص ٥١. (٥) History of Arabian Music: Farmer ص ٢٢٧ - ٢٢٩. (٦) Les Penseurs de l'lslam: Carra de Vaux، جـ ٤، ص ٣٤٢، ٣٦٣. (٧) Introduction to the History of Science: Sarton، المجلد ٢، جـ ٢، ص ١٠٣٤ - ١٠٣٥. وانظر عن النظرية: (٨) History of Arabian Music: Farmer، ص ٢٠٢ - ٢٠٦. (٩) المؤلف نفسه: Historical Factsfor the Arabian Musical Influence، الفهرس.

стр. 6455

(١٠) Le traite des rapports musicaux . . . Par Safied-Din: Carra de Vaux، ١٨٩١. (١١) The Legacy of Islam: Arnold & Guilbaume، ص ٣٦١، ٣٦٦، ٣٦٨. (١٢) Die Musik der Araber: Kiesewetter، ص ١٣ - ١٥، ٢١ وما بعدها. (١٣) Recherches Sur l'histoire de la Gamme Arabe: Land, أعمال مؤتمر المستشرقين السادس, ١٨٨٣، ص ٧٢ - ٧٥، ٧٨ - ٨٤. (١٤) Musick des Orients: Lachmann, الفهرس. (١٥) E'tude Sur La musique arabe: Collangettes، فى J.A. ١٩٠٤ م و ١٩٠٦ خورشيد [فارمر H.G.Fatmer] صفين يقول ثيوفانيس (Chronographia: Theophanes، ٣٤٧) إن سَفّين Shephin وتكتب "صفأ" فى نص سريانى يرجع إلى مستهل القرن التاسع Chapot فى J.A.، ١٩٠٠ م، ص ٢٨٥)، مكان لا يبعد كثيرًا عن الشاطئ الأيمن لنهر الفرات غربى الرقة، بينها وبين بالس، ويفصله شريط من المستنقعات عن النهر عرضه مرمى سهم (فى المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٧، ص ٢٢، س ١٥: ٥٠٠ ذراع) وطوله فرسخان، تنمو فيه بغزارة أشجار الصفصاف ونخيل الفرات، وهو ملئ بالحفر المائية يخترقها طريق واحد مرصوف يؤدى إلى النهر. وسبب شهرة هذا المكان، تلك الموقعة الكبرى التى دارت فيه سنة ٣٧ هـ (٦٥٧ م). بين على ومعاوية. وحين بلغ على هذا الموضع فى طريق زحفه من الكوفة كان أهل الشام قد عسكروا بين أنقاض هذه المدينة التى يرجع تاريخها إلى عهد الرومان، وكانت فصيلة من الجيش بقيادة أبى الأعور قد احتلت الطريق المؤدى إلى الفرات. وبالرغم من عروض علىّ وتأكيده أنه لم يأت للقتال بل للوصول إلى اتفاق مع معاوية، فإن معاوية لم يذعن له مع أن مستشاره الأريب عمرو بن العاص نصحه أن يفعل ذلك، وحينئذ أمر علىّ جيوشه

стр. 6456

بالهجوم ونجحوا فى رد الشآميين بالرغم من الإمدادات التى أرسلت إليهم، واستطاعوا أن يفتحوا الطريق إلى النهر، ودل على مرة أخرى على سماحته حين سمح لحملة الماء من الشاميين بنقل المياه من جوار رجاله مما أدى إلى انتشار روح التآخى بينهم وبين الشآميين على وجه لا ضير منه. ومضى بعض الوقت فى مفاوضات لم تنته إلى نتيجة، إذ أصر معاوية فى عناد على أن يسلم الخليفة قتلة عثمان، الأمر الذى لم يكن يريده الخليفة فضلا عن أنه لم يكن فى استطاعته، ومع ذلك فإن المفاوضات استمرت، وعندما بدا أن النزاع يوشك على الانفجار، حاول محبو السلام من الجانبين أن يحولوا دون وقوع ذلك. ويقول الدينورى (ص ١٨٠ وما بعدها)، إن الحال ظلت كذلك مدى شهرى ربيع الثانى وجمادى الأولى من سنة ٣٦ هـ. على أن هذا التقدير يفسح وقتًا طويلا للغاية لما يتطلبه التمهيد للمعركة التى بدأت فى قول اليعقوبى (التنبيه، ص ٢٩٥؛ التاريخ، جـ ٢، ص ٢١٩) فى أوائل شهر صفر، والتى صححتها رواية اليعقوبى التى تذهب إلى أن موقعة الاقتراب من الماء كانت فى ذى الحجة. ويرجح أيضًا أن الطبرى (جـ ١، ص ٧٢، ٣) قد أخطأ فى قوله إن كلا من على ومعاوية كانا يرسلان فى هذا الشهر مرارًا، وفى بعض الأحيان مرتين كل يوم، الأعيان المبرزين من الرجال مع جنود من المشاة والفرسان ليقاتل بعضهم بعضًا الأمر الذى لم يؤد مع ذلك إلى نشوب معركة شاملة، إذ أن كلا من الفريقين كان يخشى النتائج المشؤومة الخليقة بأن تنتهى إليها هذه المعركة. ولابد أنه قد وقعت هنالك كما يذهب فلهاوزن صورة مماثلة للمعركة التى نشبت فيما بعد. وأراد الطرفان أن يفسحا المجال لأى احتمال يؤدى إلى عودة الوئام فاتفقا على المهادنة إبان الشهر الحرام على مألوف المسلمين، وهو شهر المحرم من سنة ٣٧ هـ (١٩ يونية - ١٨ يولية ٦٥٧ م) ولم تنجح هذه الهدنة، وأعلنت الحرب فى النهاية فى أوائل صفر، وهكذا بدأت موقعة صفين. وليس من اليسير الحصول على فكرة واضحة عن سير المعركة، إذ إن

стр. 6457

الرواة يروون حشدا كبيرا من الوقعات الفردية التى لا تزودنا بصورة عامة لها، ولا تفيد إلا فى تمجيد قبائل بأعيانها فحسب. وهم أيضًا يسوقون أرقامًا شديدة التفاوت عن عدد الجيوش ومراكز فرقها وقوادها. وسار القتال وفق التقاليد القديمة، فكانت كل قبيلة تدير المعركة مستقلة عن الأخرى، ومن ثم كانت حركة علىّ حركة بارعة حين رتب أقسام القبائل المختلفة فى جيشه بحيث أصبحوا يقفون وجها لوجه أمام أبناء قبائلهم. وتجمع الروايات كلها على أن ذلك القتال، الذى كان يتجدد دومًا ويتسع مداه، كان قتالا داميًا، ولقى كثير من مشاهير الرجال حتفهم فيه، مثل عمار ابن ياسر، وهاشم بن عتبة من جانب علىّ؛ وابن عمر: عبيد اللَّه من فريق معاوية (انظر رثاءه فى ياقوت جـ ٣، ص ٤٠٣) ولقد لقى علىّ معونة كبيرة من الأشتر الذى عرف بشجاعته وحنكته، إذ استطاع هذا الرجل أن يهيئ للقوات العراقية طريقا مفتوحًا آمنًا إلى النهر، كما أبلى بلاء حسنا إبان هذه المعركة فى مبارزات عدة. وفيما يلى ما روى عن نتيجة هذه المعركة: بعد أن سارت الحرب وقتا ما دون أن تصل إلى نتيجة حاسمة، تمكن الأشتر فى الليلة المعروفة بليلة الهرير (من هرَّ أى عوى: انظر ياقوت، جـ ٤، ص ٩٧٠) وهى الليلة السابقة لليلة الجمعة ١٠ من صفر (٢٨ يولية، انظر Aronyme Chronik: Ahlwardt ص ٣٤٩, س ٣ ويقول الطبرى جـ ٢ ص ٧٤٧ إنها الليلة السابقة ليوم الخميس) وفى صباح اليوم التالى من إحكام الخناق على الشآميين والتضييق عليهم، حتى استبد اليأس بمعاوية وفكر فى الفرار من المعركة، ولم يمنعه من ذلك إلا تذكر بضعة أبيات معينة لابن الإطنابة (الكامل، طبعة Wright، ص ٥٣، ٥٧٣؛ الطبرى، جـ ١، ص ٣٣٠٠، س ١٢). وفى هذا الموقف الخطير نصحه الداهية عمرو بن العاص أن يضع بضع نسخ من القرآن الكريم على رؤوس الحراب ليرمز بذلك إلى أن الحرب يجب أن تتوقف وأن يترك الحكم فيها لكتاب اللَّه؛ وعلى العكس كان علىّ يرى أن قضاء اللَّه فى نتيجة المعركة (الطبرى، جـ ١، ص ٣٣٢٢ وما بعدها) وقد صح تقدير

стр. 6458

عمرو من أن هذا الاقتراح سوف يوقع الشقاق فى صفوف علىّ، إذ أعلن عدد كبير منهم أن التماسا كهذا لحكم اللَّه لا ينبغى أن يطرح جانبا، ومن ثم اضطر على الذى ظن أنه كسب المعركة فعلا، أن يستدعى الأشتر فعاد محتجا أشد الاحتجاج، ومن ثم توقف القتال. وكذلك وافقت الغالبية من جيشه على اقتراح معاوية الذى يقضى بأن يختار كل من الطرفين المتنازعين أحد اثنين من الحكمين اللذين اتفق على أن يجتمعا بعد للوصول إلى قرار وفقا لأحكام القرآن. واختار الشآميون عمرا كما كان المتوقع، على حين أن الخليفة فرض عليه أبو موسى الأشعرى الذى لم يكن يميل إلى على، ووقع الاتفاق بحسب ما جاء فى الطبرى (جـ ١، ص ٣٣٤٠) فى الثالث عشر من صفر سنة ٣٧ (٣١ يولية سنة ٦٥٧) غير أن الدينورى (ص ٢١٠، س ٥) يرى أنه لم يوقع إلا فى ١٧ من صفر، كما أن عليا تذكر ذلك المثل الذى ضربه محمد ﵊ فى ضبط النفس إبان صلح الحديبية فامتنع عن التوقيع بوصفه خليفة، ومن ثم تفرقت الجيوش وعادت إلى أوطانها، وبدت جيوش علىّ فى غاية الاكتئاب والقنوط حتى إنه قد ظهر عليها أنها أصيبت بنكسة بالرغم من أنها لم تهزم. ورغم ما تبدو عليه هذه القصة من طرافة بما تحويه من نقاط وجيهة وما تتضمنه من تصوير بارز للشخصيات التى ظهرت فيها، فلا يمكن أن نقطع بصحتها من الناحية التاريخية دون أن نزيدها بحثا واستقصاء، ذلك أن جميع الروايات التى بين أيدينا تكشف عن ميل إلى علىّ وبغض لمعاوية وبخاصة عمرو بن العاص الذى ينسب إليه فى غير تردد كل عمل ماكر، ولذا فإننا نشعر إلى حد كبير جدًا بالحاجة إلى وصف لهذه المعركة على لسان الفريق الآخر يمكن أن نتخذه وسيلة للتحقيق، وحتى دون أن نحصل على هذا الوصف يمكننا أن نشير إلى نقاط عدة من شأنها أن تدلنا فى أرجح الظن على وجود قدر من التحيز لفريق دون فريق، كما هى الحال دون شك فيما يتصل بقصة التحكيم فى "أذرح"

стр. 6459

وبخاصة ذلك الدور البالغ الأهمية الذى ينسب إلى عمرو ذى العبقرية الماكرة، وصاحب معاوية. وحتى لو افترضنا أنه هو الذى اقترح رفع المصاحف، وأن العدد اللازم من نسخها كان متوافرًا لدى الجيش الشآمى (يقول الدينورى أن النسخة الأصلية من القرآن نفسها التى كانت محفوظة فى دمشق كانت من بين هذه المصاحف الخمسة التى حملها خمسة من الجنود على رؤوس الحراب) فإن من الواضح أن هذه الوسيلة لم تكن لتجدى ما لم يكن هناك ميل عام لتقبلها، ومن ثم فإنها لم تكن غير وسيلة للتعبير عما كان يشعر به الكثيرون فى دخيلة أنفسهم. ويستدل على أن هذه كانت هى الحال حتما من عدة إشارات، فلم يكن علىّ وحده يحاول جاهدًا تحاشى حرب مهلكة يتطاحن فيها المؤمنون وأعضاء القبيلة الواحدة بل الأقارب، كالآباء والأبناء (الدينورى، ص ١٨٤)، بل إن الجمهرة الكبرى من فرق الجيش كانت تشعر بأنها حرب لا مبرر لها قد تجلب معها الكوارث والأهوال، وكان هذا هو السبب فى مضى وقت طويل قبل أن يبدأ القتال الحقيقى، وفى أنهم لجأوا بعد أن أعيتهم الحيل إلى عقد هدنة خلال شهر المحرم. ويسجل الدينورى فى هذا الصدد عدة ملامح تكمل رواية مخنف كما وردت فى الطبرى فى بعض النقاط الهامة، فعلى حين يؤلف قراء القرآن فى الرواية الأخيرة فرقة قائمة بذاتها لها قوادها وتقاتل بحماسة فائقة (الطبرى، جـ ١، ص ٣٢٧٣، س ٢؛ ص ٣٢٨٣، س ١١؛ ص ٣٢٨٩، س ٥؛ ص ٣٣٠٤، س ١٠؛ ص ٣٣٢٣، س ٣) فضلا عن أنه ليست هناك غير إشارات قليلة للغاية عن رواة القرآن فى الجيش الشآمى (ص ٣٣١٢، س ١٢) ويظهر هؤلاء الرجال الورعون فى الدينورى (انظر Vorlesungen, uber den Islam: Goldziher) فى صورة أنصار غيورين للسلام استطاعوا فى إحدى المرات أن يوقفوا معركة كانت على وشك أن تنشب (الدينورى، ص ١٨١, س ١ وما بعده). وكان هؤلاء على أهبة الاستعداد لتحكيم القرآن، كما أن معظم السبب فى وقف القتال بهذه السرعة يرجع إلى نفوذهم (المصدر نفسه، ص ٢٠٤)

стр. 6460

وعندما اتفقوا على تحكيم القرآن تفاوضوا مع القراء الشآميين أمام الجيشين وأوصوا باختيار الحكمين (المصدر نفسه، ص ٢٠٥)، فإذا كان عمرو قد اقترح حقا رفع المصاحف (وهناك سابقة مماثلة لتحكيم القرآن حدثت فى وقعة الجمل): الطبرى جـ ١، ص ٣١٨٦، ٣١٨٨ وما بعدها). فإنه لم يفعل غير التعبير عن فكرة كان يشاركه إياها الكثيرون ومن ثم وجد تأييدًا سريعًا لفكرته. كما أنه من المحتمل إلى حد بعيد أن تكون تلك النقطة البارزة فى هذه الرواية، وهى أن النصر كان بين يدى علىّ فعلا عندما حرمه منه عمرو بفكرته تلك، من المحسنات التاريخية التى لجأ إليها شيعة علىّ لتفسير النهاية الفاشلة التى انتهت بها المعركة. على أنه من الجلى بمكان أن الغنم كل الغنم كان لمعاوية بالالتجاء إلى تحكيم القرآن، فى حين أنه كان بمثابة ضربة قاصمة لعلى، ولذلك فليس بعجيب أن يتحمس له رجلان كمعاوية وعمرو، وبخاصة إذا كانا يخشيان أن تنتهى المعركة فى غير صالحهما. ويجب أن نذكر بصفة خاصة أن الموقعة لم يكن لها شأن بتقرير من سيكون خليفة من الخصمين المتنازعين. أما أن معاوية كانت له أطماع عريضة فأمر كثير الاحتمال، ولكنه كان أيضًا أحصف من أن يكشف عن أطماعه هذه فى هذه المرحلة المبكرة. فقد التزم دوره بكل دقة فى مطالبته بثأر عثمان وأعلن أنه على استعداد لمبايعة على إذا سلم إليه قتلة هذا الخليفة، مما أظهره أمام الناس فى جانب الحق والفضيلة؛ ولما لم يكن فى استطاعة علىّ فى الوقت نفسه أن يجيبه إلى مطالبه هذه، فقد كانت هذه وسيلة طيبة للحيلولة دون عقد صلح بينهما؛ لقد كان تحكيم القرآن بالنسبة لعلى ضربة قاضية ماحقة، ذلك أن معنى هذا وجوب الرجوع إلى الكتاب الكريم لتبين ما إذا كان تصرف علىّ فيما يختص بقتلة عثمان يجعله غير جدير بأن يكون خليفة، ومن ثم يحق خلعه إلى حين على أقل تقدير، أما مركز معاوية فلم يكن ليلحق به أدنى ضرر نتيجة للتحكيم. وأخيرًا يجب أن نذكر أنه يتضح لنا من دلائل عدة أن مركز على قد أصابه

стр. 6461

شئ من الضعف على الرغم من جميع مظاهر العطف الشخصى التى أبديت نحوه، لأن الاتهامات الخطيرة التى وجهت إليه تركت أثرًا فى نفوس الناس، حتى من كانوا يعطفون عليه إلى حد أنهم تطلعوا بلاشك إلى سلطة عليا تستطيع أن تكشف لهم وجه الحق فى الأمر. ولو أن جانبى الصواب والخطأ كانا محددين واضحين بين الخصمين، بالصورة التى تزعمها الروايات، لما استطاع أبناء أبى بكر وعمر الإبقاء على العلاقات الطيبة بينهم وبين معاوية. والرأى الذى نعرضه إنما تؤيده تأييدًا طيبًا رواية معتدلة كل الاعتدال ترجع إلى الزهرى وأوردها ابن سعد (جـ ٤/ ٢، ص ٣) وهى تحدثنا بأن الجيشين أنهكهما القتال وتاقا إلى حقن الدماء مما دعا عمرا إلى أن يقترح على معاوية رفع المصاحف، ودعوة العراقيين إلى تحكيم كتاب اللَّه، ومن ثم إحداث الشقاق بينهم، وعندما رأى على جمود أتباعه وفتور حماستهم سلم بطلب معاوية. وقد جاء اقتراح معاوية باختيار حكمين، ردا على سؤال لعلى عمن له أن يقرر -حكم القرآن. أما عن الجانب القصصى المثير الذى تتضمنه القصة المألوفة فهو غير موجود فى هذه الرواية على الإطلاق، وبغض النظر عن الدور الذى ينسب إلى عمرو، فقد كان من المتوقع تماما أن يكون التفسير لتحول المعركة فى غير مصلحة على هو تأكيد حدوث خيانة أدت إلى هذا التحول، وقد وجهت هذه التهمة إلى الأشعث ولعل ماضيه كان يبرر دون شك مثل هذا الافتراض بعض التبرير، إذ تتفق جميع المصادر على أنه توسط بحماسة فى الدعوة إلى تحكيم القرآن، ذلك أنه كان يخشى كما جاء فى الدينورى (ص ٢٠١) أن ينجم عن الاستمرار فى القتال أن يحيق أعداء الإمبراطورية العربية بها من كل جانب. وقد أيد معاوية هذا الرأى حين سمع به. ويقول الطبرى (جـ ١، ص ٣٣٣٢ وما بعدها) إن الأشعث عرض أن يذهب إلى معاوية ليؤكد له ما يراه من اقتراحات أخرى، وقد وافق على على ذلك. على أن اليعقوبى يقول (جـ ٢، ص ٢٢٠) إن معاوية أرسل إليه ليغريه بالانحياز إلى جانبه وأنه هدد بأن يترك

стр. 6462

عليا إذا لم يستجب على لدعوة تحكيم القرآن، ومن ثم اضطر الخليفة إلى الإذعان، لأن جميع رجال القبائل اليمانية من أنصار الأشعث أعلنوا استعدادهم لاتباعه. ورغم كل ما سجلناه آنفا، فإن مثل هذا التفسير لما جرى من أحداث إنما هو تفسير زائف، وبقاء الأشعث على الدوام فى خدمة على إنما يدفع هذا التفسير بالبطلان. أما مدى ما يمكن أن تصل إليه جهود البعض من تبرير النتيجة المؤسفة لهذه المعركة بما يتفق ومصلحة علىّ، فيمكت أن نتبينه من الطبرى (جـ ١، ص ٣٣٤٦ وما بعدها) حيث عزى إلى على أن أوقف القتال لأنه لم يجسر على أن يعرض حفيدين من حفدة النبى [ ﷺ ] والمسلمين للخطر. المصادر: (١) المكتبة الجغرافية العربية، جـ ١، ص ٢٣، ٧٦. (٢) ياقوت: المعجم، طبعة فستنفلد، جـ ٣، ص ٤٠٢ وما بعدها. (٣) Aronyme arabisch chronik طبعة Ahlwardt، ص ٣٤٩، س ٣. (٤) الطبرى، طبعة ده غوى، جـ ١، ص ٣٢٦٥ - ٣٣٣٣. (٥) اليعقوبى: التاريخ، طبعة هوتسما، جـ ٢، ص ٢١٨ وما بعدها. (٦) الدينورى، طبعة Guirgas، ص ١٧٨ - ٢٠٥. (٧) المسعودى: التنبيه، طبعة ده غوى، ص ٢٩٥. (٨) المسعودى: المروج، طبعة باربييه ده مينار، جـ ٤، ص ٣٣٣ وما بعدها، ص ٣٤٥ وما بعدها. (٩) ابن سعد، طبعة سخاو، جـ ٧/ ٢، ص ٣ وما بعدها. (١٠) ابن عبد ربه: العقد الفريد، القاهرة ٣١٧ هـ، جـ ٢، ص ٢٠٢. (١١) Der Islam im Morgen und Abendlande: A.Muller، جـ ١، ص ٣١٩ - ٣٢٤. (١٢) Annals of the Early Caliphate: Muir، ١٨٨٣، ص ٣٧٦ وما بعدها. (١٣) Das Aratische Reich: Wellhausen ص ٤٨ - ٥٢.

стр. 6463

(١٤) المؤلف نفسه: Die religios-Politischen Oppositionspar-teien im alter Islam، فى (Abh. Ges. Wiss. Gott وهى سلسلة جديدة، رقم ٢) وما بعدها. الأبيارى [بول Fr.Buhl] صفية بنت حيى ابن أخطب، زوج النبى محمد [ ﷺ ] (١). ولدت بالمدينة المنورة، وكانت تنتسب إلى قبيلة بنى النضير اليهودية، وكان أبوها وعمها أبو ياسر من بين ألد أعداء النبى [ ﷺ ] وعندما طردت قبيلتهم من المدينة فى سنة ٤ هـ كان حيى بن أخطب من بين من استقروا فى خيبر، هو وكنانة بن الربيع، الذى تزوجت به صفية فى نهاية سنة ٦ أو أوائل سنة ٧ هـ، وكانت تبلغ من العمر إذاك ١٧ سنة تقريبًا. ومن الأخبار المتواترة أنها كانت فيما سبق زوجة سلام بن مشكم الذى طلقها. وعلى إثر سقوط خيبر فى صفر سنة ٧ هـ أسرت صفية فى حصن قد يكون القموص أو نزار، مع اثنتين من بنات عمومتها. وعند تقسيم الأسلاب كانت من نصيب، أو هى قد وهبت بالفعل، لدحية بن خليفة الكلبى، ولكن محمدًا [ ﷺ ] افتداها من دحية بسبعة رؤوس من الماشية، ورغبّها فى اعتناق الإساوم. أما زوجها فقد حُكم عليه بالإعدام وذلك فى خيبر ذاتها أو فى الصهباء، التى تبعد عنها نحوًا من ثمانية أميال، فى الطريق إلى المدينة. وكان عتق صفية صداقها، ومن ثم لبست الحجاب، وبذلك دعمت مركزها كزوجة، وهو أمر كان فيما يبدو موضع شك فى بداية الأمر. أما فى المدينة؛ يبدو أنها عاشت بعد ذلك فى عزلة عما حولها، لأننا لا نعثر على أى ذكر لها خلال السنوات التى سبقت وفاة النبى [ ﷺ ] فيما عدا رواية تبين كيف أنها قد أعربت، أثناء مرضه الأخير، عن حبها له، كما كانت على علاقة طيبة بفاطمة بنت النبى [ ﷺ ]. وفى سنة ٣٥ هجرية انحازت صفية إلى جانب عثمان، إذ قامت وقت أن كان محاصرًا فى داره، بمحاولة فاشلة للوصول إليه، ودأبت

стр. 6464

على إمداده بالطعام والماء عن طريق لوح خشبى ثبتته بين بيتها وبيته. وعندما طلبت إليها عائشة أن تحضر آخر اجتماع عقده عثمان مع على وطلحة والزبير، وكان ذلك فى داره، استجابت صفية لهذا الداعى، وحاولت أن تدافع عن الخليفة وتوفيت صفية سنة ٥٠ أو ٥٢، إبان خلافة معاوية، وخلفت ثروة تقدر بمائة ألف درهم من الأرض والمتاع، أوصت بثلثها لابن أختها، الذى كان ما يزال على دينه اليهودى. وقد قام معاوية بشراء قصرها بالمدينة مقابل ١٨٠.٠٠٠ درهم. وفى القاهرة مسجد يرجع تاريخه إلى القرن السابع عشر موقوف على الست صفية، التى يسمى باسمها أيضًا الحى المحيط بالمسجد (١). المصادر: (١) ابن هشام، طبعة فستنفلد، جـ ٢، ص ٣٥٤، ٦٥٣، ٧٦٢. (٢) ابن سعد، جـ ٨ ص ٨٥ - ٩٢. (٣) Annali dell' Islam: L.Caetani جـ ١ ص ٣٧٩، ٤١٥؛ جـ ٢ ص ٢٩، ٣٤؛ جـ ٨، ص ٢٢٣. (٤) الطبرى، طبعه ده غوى، جـ ١، ص ١٧٣. (٥) Mo'awia: Lammens ص ٢٤٦. الإبيارى [فكا V.Vacca] الصقالبة أو السلاف: كان جغرافيو العرب فى القرون الوسطى يطلقون عادة الاسم صقالبة (والمفرد صقلب وصقلبى وصقلابى، وكذلك يبدأ الاسم بالسين بدلا من الصاد) على تلك الشعوب المنحدرة من أصول شتى التى كانت تنزل الأراضى المجاورة لبلاد الخزر بين القسطنطينية وأرض البلغار. صقالبة الأندلس: نجد هذه الكلمة بصيغة الجمع مستعملة فى الأندلس فى وقت مبكر جدًا اسمًا لجنس يطلق على الحرس

стр. 6465

الأجنبى الخاص لخلفاء قرطبة الأمويين، وكان الاسم يطلق أصلا على جميع الأسرى الذين كانت تأتى بهم الجيوش الألمانية من حملاتها على الصقالبة ثم يبيعونهم إلى المسلمين فى الأندلس، على أن الاسم صقالبة كان يطلق فى الأندلس فى وقت مبكر جدا يعود إلى عهد الرحالة ابن حوقل على جميع الأرقاء المجلوبين الذين يلتحقون بالجيش أو يعينون فى شتى المناصب فى الحريم وقصور الخلفاء. ويذكر هذا الجغرافى إنه فى الزمن الذى اجتاز فيه شبه الجزيرة الأيبيرية كان الصقالبة هناك لا يفدون من شواطئ البحر الأسود فحسب، بل كانوا يفدون أيضًا من كالابريا ولومبارديا ومن بلاد الفرنج وجليقية. والحق أن معظمهم فيما يظهر قد جلبهم القراصنة المغاربة والأندلسيون فى حملاتهم على السواحل الأوربية للبحر المتوسط؛ وكان أولئك الذين يستخدمون منهم لحراسة الحريم بضاعة خاصة يتاجر بها التجار اليهود الذين احترفوا حرفة هامة هى "صناعة الخصيان" على حد تعبير دوزى، مارسوها فى فرنسا وبخاصة فى فردون؛ وكان معظم هؤلاء الأسرى عند وصولهم إلى الأندلس لا يزالون بعد فى شرخ الشباب، ولكنهم سرعان ما بدأوا يتحدثون بالعربية ثم أسلموا. ولم يلبث عددهم أن زاد زيادة كبيرة، ويقول المقرى إن تعدادهم على تعاقب السنين فى قصبة البلاد أيام عبد الرحمن الثالث كان: ٣٧٥٠ و ٦٠٨٧ و ١٣٧٥٠ نسمة على التوالى. ونحن نجدهم فى ذلك الزمن يتولون مناصب مرموقة فى المجتمع رغم أنهم كانوا من الأرقاء، وقد أثرى بعضهم وامتلك الضياع الواسعة، بل كان لهم عبيدهم الخاصون بهم، وتثقفت عقولهم بفضل اتصالهم بالحضارة الأندلسية الزاهرة، وكان منهم علماء مشاهير، وشعراء، ومحبون لاقتناء الكتب، وفى رواية ابن الأبار والمقرى أن أحدهم، وهو حبيب الصقلابى، صنف فى عهد هشام الثانى كتابًا بأسره أشاد فيه بفضائل أدباء الصقالبة من الأندلسيين، وكان عنوان الكتاب: "كتاب الاستظهار والمغالبة على من أنكر فضائل الصقالبة".

стр. 6466

وكان الصقالبة فى الأندلس، شأنهم شأن القضاة فى الدولة الرومانية والأرقاء فى تاريخ متأخر بمراكش أيام الأسر الشريفية، يسهمون بنصيب بارز فى السياسة يتناسب وازدياد عددهم واحتلالهم مكانة أكثر خطرًا فى المجتمع الأندلسى، ونجدهم أول ما نجدهم قد تولوا المناصب المدنية الرفيعة فى الدولة بل مناصب القيادة العسكرية فى عهد عبد الرحمن الثالث؛ وكان الخليفة يستخدمهم فى الحد من شوكة النفوذ الذى كان لأشراف العرب فى دولته ومقاومة هذا النفوذ، ومن ثم لم يتردد، بالرغم من السخط الذى ساد بلاطه، فى أن يعهد إلى نجدة الصقلبى سنة ٩٣٩ بقيادة الحملة التى سيرها على ملك ليون، تلك الحملة التى انتهت نهاية مشؤومة بنكبتى سيمانقاس Simancas والخندق Alhandega ومطاردة جيوش راميرو الثانى وحلفائه من مملكة نبرة (نافار) لجيش المسلمين. ولم يكن الدور الذى سمح الحكم الثانى خليفة عبد الرحمن الثالث للصقالبة بأن يتولوه فى مملكته ليقل شأنًا عن الدور الذى سمح لهم به عبد الرحمن الثالث، بل إن استخفافه بعجرفتهم التى أخذت تزداد شيئًا فشيئًا بل عدم مبالاته بسلوكهم المتسم بالقحة كان من الوضوح بحيث أثار دهشة الإخباريين فى عهد هذا الأمير المتنور. وقد أحس الصقالبة عند وفاته بأنهم سادة الموقف. ويقول صاحب كتاب "البيان المغرب" إنه كان فى القصر وقتئذ أكثر من ألف مجبوب، وكان فى قرطبة فرقة من الحرس الصقالبة رهن مشيئة رجلين من أكابر الأعيان هما: فائق النظامى صاحب البرد والطراز ويليه صاحبه جوذر صاحب الصاغة والبيازرة؛ وقد تكتم هذان الخصيان الصقلبيان نبأ وفاة الحكم وحاولا الوقوف دون المناداة بوريث العرش خليفة، وكان بعد طفلا رضيعًا، ولكن الوزيرين المصحفى وابن أبى عامر قاوماهما فى ذلك، ثم ازدادت شهرتهما بما أنزلاه بهما من عقاب. ولن يتسع لى المجال بأن أفصل الكلام عن النصيب الذى أسهم به الصقالبة خلال ذلك العهد كله الذى

стр. 6467

اضمحلت فيه الخلافة الأموية فى الأندلس، فنحن نجدهم قد اشتركوا فى جميع المؤامرات التى دبرت فى قرطبة أو فى سائر بقاع الأندلس، ينضمون حينًا إلى الجانب الفائز وحينًا إلى الجانب الخاسر، ولكنهم كانوا يظهرون دائمًا ما عرفوا به من روح الإقدام والطمع والاستبداد، ونذكر منهم الخصى خيران الذى كان فى مستهل القرن الحادى عشر الميلادى زعيما لحزب الصقالبة فى قصبة الميلاد. وكان المؤرخون العرب بعد زوال خلافة قرطبة يتحدثون عن الدور السياسى والاجتماعى الذى قام به الصقالبة فى الأندلس حديثا أقل إسهابًا بكثير عن ذى قبل، ولكن من المرجح أن هؤلاء الصقالبة الذين كانوا قد انقضى على إسلامهم عدة أجيال، قد اندمجوا فى بقية السكان وفقدوا، علاوة على نسيانهم أصلهم الأجنبى، الشأن الذى استطاعوا أن يزعموه لأنفسهم إبان اضمحلال الدولة الأموية فى الأندلس. المصادر: انظر عن صقالبة الشرق: (١) المكتبة الجغرافية العربية، فى مواضع متفرقة (٢) المسعودى: مروج الذهب، طبعة باريس، الفهرس (٣) ياقوت، طبعة فستنفلد مادة "صقالبة" -وانظر فيما يختص بصقالبة الأندلس: (٤) ابن عذارى: البيان المغرب، طبعة دوزى، ص ٢٧٦ وما بعدها؛ ترجمة فانيان، جـ ٢، ص ٤٣٠ وما بعدها، وفى مواضع متفرقة (٥) المقرى نفح الطيب (Analectes جـ ١، ص ٨٨ و ٩٢؛ جـ ٢، ص ٥٧). (٦) ابن الأبار: تكملة الصلة، طبعة Codera رقم ٨٩ (٧) Histoire des Musulmans d'Espagne: R.Dozy، جـ ٣، وبخاصة ص ٥٩ - ٦٢ (٨) Ensayo bio-bibilografico sobre los histo-riadares y: F.Pons Boigues

стр. 6468

geografos arabigo-espanoles مدريد ١٨٩٨، ص ١١٤ - ١١٦. صبحى [ليفى بروفنسال E.Levi-Provencal] السلاف الكلمة العربية للسلاف هى صقلب، ونادرًا ما تكتب صقلاب بفتح الصاد أو كسرها أو سقلاب، والجمع صقالبة، ولا شك أن هذه الكلمة مأخوذة من اللفظ اليونانى وكان الجنود المرتزقة السلاف قد استقروا فى ولايات الحدود الشرقية للإمبراطورية البوزنطية (دولة الروم) فى القرن السابع الميلادى، وتعرف العرب من ثم على السلاف فى معاركهم الأولى مع الروم، ويقال إن مسلمة فى حملته على القسطنطينية (٧١٥ - ٧١٧ م) استولى على مدينة الصقالبة بعد اجتيازه حدود الروم مباشرة (Fragm-hist. Arab، طبعة ده غوى، جـ ١، ص ٢٥، س ٤)؛ ووجد العرب بعض السلاف الآخرين وهم يستقرون فى مملكة الخزر (بين جبال القوقاز ومجرى الفولجا الأسفل)؛ ويقال إنه حدث فى عهد الخليفة هشام (٧٢٤ - ٧٤٣ م) أن عمد مروان بن محمد (الذى أصبح بعد الخليفة مروان الثانى) إلى نقل عشرين ألفًا من الصقالبة من أرض الخزر "فأسكنهم خاخيط ثم إنهم قتلوا أميرهم وهربوا، فلحقهم وقتلهم" (البلاذرى، فى رأس ص ٢٠٨) على أن هؤلاء السلاف كانوا لا يزالون يذكرون فى عهد الخليفة المنصور (٧٥٤ - ٧٧٥) بين المستعمرين الذين نزلوا حدود الروم فى قيليقية (المصدر المذكور، ص ١٦٦)؛ وقد أشيد دائمًا بشعر السلاف الأحمر ووجوههم الحمر (أو الضاربة إلى الحمرة)، وشاهد ذلك ما نجده فى القرن الأول للهجرة فى ديوان الأخطل مثلا وبالرغم من هذه السمة الجسمانية المميزة فإن السلاف قد أدرجوا مع الترك بوصفهم من أحفاد يافث، ويقال إن أولاد نوح الثلاثة قد رزق كل منهم ثلاثة أولاد أيضًا، ويروى وهب بن منبه (الطبرى، جـ ١، ص ٢١١، س ١٣) أن أبناء يافث هم ترك ويأجوج ومأجوج، فى حين أن سعيد بن المسيب. المتوفى سنة ٩٥ هـ = ٧١٣/ ٧١٤ م) الذى جاء بعده بقليل يذهب إلى أن أبناء يافث هم الترك والسلاف ويأجوج ومأجوج متحدين

стр. 6469

فى شعب واحد (البكرى فى Kunik and Rosen، جـ ١، ص ١٨)، وكذلك قال ابن إسحق (الطبرى، جـ ١، ص ٢١١ وما بعدها)، والكرديزى (فى Barthold: Otcet,etc، ص ٨٠)، اعتمادًا على رواية ابن المقفع ويزيد ابن المسيب على ذلك فيقول إن أولاد سام الثلاثة (وهم أجداد العرب والفرس واليونان) كانت نشأتهم طيبة، على حين أن أولاد يافث وحام كانوا لا يصلحون لشئ؛ وقد استثنى المؤلف المجهول صاحب مجمل التواريخ، الذى ألف كتابه إبان الحكم التركى فى القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى، النص فى Tuikestan. etc.: Barthold، جـ ١، ص ١٩)، الترك والخزر من أبناء يافث، وقال إنهم كانوا أذكياء، أما إخوتهم فكانوا لا يساوون شيئًا. (الكرديزى فى Otcet: Barthold، ص ٨٥)؛ ويقول الكرديزى أيضًا (المصدر المذكور، ص ٨٦) فى وصف القرغيز إنهم ينحدرون من الصقالبة بسبب احمرار شعرهم وبياض جلودهم، وقد سمى ابن فضلان أمير بلغار الفولجا باسم "ملك الصقالبة"، ونتبين ذلك لا مما نقله عنه ياقوت فحسب (المعجم، جـ ١، ص ٧٢٣. س ١١)، بل نتبينه أيضًا مما تحقق لنا الآن فى "الرسالة" الأصلية التى كتبها (Bulletin de I'Acad. ect ١٩٢٤، ص ٢٤٤)؛ وعلى هذا النحو يمكن تفسير حملات الخوارزمية على البلغار والصقالبة التى وردت فى ابن حوقل (المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٢، ص ٢٨١، س ١٣)؛ ومن المرجح أيضًا أن هؤلاء الصقالبة كانوا رعايا ملك البلغار، وربما كان اليعقوبى (طبعة Houtsma، ص ٥٩٨) فى روايته عن صاحب الصقالبة يشير إلى هذا الأمير نفسه، وهو الأمير الذى استنجد به شعب من القوزاق لدفع غائلة العرب عنهم حوالى سنة ٢٤٠ هـ (٨٥٤/ ٨٥٥ م)، وقد استنجدوا فى الوقت نفسه "بأمير اليونان" و"أمير الخزر" (وتجد تفسيرًا آخر فى Osteuropaische und ostasiatische Streifzuge: J.Marquart، ليبسك ١٩٠٣، ص ٢٠٠)، على أن رواية الطبرى (جـ ٣، ص ٢١٥٢) فى حوادث سنة ٢٨٣ هـ (٨٩٦ م) عن حملة ملك الصقالبة على القسطنطينية تشير إلى الحرب التى وقعت بين سمعان

стр. 6470

قيصر بلغار الدانوب (٨٩٠ - ٩٢٧ م) وبين الإمبراطور ليو السادس سنة ٨٩٣ م؛ وقد حل الاسم الروس" شيئًا فشيئًا محل الاسم "الصقالبة" الذى يطلق على أهل روسيا الجنوبية الحديثة؛ وكان نهر الدون، الذى ساد الاعتقاد زمنًا بأنه فرع من فروع نهر الفولجا، يطلق عليه أول الأمر "نهر الصقالبة" (المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٥، ص ٢٧١، س ٣؛ جـ ٦، ص ١٥٤، س ١٢)، ثم أطلق عليه من بعد اسم نهر الروس" (المصدر المذكور، جـ ٢، ص ٢٧٦، س ١٦، وكذلك أطلق هذا الاسم عليه المؤلف المجهول للمصنف الفارسى حدود العالم، انظر Zap جـ ١٠، ص ١٣٧). ويبدو أن أول من لاحظ العلاقة بين السلاف وشعوب الغرب هو ابن الكلبى (هشام بن محمد، انظر جـ ٢، ص ٦٨٩)؛ وفى رواية ياقوت (المعجم، جـ ٣، ص ٤٠٥، س ٨) إنه وصف الصقالبة بأنهم إخوة الأرمن واليونان والفرنجة ومن انحدروا من صلب يونان بن يافث، وقال إنه نقل ذلك عن أبيه، والظاهر أن ثمة معلومات أدق من ذلك عن الصقالبة بوصفهم جيرانًا لليونان قد وردت فى كتب مسلم ابن أبى مسلم الجرمى الذى أطلق سراحه سنة ٨٤٥ م بعد أن قضى ثمانى سنوات أسيرًا لدى الروم؛ واعتمادًا على رواية مسلم يذكر ابن خرداذبة (المكتبة الجغرافية العربية جـ ٦، ص ١٠٥، س ١٥) أن "بلاد الصقالبة" تقع غربى مقدونية؛ ويقول المسعودى (مروج الذهب، جـ ٣، ص ٦٦) إن الفرنجة والصقالبة واللومبارديين والإسبان ويأجوج ومأجوج والترك والخزر والبرجان والجلالقة الإسبان هم من أحفاد يافث؛ وقد تناول فى موضع آخر (جـ ٤، ص ٣٨ وما بعدها) أراضى هذه الشعوب مرتبا لها ترتيبا جغرافيا يبدأ من الشرق إلى الغرب، ووضع بلاد (عمل) الصقالبة بين بلاد البرجان وبلاد اليونان، وذكر أن اللون الضارب للحمرة (الشقرة) هو سمة الملامح المميزة للصقالبة واليونان (جـ ٣، ص ١٣٣) وقد اعتنق معظم البلغار

стр. 6471

الصقالبة المسيحية وخضعوا لصاحب رومة، قصبة الفرنجة (المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٨، ص ١٨١ وما بعدها)، وذكر أن قسما كبيرا من هذه الشعوب قد نزل ضفاف الدانوب. المصدر المذكور، ص ١٨٣ فى أسفلها، وانظر العبارات الأشد من ذلك غموضًا التى وردت فى حدود العالم، وقد ورد فى المخطوط الذى بين أيدينا ذكر دوتا بدلا من دونا وليست روتا كما فى zap، جـ ١٠، ص ١٣٣ وما بعدها)؛ وكان اليونان والرومان والصقالبة والفرنجة وجيرانهم فى الشمال يتكلمون لغة واحدة وتتألف منهم جميعًا دولة واحدة (المكتبة الجغرافية العربية جـ ٨، ص ٨٣، س ٩)؛ ونجد أوفى المعلومات المدونة عن الصقالبة بأوروبا فى رحلات اليهودى الأندلسى إبراهيم بن يعقوب سنة ٩٦٥ التى سجلها البكرى (انظر جـ ١، ص ٦٠٦ وما بعدها)، وقد ورد فيها أن الصقالبة كانوا يقيمون على البحر الأدرياوى وأنه كان على حدود أراضى الصقالبة فى الشمال الشرقى بلاد الأمير البولندى مشقه (Mieszko) ما بين سنتى ٩٦٠ - ٩٩٢ تقريبا، وهو جار الروس والبروسيين، على أن الإدريسى لا يذكر بلادا للصقالبة إلا فى شبه جزيرة البلقان وذلك فيما يتعلق بالبندقية (Geographie d'Edrisi، ترجمة A.Jaubert، باريس ١٨٣٦ - ١٨٤٠، جـ ٢، ص ٢٨٦)، ولم ترد إشارة عند وصف بلاد الصقالبة من بوهيميا حتى بولنده (المصدر المذكور، جـ ٢، ص ٣٧٥ وما بعدها) إلى الأصل المشترك لهؤلاء الصقالبة الذين ينزلون تلك البلاد، ومن ذلك الحين أخذ اللفظان صقلب وصقالبة يختفيان شيئًا فشيئًا من المؤلفات الإسلامية ولا يستخدمان إلا عند الاستشهاد بالكتب الأقدم من ذلك عهدا. فكلمة "الصقالبة" مثلا لم ترد فى مصنفى الجوينى (سلسلة كب التذكارية، جـ ١٦، ص ٢٢٤ وما بعدها) ورشيد الدين (المصدر المذكور، جـ ١٨، ص ٤٣ وما بعدها) عن تاريخ الحملات الأوروبية على المغول، وقد استعير اللفظ التركى الحديث "إسلاو" من الاستعمال العلمى الأوربى الحديث،

стр. 6472

والراجح أن استعارته كانت من الفرنسية. وكان السلاف، شأنهم فى ذلك شأن الترك، يدخلون البلاد الإسلامية أحيانًا أرقاء بل خصيانًا من البيض (انظر المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٣، ص ٢٤٢، س ٥؛ جـ ٥، ص ٨٤، س ١، جـ ٦، ص ٩٢، س ٥)، وكانت الفرق الخاصة تؤلف من الجنود السلاف، كما كانت تؤلف من الترك؛ وكان زعماؤهم أحيانًا يقيمون الأسر الحاكمة إذا واتتهم الظروف؛ انظر فيما يختص بالصقالبة فى خدمة الفاطميين فى مصر على سبيل المثال K.Inosizancev فى Zap، جـ ١٧، ص ٢٩ و ٨٦؛ وانظر فيما يتعلق بالصقالبة فى الأندلس مثلا Recherches, etc.: Dozy، باريس- ليدن ١٨٨١، جـ ١، ص ٢٧٧ وما بعدها (الأمير خيران صاحب المرية، انظر جـ ١، ص ٢١٣ وما بعدها) و ٢٣٥ وما بعدها (الصقالبة بوصفهم حلفاء العرب على البربر). المصادر: (١) (Skazaniya musulmanskikh Pisatelei slavyanckhi russkikh: A.Garkavi (Harkavy، بطرسبرغ ١٨٧٠؛ وعلى أساسه Dopolneniya، ١٨٧١ (٢) Izviestiya al-Bekri i drugikh avtorov o Rusi i Slavyanakh: A.Kunik and V.Rosen، جـ ١، بطرسبرغ ١٨٧٨، جـ ٢، المصدر المذكور ١٩٠٣ (٣) Ibrahim Ibn-JaKub's Reisebericht uber die Slawenlande aus dem Jahre ٩٦٥ de l'Acad. etc: Fr.Westberg، السلسلة ٨، جـ ٣، رقم ٤ (٤) المؤلف نفسه: Beitrage zurKlarung orientalischer Quellen uber Osteuropd, Bull de l'Acad., etc, ١٨٩٩، ص ٢١١ وما بعدها و ٢٧٥ وما بعدها. (٥) المؤلف نفسه: Kanalizu vostocnikb istocnikov o vostocnoi Evrope, Z.M.N.Pr، السلسلة الجديد، جـ ١٣، ص ٢٦٤ وما بعدها؛ جـ ١٤، ص ١ وما بعدها (٦) Osteuropaische und ostasiatische Streifzuge: J.Marquart، ليبسك ١٩٠٣. صبحى [بارتولد W.Barthold]

стр. 6473

صقلية نلمس فى تاريخ صقلية صورة مصغرة لقصة الحضارة الغربية، وصقلية تقع فى قلب البحر المتوسط، وهى أيضًا فى القلب من حروب القرون الوسطى وتجارة هذه القرون وثقافتها؛ وقد اجتمعت فيها الحركات الكبرى للفينيقيين واليونانيين والرومان والمسلمين حيث خاضوا معاركهم وهلكوا جميعا؛ وتغشى غاشية من الظلام أيامها الأولى حين اندمج السيكل Sicels والسيكان Sicans، وحين استقر تجار فينيقية فى مستعمرات فى الرؤوس المطلة على البحر وعلى طول ساحله؛ ويبزغ فجر عصر جديد عندما تمد دول المدن اليونانية أيديها طلبا لأراض جديدة وتستقر فى ناكسوس Naxos (٧٣٥ ق. م)، وقوصرة (Corcyra)، وسراقوسة (Syracuse) (٧٣٤)؛ وتظل عملية الاستعمار سائرة باطراد قرونا طويلة، ويصبح العنصر اليونانى فى الجزيرة قويا، وفى مستهل الحرب البيلوبونيزية (٤٢٧) لاح أن حلم أثينا فى غزو صقلية سوف يتحقق، على أن النتيجة لم تكن نصرا كتب لأثينا ولا طغيانا لكورينثة بل أسفرت الحرب عن انتشار الثقافة القديمة؛ وكان هانيبال فى هذه الأثناء يستعرض بسالته التى عرف بها الفينيقيون، فأخضع سنة ٤٠٩ سلينوس Selinus وهميره Himera، وعاد إلى قاعدته فى قرطاجنة، ومن ثم بدأت المنافسة بين اليونان وقرطاجنة، تلك المنافسة التى كانت السمة الوحيدة التى اتسم بها تاريخ الجزيرة بضعة قرون؛ وحكم ديونيزيوس Dionysius الأول والثانى، وديون Dion، وتيموليون Timoleon، وأكاثوكليس Agathocles وبيروس Pyrrhus وهيرو Hiero الثانى، يساورهم دائمًا الرعب من الغزوات السامية، ولم تنعم صقلية بالسلام إلا بعد أن قضت رومة على المنافسة الإفريقية لها القضاء المبرم، ومع ذلك فإن عبقرية الحضارة كانت واضحة خلال هذه الحقبة الطويلة من الدهر فى موانى سراقوسة، وفى أسلحة

стр. 6474

تاورمينيوم Tauromenium، وفى معابد سيلينوس، وفى قصائد ثيوقريطس Theocritus الرعوية، وحتى عندما طأطأت اليونان وقرطاجنة هامتيهما لرومة، كانت صقلية لا تزال تغذيها الروح الهيلينية، وكان نير رومة أمرا لا يصعب احتماله، ومع ذلك فإن عنصر العبيد فى الجزيرة كان كبيرا جدا، ويرجع بعض السبب فى هذا إلى تاريخ الجزيرة الفريد فى بابه وبعضه الآخر إلى حاجة رومة للقمح الذى تنبته حقولها، وأدى ذلك إلى نشوب الفتن فيها سنتى ١٣٢ و ١٠٢ ق. م. على أن رومة سقطت أمام الوندال والقوط، وقدِّر على صقلية أن تذوق مثلها بربرية أحدهما والتسامح غير المنتظر الذى اتسم به الآخر، على أنه ما لبث أن ظهر بليزاريوس Belisarius فأعاد إلى رومة قوتها وأيقظها من سباتها الذى راحت تغط فيه بعد تدهورها. وفى هذه الأثناء كانت بلاد العرب تموج بحركة كبيرة، ولو أن هذه الحركة كانت تهدف إلى الدعوة الدينية، إلا أنها كانت فيضا من فيوض الأجناس وتصدع نهر من أنهار السلالات البشرية، وتوفى محمد ﵊ سنة ٦٣٢ م، إلا أن حروبه السياسية الدينية استمرت، ففى الشام تغلغلت الجيوش الإسلامية تحت إمرة معاوية حتى بلغت الإسكندرية، وهناك سحقت أسطول الروم سنة ٦٥٢ وأصبحت السيادة البحرية للعرب، وفى السنة نفسها شن العرب هجومهم الأول على صقلية، ومع أن أحدًا من المؤرخين العرب لم يسجل شيئًا عن هذه الحملة إلا أنه تكفينا شهادة ثيوفانيس Theophanes، فقد دافع عن الجزيرة أوليمبيوس Olympius نائب العاهل الرومى (البوزنطى)، بيد أن المسلمين فازوا بغنائمهم وأبحروا إلى دمشق بسفن امتلأت بزاد عظيم من اللحم والدم والفضة والذهب، وعادوا ليذوقوا أطايب سراقوسة التى أعملوا فيها يد العنف، على أن هذه الحملات لم تكن إلا جهودا فردية من فيض القوة العسكرية، لم تتسم بأية صبغة حاسمة أو يظهر فيها أى طابع سياسى.

стр. 6475

وولت الأيام التى تجلى فيها سلطان بنى أمية وانبثقت قوة الإسلام من ناحية أخرى سوى الشام، ومع ذلك فإن هجمات العرب والبربر وجدت لها مخرجًا جديدًا فى جزائر البحر المتوسط، فمنذ أيام موسى ﵇ راح القراصنة يزعجون هذه البقاع وينشرون الرعب القاتل بين أهل جزائر قورشقة وسردانية وصقلية، وفى سنة ٧٠٥ م كانت سراقوسة ضحية للسلب مرة أخرى، إلا أن الإفريقيين كانوا هم السالبين هذه المرة، وظل الإفريقيون يعودون المرة بعد المرة طوال هذا القرن إلى كنزهم ويقومون بجهود محدودة حيال الجزيرة؛ وبلغ من شدة أثر هذه الغارات وإزعاجها للقوم أن الشريف غريغورى ظن أنه قد أحسن صنعا بعقده معاهدة مع العرب سنة ٨١٣ مدتها عشر سنوات، وقد احترم العرب نصوص هذه المعاهدة، ولكن الجائزة كانت مغرية كل الإغراء، وكان استنجاد يوفيميوس Euphemius السراقوسى بالعرب لدفع عدوان ميشيل المتلعثم سنة ٨٢٧ ذريعة جاءت فى وقتها للقيام بغزو شامل، فقد أنفذ زيادة اللَّه الأغلبى صاحب القيروان سفنه المائة من سوسة فى الثالث عشر من يونيه، وبدأ الغزو الحقيقى لصقلية، ويختفى يوفيميوس من المسرح، ويتصدر العربى وحده التاريخ فى بضعة القرون التالية. وقاد أسد بن الفرات حملة جمعت خليطا من المقاتلة؛ فقد جُنِّد رجال الحاشية فى القيروان الذين يصعب، قيادهم فرقًا زودت بالجنود من اليمن وخراسان، ومن الشام والمغرب، وكانوا جميعا من المتطوعين، وهاجموا مازر Mazara أول مدينة فى الجزيرة وأخضعوها، ثم جربوا قوتهم فى حملتهم على سراقوسة، ولكن الطاعون أشاع الفوضى فى صفوفهم وسلبهم حتى قائدهم، وكانت الأحوال فى وطنهم خطيرة حقًا ولم يكن بينهم خالد آخر يحفزهم إلى النصر، وكان عليهم أن يفكوا الحصار، على أن غمّهم ما لبث أن انقلب يأسا عندما رأوا أن أسطول

стр. 6476

الروم يقطع عليهم خط الرجعة، ومن ثم أكرهوا على الهرب إلى الجبال والتحصن فى مدينة ميناو Mineo، وبقوا فيها إلى أن ظهر أسطول من المغامرين الأسبان وأمدهم بالزاد والعتاد، بيد أن بلاط القيروان كان قد توطدت أركانه، وكان لا يزال غير راض عما تم من غزو، فأنفذ أسطولا كبيرا من ٣٠٠ سفينة تحمل ٢٠.٠٠٠ رجل، حاصروا تحت إمرة آسبغ مدينة غلوالية واستولوا عليها، حيث فعل الطاعون بهم مرة أخرى ما استحال على الجيوش الصقلية أن تفعله، على أن بعض الغارات الأخرى نجحت فى الجزيرة، فقد ركزت فرقة اهتمامها ببلرم (باليرمو) وأكرهتها على التسليم، وكان غزو هذه المدينة هى ومدن أخرى كثيرة أصغر منها يعد حقًا من المغامرات فى تاريخ الغزو الإسلامى، فقد كان بداية لها شأنها فى إخضاع نواح أخرى، وأصبحت بلرم مقرًا للأمير، بل هى قد مكنت العرب من صقلية تمكينًا. والحق إن المهاجمين اطمأنوا إلى ممتلكاتهم الجديدة اطمئنانًا عظيما حتى إنهم انقلبوا يتحدى بعضهم بعضًا، ومن ثم بدأت قصة الانشقاق الصقلى الذى غشى الإدارة الإسلامية حتى النهاية. وكان بين العنصرين الأسبانى والإفريقى فى المغامرة احتكاك دائم، بل إن هذا الاحتكاك أفسده التمييز بين اليمنيين والأمويين وبين الفرس والبربر. وما إن حلت سنة ٨٤٠ م حتى كان ثلث الجزيرة قد أصبح يحكمه المسلمون، وسرعان ما استنجدت نابولى ورددت منحدرات جبل فيزوف وسهول كالابريا ومياه البحر الأدرياوى صرخات الحرب يطلقها المسلمون، بل إن فرق المسلمين لهددت رومة نفسها سنة ٨٤٦ م وتعذر عليهم اختراقها فأعملوا السيف فيما بقى خارجها، وكان ثمة حملة أخرى قدمت من القيروان، فقد أغار جعفر سنة ٨٧٥ م على سراقوسة بجيش كامل العدة، وحاصرها ثلاث سنوات سقطت على إثرها بين يدى المسلمين هذه المدينة العظيمة، الحافلة بالتاريخ الإنسانى العريقة فى الحضارة؛ ويتبع ذلك قصة الاستيلاء على الغنائم، بل يتبعه أيضًا الأهواء والغيرة والتحزب والشقاق؛

стр. 6477

على أن هذا النصر الجديد زود الفاتحين بمواثيق جديدة؛ ولم يكن دوقا إسبوليتو Spoleto وتوسكانيا Tuscany بريئين من الاشتراك فى الأسلاب، والحق إن سيادة الأغلبى كانت تامة إلى حد أن البابا يوحنا الثامن وجد من الحكمة أن يؤدى له الجزية سنتين، ولقد حجب الهلال الصليب بلا ريب فى ذلك الحين. على أنه بقيت بعد بضع مدن لم تحن رأسها، ذلك أن قوة العرب لم تكن مستطيعة أن تخضع كل مكان على طول الساحل، بل إن الفتنة كانت ترفع رأسها حتى فى المراكز الكبرى مثل بلرم؛ ففى سنة ٩٠٠ ثارت فتن خطيرة هددت السلام فى قصبة البلاد، على أن النذر داخل المعسكر الإسلامى كانت أشد حلكة وظلامًا، فبينما كان الأمر يقتصر من قبل على الدمدمة العالية أو الحركات السرية إذا به ينقلب حروبًا أهلية، وظهر إبراهيم بشخصه فى صقلية ليثبت وجوده، وبفضل حضوره سقطت تاورمينا ورامطة Rametta (٩٠٨)، بيد أن وفاته كانت السبب فى حرب ضروس أخرى حالت دون فتح صقلية الشرقية، وتنفس المسلمون الصعداء عندما أبرموا معاهدتهم مع الإمبراطور قسطنطين بورفيروكينتوس Constantine Porphyrogenitus سنة ٩٥٦ م، فلما عادوا للاستيلاء على تاورمينا سنة ٩٦٣ ورامتا سنة ٩٦٥، كان الشعب الإسلامى فى صقلية قد غلب على أمره، بعد أن ظل هذا الشعب يناضل ١٣٨ عاما فى سبيل سيادة الجزيرة وراح ينعم بهذه السيادة ٧٣ سنة أخرى، وقد ظلت ثقافة الشرق تنساب طوال هذه المدة فى عقول أهل صقلية وفى قلوبهم وامتزجت فيهما بتراث اليونان ورومة النفيس، وقد أسفر قراع العقل بالعقل عن طراز فى الحياة لا مثيل له فى التاريخ، فقد اجتمع هناك كل ما فى الشرق من روحانيات وكل ما فى اليونان من جمال وكل ما فى اللاتين من حمية ونشاط، ولم يكن ثمة سبيل إلى السلام إلا بالتسامح، وإن كانت صقلية قد سارت فى أى طريق فإن هذه الطريق كانت بلا جدال طريق التسامح.

стр. 6478

وشمل الهدوء البلاد سبعة عشر عامًا، عاد بعدها المسلمون يقرعون أبواب صقلية من جديد، ولكن أوتو الثانى Otto II، ومن ورائه إمبراطورية غربية، اضطر إلى الانسحاب من القتال مقهورًا مدحورًا، وإنما لاح النصر عندما استجمع الإمبراطور الشرقى بازيل الثانى قواته المبعثرة سنة ١٠٢٧ م ليقوم بهجوم حاسم على الفاتحين المشاغبين الذين اقتحموا أملاكه، ولم يطل به العمر حتى يشهد نتيجة عمله، إلا أن تابعه مانياكيس Maniaces واصل خطة الغزو، فقد استغل سخط أبى الأعفر فراح ينتصر فى كل خطوة يخطوها طيلة أربع سنوات، وما إن حلت سنة ١٠٤٣ حتى كانت مسّينة Messana وسراقوسة وغيرهما من المدن الكثيرة قد خضعت لسيادة المسيحيين. على أن مانياكيس استدعى إلى الوطن للقضاء على بعض المخاوف التى ثارت هناك فاضطر إلى أن يترك عمله دون أن يتمه، وسرعان ما استرد المسلمون بعض ما فقدوه، والظاهر أن الإمبراطورية لم تكن قادرة على رد غائلة الفاتحين إلا أن الساعة حلت سنة ١٠٦٠ وظهر الرجل المنتظر، فقد كانت مسينة لا تزال تناضل ساعية إلى الخلاص من قضائها المحتوم باستيلاء العرب عليها حين استنجدت بالكونت النورمندى روكر صاحب هوتفيل، وكان هذا النورمندى قويًا بامتلاكه إيطاليا، بيد أنه كان ينتظر الوقت الملائم للاستيلاء على الجزيرة القائمة أسفلها، فاستجاب لنداء أهل المدينة واستولى عليها وجعلها قصبة مملكته، وما إن حلت سنة ١٠٧١ م حتى كانت بلرم قد سقطت، وفى سنة ١٠٧٨ انتزعت تاورمينا من أيدى المسلمين، واستولى النورمندى على سراقوسة سنة ١٠٨٥، وكان العرب قد استولوا على مالطة سنة ٨٧٠ فاستردها روكر منهم سنة ١٠٩٠، ومن ثم تم فى بضع سنوات غزو صقلية بأسرها، وساد الحكم النورمندى الجزيرة كلها، واحتل سادة النورمنديين القصور، كما احتل الجنود النورمنديون الحصون، ولاح أن كل ما كان للعرب من مجد قد ولى وانقضى. وبالرغم من هذا فإن الثقافة العربية وجدت عصب حياتها فى كيان الغزو

стр. 6479

النورمندى، ذلك أن العرب كانوا قد نسوا حتى ذلك الحين فنون السلام الرفيعة فى تلك اللجَّة من الحروب المتوالية، أما بعد فقد أكرهتهم الحوادث على الانطواء على أنفسهم فتبينوا ما فى أدبهم وأشعارهم وقوانينهم وعلومهم من كنوز، ولم يتخلصوا فحسب من القتال، بل نعموا أيضًا بحماية روكر حماية كاملة، ذلك أن روكر لم يكن متحزبًا فى مسيحيته، ثم إنه شجع هؤلاء المسلمين على أن ينموا مواهبهم، إن لم يكن قد شجعهم على أن ينشروا دينهم، بل لقد اتهم هو نفسه بأنه مسلم، ذلك أن روكر كان رجلا غير مثقف، وإذ رأى بعينيه اللتين لم تظلهما غشاوة التعصب عبقرية العرب العظيمة، أبى أن يقتل روح هذه العظمة، فمنح المسلمين الحرية التامة فى ممارسة شعائر دينهم، بل حرم على المسيحيين أن يبشروا بدينهم بين العرب، كما خفف من وطأة النظام الإقطاعى النورمندى على المسلمين، وأخذ بنظام الإدارة الإسلامى، بل أبقى على الموظفين المسلمين فظلوا يعملون تحت إمرته، وقيل إن معظم تجار باليرمو أثناء السيادة النورمندية كانوا من المسلمين، على أنه ما من شك فى أن أحسن رجال المال الذين كانوا عنده كانوا من المسلمين، وكانت الأرض بأسرها يزرعها المغاربة دون سواهم، ذلك أنهم كانوا قد أظهروا فى الأندلس براعتهم فى فلاحة الأرض حتى جعلوها تؤتى أطيب ثمارها؛ وكان ورق البردى وقصب السكر والكتان والزيتون تزرع بوفرة فى الجزيرة، وكانت نظم الرى العظيمة تطبق حيث يشح الماء، ويستغل كل جزء من أجزاء الجزيرة، وقد يقال إن عدد من كانوا يقيمون فى وادى مازر Mazara فى هذه الحقبة من الزمن لم يكونوا يقلون عن المليونين، وكذلك ازدهر علم الطب، ولم يكن بلاط روكر مشهورًا ببراعة أطبائه فحسب بل كان مشهورًا أيضًا بكثرة عددهم. وازدهرت اللغة العربية بوصفها وسيلة التفاهم الكبرى كما كانت هى اللغة الرسمية، وهنالك شنفت آذان اليونانيين والنورمنديين قصائد العرب وقصصهم التى تشيد بالصحارى العربية، وهنالك أيضًا نقلت روائع أفلاطون وأرسطوطاليس إلى

стр. 6480

العربية؛ كما دفعت مثل العرب فى الفروسية، التى تسرى فى كل قصة من قصصهم، روكر وبلاطه إلى أن ينهجوا نهجًا جديدًا فى المغامرة الأوروبية التى قصد بها روكر أن يزيد من رفعة اسمه واسم أسرته. وما من حاكم كان أشد من روكر إدراكًا لعظم ما غنم بامتلاكه صقلية، فحماها كل الحماية من المؤامرات. السياسية والمنافسات الدينية، ولكن سرعان ما حل اليوم الذى احتقر فيه أبناؤه نصيبهم فى هذا الميراث، وامتهن الفكر واللغة والعلوم والثقافة الإسلامية شيئًا فشيئًا، وجر النسيان عليها ذيوله آخر الأمر؛ ولكن "صقلية كانت أشد الممالك الأوربية تألقًا ما بقى اليونان والعرب ينعمون بالحماية وتظلهم عين الرعاية". المصادر: أفضل الثقاة المحدثين هو Storia dei Musulmani di Sicilia,: Michele Amari, ١٨٥٤، ٣ مجلدات و Biblioteca arabosicula ossia raccolta di testi arabiciche toccano la geografia, Storia, biografie e La bibliografia cella Sicilia، ١٨٥٧ - وانظر أيضًا: (١) Declins and Fall of the Roman Empire: Gibbon، جـ ٦، طبعة Bury. (٢) History of the Moorish Empire in Europe: S.P.Scott، ١٩٠٤، فى ثلاثة مجلدات. (٣) الإدريسى: صفة المغرب، طبعة وترجمة، Dozy and de Goeje، ١٨٦٦. (٤) ابن الأثير: الكامل، طبعة Tornberg وكذلك مختارات Fagnan من العبارات المغربية. (٥) ابن بطوطة، طبعة باريس. صبحى [كرواثر جوردن T.Crouther Gordon] صلاح الدين الملك الناصر صلاح الدين يوسف الأول، وهو ابن الأمير نجم الدين أيوب، ولد فى تكريت سنة ٥٣٢ هـ (١١٣٨ م)، وانتقل أبوه بعد مولده بقليل، أو بعد مولده ببضع سنوات فى بعض
следующие страницы →