بحسب الرواية الإسلامية المجمع عليها والجديرة بالتصديق (انظر Mohammed en de jaden to Medina: A.J.Wensinck, وهى رسالة قدمت للجامعة للحصول على درجة الدكتوراه فى الفلسفة، ليدن ١٩٠٨ ص ١٣٦ - ١٣٧, خلافًا لما يقوله مثلا Das Leben and die Lehre des Mohammad: A. Sprenger، جـ ٣، ص ٥٣ - ٥٩). نسخت آيات الصوم فى سورة البقرة (الآيات ١٨٣ - ١٨٥) وجوب صوم يوم عاشوراء وأحلت محل ذلك وجوب صيام شهر رمضان (٨). وفيما يتعلق بمسألة السبب الذى من أجله اختار محمد [ ﷺ ] شهر رمضان بالذات والمصدر الذى أخذت عنه شعيرة الصوم الإسلامية، قيلت آراء عديدة (٩)، وبقول الإسلام إنه هو الصوم الذى فرضه اللَّه على اليهود والنصارى، لكنهم أفسدوه، فأعاده الإسلام إلى صورته الصحيحة (١٠) ويذهب شبرنكر (Sprenger: فى موضع آخر من كتابه المذكور، جـ ٤، ص ٥٥ وما بعدها) إلى أنه تقليد للصوم الأربعينى عند النصارى؛ ونولدكه وشفالى (Geschichtes des Qorans: NoldekSchwally، جـ ١، ليبسك ١٩٠٩، ص ١٨٠،
стр. 6582
هامش ١) يشيران إلى مشابهة الصوم الإسلامى لنوع الصوم عند المانوية. لكن فنسنك A. J. Wensinck (فى بحثه الذى عنوانه: Arabic New Year and the Feast of Tabernacle Ak. W. Amst, السلسلة الجديدة، مجلد ٢٥، رقم ٢، ١٩٢٥ ص ١ - ١٣؛ وانظر أيضًا Over de israelietische verstendagen: M.Th.Houtsma فى Versl. Med. Ak. Amst. Afd.Letterk، مجلد ٤، السلسلة الثانية [١٨٩٨] ص ٣ وما بعدها، أمستردام ١٨٩٨) نبّه على الصبغة المقدسة التى كانت لشهر رمضان خاصة فى العصر السابق على الإسلام (بسبب مجئ "ليلة القدر" فيه -وكانت أيضًا معروفة عند العرب قديما). وبذلك فتح فنسنك بابًا لإمكان البحث عن حل لمشكلة شهر رمضان فى هذا الاتجاه [انظر مادة رمضان] (١١).
والأحكام الأولى للصوم فى الإسلام جاءت بها الآيات (١٢) ١٨٣ - ١٨٥ من سورة البقرة، وهى آيات مترابطة (Noldeke-Schwally، ص ١٧٨ خلافًا لما
стр. 6586
يقول Handbuch des islamischen Gesetzes: Th.W.Juynboll, ليدن - ليبسك ١٩١٠ م، ص ١١٤، من أن الآية ١٨٥ نزلت فيما بعد. والبيضاوى أيضًا يذهب إلى أنها نزلت متفرقة). وكان الصوم واجبًا إيامًا معدودات وعلى التحديد فى شهر رمضان، ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (١٣). وسمح للمرضى أو لمن يكونون على سفر بتيسيرات خاصة بشرط أن يؤدوا فدية (١٤). وقد أطاع المسلمون هذا الأمر الإلهى فكانوا يصومون رمضان، وأهل الورع منهم كانوا يصومون من الغروب إلى الغروب متابعة لليهود، إلى أن نزل الوحى (سورة البقرة، الآية ١٨٦) بقصر الصيام على النهار (١٥) (البخارى: كتاب
стр. 6587
الصوم، الباب ١٥ وغيره). على أن الصوم فيما عدا هذا يذكر فى القرآن فى سورة البقرة، الآية ٦ حيث يُؤمر به بدلا من الحج فى بعض الأحوال (١٦)، وفى سورة النساء، الآية ٩٢، حيث يؤمر بصيام شهرين متتابعين المؤمن الذى يقتل شخصا (١٧) من قوم بينهم وبين المسلمين ميثاق قتلا خطأ ثم لا يجد الفدية التى يجب تسليمها إلى أهل المقتول ولا يجد تحرير رقبة مؤمنة؛ وفى سورة المائدة، الآية ٨٨: أنه يجب على المرء أن يصوم ثلاثة أيام كفارة اليمين الذى يحنث فيه (١٨)؛ وفى السورة نفسها، الآية ٩٤: أن المرء يجب أن يصوم تكفيرا عن قتله الصيد وهو
стр. 6588
مُحْرم (١٩)؛ وفى سورة المجادلة، الآية ٤: أن على المرء أن يصوم شهرين متتابعين إذا ظاهر من زوجته وأراد أن يمسها (انظر أحكام الكفارة فيما يلى). وفى سورة الأحزاب، الآية ٣٥ يوصف المسلمون الأتقياء بأنهم "الصائمون" علاوة على صفات أخرى كثيرة؛ وفى سورة البقرة، الآيتين ٤٥ و ١٥٣ يفسر الصبر بأنه الصوم.
والأحكام الواردة فى سورة البقرة الآيات ١٨٣ - ١٨٥، هى أساس ما فصله الفقهاء من أحكام الصوم، وقد أخذت من الحديث تفصيلات كثيرة. وما سنذكره فيما يلى إنما هو تلخيص أحكام الصوم على مذهب الشافعية، وهو مأخوذ عن رسالة أبى شجاع الأصفهانى التى عنوانها: مختصر فى الفقه بشرح أبى القاسم الغزى (المتوفى عام ٩١٨ هـ = ١٥٢٢ م) وحاشية إبراهيم الباجوري (٢٠) (المتوفى عام ١٢٧٨ هـ = ١٨٦١ م) طبعة القاهرة.
كيف يجب على المرء أن يصوم ومن الذى يجب عليه الصوم:
الصوم فى الشرع هو الإمساك عن المفطرات طوال اليوم مع النية الخاصة لكل صوم مطلوب. والصائم يجب أن يكون مسلما عاقلا، فإذا كانت امرأة وجب أن تكون طاهرة من دم الحيض والنفاس (٢١) وبهذه الشروط يكون الصوم صحيحا. ويجب الصوم على كل بالغ قادر.
ومما تجب ملاحظته أن المراد بالإسلام الذى هو شرط لصحة الصوم الإسلام بالفعل فى حال الصوم، على حين أن المراد بالإسلام الذى هو شرط لوجوب الصوم الإسلام ولو فيما مضى. فالمرتد صومه غير صحيح، لكن يجب عليه الصوم وجوب مطالبة بأن يقال له؛ أسلم بعد عودته إلى الإسلام يجب عليه أن يقضى الأيام التى فاته صومها. أما الكافر أصلًا الذى ولد على الكفر فلا يقضى ما فاته من الصوم وهو على الكفر، لكنه يجب عليه
стр. 6589
العمل بالواجبات الشرعية. والفقه يسمى هذا الوجوب بالنسبة للكافر وجوب عقاب، أما الوجوب بالنسبة للمرتد فهو وجوب مطالبة به (٢٢).
ويصح الصيام من غير البالغ إن كان مميزا (ويجب إلزام غير البالغ بالصوم من العاشرة) (٢٣) وكذلك من غير القادر (٢٤). ومعنى أن الصوم يجب على العاقل هو أنه لا يجب أداؤه على المغمى عليه والمجنون والسكران. ويجوز للصائم أن يقضى يومه نائما إذا كان قد نوى قبل النوم؛ وكذلك فى حالة السكران أو الإغماء إذا أفاق الإنسان ولو لحظة فى أثناء النهار (٢٥).
وفرائض الصوم أو أركانه فيما عدا الصائم، النية والإمساك عن المفطرات، ويجب تبييت النية (٢٦)، أى لا بد من نية معينة كل ليلة ومن أن تكون قبل كل فجر كل يوم صيام. لكن يجوز للشافعى من طريق التقليد أن يتبع مذهب مالك الذى يسمح للإنسان بأن ينوى فى ليلة أول يوم من رمضان صيام الشهر كله. وإذا كان الإنسان يصوم نفلا فإنه يجوز له أن ينوى وهو صائم فى أثناء الجزء الأول من النهار قبل الزوال (٢٧). ولابد أن يكون إيقاع النية عن قصد ووعى (٢٨) وأن ينوى الإنسان صوم الفرض من رمضان لا
стр. 6590
مطلق الصوم أو مطلق الفرض (٢٩) ويندب النطق بالنية (٣٠) (وفى كتب الفقه صيغ لها) (٣١) لكن النطق بها ليس شرطا، بل الأعمال التى تعمل لأجل يوم الصوم التالى خاصة يمكن أن تعتبر نية (٣٢).
والمفطرات هى:
١ - وصول شئ إلى الجوف (٣٣) ما يعتبر عينا ويمكن إدراكه ومنعه أى: ابتلاع الطعام والشراب، والتدخين، وابتلاع نخامة بعد وصولها إلى الفم وإمكان منها (٣٤)، وتقطير سوائل أو إدخال أدوات فى فتحات الجسم كالأذن والإحليل إذا قطر من هذه الأدوات شئ يبلغ داخل الجوف، وإمساك شئ من شأنه أن يخرج من البدن بالطبع (٣٥).
ونظرًا للقيود المبنية فى أ، ب، ج (انظر ما يلى) فلا يفطر من دخل فى جوفه حشراتٌ مثل ذبابة أو بعوضة أو غبار الطريق أو بقايا الطعام التى تكون فى الأسنان (٣٦) أو ما يمتصه الجلد أو
стр. 6591
ما يسبق إلى الجوف من ماء المضمضة إلا إذا بالغ الإنسان فيها، أو من استنشاق شئ فى غسل مطلوب ولو على سبيل الندب (٣٧) أو من الطيب الطاهر.
إذا اشتد العطش بالصائم حتى آلمه جاز له أن يتمضمض، بشرط ألا يدخل فى جوفه من الماء شئ.
٢ - القئ عمدًا, وهو لا يجوز إلا بناء على أمر طبيب عدل وبشرط قضاء الصوم.
٣ - الجماع (٣٨)
٤ - الاستمناء، أى إخراج المنى قصدا بسبب مباشرة (٣٩) الجنس الآخر، على أنه يوجد فرق بين ما إذا كان الاستمناء سببه الشهوة أم لا، أو ما إذا كانت المباشرة بحائل أو بغير حائل (٤٠).
والاحتلام وما إليه لا يفطر.
٥ - الحيض، وهو يجعل الصوم حراما (وهذا الحكم غير مفهوم فى رأى الباجورى؛ لأن الصوم لا يقتضى الطهارة الشرعية) (٤١).
٦ - النفاس (٤٢).
стр. 6592
٧ - الجنون
٨ - السكر (والجنون والسكر يجعلان كل عبادة مستحيلة) (٤٣).
ويضم إلى ذلك الولادة، لكن عند بعض الفقهاء.
والإفطار لا يقع -بحسب الحالة- إلا إذا كان عن تعمد وعلم واختيار، أى أنه لا يكون عن سهو أو جهل بالواجبات -إذا كان الجهل يمكن التجاوز عنه- أو عن إكراه. وقد جاء فى الحديث: "من نسى وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه اللَّه وسقاه" (البخارى: كتاب الصوم باب ٢٦؛ كتاب الإيمان, باب ١٥؛ مسلم: كتاب الصيام، حديث ١٧١).
أما السنن أو ما يستحبّ فى الصوم فهى:
١ - تعجيل الفطر (٤٤) بعد أن يتيقن الصائم أن الشمس قد غربت (٤٥) وليكن الإفطار على التمر أو الماء (من زمزم) أو شئ حلو الطعم. والإفطار واجب لأن "صوم الوصال" حرام (٤٦).
٢ - تأخير السحور ما أمكن وتناول ما يتناول فى الإفطار.
٣ - ترك الهُجْر من الكلام والغيبة والنميمة والكذب والفحش والسبّ والشتم، ففى الحديث: "من لم يكف جوارحه عن الآثام لم يحصل له من صومه إلا الجوع والعطش" (٤٧).
стр. 6593
٤ - ترك الأعمال التى ليست محرمة لكنها تبعث الشهوة عند الصائم أو عند غيره (٤٨).
٥ - ترك الفصد والحجامة (٤٩).
٦ - ترك ذوق طعام أو غيره (٥٠).
٧ - ترك مضغ شئ يؤكل (٥١).
٨ - الدعاء عقب الفطر (٥٢).
٩ - تلاوة الصائم القرآن ومدارسته بأن يقرأ على غيره ويعيد الغير ما قرأه الأول.
١٠ - الاعتكاف فى رمضان، امتثالا لما فى سورة البقرة الآية ١٨٧ (٥٣).
والغزالى يزيد على ذلك الجود فى رمضان (٥٤).
وبحسب الأحكام الفقهية الخمسة يمكن أن ينقسم الصوم إلى:
١ - واجب أو فرض وهو:
(أ) فى شهر رمضان،
(ب) إذا كان قضاء لأيام من رمضان،
(جـ) بسبب نذر،
(د) فى بعض الأحيان كفارة لذنب.
(هـ) إذا أمر الإمام بالصوم عند صلاة الاستسقاء بسبب انقطاع المطر وعند الغزالى أنه يجب صوم بقية النهار على من عصى بالفطر أو قصر فيه وذلك "تشبها بالصائمين".
стр. 6594
(أ) صوم شهر رمضان هو الركن الرابع من أركان الإسلام ومن جحده فهو كافر إلا إن كان قريب عهد بالإسلام أو كان قد نشأ بعيدًا عن العلماء. ومن ترك الصوم بغير عذر، لكن من غير أن يجحد وجوبه، فيجب أن يحبس ويمنع من الطعام والشراب نهارًا لتحصل له صورة الصوم، وربما حمله ذلك أن ينويه فتحصل له حينئذ حقيقته (٥٥).
ووجوب الصوم "على سبيل العموم" يبدأ بأول يوم من رمضان بعد استكمال شعبان ثلاثين يوما أو بثبوت رؤية الهلال ليلة الثلاثين من شعبان عند حاكم (أو قاض) بشهادة عدل فى الشهادة أنه رأى الهلال.
ووجوب الصوم "على سبيل الخصوص" يكون بعد التاسع والعشرين من شعبان على من رأى الهلال بنفسه، أو على من يصدق شخصًا آخر موثوقا به فى رؤيته، وإن لم يكن هذا الشخص عدلا. والأمور المؤجلة ونحوها لا تحل إلا فى الثانى من رمضان إن لم ير الهلال فى التاسع والعشرين من شعبان إلا عدل واحد (٥٦).
ويجب إعلام الناس بأول رمضان بإحدى الطرق التى جرى بها العرف فى ناحية ما بضرب المدافع أو بإيقاد القناديل على المآذن، (وفى جاوه بضرب البيدك).
وهناك أحكام خاصة يعمل بها فيما يتعلق بالنية والقضاء عندما لا يكون الإنسان قد علم بابتداء الصوم أو يكون قد علم به على وجه خاطئ (٥٧).
стр. 6595
أما مشاهدات الفلكى أو حسابات الرياضى أو رؤية من يرى النبى [ ﷺ ] فى المنام ويعرف منه أول رمضان ونحو ذلك، فإنها لا تلزم بالصوم إلا صاحبها أو من يثق به (٥٨).
(ب) أما قضاء ما فات من الصوم فيجب المبادرة به، أعنى فى اليوم التالى إذا كان يجوز فيه الصوم ولم يكن من الأيام التى حرم الصوم فيها (انظر ما يلى)، أو إذا لم يكن اليوم التالى يوم صوم واجب (٥٩).
وإذا مات الإنسان من غير أن يقضى ما فاته سقط عنه وجوب القضاء إن كان تأخيره عنه بعذر، وإلا وجب على وليّه (وفى هذه الحالة يجوز أن يكون كل قريب وليا) أو على شخص أجنبى بموافقة الولى أن يدفع كفارة (انظر ما يلى) صغيرة أو فدية، لكن يجوز أن يقوم الولى نفسه (أو الشخص الأجنبى) بالقضاء عن الميت، وفى هذه الحالة يكتب للميت ثواب الصوم. وهذا هو رأى متقدمى الشافعية ولا يقول به متأخروهم، لكن الباجورى يقول به ويعتبره سنة (٦٠).
(ج) والرأى السائد عند الشافعية أن من نذر على نفسه صوم الدهر (انظر ما يلى) وهو مكروه- لا يتم النذر
стр. 6596
(البخارى: كتاب أحكام الأيمان والنذور) (٦١).
(د) والفقهاء يميزون بين الكفارة الكبرى والكفارة الصغرى. والكبرى تجب على:
(١) من بطل صومه بالوطء إذا كان الوطء إثمًا، بالشروط المذكورة فيما تقدم، وهو بعد هذا يجب عليه القضاء ويستحق التعزير. ولما كان صوم كل يوم عبادة مستقلة بذاتها فإن الكفارة تجب عن كل يوم يبطل الصوم فيه على هذا النحو. ويذكر الباجورى للإفلات من الكفارة هذه الحيلة، وهى أن يلجأ الإنسان إلى إبطال الصوم بأحد المفطرات الأخرى، فعند ذلك تسقط الكفارة لكن الإثم يبقى، أما الموطوءة فى هذا الذنب فيجب عليها القضاء وتستحق التعزير.
(٢) مرتكب القتل بغير حق.
(٣) من ظاهر من زوجته لكن من غير أن يطلق بعد ذلك من فوره لأنه لم يتمسك بما يقتضيه الظهار من عدم المماسة.
(٤) من حنث فى يمين صحيح.
وهذه الكفارة هى:
(١)، (٢) العتق (ويقوم مقامه) الصوم (ويقوم مقامه) الإطعام.
(٣) العتق (ويقوم مقامه) الصوم.
(٤) العتق أو الإطعام أو الكسوة أو الصوم.
أى أنه فى الحالات (١) و (٢) و (٣) تجوز الكفارة بالصوم أن لم يجد إنسان عتق الرقبة. فإذا وجد ذلك بعد أن كان قد شرع فى الصوم ندب له العتق، وعند ذلك يكون ما صامه نفلا (٦٢).
وعلى هذا النحو نفسه يأتى الصوم فى الحالة (٤) فى المحل الرابع، بمعنى أن الكفارات الثلاث الأولى يقوم بعضها مقام بعض، أما الصوم فهو دائما فى المحل الرابع.
стр. 6597
وفى الحالات (١) و (٢) و (٣) يجب صوم شهرين متتابعين، فإذا أفطر من وجب عليه ذلك، ولو يوما واحد، وكان هو اليوم الأخير ولو بعذر، انقطع التتابع ووجب الاستئناف فيعيد الصوم من أوله.
وفى الحالة (٤) يقتصر الصوم على ثلاثة أيام، ولا يلزم أن تكون متتابعة.
ومن لم يقدر على شئ مما يكفَّر به تأجلت الكفارة حتى يقدر على نوع منها (٦٣).
أما الكفارة الصغرى أو الفدية فهى تدفع إذا أخذ الإنسان بأحد أنواع التيسير المذكورة فيما يلى، وهنا لا يظهر الصوم بين أنواع الكفارة. والكفارة عن الميت (انظر ما تقدم) تكون بإعطاء مُدّ لمسكين من الحبوب التى هى قوت فى الناحية وذلك عن كل يوم فاته صومه. وإعطاء المد عن كل يوم واجب على من يلزمه قضاء أيام فاتته من رمضان، لكن لم يقضها حتى بدء رمضان التالى ويتضاعف المد بتضاعف السنين المنقضية (٦٤).
والفدية تجب فى الحج أو العمرة على من ترك واجبا من الواجبات (فيما عدا الأركان الأربعة) أو على من أتى عملا لا يجوز فى حالة الإحرام، أو على من أخذ بعض التيسيرات الجائزة (مثل القرآن أو التمتع). وأول ما تكون الفدية فى ذلك بنحر شئ مما تحدد له عن كل عمل غير جائز، فمن لم يجد فعليه أن يصوم، وفى بعض الأحوال عشرة أيام، ثلاثة فى أثناء الحج وسبعة بعد الرجوع منه، وفى أحوال أخرى يكون الصوم من الأيام بعدد ما يجب أن يعطى للمساكين من أمداد (٦٥) وأصل هذه الأحكام موجود فى سورة البقرة (الآية ١٩٦) وسورة المائدة (الآية، ٩٥؛ وانظر الباجورى كتاب الحج، فصل ٢ و ٣؛ Hardbuch: Juynboll ص ١٤٥، وخصوصا ص ١٥٧).
(هـ) وعند إنقطاع الغيث يجوز للإمام بحسب الشرع أن يأمر بعبادات غير عادية منها الصوم، فيقضى الناس ثلاثة الأيام السابقة على صلاة
стр. 6598
الاستسقاء صائمين (انظر الباجورى: كتاب أحكام الصلاة، فصل فى صلاة الاستسقاء). ومما يستلفت النظر أن النية ليلة الصوم (تبييت النية) واجبة هنا حتى على من لا يجب عليه الصوم، من صبى أو غيره ممن يُعْفَى من الصوم (وهذه هى الحالة الوحيدة التى يجب فيها تبييت النية لصوم غير واجب؛ انظر أيضًا Verspreide Geschriftan: C.Snouck Hurgron, جـ ١، بنون ليبسك ١٩٢٣، ص ١٣٧، هامش ٢).
والشرع يسمح بتيسيرات فى الأحوال الآتية:
(أ) فالذين يكونون قد بلغوا سنًا معينة (أربعين سنة بالنسبة للرجال، وبالنسبة للنساء لا يوجد تحديد دقيق) وكذلك المرضى الذين لا يرجى برؤهم يجوز لهم أن يفطروا إن لم يقدروا على الصوم من غير وجوب القضاء عند عودة الصحة والقوة لهم، وعليهم الفديةُ مُدًا عن كل يوم يفطرونه، وليس على الرقيق فدية، لكن يجوز لسيده أو أحد الأقرباء أن يعطى الفدية عنه، ولا يجوز لسيده أن يصوم عنه لكن يجوز لقريبه أن يصوم عنه.
(ب) الإفطار واجب على الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما، وعليهما القضاء. والإفطار واجب كذلك إذا كان الخوف على ما فى البطن أو على الرضيع (وهو لا يتحتم أن يكون ابن المرضع) (٦٦)، وعليهما إلى جانب القضاء الفدية، لكن لا تدفع الفدية -شأنها شأن زكاة الفطر- إلا مما يفضل عن قوت الإنسان وقوت من تلزمه نفقته من أهله وعما يحتاج إليه من مسكن وخادم. وهذه الفدية لا تعطى إلا للفقراء والمساكين (٦٧). وهذه الأحكام نفسها يعمل بها بوجه عام عندما يفطر الإنسان خوفًا على نفسه أو على غيره (٦٨).
стр. 6599
(ج) أما المرضى الذين يرجى برؤهم وكذلك من يغلبهم الجوع أو العطش، فإنه يجوز لهم أن يفطروا بشرط القضاء (٦٩)، وإذا وقع الإنسان بسبب الصوم فى خطر الهلاك أو تعرض لفقد عضو من أعضائه فالإفطار واجب عليه. ومن كان مرضه مطبقا أى دائمًا ليلًا ونهارًا فلا يبيت النية، وكذلك المحموم فى حال غلبة الحمى عليه.
(د) والمسافرون الذين يخرجون فى السفر قبل الفجر لهم أن يفطروا، إذا تضرروا من الصوم، لكن لا يفطرون إذا خرجوا فى السفر أثناء النهار. والإفطار واجب فى حالة الخطر على الحياة (٧٠). والحد الأدنى للسفر هو ما يبلغ مرحلتين فأكثر، والقضاء واجب بحسب الأحوال، وهذا التيسير نفسه يجوز للمطلقات (٧١). والأشخاص الذين ذكروا فى جـ، د (٧٢) إذا أفطروا بالجماع فلا كفارة عليهم لأن الجماع هنا ليس إنّما، بل هو جائز "بنية الترخص".
(هـ) والذين يقومون بالعمل الشاق يجب عليهم تبييت النية، لكن يجوز لهم أن يفطروا.
وإذا زالت أسباب الرخصة والتيسير فى أثناء نهار الصوم فمن السنة الإمساك بقية النهار (٧٣).
٢ - ويستحب صوم التطوع (٧٤)، ولا يجوز للمرأة المتزوجة أن تصوم وزوجها حاضر إلا بإذنه، ويجوز للصائم صيام تطوع أن يفطر من غير التزام بشئ وتجوز النية حتى الزوال من غير تعيين، وإن كان بعض الفقهاء
стр. 6600
يرون أن النية مستحبة فى رواتب السنن.
ورواتب السنة فى الصوم هى:
(أ) صوم يوم عاشوراء.
(ب) صوم يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذى الحجة.
(جـ) صوم ستة أيام من شوال. وصوم يوم عرفة يكون خصوصًا من الذين ليسوا فى عرفة فى ذلك اليوم. وفى الحديث خلاف فى هل صام النبى [ ﷺ ] فى هذا اليوم أم لم يصم. وقد نبه فنسنك (Mohammed en de Joden te Medina: Wensinck ص ١٢٦ - ١٣٠) إلى أن كل العشرة الأيام الأولى من ذى الحجة لها صبغة خاصة، وهى فى الشرع مستحبة لصوم التطوع خاصة، لكن اليوم التاسع يعتبر أفضل يوم فيها، كما يعتبر اليوم التاسع من شهر آب عند اليهود عيدًا كبيرًا يستعد له من أول الشهر. ونظرًا لأن شهر آب وشهر ذى الحجة فى السنة الأولى للهجرة اتفقا فى أغلب الظن فإن فنسنك يفترض أن تعظيم اليوم التاسع من ذى الحجة مأخوذ عن اليهودية (٧٥) ويذهب نولدكه وشفالى مذهبا آخر (Gesch. d. Qorans: Noldeke Schwally، جـ ١، ص ١٥٩) وهما يرجحان أن تكون الآية ٣٠ * من سورة الأعراف مكية ويريان فيها نقدًا للعادة القديمة، وهى "الطواف حول الكعبة من غير ستر العورة والصوم أيام الحج" (قارن ص ١٧٩, هامش ١) وبحسب هذا الرأى يمكن إرجاع صوم يوم عرفة إلى عادات عربية قديمة (انظر تفسير البيضاوى لسورة الأعراف، الآية ٣١: "روى أن بنى عامر فى أيام حجهم كانوا لا يأكلون الطعام إلا قوتا ولا يأكلون دسما يعظمون بذلك حجهم فهم المسلمون به فنزلت الآية ٣١") (٧٦).
стр. 6601
ومن كان عليه أن يصوم على سبيل الفدية ثلاثة أيام فى أثناء الحج وسبعة بعد الرجوع فيستحب له أن يختار الأيام: السابع والثامن والتاسع من ذى الحجة؛ لأن الصوم فى اليوم العاشر وأيام التشريق غير جائز. وإذا كان اليوم التاسع من ذى الحجة يوم الشك (لا يعرف هل هو اليوم التاسع أو العاشر، بسبب عدم التيقن من هلال الشهر) فإن الصوم عند ذلك لا يجوز للقضاء بسبب نذر أو عادة. والباجورى يعتبر أن الصوم من هلال ذى الحجة إلى اليوم التاسع منه مندوب.
وفيما يتعلق بصوم ستة أيام من شوال يجوز صوم ستة أيام متفرقة، لكن الأفضل صومها متتابعة بعد يوم العيد مباشرة، أى من اليوم الثانى من شوال إلى اليوم السابع. ويسن للإنسان أن يصوم هذه الأيام لقضاء أو نذر. والنساء اللاتى وقع لهن الحيض فى رمضان يتخذن هذه الأيام لقضاء ما فاتهن بسببه (Handbuch . . .: Juynboll, ص ١٣٢).
ويستحب لصوم التطوع أيضًا: صوم اليوم السابق ليوم عاشوراء. واليوم التالى له، ويوم المعراج (هو السابع والعشرون من رجب)؛ وصوم يوم الاثنين والخميس من كل أسبوع (وصومهما سنة مؤكدة عند البخارى)، لأنه فى هذين اليومين، كما فى الحديث، تعرض أعمال العباد على اللَّه، ويروى عن النبى [ ﷺ ] أنه قال: "أحب أن يعرض عملى وأنا صائم". وقد بين فنسنك (Mohammed . .: Wensinck ص ١٢٥ - ١٢٦) أن اليهود أيضًا كانوا يصومون هذين اليومين (٧٧)؛ وصوم يوم الأربعاء "شكرا للَّه"، كما يقول الباجورى "على عدم هلاك هذه الأمة فيه كما أهلك فيه من قبلها"؛ وصوم أيام الليالى البيض من كل شهر، وهى اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، والأحوط صوم اليوم الثانى عشر أيضًا. ويروى فى الخبر أن النبى ﵊ (كما يحكى فنسنك ص ١٢٥) كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، والمسلمون المتأخرون
стр. 6602
لم يعرفوا أى الأيام كان يصوم فاختاروا هذه الأيام (٧٨). ويجوز أن صوم هذه الأيام الثلاثة كان واجبًا فى السنة الأولى للهجرة، ولا يمكن قول شئ يقينى عن أصل الصوم فى هذه الأيام (٧٩). وقد نبهنى الأستاذ فنسنك (مشافهة) إلى الصبغة المقدسة لليومين الرابع عشر والخامس عشر من شهر نيسان اليهودى، وإلى قداسة نصف الشهر مثل نصف شعبان فى جزيرة العرب قديمًا (٨٠)، وفى مقابل ذلك وعلى مثال أيام الليالى البيض (٨١)، يستحب صوم أيام الليالى السود، أعنى الأيام الثامن والعشرين والتاسع والعشرين والثلاثين (اليوم الأول من الشهر بدلا من اليوم الثلاثين)، والأحوط صوم اليوم السابع والعشرين أيضًا من كل شهر؛ صوم اليوم الذى لا يجد فيه الإنسان ما يأكله؛ وصوم كل الأيام الأخرى إذا كانت مناسبة لذلك (٨٢) -وفيما يتعلق بصوم ثلاثة أيام على سبيل التكفير والتوبة والاستعداد لحياة أقرب إلى الخير انظر (Verspr Geschr: C.Snouck Hurgronje, جـ ١ بون، ليبسك ١٩٢٣, ص ١٣٧, هامش ٢).
والباجورى لا يذكر أيام صوم التطوع إلا باختصار ويحيل القارئ على رسائل أكثر تفصيلا. ولإكمال كلامه لنأخذ الكلام التالى عن الفصل الثالث من كتاب أسرار الصوم فى الإحياء للغزالى.
يذكر الغزالى أن من الأيام التى يستحب فيها التطوع بالصيام أول
стр. 6603
الشهر وأوسطه وآخره، وهو يتكلم عن فضل الصوم فى الأشهر الحرم: المحرم ورجب وذى الحجة وذى القعدة. وأهم من ذلك ما يقوله عن "صوم الدهر"، وكان السالكون -كما يقول- يزاولونه على أنحاء مختلفة (٨٣) (كما كان يفعل الزهاد فى أول الإسلام). والغزالى يرى فى الجملة أن صوم الدهر مكروه لأن الإفطار فى بعض أيام السنة ليس واجبا وحسب، بل هو أيضا اتباع للسنة بوجه عام (٨٤) ولا يصح إلا فى أحوال استثنائية (٨٥) اتباع ما فعله الصحابة والتابعون بحسب ما يُروى (من الأحاديث فى صوم الدهر: البخارى: كتاب الصوم، باب ٥٩؛ مسلم: كتاب الصيام، حديث ١٨ وما بعده؛ لكن انظر أحمد بن حنبل، جـ ٤، ص ٤١٤ وقارن أيضا أحمد بن حنبل، جـ ٢، ص ٢٦٣ و ٤٣٥. . . وجـ ٢، ص ١٦٤ و ١٩٠). على أن الأفضل هو صوم نصف الدهر، صوم يوم وإفطار يوم، والغزالى يعده "أشد على النفس وأقوى فى قهرها" ويروى عن النبى [ ﷺ ] أنه قال: "أفضل الصوم صوم أخى داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما": ويستحب جدًا أيضا صوم يوم وإفطار يومين. والعلماء والغزالى أيضا (فى الجملة) لا يرون أن من الصواب صوم التطوع بالصيام أكثر من أربعة أيام متوالية (٨٦) -يقول الغزالى إنه إذا فهم المعنى الحقيقى للصوم فلا حاجة إلى مراعاة قواعد فى صوم التطوع (٨٧).
стр. 6604
ويروى عن النبى [ ﷺ ] أيضا أنه "كان يصوم حتى يقال: لا يفطر، ويفطر حتى يقال: لا يصوم" وكان ذلك بحسب ما ينكشف له بنور النبوة من القيام بحقوق الأوقات (٨٨).
٣ - والصيام حرام فى العيدين وأيام التشريق، وحرام على الحائض. وحرام فى بعض الأحوال عند خوف الخطر، كما تقدم القول.
٤ - ويكره الصوم فى يوم الجمعة، لأنه يفسد الانتباه فى صلاة الجمعة (٨٩) (لكن صوم يوم الجمعة مستحب عند الغزالى) (٩٠)، ويكره صوم يوم السبت أو الأحد، وذلك على الأقل إن لم يكن هناك سبب خاص للصوم، لأن اليهود والنصارى يعظمون هذين اليومين (٩١). ولا يجوز للإنسان أن يصوم إن كان يخشى من الصوم وقوع ضرر ما. ويكره جدًا صوم يوم الشدُ بدون سبب خاص (٩٢) وكذلك الصوم فى النصف الثانى من شعبان. ويوم الشك هو اليوم التالى للتاسع والعشرين من شعبان عندما لا يكون هناك غيم، لكن لا يعلم إن كان قد رأى هلال رمضان شاهد عدل. أما إذا كان عند الإنسان سبب خاص يدعوه إلى الصوم جاز له أن يصوم يوم الشك وأن يصوم النصف الثانى من شعبان أى صوم كان: قضاء أو نذرا أو كفارة. . على أنه يستحب الصوم فى شعبان لأن النبى [ ﷺ ]، كما جاء فى الحديث، "كان يكثر صوم شعبان حتى كان يظن أنه فى رمضان (فى هذا أحاديث كثيرة؛ انظر أيضا Arabic New-Year: A.J.Wensinck).
ويختلف أصحاب المذاهب الثلاثة عن مذهب الشافعية فى التفصيلات، وتوجد الفوارق بينهم فى كتب اختلافات
стр. 6605
الفقهاء. وقد أخذنا ما يلى من كتاب الميزان لعبد الوهاب الشعرانى (جـ ٢، ص ٢٠ - ٣٠، القاهرة ١٢٧٩ هـ) المؤلف يتبع ذكر الاختلافات بشرح قصير لوجه كل منها، وهو أحيانا ينضم إلى أحد الآراء. وقد راعينا فيما يلى الترتيب الذى تقدم فى الكلام عن المسائل.
١ - يرى أبو حنيفة أنه لا يصح صوم الصبى، وإنما يصح صوم البالغ، وأن المرتد إذا عاد إلى الإسلام لا يلزمه قضاء ما فاته من الصوم حال ردته. والأئمة الأربعة مجمعون على صحة صوم من أصبح جنبا وبعض الفقهاء الآخرين يرون فى التفصيلات غير ذلك.
٢ - ويرى أبو حنيفة أنه لا يشترط فى النية التعيين، بل يجوز نية الصوم أو النفل مطلقًا (٩٣) وأنه فى صوم الفرض أيضا تجوز النية حتى الزوال (وغير أبى حنيفة لا يجيزون ذلك إلا فى صوم النذر). أما مالك فهو يرى أنه حتى فى صوم النفل لا يجوز تأخير النية عن الفجر، وقد تقدم ذكر رأيه فى جواز نية صوم رمضان كله. ويذهب أبو حنيفة وأكثر فقهاء الشافعية والمالكية إلى أن الصوم لا يبطل بنية الخروج منه، ويرى أحمد بن حنبل خلاف ذلك.
٣ - وأبو حنيفة لا يرى أن ابتلاع ما يبقى من الطعام بين الأسنان يبطل الصوم حتى مع تمييزه، ولا يمانع فى وضع الحقنة، كما هو أحد الآراء المروية عن مالك (٩٤).
٤ - القئ لا يضر عند أبى حنيفة وأحمد بن حنبل، وذلك إذا كان فى
стр. 6606
حدود قدر معين، وهما يختلفان فى تعيين هذا القدر (٩٥).
٥ - يرى مالك أن الاستمناء يضر إذا كان نتيجة للتصورات الشهوانية بدون جماع سابق عليه (٩٦).
٦ - رغم الحديث آنف الذكر يرى مالك: من أكل أو شرب أو جامع ناسيا فقد أفطر ويلزمه القضاء (٩٧) أما أحمد ابن حنبل فهو يقول إن الصائم يفطر فى الحالة الأخيرة أى بالجماع دون الأكل والشرب (٩٨) وهنا أيضا لابد من الكفارة. والإفطار كرها يعتبر إفطارًا عند النووى، أما عند أحمد بن حنبل فلا يعتبر إلا فى حال إكراه المرأة على الجماع (٩٩).
٧ - يرى مالك أن القبلة حرام فى كل الأحوال، ويرى أحمد بن حنبل أن الحاجم هو والمحجوم يفطران. وعند هذين الإمامين معًا أن الكحل مكروه وأن الصائم إن وجد طعم الكحل فى الحلق فقد أفطر. ورأى الشافعى فى كراهة السواك بعد الزوال لا يقول به بقية الأئمة، بل لا يشاركه فيه متأخرو الشافعية (لكن الغزالى يقول بالكراهة؛ والسواك لا يزال مكروها اليوم فى جزر الهند الهولندية) (١٠٠) وهناك
стр. 6607
إجماع (١٠١) على استحباب الغسل للجنب قبل طلوع الفجر (١٠٢).
٨ - وفيما يتعلق برؤية هلال رمضان يقول مالك بضرورة شهادة عدلين، ويقول أبو حنيفة إنه يثبت بعدل واحد فى الغيم، لكن إذا كانت السماء مصحية فلابد فى ثبوته من جمع كثير (١٠٣). وآخرون من الفقهاء لا يعرفون إلا وجوب الصوم على سبيل العموم لا وجوب صوم شخص يكون رأى الهلال لكن شهادته لم تقبل (١٠٤).
٩ - وكل من الشافعى وأبى حنيفة يرى أن المجنون إذا أفاق لا يجب عليه القضاء، ويرى مالك أنه يجب عليه، ويروى عن أحمد بن حنبل أنه قال بالرأيين (١٠٥).
١٠ - والأئمة الأربعة لا يوجبون الكفارة الكبرى إلا على من أفطر فى أداء رمضان، وبعض الفقهاء يوجبها على من يفطر فى قضاء رمضان (١٠٦) وأحمد بن حنبل يوجب كفارة على كل
стр. 6608
مخالفة للأحكام الخاصة بالموضوع، ولو كانت مخالفات كثيرة يرتكبها الصائم فى اليوم الواحد (١٠٧)، أما أبو حنيفة فهو أقل تشددًا، ذلك أنه لا يقول بتعدد الكفارة بحسب تعدد الأيام التى أفطرها الصائم إذا ترك المكفر الكفارة الأولى؛ ويرى أبو حنيفة ومالك إنه فى حالة الجماع تجب الكفارة على كل من الرجل والمرأة (١٠٨). وهما يوجبان الكفارة على كل من يفطر بالطعام أو الشراب، إن لم يكن مريضا أو على سفر، هذا مع وجوب القضاء (١٠٩). ويترك
стр. 6609
للمكفر الخيار فى طريقة التكفير وإن كان هو يفضل الإطعام (١١٠).
وأبو حنيفة لا يوجب الكفارة الصغرى (إعطاء المد) إن كان الصائم لم يقض ما فاته من صيام رمضان قبل بداية رمضان التالى له (١١١).
١١ - وأحمد بن حنبل يوجب الكفارة الصغرى أيضا على الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على الولد، وأبو حنيفة يوجب القضاء فقط، وغيره يوجبون الكفارة فقط دون قضاء (١١٢).
١٢ - المريض الذى لا يرجى برؤه أو الشيخ الكبير لا يجب عليه الصوم عند أبى حنيفة، وعند بعض الشافعية لا يجب عليه إلا الفدية. وعند مالك أنه لا صوم عليهما ولا فدية.
١٣ - وعند الأئمة الثلاثة أن من أصبح صائما ثم سافر لم يجز له الفطر؛ وعند الإمام أحمد أنه يجوز له الفطر. وعند الأئمة الثلاثة أنه يجوز له الفطر بالأكل والشرب والجماع، أما عند الإمام أحمد فلا يجوز له الفطر بالجماع وإن جامع فعليه الكفارة (١١٣).
ويذهب بعض الظاهرية إلى أنه لا يصح الصيام فى السفر -ويرى مالك والشافعى أنه يستحب الإمساك بقية النهار إذا زال العذر المبيح للفطر. ويرى أبو حنيفة وأحمد بن حنبل خلاف
стр. 6610
ذلك (١١٤)، وعندهما أن الفدية نصف صاع من بر أو تمر عن كل يوم فات الصائم.
١٤ - ويروى مالك أنه لا يستحب صوم اليوم السادس من شوال (١١٥) وهو وأبو حنيفة يذهبان إلى أنه يجب على الإنسان إتمام صوم اليوم فى صوع التطوع أيضًا (١١٦).
١٥ - وعند الإمام أحمد أنه يجب الصوم فى يوم الشك إذا كانت السماء مغيمة، فإن كانت مصحية كان الصوم مكروها (١١٧) ويرى أبو حنيفة ومالك أنه لا يكره إفراد يوم الجمعة بصوم، ويقول الشافعى وأحمد وأبو يوسف بكراهة ذلك.
١٦ - ولابد من أن ننبه أخيرًا إلى أن الصوم فى أيام الاعتكاف واجب عند الحنفية والمالكية (انظر مثلا: أبو داود: كتاب الصوم، باب ٨٠ نقلا عن Arabic New-Year: Wensinck).
* * *
وأحكام الصوم عند الشيعة (١١٨) تختلف فى التفصيلات الآتية عن أحكامه عند أهل السنة (نقلا عن دراسة A,Querry، لكتاب "شرائع الإسلام فى
стр. 6611
مسائل الحلال والحرام" لنجم الدين المحقق، وذلك بعنوان Recueil de Lois concern les Musulmnas Schyites، باريس ١٨٧١ - ١٨٧٢ جـ ١، ص ١٨٢ - ٢٠٩؛ جـ ٢ ص ٧٥ - ٧٧، ١٩٧ - ١٩٩, ٢٠٥ - ٢٠٥).
١ - تعتبر النية ركنا، بل لا يلزم تعيينها لصوم رمضان، وفيما عداه يلزم ذلك ولابد من النية قبل الزوال.
٢ - التدخين ليس من جملة المفطرات (١١٩) [وهو محل خلاف] لكن منها الإغماء وتعمد البقاء على الحدث الأكبر إلى ما بعد الفجر.
٣ - ويحرم، بل يعد من المفطرات الاستهانة بكلام اللَّه أو كلام النبى ﵊ أو كلام أئمة الشيعة (١٢٠) ولا يجوز، وإن لم يكن من المفطرات، أن يغطس الصائم بكل بدنه فى الماء. ولا يجوز تعمد الصمت فى أثناء الصوم.
٤ - ومن أفطر عمدًا فى رمضان وجب عقابه (وعقاب الجماع فى الصوم خمسة وعشرون سوطًا لكل من الرجل والمرأة) وبعد المرة الثالثة يستحق القتل (١٢١) -ولا تثبت رؤية الهلال لأول رمضان إلا بشهادة عدلين.
٥ - ومن الأحوال التى يجب فيها القضاء أن يستيقظ الإنسان بعد الفجر على الحدث الأكبر حتى ولو كان قد نوى الطهارة قبل ذلك. ونسيان التطهر من الحدث الأكبر لا يبطل صوم القضاء. وإذا بقى الإنسان مريضًا حتى مجئ رمضان التالى سقط عنه القضاء لكن تبقى الفدية (مد).
٦ - ومن الأحوال التى يجب فيها الكفارة: أن يأكل الإنسان فى أثناء يوم الصوم أو يشرب. . . أو يجامع أو يحدث
стр. 6612
الاستمناء بيده، أو يبقى بعد الفجر على الحدث الأكبر اختيار، أو ينام على الحدث الأكبر من غير أن ينوى التطهر قبل ذلك ثم لا يستيقظ إلا بعد الفجر، وذلك فى يوم من رمضان، أن يفطر الإنسان بعد الزوال إذا كان صائما لقضاء صوم من رمضان، أن يصوم بسبب نذر خاص أو بسبب الاعتكاف وإذا أكره الرجل زوجته أو جاريته على الجماع فى رمضان لزمه قضاء الضعف وكفارة الضعف، ولا شئ على المرأة من ذلك -ومن الأسباب الأخرى الموجبة للكفارة: القتل، وما يحرم من إظهار الحزن بسبب الموت، وحلق الرأس فى حالة الإحرام ومجامعة الصائم جارية تكون فى حالة الإحرام بعد أن يكون قد أذن لها بالحج.
والصوم فى الكفارة يأتى فى المحل الثانى من حيث الترتيب، كما عند أهل السنة، لكن القتل العمد -وعند بعض الفقهاء إفساد الصوم فى رمضان بتناول طعام محرم يستوجب كفارة مثلثة: العتق + الصوم + الإطعام. وإذا أفسد الصائم فى رمضان صومه بغير الجماع فله الخيار فى الكفارة، وكذلك إذا أفسد الاعتكاف أو حلق وهو محرم، أو جامع جارية وهى فى حالة الإحرام.
ويجب أن يكون الصوم فى الجملة من غير انقطاع، وفى حالة صوم الشهرين المتتابعين إذا قطع الصائم صومه بغير عذر فى الشهر الأول وجب عليه أن يعيد الصوم، أما إذا قطعه فى الشهر الثانى لم يلزمه إلا القضاء. ومن العذر المقبول إفطار الحامل والمرضع، لكن لا عذر إذا كان السفر غير ضرروى. فإذا كانت مدة الصوم شهرا واحدا فقط، كما فى صوم المملوك للكفارة، فعند ذلك لا تكون مدة الانقطاع إلا خمسة عشر يوما فحسب، والإفطار فى اليوم العاشر من ذى الحجة لا يضر فى صوم الكفارة لثلاثة أيام (انظر ما تقدم) إذا كان الإنسان قد صام يومين -لكن اختيار الأيام غير مقيد فى حالة الكفارة بسبب الحنث فى يمين وبسبب قتل الصيد فى أيام الإحرام وعند صيام سبعة أيام الكفارة (انظر ما تقدم)، وكذلك بالنسبة لقضاء ما فات من أيام الصوم. وإذا لم يستطع الإنسان أن يصوم شهرين متتابعين فيجب أن يصوم ٢٨ يومًا ويطلب
стр. 6613
المغفرة من اللَّه بقلب نادم- ونوع آخر من الكفارة (غير الصوم) يمكن أن يقوم به شخص آخر باختياره.
٧ - الرخص: يصح الصوم إذا أذن الطبيب للمريض بأن يصوم؛ ولا تعفى الحامل من الصوم إلا فى المرحلة الأخيرة، ولا تعفى المرضع إلا إذا قل لبنها. وصوم من يكون على سفر غير جائز فى الجملة. لكن إذا اضطرت المرء مهنته أن يكون على سفر معظم العام، فإنه لا يتمتع بالرخصة، ويجب على كل حال قضاء ما يفطره الإنسان فى السفر. وإذا مات وجب القضاء على وليّه.
٨ - يجوز الابتداء فى صيام التطوع قبل الزوال. وكتب الفقه عند الشيعة تحض على الصوم فى الأيام التالية: الخميس الأول والخميس الأخير من الشهر؛ والأربعاء الأول من العشرة الأيام الثانية من الشهر (بل إن من ترك صوم هذا اليوم وجبت عليه الكفارة مد أو درهم)، ويوم عيد الغدير (١٨ من ذى الحجة)، وهو اليوم الذى كان فيه النبى ﵇ عند الغدير، ويروى أنه أوصى هناك لعلى رضى اللَّه عنه بالخلافة بعده) (Querry، المرجع المشار إليه، ص ٣٧، هامش ٢)؛ ويوم ميلاد النبى ﵇ (١٧ ربيع الأول)؛ ويوم ظهوره بالرسالة (٢٧ ربيع الأول)؛ اليوم الذى ظهرت فيه من السماء الكعبة باعتبارها أول مكان خلق من الأرض (٢٥ من ذى القعدة)؛ ويوم المباهلة، لأنه فى هذا اليوم تباهل النبى ﵊ هو وأبو جهل أن يلعن اللَّه الكاذب (٢٤ من ذى الحجة، انظر Querry: الكتاب المذكور، ص ٣٧، بهامش ٣)، واليوم العاشر من المحرم، وهو اليوم الذى قتل فيه الحسين رضى اللَّه عنه، ويوم الجمعة فى شهرى رجب وشعبان. ويستحب أيضا؛ صوم يوم الشك -ويجب عند الشيعة الإمساك فى الأيام التى يزول فيها العذر: وإذا زال العذر وجب أكل شئ ثم الصوم.
٩ - ويكره الصوم فى اليوم التاسع من ذى الحجة فى عرفة إذا خشى الإنسان من شئ فى الصوم؛ وفى السفر فى سبيل اللَّه على ثلاثة أيام فى
стр. 6614
المدينة أثناء الحج؛ ويكره صيام الضيف من غير إذن مضيفه؛ وصيام الصبى من غير إذن أبيه. . وهكذا.
١٠ - ويحرم الصوم فى أيام التشريق على من يكون فى منى وعلى من يكون على سفر. والغزالى فى أول "كتاب أسرار الصوم"، من مؤلفه الإحياء، يتكلم عن قيمة الصوم وهو يذكر بعض الأحاديث المشهورة لبيان شأن الصوم العظيم عند اللَّه، ثم إن الصوم وسيلة قمع عدو اللَّه، لأن الشهوات التى هى وسيلة الشيطان لبلوغ غرضه تقوى بالأكل والشرب (١٢٢) الشهوات "مرتع الشياطين ومرعاهم، فما دامت مخصبة لم ينقطع ترددهم، وما داموا يترددون لم ينكشف للعبد جلال اللَّه سبحانه وكان محجوبا عن لقائه، وقال [ ﷺ ]: "لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بنى آدم لنظروا إلى ملكوت السموات"، فمن هذا الوجه صار الصوم باب العبادة.
وفى الفصل الأول من كتاب أسرار الصوم يذكر الغزالى الواجبات الظاهرة والسنن فى الصوم، على مذهب
стр. 6615
الشافعية، ويذكر فى الفصل الثالث الأيام التى يستحب فيها صيام التطوع، وذلك كما يفعل الفقيه. لكنه يقول فى الفصل الثانى إن أدق المراعاة لأحكام الصوم فى الظاهر ليست صوما بالمعنى الحقيقى. ويميز الغزالى فى الصوم بين ثلاث درجات: الدرجة الأولى (هى الصوم فى نظر الفقه) هى درجة الأنبياء والصديقين والمقربين الذين صومهم كفٌّ عن كل الهمم الدنية والأفكار الدنيوية، والدرجة الثانية هى درجة الصالحين، وهى تتلخص فى حفظ الحواس والجوارح من الآثام (١٢٣)، ويجب على الإنسان أن يترك ما ينافى الغاية من الصوم، فلا يصح أن يأكل عند الأفطار أكثر وأحسن مما يأكل فى العادة (هذا على
стр. 6616
خلاف حكم الفقه) (١٢٤) ولا أن ينام بالنهار لكيلا يحس بالجوع والعطش فهما سر الصوم وروحه، لأنهما يكسران سلطان الشهوات؛ وكسر الشهوات، لا الإمساك، هو الغرض من الصوم، وهو السبيل إلى القرب من اللَّه؛ والغزالى يخلص إلى عدم جدوى صوم من يعمل فى أثناء الإفطار على إتلاف ثمرة الصوم، وهؤلاء هم الذين يقول الرسول فيهم "كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش".
إن التصور الخلقى للصوم، وهو ما يبينه الغزالى فى هذا الفصل، يكمل بحسب رأيه، الأحكام الجافة الموجودة عند الفقهاء، لكنه بحسب إحساسنا كثيرًا ما يتعارض معها. ونحن نجد فى الحديث كثيرًا أحاديث عدة ذات صبغة خلقية، والغزالى لا يفوته أن يذكرها لتأييد رأيه.
стр. 6617
على أنه توجد فى كتب الحديث أحاديث كثيرة تتعلق بالصوم ويجدها القارئ مذكورة طوائف بحسب الموضوعات فى كتاب الأستاذ فنسنك (A Handboak of Early Muhammadan Tradition: Wensinck، تحت كلمة Fasting). ولا يمكن أن نذكر هنا، إلى جانب ما تقدم، سوى أحاديث قليلة تتعلق بقيمة الصوم فى العصر الأول للإسلام وكما هو الرأى الشائع اليوم يعتبر الصوم، خصوصا صوم رمضان، خير كفارة لذنوب السنة كلها -ولذلك يراعى الناس الصوم بوجه عام وإن كان ذلك ليس دائما بالدقة التى يريدها الفقهاء- وهكذا كان الحال عند المسلمين الأولين (انظر البخارى: كتاب الإيمان، باب ٢٨؛ كتاب الصوم، باب ٦؛ الترمذى: كتاب الصوم باب ١. وهكذا).
وبعض الأحاديث تتكلم عن قيمة الصوم فى بعض الأوقات بالنسبة لقيمته فى أوقات أخرى، مثلًا: "صوم يوم" من شهر حرام أفضل من ثلاثين من غيره؛ وصوم يوم من رمضان أفضل من ثلاثين من شهر حرام"؛ "من صام ثلاثة أيام من شهر حرام، الخميس والجمعة والسبت، كتب اللَّه له بكل يوم عبادة تسعمائة عام". ومثل هذه الأحاديث تروى فى صوم يوم عاشوراء وعشر ذى الحجة وخصوصًا صوم رمضان.
وهناك أحاديث تتكلم عن مقدار محبة اللَّه تعالى لشخص الصائم وما يتميز به، بل فى الحديث أن "خلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من رائحة المسك" (أحمد بن حنبل، جـ ٢، ص ٢٣٢. . . الخ).
وفى الحديث "أن اللَّه تعالى يباهى ملائكته بالشاب العابد فيقول: أيها الشاب التارك شهوته لأجلى المبذل شبابه لى، أنت عندى كبعض ملائكتى" وإنه تعالى يقول: "انظروا يا ملائكتى إلى عبدى، ترك شهوته ولذته وطعامه وشرابه من أجلى"، ويذكر الغزالى أنه قد قيل فى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ -قيل كان عملهم
стр. 6618
الصيام، لأنه قال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، فيفرغ للصائم جزاؤه إفراغًا ويجازف جزافًا فلا يدخل تحت وهم وتقدير (١٢٥). وقد جاء فى الحديث: "للجنة باب يقال له الريان لا يدخله إلا الصائمون، وهو موعود بلقاء اللَّه تعالى فى جزاء صومه" (البخارى: كتاب الصوم، باب ٤؛ مسلم كتاب الصيام، حديث رقم ١٦٦. . . الخ) وفى الحديث أن للصائم فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربه (البخارى: كتاب التوحيد باب ٣٥؛ أحمد ابن حنبل، جـ ١ ص ٤٤٦. . . إلخ).
ولا يصح للصائم أن يفرط فى هذه الفرحة لأن له الحق فيها. والصائم ليس بحاجة إلى الصوم بعد الغروب، لأن "نوم الصائم عبادة" (١٢٦).
المصادر:
قد زودنا جوينبل W.Juyntoll بموجز لأحكام الصوم فى الفقه عند الشافعية وذلك فى كتابه; Handbuch des islami schen Gesetzes، ليدن - ليبسك ١٩١٠، ص ١١٣ وما بعدها (بالهولندية، ليدن ١٩٠٣ و ١٩٢٥: ويجد القارئ فى طبعة عام ١٩٢٥ أحدث المراجع)؛ والمراجع الكبرى هى الكتب الخاصة بالتصوف فى كتب الحديث والفقه والاختلاف. وفيما يتعلق بالحديث انظر كتاب Handbook of Early Muhammadan Tradition alphabetically arranged: A. J. Wensinck، ليدن؛ وكتاب إحياء علوم الدين للغزالى، طبعة القاهرة بدون تاريخ، جـ ١، ص ٢٠٧ - ٢١٤.
أبو ريدة [بيرك C.C.Berg]
стр. 6619
الصومال (*)
" الصومال"، بلاد: قطر كبير فى شرقى إفريقية يسكنه الصوماليون.
أ- الهيكل الجغرافى: تشمل بلاد الصومال تخوم الهضبة الإثيوبية التى تنحدر شرقا حتى خليج عدن، وتنحدر غربا حتى المحيط الهندى. وتقوم فى حوض خليج عدن، أمام الحد الشرقى للهضبة وعلى بعد غير بعيد من الساحل، سلسلة من التلال الصخرية القاحلة (وأقصى ارتفاع تبلغه هذه السلسلة هو فيما يظهر ٦٠٠٠ قدم تقريبًا)، أبرز تلين فيها هما: "بورنسو هبلود" أى تلال ثديى الفتاة، و"هدفتيمو". وتسير هذه السلسلة فى خط يكاد يوازى ساحل خليج عدن، ثم تهبط إلى المحيط الهندى عند الرأسين الجبليين غرد فوى (رأس عسير) وحافون؛ وفيما وراءها ترتفع الهضبة الإثيوبية ارتفاعًا تدريجيًا، ويخطها بعد ذلك فى جزئها الجنوبى الواديان. الأعليان لنهر شبيلا ونهر جوب. ويقسم الأهالى بلاد الصومال بحسب سماتها الطبيعية إلى ثلاثة أقاليم: إقليم كوبان (ومعناه لغة: الأرض المحترقة) وهو إقليم الجسور والكثبان الرملية على الساحل، وجوه حار شديد الحرارة لا يصلح إلا للرعى أشهرا قليلة أثناء موسم الفيضان وبعده، ثم إقليم أوكو (ومعنى هذه الكلمة لغة: الأرض المرتفعة) وهو إقليم التلال الآنف الذكر، وجوه أكثر من الإقليم الأول اعتدالا، وإن كان لا يصلح للزراعة إلا قليلا، ثم إقليم توكو (ومعنى الكلمة السيول)، وهو إقليم الوادى الذى بين التلال والهضبة وتصب فيه مجارى الماء التى تخرج من جنبى الغور فيتكون منها ناحية الشمال "توك ضير"، أى السيل العميق، وناحية الجنوب: "توك نوكال، وهذه هى خير مناطق بلاد الصومال الشمالية وخاصة لصلاحيتها لتربية الماشية والجياد؛ بل إنا لنجد فى الأرض الموغلة أكثر من ذلك فى الداخل، غربى منطقة توك، أن الجزء الصومالى من الهضبة الحبشية يسكنه الأوكادين، وهم قبيلة يرجح أن اسمها من حيث الاشتقاق يدل على "أهل الهضبة". على أن الأرض على
стр. 6620
الجانب المطل على المحيط الهندى، تختلف اختلافا بينا عن الأقاليم الشمالية، ذلك أن الهضبة فى جزئها الجنوبى لا تنحدر سريعا صوب البحر، بل تنحدر انحدارها تدريجيا، وتبعد أقصى أنوفها الجبلية عن الساحل ما بين مائتى ميل وثلثمائة ميل. وهنالك لا تكون مياهها سيولا قصيرة المدى بل أنهارا كبيرة لا تفيض فى بعض المواسم فحسب، وإنما تفيض طوال السنة على اختلاف فى مناسيبها.
ويفرق الصوماليون هنا بين أربعة أقاليم يصادفها على الترتيب التالى المسافر من ساحل المحيط إلى داخل البلاد: الأول هو الجسور الرملية المتحركة (بالصومالية: بَعَد) على الساحل. ثم يلى ذلك التلال أو السهول القصيرة من الرمل الأبيض الذى لا يكاد يتماسك (الصومالية: عره عاد أى الأرض البيضاء) ثم يأتى الرمل الأحمر الصوانى وتغطيه الغابات ومعظمه من أشجار السنط (بالصومالية: عرة كدد) ثم نلقى من بعد شقة من الأرض الرسوبية التى تحاذى الأنهار (بالصومالية: عره مادو، أى الأرض السوداء) وهى إلى حد ما أرض غنية بالتربة الخصبة تصلح للزراعة بصفة خاصة.
ويوجد فى الإقليم الممتد بين نهر جوب والثنية السفلى الكبرى لنهر شبيلا، وفيما بعد الأرض السوداء الآنفة الذكر منطقة أخرى مترامية الأطراف من الأرض الحمراء يطلق عليها الأهالى اسم: "دوى" وهى أغنى مناطق الرعى فى بلاد الصومال الجنوبية. وتخط منطقة الأرض الحمراء، من الشمال الشرقى إلى الجنوب الغربى، سلسلة من التلال الجرانيتية تقوم حدودا لمشارف حوض شبيلا عند "بور ميلداق" حتى مشارف وادى جوب. وتمتد فيما وراء منطقة الأرض الحمراء، أوغل من ذلك فى الداخل. منطقتا الأرض السوداء وهما منطقة بور هكبَّة ومنطقة هضبة بَيْضُوهْ. ومن هناك ترتفع الأرض ارتفاعا تدريجيا حتى منطقة عيون بُكُّل بالقرب من حدود أوكادين
مجموعة الأنهار: يعتمد الفيضان العالى لنهرى بلاد الصومال الكبيرين ومنسوب ارتفاع مياههما اعتمادا وثيقا