← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

(٣) ابن عذارى: البيان المغرب، طبعة R.Dozy، ليدن ١٨٤٨, جـ ٢، ص ٣٤ وما بعدها، و ٤٤ وما بعدها و ٥٠ وما بعدها؛ ترجمة E.Fagran، الجزائر ١٩٠٤، جـ ٢، ص ٤٩ وما بعد , ٦٥ وما بعدها و ٧٥ وما بعدها (٤) ابن الأثير: الكامل، طبعة Tornberg، جـ ٣، ص ٢٥٧ و ٣٥٣ و ٣٧٤ و ٣٨١ (٥) Annales Du Maghreb et de l'Espagne ترجمة الجزائر، Fagnan, الجزائر, الفهرس. (٦) المقرى: نفح الطيب (. . Analectes), ليدن ١٨٥٥ - ١٨٦١, جـ ٢، ص ٢٤ (٧) Histoire des Musubnans d'Espagne: R.Dozy, ليدن جـ ١، ص ٢٧٣ وما بعدها. صبحى [ليفى بروفنسال E.Levi-Provencal] صنعاء قصبة اليمن، وتقوم على السراة الشرقية فى واد جبلى ينفرج إلى الغرب حتى السلسلة الجبلية التى تتبع جبل عَيْبان، ويشرف عليها من الشرق مباشرة جبل نقم الذى يعلوها بمقدار ١٦٠٠ قدم؛ وهى على خط عرض ١٥ ْ ٢٣ َ شمالا وخط طول ٤٤ ْ ١٢ َ شرقا. وجو صنعاء معتدل لأنها ترتفع عن سطح البحر بمقدار ٧٢٠٠ قدم، وتهب عليها فى الصيف بنوع خاص الرياح إبان النهار. وتهبط درجة الحرارة فيها شتاء إلى درجة الصفر إبان الليل فيتساقط الثلج، ولكنه يختفى مرة أخرى بطلوع النهار. وتهطل عليها الأمطار بغزارة فى الربيع ومنتصف الصيف وبخاصة فى شهر يوليه ويندر الجفاف فى الصيف، فإذا حدث جاء معه بالوبال. ويخط صنعاء جدولان عليهما جسور وهما يتجهان إلى وادى الخارد، ويمتلئان بالماء بعد المطر فحسب. أما الماء الصالح للشرب فيستمدونه بانتظام من قناة معلقة آتية من جبل نقم. وتربة الهضبة بركانية الأصل، غير أن الزلازل نادرة جدًا، مثل الزلزال الذى حدث عام ٦٥٧ هـ (١٢٥٩ م) وغير ذلك من الزلازل التافهة الشأن.

стр. 6547

وحمم البراكين هى مادة البناء التى تشيّد بها المساكن الجيدة، أما البيوت المتواضعة بل وسور المدينة أيضًا فمشيدة من اللبن. والمواد الخشبية قليلة فى هذه الهضبة مثل: أشجار الطلحة والدوم، وتنحصر أهميتها فى اتخاذها وقودًا يباع فى سوق صنعاء. ولا تزال ألواح المرمر الشفافة التى كانت فى وقت من الأوقات فى حصن غمدان تستخدم نوافذ لبيوت الطبقة العليا من الناس. وقد تدهورت كثيرا الصناعات التى اشتهرت بها هذه المدينة فى العصور الوسطى، مثل صهر الفضة وصناعة الأقمشة اليمنية المشهورة. ولا يزال يصنع بها الخناجر اليمنية المقوسة التى يحملها الناس عادة، وهى خناجر لها مقابض من العظم مطعمة بالفضة. وتوجد الحدائق الكبيرة المعتنى بها داخل المدينة التى كانت مكتظة بالسكان فيما مضى. وتزرع فيها فاكهة المنطقة المعتدلة جميعًا مثل المشمش والكمثرى والتفاح والسفرجل والأعناب والأعشاب العطرة. وقد أقلم الترك بها أيضًا جميع أنواع الخضر بما فى ذلك البطاطس. وأشجار النخيل ليست إلا أشجار زينة فى مثل هذا الارتفاع الشاهق. ويزرع البن هناك وبخاصة على منحدرات جبل نقم. ويوجد بمدينة صنعاء التى كان يقدر عدد سكانها بثمانية عشر ألف نسمة ثلاثة أحياء: الحس العربى ويمتد من الحصين عند سفح جبل نقم ناحية الغرب إلى أن يلتقى بضاحية بير الأعذب التى كانت مستقلة بذاتها فى وقت من الأوقات، وبهذا الحى حدائق جميلة ومبان حكومية ومكاتب عامة. وتقوم الثكنات خارج السور الجنوبى، كما تقوم مدينة شعوب الصغيرة فى جوار السور الشمالى. ولا يفتح عادة من أبوابها الاثنى عشر سوى أربعة أبواب. ويقوم المسجد الجامع ذو المأذنتين، ولعله هو مسجد قليس القديم فى وسط المدينة العربية تقريبا، ولا يزال بها كثير من القصور التى شيدتها الأسر الحاكمة المختلفة التى تعاقبت على الحكم هناك. وأشهر هذه القصور هو مقر الإمام ويسمى بستان المتوكل، ويقع فى الشمال الغربى من

стр. 6548

المدينة العربية. ومن المبانى العامة بصنعاء، مستشفى كبير، وصيدلية، ونحو اثنى عشر حماما، وثلاث مدارس من بينها مدرسة صناعية، ومطبعة. وطرق المواصلات كانت غاية فى الوعورة تمر بالمناطق الجبلية، والهبوط إلى البحر الأحمر يكون فى اتجاه الحديدة. وتسير الطرق عادة حول أعالى الوديان طلبا للأمان، مثال ذلك: وادى صُنْفر الذى ينحدر انحدارًا رفيقا. والطريق الذى عند قرن الوعل مثلًا، وهو يمتد إلى الجنوب من جبل حضور النبى شعيب ﵇، يرتفع إلى ما يقرب من تسعة آلاف قدم، ثم يتسلق عبر الممرات التى يزرع بها البن فى سلسلة حراز عند المناخة على ارتفاع ٧٢٠٠ قدم، ثم يهبط ثانية إلى تهامة خارج باجل مباشرة. وهو يحمل البريد المنتظم فى جبل السراة، مسيرة يومين ونصف يوم أو ثلاثة أيام [بالإبل] من صنعاء إلى الحُديدة، وهى مسافة تقرب من مائة ميل إذا قطعت فى خط مستقيم. ويمتد على طول هذا الطريق أيضًا خط برقى يتصل بشبكة المخطوط السورية العربية. أما الطريق الموصل إلى موقع مأرب القديمة، فطوله ميلًا شرقى الشمال الشرقى فى خط مستقيم، ولا يزال يحمل الملح من إقليمه إلى صنعاء، ويبدأ هذا الطريق بالالتفاف شمالى أو جنوبى الأنوف الخارجية للجبال التى إلى الشرق من المدينة، ثم يهبط إلى الجوف مارًا بوادى ذانة ذى المياه الوفيرة. أما الطريق الممتد من الشمال إلى الجنوب مارًا بيريم، وأطلال ظفار، وجَنَد، والحوطة إلى عدن، ومارًا بصعدة وبيشة وتربة إلى مكة. أما طريق الحج والتجارة إلى مكة فهو لا يتبع الطريق الذى يمر بالجبال، بل يتجه رأسا ناحية وادى سردد ثم يسير قدما من المهجم التى تبعد نحو ٢٥ ميلا إلى الشمال من الحُديدة، ثم يتخذ طريق تهامة الذى يتجه ناحية الشمال من عدن مارا بزبيد. وصنعاء مدينة أولية موغلة فى القدم، ومع ذلك فإننا لا نجد لها ذكرا فى النقوش المعينية والسبأية التى تمت دراستها. ومن المحتمل أن تكون هذه المدينة قد

стр. 6549

ذكرت فى العهد الحميرى إذا كان الاسم المذكور فى نقش كليزر (Gleaner رقم ٢٤٢, سطر ١٣) يشير إلى صنعاء. وسوف يكون تاريخ هذا النقش راجعا إلى منتصف القرن الأول الميلادى إذا استطعنا أن نثبت أن ملك سبأ وذى ريدان المذكور فى السطر الثالث، وهو إليشرح يحضب الذى أحرز انتصارا عند صنعو أو على صنعو، هو عين إليسر Elisar الوارد فى periplus maris Ervthraei، الفصل ٢٦ (انظر Die Abessinier in Arabien und Africa: E Glaser سنة ١٨٩٥ , ص ١١٧؛ Der islamische orient: M.Hartmann، سنة ١٩٠٩, جـ ٢، ص ١٥٠ وما بعدها). ولا يزال لدى الأساطير والأشعار ما تقوله مستوحية أطاول حصن غمدان. لقد كان سام هو الذى شيد المدينة والحصن وكان اسمهما القديم هو أزال. ولما كان من المحتمل أن يكون هذا الاسم الأخير إنما أخذه اليهود والمسلمون من سفو التكوين (الإصحاح العاشر، الآية ٢٧) فى تاريخ متأخر، فإن القول بأن صنعاء هى أوزال الواردة فى التوراة أمر غير محقق شأنه شأن قول شبرنكر Sprenger (Die alte Geographie Arabiens سنة ١٨٧٥, فقرة رقم ٢٩٤) بأن صنعاء هى Menambis basileion التى ذكرها بطلميوس (Geogr, الكتاب السادس، الفصل السابع، الفقرة رقم ٣٨) أو ما أكده كليزر Glaser (المصدر المذكور، ص ١٢٢ و Skizze d. Gesch. u Geogr. Arabiens، جـ ٢ سنة ١٨٩٠. ص ٣١٠, ٤٢٧) من أن الاسم القديم كان تفيد وأن الاسم الحالى قد استقى من إقليم مأرب. ولم تستقر شهرة صنعاء بتلك المكانة الممتازة التى احتلتها وذلك الشأن الهام، الذى بلغته حتى الوقت الحاضر فى اليمن العليا وفى اليمن بأسرها مع استثناء بعض فترات متقطعة، إلا منذ الفتح الحبشى وتورط اليمن فى النزاع الذى نشب بين رومة وفارس على سيادة العالم. ولا سبيل لنا إلا إيجاز القول عن بعض أحداث هذه القرون الأربعة التى تمثل فيها تاريخ اليمن فى قصة هذه المدينة الفريدة.

стр. 6550

ظهر أبرهة حوالى سنة ٥٣٠ م بعد سقوط الملك اليهودى ذى نواس الذى اضطهد النصارى فى صنعاء أيضًا على ما يقال، ظهر أبرهة وجعل من هذه المدينة مقرا للوالى الحبشى بعد أن أطاح بمنافسه الحبشى أرياط. وقد زين المدينة بالكاتدرائية المسيحية التى تعرف بقَليس أو قُلَيس (ekklesia). ويقال إنه جلَب مواد البناء من أطلال مأرب، أما العمال فقد بعث بهم إمبراطور الروم (البوزنطى) وكذلك الفسيفساء. وقد استدعت أسرة ذى يزن، وهى الأسرة اليمنية الحاكمة القديمة، وهرز قائد كسرى الأول أنوشروان فأخرج من المدينة حوالى عام ٥٧٠ م مسروق ابن أبرهة الثانى وخليفته ثم أقام فيها بادئ الأمر حكما مشتركا مع ذى يزن، ثم انفرد الفرس بالحكم وتولاه، كما جاء فى الأسانيد المكتوبة، ابن وهرز فحفيده ثم ابن حفيده. وفى عام ١٠ هـ (٦٣١ م) دخل باذام خامس هؤلاء الولاة فى الإسلام، وجاء فى روايات أخرى أن إسلامه كان قبل ذلك بعامين. وفى عام ١٠ هـ أوفد مهاجر بن أبى أمية بن المغيرة إلى صنعاء لجمع خراج اليمن. ووقعت صنعاء فى العام التالى فى قبضة خصم النبى [ ﷺ ] عبهلة بن كعب الأسود الذى تحصن فى غمدان، وظل يقبض على أزمة الأمور فيها ثلاثة أشهر. ولما توفى النبى [ ﷺ ] دخلت فتنة عبهلة فى غمار الكفاح العام فى سبيل استقلال اليمن، وكان على رأس هذا الكفاح فرد من أسرة ذى يزن هو عمرو بن معدى كرب. ووجدت حكومة المدينة سندا قويا لها فى أشخاص الأبناء، وهم أشراف الفرس المستعربين. وفى عام ١١ هـ (٦٣٢ م) تمكن فيروز الديلمى بمساعدة المهاجر من رد السيادة الإسلامية إلى صنعاء واليمن العليا. والراجح أن حصن غمدان قد تهدم فى ذلك القتال المرير. وتذهب الأسطورة إلى أن هذا الحصين كان قد أعيد بناؤه قبل ذلك فى العهد الحميرى على يد عمرو بن أبى شرح بن يحصب الذى ورد ذكره فى النقوش. وقد ساد السلام بعض الشئ بعد الفتح، ويرجع بخاصة إلى أن أولى الأمر فى المدينة عاملوا الأشراف فى صنعاء وما

стр. 6551

جاورها برفق وحكمة. وكان يعلى بن منية الذى أقامه عمر بن الخطاب خليفة للمهاجر لا يزال واليا على صنعاء عندما استخلف على بن أبى طالب. ولكن عليا عزله وولى مكانه عبيد اللَّه ابن عباس. ذلك أن طلحة فى رواية اليعقوبى على الأقل (جـ ٢، ص ٢١٨ وما بعدها) رفض أن ينقل إلى هذا المنصب المحلى ألا وهو الولاية على صنعاء، ولكنه استولى هو والزبير على جميع خراج اليمن، وكان يعلى قد حمله من صنعاء إلى مكة. وطرد عبيد اللَّه أو خليفته من صنعاء على يد بسر بن أبى أرطاة بأمر من الخليفة معاوية، حدث ذلك كما جاء فى بعض الروايات عام ٤٠ هـ (٦٦٠ م) أى قبل مقتل على. وثمة أمثال من قبيل "أبعد من صنعاء" أو "واللَّه لئن بقيت ليأتين الراعى بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه" (الطبرى، جـ ١، ص ٢٧٥٢؛ جـ ٣، ص ٢٤٨٢)؛ فلما انتقل مركز الإسلام إلى الشام ثم إلى العراق ظهرت اليمن العليا للناظر أكثر من ذلك بعدا، وغدا تاريخها متمشيا مع هذه النظرة. لقد كانت قوى ثلاث تعمل على مناهضة الخلافة وتتقاتل فيما بينها أو يساند بعضها بعضا أحيانا: الأمراء المحليون، والولاة الطامحون، وزعماء الفرق الذين أخذوا يدعون إلى مذاهبهم بعيدا عن قصبة الخلافة، واجتهدوا فى تطبيقها بتأسيس الولايات، بل إن إمام الزنادقة عبد اللَّه بن سبأ يوصف بأنه من رجالات اليمن. والظاهر أن الأمويين كانوا قابضين على أزمة الأمور فى صنعاء، دنان كان عدم الإشارة إلى هذه المدينة القاصية لا ينهض دليلًا على استتباب السلام فيها، فإن القائد ابن عطية قد استطاع فى عام ١٣٠ هـ (٧٤٧ - ٧٤٨ م)، عندما أخذت الخاوفة الأموية فى الاضمحلال، أن يبعث من صنعاء إلى مروان الثانى برأس عبد اللَّه ابن حمزة الذى نصب نفسه هناك خليفة من قبل الخوارج. ولم تلبث الأمور أن تفاقمت فى عهد العباسيين، فقد خرجت هذه المدينة عن ولائها للهادى. وفى عهد هارون الرشيد لم

стр. 6552

يتمكن حماد البربرى وإليه الخامس على صنعاء من الظفر بالمتمرد: هيصم ابن عبد المجيد الهمدانى والإتيان به أسيرا من السراة إلى صنعاء إلا بعد كفاح دام تسمع سنوات. وكانت المدينة فى ذلك الوقت، أى حوالى عام ١٨٨ هـ (٨٠٣ م)، تكاد تكون خرابا. ولم تتحسن الأمور فى بداية القرن الثالث حين حكم إبراهيم بن موسى بن جعفر الجزار العلوى البلاد من صنعاء إلى مكة، وكان يجمع بين صفة الغامر والوالى الذى يشغل منصبا رسميا. وكانت خطبة خصمه الوالى حمدوية بن ماهان لا تقل عن خطته غموضا. ولم تجد الحكومة آخر الأمر بدا من أن تلجأ إلى القواد الترك من الحرس. وقد غدا يعافره قبيلة حوالى فيما قبل عام ٢٥٧ هـ (٨٧٠ م) أصحاب الأمر فى صنعاء، وكان ذلك فى الحق بفضل حل وسط قضى بأن يذكر محمد بن يعفر، اسم الخليفة المعتمد فى الخطبة ويدفع الجزية للزيادية فى زبيد، بل إن حكم اليعافرة كثيرا ما كانت تشوبه القلاقل فى صنعاء نفسها، وشاهد ذلك أنه عندما ولى إبراهيم بن محمد الأمر فيها عام ٢٧ هـ (٨٧٢ م) أشعل المواطنون النار فى قصره وكانوا من قبيلة شهاب المنافسة له ومن الأبناء الذين كانوا يكنون له العداوة غالبا. وفى ذلك الوقت هاجم صنعاء جماعتان من الشيعة فأغار عليها من الشمال، أى من صعدة، يحيى بن الحسين الزيدى الذى احتل المدينة لأول مرة أربعة أشهر أو خمسة سنة ٢٨٨ هـ (٩٠١ م) كما أغار عليها من الجنوب على بن الفضل القرمطى واتخذ قلعة المذيخرة قاعدة له، وسيطر على صنعاء من قلعتها فى مستهل عام ٢٩٣ هـ (٩٠٥ م) مدة شهرين أو ثلاثة فى بادئ الأمر. وفى النزاع المتصل بين اليعافرة والزيدية والقرامطة والموالى المشاغبين من يعافرة أسرة طريف والولاة العباسيين والقواد غزيت صنعاء ما لا يقل عن عشرين مرة فى السنوات الاثنتى عشرة منذ دخول يحيى لأول مرة حتى نهاية القرن (٩١٣ م). فقد سلمت المدينة ثلاث مرات بعد مفاوضات، وحوصرت بلا طائل

стр. 6553

خمس مرات أخرى. ويذكر المسعودى (جـ ٢، ص ٥٥) أنها مرت بفترة ازدهار وسلام بعد وفاة على القرمطى فى ولاية أسعد ابن إبراهيم اليعفرى من عام ٣٠٣ حتى عام ٣٣٢ هـ (٩١٥ - ٩٤٣ م). فلما توفى أسعد أدت المنازعات العائلية إلى عودة المدينة إلى ما كانت عليه من اضطراب. فقد استولى مختار الزيدى حفيد يحيى عليها عام ٣٤٥ هـ (٩٥٦ م) ولكنه قتل فى السنة نفسها. وغدت شوارع المدينة وأحياؤها ميدان معركة بين بنى خولان وبنى همدان. واستعاد زيادية زبيد فى ذلك الوقت سلطانهم تحت قيادة الضحاك زعيم همدان. غير أنه حدث فى عام ٣٧٧ هـ (٩٨٧ هـ) أو عام ٣٧٩ هـ (٩٨٩ م) أن استطاع عبد اللَّه بن قحطان آخر يعافرة صنعاء من ذوى الشأن أن ينزل العقاب مرة أخرى بخصومه ويدمر زبيد. وتمكن عبد اللَّه من كسب تأييد القرامطة الذين كانوا لا يزالون كثيرى العدد كما اعترف رسميا بخلافة الفاطميين. وسار الصليحيون على هذه السياسة نفسها فجعل أولهم على بن محمد، صنعاء مقرًا له حوالى عام ٤٥٣ هـ. (١٠٦١ م) بوصفه داعيا للفاطميين، ووضع بعد نصف قرن من الزمان حدًا للقلاقل التى ازدادت بسبب النزاع بين الأئمة الزيدية الذين كانوا يتوغلون من حين إلى حين بين القبائل المعادية من صعدة. فلما نقلت الملكة سيدة الحرة مقر الحكومة إلى جبة فى اليمن السفلى احتفظ أقرباؤها اليامية بالمدينة عشر سنوات أو نحو ذلك حتى استقل بها حاتم بن الغشيم عام ٤٩٢ هـ (١٠٩٨ م). وظلت أسرته الهمدانية تحكم هناك إلى أن أغار على اليمن توارنشاه أخو صلاح الدين عام ٥٦٩ هـ (١١٧٤ م). وكان يقطع حكمهم، كما هو المألوف، المنازعات العائلية فيتولى الأمر فترة من الوقت فرد آخر من أسرة قيام، وبخاصة أحمد بن سليمان المتوكل الإمام الزيدى لصعدة ونجران. ولم يقف الأمر عند هذا الحد فإن الحكم الأيوبى الذى دام خمسًا وخمسين سنة أثبت أنه لا يمكن أن تسيطر على صنعاء تمام السيطرة سلطة بعيدة عنها. وفى عام ٥٨٣ هـ (١١٨٧ م). دمر على الوحيد بن حاتم

стр. 6554

الهمدانى الذى استقر فى قلعة براش الجبلية التى تبعد إلى الشرق من صنعاء مسيرة ساعتين، أسوار المدينة والقلعة والجزء الأكبر من مدينة صنعاء. واستولى الإمام عبد اللَّه المنصور سنة ٥٩٥ هـ (١١٩٩ م) ثم سنة ٦١١ هـ (١٢١٤ م) على المدينة فترة قصيرة من الزمن. وبدأت سيادة رسولى تعز على صنعاء فى عام ٦٢٦ هـ (١٢٢٩ م) وكانت سيادتهم عليها قوية فى بادئ الأمر. وزار الولاة، وكانوا فى الغالب أمراء أو ضباطا من الأكراد، المدينة، كما زارها كثيرًا السلاطين أيضًا. وكان من النادر أول الأمر أن يستولى الأئمة على المدينة، وإذا حدث ذلك فإنما يكون لفترة قصيرة كما حدث عام ٦٤٨ هـ (١٢٥٠ هـ) أو عام ٦٧١ هـ (١٢٧١ م). ولم يستعد الزيدية سلطانهم إلا بعد ذلك بقرن من الزمان. ولم ينجح الإمام صلاح بن على فى توطيد مركزه فى صنعاء فحسب، بل لقد كرر غاراته منها أيضًا على زبيد وعدن وتعز فى السنوات من ٧٧٧ إلى ٧٩٣ هـ (١٣٧٥ - ١٣٩١ م). ونجح خلفاؤه فى صد غارات الملوك الطاهريين الجدد فى اليمن السفلى. وإنما استطاع عامر بن طاهر بن مُعَوَدة أول هؤلاء الملوك دخول المدينة إلى حين عام ٤٦١ هـ (١٤٥٦ م). وفى سنة ٩١٣ هـ (١٥٠٧ م) استولى الحسين الكردى، أمير بحر السلطان قانصوه الغورى آخر سلاطين المماليك، على هذه المدينة وولى عليها الغورى هذا سنة ٩٢٢ هـ (١٥١٦ م) الشريف المكى بركات الثانى بن محمد بن بركات الأول. وفى العام التالى مباشرة كان يحكمها الإمام يحيى شرف الدين. ولما قضى العثمانيون على دولة المماليك اقتضاهم الأمر أن يقاتلوا فى سبيل الاستيلاء على أملاك هؤلاء. ففى عام ٩٥٣ هـ (١٥٤٦ م) خل أوزدمر باشا مدينة صنعاء. وفى عام ١٠٣٨ هـ (١٦٢٨ م) سلم حيدر باشا هذه المدينة بمقتضى شروط خاصة للإمام محمد القاسمى فظل محتفظا بها حتى عام ١٠٨٧ هـ (١٦٧٦ م). وأعقب ذلك فترة نزاع بين الأئمة المتنافسين، والقبائل البدوية, والقرامطة الذين لم تستأصل شأفتهم تمامًا، ومن ثم أتيح لهم قدر كبير من حرية العمل، كما أن

стр. 6555

الدول الأجنبية استغلت الفرص للتدخل فى الأمر. وتكررت غزوات البدو المخربة التى حدثت عام ١٢٣٣ هـ (١٨١٨ م) فى عام ١٢٥١ م (١٨٣٥ م) فدفع ذلك الإمام الناصر عام ١٢٥٣ هـ (١٨٣٦ - ١٨٣٧ م) إلى مفاوضة الباشا المصرى محمد على فى أن يبيع له صنعاء. وسمح الإمام للقائد التركى قبر صلى توفيق باشا بدخول المدينة عام ١٢٦٥ هـ (١٨٤٩ م). وقد ذُبح جنوده فى بحر يومين؛ وفى العام التالى خلع الوالى على يد الشريف المكى محمد بن عون الذى تدخل فى الأمر، ثم أقام مقامه إمامًا منافسا له، غير أن هذا الإمام لم يستطع حماية المدينة. وأغير على صنعاء مرة أخرى فى عامى ١٢٦٧ هـ (١٨٥١ م و ١٢٦٩ هـ (١٨٥٣ م). ولما أعاد العثمانيون فتح هذه البلاد على يد مختار باشا، سقطت صنعاء عنوة عام ١٢٦٩ هـ (١٨٧١ م) وجعلت عاصمة ولاية اليمن ومقر الفرقة السابعة من الجيش العثمانى. غير أنه لم يكن قد تم التخلص من الزيدية، فقد حدث فى ربيع عام ١٩٠٥ أن اضطر العثمانيون إلى إخلاء المدينة والجهات المحيطة بها إزاء تقدم الإمام محمود يحيى بن حميد الدين. واستعاد العثمانيون صنعاء فى الخريف، على أن الأمر اقتضاهم أن ينفقوا خمس سنوات كاملة فى استعادة مركزهم المحفوف بالمخاطر. وبعد الحرب العالمية الأولى اعترف بسيادة الإمام محمود يحيى على صنعاء واليمن بمقتضى معاهدة سيفر التى أبرمت فى العاشر من شهر أغسطس عام ١٩٢٠. وقد استطاعت صنعاء على الرغم من بعدها وتاريخها الحافل بالفتن والقلاقل أن تسهم فى الحركة العلمية الإسلامية، ففيها وضع عبيد بن شريه بقصصه التاريخية أساس شهرته التى دفعت معاوية بن أبى سفيان إلى استدعائه إلى بلاطه، كما أن زميله الأصغر وهب بن منبه الذى توفى فى صنعاء أشاد به مواطنوه باعتباره حجتهم الأولى فى القرآن الكريم. وقد زار صنعاء كثير من جامعى الأحاديث منهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين اللذان درسا على عبد الرزاق بن همام ابن نافع المتوفى فى صنعاء عام

стр. 6556

٢١١ هـ (٨٢٧ م). وتعرف صنعاء بأنها البلد الذى ولد به وتوفى الشاعر والنحوى والمؤرخ بل النسابة والجغرافى الهمدانى. وقد قام كثيرون من الأئمة فى صنعاء بزيادة أشياء على مادة المؤلفات الموجودة، الأمر الذى حفز الأحزاب الأخرى إلى القيام بنشاط مماثل. وقد عاش النصارى أمدا طويلًا بين جماعات المسلمين واليهود المختلفة، أو لعلهم استوطنوا هناك من جديد فى الوقت الذى بلغت فيه الكنيسة النسطورية أقصى ما بلغته من انتشار، فقد حدث مثلا حوالى عام ٢٢٥ هـ (٨٤٠ م) أن ذكر توما المركاوى Thomas of Marga (كتاب الرؤساء (الأديرة) طبعة Budge جـ ١، ص ٢٣٨) مار بطرس Mar Pertus فقال إنه أسقف اليمن وصنعاء فى أيامه. وكان أول أوربى وصل إلى صنعاء هو برثيما Barthema الإيطالى الذى بلغها أسيرا عام ١٥٠٨. أما أول مكتشف استهدف الوصول إلى صنعاء أو إلى بلاد مأرب عن طريقها فهو كارستن نيبور Carsten Niebuhr وكان ذلك عام ١٧٦٣. وقد حصل كل من كليزر Glaser ولندبرغ Landberg وكاربروتى Claser بوركارت Burchardt على مجموعات قيمة من المخطوطات من صنعاء وما يجاورها، فى حين أن حصيلة الكتابات من هذه الجهات قليلة (*). المصادر: لقد تحدث عن صنعاء كثير من الجغرافيين والرحالة العرب. ونحن نذكر علاوة على ياقوت المصادر التالية لما لها من أهمية فى ذكر التفصيلات الاقتصادية. (١) المقدسى: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٣. (٢) ابن خرداذبة: المكتبة الجغرافية العربية جـ ٤. (٣) ابن حوقل: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٢.

стр. 6557

(٤) ناصر خسرو، طبعة Schefer سنة ١٨٨١. (٥) ابن بطوطة، طبعة Defremery and Sanguinetti ١٨٥٣ - ١٨٥٨ (٦) الهمدانى: صفة جزيرة العرب، طبعة D. H. Muller سنة ١٨٨٤. (٧) Die Burgen and Schlosser Sudarabiens: D.H.Muller S.B. Ak. Wien) جـ ٩٤, ٩٧). ونذكر بالإضافة إلى كتب التاريخ العربية العامة ما يلى: (١) Geschichte der Perser und Araber z Zt. der Sasaniden: Noldeke ليدن سنة ١٨٧٩. (٢) Yaman, its early mediaeval history: Kay لندن سنة ١٨٩٢. (٣) الخزرجى: العقود اللؤلؤية، المقدمة والترجمة بقلم Redhouse, طبعة محمد عسل فى مجموعة كب التذكارية، جـ ٣. (٤) De opkomest van het Zaidietische Imamaat in Yemen: C. van Arendonk ليدن ١٩١٩. (٥) أحمد رشيد: تاريخ اليمن وصنعاء، إستانبول سنة ١٩٢١. (٦) Der islamische Orient: M. Hartmann جـ ٢، ليبسك سنة ١٩٠٩. (٧) لمحة تاريخية وردت فى كتاب يحيى بن الحسين بن المؤيد اليمنى المسمى أنباء الزمان، مخطوط برلين رقم ٩٧٤٥. (٨) الكبسى: اللطائف السنية، برلين رقم ٩٧٤٦. (٩) Reisebeschreibung nach Arnhien: C.Niebuhr كوبنهاغن سنة ١٧٧٤, جـ ١، ص ٤١٠ وما بعدها. (١٠) U.I.Seetzen فى Monatliche Correspondens: F.von Zach سنة ١٨١٣, جـ ١٧، ص ١٨٠ وما بعدها؛ جـ ١٨، ص ٣٥٣ وما بعدها. (١١) Ch. J. Cruttendon فى Journal of the London Royal Geogr. Soc، سنة ١٨٣٨ جـ ٨. (١٢) Eben safir: Jacob. Sofir جـ ١، لايك سنة ١٨٦٦ عبرى. (١٣) وفى المجلة الآسيوية، سنة ١٨٤٣, ١٨٧٢.

стр. 6558

(١٤) Arabers eit hundert Jahren: Zehme Arabien und die، هال سنة ١٨٧٥, ص ٥٦ وما بعدها. (١٥) El-Yemen: Manzoni رومة سنة ١٨٨٤، ص ١٠٠ وما بعدها. (١٦) Glaser فى Petermanns Mitteilungen سنة ١٨٨٦ جـ ٣٣، ص ١ وما بعدها. (١٧) The Penetration of Arabia: Hogarth لندن سنة ١٩٠٥. (١٨) H. Burchardt فى Z.G.Erdk Berl, سنة ١٩٠٢, ص ٥٩٣ وما بعدها. (١٩) A Modern Pilgrim in Mecca and a siege in Sanao: A.J.B. Wavell لندن سنة ١٩١٢، ص ٢٢٨ وما بعدها. الشنتناوى [شتروتمان R.Strothmann] صنهاجة (يذكر ابن خلدون أن نطق هذه الكلمة قريب من زناكة، ولا تزال هاتان الصيغتان معروفتين حتى الآن. على أننا نعلم أن صنهاجة قد أسبغت اسمها على بلاد السنغال التى تتاخم منازلها). والصنهاجة فرع من فروع الشعب البربرى أو حلف من أحلافه الكبرى. ويذهب نسابة مسلمى الغرب: إلى أنهم انحدروا من صلب صنهاج بن برنس ابن برّ مثل كتامة بلاد القبائل الصغرى ومصمودة المغرب الأقصى. وليس بين أيدينا بعد مقياس لغوى أو غير لغوى يبرر هذا القول. ونحن لا نعرف أى نوع من الحياة كانت يحياها الصنهاجة فى الأزمنة القديمة ولا أين كانوا يعيشون. وكثيرًا ما ظهر اسم الصنهاجة خلال العصور الوسطى، وقد كانوا حشدًا عظيمًا من الناس، وتمتد بلادهم بحيث تشمل كلا من المغرب والصحراء. وكان يعيش بين الصنهاجة عدد كبير من القبائل الرجل (ولا يزال عدد منهم باقيا إلى وقتنا هذا وبخاصة طوارق هقار) وبعض القبائل المستقرة التى لا نستطيع أن نؤكد أنها كانت تعيش حياة البدو الظاعنين فيما مضى مثل قبيلة تلكاتة. وتقابل صنهاجة الجماعة

стр. 6559

الأخرى الكبيرة ألا وهى زناتة التى أفلحت فى الجزء الأخير من العصور الوسطى فى أن تحتل مكان صنهاجة. وقد بلغت صنهاجة أوج عزها فى النصف الأول من العصور الوسطى أو فيما بين القرنين العاشر والثانى عشر الميلاديين (من القرن الرابع إلى القرن السادس الهجريين) على وجه التحديد، وهى الفترة التى يرى ابن خلدون أن صنهاجة الجنس الأول والجنس الثانى قد ظهرت فيها على مسرح التاريخ. على أنه يجب أن نتحفظ كثيرا فى استعمال كلمة جنس، ومهما يكن من شئ فإن الأمر يقتضينا أن نلاحظ أن صنهاجة جماعة من الجماعات كانت تلجأ إلى معنى التضامن بسبب وحدة الجنس رغبة منها فى الحصول على معاونة آية جماعة أخرى. كان الجنس الأول، وهو جنس تلكاتة، يحتل فى القرن العاشر ذلك الجزء من المغرب الأوسط الذى ينطبق الآن على إقليم: قسنطينة دون بلاد القبائل. وكانت القبائل المستقرة، وبخاصة سلالة بنى زيرى، قد أنشأوا أو حكموا بعض المراكز فكانت أهمها أشير فى الجنوب من الجزائر. وكانت صنهاجة تؤيد سياسة الفاطميين فى القيروان، ومن ثم حاربت خلال القرن العاشر كله جيرانها فى الغرب وهم الزناتة عملاء الأمويين فى قرطبة، ثم نقلوا نشاطهم من بعد إلى المشرق نتيجة لرحيل الفاطميين إلى مصر. وكانت أسرة بنى زيرى تحكم فى القيروان باسم الفاطميين. وقد أدى انقسام وقع بينهم إلى تأسيس دولة بنى حماد فى القلعة. وازداد ضعف هاتين الدولتين منذ النصف الثانى من القرن الحادى عشر حتى اختفتا فى منتصف القرن الثانى عشر حين نفذ الموحدون إلى الجزء الشرقى من بلاد البربر. ولا تزال جماعة صغيرة تحمل اسم صنهاجة باقية إلى اليوم فى الجزء الجنوبى الشرقى من الجزائر. ويمثل الجنس الثانى من صنهاجة القبائل الرحل العظيمة التى كانت تحتل فى القرنين العاشر والحادى عشر الصحراء فيما بين طرابلس والمحيط، وكانت أهم هذه القبائل هى "أصحاب

стр. 6560

اللثام"، لمتونة ومسوفة الذين كان لهم شأن كبير فى التاريخ الدينى والسياسى لبلاد البربر والأندلس تحت اسم المرابطين. ويذكر البكرى تفصيلات عجيبة عن أسلوب معاشهم فى الصحراء ومأكلهم وحيلهم الحربية؛ والطوارق فريق من هذه الجماعة. وتستوطن بعض جماعات أقل قوة وسلطانا السوس والوديان المجاورة لجبال أطلس المراكشية، وهى من الأرومة الصنهاجية نفسها, ونعنى بها قبائل لمطة وكزّولة الرجل وقبيلة هسكورة المستقرة. وقد اشتركت هذه القبيلة الأخيرة فى حركة الموحدين. ثم نذكر أخيرا أرومة ثالثة من صنهاجة يقال إنها كانت تعيش متفرقة فى المغرب الأقصى حول القصر وفى سهول شاوية من إقليم نارًا وفى الريف. وظلت صنهاجة بُطّوِية وأرياغل باقية فى الريف حتى وقتنا هذا. ولا يزال اسم صنهاجة يحمله واحد من "اللفبن" اللذين انقسمت إليهما قبائل مراكشى الشمالية. المصادر: (١) ابن خلدون: تاريخ البربر, النص، جـ ١، ص ١٩٤؛ الترجمة، جـ ٢, ص ١ وما بعدها. (٢) البكرى، طبعة الجزائر سنة ١٩١١, ص ١٦٤ وما بعدها؛ الترجمة سنة ١٩١٣، ص ٣١٠ وما بعدها. (٣) الإدريسى، وصف إفريقية والأندلس طبعة دوزى وده غوى، ص ٥٧ - ٥٩؛ والترجمة ص ٦٦ - ٦٩. (٤) Les Berberes: Fournel باريس سنة ١٨٧٥. (٥) Les Arabes en Berberie du XIe au XIV siecle: G.Marcais باريس سنة ١٩١٣. الشنتناوى [مارسيه G.Marcais] صور هى المدينة الجزرية لفينيقية؛ وقد كانت منذ عهد العمارنة من أغنى المراكز التجارية على الساحل السورى ثم ارتقت شيئًا فشيئا حتى غدت تنافس مدينة صيداء منافسة قوية فى السيطرة على المستعمرات الفينيقية فى الغرب.

стр. 6561

وقد غزاها الإسكندر الأكبر ودمرها، ولكن ذلك لم يقض على أهمية هذه القصبة الزاهرة إلا إلى حين، وإن كان قد انتهى إلى نتيجة هامة ثابتة هى أن هذه المدينة الجزرية قد وصلها من ثم بالبر الأصلى سد الإسكندر الذى اتسع اتساعا مطردًا حتى غدا برزخا بفعل المواد الرسوبية التى حملتها التيارات الساحلية الجنوبية الغربية. وكانت مدينة بالاتيروس (أشو الأشورية) تقوم منذ عهد ضارب فى القدم على البر الأصلى تجاه هذه المدينة الجزرية. وكانت صور أيضا فى عهد الإمبراطورية الرومانية هى القصبة الدنيوية والدينية للولاية التى عرفت فى اليونانية باسم. وقد استولى شرحبيل بن حسنة على صور وصفَّورية وغيرهما من بلدان هذا الإقليم بعد احتلاله دمشق (البلاذرى، طبعة له غوى، ص ١١٦؛ Annali dell' islam: Caetani مجلد ٢، جـ ٢، الفصل ٢١ جـ ٣، الفصل ١٠٧) وقد جاء فى الكتاب المنحول للواقدى (فتوح الشام، طبعة القاهرة ١٢٨٧ هـ، جـ ٣، ص ٥٨ وما بعدها) أن الاستيلاء على صور قد تم بخيانة أمير حلب عبد اللَّه بوقنا. ويقول الواقدى وهشام ابن الليث الصورى أن معاوية قد أصلح عكا وصور أثناء حملته على قبرص (٢٧ هـ)، وفى سنة ٤٢ هـ أتى بمستعمرين من الفرس، من بعلبك وحمص وأنطاكية وأسكنهم مدن الأردن أى صور وعكا وغيرهما (البلاذرى: المصدر المذكور، ص ١١٧) ويستشهد هشام بن الليث الصورى الذى ذكرناه آنفا يقول من نقل عنهم: نزلنا صور والسواحل وبها جند من العرب وخلق من الروم ثم نزع إلينا أهل بلدان شتى فنزلوها معنا كذلك جميع سواحل الشام، وفى سنة ٤٩ هـ أغار الأسطول الإغريقى على مدن الشام الساحلية التى لم يكن قد أقيم فيها بعد دور للصناعة (البلاذرى: المصدر المذكور؛ محبوب المنجبى: كتاب العنوان الذى نشره فاسيلف فى Patrol. Orient جـ ٨، ص ٤٩٢). ومن هنا أقام معاوية أحواضًا للسفن فى عكا لإقليم الأردن. وجدد عبد الملك بن مروان صور وقيسارية

стр. 6562

وأرباض عكا التى كانت قد تخربت مرة أخرى (البلاذرى: المصدر المذكور، ص ١١٧, ١٤٣). ثم حدث بعد ذلك أن أراد هشام بن عبد الملك أن يشترى من حفيد من أحفاد أبى معيط مصانع ومخازن فأبى الرجل أن يبيعها له، فما كان من هشام إلا إن نقل دار الصناعة إلى صور وبنى مخازن وأحواضا هناك (البلاذرى، ص ١١٧). ويقول الواقدى أيضًا: إن صور حلت فى عهد المروانيين محل عكا بوصفها محطة بحرية وظلت كذلك من بعد (البلاذرى، ص ١١٨؛ بن جبير، طبعة رأيت، ص ٣٠٥). فلما جاء المتوكل (٢٤٧/ ٢٤٨ هـ) وزع الأسطول وجنود البحرية على بلدان الساحل الشامى. وقد وصف جغرافيو العرب صور قديما فيقولون: إنها من سواحل الأردن المنيعة التحصين العامرة بالسكان يحف بها أراضى خصبة. وكانت هذه المدينة الجزرية لا يبلغها أحد إلا من البر الأصلى عن طريق باب يؤدى إليه جسر، وكانت أيضًا محصنة بأسوار تنهض عمودية من البحر وتكاد تكتنفها من جميع الجوانب ويقوم جزء آخر من البر الأصلى. وقد وصف القزوينى كذلك (طبعة فستنفلد، جـ ٢، ص ٣٦٦, السطر الخامس من أسفل تحت اسم طليطلة) الجسر الذى ذكره المقدسى أيضًا، فقال إنه أكبر قنطرة فى العالم (لعله خلط بينه وبين جسر سنجه). وكانت القنطرة المعلقة القديمة التى كانت تخرج من بلدة (وهى الآن رأس العين أو الرشيدية) حتى صور مارة بتل المعشوق لا تزال تزود المدينة بالمياه فى القرون الوسطى (المقدسى: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٢، ص ١٦٣؛ ناصر خسرو، طبعة شفر، ص ١١). ويذكر ناصر خسرو الذى زار صور سنة ١٠٤٧ م بيوتها التى تتراوح طبقاتها بين خمس طبقات وست طبقات، كما يذكر مشهد، غنيا بالزخارف قائما عند باب المدينة. وكان معظم أهلها وقتذاك من الشيعة إلا القاضى فقد كان من أهل السنة. وذكر الإدريسى فى عهد الحروب الصليبية (١١٥٤ م) ما كان بصور من صناعة زاهرة للزجاج والفخار ونسج الأقمشة النفيسة. وذكر قدامة أرصفة السفن القائمة فى المدينة.

стр. 6563

وقد كانت الشام منذ العهد الطولونى واقعة فى جميع الأحوال تقريبا تحت سيادة مصر، واستتبت هذه السيادة (أكثر وأكثر فى عهد الفاطميين. وانتفض الصوريون على الخليفة الحاكم سنة ٣٨٨ هـ (٩٩٨ م) يقودهم فلاح يدعى علاقة فى الوقت نفسه الذى انتقضت فيه الرملة وحاصر قلعة فامية القائد الرومى (البوزنطى) دوكاس. وأنفذ وإلى الشام جيش بن محمد بن صمصام إلى صور حسين بن عبد اللَّه بن ناصر الدولة والخصى فاتق (وفى رواية فائق) البرَّاز. فلما هاجم الرجلان صور من البر والبحر استجار علاقة بالإمبراطور البوزنطى طالبا منه العون، فأرسل الإمبراطور إليه عدة سفن، ولكن هذه السفن حلت بها هزيمة منكرة فى معركة بحرية، وهنالك انهارت معنويات السكان فى صور ولم يعودوا يقوون على الاستماتة فى المقاومة فسقطت المدينة ونهبت وذبح سكانها وعُرِّب علاقة ثم قتل فى مصر. على أن الفتن استمرت؛ ولم يجد الوزير بدر الجمالى بدًا سنة ١٠٨٩ م من أن ينتزع صور وعكا وجبيل من السلطان السلجوقى تتش. وفى سنة ٤٩٠ هـ (١٠٩٧/ ١٠٩٨ م) أنزل خليفته الأفضل شاهانشاه بالسكان العقاب على فتنة جديدة قاموا بها فذبحهم تذبيحا, ولم ينج من ذلك حتى والى صور إذ أخذ فقتل؛ حدث هذا فى السنة نفسها التى غادر فيها الصليبيون القسطنطينية. وضربت السكة فى صور باسم الخليفة المستعلى (١٠٩٤ - ١١٠١ م). وسعت صور أول الأمر (١١٠٠ - ١١٠١ م) إلى استمالة قلب بلدوين بالهدايا, ولكنها سرعان ما شاركت فى الدفاع عن عكا وطرابلس (١١٠٣ م) وبناء على اتفاق تم بين الأمير عز الدين صاحب صور وبين طغتكين هاجم عز الدين سنة ٥٠٠ هـ (١١٠٦ - ١١٠٧ م) معقل الملك الصليبى فى تبنين ونهب ضاحية من ضواحيها وذبح أهلها ثم عمد إلى الفرار سريعا حين سار بلدوين من صور إلى طبرية. وظهر هذا الملك فى السنة التالية أمام أسوار صور، وشيد قلعة على تل المعشوق

стр. 6564

وحاصر المدينة شهرًا. ولم يجد واليها بدًا من أن يؤدى له نظير انسحابه من الحصار سبعين ألف دينار. وبعد سقوط طرابلس بأسبوع، ظهر الأسطول المصرى أمام هذه المدينة بجنوده وقد تزود بمال ومؤن تكفيه سنة، فلما سمع المصريون أن القلعة قد استولى عليها الفرنجة عادوا إلى صور ووزعوا الجنود والمؤن على صور وصيداء وبيروت. وضرب بلدوين الحصار على صور مرة أخرى فى الخامس والعشرين أو السابع والعشرين من شهر جمادى الأولى (٢٧ أو ٢٩ من نوفمبر سنة ١١١١)، وشيد برجين خشبيين ارتفاعهما عشر أذرع، وأقام فى كل منهما ألف جندى، ودفع بهما إلى أسوار المدينة؛ واستنجد الصوريون بطغتكين فقدم من دمشق إلى بانياس وبعث منها بالأمداد فقطعت المؤن عن الفرنجة، على حين سار هو نفسه إلى صيداء. وكان بولديون قد اقتحم بالفعل سورين من أسوار صور عندما عقد عز الملك الأعز وإلى صور مجلس حرب انبرى فيه شيخ سبق أن اشترك فى الدفاع عن طرابلس مبديًا استعداده لتدمير برجى الحصار اللذين أقامهما الفرنجة. ونجح الشيخ نجاحًا فى إشعال النار فيهما. ولم يظفر الفرنجة بطائل يستحق الذكر حتى ربيع عام ١١١٢ م. وفى هذه الأثناء كان طغتكين قد أقبل فى عشرين ألف مقاتل بعد أن استولى على قلعة الجيش فى الشام وقطع المؤن عن الفرنجة. فلما أخذوا يجلبون المؤن بحرًا ضرب الأراضى المحيطة بصيداء. وفى ١٠ من شوال (٢١ إبريل) رفع بلدوين الحصار وارتد إلى عكا. ورحب سكان صور بطغتكين فأجزلوا له الهدايا النفيسة، ورمموا أسوار مدينتهم وخنادقها بعد أن حل بها الأذى من جراء الحصار. ثم غادر طغتكين المدينة وسلمها للخليفة مرة أخرى. على أنه حدث فى السنة التالية عينها أن خشى أهلها وأميرهم عز الملك أنشتكين الأفضلى أن يشن عليهم الفرنجة غارة أخرى، فاستقر رأيهم على أن يسلموا المدينة ثانية إلى طغتكين واستجاب طغتكين لرجائهم وبعث إليهم بالأمير مسعود وزوده بالجنود للدفاع عنها. ومع ذلك فقد ظلت الخطبة باسم الخليفة كما ضربت السكة باسمه أيضًا.

стр. 6565

وفى سنة ٥١٦ هـ (١١٢٢ - ١١٢٣ م) أنفذ المأمون خليفة الأفضل أسطولا من أربعين غليونًا مجهزًا تجهيزًا حسنًا إلى صور بقيادة مسعود بن سلار، ولما صعد الأمير مسعود على ظهر السفن لتحية رجال الأسطول أمر به فقيد بالأغلال وحمل إلى مصر. ومع ذلك فقد قوبل هناك بحفاوة كبيرة وأرسل إلى دمشق حيث قدمت إليه الاعتذارات الديبلوماسية بما يزيل آثار هذا الحادث. ورد طغتكين ردًا كريمًا وعد بأن يبذل العون من بعد فى رد غائلة العدو المشترك. على أن الفرنجة استبشروا لرحيل مسعود المغوار وأعدوا العدة لحصار آخر تراودهم آمال جديدة، وتبين الوالى المصرى ضعف الحامية وقلة المؤن فى المدينة فلجأ إلى الخليفة طالبًا منه العون. ورد الأمير بأنه سوف يضع أمر الدفاع فى يد ظهير الدين (طغتكين) ومن ثم احتل ظهير الدين المدينة مرة أخرى وهيأ لها أسباب الدفاع. وفى شهر ربيع الأول (أبريل ١١٢٤ م) بدأ الحصار الثانى يضرب حول صور. فقد أقامت السفن البندقية نطاقا حول الميناء فى حين هاجمت الجنود المسلحة من البر أسوار المدينة ببرج من أبراج الحصار. وقد أبلى الجنود الدمشقيون بلاءً حسنًا فى الدفاع. وأنفذ المحاصرون جزءا من جيشهم لقتال طغتكين على حين كلف البنادقة بإبعاد الأسطول المصرى. ومضى القتال متقلبًا ينتصر فيه هذا الجانب مرة وينتصر الآخر مرة، ثم استقر رأى الصوريين بعد أن تفشت المجاعة فى المدينة على أن يسلموا إذا كانت شروط الفرنجة مرضية. وتولى طغتكين أمر المفاوضات مع قواد الفرنجة، وخير الأهالى المحاصرون بين ترك المدينة بزادهم أو أن يظلوا مقيمين فيها بشرط أن يدفعوا الفدية. وفى الثالث والعشرين (أو الثامن والعشرين) من جمادى الأولى (٩ أو ١٤ يولية سنة ١١٢٤) خرج الأهالى من المدينة بين جنود طغتكين وجيش الفرنجة، وسكن بعضهم دمشق وبعضهم غزة.

стр. 6566

وظلت صور، بعد هذا التسليم الذى هو أقصى ما بلغه الصليبيون من سلطان فى الشام، فى أيدى الفرنجة حتى سنة ١٢٩١ م. ويتحسر ابن الأثير على سقوط صور ويعده من النكبات الفادحة التى أصيب بها العالم الإسلامى، ذلك أن صورا كانت من أجمل الثغور وأمنعها ثم يزيد: "فاللَّه يعيده إلى الإسلام". وفى سنة ٥٢٨ هـ (١١٣٣/ ١١٣٤ م) خرب شمس الملوك (بورى) صاحب دمشق، بعد غارة شنها الفرنجة على إقليم طبرية، صور وسائر البلاد الساحلية ثم عاد عن طريق الشعراء حاملًا غنائم عظيمة. وظهر أسطول مصرى سنة ٥٥٠ هـ (١١٥٥/ ١١٥٦ م) فى ميناء صور وأغرق السفن التابعة للحجاج المسيحيين وغيرها، وعاد بكثير من الأسرى والغنائم النفيسة. وفى سنة ٥٥٢ هـ (١١٥٧ م) ألم زلزال بصور وصيداء وبيروت وطرابلس وغيرها من البلدان فأصابها بخسائر. وبين أيدينا أوصاف لصور منذ عهد الصليبيين كتبها الإدريسى وابن جبير. ويبدى الإدريسى إعجابه بمصنوعاتها الزجاجية والفخارية وبقماش نفيس بالغ الرقة واللطف كان ينسج فيها. وقضى ابن جبير بها أحد عشر يومًا، فزودنا بوصف مفصل للمدينة ولاحتفال رائع أقيم بها أثناء زيارته. وكان لصور من ناحية البر ما بين ثلاثة أبواب وأربعة أبواب متعاقبات. وكان الداخل إلى المدينة من البحر بين برجين مرتفعين فيبلغ ميناء (ميناء صيداء القديمة) من أجمل موانى مدن الساحل جميعًا. وكانت الأسوار تكتنف هذا الميناء من ثلاثة جوانب، أما الجانب الرابع فكان يكتنفه سور فى أسفله مدخل معقود ترسو تحته السفن. وهذا المرفأ الداخلى كان يمكن إغلاقه بسلسلة ضخمة تمد بين البرجين. ولما استولى صلاح الدين على بيت المقدس وعلى معظم المدن الساحلية مضى يحاصر صور وأقام معسكره أمامها (وكان ذلك فى الخامس من رمضان سنة ٥٨٣، أو فى ٩ منه فى رواية آخرين = ٨ أو ١٢ نوفمبر سنة ١١٨٧ م) واضطر أول الأمر إلى

стр. 6567

الانتظار حتى يتم إعداد جيشه, فاستدعى ابنه الملك الظاهر من حلب وأخاه الملك العادل من بيت المقدس للانضمام إليه، وكان معه ابنه الثانى الأفضل وابن أخيه تقى الدين. وما إن قدم جنود الحصار بمنجنيقاتهم حتى بدءوا يقذفون المدينة بالقذائف من أبراج متحركة. وأخذت عشر سفن من عكا تضرب حصارًا على الميناء. ولكن أسطول الفرنجة باغتها ودمر بعضها أو أغرقه، وردت هجمة على أسوارها. وعقد صلاح الدين مجلس حرب فقرر تأجيل الحصار إلى العام التالى بالنظر إلى قرب حلول الشتاء. وبدأ صلاح الدين وجيشه الانسحاب فى اليوم الثانى من ذى القعدة سنة ٥٨٤ (= ٣ يناير سنة ١١٨٨ فى رواية بهاء الدين، ويقول ابن الأثير إن ذلك كان فى آخر شوال أى فى أول يناير سنة ١١٨٨ م. ولم يكد محاصروها يرتدون عنها حتى دب النزاع بين الملك كى ده لوزينيان، الذى كان قد عاد وشيكا من الأسر، والمدافع المغوار عن المدينة كونراد ده مونتفرا. وقد كان عجز صلاح الدين عن الاستيلاء على هذا الثغر المنيع نكسة فى سجل انتصاراته الحربية. وكانت صور هى وشقيف أرنون هما المعقلان الوحيدان اللذان بقيا فى يد الفرنجة. وقد اجتمعت فى صور الجيوش القوية فى الحرب الصليبية الثالثة. ذلك أنه قد تدفقت عليها حاميات المدن التى استولى عليها صلاح الدين وتمكن من تحريرها باذلا الكثير من آيات البطولة. ومنها قام صلاح الدين بضرب الحصار على عكا فصرف ذلك انتباهه كله عن صور. وفى اليوم الخامس عشر من شهر ربيع الثانى سنة ٥٨٨ (٢٩ أبريل سنة ١١٩٢) اغتال الإسماعيلية المركيز كونراد الذى كان آنئذ يعيش فى صور بصفته ملك بيت المقدس. وقد عقد خليفته هنرى له شامبانى صلح الرملة مع صلاح الدين (سبتمبر سنة ١١٩٢) وقضى هذا الصلح بأن يظل الساحل من يافا إلى صور فى يد الفرنجة. ولما قامت حامية تبنين بحملة على صور وخربت أرباضها، بدأ الصليبيون فى أول صفر سنة ٥٩٤ (١٣ ديسمبر

стр. 6568

١١٩٧) يحاصرون تبنين. على أنهم حين سمعوا باقتراب الملك العادل ارتدوا عنها دون أن يفوزوا بطائل. وفى شهر شعبان سنة ٥٩٧ (مايو - يونية سنة ١٢٠١) نزل بصور زلزال وفى سنة ٦٠٠ هـ (١٢٠٣ - ١٢٠٤ م) أصابها زلزال آخر انهارت على أثره أسوارها القديمة؛ وقضى الصلح الذى عقد بين فردريك الثانى والملك الكامل صاحب مصر (١٢٩٩ م) بأن تظل صور هى وعدد من مدن الساحل الشآمى فى يد النصارى علاوة على بيت المقدس. وفى السنوات التالية ازدادت قوة الفرنجة ضعفًا من جراء الصراع المتصل الذى نشب بين مدن الساحل والأسطولين البندقى والجنوى. وفى مايو سنة ١٢٦٦ م، وفى سنة ١٢٦٩, شن الملك القوى بيبرس حملتين على صور، ويقال إن السبب فى قيامه بالحملة الثانية هو الثأر لمقتل تاجر اغتيل فى صور وقدمت إليه أم التاجر ظلامتها فى بلدة خربة اللصوص. على أن بيبرس عقد مع أمير صور سنة ٦٦٩ هـ (١٢٧٠ - ١٢٧١ م) اتفاقًا قضى بأن يعطى هذا الأمير عشر نواح من أرض صور، وأن يختار الخليفة خمس نواح، وأن تخضع النواحى الباقية الحاكم مشترك. وقد دفعت مرغريت صاحبة صور ثمن صلح عقدته مع قلاوون تعهدت بمقتضاه فى أغسطس سنة ١٢٨٥ بأن تؤدى له نصف خراج المدينة وألا ترمم حصونها أبدًا, فلما سقطت عكا سنة ١٢٩١ لم تستطع صور وغيرها من المدن القليلة الباقية فى أيدى الفرنجة أن تصمد. ذلك أن خليلا بعد أن استولى على صور أخذ يذبح سكانها أو يبيعهم فى سوق العبيد كما دمر المدينة نفسها. وقد كانت المدينة لا تزال خرابا يبابا فى عهد أبى الفدا (١٣٢١ م) والقلقشندى (حوالى سنة ١٤٠٠ م) وخليل الظاهرى (حوالى ١٤٥٠ م). ولم يجد فيه ابن بطوطة (١٣٥٥ م) إلا آثارا قليلة من أسوار مرفئها القديم، ومن ثم ظلت المدينة موضعًا تافه الشأن. ولم يستطع فخر الدين أمير الدروز (١٥٩٥ - ١٦٣٤ م) أن يصلح من شأنها، وكذلك عجز الشيخ ظاهر العمر صاحب عكا

стр. 6569

وخليفته الجزار باشا فى النصف الثانى من القرن الثامن عشر. وأصاب زلزال وقع سنة ١٨٣٧ المدينة بنكبة أخرى وبلغ عدد سكانها فى العصر الحاضر ٦.٥٠٠ نسمة (سنة ١٨٤١ م ٣٠٠٠ نسمة؛ سنة ١٨٨٠ م ٥٠٠٠ نسمة؛ سنة ١٩٠٠ م ٦٠٠٠ نسمة) نصفهم تقريبًا من المسلمين، وأقل من ذلك الروم واللاتين الكاثوليك والبقية من اليهود. المصادر: (١) الخوارزمى: كتاب صورة الأرض، طبعة V.Mzik فى Bibl arab Histor Geogr، ليبسك ١٩٢٦؛ جـ ٣، ص ١٩, رقم ٢٦٠ (٢) البتانى: Opus astronom، طبعة نالينو، جـ ٢، ص ٣٩، رقم ١٢٥؛ جـ ٣، ص ٢٣٧ (٣) الفرغانى Elementa astronom، طبعة Golius، ص ٣٧ (٤) الإصطخرى: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ١، ص ٥٩ (٥) ابن حوقل: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٢، ص ١١٤ (٦) المقدسى: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٣، ص ١٦٣ (٧) ابن الفقيه: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٥، ص ٩٩، ١٠٠, ١١٦, ١٢٣ (٨) ابن خرداذبه: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٦، ص ٧٨، ٩٨ (٩) قدامة: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٦، ص ٢٥٥ (١٠) ابن رسته: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٧، ص ٨٤, ٩٧ (وهو يتبع الفرغانى) (١١) اليعقوبى: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٧، ص ٣٢٧ (١٢) المسعودى: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٨، ص ٤٣، ١٩٥ (١٣) ناصر خسرو: سفر نامه، طبعة شيفر، ص ١١ (١٤) الإدريسي طبعة Gildmeister فى Z.D.P.V جـ ٨، ص ١١ (١٥) ابن جبير، طبعة رايت، ص ٣٠٨ وما بعدها (١٦) ياقوت: المعجم طبعة فستنفلد, جـ ٣، ص ٤٣٣

стр. 6570

(١٧) صفى الدين: مراصد الاطلاع، طبعة juynboll، جـ ٢، ص ١٧١ (١٨) أبو الفدا، طبعة رينو، ص ٢٤٣ (١٩) البلاذرى: فتوح البلدان، طبعة ده غوى، ص وما بعدها، ١٤٣ (٢٠) يحيى بن سعيد الأنطاكى، طبعة روزن ص ٣٨ (= ص ٥٧ وما بعدها من الترجمة الروسية) Zapiski imper. Akad Nauk ١٨٨٣ م, جـ ٤٤ (٢١) مؤرخو الحروب الصليبية (أبو الفدا، وابن الأثير، وابن ميسر وأبو المحاسن، وبهاء الدين وغيرهم) فى Recueil des hist. orient des croisades، جـ ٣ فى مواضع مختلفة (٢٢) كمال الدين: الزبدة فى Historic Merdasidorum: J.JMuller, بون ١٨٢٩، ص ١٢، ١٤. (٢٣) الدمشقى، طبعة مهرن، ص ٢١٣ (٢٤) ابن بطوطة، طبعة دفرمرى وسانكوينتى، جـ ١، ص ١٣٠ (٢٥) خليل الظاهرى، طبعة Ravaisse, ص ٤٤ (٢٦) العمرى: التعريف بالمصطلح الشريف، ص ١٨٣ فى R.Hartmann فى Z.D.M.G ١٩١٦ م، ص ٣٨، تعليق ٩، ١٠ (٢٧) القلقشندى: صبح الأعشى، جـ ٤، ص ١٥٣ (٢٨) Annali dell: Caetani و Islam، ١٠٧, ٣٢٠ (٢٩) Palestine under the Moslems: Le strange, ص ٣٤٢ - ٣٤٥ (٣٠) History o& Egypt in the Middle Ages: Lane-poole، لندن ١٩١٠, فى مواضع مختلفة (٣١) Expose de la relig. des Druzes: de sacy، جـ ١، ٢٨٩, ٢٩٢, ٢٨٣ (٣٢) Geschichte der stadt Tyrus zur zeit der Kreuzzuge: Leopold Lucas, برلين ١٨٩٦ (٣٣) The History of Tyre: Wallace B. Fleming, الدراسات الشرقية بجامعة كولومبيا نيويورك ١٩١٥, جـ ١٠، ص ٨٠ - ١٣٢. خورشيد [هونكمان E.Honigmann]

стр. 6571

الصولى أبو بكر محمد بن يحيى: لاعب شطرنج ومؤرخ وأديب عربى، توفى سنة ٣٣٥ أو ٣٣٦ هـ (٩٤٦ م). ولم يكن الصولى عربى الأصل شأنه فى ذلك شأن عدد من أعيان عصره. وقد جاء فى رواية أنه انحدر من صلب رجل يدعى "صول" كان مثل أخيه فيروز "ملكا" فى جرجان، أى من الولاة الترك الصغار، وقد أسلم الرجلان فى ولاية يزيد بن المهلب، ولازماه حتى وفاته سنة ١٠٢ هـ (٧٢٠ م)، وكان معظم أحفادهما كتَّابا فى خدمة الخلفاء، وقد اشتهر جد المترجم له خاصة وهو إبراهيم بن العباس المتوفى سنة ٢٤٣ هـ (٨٥٧ م) وجمع حفيده أشعاره (الأغانى، الطبعة الأولى، جـ ٩، ص ٢١ - ٣٥؛ ياقوت: إرشاد الأريب، جـ ١، ص ٢٦٠ - ٢٧٧). وقد استعرب أبو بكر الصولى تماما، وكان من أشهر شيوخه: ثعلب والمبرد، والسجستانى، وأبو العيناء وعون بن محمد. وكان لابن المعتز أثر كبير فى ذوقه الأدبى. وبرع الصولى فى الشطرنج بفضل اتصاله الوثيق ببلاط المكتفى (٢٨٩ - ٢٩٥ هـ = ٩٠٢ - ٩٠٨ م) مما أعانه على هزيمة الماورد أستاذ أهل زمانه فى هذه اللعبة، وأصبح من ثم مضرب المثل بالبراعة فيها، بل لقد وضعت قصة نسبت إليه أنه هو الذى اخترع الشطرنج (ابن خلكان، طبعة فستنفلد، رقم ٦٥٩، ص ٥٢). ويوجد من مصنفه: "كتاب فى الشطرنج" ومصنف سلفه العادلى مخطوطتان (القاهرة والآستانة؛ Quellenstudien zur Geschichte des Schachspiels: A.Van der Linde, ص ٢١ - ٢٢, ٣٣٣ - ٣٣٧؛ وقد وضع كيس A.Giese وفاندرليند خطبة لنشر المخطوطتين؛ Das ercte Jahrtausend der schachliteratur: A.Van der Linde, ص ٩٤٨). وغدا الصولى، من يوم أن هزم الماوردى، نديما للخلفاء؛ وكان بخاصة على صلة وثيقة بتلميذه السابق الراضى (٣٢٢ - ٣٢٩ هـ = ٩٣٤ - ٩٤٠ م: انظر المسعودى: مروج الذهب، جـ ٨، ص ٣١١, ٣٣٩؛ التنوخى: نشوار المحاضرة ص ١٤٥؛ Die Renaissance des Islam: Mez، ص ١٣٢). على أنه اضطر فى السنة الأخيرة من حياته إلى الإلتجاء إلى البصرة لما رواه من خبر فى حق على (الفهرست، ص ١٥٠، س ٢٦) حيث توفى مستترًا.

стр. 6572

وأشهر ما عرف به الصولى المؤرخ تاريخه للعباسيين المعروف باسم "كتاب الأوراق فى أخبار آل عباس وشعرائهم"؛ وقد رتب الجزء الأول من هذا الكتاب ترتيبا تاريخيا، وساق فى الجزء الثانى مختارات من أشعار شعراء من أسرة الخلفاء وعدد من غيرهم من الشعراء. ولم يتم قط هذا الكتاب الذى كان يضم على الأقل خمسة مجلدات أو ستة (الفهرست، ص ١٥٠، س ٧، ص ١٥١, س ٦). ولم يصل إلى أيدينا منه حتى الآن إلا متفرقات قليلة. ويوجد من الجزء الأول مخطوطات فى لينينغراد (المكتبة العامة، السنوات من ٢٢٧ - ٢٥٦ هـ؛ Zapiski, جـ ٢١، ص ١٠١ - ١٠٢)؛ وفى القاهرة (مكتبة الأزهر: التاريخ رقم ٤٤٣, السنوات من ٢٩٥ - ٣١٨ هـ؛ Zapiski, الموضع المذكور، ص ٩٩ - ١٠٠)؛ وفى الآستانة (جـ ٣ Rescher, فى M.F.O.B, ١٩١٢، مجلد ٥، جـ ٢، ص ٥٢٣)؛ وفى باريس (المكتبة الأهلية، المقتنيات العربية رقم ٤٨٣٦. السنوات من ٣٢٢ - ٣٢٩)؛ ويوجد من الجزء الثانى مخطوطات فى القاهرة (دار الكتب، التاريخ، رقم ٥٩٤؛ Barthold فى Zapiski، جـ ١٨, ١٤٨. - ١٥٣ = مكتبة الأزهر، الأدب، رقم ٤٨٧؛ Zapiski, جـ ٢١، ص ٩٨ - ٩٩)؛ وفى لينينغراد (Zapiski، جـ ٢١، ص ١٠٢ - ١١٣). ولم يطبع من كتاب الأوراق إلا أقسام قليلة مثل: "أخبار الحلاج" (Zapiski، جـ ٢١، ١٣٧ - ١٤١، وقد حللها ماسينيون تحليلا وافيا فى كتاب La Passion d'alHallaj, فى مواضع مختلفة) وبعض "أخبار أبان اللاحقى" (Aban al-Lahiqi etc.: A.Krimskij، ١٩١٣ م، (ص ١ - ٤٣)، و"أخبار ابن المعتز" (Zapiski، جـ ٢١، ص ١٠٤ - ١١٢). وللصولى كتاب آخر ليس أقل شهرة من كتاب الأوراق وهو "كتاب الوزراء" ولا نعلم عنه حتى الآن شيئًا فيما عدا ما نصادفه من الشواهد المأخوذة منه (ذكره الصولى أكثر من مرة فى كتاب الأوراق؛ وانظر أيضا: ياقوت: إرشاد الأريب، جـ ٢، ص ١٣١ - ١٣٢؛ جـ ٥، ص ٣٢٠؛ Amar: الفخرى فى Archives Marocains، جـ ١٦، ص ٢٥). ومن كتب الصولى الأخرى كتاب "أدب الكتَّاب"، طبعه فى القاهرة محمد بهجت عن مخطوطة فى بغداد (١٣٤١ هـ = ١٩٢٢ م)؛ وقد ألف هذا الكتاب فى عهد

стр. 6573

الراضى (ص ١٦٣)، وهو كتيب صغير فى إرشاد كتاب الدواوين، يعد ضربا من الأدب شاع شيوعا كبيرا فى عهد متأخر وبلغ أوج ازدهاره بكتاب من عيون الكتب هو: صبح الأعشى للقلقشندى (وما يجدر ذكره أن القلقشندى، على معرفته الوثيقة بآثار الصولى، فإنه لم يستشهد بهذا الكتاب قط). أما فى ميدان الأدب الخالص فقد أقام الصولى لنفسه شهرة بنشره ديوان الشعراء العباسيين. وقد تناول الصولى الشعراء المحدثين: تناول السكَّرى للشعراء القدماء. ويوجد من "أخبار أبى تمام"، وهى بقلمه، مخطوطة فى الآستانة (Rescher فى M.F.O.B مجلد ٥، جـ ٢، ص ٥٠١ - ٥٠٢). ومما نشره من دواوين المحدثين نذكر أخبار أبى نواس (Die literarische Tatigkeit Hamza al-Isbahanis: E.Mittwoch, برلين ١٩٠٩ م، ص ٤٢ وما بعدها)؛ ومسلم ابن الوليد (طبعة ده غوى, ص ٨)؛ وابن المعتز (Gesch. der Arab Lit: Brockelmann، جـ ١، ص ٨١)؛ والبحترى وابن الرومى (مقتطفات نشرت فى القاهرة سنة ١٩٢٤)؛ والعباس بن الأحنف (الأغانى، جـ ٨، ص ١٥ - ٢٥؛ جـ ١٥، ص ١٤١ - ١٤٤)؛ والصنوبرى (Die Renaissance des Islam: Mez، ص ٢٥٠) وكثير غير هؤلاء (الفهرست، ص (١٥١ س ١٥ - ١٦؛ ص ١٦١، س ١٦, ٢١؛ ص ١٦٦، س ٣). وقد استشهد ياقوت بأخبار شعراء مصر، وهو للصولى (ياقوت: إرشاد الأريب، جـ ٢، ص ٥، ٤١٥ - ٤١٦؛ جـ ٥، ص ٤٥٤). وقد كتب المترجم له أيضًا قرابة اثنى عشر كتابًا آخر لا نعرف عنها، كما هو الشأن فى أمر كثير من الكتاب، إلا اسمها (الفهرست، ص ١٥١، س ٨ - ١٣؛ ابن خلكان، طبعة فستنفلد، رقم ٦٥٩، ص ٥١؛ حاجى خليفة، جـ ٢، ص ٥٩٨, ٤٠٩٥, جـ ٣، ص ١٤٤؛ الصولى أدب الكتاب، ص ١٧٥؛ أبو العلاء: رسالة الغفران، ص ١٤٧، س ٨). ولم يشتهر الصولى خاصة بقرض الشعر، ومع ذلك فله أشعار يستشهد بها فى كثير من الأحيان (ساق محمد بهجت مختارات منها: كتابه المذكور، ص ١٤ - ١٨). ولم تكن الآراء التى قيلت فى أمانة الصولى حسنة، فقد استفاضت شهرة الأبيات الساخرة التى قيلت فى خزانة كتبه (ابن خلكان: المصدر المذكور،

стр. 6574

ص ٥٤) ومنها يتبين أن بعض معاصريه كانوا يعدون علمه جميعًا إنما هو معرفة بكتب غيره. ويقول صاحب الفهرست (ص ١٢٩؛ س ٢٧ - ٢٨؛ ص ١٥١، س ٧ - ٧) وياقوت (إرشاد الأريب، جـ ٢، ص ٥٨) عن كتابه "الأوراق" إنه عول فى تأليفه على كتاب المرثدى (هكذا يجب أن يضبط هذا الاسم الذى ورد فى الفهرست، ص ١٥١، س ٦: المريدي) "أشعار قريش"، بل نقله نقلا وانتحله (على أن المسعودى: مروج الذهب، جـ ١، ص ١٦ - ١٧, قد أورد رأيا أحسن من هذا فيه). وينعته ياقوت بالكذب (إرشاد الأريب، جـ ٢، ص ١٠)؛ ويقول صاحب الفهرست إن الصولى لم يأت بشئ فى إخراجه "أخبار ابن هرثمة" وقد أخذ عليه كثيرا غروره وسقم ذوقه (انظر مثلا: الجرجانى: الوساطة، ص ٢٦٠؛ ابن الأثير: المثل السائر، ص ٢٨٩). أما تفاخره فقد عرف أيضًا عند الكتاب الفرس فى القرن الحادى عشر الميلادى (أبو الفضل البيهقى: فى Zapiski: Barthold، جـ ١٨، ص ١٥١). وقد حلل ماسينيون حديثا جملة كبيرة من الآراء التى قيلت فى الصولى (la Passion d'al Hallaj: Massignon، جـ ٢، ص ٩٢٠، وفى مواضع مختلفة). ونتبين من هذا كله أن الصولى لا يمكن أن يعد مؤرخا من أصحاب المواهب البارزة، وإنما كان مصنفا جم النشاط لا يستطيع فى جميع الأحوال أن يميز كتابه من كتاب غيره، على أن ذلك لا يمس ما كان له من أثر فى عالم التأليف. ونذكر من تلاميذه المباشرين الدارقطنى، وابن شاذان، والمرزبانى وغيرهم. ولا يزال للصولى شأن فوق هذا، وهو أنه مصدر يستقى منه كثير من مؤرخى العرب وأدبائهم، بل إن معاصره الأصغر عريب ينقل عنه فى كثير من الأحيان كلمة كلمة. ويستشهد به على الأصفهانى أكثر من مائتين وخمسين مرة باعتباره مرجعا لتاريخ الشعراء العباسيين خاصة (لم يذكره كويدى Tables Alphabetiques: Guidi كما ذكر جميع الأسانيد). المصادر: (١) كتاب: الفهرست، طبعة فلوكل، ص ١٥٠، س ٢٢ - ص ١٥١، س ١٦؛ ص ١٥٦، س ٤ - ٦. (٢) السمعانى: كتاب الأنساب، سلسلة كب التذكارية، ورقة رقم ٣٥٧.

стр. 6575

(٣) ابن الأنبارى: نزهة الألبّاء، القاهرة ١٩٢٤ م، ص ٣٤٣ - ٣٤٥. (٤) ابن خلكان: وفيات الأعيان، طبعة فستنفلد، رقم ص ٦٥٩، ص ٥١ - ٥٥ = de slane، جـ ٣، ص ٦٨ - ٧٣. (٥) العينى: عقد الجمان، المتحف الأسيوى , ١٧٧، جـ ٣، الورقتان ١٤ - ١٥. (٦) حاجى خليفة: كشف الظنون، طبعة فلوكل، الفهرس. (٧) Die Geschichtsschr.der Araber: Wustenfeld، ص ٣٧, ١١٥. (٨) Gesch. der Arab.Lit: Brockelmann، جـ ١، ص ١٤٣, ٥. (٩) البستانى: دائرة المعارف ١٩٠٠ م، جـ ١١، ص ٦٨ - ٦٩. (١٠) Horovitz فى M.S.O.S. Westss.st.، ١٩٠٧, جـ ١٠، ص ٢٥ - ٣٨. (١١) Brathold فى Zapiski ١٩٠٨ م، جـ ١٨، ص ١٤٨ - ١٥٣. (١٢) Hamasa Abu Temaina Taiskaga: Krinskij (بالروسية)، موسكوم ١٩١٢ م، ص ١٥ - ١٩. (١٣) المؤلف نفسه: Aban Lahikij etc، (بالروسية)، موسكو ١٩١٣, ص ٩ - ١١, ٤٧ - ٤٩. (١٤) زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، القاهرة م، جـ ٢، ص ١٧٤ - ١٧٥. (١٥) krackowskij فى Zapiski، ١٩٠٨ م، جـ ١٨، ص ٧٧ - ٧٨, ١٩١٣, جـ ٢١، ص ٩٨ - ١١٥, ١٣٧ - ١٤٠. (١٦) محمد بهجت الأثرى: أدب الكتاب تأليف الحمولى، القاهرة ١٣٤١ هـ , ٨ - ١٨. أما عن الصولى لاعب الشطرنج فانظر بصفة خاصة ما كتبه: (١٧) Geschichte und Litteratur des Schachspiels: Antonius Van der Linde، برلين ١٨٧٤، جـ ١، ص ٩٧ - ٩٨, ١٠٦ - ١٠٧. (١٨) المؤلف نفسه: Des Schachspiels، برلين ١٨٨١ م، ص ٢١ - ٢٤، ٣٣٣ - ٣٣٧, ٣٥٤ - ٣٨١. (١٩) المؤلف نفسه: Das erste Jahrtausend Quellenstudien zur Geschichte der Schachliteratur, ص ٨٣ و ٩٤٨. (٢٠) History of Chess: H.J R. Murray, أوكسفورد ١٩١٣ م، ص ١٦٩ - ١٧٣, ١٧٦, ١٩٩ - ٢٠١, ٢٣٥ - ٢٤٠, ٢٧١ - ٢٧٦, ٣٠٦ - ٣١٧. خورشيد [كراتشكوفسكى Ign. Kratschkovsy]

стр. 6576

صوم (١) صوم وصيام، مصدران من ص وم، وهما يستعملان من غير تمييز بينهما. والمعنى الأصلى للكلمة فى لغة العرب و"الركود والمقام" (٢) (انظر. Neu Beitrage sem Sprachw.: Th.Noldeke,

стр. 6577

ستراسبورغ ١٩١٠, ص ٣٦؛ هامش ٣؛ وانظر ما قاله S. Frankel من قبل فى de Vocab . . . in Corani Peregrine, ليدن ١٨٨٠، ص ٢٠، مادة quiescere). أما "الصوم" [بمعنى الإمساك عن الطعام والشراب] فيجوز أن يكون مأخوذًا عن الاستعمال اللغوى اليهودى - الآرامى، لما عرف محمد ﵊ وهو فى المدينة شعيرة الصوم عن كثب (٣). وهذا المعنى أصبح للكلمة فى

стр. 6578

السور المدنية، أما فى السور المكية فهى لم ترد إلا مرة واحدة، فى سورة مريم الآية ٢٦، والمفسرون يفسرونها "بالصمت" (ولذلك فإن هذه هى إحدى ترجمات الكلمة فى القواميس) لكن يجوز أن تترجم كلمة صوم هنا "بالصوم" (بمعنى الإمساك عن الطعام والشراب؛ انظر ما يلى)، ويذكر بعد الفعل ظرف الزمان الدال على الوقت الذى يقضيه الإنسان صائما. نشأة فريضة الصوم: لا يسوغ للإنسان أن يفترض افتراضا أوليا: أن الصوم لم يكن شعيرة معروفة فى مكة قبل زمان محمد ﵊، فلماذا لا يقال إن الحنفاء كانوا يزاولون هذه الرياضة الروحية، إذا عرفنا أنه كان يتجلى فى أسلوب حياتهم كثير من الخصال اليهودية النصرانية، وذلك على الأقل بحسب ما جاء فى الروايات (٤).

стр. 6579

ويدل على ظهور الصيام باعتباره رياضه اختيارية غايتها قهر الشهوات بين المسلمين الأولين فى مكة ما يغلب على الظن من أن محمدًا ﵊، وهو فى أسفاره الكثيرة، لاحظ هذه العبادة عند اليهود والنصارى. لكن لا يمكن القول بشئ يقينى فى ذلك (٥).

стр. 6580

ففى السور المكية ورد ذكر الصوم، كما تقدم القول، فى سورة مريم، الآية ٢٦: صوت (٦) يأمر مريم ﵍ أن تقول ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. ويجوز أن الصوم هنا ليس معناه سوى "الصوم" [بمعنى الإمساك عن الطعام والشراب]؛ لأن الإمساك عن الكلام باعتباره صومًا نصرانيا (انظر أفراهاط، طبعة Parisot فى patrol. Syriaca، مجلد ١, ص ٩٧) يجوز أنه كان معروفا لمحمد [ ﷺ ] لكن محمدًا [ ﷺ ] لم يكن على كل حال عارفًا بالتفصيلات لأنه لم يأمر بصوم يوم عاشوراء إلا بعد الهجرة لما رأى اليهود يصومونه (٧)، وفى العام الثانى للهجرة،

стр. 6581

بحسب الرواية الإسلامية المجمع عليها والجديرة بالتصديق (انظر Mohammed en de jaden to Medina: A.J.Wensinck, وهى رسالة قدمت للجامعة للحصول على درجة الدكتوراه فى الفلسفة، ليدن ١٩٠٨ ص ١٣٦ - ١٣٧, خلافًا لما يقوله مثلا Das Leben and die Lehre des Mohammad: A. Sprenger، جـ ٣، ص ٥٣ - ٥٩). نسخت آيات الصوم فى سورة البقرة (الآيات ١٨٣ - ١٨٥) وجوب صوم يوم عاشوراء وأحلت محل ذلك وجوب صيام شهر رمضان (٨). وفيما يتعلق بمسألة السبب الذى من أجله اختار محمد [ ﷺ ] شهر رمضان بالذات والمصدر الذى أخذت عنه شعيرة الصوم الإسلامية، قيلت آراء عديدة (٩)، وبقول الإسلام إنه هو الصوم الذى فرضه اللَّه على اليهود والنصارى، لكنهم أفسدوه، فأعاده الإسلام إلى صورته الصحيحة (١٠) ويذهب شبرنكر (Sprenger: فى موضع آخر من كتابه المذكور، جـ ٤، ص ٥٥ وما بعدها) إلى أنه تقليد للصوم الأربعينى عند النصارى؛ ونولدكه وشفالى (Geschichtes des Qorans: NoldekSchwally، جـ ١، ليبسك ١٩٠٩، ص ١٨٠،

стр. 6582

هامش ١) يشيران إلى مشابهة الصوم الإسلامى لنوع الصوم عند المانوية. لكن فنسنك A. J. Wensinck (فى بحثه الذى عنوانه: Arabic New Year and the Feast of Tabernacle Ak. W. Amst, السلسلة الجديدة، مجلد ٢٥، رقم ٢، ١٩٢٥ ص ١ - ١٣؛ وانظر أيضًا Over de israelietische verstendagen: M.Th.Houtsma فى Versl. Med. Ak. Amst. Afd.Letterk، مجلد ٤، السلسلة الثانية [١٨٩٨] ص ٣ وما بعدها، أمستردام ١٨٩٨) نبّه على الصبغة المقدسة التى كانت لشهر رمضان خاصة فى العصر السابق على الإسلام (بسبب مجئ "ليلة القدر" فيه -وكانت أيضًا معروفة عند العرب قديما). وبذلك فتح فنسنك بابًا لإمكان البحث عن حل لمشكلة شهر رمضان فى هذا الاتجاه [انظر مادة رمضان] (١١).

стр. 6583

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6584

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6585

والأحكام الأولى للصوم فى الإسلام جاءت بها الآيات (١٢) ١٨٣ - ١٨٥ من سورة البقرة، وهى آيات مترابطة (Noldeke-Schwally، ص ١٧٨ خلافًا لما
следующие страницы →