خلاف حكم الفقه) (١٢٤) ولا أن ينام بالنهار لكيلا يحس بالجوع والعطش فهما سر الصوم وروحه، لأنهما يكسران سلطان الشهوات؛ وكسر الشهوات، لا الإمساك، هو الغرض من الصوم، وهو السبيل إلى القرب من اللَّه؛ والغزالى يخلص إلى عدم جدوى صوم من يعمل فى أثناء الإفطار على إتلاف ثمرة الصوم، وهؤلاء هم الذين يقول الرسول فيهم "كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش".
إن التصور الخلقى للصوم، وهو ما يبينه الغزالى فى هذا الفصل، يكمل بحسب رأيه، الأحكام الجافة الموجودة عند الفقهاء، لكنه بحسب إحساسنا كثيرًا ما يتعارض معها. ونحن نجد فى الحديث كثيرًا أحاديث عدة ذات صبغة خلقية، والغزالى لا يفوته أن يذكرها لتأييد رأيه.
стр. 6617
على أنه توجد فى كتب الحديث أحاديث كثيرة تتعلق بالصوم ويجدها القارئ مذكورة طوائف بحسب الموضوعات فى كتاب الأستاذ فنسنك (A Handboak of Early Muhammadan Tradition: Wensinck، تحت كلمة Fasting). ولا يمكن أن نذكر هنا، إلى جانب ما تقدم، سوى أحاديث قليلة تتعلق بقيمة الصوم فى العصر الأول للإسلام وكما هو الرأى الشائع اليوم يعتبر الصوم، خصوصا صوم رمضان، خير كفارة لذنوب السنة كلها -ولذلك يراعى الناس الصوم بوجه عام وإن كان ذلك ليس دائما بالدقة التى يريدها الفقهاء- وهكذا كان الحال عند المسلمين الأولين (انظر البخارى: كتاب الإيمان، باب ٢٨؛ كتاب الصوم، باب ٦؛ الترمذى: كتاب الصوم باب ١. وهكذا).
وبعض الأحاديث تتكلم عن قيمة الصوم فى بعض الأوقات بالنسبة لقيمته فى أوقات أخرى، مثلًا: "صوم يوم" من شهر حرام أفضل من ثلاثين من غيره؛ وصوم يوم من رمضان أفضل من ثلاثين من شهر حرام"؛ "من صام ثلاثة أيام من شهر حرام، الخميس والجمعة والسبت، كتب اللَّه له بكل يوم عبادة تسعمائة عام". ومثل هذه الأحاديث تروى فى صوم يوم عاشوراء وعشر ذى الحجة وخصوصًا صوم رمضان.
وهناك أحاديث تتكلم عن مقدار محبة اللَّه تعالى لشخص الصائم وما يتميز به، بل فى الحديث أن "خلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من رائحة المسك" (أحمد بن حنبل، جـ ٢، ص ٢٣٢. . . الخ).
وفى الحديث "أن اللَّه تعالى يباهى ملائكته بالشاب العابد فيقول: أيها الشاب التارك شهوته لأجلى المبذل شبابه لى، أنت عندى كبعض ملائكتى" وإنه تعالى يقول: "انظروا يا ملائكتى إلى عبدى، ترك شهوته ولذته وطعامه وشرابه من أجلى"، ويذكر الغزالى أنه قد قيل فى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ -قيل كان عملهم
стр. 6618
الصيام، لأنه قال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، فيفرغ للصائم جزاؤه إفراغًا ويجازف جزافًا فلا يدخل تحت وهم وتقدير (١٢٥). وقد جاء فى الحديث: "للجنة باب يقال له الريان لا يدخله إلا الصائمون، وهو موعود بلقاء اللَّه تعالى فى جزاء صومه" (البخارى: كتاب الصوم، باب ٤؛ مسلم كتاب الصيام، حديث رقم ١٦٦. . . الخ) وفى الحديث أن للصائم فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربه (البخارى: كتاب التوحيد باب ٣٥؛ أحمد ابن حنبل، جـ ١ ص ٤٤٦. . . إلخ).
ولا يصح للصائم أن يفرط فى هذه الفرحة لأن له الحق فيها. والصائم ليس بحاجة إلى الصوم بعد الغروب، لأن "نوم الصائم عبادة" (١٢٦).
المصادر:
قد زودنا جوينبل W.Juyntoll بموجز لأحكام الصوم فى الفقه عند الشافعية وذلك فى كتابه; Handbuch des islami schen Gesetzes، ليدن - ليبسك ١٩١٠، ص ١١٣ وما بعدها (بالهولندية، ليدن ١٩٠٣ و ١٩٢٥: ويجد القارئ فى طبعة عام ١٩٢٥ أحدث المراجع)؛ والمراجع الكبرى هى الكتب الخاصة بالتصوف فى كتب الحديث والفقه والاختلاف. وفيما يتعلق بالحديث انظر كتاب Handbook of Early Muhammadan Tradition alphabetically arranged: A. J. Wensinck، ليدن؛ وكتاب إحياء علوم الدين للغزالى، طبعة القاهرة بدون تاريخ، جـ ١، ص ٢٠٧ - ٢١٤.
أبو ريدة [بيرك C.C.Berg]
стр. 6619
الصومال (*)
" الصومال"، بلاد: قطر كبير فى شرقى إفريقية يسكنه الصوماليون.
أ- الهيكل الجغرافى: تشمل بلاد الصومال تخوم الهضبة الإثيوبية التى تنحدر شرقا حتى خليج عدن، وتنحدر غربا حتى المحيط الهندى. وتقوم فى حوض خليج عدن، أمام الحد الشرقى للهضبة وعلى بعد غير بعيد من الساحل، سلسلة من التلال الصخرية القاحلة (وأقصى ارتفاع تبلغه هذه السلسلة هو فيما يظهر ٦٠٠٠ قدم تقريبًا)، أبرز تلين فيها هما: "بورنسو هبلود" أى تلال ثديى الفتاة، و"هدفتيمو". وتسير هذه السلسلة فى خط يكاد يوازى ساحل خليج عدن، ثم تهبط إلى المحيط الهندى عند الرأسين الجبليين غرد فوى (رأس عسير) وحافون؛ وفيما وراءها ترتفع الهضبة الإثيوبية ارتفاعًا تدريجيًا، ويخطها بعد ذلك فى جزئها الجنوبى الواديان. الأعليان لنهر شبيلا ونهر جوب. ويقسم الأهالى بلاد الصومال بحسب سماتها الطبيعية إلى ثلاثة أقاليم: إقليم كوبان (ومعناه لغة: الأرض المحترقة) وهو إقليم الجسور والكثبان الرملية على الساحل، وجوه حار شديد الحرارة لا يصلح إلا للرعى أشهرا قليلة أثناء موسم الفيضان وبعده، ثم إقليم أوكو (ومعنى هذه الكلمة لغة: الأرض المرتفعة) وهو إقليم التلال الآنف الذكر، وجوه أكثر من الإقليم الأول اعتدالا، وإن كان لا يصلح للزراعة إلا قليلا، ثم إقليم توكو (ومعنى الكلمة السيول)، وهو إقليم الوادى الذى بين التلال والهضبة وتصب فيه مجارى الماء التى تخرج من جنبى الغور فيتكون منها ناحية الشمال "توك ضير"، أى السيل العميق، وناحية الجنوب: "توك نوكال، وهذه هى خير مناطق بلاد الصومال الشمالية وخاصة لصلاحيتها لتربية الماشية والجياد؛ بل إنا لنجد فى الأرض الموغلة أكثر من ذلك فى الداخل، غربى منطقة توك، أن الجزء الصومالى من الهضبة الحبشية يسكنه الأوكادين، وهم قبيلة يرجح أن اسمها من حيث الاشتقاق يدل على "أهل الهضبة". على أن الأرض على
стр. 6620
الجانب المطل على المحيط الهندى، تختلف اختلافا بينا عن الأقاليم الشمالية، ذلك أن الهضبة فى جزئها الجنوبى لا تنحدر سريعا صوب البحر، بل تنحدر انحدارها تدريجيا، وتبعد أقصى أنوفها الجبلية عن الساحل ما بين مائتى ميل وثلثمائة ميل. وهنالك لا تكون مياهها سيولا قصيرة المدى بل أنهارا كبيرة لا تفيض فى بعض المواسم فحسب، وإنما تفيض طوال السنة على اختلاف فى مناسيبها.
ويفرق الصوماليون هنا بين أربعة أقاليم يصادفها على الترتيب التالى المسافر من ساحل المحيط إلى داخل البلاد: الأول هو الجسور الرملية المتحركة (بالصومالية: بَعَد) على الساحل. ثم يلى ذلك التلال أو السهول القصيرة من الرمل الأبيض الذى لا يكاد يتماسك (الصومالية: عره عاد أى الأرض البيضاء) ثم يأتى الرمل الأحمر الصوانى وتغطيه الغابات ومعظمه من أشجار السنط (بالصومالية: عرة كدد) ثم نلقى من بعد شقة من الأرض الرسوبية التى تحاذى الأنهار (بالصومالية: عره مادو، أى الأرض السوداء) وهى إلى حد ما أرض غنية بالتربة الخصبة تصلح للزراعة بصفة خاصة.
ويوجد فى الإقليم الممتد بين نهر جوب والثنية السفلى الكبرى لنهر شبيلا، وفيما بعد الأرض السوداء الآنفة الذكر منطقة أخرى مترامية الأطراف من الأرض الحمراء يطلق عليها الأهالى اسم: "دوى" وهى أغنى مناطق الرعى فى بلاد الصومال الجنوبية. وتخط منطقة الأرض الحمراء، من الشمال الشرقى إلى الجنوب الغربى، سلسلة من التلال الجرانيتية تقوم حدودا لمشارف حوض شبيلا عند "بور ميلداق" حتى مشارف وادى جوب. وتمتد فيما وراء منطقة الأرض الحمراء، أوغل من ذلك فى الداخل. منطقتا الأرض السوداء وهما منطقة بور هكبَّة ومنطقة هضبة بَيْضُوهْ. ومن هناك ترتفع الأرض ارتفاعا تدريجيا حتى منطقة عيون بُكُّل بالقرب من حدود أوكادين
مجموعة الأنهار: يعتمد الفيضان العالى لنهرى بلاد الصومال الكبيرين ومنسوب ارتفاع مياههما اعتمادا وثيقا
стр. 6621
على الأمطار التى تسقط على الهضبة الإثيوبية ولا تؤثر الأمطار المحلية للصومال فى ذلك إلا أثرا ضئيلًا؛ والفيضانات العالية تحدث مرتين فى السنة تبعا لاختلاف. مواسم الأمطار بين الشدة والضعف فى جنوبى الحبشة. وتلك ظروف مواتية للزراعة، لأن الأمطار الحبشية الغزيرة تسقط خلال الشهور من ١٥ يونيه إلى ١٥ سبتمبر، على حين أن هذه الفترة هى أشد الفترات جفافا فى بلاد الصومال. ومن ثم كان الفيضان العالى، بل طغيان مائه أحيانا، يعد فى نظر بعض القبائل على الأقل تعويضا لهم عما ينزل بهم من أضرار فى فصل الصيف بالصومال.
ويطلق الصوماليون على النهر الذى عرف فى الخرائط الأوربية بجوبا وعرفه العرب بجوب، اسم "ويببى كنانه"، وهو فى الحق اسم مركب، ذلك أن "كنان" أو "كنال" معناها بالضبط النهر فى لهجات كالّه بورانا وفى بعض لهجات سداما (والاسم فى النحو جمع بحسب القاعدة الجارية فى اللغات الكوشية، وهى أن جميع أسماء المواد السائلة لا تستعمل إلا بصيغة الجمع).
أما النهر الصومالى الآخر الذى يعرفه الأوربيون فى خرائطهم باسم شبلى Shebeli فقد عرفه الأهالى الذين يعيشون فى جواره باسم: "ويبكه" أى النهر. ولعل السبب فى إطلاق اسم شبلى على هذا النهر يرجع إلى أن أهالى أوكادين هم الذين سموه للرحالة الأولين القادمين من خليج عدن باسم "ويبى شبيلا" أى نهر إقليم شبيلا، بمعنى أنه النهر الذى يخط شبيلا. وهو أغنى وأشهر إقليم يخطه المجرى الأعلى لهذا النهر. ومن ثم يجب تصحيح الترجمة الشائعة للاسم من "نهر الفهود" أى نهر موطن الفهود" (معنى شبيلا لغة: "حيث توجد الفهود").
وأشهر زروع بلاد الصومال أجمة أشجار السنط ذات الشوك، وهى أقل كثافة فى الأراضى البيضاء منها فى الأراضى الحمراء. وتقوم الأشجار الباسقة، وخاصة الجميز، على ضفاف الأنهار، وتكون فى بعض الأحيان آجاما فى شقة من الأرض تبلغ ميلا تقريبًا
стр. 6622
على الضفتين جميعا. وتزرع ذرة سُرْغُمِ (بالصومالية؛ مسنكو) والأذرة الهندية (كالاى) فى الأراضى السوداء. وتزرع الأذرة والدخن (وامبه) فى الأراضى الحمراء والبيضاء، كما يزرع أيضا السمسم، وفى بعض مناطق قليلة: البطاطس الأميركى الحلو (بالصومالية: بتاتو) والميوق (بالصومالية: ماهوك). أما القطن وقصب السكر فيزرعان فى المستعمرات الأوربية (وأهم هذه المستعمرات: المستعمرات الصومالية الزراعية الإيطالية التى أقامها صاحب السمو الملكى دوق أبروتزى لويجى من بيت سافوى؛ ومستعمرات جناله التى أقامها الكونت دى فيتشى)، وقد كان التركيب الطبيعى العام لبلاد الصومال الذى وصفناه آنفا عونا عظيما فى الأيام السالفة للأهلين على الغزاة الأجانب، لأن القادم الذى يريد أن يبلغ المنطقة الوحيدة التى لها قيمة اقتصادية ونعنى بها الأراضى السوداء كان لابد له من أن يقطع الصحراء الرملية على الساحل ثم يخترق أجمة الأراضى الحمراء حيث كانت لكل السمات الطبيعية لهذه الأراضى خير معين على نصب الكمائن وتدبير المكائد المأثورة عن البدو فى غاراتهم.
ب- الأقسام السياسية: تنقسم بلاد الصومال فى الوقت الحالى (١) إلى الأقسام الآتية:
١ - بلاد الصومال الفرنسية وتعرف رسميا ساحل الصوماليين الفرنسى Cote Francaise des Somalis (مساحته ٥٧٩٠ كيلو مترا مربعا، وعدد سكانه ٦٥٠٠٠ نسمة)، ويديرها حاكم مدنى. وقد حددت تخومها مع: إريتريا الإيطالية بمقتضى البروتوكولين الفرنسيين الإيطاليين المعقودين فى ٢٤ يناير سنة ١٩٠٠ وفى ١٠ يوليه سنة ١٩٠١؛ ومع بلاد الصومال الانجليزية بمقتضى الاتفاق الانجليزى الفرنسى المعقود فى ٢، ٩ فبراير سنة ١٨٨٨ ومع الحبشة بمقتضى الوفاق الفرنسى الحبشى المعقود فى ٢٠ مارس سنة ١٨٩٧ وعلى الرغم مما يدل عليه الاسم "بلاد الصومال" فإن الجزء الجنوبى فحسب
стр. 6623
من هذه المستعمرة يسكنه الصوماليون أما الأقاليم الشمالية فيسكنها الدناكل، وقصبة البلاد جبوتى (وعدد سكانها ٨٥٠٠ نسمة)، وهى ثغر عامر بالحركة التجارية، ويرجع ذلك بصفة خاصة إلى خط السكة الحديدية الممتد من جبوتى إلى أديس أبابا
٢ - محمية بلاد الصومال الإنجليزية (مساحته ٦٨.٠٠٠ ميل مربع وعدد سكانها ٣٠٠.٠٠٠ نسمة). ويديرها حاكم مدنى. وقد حددت تخومها مع بلاد الصومال الفرنسية بمقتضى الاتفاق المشار إليه آنفا، ومع الحبشة بمقتضى البروتوكولين المعقودين بين بريطانيا والحبشة فى ١٤ مايو سنة ١٨٩٧، وفى ٤ يونية من السنة نفسها؛ ومع بلاد الصومال الإيطالية بمقتضى الإنجليزى الإيطالى المعقود فى ٥ مايو سنة ١٨٩٤, وقصبة هذه المحمية هى بربرة (عدد سكانها ٣٠٠٠٠ نسمة).
٣ - بلاد الصومال الإيطالية (ومساحتها ١٤٠٠٠ ميل مربع، وعدد سكانها ٦٥٠٠٠ نسمة) وهذه المستعمرة يديرها حاكم مدنى، وتنقسم إلى الأقسام الآتية: بلاد الصومال الإيطالية الشمالية، أى محميتا السلطنتين مجيرتين وهوبية؛ وبلاد الصومال الإيطالية الجنوبية التى كانت تعرف باسم بنادر. وقد حددت تخومها مع بلاد الصومال الإنجليزية بمقتضى الاتفاق المشار إليه آنفا ومع بلاد الصومال الحبشية بمقتضى المعاهدة الإيطالية الإثيوبية المعقودة فى ١٦ مايو سنة ١٩٠٨؛ ومع بلاد ما وراء نهر جوب الإيطالية بنهر جوب. قصبة البلاد هى مقدشو (عدد سكانها ٢١٠٠ نسمة).
(٤) بلاد ما وراء نهر جوب الإيطالية (ومساحتها ٢٥.٠٠٠ ميل مربع وعدد سكانها ٩٠.٠٠٠ نسمة)، وهى الأرض التى منحتها بريطانيا لإيطاليا بمقتضى المعاهدة المعقودة فى ١٥ يولية سنة ١٩٢٤، وقصبتها كسمايو (عدد سكانها ١٢.٠٠٠ نسمة)؛ على أن هذه الأرض قد ألحقت كلها الآن بمستعمرة بلاد الصومال الإيطالية وظل يديرها الحاكم نفسه منذ ٣٠ يونية سنة ١٩٢٦.
стр. 6624
(٥) بلاد الصومال الحبشية، أى أوغادين: وهى مقسمة إلى إقطاعين: الأول ويشمل الوادى الأعلى لنهر شبيلا وهو يعتمد على إقطاعية هرر (وهى إقطاعية الراس تفرى ولى عهد مملكة الحبشة)؛ والثانى ويشمل حوض نهر جوب، وهو يعتمد على أرض كونسو (وهى إقطاعية فتاورارى هبتا كيوركيس).
(٦) مستعمرة كينيا: ويسكن نواحى أرض تانا والحد الشمالى وذلك الجزء من بلاد جوبة السابقة التى لم تمنح لإيطاليا -شعب صومالى بدوى من الرعاة.
ج- السلالات الصومالية: يمكن تقسيم الصوماليين إلى ثلاثة شعوب: شعب الصوماليين الشماليين الذين يعرفهم غيرهم باسم الإيجى وشعب الهوية؛ وشعب الساب. وشعب الصوماليين الشماليين وهو أكبر الشعوب الثلاثة، ينقسم إلى ما يأتى:
الإيساق، والدير الذين تقول بعض الروايات إنهم بلا شك أول مجموعة من الصوماليين الشماليين هاجرت إلى الإقليم الذى يعرف فى الوقت الحاضر بالفعل باسم بلاد الصومال مفرقون الآن فى أنحاء بلاد الصومال كلها والراجح أنهم قد أجلوا عن بلادهم على يد غزاة قدموا بعد ذلك. والدير هم أصل القبائل الآتية: العيسى فى بلاد الصومال الفرنسية؛ والبيمال فى بلاد الصومال الإيطالية؛ والفقى محمد فى الوادى الأوسط لنهر شبيلا بالقرب من الحدود الفاصلة بين بلاد الصومال الإيطالية وأوغادين وتوجد أوغادين وبلاد الصومال الإيطالية الشمالية، وإلى جانب هذه القبائل جماعات من أسر ديرية تعيش مع غيرها من قبائل أكثر منها عددًا فى أوغادين، وفى بلاد الصومال الإيطالية الشمالية وفى ما وراء نهر جوبه.
ويسكن الإيساق الجزء الغربى من بلاد الصومال البريطانية ومراكز الأسواق الساحلية فى زيلع (بالصومالية أودل؛ وبلغة الكالا: أفدلى) وبربرة وبلحار. وقبائل الإيساق الكبرى
стр. 6625
هى: هبر أول وهبر يونس وهبر جعلو وهبر كرحجيس. وتسكن جماعات الإيساق أيضًا فى ما وراء جوبة وخاصة الكتبة الذين اعتزلوا خدمة إدارة المستعمرة البريطانية هم وأسرهم. وثمت جماعة أخرى أكبر من هذه الجماعات تعيش فى عدن حيث يشتغل معظمهم عمالا أو بحارة فى الميناء.
والدارود الذين هم أعداء الإيساق بالوراثة، أكبر الجماعات الصومالية عددًا. وهم يسكنون الجزء الشرقى من بلاد الصومال البريطانية وبلاد الصومال الإيطالية الشمالية، وما وراء جوبه، والنواحى الصومالية من الهضبة الإثيوبية. وجماعات الدارود الكبرى هى: (١) الكبلّح، وينقسمون قسمين الكومبه والكومَدَه. ويشمل الكومبه قبيلة كرى كومبه التى تنزل فى جوار هرر، والحلف القديم لقبائل هرتى، أى: المجيرتين الذين يقطنون فى بلاد الصومال الإيطالية الشمالية كلها؛ والورسنكلى؛ والضلبهنته الذين يسكنون الجزء الشرقى من بلاد الصومال البريطانية؛ والدِيششة الذين يعيشون مع المجيرتين. ويشمل الكومده، علاوة على الجماعات الصغيرة المعروفه باسم الكَلميس والويتين والبلعد والجدواق، قبيلة أوغادين الكبرى، ثم هم يسكنون الجزء الأكبر من بلاد الصومال الحبشية والأقاليم الوسطى من ما وراء جوبه. (٢) وثمت جماعة أخرى من الدارود هم السده، وأكبر قبائلهم المريهان الذين يسكنون جزءًا من بلاد الصومال الإيطالية الشمالية والأقاليم الشمالية ممن ما وراء جوبه. وقد احتلت قبائل دارودية (المجيرتين) جزيرتى بكاوأبَّا كُبَّا فى بلاد الدناكلة الإيطالية (إريتريا).
ويسكن الهوية وادى نهر شبيلا بأسره فى بلاد الصومال الإيطالية وبلاد الصومال الحبشية؛ وتقول رواية الأهالى أن الأجوران سبقوا الهوية فى سكنى هذه الأرض التى يسكنونها الآن، والأجوران قبيلة ترتبط بهم فى الأصل برابطة النسب، والراجح أنها كانت أول جماعة هاجرت صوب النهر، وأفردها فى الوقت الحاضر يعيشون متفرقين
стр. 6626
وينقسمون أربع جماعات رئيسية: الأولى تسكن هى ومعاتيقها على الحدود بين بلاد الصومال الإيطالية وبلاد الصومال الحبشية؛ والثانية تسكن الوادى المنخفض لنهر شبيلا جنوبى أفغوى؛ والثالثة تسكن بالقرب من نهر جوب فى أرض بارضيره؛ والرابعة تسكن فى مستعمرة كينيا فى إقليم الحدود الشمالى. ويسمى الإقليم الذى تسكنه الجماعة الأولى: "شبيلا" ولما كان الأجوران فى هذا الإقليم عددهم قليل بعض الشئ فإن أغلب أفراد القبيلة هم أصلا من العبيد أو الأحرار، ويطلق الأوغادين على هذه الجماعة فى كثير من الأحيان اسم أدون، أى العبيد؛ وقد كان بعض علماء السلالات يعدونهم خطأ قبيلة من قبائل البانتو أو شعبًا يتكلم بلغة البانتو. أما جماعات الهوية الرئيسية الأخرى فهى: الككّنضبة وهى تشمل قبائل جدله، وججيله، وبادى، وعَدّه، وكالجعيل التى تسكن جنوبى إقليم شبيلا حتى مهدَّاى فى بلاد الصومال الإيطالية الجنوبية؛ والكرجاته التى تشمل قبائل: هبر كدر، وأبكال (وهى جماعة غفيرة العدد من القبائل مثل الوعيسله، الداؤود، والعيلى، والمنتان، واليوسف، والأكون يار، والورنسكلى أبكال) والموبلين والوعدان، والهلبى؛ وهم يقطنون المنطقة الممتدة من الحدود الجنوبية للككنضبه حتى المحيط، وكذلك أرض الساب.
وينقسم الساب الذين يسكنون المنطقة بين أرض الهوية ونهر جوب إلى جماعتين: جماعة رهنوين، وجماعة أخرى اتخذت اسم دكل والراجح أن دكل كان جدهما المشترك، وتشمل الرهنوين جماعتين من القبائل: السييد (أى الثمانية) والسكال (أى التسعة). وقبائلها الرئيسية هى: الإلاى، واللسان، والهريين، والهدامو، اللباى، والكلدى، والكيلدله. وعلى حين أن القاعدة فى تكوين القبائل الصومالية الأخرى هى الاشتراك فى الأصل بأن يكون لها جد أكبر واحد تنسب له القبيلة بصفة عامة فإن تكوين الرهنوين، إذا استثنينا جماعة صغيرة جد، من أحفادهم، يقوم على أسر أو فروع من أصل مختلف يجمعهما حلف ينضوى تحت اسم
стр. 6627
مشترك وعلاوة على هذه الجماعات الكبرى وبعض قبائل من أصل غير محقق مثل قبيلة كره التى تعيش قائمة بنفسها فى بلاد الصومال الجنوبية، وفى مستعمره كينيا (إقليم الحدود الشمالى) وفى بلاد الصومال الحبشية (ومما هو جدير بالذكر أن الجماعتين الأخيرتين كانتا تتكلمان إلى عهد قريب جدا باللسانين الصومالى والكمالى)، يجب أن نذكر: المعتقين، والجماعات المنبوذة وسكان المدن التى على الساحل. أما العبيد وأغلبهم أصلا من البانتو وإن كانوا قد اصطبغوا الآن تمامًا بالصبغة الصومالية (سواء أكانوا من المعتقين أم من أولئك الذين فروا من أسيادهم فقد أقاموا فى بعض الأقاليم قبائل مثل: الشدله فى وادى شبيلا الأوسط؛ والمعتقين من الإلاى الذين يعيشون فى هضبة بيضوه مستقلين عن أسيادهم السابقين النازلين فى الأراضى السوداء من بور هكبَّه؛ ومن يعرفون باسم الوكوشه فى الوادى المنخفض لنهر جوب. وأما الجماعات المنبوذة، ونعنى بها الجماعات التى لا يعد نسبها خالصا بالنظر إلى الحرف التى يمارسها أفرادها، فتعيش مع القبائل من الطبقات العليا خاضعة لها. والطبقات الدنيا فى بلاد الصومال الشمالية تعرف عامة باسم الساب، وهى بذلك على العكس مما عليه الحال فى بلاد الصومال الجنوبية كما سبق أن أسلفنا، ذلك أن هذا الاسم فى هذه البلاد هو اسم جماعة من القبائل؛ وأهل تلك الطبقات الدنيا يشملون اليبر، وهم من السحرة؛ والمدكن، وهم من الصيادين؛ والتمال وهم من الحدادين. وتعرف الطبقات الدنيا بين الهوية باسم عام هو "بون" وهو فى الحق اسم شعب من البانتو فى مستعمرة كينيا؛ وهم يشملون: الأيله وهم من الصيادين؛ المدَّراله والككاب وهم من الدباغين؛ والضرضو، وهم من النساجين، واليحر، وهم من السحرة، والتمال والقلمشبه، وهم من الحدادين. والطبقات الدنيا فى نظر الساب هم: الربى، وهم من الصيادين، والورباى، وهم من الحدادين.
وتسكن مدن الساحل جماعات من القبائل الصومالية التى من داخل البلاد وأسر اصطبغت الآن بالصبغة
стр. 6628
الصومالية وإن كانت من أصول مختلفة أشد الاختلاف ومعظمها من العرب المهاجرين إلى الصومال أو من البانتو. وتزعم بعض الأسر أنها من أصل فارسى، وثمت روايات تقول بأن الأسر القليلة الأخيرة أصلها من مدغشقر.
د- اللغة: الصومالية لغة تنسب إلى اللغات الكوشية، من المجموعة التى يسميها راينييش Reinisch المجموعة الكوشية السفلى، من ثم فهى من أرومة لغات ساهو عفر، وبضوية وكالا. واللغة الصومالية التى كانت فى مراحل تاريخها أقل تأثرا باللغات غير الكوشية من تاثر لغة كالا بهذه اللغات، ولم يدخل فى تركيب أصواتها تلك الأصوات الساكنة المأثورة التى تعقب انحباس الصوت فى الحلق ثم انفجاره، وهى الأصوات الساكنة المركبة الحقة الشائعة فى لغة كالا وبعض لهجات سداما والتى دخلت فى اللغات السامية الحديثة فى الحبشة وإن كان دخولها قد تم بدرجة مختلفة. ومن ثم فإن حرف ك فى اللغة الصومالية هو صوت لهوى انفجارى ينطق به كما فى اللغة العربية. والضاد صوت ينطق به من أصول الثنايا وهو قابل من حيث اللهجة لإبداله راء صريحة أو راء مفخمة. ومن الملاحظ أيضا أن فى اللغة الصومالية جنوحًا كبيرًا جدًا إلى التشجير لا نتيجة لحركتى الكسرة الصريحة والكسرة الممالة فقط بل نتيجة للصوت المتوسط ل أيضًا كما هى الحال فى أداة التأنيث "نا" وكاسعة صيغة المطاوع ت التى تشجر فتتبدل "شا" و"ش" إذا سبقتها الأسماء أو الأفعال المنتهية بحرف اللام (تتبدل لشا إلى شا، ولش إلى ش بالإدغام). وعلى حين احتفظت بعض اللهجات الصومالية بالصوتين الحلقيين وهما الحاء والعين، فإن لهجة الساب قد أبدلت الحاء هاء والعين همزة. أما من حيث علم الصرف فإن الصومالية فيها الضربان من تصريف الأفعال المستعملان فى اللغات الكوشية، ونعنى بذلك التصريف بالبادئات والكاسعات
стр. 6629
أو بالكاسعات فقط، على حين أن لغة الكالا قد احتفظت على العكس من ذلك بالتصريف بالكاسعات فقط. على أنه يبين لنا من مقارنة اللغة الصومالية بلغة عفر ساهو أن التصريف بالبادئات والكاسعات فى اللغة الأخيرة أشيع منه فى اللغة الأولى (ولعل السبب فى ذلك تأثرها الشديد باللغات السامية المجاورة). أما اللغة الصومالية فقد احتفظت احتفاظا مأثورًا بذلك التصريف بالبادئات والكاسعات فى خمسة أفعال فحسب، وهى الأفعال التى تعبر عن أكثر الأفكار شيوعًا ونعنى بها: يكون؛ يوجد؛ يعلم؛ يأتى؛ يقول. ومما هو جدير بالملاحظة أننا نجد فى لهجتى الهوية والساب أن فعلين من هذه الأفعال قد استعملا بهذين الضربين من التصريف. والصرف فى اللغة الصومالية يميز هذه اللغة بخصائص متفردة ويجعلها إلى حد ما عسيرة على الأجانب عنها، ذلك أن الأسماء التى لا تعرب وحروف الجر بخاصة لا تأتى قبل الأسماء أو بعدها وإنما توضع جميعا قبل الفعل فى نهاية العبارة. مثال ذلك عبارة: "الجمل والجواد قد ربطا بهذا الحبل" تؤدى بالصومالية هكذا "هاركان راتكا إيو فرسكه آلو كوكا لاحراى" وترجمتها الحرفية: هذا الحبل الجمل والجواد هما كانا مع من بربطا" (وصيغة بـ التى تستعمل فى حالة الجمع تعبر عن فكرة أن الحيوانين لم يربطا معًا، وإنما ربط كل منهما بقطعة من الحبل الذى نحن بصدده). وفى حالة المضاف إليه التى تترجم فى لغة ساهو عفر بوضع الكلمة الدالة على الشئ المملوك، قبل الكلمة الدالة على المالك، وتترجم بعكس الوضع فى لغة كالا فتوضع الكلمة الدالة على المالك قبل الكلمة الدالة على المملوك تترجم فى الصومالية بما تترجم به فى لغة الكالا أو تترجم بما هو أشيع من ذلك أى بأن يأتى أولا اسم الشئ ثم يتلوه اسم مالكه مقترنا بالضمير الدال على الملكية. فمثلا عبارة "بيت عمر" تترجم حرفيا: "البيت عمر" أو "عمر بيته".
واللهجات الصومالية تصنف بحسب تقسيم الصوماليين السلالى فروعا هى: لهجات: الإيساق، والدارود، والهوية،
стр. 6630
والساب. وقد احتفظت لهجات الإيساق بالصوت الأصلى وهو الضاد الخارج من أصول الثنايا. وهم يصيغون الأفعال الجامدة بأن يلحقوا بها الكاسعة "اى" ويميزون فى الضمائر ضميرين من ضمائر المتكلم فى حالة الجمع: نحن الشاملة أى التى تشمل المتكلم والمستمع؛ ونحن المقصورة، أى التى تدل على المتكلم ومعه غيره. وتبدل لهجات الدارود الضاد الخارجة من أصول الثنايا راء مفخمة (لهجة أوغادين) أو راءً صريحة (لهجة مجيرتين) إذا وقعت بين حركتين. وهم أيضا يصيغون أفعال الاستمرار بأن يلحقوا بها الكاسعة، "هاى" كما احتفظوا أيضا بالضمير نحن فى حالتيه اللتين أسلفنا الإشارة إليهما. وتبدل لهجات الهوية الضاد إذا وقعت بين حركتين راء، ويصيغون أفعال الاستمرار بصيغة المصدر متبوعة بالفعل هاى، وليس عندهم الضمير نحن بحالتيه. وقد بدلت لهجات الساب، كما بينا آنفا، الحاء هاء وعينا. وهم قد احتفظوا بحالة الموصول المنتهية بـ "اى" والتى أبدلت فى حالة الجزم بـ "أو"، فى غير ذلك من اللهجات الصومالية. أما فعل الأمر فى حالة النفى فيصاغ بإلحاق البادئة "إن" متبوعة بالفعل مع إلحاق الكاسعة "أوى" (وفى اللهجات الأخرى تستعمل فى هذه الحالة الكاسعة "بها" متبوعة بالفعل مع إلحاق الكاسعة "إن").
أما من حيث المفردات فإن اللغة الصومالية لم تتأثر باللغة العربية إلا تأثرا قليلا جدا، بل إن الألفاظ العربية المستعارة كانت حين تدخل فى اللغة تخضع خضوعا تاما لقواعد الأصوات الصومالية. وكذلك لم تؤثر لغة الكالا فى اللغة الصومالية إلا أثرا قليلا إذا وضعنا فى إعتبارنا الأصل اللغوى المشترك، وربما استثنينا من ذلك لهجات الساب. على أننا قد نجد فى مفردات اللغة الصومالية بعض الشواهد التى تدل على أن اللغة الصومالية ولغة سداما كانتا متجاورتين قبل الغزو الكالى الكبير.
هـ- تاريخها: لعل الروايات الوطنية صبغت تاريخ الصوماليين بالصبغة الإسلامية برد نسبهم إلى عقيل بن أبى طالب ابن النبى [ ﷺ ]،
стр. 6631
ومهما يكن من أمر الرأى الذى يتجه فى الاتجاه الآخر ويدور حول مسألة جواز وفود السكان الحاميين من آسية إلى إفريقية، فإنه مما لا شك فيه أن الصوماليين قد نزلوا الأرض التى ينزلونها الآن جماعات شتى أقبلت فى غزوات متتالية، وتتابعت هذه الجماعات واحدة تدفع الأخرى، ولكنها كانت جميعا تخرج من الساحل الإفريقى لخليج عدن. ثم أقبل الدير بعد أن طردهم غزاة صوماليون آخرون، ومضى فريق منهم مخترقين أو غادين والإقليم الممتد بين نهرى جوب وشبيلا حتى بلغوا الوادى الأسفل لهذا النهر، وخرجت من أصلابهم قبيلة بيمال. وأقبل الساب من خليج عدن ويمموا أولا شطر وادى جوب، ثم هبطوا من الهضبة على طول وادى ويب ثم تقدموا منعطفين فجأة إلى الشرق فيما جاور مارلا وغزوا الأرض التى يقيمون فيها الآن محاربين قبيلة ورداى إحدى قبائل الكالا. ومن الساحل الشمالى الذى أسلفنا ذكره خرج الإيساق والدارود لغزو منازلهم الحالية بطرر الدير والكالا. ووفد الهوية من الأقطار الشمالية وتوقفوا أول الأمر شمالى ماريك، على حين أخضع إخوتهم الأجوران وادى شبيلا بعد أن غلبوا على الكالا والجدّو. على أن الهوية أنفسهم تقدموا من ثم إلى هذا النهر وفرقوا شمل الأجوران. ولذلك يمكننا أن نميز فى تاريخ استعمار الأراضى الصومالية حقبتين، الأولى: وتشمل الحروب التى شنت على الكالا، والثانية: الحروب التى دارت جماعات الصوماليين أنفسهم، فقد مضت كل جماعة تقاتل الأخرى فى سبيل غزو خير أراضى الصومال. على أن ثمة رواية مكتوبة (وقد استطعت أن أحصل على مخطوط عربى منها) على جانب عظيم من الأهمية تصف خبر الحرب التى شنت قبل الحروب التى جاء ذكرها فى الروايات الصومالية، ونعنى بهذه الحرب القتال الذى نشب بين غزاة الكالا والزنج (أى شعوب البانتو) الذين كانوا ينزلون حوض نهر جوب. ويمكن أن نخرج من ذلك بترتيب مستعمرى بلاد الصومال على الوجه الآتى: الزنوج (البانتو) ثم الكالا الكوشيين ثم الصوماليين الكوشيين.
стр. 6632
وبينما هذه القبائل تحتل على التعاقب داخل البلاد، ظلت المنطقة المحاذية للساحل عدة قرون على اتصال تجارى وثيق ببلاد العرب. وهذه التجارة التى كانت قد بدأت مع المستعمرات التجارية فى جنوب المملكة العربية زادت رواجا على رواج فى العهد الإسلامى. ونشأ من هذا الفتح العربى دويلتان هما زيلع ومقدشو اللتان أقامهما وحكمهما بصفة عامة دول من الوطنيين أمراؤها من العرب الذين اصطبغوا بالصبغة الصومالية أو من الصوماليين الذين تأثروا بالثقافة العربية تأثرا كبيرًا. وقد تيسرت لمملكة زيلع التى ظلت تزدهر منذ القرن الرابع عشر الميلادى، أسباب الحياة والرخاء معتمدة على الاتجار مع داخل البلاد حيث عاونتها الدول الإسلامية الكبيرة فى جنوبى الحبشة بقيادة كران. على أن مقدشو لم تزدهر إلا فترة قصيرة فى القرن الرابع عشر الميلادى، ثم لم تلبث أن بدأت فى الاضمحلال، ذلك أن أهلها لم يستطيعوا أن يتغلبوا على مقاومة البدو الصوماليين الذين كانوا يسكنون فى داخل البلاد. وتقلبت على مقدشو معروف الدهر على اختلافها، ومع ذلك فقد استمرت محتفظة باستقلالها أيام دولة المظفر حتى القرن السادس عشر الميلادى. وفى القرن السابع عشر احتلها إمام عمان، وبعد سنوات قليلة ترك هذا الإمام الساحل جميعًا الذى يعرف ببنادر هو ومقدشو لسكانه، وإنما أصر على أن يعترفوا بسلطانه عليهم. ولما انقسمت دولة مسقط إلى سلطنة عمان وسلطنة زنجبار (وكان ذلك فى أوائل القرن التاسع عشر) جعلت مقدشو من نصيب زنجبار، وعندئذ حاول السلاطين أن يكون لهم ملك حق هناك بإقامة وال وحاميات من الجنود فى مقدشو ومركة وبراوة. وما إن مضت مدة قليلة فى حكم هذه البلدان (حوالى ستين عامًا) حتى باعتها زنجبار لإيطاليا.
ومهما يكن من شئ فإن القبائل الصومالية فى داخل البلاد قد نعمت باستقلالها التام عدة قرون. ولم تحتفظ الروايات الصومالية بذكرى الغزو الكالى الكبير فى الحبشة، الذى فصل فى القرن السادس عشر بين
стр. 6633
الصوماليين والسداما وباعد بينهم وبين تلك المراكز الصغيرة من مراكز الثقافة. على أنه يجب علينا أن ننظر بعين الاعتبار لذلك الفرض الذى يقول إن وجود أمارات ثقافة أرفع من الثقافة الصومالية الحالية ماثلة فى بعض الأقطار الداخلية ينسبها الأهالى إلى الأجوران أو المادنلة يجيز لنا أن نرجع تلك الثقافة إلى قوم من الصوماليين كانوا على صله وثيقة بعرب الساحل الجنوبى، وذلك أقرب من أن نردها إلى قوم من الأهالى تأثروا بثقافة دول سداما الشمالية.
وظلت بلاد الصومال فى الداخل على هذه الحال حتى نهاية القرن التاسع عشر، حين احتلت فرنسا (سنة ١٨٨٤) وبريطانيا (سنة ١٨٨٤) وإيطاليا (سنة ١٨٨٩) مستعمراتها الحالية.
و- الإسلام: الصوماليون جميعا مسلمون يتبعون المذهب الشافعى. ولم يعمد إمام مسقط ولا سلاطين زنجبار أثناء حكمهم القصير للساحل الصومالى إلى نشر آرائهم الإباضية بأية حال بين الشعوب الصومالية. ومن ثم لم يبق منذ رحيل والى السلطان عن بلاد الصومال أى أثر من آثار المذهب الإباضى. ويمكن أن نجد بين العرب الذين هاجروا حديثا إلى بلاد الصومال عساكر أو عمالا فى مستعمرات الأوربيين، عددًا من الزيدية وإن كان هؤلاء بصفة عامة لا يجهرون بمذهبهم.
وإن اختلاف تكوين سكان الساحل عن سكان الداخل واختلاف ما أصاب التاريخ هؤلاء وهؤلاء من تغيير قد جعل أثر الإسلام فى كل فريق مختلفا عن الآخر. ذلك أن مدن الساحل التى ظلت عدة قرون متصلة بمراكز الثقافة الإسلامية وانتظمت فى جماعات من أرباب الحرف يرتبط أهلها بالروابط التى تصل أهل الحضر بعضهم ببعض ولا يرتبطون بالوشائج التى تصل بين أهل القبيلة جميعًا، قد يسر بطبيعة الحال الأسباب التى تجعلهم أكثر اصطباغًا بالإسلام من قبائل الداخل التى درجت على الاستقلال من سكان الساحل والشعور بالعداوة لهم وسوء الظن فيهم؛ وقد توطدت بين هذه
стр. 6634
القبائل فى منازلها الواسعة دعائم الوحدة التى تقوم على الأصل المشترك. ولم تجد الدعوة الإسلامية بدًا من أن تصارع هناك ما نشأت عليه القبائل من وثنية وعرف سائد. ومن ثم كانت الدعامة التى يرتكز عليها نشر الإسلام هى إقامة الطرق الدينية. ولذلك يجب علينا أن نلم بهذه العناصر الثلاثة التى تكونت منها الثقافة الصومالية الدينية ألا وهى: بقايا الوثنية القديمة فى الداخل؛ والثقافة الإسلامية على الساحل؛ والطرق الدينية.
ويمكن أن نذكر من بقايا الوثنية شعيرة "السار" ولعلها رقص دينى قديم. فالأهالى يحتشدون فى حلقة ويبدأ المنشدون فى الإنشاد على إيقاع خاص. ويسقط واحد منهم أو أكثر على الأرض مغشيا عليه، ويمضى الآخرون فى إحياء "السار" بالإنشاد والتصفيق بالأيدى أو الضرب بالأقدام أو بقرع الطبول والقدور. ثم ينهض المغشى عليه رويدًا، رويدًا ويمسك فى يديه خنجرًا، ويرقص فى الحلقة وقد أشهر الخنجر حتى يغشى عليه مرة أخرى، ولكنه لا يلبث أن ينهض وقد أفاق من كل ما نزل به. ويقام السار أيضا بالميسم النارى بدل الخنجر. وعند الساب يخرج الراقص ويجرى فى الأجمة المجاورة. ثم يعود كاشفًا فى صيحات عالية عن خنجره وقد تلطخ بالدم الذى يقال إنه دم الجنى الذى قتله.
ومن الشعائر الوثنية الأخرى العيد الصومالى الذى يقام فى أول العام؛ وللصوماليين سنة شمسية من ٣٦٥ يومًا وكل سبع سنوات دورة، وكل سنة تسمى باسم يوم من أيام الأسبوع. وتسمى كل دورة باسم أهم حادث وقع فيها. ومن ثم يستشهد الهوية بـ "إسنينتا أوراح مدو" أى سنة الاثنين للشمس السوداء (ولا شك أنها سميت بذلك لما وقع فيها من كسوف الشمس). ويستشهد الساب بـ "سيدى فرنجى" أى سنة السبت للأوربى، وفى ذلك إشارة إلى رحلات الكابتن بوتيكو فى أرضهم. ويحتفل بمطلع العام الجديد بعيد يسمى الـ "دبشد" وهو عيد شائع مشهور جدًا، تشعل فيه كل أسرة شعلة بالقرب من كوخها، ثم
стр. 6635
يجتاز رأس الأسرة النار بالقفز من جانب إلى جانب، أو يدير حربته كالزوبعة وسط النار.
وينبغى أن نذكر الاعتقاد الشائع فى استمرار حياة الأم بعد الوفاة؛ ووجوب تزويد الميت بالطعام والكساء بالتضحية بالأنعام قرب قبره وتوزيع اللحم وقماش القطن على المساكين، إذ يقال إنهم هم الوسيلة إلى إيصال الطعام إلى الميت؛ ومن ثم نشأت عادة أن يخصص فى الوصايا جزء كبير من الميراث لإقامة هذه الشعائر (ما يدفن مع المرء عند الوفاة) وما نجده من عناية حانية يبذلها الأبناء والأقارب "لكنس القبر" أى التقدم بهذه الأضاحى من حين إلى حين. ونجد أيضا آثار الأفكار الوثنية ماثلة فى القوى السحرية التى لشيخ القبيلة بحكم الوراثة، وعين هذا الشيخ بالنسبة إليه كالشمس بالنسبة لإله السماء القديم عند الكوشيين الوثنيين. و"العين الحارة" لهذا الشيخ هى التى تزيد فى نماء الأنعام أو تنقصه، وتصيب بالعقم، وتجلب العافية أو المرض. وقد استبدل الفقهاء المسلمون بالسحرة الوثنيين القدماء، ولو أن الفقهاء قد احتفظوا بالاسم القديم "وداد" وأصبح من الممكن أيضا أن تلتمس عندهم القوى السحرية. ونوال البركة يتوسل إليه بالتفل كما كانت الحال أيام الوثنية. ورأس الذبيحة من الحيوان وبطنها ومخالبها تعد فى نظر الإسلام عند الصوماليين نجسة طبقًا للعقائد الكوشية الوثنية.
ويطلق الآن الاسمان الصوماليان لإله السماء (إبّا، واق) على اللَّه، بل إن اسم الجنى الوثنى (غرل؛ بلغة كالا: قولو؛ وبالأمهرية: قوله) يستعمل فى اللهجات الحديثة للدلالة على القسمة أو النصيب.
وقد كانت مقاومة العرف الصومالى للإسلام أشد من ذلك وأدهى، ذلك أن هذا العرف يقوم على مرحلة من مراحل التطور الاجتماعى شبيهة كل الشبه بالحياة العربية أيام الجاهلية، ولذلك فإنه يختلف اختلافا بينا عن الشريعة الإسلامية. ونستطيع هنا أن نستشهد ببعض الأحكام الأساسية المتعلقة بزواج الأخ بزوجة أخيه إذا توفى ولم يعقب،
стр. 6636
والثمن الذى تؤديه الأرملة لأقارب زوجها المتوفى حين ترغب فى الزواج من رجل غير إخوته (ومما تجدر ملاحظته أن العرف الصومالى يقضى بألا يكون أولاد الزوج الثانى، وهو أخو الزوج المتوفى، أبناء للزوج الأول واستمرارًا لذريته كما هى الحال عند الساميين، بل إن الأمر على العكس من ذلك فذرية الزوج الأول يعدون أولادًا للزوج الثانى)؛ وجواز الزواج بالاغتصاب؛ والدية التى تعد فى نظر الصوماليين تعويضًا يؤديه القاتل، وقد نشأ هذا التعويض من أن الجريمة تكسب أهل القتيل حقًا على القاتل بحكم الجرم الذى اقترفه؛ وحرمان المرأة من حقوق الميراث؛ والجماعات المنبوذة التى لا يباح للمرء الزواج من بناتها أو الاتصال بها بأية حال، ذلك أنها فى حالة نجاسة دائمة (لاحظ البراعة فى صبغ هذه العادة القديمة بالصبغة الإسلامية)؛ وزواج الأباعد، وهى عادة لا يزال لها وجود عند القبائل الشمالية؛ والآثار المشهورة لزيجات تعقد بين قبيلتين أكثر من عقدها بين الأفراد. إما على الساحل، فى مراكز الثقافة الإسلامية، وخاصة بعد ما طرأ من زيادة رواج التجارة فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، فإننا نجد أن آثار الفقهاء المسلمين قد أثمرت زادًا محليًا قليلا فى التأليف باللغة العربية وخاصة فى الموضوعات الصوفية. وأهم الكتب المطبوعة هى: "المجموعة المباركة" للشيخ عبد اللَّه بن يوسف، وهو مواطن من جماعة شيخال طبع كتابه فى القاهرة؛ و"مجموعة القصائد" للشيخ قاسم بن محيى الدين، من أهل براوى، وهذا الكتاب ليس إلا ديوانا لكثير من الشعراء الصوماليين؛ على أن المجموعة المباركة قد قسمها الشيخ عبد اللَّه إلى خمس مقالات فى التصوف، ولكن همه الحق قد صرفه إلى المقالة الثالثة والمقالة الرابعة، وقد سمى الثالثة: "السكين الذابحة على الكلاب النابحة" وسمى الرابعة: "نصر المؤمنين على المردة الملحدين" وهذه المقالة رد شديد على الطريقة الصالحية. ومن الفقهاء الصوماليين البارزين الشيخ عويس محمد البراوى، وقد نظم الشيخ عويس، علاوة على القصيدتين اللتين
стр. 6637
نشرتا فى مجموعة القصائد التى أسلفنا ذكرها، خمس قصائد باللغة الصومالية كتبها بالحروف العربية، فكان هو الوحيد الذى جرى على هذه السنة. وهجا بالقصيدة الأولى من هذه القصائد الخمس أتباع مُد ملا. ويجدر بنا أن نذكر أيضا الشيخ عبد الرحمن الزيلعى الذى نظم عدة قصائد صوفية بالعربية (أكثرها شهرة: "سراج العقول والسرائر فى التوصل بالشيخ عبد القادر أى، الجيلانى"). وثمت فقيه صومالى آخر هو الشيخ عبد الرحمن ابن عبد اللَّه من جماعة شانشيه فى مقدشو، وقد اشتهر بالشيخ الصوفى، وهو مؤلف كتاب "شجرة اليقين" أو "النبذة اليقينية فى معجزات خير البرية" وقد نشر فى "المجموعة المباركة" ولها شهرة مستفيضة بين مذاهب الصوفية عند الصوماليين.
وثمت مخطوط عشر عليه فى براوى، وهو يشمل ترجمة لهمزية البوصيرى فى أبيات باللغة السواحلية. وأغلب الظن أن الأبحاث التى أعقبت ذلك سوف تؤدى إلى ظهور مخطوطات أخرى قديمة أو وثائق بالعربية والصومالية.
وببلاد الصومال أربع طرق صوفية إسلامية هى: القادرية؛ والأحمدية وهم أتباع أحمد بن إدريس الذى توفى فى النصف الأول من القرن التاسع عشر فى صبياء بعسير؛ والصالحية، وهى فرع حديث من الأحمدية (ورأس هذه الطريقة وصاحبها هو محمد صالح الذى كان مركز طريقته فى مكة وأخذ العهد على الصوفى السودانى إبراهيم الرشيدى مريد أحمد بن إدريس)؛ والرفاعية، وهم أتباع السيد أحمد الرفاعى. والقادرية التى تضم جل الفقهاء أصحاب التواليف الصوفية المشار إليها آنفا هم أكثر أرباب الطرق الصومالية علما وأعظمهم تمشيا مع الأفكار الحديثة. وليس لهذه الطريقة من المنازل إلا القليل، كما أنها لا تتبع تنظيما سياسيًا ما، وإنما تنصرف إلى التعليم أكثر من انصرافها إلى الزراعة. وقد دبت الفرقة بين القادرية فى بلاد الصومال والصالحية منذ عدة سنوات، والسبب الأول لذلك هى الردود التى رد بها القادرية على مد ملا الذى كان قد بدأ حملاته فى الدعوة بالقول بأنه هو نفسه التابع الحق لمحمد صالح ودفع
стр. 6638
أتباع هذا الملا إلى قتل الشيخ عويس بن محد البراوى سنة ١٣٢٧ هـ (١٩٠٩). وبدأت المناظرات مرة أخرى بين الطريقتين، ولو أنها كانت فى هذه المرة أقل عنفًا، وذلك بعد نشر كتاب "المجموعة المباركة" للشيخ عبد اللَّه وقصيدة للشيخ قاسم محيى الدين البراوى حيث رد على الصالحية بترديد عبارة: "لكم دينكم ولى دينى".
أما الصالحية فكانوا على العكس من القادرية، قد شغلوا أنفسهم خاصة بالسعى إلى بسط سلطانهم السياسى على القبائل، وإقامة نظام يعتمد على الجماعات الزراعية وخاصة على ضفاف الأنهار. وقد كانت القيادة فى حركة الملا، وقد الفتنة التى أشعلها السيد محمد يوسف على الحبشة فى وادى ويب سنة ١٩١٧ لزعماء من الصالحية. وفى الجانب الآخر، كان هدف الصالحية الأراضى السوداء على طول وادى شبيلا، وهى خير الأراضى وإن كان البدو الصوماليون لم يقدروها فيما سبق حق قدرها وأستخدموها فى رعى الماشية وحسب، ذلك أن الصالحية استغلوا فى براعة المشاحنات التى دبت بين القبائل، وغير ذلك من الظروف السياسية وحاولوا أن يحصلوا من هذه القبائل على خير المناطق الصالحة للزراعة.
وأما الأحمدية فعددهم أقل من سائر الطرق الصوفية؛ وقد وجهوا همهم شأن الصالحية، إلى الحصول على الأراضى، وإن كانوا ينصرفون إلى التعليم أكثر من الصالحية. والقادرية والأحمدية ليس عندهم نظام طبقى بمعنى الكلمة، على حين نجد الصالحية فى بلاد الصومال الإيطالية يقودهم شيخ زاوية مصره (فى منتصف وادى شبيلا) وهو نائب محمد صالح فى الإقليم كله.
والقضاء الوطنى يقوم به فى بلاد الصومال الايطالية قاض مسلم، إلا فى بعض الجرائم والقضايا ذات الصبغة السياسية. وأحكام هذا القاضى تبدأ بعبارة: باسم اللَّه الرحمن الرحيم إنا نحكم بشريعة الإسلام باستخلاف الملك المعظم ملك الإيطالية. . . " (١)
стр. 6639
المصادر:
الجغرافية: علاوة على الكتابين القديمين:
(١) Documents stir L'histoire,la geographie et le commerce de l'Afrique Orientate: Guilain، باريس ١٨٥٦.
(٢) First Footsteps in East Africa: Burton انظر
(٣) Il Giuba esplorato: V.Bottego، رومة ١٨٩٥
(٤) L. Vannutelli & Citerni: L' Oma . . ميلانو ١٨٩٩.
(٥) Lugh, emporio commerciali sul Giuba: U. Ferrandi ميلانو ١٩١٢.
(٦) Alle frontiere meridi onali d'ell'Etiopia: C.Citerni، ميلانو ١٨٩٩.
(٧) Somalia e Benadir: Robecchi Brichetti، ميلانو ١٨٩٩.
(٨) المؤلف نفسه Nel Paese degli Aromi، ميلانو ١٩٠٣.
(٩) British Somaliland: R.E.Drake Brocklmann، لندن ١٩١٧.
(١٠) Somaliland: A.Hamilton لندن ١٩١١.
(١١) Through unknoun African Countries: A. Donaldson Smith، لندن ١٨٩٧.
(١٢) Zu den Aulihan: E. Hoyos، فينا ١٨٩٥.
(١٣) Impression de voyage en Apharras: F.Storbeck (Cote francaise de Somali)، باريس ١٩١٥.
(١٤) Die Berichte der arabischen Geographen des Mittelalter uber Ostafrika: F.Storbeck، فى M.S.O.S، جـ ١٧، لوحة ٢، برلين ١٩٢٤.
(١٥) Ricerche geologiche idrologiche etc. mella Somalia Italiana: Stefanini & Paoli فلورنسة ١٩١٦.
السلالات والعرف:
(١) Ethnographie Nord Ost Afrikas: P.Paulischke, برلين AMT .
(٢) Il diritto consuetudinarin delta Somalia Italiana settentrionale: E. Cerulli، نابلى ١٩١٩.
(٣) المؤلف نفسه Tesci di diritto onsuetudinario des Somali Marrehan، فى R.S.A، جـ ٧، رومة ١٩١٨.
стр. 6640
(٤) Principii di diritto della Somalia ltaliani e la propriet consuetudinario: M. Colucci، فلورنسة ١٩٢٤.
(٥) Note sul movimento musulmano nella Somalia: E.Cerulli فى R.S.O، جـ ١٠، رومة ١٩٢٣.
اللغة:
(١) A grammar of the Somali language: Hunter، بومباى ١٨٨٠.
(٢) Die Somalisprache: A.W.Schleicher، برلين ١٨٩٢.
(٣) Schleichers Somalitexte: L.Reinisch، فينا ١٩٠٠.
(٤) Practical Grammar of the Somali language: Fr.E.de Larajasse & C. de Sampont، لندن ١٨٩٧.
(٥) Somali English and English Somali Dictionary: Fr.E.de Larajasse، لندن ١٨٩٧.
(٦) Somalisprache: L.Reinisch، ثلاثة مجلدات، فينا ١٩٠١ - ١٩٠٣.
(٧) Somalitexte: A.Jahn، فينا ١٩٠٦.
(٨) A grammar of the Somali language: J. W. C. Kirk، كمبردج ١٩٠٥.
(٩) Note sui dialetti somali: E. Cerulli، فى R.S.O جـ ٨، رومة ١٩٢١.
(١٠) Somali Texte: M.von Tiling, برلين ١٩٢٥
التاريخ: علاوة على الكتب الزرقاء التى أصدرتها وزارة الخارجية البريطانية أو وزارة المستعمرات عن الشئون الصومالية، والكتب الخضراء التى أصدرتها وزارة الخارجية الإيطالية، والتقارير الرسمية التى رفعها الحكام الإيطاليون لبلاد الصومال إلى البرلمان انظر:
(١) Iscrizioni e documenti arabi per la Storia della Somalia: E.Cerulli، فى R.S.O جـ ١١، رومة ١٩٢٦.
(٢) المؤلف نفسه: della sotnalia nella tradisione storico locale Le popolazioni فى R.R.A.L، رومة ١٩٢٦.
خورشيد [أ. تشيرولى Enrico Cerulli]
стр. 6641
ض
стр. 6642
ضباب
ضِبَاب قبيلة عربية من قبائل معد، وهم من سلالة معاوية بن كلاب الذى عرف بالضباب بسبب ثلاثة من أبنائه هم ضباب وضَبّ والمُضِبَ. وسلسلة نسب ضباب هى: معاويةَ بن كلاب بن ربيعة بن عمرو بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن.
ومنازلهم فى حى حمى ضرية من بلاد نجد. ونذكر من منازلهم: جزع بنى كوز، ودارة جُلْجُل، وطلوح.
ومن جبالهم: أخزم، والجرشنية، وذات آرام، واليحموم (وهو تل أسود كبير) وكبشة (هو ودارة الكبشات)، والخنزرة (وهو جبل كبير يشمل دارة خنزرة)، ونُمَيْرةَ بيدان، وشعبى (هو جبل كبير طوله مسيرة يوم)، وزهلول (وهو تل سود به رواسب معدنية) إلخ.
وفيما يلى وديان الضباب: ذو الجدائر، والريان (ويشتركون فيه هم وجعفر بن كلاب)، وهَضْب غول، وقادم، وتربة (وهو واد كبير به أحراج نخيل وحقول حنطة، ويشاركهم فيه هلال وعامر بن ربيعة) ومياههم هى: الأرطاة، والأسورة، والبردان (بالقرب من دارة جلجل)، وبطحان، والثريا، والجفار، والغدير، وقراقرة، والخصافة، الشُّبَيْرمَة، وصفية، ومعروف، ومنى وغيرها.
المصادر:
(١) ابن الأثير، طبعة تورنبرغ، جـ ٦، ص ١٧٢.
стр. 6643
(٢) معجم البلدان لياقوت، طبعة فستنفلد، جـ ١، ص ٦٠، ٢٠٩, ٢٧١، ٥٥٢، ٦٦٣، ٧٩١، ٨٣٤، ٩٢٤؛ جـ ٢ ص ٣٨، ٧١، ١٥٦، ٢٥٩، ٢٦٦، ٤٧٧، ٦٠٣؛ جـ ٣، ص ٢٩٣، ٥٥٤، ٨٢٦؛ جـ ٤، ص ٥٠، ٢٣٣، ٥٤٧، ٨١٤, ٩٨٥، ١٠١٢. وانظر الفهرس تحت هذه المادة.
(٣) ابن قتيبة: كتاب المعارف طبعة فستنفلد، ص ٣٤.
(٤) محمد بن حبيب: Uber des Gleichheit u. Verschiedenheit Arabischen Stammamen، (طبعة فستنفلد) ص ٣٤.
(٥) Genealogische Tabellen der Arabischen Stamme und Familien: F.Wustenfeld كوتنكن ١٨٥٢، القسم الثانى، القبائل الإسماعيلية، الجدول رقم ١٧.
(٦) المؤلف نفسه: Register zu den Tabellen: Genealog كوتنكن ١٨٥٣، ص ١٥٤، ٢٩٩.
[شيلفر J. Schleifer]
الضبى
أبو جعفر بن يحيى بن أحمد بن عميرة (وليس القرطبى): فقيه عربى أندلسى من أعيان القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى). ولد فى بلش (Velez (Rubio, Balanco غربى لورقه Lorca كما يستدل على وجه يشبه اليقين مما ورد فى كتابه من إشارات خاصة به وبأسرته. وبدأ الضبى دراسته فى لورقه وهو بعد فى العاشرة. والظاهر أنه قضى أكثر عمره فى مدينة مرسية مع استثناء رحلاته إلى شمالى إفريقية، فقد زار سبته ومراكش وبجاية ثم الإسكندرية. وتوفى الضبى فى آخر ربيع الثانى عام ٥٥٩ هـ (بداية عام ١٢٠٣ م). ولم يبق من تصانيف الضبى سوى معجم قيم فى تراجم علماء الأندلس من العرب مع مقدمة موجزة عن تاريخ العرب فى الأندلس أكملها عبد الواحد المراكشى فى مقدمته (تاريخ الموحدين، طبعة دوزى). والضبى فى بقية الكتاب يتبع عن كثب كتاب جذوة المقتبس للحميدى (ويصل فى كلامه إلى عام ٤٥٠ هـ = ١٠٥٨) ويوسع فيه بإضافة تراجم لرجال السنوات المائة والخمسين التالية. ويسمى هذا الكتاب "بغية الملتمس (لا المتلمس كما جاء فى كتاب بروكلمان،
стр. 6644
جـ ١، ٣٤٠) فى تاريخ رجال أهل الأندلس". وقد نشر كوديرا Codera وريبيرا Ribera هذا الكتاب عام ١٨٨٥ عن المخطوط الوحيد القديم الجيد الباقى، وإن كان بعض أجزائه لم يعن بحفظها العناية الواجبة. وهذا المخطوط محفوظ فى مكتبة الإسكوريال، وهو المجلد الثالث من المكتبة العربية الأندلسية.
المصادر:
(١) Ensayo biobibliogarfico sobre los historiadores Y geografos arabigo-espanoles: Fr.Pons Boigues (مدريد ١٨٩٨) رقم ٢١٢ ص ٢٧٥ - ٢٥٩. ونذكر بالإضافة إلى النسختين غير المتقنتين اللتين قام بنسخهما الموارنة فى النصف الثانى من القرن الثامن عشر عن المخطوط الفريد المحفوظ فى الإسكوريال، النسخة التى تملكها الجمعية الأسيوية فى باريس، وهى التى لا أعرف عنها شيئًا أكثر من ذلك. وإكمالا للموضوع نذكر أيضًا نسخة Faustino de Muscat y Gusman المعيبة أيضًا وهى المحفوظة فى كوبنهاغن برقم ١٦٣ ولم تذكر هذه النسخة فى أى ثبت للمصادر.
الشنتناوى [تسيبولد G.F.Seybold]
الضحاك
ابن قيس الشيبانى، وهو من الخوارج. لما توفى زعيم الخوارج سعيد ابن بجدل الشيبانى بالطاعون عام ١٢٧ هـ (٧٤٥ م) وهو فى طريقه إلى الكوفة نودى بالضحاك خليفة له، وتجمع الخوارج من كل الأنحاء تحت رايته. وتقدم الضحاك نحو الكوفة فى أتباعه، فوخد النضر بن سعيد الحرشى واليها من قبل الخليفة مروان الثانى وعبد اللَّه بن عمر والى الحيرة جيشيهما، ولكن الهزيمة حلت بهما فى شهر رجب عام أبريل هـ (أبريل عام ٧٤٥ م) وركنا إلى الفرار ولو أن جيشيهما كانا يتألفان فيما يقال من ثلاثين ألف مقاتل، واحتل الضحاك مدينة الكوفة. وشخص الحرشى إلى مروان فى الشام، على حين ظل ابن عمر فى واسط حيث حاصره الضحاك. واستسلم ابن عمر فى شوال (أغسطس) من العام نفسه بعد حصار دام عدة أشهر، وعقد صلحا مع الضحاك أصبح ابن عمر بمقتضاه واليا على كسكروميسان ودستميسان والأراضى التى على دجلة الأدنى،
стр. 6645
والأهواز وفارس. وعاد الضحاك إلى الكوفة وظل ابن عمر فى واسط. وفى العام التالى لجأ أهل الموصل إلى الضحاك وطلبوا منه الاستيلاء على مدينتهم. ويقال إنه بعد انقطاع دام عشرين شهرا هبَّ وطرد والى الموصل من قبل مروان وسقطت هذه المدينة فى يده. وتجمع الجند حول الضحاك لأنه كان يجزل لهم فى الأعطيات. وجاءت فى روايات المؤرخين المشارقة -فيها شئ من المبالغة- إنه كان تحت إمرته جيش من ١٢٠ ألف مقاتل. وكان الخليفة وقتذاك فى الشام مشغولا بحصار حمص فأنفذ ولده عبد اللَّه لقتال ذلك الخارجى المظفر. وتقدم عبد اللَّه حتى بلغ نصيبين، ولكنه اضطر إلى الالتجاء إليها بعد قتال فاشل فحاصره فيها الضحاك. وخرج مروان بنفسه إلى ميدان القتال بعد أن استولى على حمص ولقى الضحاك عند كفرتوثا حوالى نهاية عام ١٢٨ هـ (حوالى شهر سبتمبر من عام ٧٤٦). واستمر القتال يوما بطوله، وقتل الضحاك كما قتل خليفته الخيبرى عندما حاول معاودة الهجوم، ومن ثم ارتد الخوارج إلى الموصل. وجاء فى رواية أخرى أن الضحاك والخيبرى لم يقتلا إلا سنة ١٢٩ هـ (٧٤٦ - ٧٤٧ م).
المصادر:
(١) الطبرى؛ طبعه له غوى، جـ ٢، ص ١٨٩٧ وما بعدها.
(٢) ابن الأثير، طبعة تورنبرغ، جـ ٥، ص ٢٥٤ وما بعدها.
(٣) Gesch. der Chalifen: Weil جـ ١، ص ٦٧٨ وما بعدها.
(٤) Das arabische Reich: Wellhausen ص ٢٤٢ وما بعدها.
الشنتناوى [تسترشتين K.V.Zetterssteen]
الضحاك
ابن قيس الفهرى: شيخ قبيلة قيس ومن أنصار معاوية المتحمسين؛ خرج الضحاك سنة ٣٩ للهجرة (٦٥٩ - ٦٦٠ م) بأمر من معاوية على رأس حملة قوامها ثلاثة آلاف رجل لقتال أشياع علىّ فى الحجاز وقفل الطريق أمام الحجاج إلى مكة فأنفذ علىّ لقتاله
стр. 6646
حجر بن على الكندى الذى أجبر الضحاك على الفرار. واختير الضحاك واليا على الكوفة سنة ٥٥ للهجرة (٦٧٤ - ٦٧٥ م) أو فى سنة ٥٤ هـ فى قول رواية أخرى. وصرف عن هذا المنصب فى عام ٥٨ هـ (٦٧٧ - ٦٧٨ م) بعد أن شغله بعض الوقت. ولما توفى معاوية عام ٦٠ هـ (٦٨٠ م) تولى الصلاة عليه وأطاع وصيته التى أوصى بها على فراش الموت وعمل على اختيار ولده يزيد خليفة له. ولما مرض معاوية الثانى اختار الضحاك لإمامة الناس فى الصلاة بدمشق حتى تتم مبايعة الخليفة الجديد. وكان للضحاك أيضا نصيب فى المؤامرات التى قامت فى دمشق عند وفاة معاوية الثانى عام ٦٤ هـ (٦٨٤ م) غير أن تفصيلات هذا الأمر كله ليست واضحة. ومات الخليفة دون أن يعقب ولدًا. وكان أقرب أقربائه أخاه خالد بن يزيد وكان حينذاك فى السادسة عشرة من عمره يؤيده خال يزيد حسان بن مالك بن بحدل الكلبى ذو السلطة والجاه. على أنه قد نودى بعبد اللَّه بن الزبير خليفة على العراق، وكان له أيضا أنصار كثيرون فى نواح أخرى. ثم إن مروان بن الحكم كان قد قصد إلى مكة ليقدم بنفسه ولاء الشآميين لابن الزبير فاستمع لإغراء عبيد اللَّه بن زياد بأن يتقدم هو الآخر الصفوف مطالبًا بالخلافة لأنه كان أعلى الأمويين سنًا وأكثرهم احترامًا. وتقول بعض المصادر إن الضحاك الذى كان آنئذ نائبًا للوالى فى دمشق كان فى جميع الأحوال ثابتًا على ولائه لابن الزبير، ويقول آخرون إنه آثر أن يظل على الحياد ليطالب بعرش الخلافة الخالى عندما تحين الفرصة الملائمة لذلك. ومهما يكن من شئ فإنه انحاز جهرة إلى ابن الزبير بعد شئ من التردد. وهناك رواية أخرى محتملة بلاشك تقول أن الداهية عبيد اللَّه أغراه بأن يطالب الناس بالولاء له، ومن ثم فقد ثقة الناس به، غير أنه سرعان ما تخلى عن هذه الخطة وانحاز الضحاك مرة أخرى إلى ابن الزبير. على أنه لما بويع مروان بالخلافة فى الجابية على شرط أن ينتقل عرش الخلافة بعد وفاته إلى خالد بن يزيد لم يكن بد من أن يِحسم هذا النزاع بعد السيف. والتقت الجيوش المتعادية فى
стр. 6647
مرج راهط ٦٤ هـ (٦٨٤ م) وكان الضحاك على رأس قيس ومروان على رأس كلب. وبعد مناوشات دامت عشرين يومًا انتصر مروان وقتل الضحاك وفر أتباعه.
المصادر:
(١) ابن سعد، جـ ٥، ص ٢٧ وما بعدها.
(٢) الطبرى، طبعة ده غوى، جـ ١، انظر الفهرس؛ جـ ٢، ص ١٧٠ وما بعدها، ٤٦٨ - ٤٧٩.
(٣) ابن الأثير، طبعة تورنبرغ، جـ ٣ فى مواضع مخللفة، جـ ٤، ص ١٢٠ - ١٢٥
(٤) Gesch. der Chalifen: Weil جـ ١، ص ٢٤٥، ٢٧٦، ٢٤١ وما بعدها.
(٥) Der Islam im Morgenund Abenlland: Muller جـ ١، ص ٣٧١ وما بعدها.
(٦) Das arabisch Reich: Wellhausen ص ١٠٧ وما بعدها.
(٧) Die krisis der Umajjadenherrschaft im Jahre ٦٨٤: Buhl فى zeitschr fur assyriologie جـ ١٢.
الشنتناوى [تسترشتين K.V.Zettersteen]
ضرغام
وزير العاضد آخر خلفاء الفاطميين، واسمه الكامل أبو الأشبال الضرغام بن عامر بن سوار. وأصله العربى الخالص مؤكدًا كما أن لقبيه: اللخمى المنذرى يشيران أيضًا فيما يبدو إلى انحداره من صلب حكام الحيرة القدماء. ولقد ظهر ضرغام من بين فرق البرقية الحربية وكان من ثقات طلائع بن رزيك فقد أقامه قائدًا عامًا سنة ٥٥٣ هـ (١١٥٨ م). وفى هذه السنة نفسها هزم ضرغام النصارى بالقرب من غزة. وكان وثيق الصلة ببنى رزيك، ومع ذلك كان من أهم حلفاء شاور الذين عملوا على إسقاط رزيك بن طلائع، وقد كان ضرغام أستاذًا لطلائع فى كل فنون الفروسية جميعًا. وعين ضرغام فى عهد هذا الوزير الجديد فى منصب "صاحب الباب" ولكنه رأى أنه لم يلق الجزاء الكافى على خيانته فخرج على شاور بعد ذلك بتسعة أشهر (رمضان عام ٥٥٨ = أغسطس ١١٦٣) وأخرجه من البلاد وقتل ولده طيئا واستولى على كرسى الوزارة وأيده
стр. 6648
الخليفة فى هذا المنصب وخلع عليه لقب "الملك المنصور"، وانتقل لقبه السابق "فارس المسلمين" إلى أخيه ناصر الدين. ولم يحالف النصر ضرغاما أمدًا طويلا إذ فشل فى محاولة التحالف مع نور الدين الذى لجأ إليه شاور. وقد أدى موقف البرقية العدائى فى مصر بهذا الوزير الحسود إلى قيامه بأفعال تنطوى على القسوة البالغه مما حرم البلاد من أشجع أبنائها، ثم إن غزوة أملريك الأول ملك بيت المقدس الذى أخذ يهدد بحد السيف فى مطالبته بالجزية التى ومحمد بها من قبل كانت من الأمور التى زادت من متاعبه. وقد أوقع أملريك بالمصريين خسائر فادحة فى بلبيس ولم يرتد عن البلاد إلا بعد أن لجأ ضرغام إلى ذلك الإجراء اليائس ألا وهو قطع جسور النيل وإغراق البلاد. غير أن الأخبار سرعان ما بلغت هذا الوزير بنجاح غريمه شاور فى حمل نور الدين على القيام بحملة على مصر. وقد فكر ضرغام -وجاء تفكيره فى ذلك الوقت متأخرًا- فى أن يعقد حلفًا دائما مع أملريك ببذل الوعود له، وكان فى ذلك إذلال كبير.
وأغار شيركوه وصلاح الدين وشاور على البلاد. وحلت بناصر الدين وجيشه، الذى انضم معظم قواده إلى صفوف الأعداء، هزيمة منكرة عند بلبيس وأعقب ذلك دخول شاور مدينة الفسطاط. وانصرف أتباع ضرغام عنه شيئًا فشيئا، ثم فقد ما تبقى له فى قلوب الجماهير من حب عندما استغل الأموال الموقوفة على الأيتام فى دعم موارده، كما التمس عون الخليفة فلم يفز بطائل. ولما تخلى عنه الجميع آخر الأمر لجأ إلى الفرار، ولكن الدهماء قتلته عند مدفن السيدة نفيسة (رجب أو رمضان من عام ٥٩٩ = مايو -يونيه أو يوليه- أغسطس من عام ١١٦٤). وحز رأسه وحمل فى طرقات القاهرة، ولم يدفن جسده إلا بعد ذلك بثلاثة أيام بالقرب من بركة الفيل وشيدت قبة فوق قبره.
ويوصف ضرغام بأنه شخصية قوية لامعة، وينوه خاصة بمهارته الفذة فى جميع الأعمال التى تنطوى على الرجولة أو النخوة. أجل لقد كان ضرغام شجاعًا مغوارًا محبًا للعلم وشاعرًا وخطاطًا مجيدًا.
стр. 6649
المصادر:
(١) ابن خلكان ترجمة ده سلان، جـ ١، ص ٦٠٩، ٦١١؛ جـ ٤، ص ٤٨٥ وما بعدها.
(٢) المقريزى: الخطط، جـ ١، ص ٣٥٨.
(٣) ابن الأثير: جـ ١١، ص ١٩١، ١٩٦, ١٩٧.
(٤) Oumara du Yemen: H.Derenbourge فى مواضع مختلفة.
(٥) Wustenfeld: Fatimiden-Chalifen ص ٣٢٩ وما بعدها.
(٦) History of Egypt: Stanley Lane-Poole ص ١٧٥ - ١٧٨
(٧) المؤلف نفسه: Saladin ص ٨٠ - ٨٢.
(٨) Geschder Konigreichs Jerusalem: R.Rohricht، ص ٣١٤ وما بعدها.
(٩) ampagnes du roi Amaury ler: G.Schtumberger ص ٣٦ وما بعدها.
الشنتناوى [كراف E.Graefe]
ضرية
ناحية فى بلاد العرب الوسطى سميت باسم بئر وقرية على الطريق من مكة إلى البصرة على مسيرة اثنين وثلاثين ميلا من الجديلة، وعلى مسيرة ثمانية عشر ميلا من طِخْفة (كما فى رواية ابن رسته، ص ٢٨). ويقول العرب إنها نسبت إلى ضرية بنت ربيعة وأم حلوان القضاعى وكانت ضرية محطة يؤمها الحجاج كثيرا إذ كان يلتقى عندها هذا الطريق بالطريق الواصل من البحرين، وكانت ضرية تابعة إلى المدينة من الناحية الإدارية. وتشمل ضرية، وهى التى فصّل البكرى الكلام عن آبارها وجبالها، المنطقة المعروفة باسم Hemmey (الحمى) الواردة فى خريطة داوتى Dougthy ووصفت بأنها مرعى جيد، ولكنها تمتد أيضا إلى الجانب الشمالى الغربى من تل النير. وكان يقطن هذه الناحية بخاصة بنو كتاب، وهم الذين أنفذ النبى محمد [ ﷺ ]، جيشا لقتالهم بقيادة أبى بكر فى سنتى ست وسبع للهجرة.
стр. 6650
واحتفظ الخليفة عمر بجزء من هذا الحى حمى للإبل التى تقع غنيمة فى الحرب ووزع صدقة (انظر ابن سعد، جـ ٣، قسم ١، ص ٢٢٠، س ١٣، ص ٢٣٦, س ٣). ثم ازداد عدد الإبل ازديادا مطردا حتى بلغ أربعين ألفا فى عهد الخليفة عثمان فعمد هذا الخليفة إلى توسيع المنطقة التى خصصت لهذه الإبل توسيع كبيرا مما أخذ عليه (الكامل، طبعة Wright، ص ٦٠٦، س ٦). وأصبحت هذه الأرض من بعد ملكا خاصا، ويقال إنها كانت تدر خراجا سنويا قدره ثمانية آلف درهم فى العهد العباسى الأول.
المصادر:
(١) البكرى، طبعة فستنفلد ص ٦٢٦ - ٦٣٩
(٢) المكتبة الجغرافية العربية، طبعة ده غوى، جـ ٣؛ ص ١٠٩؛ جـ ٥، ص ٢٦؛ جـ ٦، ص ١٠٩، ١٤٦؛ جـ ٧٠، ص ١٨١؛ جـ ٨، ص ٢٥١، ٢٥٦.
(٣) ياقوت: مجم البلدان، طبعة فستنفلد، جـ ٣، ص ٤٧١
(٤) الواقدى، ترجمة فلهوزن، ص ٢٦٦، ٢٩٧.
(٥) تاريخ الطبرى، طبعة ده غوى، جـ ١، ص ١٠٧.
(٦) البلاذرى، طبعة دغوى، ص ٣٧٢.
(٧) Alta Goegr. Arabiens: Sprenger ص ٢٢٧.
(٨) المؤلف نفسه: Post-und Reiserouten ص ١١٥ وما بعدها وفى Zeitschr. der Deutschen orgenl. Ges، جـ ٤٢، ص ٣٣٠، ٣٣٦.
(٩) Die Strasse von Bacra nach Mekka mit der Landschoft Dharijja: Wustenfeld.
الشنتناوى [بول Fr.Buhl]
стр. 6651
الضمير
مصطلح من المصطلحات فى قواعد اللغة العربية. والحق إن عبارة "الضمير" أو "المضمر" تتضمن معنى "الاسم الضمير أو المضمر" ويقابل "الاسم الظاهر أو المظهر" وهو: "الاسم الذى يتميز تميزا لا لبس فيه بالصفة؛ والضمير ليس فى حقيقته كذلك بل هو يستغنى عن الصفات لأن الأحوال المقترنة بها تغنى عنها" (انظر Kleine Schrif: Fleischer، جـ ١، ص ١٦١).
ولهذا فإن سيبويه لا يسميه الضمير أو المضمر بل علامة المضمر أو علامة الإضهمار (انظر على سبيل المثال: سيبويه، طبعة درنبورغ، جـ ١، ص ١٨٨، س ٤؛ ص ٣٢٩، س ٢٠) (١).
وتنقسم الضمائر فى المصنفات المتأخرة لقواعد اللغة العربية، التى يعد كتاب "المفصّل" للزمخشرى عمدتها، إلى ضمائر منفصلة وضمائر متصلة، والأولى هى الضمائر المستقلة أو المنفصلة وهى أنا وأنت وهو الخ؛ أما الأخرى فتنتظم أصلا الضمائر المتصلة التى تلحق بأواخر الكلمات فى جميع الحمالات الثلاث (فعلنا، دارنا، رآنا)، وكذلك تنتظم المقدرة وجودا فحسب، مثل الضمير "هو" فى الفعل "فَعَل" ونحوه. ويسمى هذا النوع الأخير من الضمائر باسم "المستتر" فى مقابل اللاحق بآخر الكلمة الذى هو حقا "بارز" وإن كان منفصلا. ومن بين صور الضمير المستتر: "الضمير اللازم" الذى هو مع ذلك لا يظهر عموما، مثال ذلك فاعل فعل المتكلم والمخاطب.
ولم تكن هذه العبمارات الاصطلاحية قد تطورت بعد عند سيبويه، فهو لا يفرق إلا بين الإضمار المؤدى فى الواقع صوتا (إما بضمير منفصل أو لاحقة) وبين الضمير غير المصرح به (٢) انظر
стр. 6652
خاصة كتاب سيبويه، جـ ١، ص ١٨٨، س ١، ٤؛ جـ ٢، ص ٣١٨، س ١، ص ٣٢٠، س ٢٣، ص ٣٢٢، س ١٧)؛ على أننا نجد عنده بالفعل مصطلحات للضمائر إذ يقول: "المتكلم" و"المخاطب" و"الغائب" كما سمى الضمير الغائب أيضا باسم "المحدث عنه".
أما عن إعراب الضمائر فقد أثار هذا بين العرب لونًا من ألوان التمييز الدقيق المرهف الذى يقوم على نظرية فى المعرفة، بل إن سيبويه (جـ ١، ص ١٨٨، س ٩) نفسه يقول: "وإنما صار الاضمار معرفة لأنك إنما تضمر اسما بعد ما تعلم أن من تُحدِّثُ قد عرف من تعنى أو ما تعنى، وإنك تريد شيئا بعينيه"؛ وليس من الجائز أن يثار شك حول ما تشير إليه الضمائر (بما فى ذلك حالات المضاف إليه) إلا فى أمثلة نحو "أضل بدوى ناقته"، ويكاد يكون الشك فى هذا المقام قد زال (انظر مزيدا من البيان حول هذه النقطة المختلف عليها، ابن يعيش، ص ٦٨٣). على أن العرب قد انتهوا فى هذه النقطة نفسها المختلف عليها إلى الرأى السليم، وهو أن الهاء (أى اللاحقة أو الضمير فى ناقته) لا يحتمل لبس فى هذه الحالة إذ هو على الرغم من رجوعه إلى اسم لا يزال بعد غير معين فمن غير الممكن أن يقصد به بدوى ما بل البدوى الذى سبقت الإشارة إليه فعلا (المصدر نفسه، باب ١١).
ويجب أن نلاحظ أيضا أن العرب لم يكونوا يعدون أسماء الإشارة والأسماء الموصولة فى حكم الضمائر كما نفعل نحن الغربيين، بل هى تنتظم عندهم بابًا قائما بذاته هو باب "المبهمات".
المصادر:
(١) سيبويه: الكتاب، طبعة درنبورغ، جـ ١، ص ١٨٧ وما بعدها، ص ٢١٠، ٢١٨ وما بعدها، ٢١٨ وما بعدها، ٢٤٠، ٣٢٩ وما بعدها.
(٢) الزمخشرى: المفصل، ص ٥١ - ٥٥، ٨١، ٨٨، ١٤٤.
(٣) ابن يعيش، ص ٦٨١ - ٦٨٣.
(٤) Lexicon: Lane، ص ١٠٨٣.
الأبيارى [شاده A.Schaade]
стр. 6653
ط
стр. 6654
طارق بن زياد
طارق بن زياد بن عبد اللَّه، زعيم البربر، وقائد جيش المسلمين فى فتح الأندلس؛ ويذكر ابن عذارى نسبه كاملا فيقول إنه من قبيلة نفزة، ويروى الإدريسى إنه من بربر زناته، ويسميه ابن خلدون طارق بن زياد الليثى، ويقول آخرون أنه فارسى من أهل همدان.
قام طريف باستكشاف فى جنوبى الأندلس فى رمضان سنة ٩٦ هـ (يوليه سنة ٧١٠ م)، وأقدم موسى بن نصير بفضل هذا النجاح فأعد العدة لحملة أوسع نطاقًا وعهد إلى تابعه طارق بقيادتها، وكان وقتئذ قائد طليعة جيشه، وأنفذه إلى شبه الجزيرة على رأس ٧٠٠٠ رجل، جلهم من البربر، فى كتائب صغيرة فى سفن زودهم بها الكونت يوليان، ولعل عبورهم المضيق كان فى رجب سنة ٩٢ هـ (أبريل - مايو سنة ٧١١ م)، وهبط جيش طارق أوربا وجمعه طارق على جبل نسب إليه، وهو جبل كالبه Calpe القديم، الذى أقام عليه من بعد الملك عبد المؤمن الموحدى مدينة جبل الفتح (سنة ٥٥٥ هـ = ١١٦٠ م)؛ ويردد جميع الإخباريين العرب تقريبًا فى شأن اجتياز طارق للمضيق، قصة رؤيا رآها أثناء عبوره بشرت بانتصاره، وما لبث طارق أن استولى على قرطاية والجبل الأخضر، وحشد الملك رودريك القوطى جيشًا عظيما لمواجهة المسلمين بالنظر إلى الخطر الذى كان يتهدد بلاده.
стр. 6655
ثم طلب طارق من موسى بن نصير النجدة، فأنفد إليه ٥٠٠٠ رجل من البربر علاوة على السبعة الآلاف الذين سبق أن زوّده بهم؛ والإشارات الواردة فى كتب المؤرخين المسلمين والنصارى مقتضبة ولكنها دقيقة دقة كافية فى وصفهما لسير الأمور بعد الفوز، بعد المعركة الفاصلة التى وقعت بين المسلمين والقوط عند مصب وادى بكَّة Rio Barbat على شواطئ بحيرة الخندق؛ وما كان جيش طارق، وقوامه ١٢.٠٠٠ من البربر، ليثبت طويلا لولا عدول موسى بن نصير عن إحجامه عن توسيع رقعة الغزو، الذى كان قد قصد به أول الأمر أن يكون مجرد استكشاف وغارة فحسب، فقد استقر رأيه على أن يشخص إلى الأندلس على رأس جيش من العرب دون البربر. إذ غار مما أصابه تابعه من نجاح جرئ مظفر، فترك الحكم فى إفريقية لابنه الأكبر عبد اللَّه وعبر البحر إلى الأندلس فى مستهل صيف سنة ٩٧ هـ (٧١٢ م)، وكانت عدة جيشه أكثر من ١٠.٠٠٠ مقاتل بينهم الكثيرون من العرب المشهورين مع أتباعهم اليمنية والقيسية؛ واستولى هذا الجيش على مدينة شذونة وقرمونة ثم حاصر أشبيلية، وبعد ذلك ببضعة أشهر حاصر ماردة التى ظلت ثابتة سنة، إلا أن جزءًا من جيش العرب أنفذ لقتال الأمير القوطى ثيودومير فى أريولة، واستسلمت ماردة فتقدم موسى بن نصير صوب طليطلة ولحق بطارق فى الطريق، وكان طارق بعد أن هزم القوط قد حمل على إستجه ثم على طليطلة، وأنفذ فى الوقت نفسط ثلاث سرايا للاستيلاء على قرطبة وأرشذونة وألبيرة، ويقول المؤرخون العرب إن طارقا أصاب ثروة طائلة فى طليطلة، وكتب إلى موسى بن نصير يبلغه ما أحرزه من نصر.
وكان لقاء طارق بسيده من الموضوعات التى طرقها المؤرخون، وقد قال البعض إن موسى أذل تابعه إذلالا شديدًا. واستمر الغزو، وسرعان ما بلغ جيش المسلمين سرقسطة ومرتفعات أرغون وليون وأشتورش وجليقية؛ ولما عاد موسى بن ضير مع طارق إلى دمشق ليبلغا الخليفة نبأ انتصاراتهما