← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

صلاة العصر"؛ ويروى أن النبى [ ﷺ ] كان يمتدح صلاة الضحى (النسائى: كتاب قيام الليل باب ٢٨؛ كتاب الصيام باب، ٨١, الدارمى: كتاب الصلاة باب ١٥١، أحمد بن حنبل جـ ٢، ص ١٧٥، ٢٦٥, ٢٧١. . الخ) ويؤديها بانتظام، وثمة آراء قالت بأن الرسول [ ﷺ ] كان يؤديها مرة واحدة فحسب، أو كان يؤديها عند رجوعه من سفر، وآراء أخرى ترى أن من أئمة الرواة؛ من لم يؤدها (البخارى كتاب التهجد باب ٣١ الدارمى: كتاب الصلاة باب ١٥٢). أما الصلوات السابقة واللاحقة للصلوات المفروضة، والتى تشتمل على ركعتين عادة فإنها كثيرة جدًا تقام قبل صلاة الفجر (البخارى: كتاب الأذان، باب ١٥؛ أبو داود: كتاب التطوع، باب ٦)؛ وتقام قبل صلاة الظهر وبعدها (البخارى: كتاب التهجد، باب ٢٥؛ مسلم كتاب صلاة المسافرين، حديث ١٠٥, ١٠٦) وتقام قبل صلاة العصر (أبو داود: كتاب التطوع، باب ٨؛ البخارى: كتاب المواقيت، باب ٥٣؛ وانظر كتاب المغازى، باب ٦٩)؛ وتقام قبل صلاة المغرب وبعدها (البخارى: كتاب التهجد، باب ٣٥, ٢٤, ست ركعات بعد صلاة المغرب: الترمذى: كتاب المواقيت، باب ٢٠٤)؛ وتقام قبل وبعد صلاة العشاء (البخارى: كتاب التهجد، باب ٢٥)؛ ولكن روى أيضًا عن النبى [ ﷺ ] أنه لم يتقيد بكل هذه الصلوات الاختيارية كل يوم. ويحدد عددها فى الغالب بست عشرة ركعة واثنتى عشرة ركعة أحمد بن حنبل: جـ ١ ص ١١, ١٤٢, ١٤٣, ١٤٦, ١٤٧ وما بعدها)، هذا بالإضافة إلى أن ثمة "رواتب" تقام فى أيام مختلفة من الأسبوع والشهر (انظر الغزالى: الإحياء، جـ ١، ص ١٧٤ وما بعدها، فى باب ٧ من كتاب الصلاة) وفى مناسبات مختلفة مثل دخول المسجد والرجوع من سفر (البخارى: كتاب الصلاة، باب ٦٠؛ مسلم: كتاب المسافرين، حديث ٧٤). (٤) ويجوز للمرء أن يؤدى الصلاة اليومية وحده، ولكن المستحب أن يؤديها جماعة (وعن اختلاف الرأى فى

стр. 6512

هذه المسألة، انظر النووى، ص ١١٦ وما بعدها) ومهما يكن من أمر فإن ذلك فى رأى النووى غير مفروض على النساء، بل هو غير مستحب بالنسبة لهن. ويؤكد الحديث تأكيدا قويا فضائل صلاة الجماعة (البخارى: كتاب الأذان، باب ٢٩ - ٣١ - ٣٤؛ كتاب المساجد، الأحاديث ٢٤٥ - ٢٥٩، ٢٧١ - ٢٨٢؛ النسائى: كتاب الأئمة باب ٤٢، ٤٥، ٤٨ - ٥٠، ٥٢). والمسجد فى الوقت نفسه مستحب بوصفه مكانًا للاجتماع وإن لم تكن الصلاة فيه فرضا, ولا تتوقف شرعيتها على توافر عدد معين من المصلين الحاضرين. وقد جاء فى أبى إسحاق الشيرازى (التنبيه، ص ٣١؛ انظر ابن ماجه، كتاب الإقامة باب ٥) أن الجماعة تنعقد بشخصين. وكثيرا ما تذكر صلوات أداها ثلاثة أشخاص (مثل مسلم: كتاب المساجد، حديث ٢٦٩). ومن المستحب أن يذهب الشخص إلى الصلاة فى هدوء (البخارى: كتاب الأذان، باب ٢٠, ٢١, ٢٣؛ مسلم: كتاب المساجد، حديث ١٥١ - ١٥٥). ويعد أيضًا من الثواب خاصة أن يتخذ المرء مكانه فى المسجد قبل بدء الصلاة بوقت وأن ينتظر وقتا بعد الفراغ منها (أحمد ابن حنبل، جـ ٢، ص ٢٦٦, ٢٧٧, ٢٨٩ وما بعدها ٣٠١). وإذا حضر شخص متأخرا بحيث شارك فى ركعة واحدة فإنه يعد مع ذلك قد أدرك صلاة الجماعة (البخارى: كتاب المواقيت، باب ٢٩؛ مسلم: كتاب المساجد، حديث ١٦١, ١٦٥ إلخ) والرأى المعارض لذلك يقول به مالك (كتاب الوقت، حديث ١٦) بل إنه إذا دخل أحد المسجد بعد أدائه الصلاة وحده مباشرة، فعليه أن يشارك فى صلاة الجماعة (أبو داود: كتاب الصلاة باب ٥٦؛ الترمذى: كتاب المواقيت باب ٤٩). والقاعدة الشائعة هى أن الشخص يجب أن يؤدى وحده ما فاته من صلاة الجماعة (أحمد بن حنبل، جـ ٢، ص ٢٣٧, ٢٣٨, ٢٣٩، ٢٧٠ الخ). ويرتب المصلون أنفسهم صفوفا متلاصقين فى حسن ترتيب، ويؤكد ذلك تأكيدا خاصا (البخارى كتاب الأذان باب ٧١, ٧٢, ٧٤ - ٧٦, ١١٤؛ مسلم: كتاب الصلاة، حديث ١٢٢ -

стр. 6513

١٢٨؛ أبو داود: باب ٩٣ - ١٠٠؛ أحمد ابن حنبل، مجلد ٣ جـ ٣، ص ١٢٢ وما بعدها, ١١٤ و ١٢٢ الخ) والأماكن فى الصف الأول لها مميزات خاصة (البخارى: كتاب الأذان، باب ٩ - ٧٣؛ مسلم: كتاب الصلاة، حديث ١٢٩ - ١٣٢) كما أنها تكون فى هذا الصف مفضلة بخاصة إذا كانت على يمين الإمام (ابن ماجه: كتاب الإقامة، باب ٣٤) ومع ذلك فإن هذا يصدق على الرجال فحسب، أما النساء فيحسن أن يأخذن أماكنهن فى الصف الأخير أحمد بن حنبل، جـ ٢، ص ٤٧, ٣٣٦, ٣٥٤, ٣٧٠). ويؤم صلاة الجماعة إمام يتخذ مكانه أمام الصف الأول، أما إذا كان عدد الحاضرين اثنين غيره فإنه يقف بينهما أو يجعل أحدهما إلى يمينه والآخر خلفه (أبو داود: كتاب الصلاة باب ٩٨؛ النسائى: كتاب التطبيق باب ١؛ أحمد بن حنبل جـ ١ ص ٤٥١). وقد استقر الرأى على أن المصلى يجب أن يتبع الإمام فى كل ما يأتيه (البخارى: كتاب الأذان، باب ٥١ - ٥٣، ٧٤, ٨٢ الخ) وقد بين متفوح Mittwoch (المصدر المذكور، ص ٢٢ - وقد حذا حذوه بكر Becker فى Deer Islam، جـ ٣، ص ٣٨٦ وما بعدها أن الإمام يماثل الـ "شلياح هاصبور" فى الصلاة عند اليهود) وإمامة فرائض الصلاة يمكن أن يؤديها فى الإسلام أى عضو من الجماعة كفء لأدائها. وقد جرت الحال فى المدينة على حياة النبى [ ﷺ ] أنه كان يؤم الناس فى الصلاة، ولم يشذ الأمر عن ذلك إلا فى حالات استثنائية، ويقال إنه فى مرضه الأخير وفى مناسبات أخرى أثناء غيابه، كان أبو بكر ينوب عنه فى ذلك عادة. ويميل الحديث إلى الإفاضة فى هذه المسألة، ولعل الأمر يقتضينا فى هذه المسألة أن نعد كثيرًا من الأمور انعكاسا للحوادث التى وقعت بعد موت رسول اللَّه [ ﷺ ]، فإن إمامة الصلاة كان لها حينذاك شأن خطير كما يتبين من الدلائل المتعددة التى تدل عليها كلمة إمام، فقد كان إمام "الجماعة" فى مسجد النبى بطبيعة الحال هو أيضًا إمام الجماعة فى الشئون السياسية. ثم حدث الفصل شيئًا فشيئا بين الوظائف، ولكن الخليفة

стр. 6514

وزعيم الجماعة قد احتفظ كلاهما على السواء بلقب الإمام. وعلى حين أن الإمام كان على الأقل فى الأيام الأولى للخلفاء يعين لمسجد النبى، فإن التغيير فى أداء هذه الواجبات كان أكثر توقعا. فإذا اجتمع عدد من الأشخاص لصلاة الجماعة فإنه يقال أحيانا إنه يجب أن يؤمهم فى الصلاة أكبرهم سنا (البخارى: كتاب الأذان، باب ١٧, ١٨, ٣٥, ٤٩, ١٤٠؛ كتاب الجهاد، باب ٤٢، النسائى: كتاب الأذان باب ٧ الخ) ويقال أحيانا أن ذلك الواجب يقع على أفقههم بالقرآن الكريم (مسلم: كتاب المساجد، حديث ٢٨٩ - ٢٩١؛ النسائى: كتاب الأذان، باب ٨؛ أحمد بن حنبل جـ ٣، ص ٢٤, ٣٤, ٣٦ الخ). ويستطيع أن يقوم بواجب الإمامة العبيد والأحرار على السواء (البخارى: كتاب الأذان، باب ٥٤). بل لقد جاء فى حديث زيدى ذكر لنساء قمن بإمامة الصلاة (" Juris Corpus ") di Zaid ibn'Ali، طبعة Griffini, رقم ١٨٩). أما مسألة من يمكن أن يؤدى المرء خلفه الصلاة، فقد بحثت فى كتب الفقه وفى مجموعات الحديث (النووى: المصدر المذكور، ص ١٣١؛ البخارى: كتاب الأذان، باب ٥٦؛ أبو داود: كتاب الصلاة، باب ٦٣). وأما مسئولية الإمام (أحمد بن حنبل، جـ ٢، ص ٢٣٢, ٢٨٤, ٣٧٧ وما بعدها الخ) وما يلقاه عند اللَّه من ثواب فقد أشيد بهما (أبو داود: كتاب الصلاة، باب ٥٨، ابن ماجه: كتاب الإقامة، باب ٤٧). ويجب أن يتنحى المرء عن الإمامة إذا حضر من هو أعظم منه مقاما فى الأمور الدينية. (النسائى: كتاب الأئمة، باب ٣، ٦) ويجب ألا يفرض أحد نفسه على الناس (أبو داود: كتاب الصلاة، باب ٦٢؛ الترمذى: كتاب المواقيت، باب ١٤٩). وينبغى ألا يكون الإمام غريبا بل رجلًا من أهل البيئة (أبو داود: كتاب الصلاة باب ٦٥؛ الترمذى: كتاب المواقيت، باب ١٤٧؛ مالك: كتاب صلاة الجماعة، باب ١٥). وتطورت إمامة الجماعة شيئًا فشيئًا إلى وظيفة تتفاوت حدودها، ففى مصر

стр. 6515

كان الإمام فى بعض الأحيان تاجرا من صغار التجار أو ناظر مدرسة (Manners and Customs: Lane، ص ٩٦ وما بعدها) ويقام فى المساجد الكبرى إمامان يؤجران من مخصصات المسجد، ونجد فى مكة أن الذين يقومون بالإمامة هم ابرز العلماء أو أشخاص عاديون على السواء (Mekka: Snouck Hurgronje جـ ٢، ص ٢٣٤، الحاشية) وفى جزائر الهند الشرقية الهولندية يقوم بالإمامة البنغولو الذى يلى أيضًا القضاء. وعلاوة على الصلوات الخمس اليومية، تقوم الجماعة بصلوات أخرى خاصة فى مناسبات معلومة، وأهمها صلاة الجمعة، وصلاة العيدين، وصلاة الاستسقاء، وصلاة الكسوف. وثمة صلاة مختلفة عن ذلك تماما، وهى صورة خاصة أو مختصرة من الصلاة الإسلامية الصحيحة, ونعنى بها صلاة السفر التى تقام من ركعتين. ويوجه الفقهاء بطبيعة الحال عناية كبيرة إلى المقصود بالسفر. وهناك تيسير آخر للسفر هو الجمع بين صلاتين أو أكثر فى صلاة واحدة. وفى الحديث بيانات كثيرة فى هذا الشأن (مثل البخارى: كتاب تقصير الصلاة، باب ٦, ١٣ - ١٩؛ مسلم: كتاب صلاة المسافرين، حديث ٤٢ - ٥٨ الخ) ويقال، كما ذكرنا فى القسم الأول من هذه المادة، إن النبى [ ﷺ ] جمع بين عدة صلوات فى المدينة؛ وانظر عن مدلول مثل هذه الأقوال ما ذكر فى هذا القسم وما أورده النووى (المصدر المذكور، ص ٥٩ أو ما بعدها). وهناك صلاة وصفها القرآن الكريم وهى صلاة الخوف التى تقام حين يكون المؤمنون مهددين بالخطر من عدو (سورة النساء آية ١٠١ - ١٠٣) وتختلف هذه فى جوهرها عن الصلاة المألوفة فى أن المؤمنين يصطفون فى صفين أحدهما يقوم بالمراقبة شاكى السلاح أثناء سجود الصف الآخر، ويكرر كل صف ذلك حتى يؤدوا جميعًا السجود، وعندئذ يشترك الجميع فى تلاوة التشهد. وإذا كانوا يتوقعون هجوم العدو من جهة أخرى غير القبلة فإن الصلاة تعدّل وفقا لما تقتضيه

стр. 6516

الظروف (ومن يريد زيادة فى البيان فلينظر النووى، ص ٣٨١ وما بعدها) ويمكن تقصير الصلاة فى هذه الحالة أيضًا (مسلم: كتاب صلاة المسافرين، حديث ٤، ٥؛ النسائى: كتاب صلاة الخوف، باب ٤, ٧, ٢٣, ٢٤, ٢٦, ٢٧). بل إن ثمة ذكرا لصلاة الخوف تقام من ركعة واحدة فحسب (أحمد بن حنبل جـ ٢ ص ٢٣٧ - ٢٣٤). وفى الختام يجب أن نتناول باختصار فى هذا المقام الصلاة على الميت، أو صلاة الجنازة وهى فرض كفاية، وإنما يمكن أن تترك فى بعض الأحوال الاستثنائية (Verspr Geschr: Snouck Hurgronje, جـ ١، ص ١٣٨، تعليق ٣). وفى بعض الأحاديث أن الصلاة تجب على كل ميت من المسلمين (ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب ٣١، النسائى: كتاب الجنائز، باب ٥٧) وفى الحديث (البخارى: كتاب الجنائز: باب ٢٣, ٨٥؛ كتاب التفسير، سورة الأعراف باب ١٢، ١٣؛ مسلم: كتاب فضائل الصحابة, حديث ٢٥ الخ) روى كيف أن النبى [ ﷺ ] أقام الصلاة على المتوفى عبد اللَّه ابن أبىّ شيخ المنافقين، وكيف راجعه عمر على ذلك، من ثم نزلت الآية ٨٤ من سورة التوبة: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (انظر التعريف الشرعى للفاسق فى Vesrpr.Geschr: Snouck Hurgronje ص ٩٧) وزيادة على ذلك روى الحديث أن النبى [ ﷺ ] أبطل الصلاة فى حالات المتوفين منتحرين (مسلم: كتاب الجنائز، حديث ١٠٧؛ أبو داود: كتاب الخراج، باب ٤٦). على أن النووى يقول (ص ٢٢٥) إنه لم يحدث استثناء لهذه الحالة. ويقول الحديث أيضًا إن النبى [ ﷺ ] رفض إقامة صلاة الجنازة بنفسه إلا إذا كانت ديون المتوفى قد وُفيت بالفعل (البخارى: كتاب: الحوالات باب ٣؛ أبو داود: كتاب البيوع، باب ٩؛ أحمد بن حنبل، جـ ٢، ص ٢٩٠, ٣٩٩) ولذلك يوصى الشرع أهل الميت بأن يسرعوا بتسوية هذا الأمر (النووى، جـ ١، ص ٢٢١). على أننا نجد فى الحديث روايات مختلفة عن مسألة: هل أقام النبى [ ﷺ ] صلاة الجنازة على من قتلوا بحكم الشرع؟

стр. 6517

(أبو دواد: كتاب الجنائز، باب ٤٧؛ النسائى: كتاب الجنائز، باب ٦٣, ٦٤). ويقول أبو إسحاق الشيرازى (طبعة Juynboll، ص ٤٧ وما بعدها) إن الصلاة على الميت تقام على المنهج الآتى: يقف الإمام على رأس النعش إذا كان المتوفى رجلًا، وعلى مؤخرته إذا كان المتوفى امرأة (وهذه هى السنة؛ انظر البخارى: كتاب الجنائز، باب ٦٣؛ مسلم؛ كتاب الجنائز، حديث ٨٧، ٨٨ الخ) ثم ينوى الصلاة ويكبر أربعًا ويداه مرفوعتان ثم يتلو الفاتحة فى الأولى، ثم يصلى على محمد [ ﷺ ] فى الثانية، ثم يدعو للميت فى الثالثة، ويدعو للذين اشتركوا فى الصلاة فى الرابعة، ثم يختم الصلاة بالتسليمتين. ويشيع الخلاف فى الرأى حول المكان الذى ينبغى أن تقام فيه صلاة الجنائز، وهناك إشارات إلى وجود مصلى خاص فى المدينة على أيامها القديمة، كما حدث عند وفاة النجاشى بالحبشة (البخارى: كتاب الجنائز باب ٤، مسلم: كتاب الجنائز، حديث ٦٣، ٦٤) وجاء فى ابن سعد (مجلد ١, جـ ٢، ص ١٤) إن النبى [ ﷺ ] فيما يقال كان يقيم الصلاة فى بيت الميت, ولذلك ظن الناس أنها بدعة حين حمل جثمان سعد بن أبى وقاص إلى المسجد نزولا على رغبة عائشة فيما يقال، أو رغبة زوجات النبى. وقيل إن عائشة أجابت على الاعتراضات التى أثيرت بقولها: "ما أسرع ما نسى الناس ما صلى رسول اللَّه [ ﷺ ] على سهيل بن بيضاء إلا فى المسجد. . . " (مسلم: كتاب الجنائز، حديث ٩٩ - ١٠١)، ويعلق النووى شارح مسلم على ذلك (كما فعل الزرقانى فى شرح مالك: كتاب الجنائز، حديث ٢٢) فيذكر آراء المذاهب المختلفة مشيرًا إلى الباب من أبواب الشرع الذى يدرج الفقهاء تحته إقامة هذه الصلاة فى المسجد (انظر فى هذه المسألة أيضًا Semitic Rites of Mourning and Religion, ص ٢ - ٤). ومهما يكن من شئ فإن سنة المسلمين اليوم فى مختلف أنحاء العالم الإسلامى قد جرت على أداء هذه الصلاة فى المسجد (Manners&Customs: Lane ص ٥٢٦؛ Snouck Hurgronje:

стр. 6518

Mekka، جـ ٣، ص ١٨٩) على أن القوم فى آشى يقيمون صلاة الجنازة فى الجزء الأمامى من الحى القائم أمام بيت الميت، وقد جرى على ذلك أيضًا أهل جاوة (The Achehnesse: Snouck Hurgronje, جـ ١، ص ٤٢٣؛ المؤلف نفسه: Verspr. Geschr، جـ ٤، ص ٢٤٢) وهذا مباح شرعًا على الأقل وإن لم يكن ممدوحا (ويتوقف الأمر على المذهب المعتنق). ولا يستوجب الأمر أن يكون الجثمان حاضرًا أثناء الصلاة، وقد جرت العادة فى مكة على إقامة صلاة الجنازة لمن يموتون بعيد، عن ديارهم (Mekka: Snouck Hurgronje، جـ ٢، ص ١٨٩). وتبرير هذه السنة يلتمس فى الحديث المتواتر الذى يروى أن النبى [ ﷺ ] أقام صلاة الجنازة على النجاشى فى المدينة (انظر ما أشرنا إليه آنفًا). (٥) لقد جرى النقاد الأوربيون على تناول مسألة مكانة الصلاة من زاوية واحدة، ولا مناص لنا من التسليم بأنهم يجنحون إلى اتباع ما قاله به رانكه Ranke من تعليق أهمية كبرى على الصلاة من حيث هى شعيرة تأخذ المرء بالنظام. ولا شك فى أن جانبا كبيرًا من حياة الجماعة قد تركز فى الصلاة وحولها فى المدينة على حياة النبى [ ﷺ ]، ولا شك أيضًا فى أن عقلية العربى الجاهلى قد تحولت عن طريق الصلاة إلى عقلية المسلم. وتكررت هذه الظاهرة نفسها من بعد فى أقاليم الخلافة، ولا جدال فى أن الصلاة ظلت من أعظم العناصر تأثيرا فى تكوين الجماعات. على أن الأوربى قد جرى على أن يقيم حكمه على الصلاة من وجهة نظره الخاصة، فالبروتستانتى يفتقد فيها الحياة الباطنة والكاثوليكى من أتباع الكنيسة الرومانية يفتقد فيها فخامة الطقوس وروعتها. وكلتا النظرتين مخطئة من الناحية العلمية، ومن يريد أن يكون فكرة واضحة عن مكانة الصلاة يجب عليه أن يسأل هذا السؤال: "ماذا تعنى الصلاة للمسلم؟ ".

стр. 6519

ويمكن الإجابة عن بعض هذا السؤال بملاحظة غيرة المسلمين على الصلاة فى مختلف الأقطار. وملاحظات لين على الصلاة فى مصر على سبيل المثال (Manners and Customs، ص ٩٨) لها شأنها، إذ يقول: "إن المسلمين يراعون فى صلاة الجماعة منتهى الوقار والجلال، ومظهرهم وسلوكهم فى المسجد لا ينمان عن الإقبال على العبادة فى غيرة وحماسة وإنما ينمان عن التقوى الرزينة الخاشعة، ولا يصدر عنهم فى صلاتهم أبدا كلمة نابية أو فعل جارح عن قصد؛ والظاهر أنهم يتخلون، عند دخولهم المسجد، عما يبدونه من عزة وتعصب فى حياتهم العامة وفى صلتهم بغيرهم من أهل ملتهم أو من أهل الملل الأخرى، ويتجلى عليهم الاستغراق الكامل فى عبادتهم خاشعين مستكينين، من غير تصنع للخضوع، أو تكلف لما يظهر على محياهم من أمارات". والمصدر الغزير المادة فى دراسة مكانة الصلاة نجده فى الآثار المكتوبة، ولا مناص من الرجوع فى القرنين الأولين للهجرة إلى الحديث. وحين تعد أركان الإسلام الخمسة نجد الصلاة دائما تأتى فى المحل الثانى (البخارى: كتاب الإيمان, باب ٥٢، مسلم: كتاب الإيمان، حديث ١٩ - ٢٢, ويمكن أن نلاحظ هنا ملاحظة عابرة، هى أن الركن الأول قد ورد بصور شتى) ففى القصة الكثيرة التواتر عن البدوى الذى سأل النبى [ ﷺ ] عن الإسلام فأجابه النبى [ ﷺ ] بذكر عدد من الفرائض أوجبها الإسلام على المؤمنين أى: أداء الصلوات الخمس كل يوم، وصيام رمضان والزكاة (البخارى: كتاب الإيمان، باب ٣٤؛ مسلم: كتاب الإيمان, حديث ٨). وفى الأحاديث الأخيرة أيضًا التى تحصى الفرائض الواجبة على المسلم مثل حديث الرسالة التى بعث بها النبى معاذ بن جبلى حين أوفده محمد [ ﷺ ] إلى اليمن نجد أنه قد ذكر فيها علاوة على التوحيد، الصلوات الخمس والزكاة (انظر مثلا البخارى: كتاب الزكاة، باب ١؛ مسلم: كتاب الإيمان، حديث ٢٩ - ٣١). ونجد الصلاة فى تعداد أكثر الأعمال ثوابًا عند اللَّه تأتى

стр. 6520

فى كثير من الأحيان فى المحل الأول (البخارى: كتاب المواقيت، باب ٥؛ وانظر ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب ٤؛ الدارمى: كتاب الوضوء، باب ٢). والاستمساك بأداء الصلوات الخمس اليومية تضمن دخول الجنة (النسائى: كتاب الإقامة. باب ٦؛ مالك: كتاب صلاة الليل، حديث ١٤ إلخ). وترك الصلاة سبيل إلى الشرك والكفر: (مسلم: كتاب الإيمان, حديث ١٣٤، وانظر النسائى: كتاب الصلاة، باب ٨): "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة". ويصف الحديث وصفا مجازيا أثر الصلاة فى التطهير: "إنما مثل هذه الصلوات الخمس مثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات فماذا يبقين من درنه؟ " (مالك: كتاب قصر الصلاة فى السفر، باب ٩١؛ وانظر أحمد بن حنبل جـ ١، ص ٧١ وما بعدها؛ جـ ٢، ص ٣٧٥, ٤٢٦ و ٤٤١؛ جـ ٣، ص ٣٠٥ و ٣١٧ إلخ). وقد وصف هذا الأثر وصفا غير مجازى فى الحديث المشهور أيضا وهو: "الصلاة المكتوبة إلى الصلاة التى بعدها كفارة لما بينهما" (أحمد بن حنبل، جـ ٢، ص ٢٩؛ ومن المعروف حق المعرفة أن الكبائر تستثنى عادة من ذلك، انظر أحمد بن حنبل، جـ ٢، ص ٣٥٩). ولقد استشهدنا وشيكا بالحديث الذى يروى أن أداء الصلوات الخمس يضمن دخول الجنة، ويذهب الحديث التالى إلى أبعد من ذلك: "من علم أن الصلاة حق واجب دخل الجنة" (أحمد ابن حنبل، جـ ١، ص ٦). وفى الحساب الأخير يوم القيامة يكون لمبلغ الصدق فى إقامة الصلاة أكبر وزن: "إن أول ما يحاسب به العبد بصلاته فإن صلحت فقد أفلح ونجح وإن فسدت فقد خاب وخسر" (انظر النسائى: كتاب الصلاة باب ٩؛ الترمذى، كتاب المواقيت، باب ١٨٨, أحمد بن حنبل، جـ ١، ص ١٦١ وما بعدها, ١٧١ جـ ٢، ص ٢٩٠ الخ). ويجب أن تؤدى الصلاة بورع واستغراق، وقد روى كيف أن النبى [ ﷺ ] كان يخلع أحد أثوابه لأن الأعلام المنقوشة عليه كانت تلهيه عن الصلاة

стр. 6521

(البخارى: كتاب الصلاة، باب ١٤؛ النسائى: كتاب القبلة، باب ٢٠، وانظر باب ١٢). أما أن الصلاة، كما يقال أحيانًا، لا تشتمل فحسب على أداء فرض، بل يجب أن تكون أيضًا بالقلب فظاهر من الحديث التالى؛ قال النبى [ ﷺ ]: "حُبب إلى من الدنيا النساء والطيب وجعلت قرة عينى فى الصلاة"، (أحمد بن حنبل، جـ ٣: ص ١٢٨ مكرر، ٢٨٥). وكذلك يذكر البكاء فى الصلاة أحيانا (أبو داود: كتاب الصلاة، باب ١٥٦؛ النسائى: كتاب السهو، باب ١٨؛ أحمد بن حنبل، جـ ٣، ص ١٨؛ جـ ٤، ص ٢٥ مكرر، وانظر ص ٢٦). وأهم خصائص الصلاة عند الكثيرين هى ما نجده على وجهين، ونعنى بذلك أن الصلاة مناجاة العبد للخالق: الوجه الأول، ورد فى الحديث الذى نهى عن البزق تجاه القبلة أثناء الصلاة، والسبب الذى يقدمه الحديث هو أن المصلى يناجى ربه (البخارى كتاب الصلاة، باب ٣٩؛ كتاب المواقيت باب ٨، مسلم: كتاب المساجد، حديث ٥٤؛ أحمد بن حنبل: جـ ٢، ص ٤ وما بعدها، ١٤٤؛ جـ ٣، ص ١٧٦, ١٨٨, ١٩٩, وما بعدها ٢٣٤, ٢٧٣, ٢٧٨, ٢٩١ إلخ)؛ والوجه الثانى ما ورد فى الحديث على النحو التالى: "أما إن أحدكم إذا قام فى الصلاة فإنه يناجى ربه، فليعلم أحدكم ما يناجى ربه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة فى الصلاة" أحمد ابن حنبل جـ ٢ ص ٣٦, ٦٧, ١٢٩) وقد ضرب المثل على هذا فى الحديث القدسى التالى: يقول تعالى: "قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين، فنصفها لى ونصفها لعبدى، ولعبدى، ما سأل، قال رسول اللَّه [ ﷺ ] اقرأوا، يقول العبدة "الحمد للَّه رب العالمين" يقول اللَّه : "حمدنى عبدى"، يقول العبد "الرحمن الرحيم" يقول اللَّه : "أثنى علىّ عبدى" يقول العبد "مالك يوم الدين" يقول اللَّه : "مجدنى عبدى"، يقول العبد "إياك نعبد وإياك نستعين" يقول اللَّه : هذه الآية بينى وبين عبدى، ولعبدى ما سأل"، يقول العبد: "اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت

стр. 6522

عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين فهؤلاء لعبدى، ولعبدى ما سأل" (أحمد بن حنبل جـ ٢، ص ٤٦٠). ويجدر بنا أن نذكر فى الوقت نفسه "صلاة الحاجة" التى تقام لتحقيق حاجة تشتد رغبة المرء إليها (الترمذى: كتاب الوتر، باب ١٧)؛ وصلاة الاستخارة قبل اتخاذ قرار يتفاوت فى أهميته (البخارى: كتاب التهجد، باب ٢٦؛ أبو داود: كتاب الوتر، باب ٣١؛ الترمذى: كتاب الوتر، باب ١٨؛ أحمد ابن حنبل جـ ٣، ص ٣٤٤ الخ). ووصف الصلاة بأنها مناجاة سمة لنزعة التفكر التى نجدها حتى فى أول عهود الإسلام (انظر فى هذا الشأن خاصة Essai sur les origines du lexique techmique de la mystique musulmane: La Massignon, باريس ١٩٢٢)؛ ومن المؤكد أنها كانت من أكبر السبل التى دخل بها التصوف فى الإسلام. ومن أقدم المتصوفة المسلمين: المحاسبى (توفى سنة ٢٤٣ هـ = ٨٥٧ م) فقد كتب رسالة فى مدلول الصلاة (انظر Massignon: المصدر المذكور، ص ٢٥٩، تعليق ١) وقد شرح الفيلسوف الترمذى (توفى سنة ٢٨٥ هـ = ٨٩٨ م) الجانب الصوفى للصلاة فى ٤٢ مثلا استشهد بها ماسينيون (المصدر المذكور، ص ٢٥٩). وعند المتصوفة المحدثين طغت أهمية الذكر والورد حتى إن القشيرى فى رسالته لم يفرد للصلاة فصل خاصا بها. أما عند الهجويرى فتظهر الصلاة كأنما هى تناسب خاصة المريدين، إذ عليهم أن يجدوا فيها إلى حد ما صورة لطريق السالكين كلها. وعندهم أن الطهارة تمثل التخلى، والقبلة الافتقار إلى المرشد الروحى، والتلاوة الذكر، والركوع الخشوع، والسجود معرفة النفس، والتشهد الإنس، والتسليم ترك الدنيا. أما المتصوفة حقًا فإن كلا منهم يرى فى الصلاة غير ما يراه الآخر، فهى عند واحد وسيلة للحضور، وعند آخر وسيلة للغيبة (انظر الهجويرى: كشف المحجوب، ترجمة نيكلسون، سلسلة كب التذكارية، جـ ١٧، ص ٩١ وما بعدها)، ومع ذلك فإن الهجويرى يؤكد أيضًا حب المتصوفة على اختلافهم للصلاة.

стр. 6523

وابن سينا هو الوحيد الذى نذكره هنا من بين الفلاسفة، وقد كتب ابن سينا رسالة موجزة فى الصلاة، ("فى الكشف عن ماهية الصلاة وحكمة تشريعها" فى جامع البدائع، القاهرة ١٢٣٥ هـ = ١٩١٧ م، ص ٢ - ١٤) وجوهر الصلاة عنده معرفة وجود اللَّه فى ذاته ووجوب هذا الوجود، وهى تكون فى الباطن أو الظاهر بحسب طبيعة المؤمن الذى يؤديها. وعند ابن سينا أن ارتقاء معارج الروح لا يقدر عليه الناس جميعًا، ومثل هؤلاء الناس بحاجة إذن إلى رياضة جسمانية وترويض النفس لكبح جماح الشهوة الغريزية، وهذا هو الجانب الظاهر للصلاة؛ وأما باطنها فهو مشاهدة الحق بقلب نقى ونفس خلصت وتطهرت من الأمانى؛ فابن سينا إذن يشرع فى معالجة القول بأن الإنسان فى حالة الصلاة يكون فى مناجاة مع ربه، فهو يقول إن هذا يمكن أن يحدث خارج العالم المادى فحسب, وأولئك الذين يحصل لهم هذا الحال إنما يكونون فى حضرة اللَّه، ويشهدون اللَّه شهودًا عينيًا، فالصلاة إذن "مشاهدة" حقة وعبادة خالصة، أى أنها الحب الإلهى الحق والرؤية بعين القلب. والصلاة فى الفصل الذى عقده الغزالى فى "الإحياء" عن "ربع العبادات" منزلة بين الطهارة والزكاة (كما هى الحال فى الفقه) ويجب أن نلاحظ أن الغزالى فى كلامه عن هذه العبادة قد فعل ما فعله فى العبادات الأخرى، فقد جهد كل الجهد فى وصف القواعد الشرعية وصفا دقيقا (طبعة القاهرة سنة ١٣٠٢ هـ, جـ ١، ص ١٩، وما بعدها) كما ارتفع بالصلاة من ناحية أخرى إلى مستوى أخلاقى صوفى يفى كل الوفاء بجميع مقتضيات الاستغراق فى الصلاة. وحسبنا بعد الذى كتبناه فى القسمين الثانى والثالث من هذه المادة أن نلم هنا فى إيجاز بالجانب الآخر من بحث الغزالى، فالمعانى الباطنية التى تبعث الحياة فى الصلاة فتبلغ بها مبلغ الكمال هى المعانى الستة التالية: حضور القلب، والتفهم، والتعظيم، والهيبة، والرجاء والحياء. ولملاحظاته عن حضور القلب (ص ١٤٥) أهمية خاصة، فالفقهاء

стр. 6524

يتطلبون حضور القلب فى التكبير فحسب؛ على أن الفقهاء المتورعين وعلماء الآخرة يشترطون حضور القلب فى الصلاة كلها، وما أقل من يبلغ هذا المقام من الناس. والصلاة المثلى هى صلاة "حاتم الأصم" الذى قال: إذا حانت الصلاة، أسبغت الوضوء وأتيت الموضع الذى أريد فيه الصلاة، فأقعد فيه حتى تجتمع جوارحى، ثم أقوم إلى صلاتى وأجعل الكعبة بين حاجبَّى، والصراط تحت قدمى، والجنة عن يمينى، والنار عن شمالى، وملك الموت ورائى، أظنها آخر صلاتى، ثم أقوم بين الرجاء والخوف، وأكبر تكبيرًا بتحقيق، وأقرأ قراءة بترتيل، وأركع ركوعا بتواضع، وأسجد سجودًا بتخشع، وأقعد على الورك اليسرى، وأفرش ظهر قدمها، وانصب القدم اليمنى على الإبهام، وأتبعها الإخلاص؛ ثم لا أدرى أقُبِلتْ منى أم لا (ص ١٧٩, س ٧ وما بعده). ويبسط الغزالى رأيه الأخلاقى فى العبارة التالية: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من اللَّه إلا بعدًا". وفى الفصل الذى كتبه عن "بيان الدواء النافع فى حضور القلب" جعل الخواطر الواردة الشاغلة هى العقبات الكبرى التى تصرف الانتباه عن الصلاة، فهذه الآفات يمكن التغلب عليها بمحاربة أسبابها، وهى على نوعين، ظاهرة وباطنة، فالأسباب الظاهرة لتشتيت الانتباه (الغفلة وهى "فهيا" عند متصوفة السريان) مصدرها أعضاء الحواس، وعلى المرء أن يمنعها عن التوزع، ولذلك فإن "المتعبدين" يؤدون الصلاة فى صومعة مظلمة تتسع للسجود فحسب. وقيل إن ابن عمر لم يسمح بوجود شئ ما فى صومعته. أما الأسباب الباطنة للتوزع فتحدث أثرًا أقوى إذ تمتد جذورها إلى الهموم والأفكار والشواغل. ولكن الرغبات لها أقوى الأثر، فهذه يجب أن تحارب بالتفكر فى عالم الآخرة. وعند نداء الأذان يجب أن يستحضر المرء بقلبه قوله النداء يوم القيامة، وستر العورة معناه الاستقصاء عن العورات الباطنة. والغرض الأسمى من الصلاة هو الفناء الكلى فى اللَّه بإذلال النفس. وقد

стр. 6525

أثر عن سفيان الثورى أنه قال: "من لم يخشع فسدت صلاته"؛ وقد بسط هذا فى فصلين خاصين: (بيان اشتراط الخشوع وحضور القلب، ص ١٤٥ وما بعدها؛ وحكايات وأخبار فى صلاة الخاشعين، ص ١٥٧ وما بعدها) ويسوق فى هذا الفصل الأخير عدة أمثلة عن مبلغ استغراق كبار الأئمة فى صلاتهم. [فنسنك A.J.Wensinck] تعليق على مادة "صلاة" بقلم الأستاذ أمين الخولى (أ) نظرة عامة كاتب هذه المادة "فنسنك" من أساطين المستشرقين، وكان الظن أن يكتبها أعمق كثيرًا مما كتب؛ فبدل أن يعنى بأن كلمة صلاة لم تظهر فى الآثار الأدبية السابقة على القرآن، يعنى بما هو أهم من ذلك، فى شأن الصلاة نفسها فى الجزيرة العربية، على اختلاف دياناتها المتعددة؛ ونحو ذلك من الدراسة المقارنة، التى يستفيد منها دارسو الإسلام، ودارسو غيره من الأديان. . لكنه تناول المادة ذلك التناول القريب، ذا الهوى المحتلم -كما سنرى- وأطال حتى أمل فى تفاصيل مما فى متون الفقه الإسلامى، لا يستفيد منها عارف بالإسلام، مسلمًا أو غير مسلم؛ ويستفيد من غيرها أقرب منها وأيسر من لا يعرف الإسلام. وهكذا جاءت المادة طويلة، فى غير طائل، متعثرة الخطى، فى قديم من معتاد أخطاء القوم، أو تمحلهم فى الفهم والتخريج، فى كل مجال إسلامى، مما كثر وتكرر، وأسهب القول فى رد ومناقشته؛ فكان الرأى هنا، بعد ما قيل فى هذا أن توضع هذه الأخطاء، فى ربطة واحدة، وتنال بكلمة شاملة -كما سيلى- وهذه هى الملاحظ على المادة: (ب) منطق مدخول قال الكاتب: "ويبدو أن كلمة صلاة لم تظهر فى الآثار الأدبية السابقة على القرآن". ومهما يكن معنى "البدوّ" وأنه الظهور الواضح عنده، أو أنه مجرد الاحتمال، فإن هذا القول عن عدم ظهور لفظ الصلاة فى الآثار الأدبية السابقة

стр. 6526

على القرآن لا يسلم له لأنا نجد من تلك الآثار الأدبية السابقة على القرآن مثل قول أعشى قيس: فما أيبلى على هيكل ... بناه وصلب فيه وصار يراوح من صلواته لمليك ... طورًا سجودًا وطورًا جوار (الديوان ص ٤٠, ٤١ ط أوروبا) على أنا لا نغفل ما فى هذا المنطق اللغوى والأدبى من دخل؛ وهو أن ما وصلنا من الآثار الأدبية السابقة على القرآن لا يمثل الحياة الأدبية العربية قبل الإسلام تمام التمثيل؛ وبذلك لا يمثل الحياة الاجتماعية لهذه الفترة أصدق التمثيل؛ ونقص ما وصلنا هو ما يقرره قول القدماء، منذ عصور مبكرة؛ فى عبارة "أبى عمرو بن العلاء" المرددة: "ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير" إلى آخر ما يسوقه من أدلة وشواهد على ذهاب العلم وسقوطه - ص ١٠ من طبقات الشعراء لابن سلام، ط ليدن. وكذلك يقرر المنهج الحديث نقص ما وصلنا عن الجاهلية بما يتطلع إليه من الحفر والتنقيب فى الجزيرة العربية، والتتبع العملى لآثار الحياة فيها قديما وحديثا. وكل ذلك يعرفه "فنسنك" لا محالة، وينبغى أن يقدر مع ذلك أن ليس من الصواب فى شئ أن يستقرئ الآثار الأدبية الباقية التى وصلتنا عما قبل الإسلام ليخرج بنتيجة لهذا الاستقراء يقرر على أساسها عدم وجود شئ لأنه لم يجد له فيما بقى صدى للحياة اللغوية أو الأدبية فى العصر الجاهلى، فينفى وجود شئ دينى أو غيره لأنه لا صدى له فيما بقى من الأدب. وهذا إن سلم له الاستقراء للأقل الذى وصل من الآثار الأدبية قبل الإسلام فكيف وهو لم يسلم؟ وقد ورد لفظ "الصلاة" فيما ورد من جمعها، فى قول الشاعر السابق، وهو كاف فى رد الدعوى المتوسعة، وقد يسعف البحث بغيره يزيد بطلان هذا البدوّ الذى لاح لفنسنك. . وبهذا وهى الأساس الذى أراد الكاتب وضعه ليبنى عليه ما بعده.

стр. 6527

(جـ) محمد [ ﷺ ] هو الذى فعل . .! تلك هى النغمة المملة التى كانت تستهوى القوم خلال كتابة هذه الدائرة، ورددها كل كاتب منهم فى موضوعه، وتكررت مكالمتهم فيها، حتى سئمنا نحن معاودة الرد عليها، وتقرير أنها دعوى باطلة أمام العلم نفسه، ولا تصح إلا فى نظر الحفيظة المتعصبة، والعقيدة المظلمة؛ وذلك أن العلم يعرف جيدًا أنه لم يصل بمنهجه وأسلوبه إلى إبطال الرسالات الدينية، مهما يجهلها العلم أو يجحدها، وما دام احتمال وجود رسالة دينية قائمًا، فالرسالة المحمدية، من هذه الرسالات، لها حرمتها عند البحث، بقدر ما لها من حق فى الوجود؛ ولا ينكر عليها ذلك عالم, وإنما ينكره فقط صاحب دين متعصب، يضيق أفقه عن فهم دعوتها إلى وحدة الدين, وتطور رسالة السماء، وتصديقها لما بين يديها من رسالات أخرى. وكما لم يقطع العلم الحق بعد بإبطال الرسالات السماوية فإنه ليقطع بأنه يجد السبيل الميسرة إلى درس الإسلام، من كل نواحيه وجوانبه، بما هو ظاهرة حيوية، تؤثر فيما حولها, وتتأثر بما حولها، دون مساس بمكانها بين الرسالات الدينية، ودون إهدار لنبوة محمد [ ﷺ ] ورسالته، بأى شئ يمكن أن يتحقق نتيجة للبحث العلمى المحض فى كيان الإسلام. . ودون أن يكون محمد [ ﷺ ] هو الذى فعل، ووجه، وصنع من تلقاء نفسه، وهو يعرف أنه يفعل ما ليس حقيقيا. . وإن كان الوقت قد فات على كتاب دائرة المعارف الإسلامية، فكلهم وقع فى هذا الخطأ المنهجى، عندما كتب، وستتوالى علينا -مع الوقت-كتاباتهم فى مواضعها من مواد الدائرة، فنرجو ألا نعاود الكلام فى دفع ذلك بعد الآن. * * * وهنا فى هذا الجو الخاطئ المنهج، وعلى أساس من المنطق المدخول الذى تبين دخله فى الفقرة السابقة، يسوق الكاتب عبارته فى نسبة الأشياء إلى محمد ﵊. فبناء على أن كلمة صلاة يبدو أنها لم تظهر فى الآثار الأدبية قبل الإسلام. يصف حال محمد ﵊ فى حال هذا النقل والأخذ إفكا.

стр. 6528

وفى هذا كله لا يزال يبنى على ما سبق ذكره من المنطق المدخول فى اللغويات والأدبيات، فمع أن كلمة صلاة موجودة فى الآثار الأدبية قبل الإسلام، لو سلمنا جدلا للكاتب بأنها لم تكن موجودة، وإنما دخلت الحياة العربية قبيل الإسلام فليس فرد، هو محمد [ ﷺ ] أو سواه، هو الذى يتولى هذا النقل لأنكم أنتم الذين تقولون: إن الظواهر اللغوية اجتماعية، لا تنسب لشخص ولا لعصر، بل لا تنسب لجمع؛ فكيف تقولون بعد ذلك: إن محمدًا [ ﷺ ] هو الذى اتخذ كلمة صلاة. . وإن محمدًا [ ﷺ ] هو الذى نقل كلمة صلاة. . إلخ! إن هذا القول يبطله المنهج اللغوى والاجتماعى الخاص -على ما رأينا- كما يبطله المنهج العلمى العام؛ لأن قائله لا يملك أى دليل على أن هذا من عمل محمد [ ﷺ ]. وهو يتناسى احتمالا سيظل موجود، ما دام العلم لم يثبت بطلان الأسلوب الدينى، والوحى الدينى. . وما دام هذا فى الحساب وليس محمد ﵊ هو الذى اتخذ الشعيرة، من اليهود والمسيحيين فى بلاد العرب؛ وليس محمد هو الذى نقل كلمة صلاة بهذا المعنى من جيرانه. . وليس محمد [ ﷺ ] هو الذى احتكم فى هذه الشعيرة -إلخ. ما هو تتمة وبقية لتلك الدعاوى من أن محمدًا [ ﷺ ] هو الذى فعل. . لأن المقرر الذى لم يبطل بعد هو: وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى، فما لكم عرفتم الرسالات الدينية، ثم رحتم تنكرون أن الإسلام منها بدافع عصبية اعتقادية -لا غير، مع أنه هو الداعى إلى وحدة التدين. .! (د) تشابه الأديان وهى كذلك من أنغامهم القديمة التى عرض لها التعليق على هذه الدائرة، ولعله لم يبق جديد من القول فيها؛ وأن وحدة الأديان، التى كان الإسلام بترتيبه الزمنى داعيا واضح الدعوة إليها فى إعلان أنه أنزل إلى النبيين من قبله، وأوحى إليه كما أوحى إلى من قبله؛ وأنه مصدق لما بين يديه؛ ولا مكان مع ذلك للقول بأن هذا قد أخذ من ذاك، أو هذه قد شابهت تلك؛ لأن الكل فى بيان القرآن واحد المصدر، واحد الغاية؛ وفى ضوء هذا الأصل الواضح المسلم تقرأ فى مادة صلاة ما يلى:

стр. 6529

(أ) "يكشف نظام الصلاة عند المسلمين عن تشابه كبير بصلاة اليهود والمسيحيين كما سنبين ذلك بالتفصيل بعد" ولا شئ فى هذا بعد الذى تبين من وحدة الأديان، وتطور حقيقة واحدة فيها، وصدورها عن أصل واحد، وتصديق لاحقها لسابقها. . وأنها رغم كل ما قد يصيب بعضها من تغيير أو نحوه تظل تحتفظ بحقيقة كبرى، وغاية واحدة، وبقايا تفاصيل وجزئيات سليمة، فتحمى كلها الحقيقة الكبرى, وتحقق كلها الغاية المشتركة؛ وتبقى فيها مشابهة فى أعمال، وأحكام، وآداب لا ينفى بقاؤها ما قد أصاب بعضها من تغيير؛ ولا يضر تشابهها سماوية واحد منها. . وذلك ها تذكره عند كل ها سيلقى إليك من مواضع الإلحاح فى المشابهة من مادة صلاة. . مثل: (ب) "ويشبه هذا المشهد -مراجعة محمد [ ﷺ ] فى الصلوات حين فرضت - بعض الشبه ما جاء بسفر التكوين - الإصحاح ١٨ - الآية ٢٣ وما بعدها - حيث وصفت شفاعة إبراهيم لسدوم وعمورة - ولا شئ فى ذلك. (جـ) إضافة الصلاة الوسطى إلى الصلاتين المعتادتين "يرجح أن يكون ذلك قد تم محاكاة لليهود، الذين كانوا يقيمون أيضًا صلاتهم (تفلاه) ثلاث مرات كل يوم". . وبم يرجح أنها محاكاة! ! وبم يثبت ذلك! ! وقد تبين ان التشابه طبيعى وأصيل فى ظواهر حقيقة واحدة. (د) يقول فى الركوع "كريعًا عند اليهود" -ولا بأس فى هذا. (هـ) يقول فى السجود "وكان أيضًا من شعائر الصلاة عند اليهود". . ونقول: فليكن ذلك، فلا شئ فيه. (و) "يفترض متفوح وجود التأثير اليهودى فى الاختيار الأصلى للركعتين" ولا موضع لافتراض التأثير بعد وحدة المصدر والتوجيه. . والقول بالتأثير تحكم باطل لا أصل له. (ز) التسليم؛ وأن صيغة السلام عليكم، تشير كذلك إلى الملائكة الحافظين الحاضرين، يقول: (انظر ميتفوخ عن نظائر ذلك فى حياة اليهود" -ولا بأس بهذا التناظر. (ح) عن التهجد يقول: "والاشتقاق من هذه الكلمة، الذى يعنى السهر يوحى بوجود علاقة وثيقة بينه وبين صلوات الليل المسيحية، وخاصة مع

стр. 6530

اقترانها بعادة السهر -شهرا السريانية- التى نمت نموًا كبيرًا عند نساك غربى آسية ومتصوفتها. وقد استقينا معلومات دقيقة غاية الدقة عن هذه الشعيرة، من الآثار السريانية. . إلخ"؛ ولا شئ فى أن تتشابه عبادات العباد. (ط) " أن الإمام يماثل الـ "شلياح هاصبور، فى الصلاة عند اليهود؛ وعندهم -أى ميتفوخ وبيكر- أن فرائض الصلاة يمكن أن يؤديها، كما فى الإسلام، أى عضو من الجماعة كفء لها" -ولا شئ فى أن تشابه اليهودية الإسلام ويشابه الإسلام اليهودية. (ى) وعن صلاة الجنازة يقول: "ولا نكاد نخطئ إذا ذهبنا إلى أن هذه الصلاة قد احتفظت ببعض سنن الجاهلية". وهذه أيضًا لا شئ فيها عند القرآن حين يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ فمن هذه الجاهليات ما هو بقية رسالة سماوية؛ ولا شئ فى أن تصدقه رسالة أخرى. (ك) كون الصلاة قد استخدمت أيضًا وسيلة للبر "توجد ظاهرات مماثلة لذلك فى الأديان". والأصل أن توجد تلك الظاهرات المتماثلة فى الأديان، بعد الذى فهمنا من وحدتها: مصدرًا وغاية. (ل) وعن حضور القلب فى الصلاة يذكر الأسباب الظاهرة لتشتيت الانتباه، أى الغفلة، فيقول: وهى فهيا عند متصوفة السريان، . . وخير أن تتشابه أحوال العابدين. وقد كان الأصل العام فى هذا التشابه كافيًا، لكنا عرضنا مواضع المشابهة أو ما قد يسميه الكاتب المحاكاة لنبين أنها كلها مما يحتمله الأصل العام، ولا يؤثر شئ منها عليه، ولا يمس سماوية الإسلام، ولا يقوم على شئ مما جهدوا فى قوله من أن محمدًا فعل وترك. . واللَّه يجمع القلوب على هذه الوحدة؛ ويلهم الصواب فيما بين الدين والعلم. (هـ) تشكيك غريب يحيل الكاتب على كتاب كايتانى Annali dell' Islam ولكنا لا ننسى أن كايتانى يشكك فى علم ضرورى يفيده التواتر العملى الذى لعله توافر فى الصلاة بأكثر مما توافر فى غيرها، إن

стр. 6531

فنسنك نفسه فى صدر المادة -يقول عن كايتانى ما عبارته: ". . . يمكن أن يلاحظ فوق ذلك أننا نستطيع أن نؤكد أن هذه الشعيرة كانت ملازمة للإسلام منذ أقدم العصور، وأن آراء كايتانى المتشككة وفروضه لا تقيم وزنا كافيا لحجج القرآن. ." وبذلك شهد شاهد من أهله نستطيع أن نقول بعده فى قوة: إن آراء كايتانى المتشككة، لا تقيم وزنا كافيا لحجية التواتر العملى، وإفادته العلم الضرورى الذى لا يعارض بأى خبر آحاد يشير إليه كايتانى، فيما يذكر. ولا يبدو مع هذا أن الأمر جدير ببحث مستقل أو غير مستقل! ! ولا هو فى حاجة إلى كبير مناقشة. * * * ومن هذا القبيل فى التعلق بما لا يفيد، ما عقب به على مسألة الجمع بين صلاتين فى غير خوف ولا سفر (و) أشياء غير ذات بال وفى المادة إلى جانب ما سبق أشياء غير ذات بال، والخطب فيها هين، مثل ما فى بيان هوتسما (كيف تقررت الصلوات الخمس وأن صلاتى منتصف النهار (الظهر والعصر) وصلاتى المساء (المغرب والعشاء). فكيفية ذلك التقرر للصلوات مما لا نحس نحن بحاجة إلى الوقوف عنده، لأنه لا يقوم إلا على ترجيح بمعان من الحكم لا مجال لغيرها فى الأمور التعبدية. . فبيان هؤلاء المستشرقين فضول من القول لا قيمة له. . فهو قول يلتحق بما قبله فى عدم القيمة أو الأهمية لنا؛ لأنا لا نحتاج إلى الوسائل الدقيقة لتحديد مواقيت الصلاة، حتى بعد توافر هذه الوسائل الدقيقة الآن؛ لأن يسر الدين وسهولته العملية تنوط ذلك بأمور يسيرة، من حركة الشمس وأطوال الظل؛ كما هو معروف، ليظل أداء الصلاة، بل سواها من التكاليف كالصوم مثلًا، غير مرتهن بتعقيدات وصعوبات، من المعاينات أو الحسابات. فمن فى البادية أو الريف لا يعرف بحركات الكواكب، وتغير الظلال: لواح الفجر وتحقق الزوال، وظلال العصر، وغروب الشمس، ومغيب الشفق -أوقات الصلوات الخمس التى لا تحتاج إلى وسائل دقيقة! وكذلك الأمر فى هلال رمضان ونحوه. . وندع ما وراء ذلك فى المادة لفطنه القارئ ففيها الكفاية. أمين الخولى

стр. 6532

الصليحى اسم أسرة حكمت اليمن أقيالا تابعين بالاسم للخلفاء الفاطميين فى مصر؛ أسس هذه الأسرة على بن محمد، وهو ابن محمد بن على قاضى حراز من عشيرة قيام، وهى فصيلة من قبيلة همدان الكبيرة، -وقد تأثر على وهو بعد شاب- بالداعى الشيعى عامر ابن عبد اللَّه الرواحى، الذى كان فى حوزته على ما يقال نسخة من الكتاب السرى "الجفر" الذى خطّت فيه مصائر أئمة الشيعة، وانصرف علىّ إلى التحصيل بحمية وغيرة حتى أصبح فقيهًا متمكنًا، وظل خمسة عشر عامًا يقول الحجيج من اليمن إلى مكة. وحدث خلال حج سنة ٤٢٨ هـ (١٠٣٧ م) أن أسرّ علىّ إلى ستين رجلًا من قبيلته همدان بأن نيته كانت قد صحت على توطيد أقدام الفاطميين، فى اليمن، وأقسم له هؤلاء الستون الأيمان على الطاعة له فى الحياة والموت، ثم عادوا إلى اليمن؛ وفى السنة التالية استولى هو وأتباعه على قرية مسار فى جبال حراز غربى مدينة صنعاء، ولم يلبث رجال القبائل المحنقين أن حاصروهم، فحصنوا القرية بأقصى سرعة ممكنة حتى أصبح غزوها أمرًا فى غاية المشقة. والظاهر أن عليا لم يصب من النجاح المادى فى مستهل حياته إلا النزر اليسير، ذلك أن الممالك الصغيرة التى قامت بعد تفكك الأسرة الزيادية كانت قد نجحت فى الاستقلال بأمر نفسها إلى حد بعيد، على حين أن المملكة التى أسسها نجاح العبد الحبشى فى أراضى اليمن المنخفضة (تهامة) كانت فى جميع الأحوال عقبة كؤودًا فى سبيل امتداد. سلطان الصليحى على اليمن بأسره، وتمت لعلى السيادة على تهامة ومدينة زبيد سنة ٤٥٣ هـ (١٠٦١ م)، ذلك أنه عمل على دس السم لنجاح مستعينا بجارية أرسلها إليه وربما كان هذا الحادث (وإن كان المؤرخون قد لزموا الصمت فيما يتعلق بأسبابه) هو الذى أدى بالقاسم بن على الإمام الزيدى إلى إنفاذ جيش لقتال على تحت إمرة ابنه جعفر؛ على أن عليا فاجأ هذا الجيش، وأنزل به الهزيمة

стр. 6533

المنكرة فى شهر شعبان، وقتل جعفر، ثم هاجم معاقل الأئمة الزيدية واستولى على حصن يناع على جبل حضور؛ وهزم ابن أبى حاشد قرب قرية صوف، ثم سار إلى صنعاء واستولى عليها سنة ٤٥٥ هـ (١٠٦٣ م)، ثم ركز اهتمامه بعد هذا فى غزو مدينة زبيد بتهامة، ونصب عليها فى العام التالى صهره أسعد بن شهاب، ثم استولى بعد ذلك بعام على عدن، حيث سمح للعباس ومسعود ولدى الكرم الوالى السابق بأن يظلا يتوليان حكمها فى ظله، ذلك أنهما كانا قد ساعداه على غزو زبيد، وقد وافقا على أن يؤديا إلى سيدة زوجة ابنه جزية سنوية قدرها ١٠٠.٠٠٠ دينار تقريبا، وظلا يؤديانها بانتظام حتى وفاة على؛ أما ما بلغه علىّ من سلطان فى ذلك العين فالدليل عليه ما حدث سنة ٤٥٥ هـ، ذلك أنه تمكن من أن ينصب أبا هاشم محمد، واليا على مكة، وكان يرسل سنويًا منذ ذلك العين كسوة إلى الكعبة وأعاد الكنوز التى كان الحسنية قد حملوها إلى اليمن، على أن بعض الإمارات الصغيرة ظلت خارجة عن طاعته لم يخضعها بعد. وقد حدث سنة ٤٦٠ هـ (١٠٦٨ م) أن استنجد رجل يقال له ابن طرف كان واليا على زرائب، بالأحباش ثم تمرد، إلا أن عليا هزمه هو وحلفاءه. ومن ثم تم له غزو هذه المنطقة الجبلية، وعاد على بعد هذا الحادث إلى صنعاء ولم يبرحها خلال الاثنتى عشرة سنة التالية، وكان يحكم شتى مناطق اليمن ولاة من أهل ثقته وقد حرص علىّ على أن يحتفظ فى ديوانه بالأمراء الذين غزا أملاكهم، وهو إجراء لا يزال يتبعه ولاة اليمن آنئذ. وكف ولاة مكة سنة ٤٧٣ هـ عن ذكر الخلفاء الفاطميين فى صلواتهم العامة وعادوا إلى ذكر الخلفاء العباسيين فى بغداد، ولعل هذا هو السبب الذى حدا بعلى إلى مغادرة صنعاء والسير إلى مكة كأنما يريد تأدية فريضة الحج، واصطحب معه الأمراء الذين كانوا معه فى قصبته، وترك ابنه المكرم فى القصبة للسهر عليها، وبلغ الركب ناحية المهجم فى تهامة الشمالية وخرّب مخيمه قرب بئر تسمى: أم الدهيم؛ وهاجم أتباع سعيد

стр. 6534

ابن نجاح المخيم فى غفلة من أهله، وقتلوا عليًا وأخاه عبد اللَّه، فعم الحزن أرجاء المخيم، وأبقى سعيد على حياة بعض الأمراء الذين كانوا مع علىّ واتخذهم رهائن، إلا أن جل الجيش لقى حتفه، وكان بين الأسرى الملكة أسماء ابنة شهاب وأم الملك المكرم، وقد حملها سعيد معه إلى زبيد قصبة أبيه التى فتحت أبوابها عندئذ لسعيد. وفرض سعيد حراسة قوية على أسماء فلم تتمكن من أن ترسل إلى ابنها خطابا إلا سنة ٤٧٥ هـ (١٠٨٢ - ١٠٨٣ م) أخبرته فيه بأنها حملت من سعيد، كتبت هذا لتستحث المكرم على إنقاذها بأقصى ما يستطيع من سرعة، وكان سلطان المكرم قد تضاءل إلى حد كبير، ذلك أن معظم الإمارات الموالية له أعلنت استقلالها بأمر نفسها مثل حكام عدن. وقد حث المكرم أتباعه فى صنعاء على أن ينتقموا لشرف قبيلتهم، وملكهم، فحملوا على زبيد، وكان يدافع عنها ٢٠.٠٠٠ رجل من الأحباش، على حين كان قوام جيش المكرم فيما يقال: ستة آلاف رجل فحسب؛ وقد تولى هو نفسه قيادة قلب جيشه، أما الجناحان فقادهما أسعد بن شهاب أخو زوجته وعم من أعمام الملكة، ودارت معركة حامية الوطيس اقتحم إثرها المكرم المدينة، وكان هو واثنان من أتباعه أو من بلغ المكان الذى فيه أمه، وأمر بإنزال رأس أبيه وعمه وكانا مرفوعين على عمودين، ودفنهما بما يليق بهما من تجلة واحترام، ثم نصب أخا زوجته أسعد بن شهاب واليا على تهامة ورحل ومعه أمه إلى صنعاء. وتوفيت أسماء فى صنعاء سنة ٤٧٩ هـ (١٠٨٦ م). وقد سك المكرم فى السنة نفسها عملة جديدة اسمها الدينار المالكى، وظلت هذه الوحدة النقدية معمولا بها مدة طويلة؛ على أن أولاد نجاح الذين كانوا قد فروا إلى جزائر البحر الأحمر، عادوا إلى زبيد فى السنة نفسها وطردوا أسعد ونصبوا أنفسهم سادة على زبيد وتهامة، وعاد المكرم فاستولى على زبيد ولقى سعيد بن نجاح حتفه تحت أسوارها سنة ٤٨١ هـ (١٠٨٨ م) أما أخوه جياش فقد هرب مع وزيره إلى الهند عن طريق عدن، على أنهما لم يبقيا فيها إلا ستة أشهر ثم عادا إلى اليمن واستوليا من جديد على مدينة زبيد.

стр. 6535

ويبدو أن المكرم كان واليًا تعوزه المقدرة، ونحن نجد فى التاريخ الإسلامى مشهد، فريدًا لامرأة، هى زوجته الملكة سيدة، تسهم بنصيب وافر فى إدارة شئون الدولة، وقد ولدت سيدة سنة ونشأت فى رعاية الملكة السابقة أسماء، وتزوجت بالمكرم سنة ٤٦١ هـ، وأنجبت له أربع أولاد، ابنين وبنتين؛ وأفرط المكرم بعد وفاة أمه فى الشراب وانغمس فى الملذات وسلم مقاليد الأمور فى الدولة إلى زوجته فطلبت منه أن يطلق يدها فى تصريف الأمور؛ وكان من أول ما قامت به من الأعمال أن غادرت صنعاء واتخذت مقرها فى ذى جبلة بموضع كان قد أسسه عبد اللَّه بن محمد الصليحى الذى لقى حتفه مع على فى المهجم سنة ٤٥٨ هـ؛ ومن ثم نقلت قصبة البلاد إلى ذى جبلة؛ وقد شيد قصر وجامع دفنت فيه سيدة من بعد. وكانت هى السبب فى مقتل سعيد بن نجاح. وتوفى المكرم سنة ٤٨٤ هـ (١٠٩١ م) ولم يكن له عقب على قيد الحياة، فأوصى بمنصب الداعى إلى سبأ بن أحمد بن المظفر بن على الصليحى، على أنه لم يستول على ذى جبلة حيث كانت الملكة سيدة تحكمها بموافقة أشراف البلاد وأهلها, ولذلك صرف سبأ همه أولًا إلى غزو تهامة ومدينة زبيد، ولكن جيش جياش هاجمه على غرة فنجا بشق الأنفس وهرب إلى معقله تعكر، ثم راسل الخليفة الفاطمى المستنصر وتلقى منه خطابا أمر فيه سيدة بالزواج من سبأ، ونقل إليها هذا الخطاب فى ذى جبلة، وبعد تردد كثير وافقت على الزواج وحدد المهر، وجاء سبأ شخصيًا إلى قصبتها لعقد الزواج، ولكن ترفعها وغير ذلك من الأسباب حالت بينه وبين إتمام عقد الزواج، فقضى ليلة واحدة رحل بعدها إلى مقره دون أن يبرم هذا العقد. وقد اعتمدت الملكة بعد هذا جل الاعتماد على المفضل بن أبى البركات، وكانت قد وهبته حصن تعكر الذى يقع على جبل من أعلى الجبال يشرف على تهامة، وهناك كانت كنوز الصليحيين محفوظة، وقد ألفت الملكة أن تجعله مقرها فى الصيف وتعود إلى ذى جبلة لقضاء فصل الشتاء. وقد استعادت بفضل المفضل دخلها من عدن كما دانت لها بعض الشئ الأراضى المنخفضة،

стр. 6536

وفى سنة ٥٠٤ هـ (١١١٠ - ١١١١ م) حاصر المفضل مدينة زبيد، واستغل رجال قبيلة خولان غيابه فاستولوا على حصنه، وعاد المفضل إلا أنه لقى حتفه تحت أسوار الحصين، ثم سارت الملكة بنفسها على رأس جيشها من ذى جبلة واستطاعت أن تسترد الحصن بحيلة فى السنة التالية (١٢ من ربيع الأول سنة ٥٠٥)؛ على أن بنى خولان لم يعدلوا بين أهل المنطقة فأمرت عمرو بن عرفطة الجنبى بطردهم؛ ومع أن سيدة لم تكن الوالية الحقيقية على البلاد إلا أنها استطاعت فى السنوات التالية أن تمارس نوعا من أنواع السيادة على شتى الإمارات الصغيرة التى انبثقت فى جميع أنحاء البلاد حتى وصل إلى اليمن ابن نجيب الدولة سنة ٥١٣ هـ (١١١٩ م)، وكان الخليفة الفاطمى قد أوفده مبعوثا من قبله، وأشهر ابن نجيب الدولة الحرب ست سنوات على الإمارات الصغيرة فأكرهها على الإذعان واحدة إثر أخرى، وأدركت الشيخوخة الملكة فحاول ابن نجيب الدولة سنة ٥١٩ هـ أن ينتزع السلطان منها إلا أنها تلقت تأييدًا قويًا من شتى أمراء البلاد حتى اضطر ابن نجيب الدولة إلى أن يكف عما هم به. وبدأ ابن نجيب الدولة مؤامراته فى اليمن لمصلحة نزار المناهض للخليفة فألقى القبض عليه بناء على طلب الخليفة العامر وأرسل مكبلا بالأغلال إلى عدن ليعاد منها إلى مصر؛ وندمت الملكة على ذلك وكانت تواقة إلى عودته إلا أن حفظته غادروا عدن بالسفينة إلى سواكن، وغرقت السفينة أثناء الرحلة وغرق كل من كان عليها؛ وعينت الملكة بعد سقوط ابن نجيب الدولة رجلًا اسمه إبراهيم بن الحسين الحامدى، ولكنها علمت بوفاة الخليفة العامر فاستبدلته بإبراهيم سبأ ابن أبى سعود، وهو أول ملك من ملوك بنى زريع، وهم الذين خلفوا الصليحى على عرش البلاد حتى غزاها تورانشاه؛ وعاشت الملكة بعد ذلك بضع سنوات ثم توفيت سنة ٥٣٢ هـ (١١٣٨ م) فدالت دولة الصليحى، على أن بعض الأمراء ظلوا يحتفظون بحصون منعزلة، ونجد فى تاريخ متأخر يصل إلى سنة ٥٦٩ هـ أميرة تسمى الأميرة عروة ابنة على بن عبد اللَّه ابن محمد تحتفظ بحصن ذى جبلة.

стр. 6537

ولعل من الخطأ أن نزعم أن الصليحيه، باستثناء العهد الذى كان يحكم فيه أول ملك منهم، كانوا يستولون على اليمن بأسره، ذلك أن أسرة بنى نجاح الحبشية كانت طوال الوقت تقريبا تستولى على زبيد وتهامة، على حين أن عدن وغيرها من المراكز الهامة فى البلاد كان يحكمها بعض صغار الأمراء إما مستقلين وإما شبه مستقلين. ولا يزودنا المؤرخون بكثير من التفصيلات عن الأئمة الزيدية الذين كان مقرهم مدينة جدة، ولكن يلوح أنهم هم أيضًا كانوا ينعمون بسلطان لا حد له. ومع أن الصليحيين كانوا هم الممثلين الحقيقيين لخلفاء مصر الفاطميين من أهل الشيعة، إلا أنه كان ثمة أتباع كثيرون للمذهب السنى كما يدل على ذلك استيلاء رجال قبيلة خولان الشافعية على حصن تعكر إلى حين؛ ومن سوء الطالع أن عمارة كبير مؤرخى الأسرة أبعد ما يكون عن الوضوح فى مصنفه "وفيات الأعيان"، وقد نهج الإخباريون نهجه فى معظم الحالات؛ أما الأخبار التى ذكرها ابن خلدون عن الصليحيين فهى نتف متفرقة أشد التفرق مليئة بالأخطاء وذلك شأن هذا المؤرخ فى الكثير الكاثر من الأخبار الأخرى التى ذكرها. محمد ١ - على تزوج أسماء بنت شهاب توفى سنة ٤٧٣ هـ. . . عبد اللَّه ٢ - أحمد المكرم تزوج توفى سنة ٤٨٤ هـ. . . ٣ - سيدة بنت شهاب توفيت سنة ٥٣٢ هـ. . . أحمد محمد وقد توفى صغيرًا. . . على وقد توفى صغيرًا. . . أم همدان تزوجت أحمد ابن سليمان الرواحى. . . فاطمة المتوفاة سنة ٥٣٤ هـ تزوجت على بن سبأ الصليحى عبد اللَّه. . . عروة وكانت على قيد الحياة سنة ٥٦٩ هـ

стр. 6538

المصادر: (١) Yaman and its early History by Omara al-Hakami، طبعة كاى Kay، لندن ١٨٩٢. (٢) ابن خلكان، القاهرة ١٣١٠ هـ، جـ ١، ص ٣٦٨. (٣) جندى: السلوك، مخطوط، باريس ٢١٢٧. (٤) المخطوطات التى ذكرها كاى فى مقدمة مصنفه History of Omara . (٥) وثمة تاريخ كبير لليمن فى مكتبة جون راينلدز John Raynalds فى منشستر كتبه أحد الأئمة الزيدية، وقد يلقى هذا التاريخ ضوءا على هذا العصر، ولكننى لم أستطع الانتفاع به لسوء الحظ. صبحى [كرنكو F.Krenkow] صمصام الدولة أبو كاليجار المرزبان البويهى: توفى الأمير البويهى عضد الدولة فى شوال عام ٣٧٢ (مارس عام ٩٨٣ م) فنودى بولده أبى كاليجار أميرًا للأمراء ولقب بصمصام الدولة. وقد اقطع صمصام الدولة أخويه: أبا الحسين أحمد وأبا طاهر فيروزشاه ولاية فارس وأمرهما بالشخوص إليها لتوهما, ولما وصلا إلى أرجان كان الأخ الرابع شرف الدولة قد توقع حضورهما فاستولى على فارس، ومن ثم لم يجدا مناصا من الارتداد إلى الأهواز، وكان شرف الدولة خليقا بألا يعترف بسلطان صمصام الدولة فأنفذ صمصام الدولة لقتاله جيشا بقيادة أبى الحسن بن دنقس فالتقى بجيش العدو تحت قيادة أبى الأعز دبيس بن عفيف الأسدى عند قرقوب بين واسط والبصرة. ووقع أبو الحسن فى الأسر وركن جيشه إلى الفرار فى ربيع الأول عام ٣٧٣ (أغسطس - سبتمبر عام ٩٨٣ (فى حين ولى شرف الدولة أخاه: ابا الحسين على الأهواز، ولم يجد صمصام الدولة فى الوقت نفسه بدًا من محاربة الزعيم الكردى باذ الجد الأعلى للمروانيين. وكان باذ قد اغار على ديار بكر واستولى هناك على عدة بلدان مثل: ميا فارقين ونصيبين بعد وفاة عضد الدولة. وحلت الهزيمة بجنود

стр. 6539

صمصام الدولة ووقعت الموصل أيضًا فى أيدى باذ، ولكنه عندما حاول فى شهر صفر عام ٣٧٤ (يوليه عام ٩٨٤) الاستيلاء على بغداد حلت به الهزيمة واضطر إلى التخلى عن الموصل، ومع ذلك فقد سمح له بأن يستبقى ديار بكر ونصف طور عبدين. وفى سنة ٣٧٥ هـ (٩٨٥/ ٩٨٦ م) انتقض القائد الديلمى أسفار بن كردويه على صمصام الدولة فى بغداد وانحاز بادئ الأمر إلى شرف الدولة، ثم قرر بالاتفاق مع الجند الذين كانوا مخلصين له كل الإخلاص، أن يجعل أبا نصر بن عضد الدولة، (وكان وقتذاك فى الخامسة عشرة من عمره ثم عين بعد ذلك أميرًا للأمراء ولقب ببهاء الدولة) واليا على العراق مكان أخيه شرف الدولة، غير أن أسفار حلت به الهزيمة ووقع بهاء الدولة فى الأسر. وهنالك غادر شرف الدولة فارس وذهب إلى الأهواز وأخبر أخاه أبا الحسين أنه يريد تحرير بهاء الدولة، ولكن أبا الحسين لم يثق فى قوله وأخذ يحشد جنوده. على أن أبا الحسين مضى إلى شرف الدولة ووجد آنئذ أنه لم يبق له إلا الانضمام إلى عمه فخر الدولة ولم يأنس فيه فخر الدولة الشخص الذى يعتمد عليه كل الاعتماد فسجنه ثم قتل من بعد. وقد تراسل صمصام الدولة مع شرف الدولة رغبة منه فى الاحتفاظ بالسلام. وكان صمصام الدولة قانعا بولاية بغداد، ومستعدًا لفك أسر بهاء الدولة وذكر اسم شرف الدولة فى خطبة الجمعة فى العراق أولًا فوافق شرف الدولة على هذه المقترحات. وجاء صمصام الدولة إلى شرف الدولة عام ٣٧٦ هـ (٩٨٦ - ٩٨٧ م) فتلقاه شرف الدولة بادئ الأمر بالترحاب، ولكنه قبض عليه بعد ذلك وسجنه فى قلعة بالقرب من شيزار. وتذكر الرواية الشائعة أن شرف الدولة أمر من بعد بسمل عينيه. وشبت إبان ذلك القلاقل فى بغداد بين الديلم الذين انحازوا إلى صمصام الدولة والترك أتباع شرف الدولة. ولم يعترف الخليفة الطائع بشرف الدولة أميرًا للأمراء إلا بعد أن استتب الأمن والسلام. ولما توفى شرف الدولة فى بداية شهر جمادى الآخرة عام ٣٧٩ (سبتمبر ٩٨٩) خلفه بهاء الدولة فى منصبه، وعند ذلك أطلق سراح

стр. 6540

صمصام الدولة، ولكنه اضطر أول الأمر أن يحارب فى صف ابن أخيه أبى على بن شرف الدولة ثم مع بهاء الدولة بعد مقتل أبى على. وفى عام ٣٨٣ هـ (٩٩٣/ ٩٩٤) -وفى رواية أخرى لعلها ترجع إلى نص خاطئ منذ عهد مبكر يرجع إلى سنة ٣٨٠ هـ- أفلح أبناء بختيار الذين كانوا محبوسين فى حصن من حصون فارس بعد وفاة شرف الدولة، فى استعادة حريتهم بمساعدة الحامية الديلمية وجمعوا حولهم أتباعا كثيرين. ولما سمع صمصام الدولة بذلك أنفذ جيشا بقيادة أبى على بن أستاذ هرمز لمقاتلتهم، فحاصرهم فى القلعة التى احتموا فيها فاضطروا إلى التسليم وحملوا إلى صمصام الدولة فأمر بقتل اثنين منهم وسجن الأربعة الآخرين. وفى ذلك العام نفسه ثارت العداوات مرة أخرى بين صمصام الدولة وبهاء الدولة ولكن صمصام الدولة قتل فى ذى الحجة عام ٣٨٨ (نهاية عام ٩٩٨ م) بالغا من العمر خمسًا وثلاثين سنة وسبعة أشهر. المصادر: (١) ابن الأثير: الكامل، طبعة تورنبرغ جـ ٩ فى مواضع عدة. (٢) تاريخ أبى الفداء، طبعة Reiske جـ ٢، ص ٥٥٥ وما بعدها. (٣) ابن خلدون: كتاب العبر، طبعة القاهرة عام ١٢٧٥ هـ, جـ ٤، ص ٤٥٦ وما بعدها. (٤) حمد اللَّه مستوفى القزوينى: تاريخ كزيده طبعة Browne جـ ١، ص ٤٢٩ - ٤٣٠. (٥) Gesch. der Sultane aus dem Geschl.Bujeh nach Mirchond: Wilken فصل ١٠. (٦) Gesch. d Chalifen: Wiel جـ ١، ص ٣١ - ٣٥, ٣٧, ٤٧ وما بعدها. الشنتناوى [تسترشتين K.V.Zetter teen] الصمصامة سيف الشاعر العربى المقاتل عمرو ابن معدى كرب الزبيدى، وقد اشتهر بصلابة حده ورهافته، وهو كغيره من

стр. 6541

خيرة سيوف العرب يرتد أصله إلى اليمن وتنسب إليه عراقة فى القدم أبعد مما يتصور. ويذكر عمرو نفسه فى بيت له يستشهد به كثيرا (ابن دريد ص ٣١١؛ العقد [طبعة سنة ١٩٢٣ هـ] جـ ١، ص ٤١؛ جـ ٢، ص ٧٠؛ ابن بدرون ص ٨٤؛ تاج العروس، جـ ٦، ص ٢٩٩) إن هذا السيف كان فى وقت من الأوقات لابن ذى قيفان من قوم (عاد وهو من عشيرة حميرية [انظر Die arabische Frage: Hartmann، ص ٣٣١, ٦١٣] ويجعلونه ملكا من أواخر ملوك حمير من أسرة ذى جدن، على أن المرجح أن الشاعر إنما عنى أن يشير إلى العصر العظيم الذى ظهر فيه سلاحه). وتاريخ الصمصامة ووقائعه تاريخ متشعب متشابك, بل إن هذا السيف وقع إبان حياة الشاعر فى يد رجل من الأمويين هو خالد بن سعيد بن العاص من صحابة النبى [ ﷺ ] وقد ذكرت الطريقة التى استحوذ بها خالد على هذا السيف بروايات عدة مختلفة، ابن حبيش؛ انظر المصادر) وسيف بن عمر فى ابن الكلبى (فى كتاب البلاذرى) وأبى عبيدة (فى كتاب الأغانى) والزهرى (فى كتاب ابن حبيش؛ انظر المصادر) وسيف بن عمر (فى كتاب الطبرى) ويذكر سيف أن خالدا غنمه فى القتال بعد هزيمة عمرو بن معد كرب الذى اشترك فى الفتنة التى أثارها على الإسلام المتنبئ الأسود العنسى. ويذكر الثلاثة الأولون أن عمرا نفسه أعطاه لخالد فدية لأخته (أو زوجته) ريحانة التى كانت أسيرة فى أيدى المسلمين. وقد نظم عمرو قصيدة بهذه المناسبة جرت المصادر العربية على الاستشهاد بها (ابن دريد، ص ٤٩؛ لسان العرب جـ ١٥، ص ٢٤٠. . إلخ). وينكر الثقات إنكارًا تاما الرواية التى تذهب إلى أن عمرا أعطى هذا السيف إلى الخليفة عمر (التبريزى فى كتاب الحماسة، طبعة Freytag ص ٣٩، س ١٢ - ١٥). ولما توفى خالد بن سعيد فى وقعة مرج الصفر إبان فتح الشام (عام ١٤ للهجرة) انتقل الصمصامة إلى ابن أخيه سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص الذى أضاعه عندما كان يدافع عن

стр. 6542

الخليفة عثمان إبان حصاره فى بيته بالمدينة (عام ٣٥ للهجرة). وقد عثر عليه بدوى من قبيلة جهينة ووجد معه فى عهد معاوية. وأعيد السيف إلى صاحبه الأول وظل ينتقل من فرد إلى آخر من أسرة بنى العاص إلى أن باعه واحد منهم هو أيوب بن أبى أيوب حفيد ابن سعيد. للخليفة المهدى (١٥٨ - ١٦٩ للهجرة) نظير ثمانين ألف درهم أو نحوها ومن ثم احتفظ بالصمصامة أثرا نفيسا بين كنوز العباسيين واستمرت شهرته فى الازدياد. وقد تغنى بمدحه شعراء مثل أبى الهول الحميرى (الجاحظ: حياة الحيوان، جـ ٥، ص ٣٠) وسلم الخاسر. ونحن نعلم من مصادر مختلفة بوجوده فى خلافة الهادى (١٦٩ - ١٧٠ هـ) وهارون الرشيد (١٧٠ - ١٩٣) والواثق (٢٢٧ - ٢٣٢ هـ) والمتوكل (٢٣٢ - ٢٤٧ هـ) ثم لم نسمع له أى ذكر بعد. وقلما يوثق بصحة الحكايات التى تروى عن جودة هذا السيف المشهور إبان وجوده فى أيدى هؤلاء الخلفاء. ولعل أقرب أوصاف هذا السيف إلى الحقيقة هو ما ذكره الطبرى (جـ ٣، ص ١٣٤٨, س ٤ - ٨) فى سياق قصة استخدم الواثق لهذا السيف حين قتل بيده أحمد بن نصر الخزاعى (٢٣١ هـ) الذى اتهم بالتآمر على الخليفة وقوله بأن القرآن غير مخلوق خلافًا للرأى الذى قال به المأمون: "كان صفيحة موصولة من أسفلها ومسمورة بثلاثة مسامير تجمع بين الصفيحة والصلة". وواضح من هذه أن الصمصامة المشهور لم يكن له آية قيمة إلا عراقته فى القدم. أما من حيث الاسم الصمصامة، فهو مجرد كنية تشير إلى جودة النصل مثل "مصمم" الذى له نفس هذا المعنى. وكثيرا ما يستعمل الصمصامة اسم نكرة كما جاء فى شعر الفرزدق (النقائض ص ٣٨٤، س ٤) وعمرو بن معدى كرب نفسه (حماسة البحترى، ص ٨٣، طبعة شيخو، رقم ٢٣٧) وفى أمالى القالى (جـ ٣، ص ١٥٤، س ١٠) وكذلك مسلم بن الوليد (طبعة ده غوى جـ ٦، ص ١٨) فى بيت شعر ظنه شوارزلوس Schwarzlose خطأ (انظر المصادر) أنه يشير إلى سيف عمرو

стр. 6543

على حين أن السيف الذى أعطاه هارون الرشيد إلى قائده يزيد بن مزيد المشار إليه فى هذا البيت إنما هو سيف النبى [ ﷺ ] "ذو الفقار" كما هو واضح من البيت الخامس والعشريق من هذه القصيدة والتعليق الذى أورده ابن خلكان جـ ٣، ص ٩٩٣, من طبعة عام ١٢٩٩ هـ = جـ ٢, ٢٨٤ من طبعة عام ١٣١٩ هـ, ورقم ٨٣٠ من طبعة فستنفلد). المصادر: (١) البلاذرى: فتوح البلدان، طبعة ده غوى, ص ١١٩ - ١٢٠. (٢) الطبرى، طبعة ده غوى، جـ ١، ص ١٩٨٤, ١٩٩٧. (٣) الأغانى، الطبعة الأولى، جـ ١٤، ص ٢٦ - ٢٧, الطبعة الثانية، ص ٢٧. (٤) ابن بدرون، طبعة دوزى، ص ٨٤. (٥) العقد الفريد، جـ ١، ص ٦٦ طبعة عام ١٢٩٣ هـ. (٦) ابن هذيل الأندلسى: La parure des cavaliers et l'enseigne des preux طبعة L. Mercier باريس ١٩٢٢, ص ٦١ - ٦٢. (٧) المخصص، جـ ٦، ص ١٩, ٢٨. (٨) لسان العرب، جـ ١٥، ص ٢٤٠. (٩) تاج العروس، جـ ٨، ص ٣٧٠. (١٠) Annali dell' Islam: Caetani جـ ٢، ص ٧٨٣, ٧٨٧ (١٢ هـ فقرة ٦٥, ٦٩؛ وتذكر هذه الفقرة الأخيرة ترجمة لفقرة من كتاب الغزوات لابن حبيش جـ ٣، ص ٣٢٢ (١٤ هـ فقرة ١٠٤ تعليق) جـ ٤، ص ٦٣٢ (٢١، فقرة ٢٨٢). (١١) Die Waffen der alten araber: Schwarzlose، ليبسك سنة ١٨٨٦، ص ٣٦, ٩٣ - ١٢٩, ١٩٢ - ١٩٤. الشنتناوى [دلافيدا G. Levie Della Vida] الصميل ابن حاتم أبو جوشن الكلابى: زعيم من زعماء العرب المشهورين فى الأندلس (ويؤيد نطق الاسم "الصُمَيْل: نقش Zumahel الذى استخدمه

стр. 6544

إبزودورس الكاذب الباجى PseudoIsodoruo is Beja) وكان الصميل حفيد شمر بن ذى الجوشن الكوفى الذى قتل الحسين فى كربلاء؛ وكانت أسرة شمر قد رحلت عن الكوفة تجنبًا لانتقام الشيعة منهم واستقروا فى إقليم قنسرين وهذا هو السبب فى أن الصميل أصبح من جند قنسرين فى جيش الشام الذى) نفذه هشام بن عبد الملك الخليفة الأموى إلى شمالى إفريقية سنة ١٢٣ هـ (٧٤١ م)؛ وقد شارك زعيمه بلج بن بشر القشيرى حظه، واستقرت به الحال فى الأندلس ولم يلبث أن أصبح زعيم القيسية هناك وعاش فى قرطبة. ونشب الخلاف بين الصميل وبين أبى الحظار الحسام بن درار الكلبى والى قرطبة، فقد أهان أبو الخطار الصميل، فأخذت الصميل العزة العربية. واستقر رأيه على أن يشق عليه عصا الطاعة، وأن يستنجد باللخمية والجذامية فى الأندلس حتى ينضموا إليه، وعهد بقيادة الثائرين إلى ثوابة بن سلامة الجذامى الذى أصبح بعد انتصاره على أبى الخطار على ضفاف وادى بكة واليا على الأندلس فى قرطبة. وتوفى ثوابة، فتدخل الصميل ليختار خليفة لهذا الوالى، واختار شخصا كان يعلم أنه يستطيع أن يكون له عليه سلطان عظيم ألا وهو يوسف ابن عبد الرحمن الفهرى، وكان هذا الاختيار موضع خلاف أول الأمر، ولكن بعد وقعة شقندة التى كتب فيها الفوز سنة ١٣٠ هـ (٧٤٧ م) لعشيرة المعدية تحت إمرة يوسف والصميل على العشيرة اليمنية التى كان يقودها أبو الخطار، تأيد سلطان الوالى الجديد. وعرض هذا الوالى على الصميل ولاية إقليم سرقسطة سنة ١٣٢ هـ (٧٤٩ م) وقد امتاز الصميل بكرمه العظيم خلال قحط شديد ألم بذلك الإقليم، إلا أن زعيمين من زعماء المتمردين حاصراه فى قصبة، فاستنجد الصميل بأبناء قبيلته القيسية فى الأندلس فرفع أعداؤه الحصار عن سرقسطة. أما التاريخ المتأخر للصميل فله علاقة وثيقة مطردة بتاريح يوسف الفهرى وتاريخ عبد الرحمن الداخل

стр. 6545

مؤسس الخلافة الأموية فى الأندلس. وقد وعد الصميل عبد الرحمن بتأييده إلا أنه غير رأيه فى ظروف وصفها صاحب كتاب "أخبار مجموعة" المجهول الاسم وصفا رائعا، ونستبين من ذلك ما كان عليه خلق الصميل من تقلب وتعقيد، على أن عبد الرحمن، بعد أن عاد إلى البلاد من بعثهم إلى شبه الجزيرة، ونزل إلى البر فى المكب Almunecar فى ربيع الثانى سنة ١٣٨ هـ (سبتمبر سنة ٧٥٥)، وأكره الصميل سيده يوسف الفهرى على الخلاص من زعيمين من زعماء القيسية الذين لهم شأنهم، وهما سليمان بن شهاب والحسين بن الدجن، ثم أقنعه بأن يعهد إلى مدعى الخلافة الأموية الجديد ولاية الناحيتين اللتين كان يحتلهما جنود دمشق والأردن وأن يزوجه بابنته أم موسى، إلا أن المفاوضات باءت بالخيبة بسبب عدم دقة الرسول فى إبلاغ رسالته فنشب القتال بين يوسف وعبد الرحمن ومنى يوسف بالهزيمة قرب قرطبة, وكان للصميل ابن قتل فى المعركة, كما نهب قصره الذى كان فى شقندة, وحاول هو ويوسف أن يستعيدا سلطانهما إلا أنهما سرعان ما اضطرا إلى الإذعان للخليفة الجديد؛ وعاد الصميل فاستقر فى قرطبة مرة أخرى وهرب يوسف فاتهم الصميل بأنه شريكه وأودع السجن، ثم منى يوسف بالهزيمة وقتل قرب طليطلة وحمل رأسه إلى قرطبة، وأراد عبد الرحمن أن يتخلص من عدوه الآخر، الذى كان يشتبه فى أن إذعانه إنما كان بالاسم دون الفعل فعمل على خنقه سنة ١٤٢ هـ (٧٥٩ م). المصادر: (١) أخبار مجموعة، طبعة وترجمة Ajbar machmua) Lafuenta y Alcantara) مدريد ١٨٦٧. (٢) ابن القوطية: تاريخ فتح الأندلس، القاهرة، بغير تاريخ، ترجمة Houdas فى Recueil de Textes Pubilc. de l'Ecole des Langues Orientales Vii السلسلة ٣، جـ ٥، باريس ١٨٨٩ ص ٢١٩ - ٢٨٠؛ الطبعة والترجمة الإسبانية Historia de la Conquista de Espana: J.Ribera, مدريد ١٩٢٦, الفهرس.

стр. 6546

(٣) ابن عذارى: البيان المغرب، طبعة R.Dozy، ليدن ١٨٤٨, جـ ٢، ص ٣٤ وما بعدها، و ٤٤ وما بعدها و ٥٠ وما بعدها؛ ترجمة E.Fagran، الجزائر ١٩٠٤، جـ ٢، ص ٤٩ وما بعد , ٦٥ وما بعدها و ٧٥ وما بعدها (٤) ابن الأثير: الكامل، طبعة Tornberg، جـ ٣، ص ٢٥٧ و ٣٥٣ و ٣٧٤ و ٣٨١ (٥) Annales Du Maghreb et de l'Espagne ترجمة الجزائر، Fagnan, الجزائر, الفهرس. (٦) المقرى: نفح الطيب (. . Analectes), ليدن ١٨٥٥ - ١٨٦١, جـ ٢، ص ٢٤ (٧) Histoire des Musubnans d'Espagne: R.Dozy, ليدن جـ ١، ص ٢٧٣ وما بعدها. صبحى [ليفى بروفنسال E.Levi-Provencal] صنعاء قصبة اليمن، وتقوم على السراة الشرقية فى واد جبلى ينفرج إلى الغرب حتى السلسلة الجبلية التى تتبع جبل عَيْبان، ويشرف عليها من الشرق مباشرة جبل نقم الذى يعلوها بمقدار ١٦٠٠ قدم؛ وهى على خط عرض ١٥ ْ ٢٣ َ شمالا وخط طول ٤٤ ْ ١٢ َ شرقا. وجو صنعاء معتدل لأنها ترتفع عن سطح البحر بمقدار ٧٢٠٠ قدم، وتهب عليها فى الصيف بنوع خاص الرياح إبان النهار. وتهبط درجة الحرارة فيها شتاء إلى درجة الصفر إبان الليل فيتساقط الثلج، ولكنه يختفى مرة أخرى بطلوع النهار. وتهطل عليها الأمطار بغزارة فى الربيع ومنتصف الصيف وبخاصة فى شهر يوليه ويندر الجفاف فى الصيف، فإذا حدث جاء معه بالوبال. ويخط صنعاء جدولان عليهما جسور وهما يتجهان إلى وادى الخارد، ويمتلئان بالماء بعد المطر فحسب. أما الماء الصالح للشرب فيستمدونه بانتظام من قناة معلقة آتية من جبل نقم. وتربة الهضبة بركانية الأصل، غير أن الزلازل نادرة جدًا، مثل الزلزال الذى حدث عام ٦٥٧ هـ (١٢٥٩ م) وغير ذلك من الزلازل التافهة الشأن.

стр. 6547

وحمم البراكين هى مادة البناء التى تشيّد بها المساكن الجيدة، أما البيوت المتواضعة بل وسور المدينة أيضًا فمشيدة من اللبن. والمواد الخشبية قليلة فى هذه الهضبة مثل: أشجار الطلحة والدوم، وتنحصر أهميتها فى اتخاذها وقودًا يباع فى سوق صنعاء. ولا تزال ألواح المرمر الشفافة التى كانت فى وقت من الأوقات فى حصن غمدان تستخدم نوافذ لبيوت الطبقة العليا من الناس. وقد تدهورت كثيرا الصناعات التى اشتهرت بها هذه المدينة فى العصور الوسطى، مثل صهر الفضة وصناعة الأقمشة اليمنية المشهورة. ولا يزال يصنع بها الخناجر اليمنية المقوسة التى يحملها الناس عادة، وهى خناجر لها مقابض من العظم مطعمة بالفضة. وتوجد الحدائق الكبيرة المعتنى بها داخل المدينة التى كانت مكتظة بالسكان فيما مضى. وتزرع فيها فاكهة المنطقة المعتدلة جميعًا مثل المشمش والكمثرى والتفاح والسفرجل والأعناب والأعشاب العطرة. وقد أقلم الترك بها أيضًا جميع أنواع الخضر بما فى ذلك البطاطس. وأشجار النخيل ليست إلا أشجار زينة فى مثل هذا الارتفاع الشاهق. ويزرع البن هناك وبخاصة على منحدرات جبل نقم. ويوجد بمدينة صنعاء التى كان يقدر عدد سكانها بثمانية عشر ألف نسمة ثلاثة أحياء: الحس العربى ويمتد من الحصين عند سفح جبل نقم ناحية الغرب إلى أن يلتقى بضاحية بير الأعذب التى كانت مستقلة بذاتها فى وقت من الأوقات، وبهذا الحى حدائق جميلة ومبان حكومية ومكاتب عامة. وتقوم الثكنات خارج السور الجنوبى، كما تقوم مدينة شعوب الصغيرة فى جوار السور الشمالى. ولا يفتح عادة من أبوابها الاثنى عشر سوى أربعة أبواب. ويقوم المسجد الجامع ذو المأذنتين، ولعله هو مسجد قليس القديم فى وسط المدينة العربية تقريبا، ولا يزال بها كثير من القصور التى شيدتها الأسر الحاكمة المختلفة التى تعاقبت على الحكم هناك. وأشهر هذه القصور هو مقر الإمام ويسمى بستان المتوكل، ويقع فى الشمال الغربى من

стр. 6548

المدينة العربية. ومن المبانى العامة بصنعاء، مستشفى كبير، وصيدلية، ونحو اثنى عشر حماما، وثلاث مدارس من بينها مدرسة صناعية، ومطبعة. وطرق المواصلات كانت غاية فى الوعورة تمر بالمناطق الجبلية، والهبوط إلى البحر الأحمر يكون فى اتجاه الحديدة. وتسير الطرق عادة حول أعالى الوديان طلبا للأمان، مثال ذلك: وادى صُنْفر الذى ينحدر انحدارًا رفيقا. والطريق الذى عند قرن الوعل مثلًا، وهو يمتد إلى الجنوب من جبل حضور النبى شعيب ﵇، يرتفع إلى ما يقرب من تسعة آلاف قدم، ثم يتسلق عبر الممرات التى يزرع بها البن فى سلسلة حراز عند المناخة على ارتفاع ٧٢٠٠ قدم، ثم يهبط ثانية إلى تهامة خارج باجل مباشرة. وهو يحمل البريد المنتظم فى جبل السراة، مسيرة يومين ونصف يوم أو ثلاثة أيام [بالإبل] من صنعاء إلى الحُديدة، وهى مسافة تقرب من مائة ميل إذا قطعت فى خط مستقيم. ويمتد على طول هذا الطريق أيضًا خط برقى يتصل بشبكة المخطوط السورية العربية. أما الطريق الموصل إلى موقع مأرب القديمة، فطوله ميلًا شرقى الشمال الشرقى فى خط مستقيم، ولا يزال يحمل الملح من إقليمه إلى صنعاء، ويبدأ هذا الطريق بالالتفاف شمالى أو جنوبى الأنوف الخارجية للجبال التى إلى الشرق من المدينة، ثم يهبط إلى الجوف مارًا بوادى ذانة ذى المياه الوفيرة. أما الطريق الممتد من الشمال إلى الجنوب مارًا بيريم، وأطلال ظفار، وجَنَد، والحوطة إلى عدن، ومارًا بصعدة وبيشة وتربة إلى مكة. أما طريق الحج والتجارة إلى مكة فهو لا يتبع الطريق الذى يمر بالجبال، بل يتجه رأسا ناحية وادى سردد ثم يسير قدما من المهجم التى تبعد نحو ٢٥ ميلا إلى الشمال من الحُديدة، ثم يتخذ طريق تهامة الذى يتجه ناحية الشمال من عدن مارا بزبيد. وصنعاء مدينة أولية موغلة فى القدم، ومع ذلك فإننا لا نجد لها ذكرا فى النقوش المعينية والسبأية التى تمت دراستها. ومن المحتمل أن تكون هذه المدينة قد

стр. 6549

ذكرت فى العهد الحميرى إذا كان الاسم المذكور فى نقش كليزر (Gleaner رقم ٢٤٢, سطر ١٣) يشير إلى صنعاء. وسوف يكون تاريخ هذا النقش راجعا إلى منتصف القرن الأول الميلادى إذا استطعنا أن نثبت أن ملك سبأ وذى ريدان المذكور فى السطر الثالث، وهو إليشرح يحضب الذى أحرز انتصارا عند صنعو أو على صنعو، هو عين إليسر Elisar الوارد فى periplus maris Ervthraei، الفصل ٢٦ (انظر Die Abessinier in Arabien und Africa: E Glaser سنة ١٨٩٥ , ص ١١٧؛ Der islamische orient: M.Hartmann، سنة ١٩٠٩, جـ ٢، ص ١٥٠ وما بعدها). ولا يزال لدى الأساطير والأشعار ما تقوله مستوحية أطاول حصن غمدان. لقد كان سام هو الذى شيد المدينة والحصن وكان اسمهما القديم هو أزال. ولما كان من المحتمل أن يكون هذا الاسم الأخير إنما أخذه اليهود والمسلمون من سفو التكوين (الإصحاح العاشر، الآية ٢٧) فى تاريخ متأخر، فإن القول بأن صنعاء هى أوزال الواردة فى التوراة أمر غير محقق شأنه شأن قول شبرنكر Sprenger (Die alte Geographie Arabiens سنة ١٨٧٥, فقرة رقم ٢٩٤) بأن صنعاء هى Menambis basileion التى ذكرها بطلميوس (Geogr, الكتاب السادس، الفصل السابع، الفقرة رقم ٣٨) أو ما أكده كليزر Glaser (المصدر المذكور، ص ١٢٢ و Skizze d. Gesch. u Geogr. Arabiens، جـ ٢ سنة ١٨٩٠. ص ٣١٠, ٤٢٧) من أن الاسم القديم كان تفيد وأن الاسم الحالى قد استقى من إقليم مأرب. ولم تستقر شهرة صنعاء بتلك المكانة الممتازة التى احتلتها وذلك الشأن الهام، الذى بلغته حتى الوقت الحاضر فى اليمن العليا وفى اليمن بأسرها مع استثناء بعض فترات متقطعة، إلا منذ الفتح الحبشى وتورط اليمن فى النزاع الذى نشب بين رومة وفارس على سيادة العالم. ولا سبيل لنا إلا إيجاز القول عن بعض أحداث هذه القرون الأربعة التى تمثل فيها تاريخ اليمن فى قصة هذه المدينة الفريدة.

стр. 6550

ظهر أبرهة حوالى سنة ٥٣٠ م بعد سقوط الملك اليهودى ذى نواس الذى اضطهد النصارى فى صنعاء أيضًا على ما يقال، ظهر أبرهة وجعل من هذه المدينة مقرا للوالى الحبشى بعد أن أطاح بمنافسه الحبشى أرياط. وقد زين المدينة بالكاتدرائية المسيحية التى تعرف بقَليس أو قُلَيس (ekklesia). ويقال إنه جلَب مواد البناء من أطلال مأرب، أما العمال فقد بعث بهم إمبراطور الروم (البوزنطى) وكذلك الفسيفساء. وقد استدعت أسرة ذى يزن، وهى الأسرة اليمنية الحاكمة القديمة، وهرز قائد كسرى الأول أنوشروان فأخرج من المدينة حوالى عام ٥٧٠ م مسروق ابن أبرهة الثانى وخليفته ثم أقام فيها بادئ الأمر حكما مشتركا مع ذى يزن، ثم انفرد الفرس بالحكم وتولاه، كما جاء فى الأسانيد المكتوبة، ابن وهرز فحفيده ثم ابن حفيده. وفى عام ١٠ هـ (٦٣١ م) دخل باذام خامس هؤلاء الولاة فى الإسلام، وجاء فى روايات أخرى أن إسلامه كان قبل ذلك بعامين. وفى عام ١٠ هـ أوفد مهاجر بن أبى أمية بن المغيرة إلى صنعاء لجمع خراج اليمن. ووقعت صنعاء فى العام التالى فى قبضة خصم النبى [ ﷺ ] عبهلة بن كعب الأسود الذى تحصن فى غمدان، وظل يقبض على أزمة الأمور فيها ثلاثة أشهر. ولما توفى النبى [ ﷺ ] دخلت فتنة عبهلة فى غمار الكفاح العام فى سبيل استقلال اليمن، وكان على رأس هذا الكفاح فرد من أسرة ذى يزن هو عمرو بن معدى كرب. ووجدت حكومة المدينة سندا قويا لها فى أشخاص الأبناء، وهم أشراف الفرس المستعربين. وفى عام ١١ هـ (٦٣٢ م) تمكن فيروز الديلمى بمساعدة المهاجر من رد السيادة الإسلامية إلى صنعاء واليمن العليا. والراجح أن حصن غمدان قد تهدم فى ذلك القتال المرير. وتذهب الأسطورة إلى أن هذا الحصين كان قد أعيد بناؤه قبل ذلك فى العهد الحميرى على يد عمرو بن أبى شرح بن يحصب الذى ورد ذكره فى النقوش. وقد ساد السلام بعض الشئ بعد الفتح، ويرجع بخاصة إلى أن أولى الأمر فى المدينة عاملوا الأشراف فى صنعاء وما
следующие страницы →