الروم يقطع عليهم خط الرجعة، ومن ثم أكرهوا على الهرب إلى الجبال والتحصن فى مدينة ميناو Mineo، وبقوا فيها إلى أن ظهر أسطول من المغامرين الأسبان وأمدهم بالزاد والعتاد، بيد أن بلاط القيروان كان قد توطدت أركانه، وكان لا يزال غير راض عما تم من غزو، فأنفذ أسطولا كبيرا من ٣٠٠ سفينة تحمل ٢٠.٠٠٠ رجل، حاصروا تحت إمرة آسبغ مدينة غلوالية واستولوا عليها، حيث فعل الطاعون بهم مرة أخرى ما استحال على الجيوش الصقلية أن تفعله، على أن بعض الغارات الأخرى نجحت فى الجزيرة، فقد ركزت فرقة اهتمامها ببلرم (باليرمو) وأكرهتها على التسليم، وكان غزو هذه المدينة هى ومدن أخرى كثيرة أصغر منها يعد حقًا من المغامرات فى تاريخ الغزو الإسلامى، فقد كان بداية لها شأنها فى إخضاع نواح أخرى، وأصبحت بلرم مقرًا للأمير، بل هى قد مكنت العرب من صقلية تمكينًا. والحق إن المهاجمين اطمأنوا إلى ممتلكاتهم الجديدة اطمئنانًا عظيما حتى إنهم انقلبوا يتحدى بعضهم بعضًا، ومن ثم بدأت قصة الانشقاق الصقلى الذى غشى الإدارة الإسلامية حتى النهاية. وكان بين العنصرين الأسبانى والإفريقى فى المغامرة احتكاك دائم، بل إن هذا الاحتكاك أفسده التمييز بين اليمنيين والأمويين وبين الفرس والبربر. وما إن حلت سنة ٨٤٠ م حتى كان ثلث الجزيرة قد أصبح يحكمه المسلمون، وسرعان ما استنجدت نابولى ورددت منحدرات جبل فيزوف وسهول كالابريا ومياه البحر الأدرياوى صرخات الحرب يطلقها المسلمون، بل إن فرق المسلمين لهددت رومة نفسها سنة ٨٤٦ م وتعذر عليهم اختراقها فأعملوا السيف فيما بقى خارجها، وكان ثمة حملة أخرى قدمت من القيروان، فقد أغار جعفر سنة ٨٧٥ م على سراقوسة بجيش كامل العدة، وحاصرها ثلاث سنوات سقطت على إثرها بين يدى المسلمين هذه المدينة العظيمة، الحافلة بالتاريخ الإنسانى العريقة فى الحضارة؛ ويتبع ذلك قصة الاستيلاء على الغنائم، بل يتبعه أيضًا الأهواء والغيرة والتحزب والشقاق؛
стр. 6477
على أن هذا النصر الجديد زود الفاتحين بمواثيق جديدة؛ ولم يكن دوقا إسبوليتو Spoleto وتوسكانيا Tuscany بريئين من الاشتراك فى الأسلاب، والحق إن سيادة الأغلبى كانت تامة إلى حد أن البابا يوحنا الثامن وجد من الحكمة أن يؤدى له الجزية سنتين، ولقد حجب الهلال الصليب بلا ريب فى ذلك الحين.
على أنه بقيت بعد بضع مدن لم تحن رأسها، ذلك أن قوة العرب لم تكن مستطيعة أن تخضع كل مكان على طول الساحل، بل إن الفتنة كانت ترفع رأسها حتى فى المراكز الكبرى مثل بلرم؛ ففى سنة ٩٠٠ ثارت فتن خطيرة هددت السلام فى قصبة البلاد، على أن النذر داخل المعسكر الإسلامى كانت أشد حلكة وظلامًا، فبينما كان الأمر يقتصر من قبل على الدمدمة العالية أو الحركات السرية إذا به ينقلب حروبًا أهلية، وظهر إبراهيم بشخصه فى صقلية ليثبت وجوده، وبفضل حضوره سقطت تاورمينا ورامطة Rametta (٩٠٨)، بيد أن وفاته كانت السبب فى حرب ضروس أخرى حالت دون فتح صقلية الشرقية، وتنفس المسلمون الصعداء عندما أبرموا معاهدتهم مع الإمبراطور قسطنطين بورفيروكينتوس Constantine Porphyrogenitus سنة ٩٥٦ م، فلما عادوا للاستيلاء على تاورمينا سنة ٩٦٣ ورامتا سنة ٩٦٥، كان الشعب الإسلامى فى صقلية قد غلب على أمره، بعد أن ظل هذا الشعب يناضل ١٣٨ عاما فى سبيل سيادة الجزيرة وراح ينعم بهذه السيادة ٧٣ سنة أخرى، وقد ظلت ثقافة الشرق تنساب طوال هذه المدة فى عقول أهل صقلية وفى قلوبهم وامتزجت فيهما بتراث اليونان ورومة النفيس، وقد أسفر قراع العقل بالعقل عن طراز فى الحياة لا مثيل له فى التاريخ، فقد اجتمع هناك كل ما فى الشرق من روحانيات وكل ما فى اليونان من جمال وكل ما فى اللاتين من حمية ونشاط، ولم يكن ثمة سبيل إلى السلام إلا بالتسامح، وإن كانت صقلية قد سارت فى أى طريق فإن هذه الطريق كانت بلا جدال طريق التسامح.
стр. 6478
وشمل الهدوء البلاد سبعة عشر عامًا، عاد بعدها المسلمون يقرعون أبواب صقلية من جديد، ولكن أوتو الثانى Otto II، ومن ورائه إمبراطورية غربية، اضطر إلى الانسحاب من القتال مقهورًا مدحورًا، وإنما لاح النصر عندما استجمع الإمبراطور الشرقى بازيل الثانى قواته المبعثرة سنة ١٠٢٧ م ليقوم بهجوم حاسم على الفاتحين المشاغبين الذين اقتحموا أملاكه، ولم يطل به العمر حتى يشهد نتيجة عمله، إلا أن تابعه مانياكيس Maniaces واصل خطة الغزو، فقد استغل سخط أبى الأعفر فراح ينتصر فى كل خطوة يخطوها طيلة أربع سنوات، وما إن حلت سنة ١٠٤٣ حتى كانت مسّينة Messana وسراقوسة وغيرهما من المدن الكثيرة قد خضعت لسيادة المسيحيين. على أن مانياكيس استدعى إلى الوطن للقضاء على بعض المخاوف التى ثارت هناك فاضطر إلى أن يترك عمله دون أن يتمه، وسرعان ما استرد المسلمون بعض ما فقدوه، والظاهر أن الإمبراطورية لم تكن قادرة على رد غائلة الفاتحين إلا أن الساعة حلت سنة ١٠٦٠ وظهر الرجل المنتظر، فقد كانت مسينة لا تزال تناضل ساعية إلى الخلاص من قضائها المحتوم باستيلاء العرب عليها حين استنجدت بالكونت النورمندى روكر صاحب هوتفيل، وكان هذا النورمندى قويًا بامتلاكه إيطاليا، بيد أنه كان ينتظر الوقت الملائم للاستيلاء على الجزيرة القائمة أسفلها، فاستجاب لنداء أهل المدينة واستولى عليها وجعلها قصبة مملكته، وما إن حلت سنة ١٠٧١ م حتى كانت بلرم قد سقطت، وفى سنة ١٠٧٨ انتزعت تاورمينا من أيدى المسلمين، واستولى النورمندى على سراقوسة سنة ١٠٨٥، وكان العرب قد استولوا على مالطة سنة ٨٧٠ فاستردها روكر منهم سنة ١٠٩٠، ومن ثم تم فى بضع سنوات غزو صقلية بأسرها، وساد الحكم النورمندى الجزيرة كلها، واحتل سادة النورمنديين القصور، كما احتل الجنود النورمنديون الحصون، ولاح أن كل ما كان للعرب من مجد قد ولى وانقضى.
وبالرغم من هذا فإن الثقافة العربية وجدت عصب حياتها فى كيان الغزو
стр. 6479
النورمندى، ذلك أن العرب كانوا قد نسوا حتى ذلك الحين فنون السلام الرفيعة فى تلك اللجَّة من الحروب المتوالية، أما بعد فقد أكرهتهم الحوادث على الانطواء على أنفسهم فتبينوا ما فى أدبهم وأشعارهم وقوانينهم وعلومهم من كنوز، ولم يتخلصوا فحسب من القتال، بل نعموا أيضًا بحماية روكر حماية كاملة، ذلك أن روكر لم يكن متحزبًا فى مسيحيته، ثم إنه شجع هؤلاء المسلمين على أن ينموا مواهبهم، إن لم يكن قد شجعهم على أن ينشروا دينهم، بل لقد اتهم هو نفسه بأنه مسلم، ذلك أن روكر كان رجلا غير مثقف، وإذ رأى بعينيه اللتين لم تظلهما غشاوة التعصب عبقرية العرب العظيمة، أبى أن يقتل روح هذه العظمة، فمنح المسلمين الحرية التامة فى ممارسة شعائر دينهم، بل حرم على المسيحيين أن يبشروا بدينهم بين العرب، كما خفف من وطأة النظام الإقطاعى النورمندى على المسلمين، وأخذ بنظام الإدارة الإسلامى، بل أبقى على الموظفين المسلمين فظلوا يعملون تحت إمرته، وقيل إن معظم تجار باليرمو أثناء السيادة النورمندية كانوا من المسلمين، على أنه ما من شك فى أن أحسن رجال المال الذين كانوا عنده كانوا من المسلمين، وكانت الأرض بأسرها يزرعها المغاربة دون سواهم، ذلك أنهم كانوا قد أظهروا فى الأندلس براعتهم فى فلاحة الأرض حتى جعلوها تؤتى أطيب ثمارها؛ وكان ورق البردى وقصب السكر والكتان والزيتون تزرع بوفرة فى الجزيرة، وكانت نظم الرى العظيمة تطبق حيث يشح الماء، ويستغل كل جزء من أجزاء الجزيرة، وقد يقال إن عدد من كانوا يقيمون فى وادى مازر Mazara فى هذه الحقبة من الزمن لم يكونوا يقلون عن المليونين، وكذلك ازدهر علم الطب، ولم يكن بلاط روكر مشهورًا ببراعة أطبائه فحسب بل كان مشهورًا أيضًا بكثرة عددهم. وازدهرت اللغة العربية بوصفها وسيلة التفاهم الكبرى كما كانت هى اللغة الرسمية، وهنالك شنفت آذان اليونانيين والنورمنديين قصائد العرب وقصصهم التى تشيد بالصحارى العربية، وهنالك أيضًا نقلت روائع أفلاطون وأرسطوطاليس إلى
стр. 6480
العربية؛ كما دفعت مثل العرب فى الفروسية، التى تسرى فى كل قصة من قصصهم، روكر وبلاطه إلى أن ينهجوا نهجًا جديدًا فى المغامرة الأوروبية التى قصد بها روكر أن يزيد من رفعة اسمه واسم أسرته.
وما من حاكم كان أشد من روكر إدراكًا لعظم ما غنم بامتلاكه صقلية، فحماها كل الحماية من المؤامرات. السياسية والمنافسات الدينية، ولكن سرعان ما حل اليوم الذى احتقر فيه أبناؤه نصيبهم فى هذا الميراث، وامتهن الفكر واللغة والعلوم والثقافة الإسلامية شيئًا فشيئًا، وجر النسيان عليها ذيوله آخر الأمر؛ ولكن "صقلية كانت أشد الممالك الأوربية تألقًا ما بقى اليونان والعرب ينعمون بالحماية وتظلهم عين الرعاية".
المصادر:
أفضل الثقاة المحدثين هو Storia dei Musulmani di Sicilia,: Michele Amari, ١٨٥٤، ٣ مجلدات و Biblioteca arabosicula ossia raccolta di testi arabiciche toccano la geografia, Storia, biografie e La bibliografia cella Sicilia، ١٨٥٧ - وانظر أيضًا:
(١) Declins and Fall of the Roman Empire: Gibbon، جـ ٦، طبعة Bury.
(٢) History of the Moorish Empire in Europe: S.P.Scott، ١٩٠٤، فى ثلاثة مجلدات.
(٣) الإدريسى: صفة المغرب، طبعة وترجمة، Dozy and de Goeje، ١٨٦٦.
(٤) ابن الأثير: الكامل، طبعة Tornberg وكذلك مختارات Fagnan من العبارات المغربية.
(٥) ابن بطوطة، طبعة باريس.
صبحى [كرواثر جوردن T.Crouther Gordon]
صلاح الدين
الملك الناصر صلاح الدين يوسف الأول، وهو ابن الأمير نجم الدين أيوب، ولد فى تكريت سنة ٥٣٢ هـ (١١٣٨ م)، وانتقل أبوه بعد مولده بقليل، أو بعد مولده ببضع سنوات فى بعض
стр. 6481
الروايات، إلى الشام حيث نصبه زنكى واليا على بعلبك، وظل فى منصبه هذا (وقد أقطعه زنكى ثلث المدينة وملحقاتها) إلى ما بعد استيلاء الأتابك أبق على هذه المدينة، ونشأ صلاح الدين وإخوته فى بعلبك، فلما بلغ صلاح الدين السابعة عشرة من عمره صحب أباه إلى بلاط نور الدين حين استولى نور الدين على دمشق سنة ٥٤٩ هـ (١١٥٤ م؛ انظر فيما يتصل باحتلال بعلبك ودمشق مقدمة Baalbek, in islamischer zeit فى المجلد الثالث من Baalbek, Ergebnisse der Ausgra. bungen und Untersuchungen in den Jahren ١٨٩٩ - ١٩٠٥ برلين ١٩٢٥)، ومن العجيب أننا لا نعرف إلا القليل عن شباب صلاح الدين وتعليمه، ولم يكن لصلاح الدين شأن ما فى بلاط نور الدين، بل إن الأمير أسامة، الذى كان يقيم فى هذا البلاط، لم يكن يعرفه، كما يتبين من سيرته التى كتبها بقلمه، على أنه برز أول ما برز حين صحبه شيركوه معه فى أول حملة له على مصر سنة ٥٥٩ هـ (١١٦٤ م) على كره منه (فى رواية أبى شامة دون أن يبين لذلك سببا) وكان شاور وزير الخليفة العاضد قد عُزل وحل محله منافس له هو ضرغام فاستنجد شاور بنور الدين أتابك الشام، ووعده بثلث خراج مصر، على حين طلب ضرغام من أمورى الأول Amauryi صاحب بيت المقدس مؤازرته ووعده بإتاوة كبيرة، على أن ضرغاما منى بالهزيمة وقتل قبل أن يستطيع أمورى أن يمد له يده بأية مساعدة. وأعيد شاور إلى الوزارة، ولم يف بوعده، وأراد شيركوه أن يظفر بما وعد فأمر صلاح الدين باحتلال بلبيس وناحيتها وأن يجمع منهما الخراج، فنشب على الأثر قتال حامى الوطيس، ووجد شاور نفسه فى مأزق حرج فاستنجد بالملك أمورى، ولم يجد شيركوه وصلاح الدين بدًا من التحصن ببلبيس، وأبلى الرجلان بلاء حسنا فى الدفاع عن المدينة حتى تعذر على شاور وأمورى الاستيلاء عليها، وفى هذه الأثناء استولى نور الدين على حصن حارم الهام وتقدم صوب بانياس مما اضطر أمورى إلى العودة إلى الشام لمنع نور الدين من الاستيلاء على أراض أخرى، وكان قد اتفق مع شيركوه على
стр. 6482
أن ينسحب شيركوه من مصر ويتركها لشاور. وبلغ شيركوه الشام هو وصلاح الدين فى مستهل سنة ٥٦٠ هـ (أواخر سنة ١١٦٤ م)، وقواته سليمة لم تمس، وكانت أهم نتائج هذه الحملة أن نور الدين ورجاله تبينوا ثروة مصر وقوتها التى لا بأس بها، وتاق شيركوه إلى غزو البلاد والاستقرار فيها، ولكن نور الدين لم يشأ أن يفرق جيشه لأنه كان يحارب الصليبيين، على أنه حدث بعد ثلاث سنوات فحسب أن عقد شاور حلفا جديدا مع أمورى، فتلقى شيركوه الأمر بأن شرع فى القيام بحملة أخرى على مصر، واصطحب معه صلاح الدين أيضًا (أكتوبر ١١٦٨)، "على كره منه أول الأمر"؛ وكان هدفه الأول احتلال ضفة النيل، فلما تغلب على الصعاب التى صادفته أثناء المسير وأفلت من الفرنجة، أمكنه أن يبلغ جنوبى القاهرة وأقام معسكرا حصينا قرب الجيزة، على أن أمورى سرعان ما أقبل بجنده وعسكر فى الجهة المقابلة له فى الفسطاط، وعقد فى الوقت نفسه اتفاقا خاصا بالجزية مع الخليفة نفسه، ثم هاجم أمورى شيركوه وأكرهه على التقهقر إلى الصعيد، ثم اضطره إلى الوقوف فى البابين، وخاض شيركوه القتال، بعد شئ من التردد، عملا بنصيحة صلاح الدين وبعض الأمراء، وأفلح فى هزيمة أمورى، على حين أكره صلاح الدين جيش الخليفة على أن يولى الأدبار، ولم يكن شيركوه فى مركز يسمح له بمواصلة هذا النصر، بل عاد ومعه صلاح الدين إلى الاسكندرية، ثم ترك صلاح الدين مع نصف جيشه، ومضى هو إلى الصعيد يجمع الجزية، وكانت هذه أول مرة يستقل فيها صلاح الدين بالقيادة، وتقدم أمورى صوب الإسكندرية على رأس جيشه وجيش من المصريين، وكان أسطول الصليبيين يراقب الساحل، ووجد صلاح الدين مشقة فى رد غائلة الفرنجة عن المدينة فقد حاصروها وراحوا يصلونها نارا حامية بمدفعيتهم العظيمة، ومن ثم استنجد بشيركوه وعاد شيركوه مسرعا ولم يضرب خيامه قط إلا عندما أصبح أمام القاهرة، وهنالك دخل فى مفاوضات مع أمورى لعقد صلح، وتم الصلح بينهما فى منتصف شوال سنة ٥٦٢ هـ (مستهل أغسطس سنة
стр. 6483
١١٦٧ م)، وقد تعهد شيركوه بأن يعود إلى الشام ومعه صلاح الدين، وتبادل الفريقان الأسرى، وقوبل صلاح الدين بالحفاوة والتكريم فى معسكر أمورى وزار النصارى فى الاسكندرية وزعم كل من الطرفين أنه هو المنتصر، وترك أمورى حامية فى القاهرة كما ترك إدارة لجمع الخراج، وربما كان الخوف من انتصارات نور الدين هو السبب الأكبر فى عقد معاهدة الصلح، على أن أمورى لم يحافظ على الصلح، ذلك أن مستشاريه زينوا له غزو مصر بعد أربعة عشر شهرا فحسب، كما أن حاميتيه فى الاسكندرية والقاهرة نصحتاه بالاستيلاء على مصر نهائيا، فتقدم صوب بلبيس واستولى عليها فى ٢٩ من المحرم سنة ٥٦٤ هـ (٢ نوفمبر سنة ١١٦٨ م)، وأعمل القتل فى جميع سكانها فلم يترك منهم أحدا أو يكاد، وقد نفر منه المصريون لهذه الوحشية، ثم تقدم صوب القاهرة، وسعى الوزير شاور إلى إشعال النار فى الفسطاط رغبة منه فى حماية المدينة، ويقال إنها ظلت تحترق ٥٤ يوما، ومنع الدخان المتصاعد من الحريق أمورى من تخير مكان مناسب لمحاصرة القاهرة، وأسرع الخليفة ما وسعه الأسراع إلى إيفاد الرسل للاستنجاد بنور الدين، على حين كان شاور يفاوض أمورى؛ وأوفد نور الدين شيركوه ومعه صلاح الدين، وكان صلاح الدين لا يزال متأثرا بما لقيه من بلاء خلال حصار الإسكندرية، وإنما قرر الذهاب مع شيركوه بعد شئ من التردد، وزود بالرجال والجياد والسلاح. وحاول أمورى أن يعترض طريق شيركوه دون جدوى، وفى غرة ربيع الثانى سنة ٥٦٤ هـ (٢ يناير سنة ١١٦٩ م) راح يتقهقر، ولم تنقض بضعة أيام حتى ظهر شيركوه أمام القاهرة وحياه أهل المدينة تحية المنقذ، على أن شاور ظل يناصبه العداء، ودبر أن يأسره هو وأمراءه فى عيد من الأعياد، واتصلت هذه الخيانة بعلم شيركوه ورجاله فقرر صلاح الدين أن يتخلص منه، وقبض على شاور بينما كان راكبا فى جوار القاهرة وأمر بقتله، وسر الخليفة إذ تخلص من وزيره المستبد، وأقام شيركوه وزيرا فى السابع عشر من ربيع الثانى سنة ٥٦٤ هـ (١٨ يناير سنة ١١٦٩ م)، إلا
стр. 6484
أنه لم ينقض شهران على ذلك حتى توفى شيركوه، وظن الخليفة أن صلاح الدين سيكون له خادما مطيعا لما اتسم به من دماثة الخلق فعينه وزيرا ولقبه "بالملك الناصر" (٢٥ من جمادى الآخرة = ٢٦ من مارس)، وبعث إليه نور الدين خطاب تهنئة اعترف له فيه بأنه قائد جند الشام، ومنذ ذلك الحين ظهرت عظمة صلاح الدين، فقد اجتمع له علاوة على القوة والبأس اللذين أتاحتهما له الظروف المواتية موهبة عظيمة عرف كيف يفيد منها. وإذا كان حتى ذلك الحين قد تردد فى وقف حياته على الحرب حتى أن نور الدين كان يعمد إلى حمله حملا أو يكاد على الاشتراك فى الحملات على مصر، وإذا كان أيضًا لم يهتم بشئ قدر اهتمامه بالمجادلات الفقهية الكلامية ولم يكن يظهر أمام الناس إلا قليلا جدا كما مر بنا، فإنه قد عزف عن ذلك كله فصدف عن المجادلات الكلامية لا يمارسها إلا فى أوقات فراغه على سبيل التسلية. وقد وضحت السبيل أمامه: وهى أن يكفل السلطان له ولأسرته، وأن يكبح جماح الشيعة، وأن يقاتل الصليبيين حتى النهاية، وقد استطاع أن يحقق هذه الأهداف إلى حد كبير، لأن الطريق كان ممهدا له بغض النظر تماما عن قدرته وحميته، إذ لولا ما أتاه نور الدين من قبل من أعمال، ولولا قدرة أبيه أيوب السياسية، واضمحلال الخلفاء الفاطميين، بل لولا المشاحنات الداخلية بين الصليبيين، لما استطاع قط أن يحرز تلك الانتصارات العظيمة فى حياته بالقدر الذى أتيح له، ويرجع ذلك إلى انعدام الوحدة أصلا بين ولاة المسلمين؛ لقد كان صلاح الدين أقرب إلى السياسى منه إلى القائد، يأخذ بنصيحة مستشاريه المقتدرين، وكان بارعا موفقا فى اختيار معاونيه، دون أن يترك بحال زمام السلطان يفلت من يده، وكان يدير ديوانه رجلان من أهل العلم يلقب كل منهما بالوزير، وهما القاضى الفاضل، ثم عماد الدين الكاتب الإصفهانى، وقد اشتهر كلاهما فى رسائله بجمال العبارة ورشاقة اللفظ، وكانا يراسلان باستمرار كبار العمال وأصدقاء صلاح الدين من الولاة، وإن المرء ليذهل من غزارة رسائل صلاح الدين وما كانت تحتويه من التقارير السرية الضافية،
стр. 6485
وقد التحق القاضى ابن شداد، كاتب سيرته، بخدمته فى تاريخ متأخر، أى من سنة ٥٨٤ هـ (١١٨٨ م)، بوصفه كاتبه الخاص.
وملك صلاح الدين زمام الحكم فى مصر، وأثار عداء الحرس السودان (النوبيين والأحباش) الذين كانوا قد جلبوا إلى القاهرة جنودا مرتزقة فاستولوا على السلطان فى ظل الخلفاء الضعفاء وشغلوا المناصب ذات الشأن فى البلاط وفى الحكومة، وانضم إليهم الجميع، ذلك أنهم وهم من غلاة الشيعة كانوا يميلون إلى السخط على صلاح الدين واعتناقه مذهب أهل السنة، وأرسل كبير الحجاب فى قصر الخليفة يستنجد بالملك أمورى, على أنه قبض على رسوله ففشلت الخطة، وقتل الخصى ووضع مقر الخليفة تحت حماية رجال يمكن الاعتماد عليهم، ومن ثم تمرد الحرس السود فى القاهرة فأحرق صلاح الدين منازلهم ليستطيِع التغلب عليهم، ولكنهم هربوا إلى الجيزة وهناك استأصل شأفتهم جنود صلاح الدين، ولم يرتض الفرنجة حكم صلاح الدين فقد عدوه بحق مصدر تهديد لبيت المقدس، فأرسلوا الرسل يطلبون بصفة عاجلة العون من فرنسا وألمانيا وإنجلترا والإمبراطور البوزنطى والبابا، ونجحوا فى الحصول على جيش يحمله أسطول من السفن سار إليهم من القسطنطينية، كما أرسلت إليهم قوة ثانوية من إيطاليا الجنوبية، واتفق البوزنطيون والفرنجة على الاستيلاء على دمياط أولا ثم السير إلى القاهرة، واستنجد صلاح الدين بنور الدين، ذلك أنه وجد نفسه مضطرًا إلى أن يدفع عن نفسه شر الفرنجة والبوزنطيين من ناحية، وأن يحسب حساب المصريين الذين لم تكن تهدأ لهم ثائرة قط من ناحية أخرى، وكذلك طلب أن ترسل إليه النجدات تحت إمرة أبيه، فى الوقت الذى طلب فيه أيضًا من أفراد أسرته أن يقفوا إلى جانبه فى القاهرة.
ولعل انتصارات الفرنجة والبوزنطيين كانت حقيقة بأن تكون أكبر وأعظم لو لم يطل الحصار أكثر مما كان مقدرًا له بفضل حمية المدافعين؛ وأخذ الجيش البوزنطى يعانى
стр. 6486
من نقص المؤن، وساور أمورى الشك فى الحصول على نصر كامل فآثر أن يفاوض صلاح الدين وأن يعقد معه الصلح لقاء مبلغ جسيم من المال، وربما كان الحسد والخوف قد فعلا فعلهما فى نفسه؛ وكان نور الدين قد غزا فى الوقت نفسه حوران وتهيأ لرد كرات الفرنجة، إلا أنه حدث زلزال مروع سنة ٥٦٥ هـ (١١٧٠ م) أصاب المدن الشامية بدمار هائل، فاضطر الفرنجة والمسلمون على السواء إلى إلقاء أسلحتهم والشروع فى إعادة بناء المدن التى أصابها التدمير؛ وقام صلاح الدين فى السنة التالية (٥٦٦) بغزوة على فلسطين وتقدم حتى بلغ الرملة وعسقلان، ثم عاد إلى مصر ليستعد للاستيلاء على ميناء أيلة على البحر الأحمر، وليكفل الاتصال شيئًا فشيئًا بين مصر وفلسطين، ونجح فى السنة نفسها فى الاستيلاء على أيلة، وفى السنة التالية (٥٦٧) أجاب نور الدين إلى رغبته فحذف اسم الخليفة الفاطمى من خطبة الجمعة، واستمر فى ذكر اسم الخليفة العباسى، وسرعان ما توفى الخليفة العاضد بعد ذلك، ويخالجنا الشك فى أنه مات ميتة طبيعية، ويقول الكتاب المسيحيون إنه إما أن يكون قد انتحر وإما أن يكون توران شاه أخو صلاح الدين قد قتله عملا بأوامر أخيه، ويقال إن نور الدين قد سره كل السرور أن ينتهى حكم الفاطميين، وعندما بلغ مسامع الخليفة العباسى نبأ امتداد رقعة أراضيه أرسل بعض كساوى التشريف إلى نور الدين، على أن هذه الكساوى لم تكن تليق بمركز نور الدين (بوصفه واليا)، ومن ثمّ فإنه، وإن كان قد ارتداها فعلا، فقد أرسلها فى الحال مع رسول الخليفة إلى صلاح الدين.
وسرعان ما غشيت سحابة العلاقة بين صلاح الدين ونور الدين، ذلك أن صلاح الدين فى القاهرة كان يعد فى نظره مستقلا أكثر مما يجب، فقد كان معه أبوه وإخوته، وبذلك خلت يد نور الدين من الرهائن، فلما أراد صلاح الدين تنفيذ خطته الخاصة بتأمين المواصلات بين مصر وفلسطين اقترح على نور الدين حصار الشوبك والكرك، وخرج هو ليقوم بهذا الحصار، على أنه
стр. 6487
عندما رحل نور الدين إلى الكرك نصح صلاح الدين أمراؤه بألا يشخص إليه، خشية على سلامته، وعمل بنصحهم وعاد أدراجه، واعتذر بعدم استقرار الأحوال فى مصر، وغضب نور الدين لذلك، وحشد الجند لقتال صلاح الدين، وعرف هذا الأمر فى بلاط صلاح الدين فرأى بعض أمرائه أن يقاتل، إلا أن أباه كان يخشى من هيبة نور الدين العظيمة فنصحه بأن يكتب إليه خطابًا يعلن فيه طاعته، ومن ثم عادت العلاقات بينهما إلى التحسن، إلا أن الشك الذى كان يساور كل منهما حيال الآخر لم يتبدد، ومن ثمّ لم يتم الاستيلاء على المدينتين المذكورتين الكرك والشوبك، بل إن صلاح الدين لم يبذل ما وسعه من الجهد لعون مولاه على الصليبيين، وقصد صلاح الدين الكرك فى السنة التالية، ولكنه انسحب مرة أخرى معتذرا بمرض أبيه عندما تقدم نور الدين، ثم استقر قرار صلاح الدين فى هذا الموقف العسير على أن يكفل لنفسه ولأسرته مركزًا مأمونا على نحو يرضى نور الدين، فأوفد أخوه توران شاه سنة ٥٦٩ هـ (١١٧٣/ ٤ م) فى حملة على عبد النبى الشيعى الذى كان قد استولى على اليمن، وأفلح توران شاه فى طرده وغزا اليمن، وعمل على أن يذكر اسمه فى الخطبة بعد الخليفة بوصفه واليا، وأرسل الرسل إلى صلاح الدين الذى أبلغ الأمر إلى نور الدين والخليفة، على أن مركز صلاح الدين كان لا يزال مهددا، وخاصة أنه اضطر إلى مواجهة فتنة أخرى فى ربيع ذلك العام، وقرر نور الدين حينئذ أن يمتشق الحسام لقتاله، وكان معظم السبب فى ذلك أنه غضب لازدياد سطوة الصليبيين من جراء نكوص صلاح الدين، وكان قد حشد جيشا حين دهمه مرض خطير فى دمشق، وتوفى بعد بضعة أيام فى الحادى عشر من شوال (١٥ من مايو)، ومن ثمّ تخلص صلاح الدين من هم ثقيل وأصبح حرا فى دعم سلطانه، ثم اعترف بالملك الصالح إسماعيل بن نور الدين الذى كان قد بلغ الحادية عشرة من عمره، وانصرف بشخصه إلى قتال النورمانديين الذين ينزلون صقلية، وكانوا قد ظهروا أمام الإسكندرية بأسطول قوى فى نهاية عام ٥٦٩ هـ
стр. 6488
(١١٧٣/ ٤ م)، وأنزلوا بحارتهم إلى البر، وما إن انقضت ثلاثة أيام حتى كانوا قد منوا بالهزيمة، وقتل معظمهم بمعاونة الجنود الذين كانوا قد أنفذوا لإمداد الحامية القوية، وظفر صلاح الدين بغنائم لا حصر لها، وكان الملك أمورى قد توفى أيضًا قبل ذلك بوقت قليل، ومن ثم أصبح صلاح الدين آمنا يتمتع بسلطان واسع، وبات يستطيع الانصراف كلية إلى أمنية حياته، وهى قتال الصليبيين، وبدأ بتوجيه التفاتة إلى الشام التى دعاه إليها أمراء دمشق سنة ٥٧٠ هـ (١١٧٤ م)، ووجد الحالة هناك لا تسر، إذ لم يكن بين المسلمين شخصية ذات إرادة تهديهم، ولذلك وجد بحق، كما وجد نور الدين من قبله حين تعرض لموقف مثل موقفه، أن الضرورة كل الضرورة تقتضيه أن يتولى السلطان الحقيقى فى الشام ولو إلى حين، لأنه كان قيلا من الأقيال التابعين للصالح إسماعيل الذى حاول أن يقيم من نفسه وصيا عليه، وجرت الأمور على غير ما يشتهى أول الأمر حين امتشق الحسام لقتال أمراء إسماعيل وزعم بأنه سيخلص إسماعيل منهم، بل إن حلب نفسها قاومته، كما قاومته حماه وحمص وبعلبك، وجاء الغازى عم إسماعيل من بلاد الجزيرة على رأس جيش عرمرم، مما جعل صلاح الدين مستعدا لأن يعقد صلحا فى مصلحة الملك الصالح إسماعيل، على أن شروطه لم تقبل، ومن ثم وجد صلاح الدين نفسه مكرها على القتال، وأعلن استقلاله وحذف اسم الصالح إسماعيل من الخطبة؛ وقد كان هذا القرار فى مصلحة صلاح الدين إذ منى العدو بهزيمة منكرة فى قرون حماة؛ على أن صلاح الدين أظهر تسامحا كبيرا، فقد ترك حلب فى حوزة إسماعيل، وكان لا يخشى منه أى ضرر وأقطع بعض أقاربه حماة وحمص وبعلبك وكانت قد استسلمت له استسلاما بلا قتال. وفى شهر ذى القعدة سنة ٥٧٠ هـ (مايو ١١٧٥ م) منحه الخليفة بناء على طلبه ولاية مصر والنوبة واليمن والمغرب، من مصر حتى طرابلس وفلسطين والشام الوسطى، ومن ثم اعتبر نفسه سلطانًا، كما يقرر أبو الفداء صراحة، وكذلك اعتبره معاصروه، على أنه لم يتخذ لنفسه هذا
стр. 6489
اللقب بل سمى نفسه سلطان الإسلام والمسلمين، وقام الحزب الزنكى بمحاولة أخيرة لعزل صلاح الدين، وانتهت هذه المحاولة بعد بضعة معارك وحصار حلب للمرة الثالثة بصلح فى أواخر سنة ٥٧١ هـ (آخر يونية سنة ١١٧٦ م) وترك لصلاح الدين آخر الأمر الأراضى التى غزاها، ثم حاصر صلاح الدين بعدئذ حليفا لإسماعيل هو الشيخ سنان زعيم الحشاشين، أو شيخ الجبل كما كان يلقب فى قلعته بمسيد، وكان الشيخ سنان قد أنفذ رجاله الحشاشين لقتال صلاح الدين بضع مرات، على أن صلاح الدين لم يستطع الاستيلاء على مسيد، ذلك أن الحشاشين المتعصبين دافعوا عنها بعنف وقوة، فرفع صلاح الدين الحصار عنها وتلقى من سنان وعدًا بألا يعود لمهاجمته، ومن ثم تمكن من القضاء على هذا الخطر أيضًا وعاد إلى مصر.
وقد عد صلاح الدين بناء القلعة التى كان قد بدأها فى هذا العام عملا على جانب عظيم من الأهمية فى القاهرة؛ وفى جمادى الأولى سنة ٥٧٣ هـ (نوفمبر سنة ١١٧٧ م) قام فجأة بحملة سريعة على فلسطين وخرب المنطقة المحيطة بغزة وعسقلان، وقاومه الملك بلدوين الرابع Baldwin IV, بيد أنه اضطر إلى الانسحاب إزاء تفوق صلاح الدين الظاهر، ومن ثم تفرق جنود صلاح الدين وأعملوا يد السلب والنهب فى البلاد، على حين جمع بلدوين الداوية وكثيرا من الفرسان تحت إمرة راينالد Raynald صاحب الكرك، وظهر ثانية على مسرح القتال؛ ووجد صلاح الدين نفسه مضطرًا أول الأمر إلى أن يجمع جيشه الجرار، والتقى الجيشان جنوبى الرملة، وأظهر فرسان الداوية بسالة عظيمة فى القتال انتهت بهزيمة منكرة لجيش صلاح الدين فى غرة جمادى الآخرة سنة ٥٧٣ هـ (١١٧٧ م)، بالرغم من تفوقه، وكان النصر مفاجئا حتى ظن الصليبيون أنه تحقق بمعجزة، وقيل إن صلاح الدين نفسه أفلت من الأسر بشق الأنفس، ووقع فى الأسر ابن أخيه وغيره من القادة ورجال العلم الذين كانوا فى حاشيته؛ وأقيمت صلاة للشكر فى بيت المقدس تكريما لهذا النصر، وكان من آثار هذه الهزيمة أن
стр. 6490
شيد الملك بلدوين فى العام التالى (٥٧٤ هـ = ١١٧٨ م) حصنا على جسر بنات يعقوب فوق نهر الأردن، مكنه من السيطرة على هذا النهر وعلى السهل الممتد حتى بانياس، ولم يكن فى مقدور صلاح الدين أن يحول بينه وبين ذلك، وعرض صلاح الدين على الملك تعويضا قدره ١٠٠.٠٠٠ دينار إذا أقلع عن هذا البناء، ولكنه لم يفز بطائل، فاضطر إلى الحملة على الحصن، وأنفذ ابن أخيه وأقدر قواده عز الدين فرخ شاه للحملة على بلدوين الذى أصيب بنكسة فى أواخر سنة ٥٧٤ هـ (مايو ١١٧٩ م)، وأفلح صلاح الدين بعد انقضاء سنة فى أن يلحق به هزيمة نكراء فى مرج العيون فى الثانى من المحرم سنة ٥٧٥ هـ (١٠ يونيه سنة ١١٧٩ م)، ووقع فى الأسر عدد كبير من الفرنجة المشهورين واستولى صلاح الدين بعد شهرين على الحصن القائم على جسر بنات يعقوب وسّواه بالأرض، ولم يقع قتال على نطاق واسع فى السنة التالية؛ وفى المحرم من سنة ٥٧٦ هـ (يونيه - ١١٨٠ م) عقد بلدوين هدنة مدتها سنتان مع صلاح الدين، وفى السنة التالية توفى إسماعيل صاحب حلب وابن نور الدين؛ وقد خلفه ابن عمه عز الدين مسعود الذى أوصى له وهو على فراش الموت، وكان جنديا مقتدرا إلا أنه بادل أخاه زنكى الثانى سنجار بحلب رغبة منه فى الحصول على أملاك موحدة، وفى هذه الأثناء نشبت الحرب بين صلاح الدين والفرنجة على إثر الغزوات المتصلة التى كان يقوم بها راينالد ده شاتييون Raynald de Chatillion أمير الكرك، على القوافل المتجهة إلى مصر؛ على أن زنكى الثانى عقد الصلح مع الفرنجة، بيد أن صلاح الدين سعى إلى أن يسيطر وحده على بلاد المسلمين وشغل نفسه فى بضع السنوات التالية بغزو بقية الشام (حلب)، وكان ذلك فى صفر سنة ٥٧٩ هـ (يونية ١١٨٣ م)، والسيطرة على أرض الجزيرة باحتلال أهم المدن وردها إقطاعات كما كانت، ولم يكن ثمة صلح دائم مع الصليبيين، ولكن الجانبين تفاديا القتال على نطاق واسع، وفى السنة نفسها عقد صلح مدته أربع سنوات بين بلدوين الخامس، الوصى على رايموند الثالث Raymond III أمير
стр. 6491
طرابلس، وبين صلاح الدين، وتوفى بلدوين الخامس بعد ذلك بقليل، واعتلى خليفته جى ده لوزينيان Guy de Lusignan العرش فى السنة التالية بالرغم من اعتراض رايموند، وعكر راينالد ده شاييون صفاء السلام مرة أخرى، إذ خرج من الكرك وانقض على قافلة كبيرة، وأبى أن يقدم ترضية أو يعطى تعويضا. وغضب صلاح الدين لذلك غضبا شديدا، وفى أواخر سنة ٥٨٢ هـ (فبراير ١١٨٧ م) غزا منطقة الكرك ودعا جنوده المصريين إلى حماية الحجاج العائدين من مكة، على حين احتشد جنوده الشوام فى حارم، وأدرك الصليبيون الخطر الشديد المحدق بهم، فعقد جى الصلح مع رايموند، وراحت الجنود تفد من كل حدب وصوب حتى استطاع جى أن يحشد جيشما قوامه ٣٠.٠٠٠ رجل، واتخذ هذا الجيش مركزه فى صفورية، وفى السابع عشر من ربيع الثانى سنة ٥٨٣ هـ (٢٦ يونية سنة ١١٨٧ م)، وصل صلاح الدين إلى جنوبى بحر الخليل واستولى على مدينة طبرية بعد حصار دام ستة أيام، ولم يثبت له إلا الحصن وحده. وحاول رايموند عبثا أن يحذر الصليبيين من ترك مركزهم المأمون الذى يتوفر فيه الماء إبان حمارة القيظ، واعتقد أعداؤه بأنه عقد اتفاقا مع صلاح الدين فنصحوا الملك بأن يحمل على السلطان، فأمر بالسير صوب طبرية وضرب خيامه فى حطين لقضاء الليل، حيث لم يجد الجيش حتى ما يكفيه من الماء، ومنى الصليبيون بهزيمة منكرة بالرغم مما أبدوه من بلاء عظيم، ووقع الملك وعدد كبير من الفرسان فى الأسر، واستقبل صلاح الدين الملك استقبالا حافلا، ألا أنه قتل بيده راينالد، الذى كان قد عكر صفو السلام، وجعل أمراءه وقضاته يقتلون جميع الداوية وفرسان القديس يوحنا، وكما كفلت له وقعة قرون حماة السيطرة على الشام، كذلك كفلت له معركة حطين الفاصلة السيطرة على فلسطين وبيت المقدس، وسقطت فى يده حصون طبرية والناصرة، والسامرة وصيداء وبيروت وبترون وعكا والرملة وغرة وحبرون ثم سار صوب بيت المقدس واستولى على بيت لحم والبثنية وجبل الزيتون، فى رجب ٨٥٣ هـ (سبتمبر سنة
стр. 6492
١١٨٧ م)؛ وضرب صلاح الدين خيامه أول الأمر غربى المدينة، ودافع أهلها عن أنفسهم دفاعا مجيدا، بيد أنه عندما هاجم المدينة من مركز أكثر صلاحية فى الشمال واستخدم المنجنيقات لقذف القذائف الثقيلة اضطرت المدينة إلى التسليم فى نهاية الشهر؛ واستطاع أهل اليسار أن يفتدوا أنفسهم، أما أولئك الذين لم يستطيعوا افتداء أنفسهم فقد بيعوا عبيدا، ولكن بعض ذوى المكانة من المسلمين والنصارى تدخلوا فى الأمر فأطلق سراح بضعة آلاف أسير، كما أن صلاح الدين نفسه أطلق سراح عدد كبير من الفقراء، ولم يسمح بالإقامة إلا لعدد قليل من المرضى ومن تعهدوا بأداء ضريبة الرؤوس، ودمر كل ماله علاقة بالدين المسيحى، ورممت قبة الصخرة والمسجد الأقصى، وشيدت المستشفيات والمدارس فى ذكرى هذه المناسبة العظيمة، وزاد كثير من أمراء الأيوبيين من جلال هذه الأيام بحضورهم وبما شيدوا من عمائر فخمة. ويمكننا أن نقول إن العالم الإسلامى كله قد شارك فى الاحتفال بالاستيلاء على بيت المقدس وكان ذلك أمنية يصبو المسلمون إلى تحقيقها. وأعقب هذا النصر استيلاء صلاح الدين على المدن والحصون التى كانت لا تزال مسيحية عنوة أو بغير قتال، ولم يبق فى يد المسيحيين إلا أنطاكية وطرابلس وصور وعدد من البلدان والحصون الصغيرة، على أن سوء الحظ لازم صلاح الدين بقية العام، ذلك أنه أخطأ فلم يفسح لجيشه الضعيف الذى أنهكه التعب الوقت ليسترد قوته بل مضى يحاصر صور، فمنى بهزيمة شديدة نتيجة لاستبسال حاميتها فى الدفاع عنها وما صادفه فى البحر من نكبات؛ وأعيد بناء عكا وتحصينها بعد مشاورات طويلة عقدها مع أميره قرقوش، وكان قرقوش قد أثبت كفايته بتشييد قلعة القاهرة، وحمل صلاح الدين حملة فاشلة على كوكب، ثم شخص إلى دمشق. وفى ربيع الثانى سنة ٥٨٤ هـ (يونية ١١٨٨ م) دعا أمراء المسلمين فى الشام وبلاد الجزيرة وجنودهم للقيام بحملة جديدة، واستولى خلال القتال الذى نشب من بعد على اللاذقية وجبلة وصهيون وسرمين وبرزوية، ثم عقد هدنة
стр. 6493
مدتها سبعة شهور مع بوهمند الثالث Bohemund III أمير أنطاكية؛ وعاد صلاح الدين فى غرة رمضان من العام نفسه إلى دمشق وصرف حلفاءه من لبلاد الجزيرة، ولكنه احتفظ بجنوده هو تحت السلاح رغبة منه فى الاستيلاء على صفد وكوكب والكرك والشوبك، وكانت الحملة طويلة الأجل ولكنها آتت ثمارها وانتهت فى غرة ذى القعدة سنة ٥٨٥ هـ (ديسمبر سنة ١١٨٩ م) بالاستيلاء على جميع هذه البلاد.
وعندما علم غريغورى الثامن Gregory VIII بالاستيلاء على بيت المقدس أعلن الحرب الصليبية، فلما توفى واصل كليمنت الثالث Clement III، جهوده؛ وتوقفت العداوات التى كانت قائمة بين ملوك أوروبا واتخذت الخطوات للتقريب بين فيليب الثانى philip II ملك فرنسا وريتشارد الأول Richard I ملك إنجلترا؛ وكانت أول نجدة أرسلها الصليبيون الجدد أسطولا أنفذه ويليام أمير صقلية. وقد حرر هذا الأسطول طرابلس فأصبحت بذلك دعامة لموانى فلسطين، وأخذت فرق أكبر وأصغر من هذه تفد من أوروبا إلى الأرض المقدسة وتنزل إلى البر فى صور، وقام الإمبراطور فريدريك الأول Frederick I بحرب صليبية على رأس جيش كبير جهز تجهيزا حسنا، وسلك طريقه إلى الأرض المقدسة عن طريق القسطنطينية بعد أن أنذر صلاح الدين، ومن غير طائل، بأن يسلمه بيت المقدس، ولم يستطع الإمبراطور إسحق Isaac صاحب القسطنطينية أن يمنعه من المرور، وكان هذا الإمبراطور قد عقد معاهدة مع صلاح الدين ثبت عدم جدواها، وشدت النجدات الجديدة من أزر الفرنجة فبدأوا حصار عكا فى الرابع عشر من رجب سنة ٥٨٥ هـ (٢٨ أغسطس سنة ١١٨٩ م) ويعد هذا الحصار من أعظم الأعمال العسكرية التى تمت فى القرون الوسطى؛ وكان صلاح الدين قد أسر الملك جى لوزينيان والكونت مونت فرّا Montferrat عند استيلائه على بيت المقدس، إلا أنه أطلق سراحهما تلبية لطلب الملكة سيبل Sybil فى تاريخ مبكر يرجع إلى جمادى الأولى سنة ٥٨٤ هـ (يوليو ١١٨٨ م)، بعد أن تعهدا بألا يمتشقا السلاح ضده
стр. 6494
مرة أخرى؛ على أن البطريرك أحلهما من قسمهما فشرعا يحاصران عكا وهما يعتمدان على معاونة فريدريك الأول ملك ألمانيا وريتشارد الأول ملك إنجلترا وفيليب الثانى ملك فرنسا، وقوَّت من ساعدهما أول الأمر النجدات المتواصلة التى كانت تفد من كثير من البلاد الأوروبية، وقد وضح عندئذ نشاط صلاح الدين فى أجلى صوره، فقد عرف الصليبيون فى هذا القتال الذى استمر بضع سنوات السلطان العظيم وتعلموا كيف يقدرونه.
وقاد الملك جى الفرنجة إلى عكا بعد استعداد دام شهرين، ثم وصل صلاح الدين فى اليوم التالى، ونشب القتال للاستيلاء على المدينة بالبر والبحر، وقد امتاز الصليبيون على المسلمين بأن الحامية كانت فى عزلة عن البحر أو تكاد وكانت تعانى أيضًا من نقص المؤن، زد على ذلك أن الصليبيين بالرغم من أنه لم يلحق بهم فى عكا إلا عدد قليل جدا من الفرسان الألمان نظرا لوفاة فريدريك الأول، فقد كانوا يتفوقون تفوقا لاشك فيه على العرب بفضل وصول جيش فيليب وبخاصة جيش ريتشارد الأول، وبفضل استمرار وصول السفن التى تحمل المؤن والجنود، ثم إنه كان فى حورة الصليبيين مدافع حصار غاية فى الجودة، على حين كان عند المسلمين بعض الصناع المهرة الذين يصنعون القنابل الحارقة. وقد امتاز صلاح الدين على الصليبيين بالقيادة الموحدة بالرغم من أن جيشه كان قد أضناه قتال السنوات الطوال حتى إن معاونة حامية عكا ما كانت لتفيده كثيرا، ومن ثم تمرد جيشه آخر الأمر، وعرقل مساعى الصليبيين ما نشب بينهم من خلاف وما ثار من تنافس بين الملك جى والكونت مونت فرًّا وكذلك التنافس بين ريتشارد وفيليب، وزخرت السنوات التالية بالقتال فى البر والبحر، وحاول صلاح الدين عبثا أن يحصل على جيوش جديدة من الشرق مستعينا بتدخل الخليفة، وفى السابع من جمادى الآخرة سنة ٥٨٧ هـ (١٢ يوليه ١١٩١ م) استسلمت الحامية من تلقاء نفسها دون أن تنتظر قرار صلاح الدين، وفرض على الحصن ومن فيه
стр. 6495
من الأسرى أن يسلموا، واتفق على إطلاق سراح رجال الحامية نظير دفع ٢٠٠.٠٠٠ قطعة من الذهب، وانقضى شهر دون أن يدفع هذا المبلغ، فأمر ريتشارد بأن يقتل ٣٠٠٠ أسير من أسرى الحرب، ولقد كان من نتيجة هذا العمل الوحشى الذى استنكره الإخباريون المسيحيون أيضًا، أن قتل المسلمون كل من كان لديهم من أسرى المسيحيين؛ وسرعان ما استولى ريتشارد بعدئذ على قيصرية وحصَّن يافا، على حين دمر صلاح الدين حصن الرملة، ثم استمرت مفاوضات الصلح منذ ذلك الحين ودون انقطاع تقريبا بين الجانبين المتقاتلين، وكان محورها الأكبر الملك العادل أخا صلاح الدين، وكان الطلبان الجوهريان اللذان طلبهما المسلمون هما التنازل عن بيت المقدس، وتسليم الصليب المقدس؛ واقترح ريتشارد بعدئذ، وكان رجلا تستحوذ عليه الأفكار الرومانسية، أن تتزوج أخته الملك العادل الذى كان من المنتظر أن يحكم بيت المقدس، وانتهج سياسة التوفيق والمسالمة فأدت إلى الصلح شيئًا فشيئا، ثم أنعم بلقب فارس على الملك الكامل ابن الملك العادل؛ وعقد الصلح بعد بضعة مواقع أخرى فى ٢٣ من شعبان سنة ٥٨٨ هـ (٢ نوفمبر سنة ١١٩٢)، وقسمت اللد والرملة وسويت عسقلان بالأرض وسمح للصليبيين بأن يحجوا إلى الأماكن المقدسة دون أن يحملوا سلاحا؛ وكان السبب الرئيسى الذى حدا بريتشارد إلى عقد الصلح هو مرضه ورغبته فى العودة إلى انجلترا، وكذلك انقطاع النجدات من أوربا؛ وبالرغم من الجهود التى بذلتها أوربا بأسرها، أصبح الجانب الأكبر من فلسطين على الإسلام تحت إمرة صلاح الدين، فيما عدا شقة الأرض التى تحاذى الساحل، وأمنت أسباب الاتصال بين فلسطين والقاهرة؛ وكان صلاح الدين على علاقة طيبة ببوهموند أمير أنطاكية، ونعم صلاح الدين بالسلام فى بضعة الأشهر التالية التى قدر له أن يحياها، وحصن بيت المقدس، ثم سار على مهل إلى دمشق حيث استقبله الأهالى بالتهليل والتكبير حوالى آخر ذى القعدة (آخر نوفمبر)؛ وقضى الشتاء فيها مع أسرته، ثم دهمه المرض فى صفر سنة ٥٨٩ هـ (فبراير
стр. 6496
سنة ١١٩٣ م) وتوفى بعد ذلك بأربعة عشر يوما وهو فى الخامسة والخمسين من عمره؛ وقد آلت دمشق إلى ابنه الأكبر ونال ابنه الثانى حلب، وكانت مصر من نصيب ابن ثالث، وكان من نصيب أخيه الملك العادل شمالى بلاد العرب وبلاد ما بين النهرين، وزالت وحدة أملاكه بعد وفاته ببضع سنوات، ولم يكن من المرجح حتى لو امتد به الأجل، أن يستطيع إقناع أفراد أسرته بأن يتفقوا فيما بينهم اتفاقا معقولا، على أنه لم يتعرض فى حياته قط أو يكاد لموقف اضطره إلى قتال فرد من أفراد أسرته، فما كان من المستطاع النيل من سلطانه وهو الذى قام على أساس من المقدرة والرحمة والتقوى، ولم يكن الطمع من خصاله، فقد تهيأت له الفرصة مرتين: مرة عند وفاة الخليفة الفاطمى العاضد وأخرى عند وفاة الأتابك نور الدين، ليجمع ثروة طائلة، إلا أنه وزع كنوز الخليفة على جنده وحاشيته، ولم يمس ثروة نور الدين بل سلمها لابنه؛ لقد كان متعصبًا ضد الصليبيين بوصفهم مجموعة لا بوصفهم أفرادًا, ولم يكن متعصبا ضد الرعايا المسيحيين الذين فى دولته، وإن كان عندما اعتلى العرش قد نفذ فى البداية القوانين الخاصة بملابس المسيحيين واليهود تنفيذا أكثر صرامة، وقد نهج النهج نفسه الذى انتهجه نور الدين، ويمكن وصفه بأنه بطل الردة السنية عن الشيعية (الفارسية) فى العمارة والأسلوب وكتابة الوثائق الرسمية. وفى السنوات الأخيرة من حكمه كانت العلاقات طيبة بين المسلمين والنصارى، ويبدو أن ريتشارد قد أنعم على بعض المسلمين بلقب فارس، مثل الملك الكامل بن الملك العادل؛ وكان صلاح الدين محبوبًا موقرًا من شعبه، ولا يزال هو والسلطان بيبرس وهارون الرشيد أشهر الشخصيات فى الشرق حتى اليوم، وهو يعد فى أوربا مثالا للشهامة والمروءة، والحق إنه لم يكن قاسيًا قط فى غير ما تدعو إليه القسوة، بل كثيرًا ما دعته شهامته إلى إطلاق سراح
стр. 6497
الأسرى وإهداء الهدايا (كإهداء حصن العزاز إلى أخت الصالح إسماعيل وبضع قرى إلى بوهمند أمير أنطاكية بعد الصلح مع ريتشارد الأول). ولم يذكر العرب صلاح الدين فى قصائدهم الغنائية أو قصصهم وذلك باستثناء واحد (فصل فى قصة بيبرس (١))، على حين أنه قد حدث بعد وفاته بقليل أن داعب صلاح الدين خيال المنشدين الإنجليز فى حديثهم عن ريتشارد، وإن كانوا قد وصفوه وصفًا غير مرض؛ على أن الشعراء الفرنسيين والإيطاليين كانوا أكرم من الإنجليز فى وصفه، فقد وصفه الروائيون المحدثون فى رواياتهم مثل سكوت (Scott) فى قصته الطلسم Talisman، وليسنج Lessing فى كتابه Nathan der Weise؛ وهو فى نظر سكوت حاكم شرقى قوى، على حين وصفه ليسنج برقة العاطفة مثل الأوروبيين؛ لقد كان نصيرًا لعلم الكلام وراعيا للعلماء وبنَّاء على نطاق واسع كما يتبين من تشييده لقلعة القاهرة وتجديده العمائر فى بيت المقدس.
أما النقوش المتعلقة بصلاح الدين فقد عالجها بإسهاب فييت G.wiet فى مصنفه Inscriptions de Saladin (سورية، جـ ٣، ص ٣٠٧ - ٣٢٨).
المصادر:
ذكر بلوشيه Blochet المصادر المذكورة فى المخطوطات التى لم تطبع بعد فى مقدمة (ص ١ - ٥٥) ترجمته لمصنف المقريزى "السلوك" (عهد الأيوبيين، باريس ١٩٠٨) على نحو دقيق وكذلك أورد شواهد عديدة من مفرج الكروب لابن واصل ومن History of the patriarchs of Alexandria فى مذكرات فى الترجمة الفرنسية، وقد وردت المصنفات المطبوعة حتى سنة ١٨٨٩ فى Ousama Ibn Mounkidh: Derenbourg فى P.E.L.O، جـ ١٢/ ١. باريس ١٨٨٩. ونجد المصادر العربية والأوروبية المعاصرة فى Recueil des historiens des Croisades' Historiens occidentaux، جـ ١ - ٥، باريس
стр. 6498
١٨٧٢ - ١٩٠٦، Historiens occidentaux جـ ١ - ٦، باريس ١٨٤٤ - ١٨٨٦، وفى Extaits des historiens arabes relatifs aux guerres des Croisades: Reinaud وفى أجزاء أخرى من Bibliotheque des Croisades: Michaud باريس ١٨٢٩. أما أحسن وأوفى استخدام للمصادر المبكرة فنجده فى Geschichte des Konigreichs Ierusalem: Rohricht، إينزبروك ١٨٩٨، وقد ورد فيه أيضًا مصنفات Rohricht الأخرى وكثير من المصادر. وانظر أيضًا Notes sur les Croisades Journ.As: Van Berchem، السلسلة ٩، ١٩٠٢, جـ ١٢، ص ٣٨٥ وما بعدها. ونجد من المصادر الأخرى علاوة على طبعة درنبورج Derenbourg لأسامة بن منقذ، سيرتى ابن خلكان وبهاء الدين ابن شداد (وكلاهما أيضًا فى Recueil des hist. Orient، جـ ٣)؛ وقد ورد مصنف بهاء الدين فى الإنجليزية باسم Life of Saladin by Beha Ed din C, W The Wilson, لندن ١٨٩٧؛ وبقلم Von Hammer-Purgstall فى Gemaldesaal der bebensbeschreibungen grosser moslimischer Herrscher، جـ ٥، ليبسك ١٨٣٨، وهو الآن مهجور، ثم بقلم Stanley Lane-Poole فى كتابه الرائع الواضح Saladin and the Fall of the Kingdom of Jerusalem فى سلسلة Heroes of the Nations، لندن ١٨٩٨ وانظر فيما يتصل بحصار عكا وما إلى ذلك Richard Lion-Heart: Kate Norgate لندن ١٩٢٤، الفهرس، انظر تحت كلمتى Acre Saladin. وانظر فيما يختص بالقصص الأوروبية عن صلاح الدين lane-Poole المصدر المذكور، الفصل ٢٣، ص ٣٧٧ وما بعدها حيث نوقشت مناقشة وافية العبارة المتعلقة بصلاح الدين التى وردت فى قصة بيبرس كما نوقشت شخصية صلاح الدين كما وردت فى روايتى سكوت وليسنج (ولم يكن لين بول يدرك أن العبارة التى ذكرها تتعلق بقصة بيبرس). وانظر فيما يختص بالقصص الأوروبية عن صلاح الدين Gaston Paris: La Le gende de Saladin Journal de Savants، ١٨٩٣، وكذلك الطبعة الجديدة. وانظر أيضًا Rohricht فى مصنفه Geschiehte des Konigreichs Jerusalem، ص ٣٥١، التعليق ١.
صبحى [سوبرنهايم Sobernheim]
стр. 6499
الصلاة (١)
هى الاسم المألوف الذى يطلقه العرب على الشعيرة الدينية المعروفة، وترجمته بكلمة Prayer فحسب ليست دقيقة. وكلمة دعاء العربية مطابقة للفكرة التى تؤديها هذه الكلمة الإنجليزية (وقد لفت سنوك هركرونى Sonuk Hurgronje النظر مرات عدة إلى هذا الفارق فى Verspri de Geschriften جـ ١، ص ٢١٣ وما بعدها؛ جـ ٢ ص ٩٠؛ مجلد ٤، جـ ١، ص ٥٦ و ٦٣ وما بعدها الخ).
ويبدو أن كلمة صلاة لم تظهر فى الآثار الأدبية السابقة على القرآن الكريم؛ وهى تكتب "صلوة" فى كثير من النسخ الكوفية للقرآن الكريم؛ كما تكتب كذلك فى كثير من المؤلفات المتأخرة عند الحديث عن الكتاب الكريم، ويعد رسمها على هذه الصورة فى الكثرة الغالبة تمثيلا للنطق بها فى لهجة من اللهجات (Geschicte des Qorans: Noldeke ص ٢٥٥؛ Arabic Grammar: Wright-de Goeje جـ ١، ص ١٢ أ Arabische Grammatik: Brocklemann الطبعة السادسة، ص ٧).
وفى الحق أن كتابة "الواو" فى مكان الألف ماثل، كما قد نتوقع، فى كثير من الكلمات الأخرى التى تتصل بلغة القرآن الكريم، كما هو شائع فى اللغة الآرامية اللهم إلا كلمة ربا "ربوا" وحدها التى تستثنى من الكلمات المنتهية بـ (اة) أو (وة) ومن ثم يجب ألا يغرب عن بالنا أثر اللغة الآرامية حين نرى الصورة التى تكتب بها " زكوة" و"صلوة" وغيرهما (Devocabulis in antiquis Arabum carminibus et in corano peregrinis: Frankel ص ٢١). واشتقاق كلمة "صلوطا" الآرامية واضح كل الوضوح، فالأصل "صلأ" فى الآرامية يعنى الانحناء والانثناء والقيام. ومادة صلوطا هى اسم للأفعال المشتقة من هذه، وتعنى فعل الانحناء إلخ، وتستعمل فى كثير من اللهجات الآرامية للدلالة على الصلاة الشرعية وإن كانت تعنى أيضًا الصلاة الفردية التلقائية التى تسمى عادة فى السريانية على الأقل: "باعوطا". والفعل
стр. 6500
(صلى) يشير إلى اشتقاقه من الاسم "صلاة" بمعنى "أداء الصلاة". ويتبين مبلغ الارتباط الوثيق بين الصلاة وتلاوة القرآن حتى فى العهد المكى من أن الآية ٧٨ من سورة الإسراء تطلق على صلاة الصبح: قرآن الفجر، ونجد من ناحية أخرى أن تلاوة القرآن فى ذاتها تكون مصحوبة بالسجود (سورة الانشقاق، الآية ٢١).
والحمد والتسبيح جزء هام من الصلاة كما يتضح من الآيات القرآنية، مثل سورة طه، الآية ١٣٠؛ وسورة النور، الآية ٤١ حيث يذكر (التحميد) و (التسبيح) مرتبطين أوثق ارتباط بالصلاة.
ومن ذكر (الصلاة) وفعل (صلى) فى أقدم السور مثل (سورة القيامة، الآية ٣١؛ سورة المعارج الآية ٢٢؛ سورة الماعون الآيتان ٤، ٥ سورة المدثر الآية؛ ٧٣ سورة الكوثر الآية ٢) يمكن أن يلاحظ فوق ذلك أننا نستطيع أن نؤكد أن هذه الشعيرة كانت ملازمة للإسلام منذ أقدم العصور، (انظر Annali, intoduzione الفصل ٢١٩، التعليق، وهو يتفق فى بعضها مع آراء كريمه Grimme المشابهة لذلك) وحسبما ورد فى سورة الإسراء، الآية ١١٠، فقد أوصى اللَّه محمدًا [ ﷺ ] بألا يجهر بصلاته أو يخافت بها ويبتغى بين ذلك سبيلا، الأمر الذى فسره الحديث -وهو لاشك تفسير صحيح- بأنه يقصد غير المؤمنين من قومه الذين تحرشوا به لجهره بصلاته. ويتفق هذا مع الحقيقة التالية، وهى أن محمدًا [ ﷺ ] فى الفترة التى أوصى فيها دائمًا بأن ينهج منهج الأنبياء الأولين ويأتسى بصبرهم، كان يذكّر مرارًا وتكرارًا بأن هؤلاء كانوا يدعون قومهم إلى الاستمساك بالصلاة (مثل سورة الأنبياء، الآية ٧٣؛ سورة مريم، الآية ٣١؛ سورة إبراهيم، الآية ٤٠؛ سورة مريم الآية ٥٥؛ سورة طه الآية ١٣٢).
وتذكر الصلاة فى القرآن فى كثير جدًا من المواضع مقرونة بالزكاة، وبيّن أنهما يعدان مظهرين من مظاهر التقوى التى يحبها اللَّه (سورة البقرة، الآيات ٨٣، ١١٠، ١٧٧، ٢٧٧؛ سورة النساء، الآية ٧٧، ١٦٢؛ سورة المائدة، الآيتان
стр. 6501
١٢، ٥٥) وفى سورة البقرة، الآيتين ٤٥ و ١٥٣ ويحض اللَّه المؤمنين على أن يستعينوا بالصلاة والصبر، وقد فُسر الصبر هنا بأنه الصوم. والصلاة تعبير عن الخشوع (سورة المؤمنون، الآية ٢) الذى يعد هو أنسب موقف يقفه الإنسان تجاه المعبود، والمحافظة على الصلاة أمر يوصى به مرارا وتكرارا (سورة الأنعام، الآية ٩٢؛ سورة المؤمنون، الآية ٩؛ سورة المعارج، الآية ٢٣).
وقد أُنذر الساهون عن الصلاة (سورة الماعون، الآية ٥)؛ وفى سورة النساء، الآية ١٠٣ وجه إنذار مشابه لذلك مبررًا ذلك بالقول: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. وقد نعى على المنافقين أنهم يقيمون الصلاة كسالى مراءاة للناس فحسب (سورة النساء، الآية ١٤٢) وتحديد شرب الخمر ثم تحريمها من بعد يعزى فى الأصل إلى أن إدمانها كان يبلبل أداء الصلاة على وجهها (سورة النساء، الآية ٤٣).
ونحن نستطيع أن نذهب، كما سبق أن أشرنا، إلى أن السمات الجوهرية للصلاة فى عهدها المتأخر كانت موجودة من أول الأمر، وقد ذكر الوضوء قبل الصلاة فى سورة المائدة، الآية ٦، كما ذكر النداء للصلاة فى سورة المائدة، الآية ٥٨، كما ذكر النداء لصلاة يوم الجمعة فى سورة الجمعة، الآية ٩. وهناك صلاة خاصة تقام عند الخطر الداهم وقد ذكرت فى سورة النساء، الآيات من ١٠١ - ١٠٣ (انظر ما يلى فى الكلام عن صلاة الخوف). وتختم هذه الصلاة بالصلاة على النبى [ ﷺ ] والتسليم؛ لما جاء فى سورة الأحزاب، الآية ٥٦؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وقد ذكرت صلاة الجمعة فى سورة الجمعة، الآية ٩: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
ومن المفهوم أن محمدًا [ ﷺ ] فى هذه الظروف كان يهتم اهتماما كبيرا
стр. 6502
بأولئك الذين أظهروا استعدادا للدخول فى الإسلام، ومن ثم لم يتوان فى تدريبهم على أداء الصلاة.
وهكذا يذكر الحديث أنه أرسل أسعد ابن زرارة أو مصعب بن عمير إلى أهل المدينة لتحقيق هذا الغرض العاجل، وأن مصعبا كان أول من جمع الجمعة (انظر Mohammed en de Joden to Medina: A.J. Wensinck، وما بعدها؛ C.H. Becker فى Der Islam، جـ ٣، ص ٣٧٨ وما بعدها) وقد ذكرت الصلاة فى معظم كتب محمد ﷺ إلى القبائل العربية كفريضة إسلامية (انظر Die Schreiben Muhammeds an Stamme Arabiens: J.Sperber, فى die M.S.O.S As جـ ١٩، فصلة، ص ١٦، ١٩، ٣٨، ٥٨، ٧٧ وما بعدها). وقد جاء فى الرواية الإسلامية أن تقرير الصلوات الخمس يرجع إلى بدء الإسلام، وهى ترتبط بإسراء النبى ﷺ فعندما أسرى بمحمد ﷺ إلى السماء العليا فرض الَله على أمة محمد ﷺ خمسين صلاة كل يوم، ثم رجع محمد ﷺ بذلك من حضرة اللَّه حتى مر على موسى ﵇ فسأله موسى عما فرضه اللَّه على أمته فلما سمع منه موسى ما فرضه اللَّه على أمته قال: "فارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، ومن ثم جعل اللَّه الصلوات الخمسين خمسًا وعشرين؛ ثم رجع إلى موسى. فأجابه بمثل ما أجابه من قبل، ويتكرر هذا من محمد ﷺ حتى استقرت الصلوات على خمس (البخارى، كتاب الصلاة باب ١؛ مسلم: كتاب الإيمان، حديث ٢٥٩، ٢٦٣, الترمذى: كتاب مواقيت الصلاة، باب ٤٥؛ النسائى: كتاب الصلاة، باب ١؛ ابن ماجة، كتاب الإقامة، باب ١٩٤؛ أحمد بن حنبل، جـ ١، ص ٣١٥ فى آخرها؛ جـ ٣، ص ١٤٨، وما بعدها؛ ص ١٦١, انظر ابن سعد: القسم الأول جـ ١/ ١، ص ١٤٣ وما بعدها) على أنه قد جاء فى حديث صحيح، أن جبريل نزل خمس مرات فى يوم واحد وصلى ثم صلى محمد ﷺ وتكرر ذلك فى هذه المرات الخمس (البخارى: كتاب المواقيت، الباب الأول؛ مسلم؛ كتاب المساجد، حديث ١٦١، ١٦٧؛ أبو داود: كتاب الصلاة الباب الثانى، الترمذى: كتاب المواقيت، الباب الأول، والعاشر والسابع عشر؛ ابن ماجة: كتاب
стр. 6503
الصلاة، الباب الأول؛ الدارمى: كتاب الصلاة الباب الثانى؛ مالك: كتاب الوقوت، حديث ١، إلخ).
وعن ابن عباس أن النبى ﷺ جمع فى المدينة عدة صلوات فجعل الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، فى غير خوف ولا سفر (١) (مسلم: كتاب المسافرين، حديث ٤٩). وقد سئل ابن عباس: لم فعل النبى ﷺ ذلك؛ فقال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته (انظر مسلم: كتاب المسافرين، حديث ٥٠؛ وانظر الحديثين ٥٤، ٥٥).
وقد جاء فى الحديث نفسه: "أتعّلمنا بالصلاة؟ وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول اللَّه ﷺ (المرجع نفسه، حديث ٥٨) وتعليق النووى على هذه العبارات من الحديث (طبعة القاهرة ١٢٨٢ هـ، جـ ٢، ص ١٩٦ وما بعدها).
وفى كتب الحديث الصحاح أحاديث متعددة تنص على أن عدد الصلوات خمس، وليس بين فقهاء المذاهب خلاف فى الرأى حول هذه المسألة.
ويطلق على الصلوات الخمس المفروضة الأسماء التالية وفقا للوقت الذى تؤدى فيه من أوقات النهار: صلاة الصبح وكثيرا ما تسمى صلاة الفجر؛ وصلاة الظهر؛ وصلاة العصر؛ وصلاة المغرب؛ صلاة العشاء ويطلق عليها فى كثير من الأحوال صلاة "العتمة" ولكن هذه التسمية الأخيرة تعاب كثيرا لأنها نابية (٢) (مسلم: كتاب المساجد، حديث ٢٢٨، ٢٢٩؛ أبو داود: كتاب الحدود، باب ٧٨؛ النسائى: كتاب المواقيت، باب ٢٣ الخ).
(٢)
وكل مسلم راشد سليم العقل، قد فرض عليه أداء الصلوات اليومية الخمس المكتوبة تمييزًا لها من الصلوات الاختيارية التى يطلق عليها "النافلة" أو صلاة "التطوع " وهذا الفرض معلق
стр. 6504
بالنسبة للمريض. أما الصلوات المتروكة فيجب أن تؤدى "قضاء"؛ وآراء الشافعية فى هذه المسألة وردت فى شرح النووى على مسلم فى كتاب المسافرين، الأحاديث ٣٠٩ - ٣١٦ (جـ ٢، ص ١٧٨ وما بعدها). وفى الرأى النظرى الصرف (وهو لا صلة له فى كثير من الأحوال بالتطبيق أو قل إنه يتصل به صلة قليلة) أن أى شخص يترك الصلاة عامدا لأنه لا يعترف بها فرضا شرعيًا يعد "كافرا". بل إن الترك العمد إذا لم يبن على سند فقهى من هذا القبيل يجعل التارك معرضا لعقوبة القتل (انظر النووى: منهاج الطالبين، طبعة v.d. Berg، جـ ١، ص ٢٠٢؛ أبو إسحاق الشيرازى: كتاب التنبيه (١) فى الفقه، طبعة Juynboll ص ١٥).
وهناك عدة شروط تمهيدية يجب أن تتوفر فى أداء الصلاة الصحيحة؛ والطهارة الضرورية المفروضة يجب أن تجدد إذ لزم الأمر بالوضوء والغسل أو التيمم؛ والثوب الذى يلبس يجب أن يستوفى الشروط الشرعية التى تهدف إلى "ستر العورة". وتفسير هذا أن الرجال يجب أن يستروا ما بين السرة إلى الركبتين، أما حرائر النساء فيجب عليهن ستر الجسم كله ما عدا الوجه واليدين، وهذا الشرط الأخير يلفت النظر، إذ أن رأى الأوربيين يناقض كل المناقضة هذا الحجاب المفروض على المرأة المسلمة (انظر Twee populaire dwalingen: snouck Hurgronje فى Verspide Geschriften, جـ ١، ص ٢٩٥ وما بعدها) والأحاديث أحيانا لا تذكر إلا ستر العورة (البخارى: كتاب الصلاة، باب ١٠) وأحيانا أخرى ينسب إلى النبى ﷺ قوله: إن العاتقين أيضًا يجب أن يسترا (مسلم: كتاب الصلاة، حديث ٢٧٨) وأحيانًا يذكر صراحة اشتمال الصمَّاء غير الوافية فى هذا الصدد (أحمد بن حنبل: المسند جـ ٣، ص ٣٢٢ وما بعدها) ويقال فى الوقت نفسه إنه يسمح بالصلاة فى ثوب واحد، أو إن هذا الأمر نفسه كثير الشيوع (أبو داود: كتاب الصلاة، باب
стр. 6505
٧٧, ٨٠ - ٨٢) ويقال من ناحية أخرى إن من يملك ثوبين يجب أن يرتديهما فى الصلاة (أبو داود: كتاب الصلاة: باب ٨٢؛ أحمد بن حنبل: جـ ٢، ص ١٤٨).
ولا ضرورة لإقامة الصلاة بالمسجد، ولكن يمكن أن تقام شعائرها فى المسكن وأى مكان آخر، والمعتمد فى هذا ما يُعزى إلى محمد ﷺ من أنه خُص بميزة هى أنه قد جعلت له الأرض مسجدًا وطهورا (البخارى: كتاب الصلاة، باب ٥٦)، ويستثنى من ذلك المقابر (مسلم: كتاب صلاة المسافرين، حديث ٢٠٨, ٢٠٩) والأماكن النجسة كالمجازر وغيرها (الترمذى: كتاب مواقيت الصلاة، باب ١٤١).
والمكان الذى تؤدى فيه الصلاة يُميز عما حوله على نحو ما بسترة، وتُستخدم "السجادة" فى ذلك بصفة عامة. ويجب الاهتمام كذلك بالاتجاه إلى مكة.
وأركان الصلاة الصحيحة هى كما يلى، ويقوم وصفنا لها على مذهب الإمام الشافعى: النية ويجهر بها أو يخافت مع التصريح بالصلاة التى ينوى المرء أداءها (Mittwoch، المصدر المذكور، ص ١٦؛ De intentie in recht, ethiek en Mystick der Semietische volken: A. Wensinck فى V.M.A.W، السلسلة الخامسة، المجلد ٤) ثم يجهر بعبارة "اللَّه أكبر" وهى تكبيرة الإحرام التى تبدأ بها حالة الانصراف إلى العبادة.
وتؤدى الصلاة قيامًا. والنطق بالدعاء أو التعوذ بعد التكبيرة سنة (انظر منهاج الطالبين، جـ ١، ص ٧٨) ثم يلى ذلك التلاوة التى تتضمن الفاتحة عادة. وأهمية هذه القراءة فى الحديث تتمثل فى القول المأثور: لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب (البخارى: كتاب الأذان، باب ٩٥؛ مسلم: كتاب الصلاة، حديث ٣٤ - ٣٦، ٤٢) وجرت العادة فى صلاة الجماعة إن تُتلى الفاتحة وحدها مع الإمام إذا بدأ الإمام بالقراءة الثانية، وعلى الحاضرين أن ينصتوا (انظر المنهاج، جـ ١، ص ٨٠) وفى الحديث كثير من الروايات عن الجهر بالقراءة أو المخافتة
стр. 6506
بها (البخارى: كتاب الكسوف، باب ١٩؛ أبو داود: كتاب الطهارة، باب ٨٩؛ النسائى: كتاب الافتتاح، باب ٢٧ - ٢٩، ٨٠ و ٨١ إلخ؛ انظر البخارى: كتاب الأذان، باب ٩٦, ٩٧, ١٠٨؛ مسلم: كتاب الصلاة، حديث ٤٧ - ٤٩؛ النسائى: كتاب الافتتاح، باب ٢٧ و ٢٨, ٨٠ إلخ).
ثم يأتى الركوع الذى يتضمن إحناء الظهر بحيث تصبح راحتا اليدين مبسوطتين على الركبتين (كريعا عند العهود؛ انظر Mittwoch المصدر المذكور، ص ١٧ وما بعدها وكذلك صور الأوضاع المختلفة للصلاة فى Manners and Customs: Lane, الفصل الخاص بالدين والشرائع، وفى Handbuch: Juynboll، ص ٧٦) فالقيام يعبر عنه "بالاعتدال" وما إن يرفع الرأس بعد الركوع حتى ترفع اليدان ويتلو المصلى "سمع اللَّه لمن حمده" (البخارى: كتاب الأذان باب ٥٢, ٧٤, ٨٢؛ مسلم: كتاب الصلاة، حديث ٢٥ و ٢٨, ٥٥؛ ٦٤ إلخ).
وهناك خلافات فى الرأى حول رفع اليدين فى الصلاة والدعاء، فيقول البعض إن محمدًا ﷺ اعتاد أن يرفع يديه فى الصلاة (البخارى: كتاب الأذان باب ٨٣ - ٨٦؛ مسلم: كتاب الصلاة، حديث ٢١ - ٢٦؛ أبو داود كتاب الصلاة، باب ١ - ٦, ٨٥ - ٨٧؛ أحمد بن حنبل، جـ ١، ص ٩٣, ٢٥٥, ٢٨٩ إلخ) وتعلق أهمية (كما يتبين من الفقرات التى استشهدنا بها وشيكا) على المدى المسموح به لارتفاع اليدين، فبالإضافة إلى رفع اليدين يحدث كذلك أن تمدّا، (البخارى: كتاب الأذان، باب ١٣٠) وواضح أيضًا متفقرات الحديث الذى استشهدنا بها أن رفع اليدين لم يكن يحدث بعد الركوع فحسب، بل كان يحدث فى بعض أجزاء الصلاة الأخرى أيضًا وهذه الحركة التى تقضى بها الشعيرة كانت تفضل خاصة فى صلاة الاستسقاء (البخارى: كتاب الجمعة، باب ٣٤, ٣٥؛ مسلم: كتاب الاستسقاء، حديث ٥ - ٧؛ أحمد بن حنبل، جـ ٣، ص ١٠٤, ١٥٣, ١٨١ إلخ) ويرد فى بعض الأحيان أن رفع اليدين لا يسمح به فى كل دعاء اللهم إلا فى الاستسقاء (مثل النسائى: كتاب قيام الليل، باب ٥٢، أحمد بن حنبل، جـ ٢، ص ٢٤٣)
стр. 6507
ويمكن معرفة قيمة هذه الشعيرة مثلا مما قيل إن محمدًا ﷺ كان يتوضأ قبل أن يرفع يديه للدعاء (البخارى: كتاب المغازى، باب ٥٥) ويصبح هذا واضحًا كل الوضوح حين نفكر فى أن رفع اليدين كان فى الواقع عملا واجبًا يتخذه الإنسان إزاء اللَّه كما بين جولدتسيهر فى مقاله (Noldeke.Festschrift. Zauber elemente in islamischen Gebet جـ ١، ص ٣٢٠). ثم إن السنة تربط القنوت بالركوع، والقنوت يدخل من بعض نواحيه فى نفس الباب الذى يدخل فيه رفع اليدين كما أبان جولدتسيهر أيضًا فى مقاله الذى ذكرناه وشيكا.
والركن الآخر للصلاة الذى يلى هذا هو"السجود" وكان أيضًا من شعائر الصلاة عند اليهود (انظر Mittwoch: المصدر المذكور، ص ١٧ وما بعدها: هشتجواياه) وكذلك عند المسيحيين (Moharmneden de Joden to Medina: Wensinck, ص ١٠٤ وما بعدها) ويتخذ المصلى بعد ذلك وضعا بين الركوع والقعود وهو ما يعبر عنه فى العربية عادة بالجلوس (انظر Juynboll: المصدر المذكور، ص ٧٦، شكل ٧) ثم تلى ذلك سجده أخرى؛ وهذه الشعائر من تلاوة الفاتحة حتى السجدة الثانية هى ركعة كاملة. ويجب أن نلاحظ أنه لا يزال هناك خلاف كبير فى كتب الحديث على الأقل حول هذا الاصطلاح. ويبدو أحيانًا أن كلمة ركعة تستعمل فيما تستعمل فيه كلمة سجدة، وأحيانا تكون كلمة ركعة (وهو الاستعمال الذى استقر من بعد) اصطلاحا أشمل معنى، ينطبق على الجزء الأوسط من الصلاة كلها الذى وصفناه وشيكا ويوضح تاريخ الشعائر الإسلامية وحده، هذه النواحى توضيحًا دقيقًا. وأكثر الاصطلاحات استعمالا (فى الحديث أيضًا) يحدد عدد الركعات لكل صلاة، فصلاة الفجر ركعتان، وصلاة الظهر أربع ركعات، وصلاة العصر أربع ركعات، وصلاة المغرب ثلاث ركعات، وصلاة العشاء أربع ركعات، بل إن الحديث يقول أيضًا إن الصلاة كانت فى الأصل من ركعتين، وإن هذا العدد نفسه عمل به فى صلاة السفر.
стр. 6508
ولكن عدد ركعات الصلاة العادية حدد بأربع (انظر مثلا البخارى: كتاب الصاوة، باب ١؛ مسلم: كتاب صلاة المسافرين، الحديث من ١ - ٣ إلخ). ويفترض متفوح (انظر المصدر المذكور، ص ١٨ وما بعدها) وجود التأثير اليهودى فى الاختيار الأصلى للركعتين [وهذا لا أساس له].
والقول بأن هذه الصلاة أو تلك تشتمل على عدة ركعات، يدل على أن الشعائر الاستهلالية التى تسبق القراءة الأولى، والشعائر التى تعقب السجدة الثانية (انظر ما يلى) لا يقتضى الأمر أن تقع إلا مرة واحدة فحسب فى الصلاة التى نحن بصددها، على حين أن الشعائر الأخرى التى تجئ خلال ذلك تكرر عدة مرات، والشعائر التى تعقب السجدة الثانية هى "التشهد" الذى يتلى مع الجلوس. أما إن القاعدة التى ذكرناها وشيكا عن تكرار بعض أجزاء معينة من الصلاة فواضح من حديث للنبى [ ﷺ ] عن وجوب تكرار التشهد فى كل ركعتين (أحمد بن حنبل، جـ ١، ص ٢١١) ثم تأتى بعد ذلك الصلاة على النبى التى تتضمن تحميد، تكثر فيه عبارة " ﷺ " وهذه العبارات تكون مع الجلوس، ويظل المصلى جالسا أثناء هذه الشعيرة الختامية، وهى السلام أو تسليمة "التحليل" التى تنتهى بها حالة الانصراف إلى العبادة. والصيغة الكاملة لهذا السلام فى قول النووى (المصدر المذكور، ص ٩١، وما بعدها) هى "السلام عليكم ورحمة اللَّه". ولكن يمكن اختصار هذه الصيغة وينطق بها مرتين، مرة والمصلى ينظر إلى اليمين وأخرى وهو ينظر إلى الشمال وتعتبر تسليما على المؤمنين، ولكنها تشير كذلك إلى الملائكة الحافظين الحاضرين انظر متفوح (المصدر المذكور، ص ١٨) عن نظائر ذلك فى صلاة اليهود.
وتصنف الشعائر المختلفة للصلاة بحسب أهميتها وبحسب كونها فرضا أو سنة. ويعدد النووى (المصدر المذكور، ص ٧٤ وما بعدها) من أركان الصلاة ما يلى: النية، وتكبيرة الإحرام، والقيام، والقراءة، والركوع، والاعتدال،
стр. 6509
والسجود، والجلوس، والتشهد، والقعود، والصلاة على النبى، والسلام، ثم يذكر الركن الثالث عشر وهو "الترتيب". أما الشعائر الأخرى التى ذكرنا بعضها آنفا فهى عنده سنة (انظر أبا إسحاق الشيرازى: التنبيه، ص ٢٥).
وإن كثرة شعائر السنة، وهو أمر يتوقف على اختصارها أو القيام بها فى تفصيل كبير، هو الذى يحدد لكل صلاة صفتها ويؤثر بصفة خاصة فى طولها، ويصدق هذا خاصة على الأذكار التى تتخللها (انظر مولوى محمد على: The Holy Quran، الطبعة الثانية، لاهور ١٩٢٠, ص ٢) وعلى القراءة؛ لأن تلاوة الفاتحة يمكن أن يعقبها تلاوة آيات أخرى من القرآن الكريم. وفى الحديث كثير مما يقال فى هذا الموضوع.
ويبدو أن الحماسة الشديدة التى أظهرها كثير من الأئمة فى هذا الصدد كانت فى كثير من الأحيان عبئًا على المؤمن. ويقال إن كثيرًا من المؤمنين شكوا إلى النبى من ذلك، وروى أن الرسول [ ﷺ ] استمع إلى شكاتهم فحذر النبى [ ﷺ ] الأئمة بقوله: ". . فمن صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض" (البخارى: كتاب العلم، باب ٢٨؛ مسلم: كتاب الصلاة، حديث ١٧٩ - ١٩٠؛ أبو داود: كتاب الصلاة، باب ١٢٢, ١٢٣ إلخ) بل إننا نجده فيما روى عنه يقول فى وصف الإمام المقصود إنه "فتّان" (البخارى: كتاب الأذان، كما أثنى المؤمنون على محمد [ ﷺ ] أيضًا فقالوا: كان رسول اللَّه [ ﷺ ] من أخف الناس صلاة فى تمام (أحمد بن حنبل، جـ ٣، ص ٢٧٩, ٢٨٢ وفى كثير من المواضع الأخرى).
ويحدد الفقه أيضًا تحديدا دقيقا الأعمال والأوضاع الجسدية التى تبطل الصلاة (النووى: المصدر المذكور، ص ١٠٣ وما بعدها؛ أبو إسحاق الشيرازى، ص ٢٨ وما بعدها؛ ويسجل الحديث أن بعض المؤمنين فى بادئ الأمر اعتادوا أن يتحدث الواحد منهم إلى الآخر دون حرج أثناء الصلاة، ويحيون محمدا [ ﷺ ] كما يحيى بعضهم بعضا, ولكن الرسول [ ﷺ ] وضع حدًا لهذه الرخصة (البخارى:
стр. 6510
كتاب العمل فى الصلاة، باب ٢ - ٤) ومجريات الأحوال القديمة تتجلى بأجلى بيان فى هذا الخبر المتواتر الذى يروى كيف كان النبى [ ﷺ ] يصلى وقد تعلقت ابنته زينب الصغيرة بعنقه، وقيل إنه لما سجد وضع الطفلة على الأرض ثم رفعها مرة أخرى حين قام (البخارى: كتاب الصلاة، باب ١٠٦؛ مسلم: كتاب المساجد ٤١ - ٤٤؛ النسائى: كتاب المساجد، باب ١٩). وفى حديث آخر يروى كيف وثب الحسن والحسين على ظهر محمد [ ﷺ ] أثناء سجوده (أحمد بن حنبل، جـ ٢: ص ٥١٣).
(٣)
وثمة صلوات غير مفروضة علاوة على الصلوات اليومية الخمس، يقسمها الغزالى إلى ثلاثة أنواع: السنة، والمستحب، والتطوع (الإحياء، القاهرة ١٣٠٢ هـ، جـ ١، ص ١٧٤) ويصدق هذا النوع الأخير على صلاة الليل، وهو الاسم الذى يغلب استعماله فى الحديث، على حين يستعمل القرآن "التهجد" (سورة الإسراء: الآية ٧٩).
ويفضل فى وصف هذه التعبدات الليلية، فى "ليلة القدر"، خاصة وفى ليالى رمضان عامة، استعمال كلمة "قيام" التى تدل على ما كان للقيام والسهر فى ذاتيهما من شأن عظيم.
ويتضح من الحديث أن مثل هذه العبادات الليلية كان يمارسها المجتمع الإسلامى الأول فى شغف وغيرة. وحسبنا أن نقول هنا إنه حتى فى حياة محمد [ ﷺ ] كانت هذه التعبدات ليست لها صفة الفرض (أبو داود: كتاب التطوع، باب ١٧، ٢٦؛ والنسائى: كتاب قيام الليل باب ٢؛ الدارمى: كتاب الصلاة، باب ١٦٥).
وتتصل صلاة الليل صلة وثيقة بالوتر، ومعناها "الفرد" وتتضمن هذه الشعيرة فى الواقع إضافة ركعة واحدة إلى الركعات الزوجية فى صلاة الليل، وبالإضافة إلى ذلك صلاة الضحى وهى الصلاة الوحيدة قبل الظهر، فعند أحمد بن حنبل (جـ ١، ص ١٤٧) يحدد الوقت على الوجه التالى: "صلى رسول اللَّه [ ﷺ ] الضحى حين كانت الشمس من المشرق حتى مكانها من المغرب فى
стр. 6511
صلاة العصر"؛ ويروى أن النبى [ ﷺ ] كان يمتدح صلاة الضحى (النسائى: كتاب قيام الليل باب ٢٨؛ كتاب الصيام باب، ٨١, الدارمى: كتاب الصلاة باب ١٥١، أحمد بن حنبل جـ ٢، ص ١٧٥، ٢٦٥, ٢٧١. . الخ) ويؤديها بانتظام، وثمة آراء قالت بأن الرسول [ ﷺ ] كان يؤديها مرة واحدة فحسب، أو كان يؤديها عند رجوعه من سفر، وآراء أخرى ترى أن من أئمة الرواة؛ من لم يؤدها (البخارى كتاب التهجد باب ٣١ الدارمى: كتاب الصلاة باب ١٥٢).
أما الصلوات السابقة واللاحقة للصلوات المفروضة، والتى تشتمل على ركعتين عادة فإنها كثيرة جدًا تقام قبل صلاة الفجر (البخارى: كتاب الأذان، باب ١٥؛ أبو داود: كتاب التطوع، باب ٦)؛ وتقام قبل صلاة الظهر وبعدها (البخارى: كتاب التهجد، باب ٢٥؛ مسلم كتاب صلاة المسافرين، حديث ١٠٥, ١٠٦) وتقام قبل صلاة العصر (أبو داود: كتاب التطوع، باب ٨؛ البخارى: كتاب المواقيت، باب ٥٣؛ وانظر كتاب المغازى، باب ٦٩)؛ وتقام قبل صلاة المغرب وبعدها (البخارى: كتاب التهجد، باب ٣٥, ٢٤, ست ركعات بعد صلاة المغرب: الترمذى: كتاب المواقيت، باب ٢٠٤)؛ وتقام قبل وبعد صلاة العشاء (البخارى: كتاب التهجد، باب ٢٥)؛ ولكن روى أيضًا عن النبى [ ﷺ ] أنه لم يتقيد بكل هذه الصلوات الاختيارية كل يوم. ويحدد عددها فى الغالب بست عشرة ركعة واثنتى عشرة ركعة أحمد بن حنبل: جـ ١ ص ١١, ١٤٢, ١٤٣, ١٤٦, ١٤٧ وما بعدها)، هذا بالإضافة إلى أن ثمة "رواتب" تقام فى أيام مختلفة من الأسبوع والشهر (انظر الغزالى: الإحياء، جـ ١، ص ١٧٤ وما بعدها، فى باب ٧ من كتاب الصلاة) وفى مناسبات مختلفة مثل دخول المسجد والرجوع من سفر (البخارى: كتاب الصلاة، باب ٦٠؛ مسلم: كتاب المسافرين، حديث ٧٤).
(٤)
ويجوز للمرء أن يؤدى الصلاة اليومية وحده، ولكن المستحب أن يؤديها جماعة (وعن اختلاف الرأى فى
стр. 6512
هذه المسألة، انظر النووى، ص ١١٦ وما بعدها) ومهما يكن من أمر فإن ذلك فى رأى النووى غير مفروض على النساء، بل هو غير مستحب بالنسبة لهن. ويؤكد الحديث تأكيدا قويا فضائل صلاة الجماعة (البخارى: كتاب الأذان، باب ٢٩ - ٣١ - ٣٤؛ كتاب المساجد، الأحاديث ٢٤٥ - ٢٥٩، ٢٧١ - ٢٨٢؛ النسائى: كتاب الأئمة باب ٤٢، ٤٥، ٤٨ - ٥٠، ٥٢). والمسجد فى الوقت نفسه مستحب بوصفه مكانًا للاجتماع وإن لم تكن الصلاة فيه فرضا, ولا تتوقف شرعيتها على توافر عدد معين من المصلين الحاضرين. وقد جاء فى أبى إسحاق الشيرازى (التنبيه، ص ٣١؛ انظر ابن ماجه، كتاب الإقامة باب ٥) أن الجماعة تنعقد بشخصين. وكثيرا ما تذكر صلوات أداها ثلاثة أشخاص (مثل مسلم: كتاب المساجد، حديث ٢٦٩).
ومن المستحب أن يذهب الشخص إلى الصلاة فى هدوء (البخارى: كتاب الأذان، باب ٢٠, ٢١, ٢٣؛ مسلم: كتاب المساجد، حديث ١٥١ - ١٥٥). ويعد أيضًا من الثواب خاصة أن يتخذ المرء مكانه فى المسجد قبل بدء الصلاة بوقت وأن ينتظر وقتا بعد الفراغ منها (أحمد ابن حنبل، جـ ٢، ص ٢٦٦, ٢٧٧, ٢٨٩ وما بعدها ٣٠١). وإذا حضر شخص متأخرا بحيث شارك فى ركعة واحدة فإنه يعد مع ذلك قد أدرك صلاة الجماعة (البخارى: كتاب المواقيت، باب ٢٩؛ مسلم: كتاب المساجد، حديث ١٦١, ١٦٥ إلخ) والرأى المعارض لذلك يقول به مالك (كتاب الوقت، حديث ١٦) بل إنه إذا دخل أحد المسجد بعد أدائه الصلاة وحده مباشرة، فعليه أن يشارك فى صلاة الجماعة (أبو داود: كتاب الصلاة باب ٥٦؛ الترمذى: كتاب المواقيت باب ٤٩). والقاعدة الشائعة هى أن الشخص يجب أن يؤدى وحده ما فاته من صلاة الجماعة (أحمد بن حنبل، جـ ٢، ص ٢٣٧, ٢٣٨, ٢٣٩، ٢٧٠ الخ).
ويرتب المصلون أنفسهم صفوفا متلاصقين فى حسن ترتيب، ويؤكد ذلك تأكيدا خاصا (البخارى كتاب الأذان باب ٧١, ٧٢, ٧٤ - ٧٦, ١١٤؛ مسلم: كتاب الصلاة، حديث ١٢٢ -
стр. 6513
١٢٨؛ أبو داود: باب ٩٣ - ١٠٠؛ أحمد ابن حنبل، مجلد ٣ جـ ٣، ص ١٢٢ وما بعدها, ١١٤ و ١٢٢ الخ) والأماكن فى الصف الأول لها مميزات خاصة (البخارى: كتاب الأذان، باب ٩ - ٧٣؛ مسلم: كتاب الصلاة، حديث ١٢٩ - ١٣٢) كما أنها تكون فى هذا الصف مفضلة بخاصة إذا كانت على يمين الإمام (ابن ماجه: كتاب الإقامة، باب ٣٤) ومع ذلك فإن هذا يصدق على الرجال فحسب، أما النساء فيحسن أن يأخذن أماكنهن فى الصف الأخير أحمد بن حنبل، جـ ٢، ص ٤٧, ٣٣٦, ٣٥٤, ٣٧٠). ويؤم صلاة الجماعة إمام يتخذ مكانه أمام الصف الأول، أما إذا كان عدد الحاضرين اثنين غيره فإنه يقف بينهما أو يجعل أحدهما إلى يمينه والآخر خلفه (أبو داود: كتاب الصلاة باب ٩٨؛ النسائى: كتاب التطبيق باب ١؛ أحمد بن حنبل جـ ١ ص ٤٥١).
وقد استقر الرأى على أن المصلى يجب أن يتبع الإمام فى كل ما يأتيه (البخارى: كتاب الأذان، باب ٥١ - ٥٣، ٧٤, ٨٢ الخ)
وقد بين متفوح Mittwoch (المصدر المذكور، ص ٢٢ - وقد حذا حذوه بكر Becker فى Deer Islam، جـ ٣، ص ٣٨٦ وما بعدها أن الإمام يماثل الـ "شلياح هاصبور" فى الصلاة عند اليهود) وإمامة فرائض الصلاة يمكن أن يؤديها فى الإسلام أى عضو من الجماعة كفء لأدائها. وقد جرت الحال فى المدينة على حياة النبى [ ﷺ ] أنه كان يؤم الناس فى الصلاة، ولم يشذ الأمر عن ذلك إلا فى حالات استثنائية، ويقال إنه فى مرضه الأخير وفى مناسبات أخرى أثناء غيابه، كان أبو بكر ينوب عنه فى ذلك عادة. ويميل الحديث إلى الإفاضة فى هذه المسألة، ولعل الأمر يقتضينا فى هذه المسألة أن نعد كثيرًا من الأمور انعكاسا للحوادث التى وقعت بعد موت رسول اللَّه [ ﷺ ]، فإن إمامة الصلاة كان لها حينذاك شأن خطير كما يتبين من الدلائل المتعددة التى تدل عليها كلمة إمام، فقد كان إمام "الجماعة" فى مسجد النبى بطبيعة الحال هو أيضًا إمام الجماعة فى الشئون السياسية. ثم حدث الفصل شيئًا فشيئا بين الوظائف، ولكن الخليفة
стр. 6514
وزعيم الجماعة قد احتفظ كلاهما على السواء بلقب الإمام.
وعلى حين أن الإمام كان على الأقل فى الأيام الأولى للخلفاء يعين لمسجد النبى، فإن التغيير فى أداء هذه الواجبات كان أكثر توقعا.
فإذا اجتمع عدد من الأشخاص لصلاة الجماعة فإنه يقال أحيانا إنه يجب أن يؤمهم فى الصلاة أكبرهم سنا (البخارى: كتاب الأذان، باب ١٧, ١٨, ٣٥, ٤٩, ١٤٠؛ كتاب الجهاد، باب ٤٢، النسائى: كتاب الأذان باب ٧ الخ) ويقال أحيانا أن ذلك الواجب يقع على أفقههم بالقرآن الكريم (مسلم: كتاب المساجد، حديث ٢٨٩ - ٢٩١؛ النسائى: كتاب الأذان، باب ٨؛ أحمد بن حنبل جـ ٣، ص ٢٤, ٣٤, ٣٦ الخ). ويستطيع أن يقوم بواجب الإمامة العبيد والأحرار على السواء (البخارى: كتاب الأذان، باب ٥٤). بل لقد جاء فى حديث زيدى ذكر لنساء قمن بإمامة الصلاة (" Juris Corpus ") di Zaid ibn'Ali، طبعة Griffini, رقم ١٨٩).
أما مسألة من يمكن أن يؤدى المرء خلفه الصلاة، فقد بحثت فى كتب الفقه وفى مجموعات الحديث (النووى: المصدر المذكور، ص ١٣١؛ البخارى: كتاب الأذان، باب ٥٦؛ أبو داود: كتاب الصلاة، باب ٦٣).
وأما مسئولية الإمام (أحمد بن حنبل، جـ ٢، ص ٢٣٢, ٢٨٤, ٣٧٧ وما بعدها الخ) وما يلقاه عند اللَّه من ثواب فقد أشيد بهما (أبو داود: كتاب الصلاة، باب ٥٨، ابن ماجه: كتاب الإقامة، باب ٤٧). ويجب أن يتنحى المرء عن الإمامة إذا حضر من هو أعظم منه مقاما فى الأمور الدينية. (النسائى: كتاب الأئمة، باب ٣، ٦) ويجب ألا يفرض أحد نفسه على الناس (أبو داود: كتاب الصلاة، باب ٦٢؛ الترمذى: كتاب المواقيت، باب ١٤٩). وينبغى ألا يكون الإمام غريبا بل رجلًا من أهل البيئة (أبو داود: كتاب الصلاة باب ٦٥؛ الترمذى: كتاب المواقيت، باب ١٤٧؛ مالك: كتاب صلاة الجماعة، باب ١٥).
وتطورت إمامة الجماعة شيئًا فشيئًا إلى وظيفة تتفاوت حدودها، ففى مصر
стр. 6515
كان الإمام فى بعض الأحيان تاجرا من صغار التجار أو ناظر مدرسة (Manners and Customs: Lane، ص ٩٦ وما بعدها) ويقام فى المساجد الكبرى إمامان يؤجران من مخصصات المسجد، ونجد فى مكة أن الذين يقومون بالإمامة هم ابرز العلماء أو أشخاص عاديون على السواء (Mekka: Snouck Hurgronje جـ ٢، ص ٢٣٤، الحاشية) وفى جزائر الهند الشرقية الهولندية يقوم بالإمامة البنغولو الذى يلى أيضًا القضاء.
وعلاوة على الصلوات الخمس اليومية، تقوم الجماعة بصلوات أخرى خاصة فى مناسبات معلومة، وأهمها صلاة الجمعة، وصلاة العيدين، وصلاة الاستسقاء، وصلاة الكسوف.
وثمة صلاة مختلفة عن ذلك تماما، وهى صورة خاصة أو مختصرة من الصلاة الإسلامية الصحيحة, ونعنى بها صلاة السفر التى تقام من ركعتين. ويوجه الفقهاء بطبيعة الحال عناية كبيرة إلى المقصود بالسفر. وهناك تيسير آخر للسفر هو الجمع بين صلاتين أو أكثر فى صلاة واحدة. وفى الحديث بيانات كثيرة فى هذا الشأن (مثل البخارى: كتاب تقصير الصلاة، باب ٦, ١٣ - ١٩؛ مسلم: كتاب صلاة المسافرين، حديث ٤٢ - ٥٨ الخ) ويقال، كما ذكرنا فى القسم الأول من هذه المادة، إن النبى [ ﷺ ] جمع بين عدة صلوات فى المدينة؛ وانظر عن مدلول مثل هذه الأقوال ما ذكر فى هذا القسم وما أورده النووى (المصدر المذكور، ص ٥٩ أو ما بعدها).
وهناك صلاة وصفها القرآن الكريم وهى صلاة الخوف التى تقام حين يكون المؤمنون مهددين بالخطر من عدو (سورة النساء آية ١٠١ - ١٠٣) وتختلف هذه فى جوهرها عن الصلاة المألوفة فى أن المؤمنين يصطفون فى صفين أحدهما يقوم بالمراقبة شاكى السلاح أثناء سجود الصف الآخر، ويكرر كل صف ذلك حتى يؤدوا جميعًا السجود، وعندئذ يشترك الجميع فى تلاوة التشهد. وإذا كانوا يتوقعون هجوم العدو من جهة أخرى غير القبلة فإن الصلاة تعدّل وفقا لما تقتضيه