وكان قد قدم إلى مصر عندما ولى أيوب وزارة الخزانة وأقام هناك). وتوفى المزنى سنة ٢٦٤ هـ (٨٧٨ م) وعنه تلقى الطحاوى مسند الشافعى الذى أخطأ بروكلمان فذكره على أنه مسند الطحاوى. وقد سمع الطحاوى مسند الشافعى سنة ٢٥٢ هـ وقرأه بدوره على تلاميذه سنة ٣١٧ هـ معتمدًا، على الإسناد الذى وجده فى خير مخطوطات هذا المسند. وفى سنة ٢٦٨ هـ (٨٨١ - ٨٨٢ م) شخص الطحاوى إلى الشام ولقى فيها الشيخ الحنفى القاضى أبا الخازم عبد الحميد ابن جعفر، كما لقى غيره فى بيت المقدس وغزة وعسقلان، ولكنه عاد إلى مصر فى السنة التالية.
وكان الطحاوى فى شبابه فقيرًا جدًا، على أنه وجد فى ظل محمد بن عبدة راعيا يستظل به، وكان ابن عبده شيخ قضاة مصر من سنة ٢٧٧ إلى سنة ٢٨٣. ويذكر كتّاب السير كيف أخذ شيخ القضاة هذا يسبغ عليه النعم حتى لقد جعله فى مناسبة من المناسبات يتلقى العطايا التى كانت موجهة إليه هو والشهود العشرة علاوة على النصيب الذى خص الطحاوى هو نفسه. وتأثر الطحاوى بهذه المنة وشاء أن يجازى القاضى محمدًا على هذا الفضل بما جبل عليه، وهو الفقيه، من إحقاق للحق، فلم يدخر وسعا فى أن يظهر لكل من يقدم على مجلس القاضى جلال منصب راعيه وخطره. وبرز شأن الطحاوى حين احتاج أبو الجيش ابن أحمد بن طولون إلى شهادة. ووقع الشهود بالصيغة المألوفة: "أشهدنى الأمير أبو الجيش. . الخ"، فلما جاء دور الطحاوى كتب: "أشهد على إقرار الأمير أبى الجيش. . بجميع ما جاء فى هذا الكتاب. . " وتعجب الأمير ومنح الطحاوى جائزة مناسبة مما أثار عليه سائر الشهود. وانتهى الأمر بأن التمس أعداؤه سببًا لاتهامه بسوء إدارة الأوقاف فزج به فى السجن. ولم تذكر الرواية كم بقى فى السجن، ولكننا نلمح بصيصًا آخر من النور فى رواية لمسلمة بن قاسم الأندلسى فحواها أن صديقا له عاد من مصر إلى الأندلس سنة ٣٠٠ هـ، أخبره أن أهل مصر
стр. 6687
كانوا فى حالة من الهياج الشديد بشأن سوء أحكام الطحاوى الفقهية، وخاصة تلك الفتوى الشرعية التى أصدرها فى مصلحة الأمير أبى الجيش بخصوص خصيانه.
ولم يتول الطحاوى قط منصب القاضى، وإن كان شيوخ القضاة قد دأبوا على استكتابه، وقد عمل بهذه الصفة أيضًا فى خدمة أبى عبيد على ابن حسين بن حرب الذى كان شيخا للقضاة من سنة ٢٩٣ - ٣١١ هـ. وقد ألف الطحاوى أن يقول لأبى عبيد فى المسائل الخلافية: إن ابن أبى عمران كان يقول بكيت وكيت، فضاق أبو عبيد بذلك آخر الأمر وقال له إنه كان يعرف أبا عمران حق المعرفة، ولكن البغاث بأرض الطحاوى تستنسر، فأمسك الطحاوى وذهبت كلمة أبى عبيد مثلا.
وانصرف الطحاوى فى آخر أيامه إلى إصدار الفتاوى إلى جانب تأليف كتبه الكثيرة، على أنه كان يصطنع الكياسة دائمًا فى فتاواه، فإذا أثيرت المسائل المطلوب الإفتاء فيها فى حضرة القاضى أسند الفتوى إلى القاضى، إلا إذا رخص له القاضى بصفة خاصة أن يفتى على مسؤوليته.
وتوفى الطحاوى بحسب رواية المؤرخ ابن يونس فى السادس من ذى القعدة سنة ٣٢١ هـ (٣١ أكتوبر سنة ٩٣٣)، ويقول ابن خلكان: إن وفاته كانت ليلة الخميس من غرة هذا الشهر، ودفن بالقرافة. ويخطئ الفهرست فيقول إنه توفى سنة ٣٢٢.
وكان الطحاوى فى المقام الأول فقيهًا، أجمعت الأقوال على الثناء على براعته فى كتابة العقود السليمة، ولكنه إلى ذلك يدخل فى زمرة المحدثين، وقد روى بهذه الصفة مسند الشافعى، ومع ذلك فإن بين أيدينا مصدرًا أو أكثر يقول إن الحديث لم يكن فى الحق ميدانه. ومهما يكن من شئ فإن كتبه الكبرى حافلة بشواهد الحديث، كان كانت هذه الشواهد تروى دائما للاستشهاد بها فى المسائل الفقهية. وتواليف الطحاوى كثيرة مختلفة بين مخطوط ومطبوع، ويذكر له كتاب سيرته ما يأتى: (١) "معانى الآثار" وهو باكورة كتبه، وقد طبع فى لكهنو
стр. 6688
وعليه شروح أربعة مجلدات كبيرة من قطع الربع (٢) "اختلاف العلماء"، وهو مخطوط بالقاهرة (٣) "أحكام القرآن" فى عشرين كراسة (٤) "مختصر فى الفقه" وهو كتاب كان يعتز به المؤلف كثيرًا، وله عدة شروح أقدمها كتبه أحمد بن على الجساس (مخطوط بالقاهرة)؛ (٥) "شرح الجامع الصغير" (٦) "الشروط الكبير" وهو مخطوط غير كامل محفوظ بالقاهرة، وقد نشر منه شاخت جزءًا فى هيدلبرغ ١٩٢٦ م (٧) "الشروط الأوسط" (٨) "الشروط الصغير" (٩) "محاضر وسجلات ووصايا وفرائض" ولعلها عدة مقالات، وشاهد ذلك أن الوصايا قد ذكرها بعض كتاب السير مستقلة بذاتها (١٠) "شرح الجامع الكبير" (١١) "نقض كتاب المدلسين" فى الرد على الكرابيسى (١٢) "التاريخ الكبير" والراجح أنه ضرب من معاجم سير الفقهاء (١٢) "مناقب أبى حنيفة" فى مجلد واحد (١٤) كتاب فى القرآن ذكره القاضى ابن عياض فى كتابه الإكمال، وهو يشمل ألف ورقة تقريبًا، ولعله هو كتاب "مشكل الآثار" (١٥) "النوادر الفقهيه" فى نيف وعشرين كراسة (١٦) "حكم أراضى مكة وقسم الفئ والغنائم" (١٧) "الرد على عيسى بن أبان" وهو يرد فيه على كتاب عيسى "خطأ الكتّاب" (١٨) "الرد على أبى عبيد فيما أخطأ فى كتاب النسب" (١٩) "اختلاف الروايات على مذاهب الكوفيين" (٢٠) "مشكل الآثار" وهو آخر كتبه، وقد أودعه غاية ما وصل إليه فى دراساته، وطبع بحيدرآباد فى أربعة مجلدات كبيرة من قطع الربع سنة ١٣٣٣ هـ. وقد اختصر هذا الكتاب الفقيه المالكى ابن رشد (٢١) "رسالة فى أصول الدين" وتعرف أيضًا باسم "عقيدة أهل السنة والجماعة"، وقد طبعت فى قازان سنة ١٨٩٣ وفى الهند، وهى رسالة صغيرة فى عشر ورقات أو نحوها تبين العقيدة فى لغة فقهيه واضحة. وقد شرحها عدد من الشراح؛ (٢٢) "النوادر والحكايات" فى عشرين كراسة (٢٣) وينسب إليه بعض كتّاب السير كتابين بعنوان "المختصر الكبير" و"المختصر
стр. 6689
الصغير"، ولكن يظهر أن الكتاب الثانى هو الذى شرح كثيرًا (٢٤) وقد ذكر له كتاب "الجواهر المضيئة" كتابًا استند فيه الطحاوى إلى كتب العزل، ولكن لا أستطيع أن أجزم بأننى أصبت فى فهم ذلك.
وقد دأبت كتب الفقه الحنفى على الاستشهاد بالطحاوى، وتتلمذ عليه أو سعى إليه فى مصر للإفادة من علمه عدد كبير جدًا من الناس، ذكر منهم كتاب السير الكثير، وخاصة كتاب الجواهر وكتاب لسان الميزان. ونذكر من هؤلاء: عبد العزيز بن محمد التميمى، الذى أصبح من بعد قاضى مصر ومقدمًا على الطحاوى؛ ومسلمة بن القاسم القرطبى؛ وعبد اللَّه بن على الداؤودى الذى كان يعد إمام الظاهرية فى أيامه؛ والقاضى المشهور ابن أبى العوام؛ وسليمان بن أحمد الطبرانى صاحب كتاب "المعجم" وغير ذلك من الكتب.
المصادر:
(١) الفهرست، طبعة فلوكل، ص ٢٠٧.
(٢) ابن خلكان، طبعة فستنفلد، رقم ٢٤؛ طبعة القاهرة سنة ١٣١٠، جـ ١، ص ١٩.
(٣) السمعانى: الأنساب، سلسلة كب التذكارية، ص ٣٦٨ من أعلى- ٣٩٦.
(٤) الجواهر المضيئة، طبعة حيدر آباد، جـ ١، ص ١٠٢ - ١٠٥.
(٥) الذهبى: تذكرة الحفاظ، جـ ٣، ص ٢٩.
(٦) ابن حجر: لسان الميزان، جـ ١، ص ٢٧٤ - ٢٨٢.
(٧) السيوطى: حسن المحاضرة، جـ ١، ص ١٦١.
(٨) ابن قتلبغا، رقم ١٥.
(٩) اللكهنوى: الفرائد البهية، القاهرة ١٣٢٤ هـ، ص ٣١ - ٣٤.
(١٠) ابن تغرى بردى، طبعة كوينبول، جـ ٢، ص ٢٥٥ وما بعدها.
(١١) ياقوت: المعجم، طبعة فستنفلد، جـ ٣، ص ٥١٦
стр. 6690
(١٢) اليافعى: المرآة، جـ ٢، ص ٢١٨.
(١٣) الكندى: ولاة مصر، فى مواضع مختلفة، والمقدمة ص ١٨.
(١٤) Classen der hanefitischen Rechtsgelehrten: Flugel، ص ٢٩٦ وما بعدها.
(١٥) Gesch. der Arab. Lit.: Brockelmann جـ ١، ص ١٧٣.
(١٦) حاجى خليفة: كشف الظنون، فى مواضع مختلفة، وانظر رقم ٤١٣١.
(١٧) وقد استشهدت جل كتب الفقه الحنفى بالطحاوى.
خورشيد [كرنكو F.Krenkow]
طرابليس
مدينة على الساحل الشمالى لإفريقية، على خط ١٣ ْ ٢٠ َ شرقا، وخط عرض ٣٢ ْ ٥٠ َ شمالا، وهى الآن مقر حكومة بلاد طرابلس، وإحدى الولايتين اللتين تتألف منهما ليبيا الإيطالية (١)، وقد بلغ عدد سكانها المسلمين، وفقا للتعداد الذى قامت به بلدية طرابلس سنة ١٩١٤: ١٩.٩٠٧ نسمات بما فى ذلك المنشية Menscia، وكان عدد سكانها اليهود ١٠.٤٧١ نسمة؛ وبلغ عدد الأوربيين فى مدينة طرابلس وحدها ١٤.١٨٠ نسمة، ولعل عددهم بلغ ٢٥.٠٠٠ فى سنة ١٩٢٨ فيكون المجموع نحو ٦٠.٠٠٠ نسمة.
والاسم تريبولس Tripolis الذى أطلق على الأقليم الذى كان يتكون من المدن الثلاث سبرته Sabrata وأويا Oea ولبتيس (ليكى) (Leptis (Lepqi وأصله فينيقى قرطاجنى، لم يظهر إلا على يد الكتاب الرومان الذين عاشوا فى القرن الرابع الميلادى؛ على أن الاسم تريبوليتانيا Tripolitania كان قد أطلق منذ القرن الرابع الميلادى؛ على أن الاسم تريبوليتانيا Tripolitania كان قد أطلق منذ القرن الثالث الميلادى على الإقليم الذى كان يسمى أيضا سرتيكا Sirtica كان يدار من المركز الإدارى تكابه Tacape أى قابس. ونجد فى العهد
стр. 6691
البوزنطى أن الاسم تربيولس قد أطلق على مدينة أويا، وتأيد هذا الاستعمال فى عهد الفاتحين العرب ممثلا فى صيغة طرابلس وأطرابلس وأضيف إلى هذه الصيغة "الغرب"، تمييزًا لها عن طرابلس الشام.
وكانت مدينة أويا القديمة، إحدى مراكز سرتيكا التجارية، مستعمرة فينيقية فى أول الأمر، ثم أصبحت مستعمرة قرطاجنية؛ وبدأ النفوذ الرومانى يسود فى القرن الثانى الميلادى أثناء الحروب البونية. ونستطيع أن نرد تاريخ الحكم اليونانى المباشر إلى أواخر العهد القرطاجنى (١٤٩ ق. م).
وكان جل المدينة القديمة يقع فى الجزء الغربى من المدينة الحالية حول قوس مرقس أوريليوس Marcus Ayrelius الذى لا يزال باقيا، وقد أقامه سنة ١٦٣ ميلادية كليورنيوس C.Calpurhius Celsus (cutaator muneris et publicus munerarius) فى عهد الوالى الرومانى كورنيليوس أورفيتوس Cornelius Oritus، وأهداه إلى الإمبراطورين أوريليوس أنطونينوس M. Aurelius Antontus ولوشيوس فيروس Lucius Verus؛ على أنه لم يكن لأويا شأن سياسى أو عسكرى أو اقتصادى، بالرغم من ثغرها الذى كان يحميه حاجز من الصخور؛ وكان لمركزى سبرته ولبتيس التجاريين وقتذاك شان عسكرى واقتصادى أكبر مما كان لأويا.
ويمكن أن نرجع أول سور للمدينة إلى القرن الرابع الميلادى وقتما أخذت غارات البدو التى كانوا يشنونها من الداخل تهدد المدينة. ويقول بروكويبوس Procopius إن الوندال الهمج دمروا أسوار المدن الإفريقية، ولكن من المحقق أن البوزنطيين بادروا إلى إعادة بنائها؛ ونحن نجد فى طرابلس أيضًا أن الأقسام التى ثبتت من الأسوار لعوادى الزمان، وتهدمت بعض أجزائها منذ الاحتلال الإيطالى، لا تزال تحتفظ بآثار من الفن البوزنطى؛ ولم تكن الأسوار تحيط بالمدينة فى ذلك الجانب المشرف على البحر، ومن ثم استطاع الفاتحون العرب أن يدخلوها من الغرب مسايرين الساحل.
стр. 6692
وقد احتل الوندال طرابلس حوالى سنة ٤٣٩ م، وظلوا يحكمونها حتى سنة ٥٣٥ م فيما عدا الفترة التى استغرقتها حملة هرقل Heraclius، والتى أنفذت من بوزنطة سنة ٤٦٨؛ وقد غزا بليزاريوس Belisarius ولاية إفريقية القديمة سنة ٥٣٣ م، ثم سير أيضًا جيشًا إلى طرابلس، وبذلك يمكن أن نقول إن طرابلس كانت خاضعة للدولة الرومانية الشرقية منذ سنة ٥٣٥ م؛ والظاهر أن المذهب الكاثوليكى الذى اضطرب حبله بسبب غزو الوندال الآريين وفتن القبائل فى الداخل عاد فازدهر فى طرابلس نحو قرن من الزمان.
والمؤرخون غير متفقين على تاريخ الاحتلال الإسلامى، فيذهب بعضهم إلى أنه حدث سنة ٢٢ هـ (٦٤٢ - ٦٣٤ م) ويذهب البعض الآخر إلى أنه حدث بعد ذلك بسنة ولعل طلائع غزاة مصر من العرب قد اندفعوا حتى بلغوا طرابلس سنة ٢٢ هـ، ثم أنفذت حملة أخرى إليها سنة ٢٣ هـ.
ومن المعروف أن الحملات الإسلامية الأولى كانت أقرب إلى الغارات منها إلى الفتح، ذلك أن المغيرين لم يوطدوا أقدامهم فى ذلك الحين لا فى داخل ولاية طرابلس ولا فى طرابلس نفسها، وإنما حدث فى تاريخ متأخر أن اجتازها عبد اللَّه بن سعيد ومعه عقبة بن نافع، وكان ذلك سنة ٢٦ هـ (٦٤٧ - ٦٤٨ م)؛ وتغلغل عقبة بن نافع سنة ٤٥ - ٤٦ هـ فى غزو إفريقية، وزودت طرابلس فى نحو ذلك الوقت بحامية (جند) دائمة؛ ونحن لا نعرف أسماء ولاة المدينة.
وفى سنة (١٣١) هـ (٧٤٨ - ٧٤٩ م) سار عبد الرحمن بن حبيب، والى إفريقية بعد سنة ١٢٦ هـ إلى طرابلس وقتل رجلين من أهل طرابلس هما عبد الجبار والحرث وهما من بربر الإباضية؛ وفى سنة ١٣٢ هـ أعاد بناء أسوار المدينة. ويقول ابن خلدون إن بكر بن عيسى القيسى كان يحكم المدينة آنئذ، وإنه قتل خلال الفتنة؛ وساد الاضطراب برابلس وأرباضها خلال القرنين الثانى والثالث بسبب الفتنة السياسية الدينية التى قام بها الإباضيون، وقد وجدت هذه الفرقة
стр. 6693
أتباعا كثيرين بين بربر هوارة وزناتة، وكانوا العنصر الغالب على السكان. وحوالى سنة ١٤٠ هـ (٧٥٧ - ٧٥٨ م)، خرج الإمام أبو الخطاب المعافرى الإباضى من طرابلس فى الفتنة المعروفة باسم فتنة ورفجومة التى هددت ملك العرب فى إفريقية الشمالية تهديدًا خطيرًا، إلا أنها أخمدت على يد محمد بن الأشعث الذى أنفذه الخليفة المنصور فى وقعة توارغة (١٤٣ هـ = ٧٦٠ - ٧٦١ م)، وقامت فتن أخرى فى السنوات التالية بسبب الإباضية المتمردين، وتكرر حصار طرابلس والهجوم عليها. ونحن نعلم أن هرثمة، والى إفريقية، أمر ببناء السور على الجانب المحازى للبحر سنة ١٧٩ - ١٨٠ هـ (٧٩٥ - ٧٩٧ م)، جاسم العباسيين (البكرى، ترجمة، de Slane ص ٢٥؛ ابن الأثير، جـ ٦، ص ٤٩؛ ابن عذارى، ترجمة Fagnan، جـ ١، ص ١٠٧).
وظلت طرابلس تحت حكم الأغالبة من سنة ١٨٤ هـ حتى سنة ٢٩٦ م (٨٠٠ - ٩٠٩ م)، على أن هذا القرن لم يكن من القرون التى سادها الهدوء، فقد ذكر ابن خلدون من بين الفتن الكثيرة تلك الفتنة التى قامت سنة ١٩٦ هـ (٨١١ - ٨١٢ م) لمناهضة عبد اللَّه ابن الأمير إبراهيم بن الأغلب وخليفته سفيان بن المضاء، وكان زعماء هذه الفتنة هم أيضًا من البربر الإباضية الذين اتخذوا من جبل نفوسة مركزًا لمقاومتهم؛ ثم غزا العباس بن أحمد بن طولون أمير مصر، ولاية طرابلس فى عهد الأمير زيادة اللَّه الأغلبى، وأوقع العباس الهزيمة بمحمد بن فرهب والى طرابلس سنة ٢٦٥ هـ (٨٦٨ - ٨٦٩ م) فى لبدة وحاصره ٤٣ يومًا فى طرابلس.
وخضعت طرابلس للعبيديين أثناء حكمهم لشمالى إفريقية، وكانوا هم الذين يقيمون ولاتها؛ وقد ورد ذكر فتنة أخمدها أبو القاسم سنة ٣٠٠ هـ (٩١٢ م)؛ انتقل العبيديون إلى مصر، حكم طرابلس أول الأمر بنوزيرى الذين تركهم العبيديون فى إفريقية يتولون أمرها باسمهم، على أنه لم ينقض وقت طويل حتى استتب الأمر
стр. 6694
لبنى خزرون، وهم عشيرة من البربر تنحدر من قبيلة زناتة، فاستلقوا بأمرها (٣٩١ - ٥٤١ = ١٠٠٠ - ١١٤٥ م)
على أن تاريخ هذه الفترة التى بلغت قرنًا ونصف قرن من الزمان ليس واضحًا تمام الوضوح بالرغم من المعلومات التى زودنا بها ابن عذارى وابن خلدون وابن الأثير، ونعمت طرابلس حينا من الزمن بحكم ذاتى يكاد يكون كاملًا، على أن هذا الحكم كانت تتنازعه الخلافات الداخلية.
وكان من شأن غزوة بنى هلال وبنى سليم، تلك الغزوة التى غيرت النظام السلالى والسياسى فى إفريقية الشمالية تغييرًا بالغ الأثر، أن أطاحت بحكم بنى خزرون فى طرابلس، وظلت المدينة أثنتى عشرة سنة (١١٤٦ - ١١٥٨) تحت حكم النورمنديين، ثم غزاها الموحدون، وظلت فى قبضة أيديهم قرنًا أو نحو قرن، تتخلله الغزوات والفتن التى تسبب فيها قرقوش المغامر وبنو غانية.
ونحن نعرف عن أحوال طرابلس فى عهد بنى حفص أكثر من ذلك، بفضل ابن خلدون والتيجانى والزركشى، فقد انقضت تبعية طرابلس للموحدين سنة ٦٤٦ هـ (١٢٤٧ - ١٢٤٨ م)، عندما أقيم محمد بن عيسى الهنتانى واليًا على المدينة؛ واجتاز التيجانى طرابلس سنة ١٣٠٨ م. فوجد واليها الحفصى يقيم فى قصبة (أى قصر)، لعلها فى موضع القصبة الحالية، وكان يحكم المدينة الوالى ومجلس من عشرة من الأعيان يجتمعون فى مسجد يسمى مسجد العشرة، وقد شاهد الرحالة فى طرابلس حمامًا جميلا وشوارع عريضة نظيفة يلتقى معظمها فى زوايا قائمة، وأعجب بقوس مرقس أوريليوس وبالمسجد الأعظم وبكثير من المزارات وبمدرسة كانت تسمى المدرسة المستنصرية وبأسوار قوية عنى القوم بصيانتها وتمتد الخنادق أمام بعض أجزائها، وكانت حياة المدينة العقلية مزدهرة فى ذلك الوقت تحفل بالكثير من المثقفين.
وقد ظهرت طرابلس، بعد زيارة التيجانى بوقت قصير، فى تاريخ المنافسات الداخلية بين الأسرة
стр. 6695
الحفصية، وذلك فى عهد اللحيانى، وقد حدث من بعد أن قامت فى المدينة أسرة حاكمة أخرى مستقلة برأسها أو تكاد بالرغم من دوام حكم الحفصيين، وهى أسرة بنى ثابت أو بنى عمار، وهم قوم من البربر (١٣٢٤ - ١٤٠٠ م)، وفى تلك الفترة غزا فيلييو دوريا Filippo Doria البندقى المدينة بضعة أيام ونهبها سنة ١٣٥٤، وباعها فى الحال لقاء ٥٠.٠٠٠ مثقال من الذهب للمرينيين. وقد جعل السلطان أبو فارس الحفصى نفوذه المباشر ملموسًا حتى طرابلس وذلك لعشرات من السنين بعد ذلك التاريخ، وكادت المدينة بعد هذا تصبح مستقلة بأمر نفسها فى ظل ولاتها إلى سنة ١٥١٠ م، وهو تاريخ الغزو الأسبانى.
وكان بطرس أمير نافار (نبرة) Petrer of Navarre قد غزا وهران سنة ١٥٠٩ وبجاية فى يناير سنة ١٥١٠، وأصاب المدينة تلف كبير من هجوم الإسبان عليها ونهبهم لها، على أن الإسبان أعادوا بناء القصبة على نحو ما بقيت عليه حتى الآن أو تكاد، كما قاموا بترميم أسوارها؛ ولا نعرف إلا القليل عن الحكم الإسبانى الذى استمر عشرين عاما (١٥١٠ - ١٥٣٠ م).
وقد زارت المدينة سنة ١٥٢٤ لجنة من تلك الطائفة التى عرفت من بعد باسم فرسان مالطة، وكانت قد تركت رودس ولجأت إلى كيفيتا فششيا Civita Vecchia وفيتربو Vitebro، ثم أقطع الإمبراطور شارل الخامس تلك الطائفة الأرخبيل المالطى سنة ١٥٣٠ فأصبحت طرابلس من نصيب الحكام الجدد؛ وظل فرسان مالطة فى طرابلس من سنة ١٥٣٠ حتى سنة ١٥٥١ م، وثبتوا للحملات التى كان يشنها العرب المتمردون الذين كانوا يتلقون العون من القراصنة المغاربة المتحالفين مع الباب العالى؛ وكان خير الدين بربروسه قد احتل تونس سنة ١٥٣٣ وراح يهدد طرابلس؛ وجاء بعده مراد أغا، وهو قرصان وصل من الآستانة، ووجه من تجورة غارات متصلة على طرابلس من البر والبحر، وكان للطائفة فى طرابلس حامية من الفرسان والمرتزقة الإيطاليين
стр. 6696
والإسبان، وقد اقتصر سلطانها على المدينة وعلى ما جاورها مباشرة؛ وفى الخامس من أغسطس سنة ١٥٥١ م حاصر المدينة سنان باشا هو ودرغوث باشا ومراد أغا، واستولوا عليها فى ١٣ من أغسطس، واستطاع الحاكم، وهو القائد الراهب جاسبار دى فالييه Fra Gaspar de Valier, أن يرحل إلى مالطة مع فرسان الحامية، وقتل معظم المرتزقة؛ وأصبح مراد أغا الوالى الجديد يتولى الحكم باسم الباب العالى حاملا لقب بكلربك، وقد خلد اسمه بالمسجد الجامع القائم فى تجورة، وخلفه حوالى سنة ١٥٥٤، درغوث باشا، وهو من الشخصيات ذات الشأن فى تاريخ آل عثمان وتاريخ البربر، وبخاصة فى تاريخ طرابلس؛ وقد قتل هذا الرجل فى حصار مالطة (١٥٦٥ م) ودفن فى المسجد الذى أقامه فى طرابلس؛ وحاولت إسبانيا، كما حاول فرسان مالطة، انتزاع المدينة من الترك، وانتهت حملة ١٥٥٩ - ١٥٦٠ بكارثة حلت بهم فى جزيرة جربة، وباءت المحاولة التى بذلوها سنة ١٥٨٩ - ١٥٩٠ بالفشل بالرغم من تفاهمهم مع مرابط من المتمردين يدعى يحيى، وكثيرًا ما كانت تدخل سفن (غلايين) مالطة ميناء طرابلس وتحرق سفنها.
وكانت طرابلس مقر الأورجاق الذى يحمل الاسم نفسه، وهو أحد الأوجاقات الثلاثة التى كانت للإنكشارية فى المغرب، وكان كبيرهم الموفد من الآستانة يحمل لقب باشا؛ على أنه سرعان ما قامت حكومة من حكومات الأقلية بين الإنكشارية إستأثرت بالحكم فى طرابلس، كما حدث فى تونس والجزائر، نظرا لبعد المسافة والانحلال الذى دب فى الحكومة المركزية، ونشأت الطبقة العنصرية القلغلى نتيجة للتزاوج بين أفرادها وبين أهل البلاد، وكان النصارى الذين أسلموا كثيرين ولهم سلطان كبير، وكان الباشا يحكم يعاونه ديوان، وكان يرأس الردارة داى، كما كان يرأس الجيش بك، وكان الداى والبك فى كثير من الأحوال هما سيدا المدينة الحقيقيان. وتاريخ طرابلس كله فى القرن السابع عشر ومستهل القرن الثامن عشر يزخر بهذه الفتن التى كان يقوم بها الإنكشارية؛ وكانت الحكومة
стр. 6697
المركرية تزداد ضعفا والفوضى تنشب فى الداخل، على حين كان سلطان القناصل يزداد وبخاصة قناصل فرنسا وانجلترا وسردانية من بعد.
وبدأت طرابلس تمر بفترة عظم فيها سلطانها حين تولى أمرها محمد باشا ساقزلى من أهل خيوس، وقد حكم محمد من سنة ١٠٤٢ هـ إلى سنة ١٠٥٩ هـ (١٦٣٢ - ١٦٤٩ م)، وخلفه زوج ابنته عثمان باشا، وهو أيضًا من خيوس (١٦٤٩ - ١٦٧٢ م)، وفى هذه السنوات الستين، التى حدث خلالها حصار خانية المشهور (١٦٤٥ - ١٦٦٩)، ازدادت جرأة أسطول القرصان فى طرابلس عما كان عليه فى الماضى، وغنم غنائم كثيرة، وازدانت طرابلس بمساجد كثيرة وحمامات عامة؛ وفى عهد خلفائهما قضت انجلترا سنة ١٦٧٦ وفرنسا سنة ١٦٨٥ على صلف هؤلاء القراصنة الذى لا يحتمل بالتهديد وضرب المدينة بالمدافع، واستمر الصراع الداخلى حتى سنة ١٧١١ وهنالك نجح أحمد قره مانلى فى إقامة أسرة حاكمة، بعد أن قتل خصومه، وقد حكمت هذه الأسرة بموافقة الآستانة أكثر من قرن (١٧١١ - ١٨٣٥). وقد خلفت أسرة قره مانلى آثارًا كثيرة فى طرابلس فى ذلك الجزء الباقى من المدينة الإسلامية المغربية، ومن ثم وجب علينا أن نسهب فى ذكر تاريخ هذه الأسرة.
كان أحمد قره مانلى (١٧١١ - ١٧٤٥) رأس هذه الأسرة رجلا عالى الهمة جم النشاط، وقد نعمت طرابلس أثناء حكمه الذى دام ٣٤ عامًا بالرخاء الاقتصادى وبالسلام إلى حد ما، وشعر الناس بقوتها أكثر من أى وقت مضى فى داخل طرابلس نفسها حتى فزّان وإقليم برقة، وكشف أحمد النقاب سنة ١٧٢١ عن مؤامرة تدبر لاغتياله، فاستولى بمعاونة أسرته وأصدقائه على جهاز الإدارة والحكم فعلا، وكتب مؤرخ اسمه ابن غلبون تاريخ طرابلس حوالى سنة ١٧٣١ - ١٧٣٢. وقد تحدث ابن غلبون فى معظم كتابه عن عهد قره مانلى، وكان ثمة شعراء أيضًا أشادوا بمغامراته وكرمه، على أنه كان قاسيًا وطاغية على أعدائه وعلى كل الذين كانوا يثيرون شبهته، وتوفى وهو كفيف البصر سنة ١٧٤٥. ويذكر ابن غلبون من مآثره كثيرًا من الأوقاف التى أوقفها على المدينة، كما أنشأ
стр. 6698
قنطرة معلقة تأخذ الماء من عين قريبة بدولاب وتزود به الحصن والمساجد، وكذلك أنشأ أحمد نافورة على الشاطئ تزود البحارة بالماء؛ إلا أن أروع ما يخلد ذكراه هو ذلك المسجد الذى أقامه (١٧٣٧ - ١٧٣٨) على الجانب المشرف على الحصن وألحق به مدرسة لا يزال الطلاب يختلفون إليها، وأغناها بكثير من الموارد ومن بينها دخل السوق المجاورة. وجمّل الحصن بغرف جديدة أنشأها ثم جدده، وقد لقى الشدائد من الدول الكبرى ومن القناصل بسبب الأضرار التى لحقت بتجارة البحر على يد قراصنته، إلا أنه أظهر من الإنسانية نحو النصارى بل الكرم فى كثير من الأحيان ما جعلهم يأخذون منذ ذلك الحين فى الاستقرار بأعداد غفيرة فى المدينة، وراحوا يمارسون صناعاتهم وحرفهم، وأحسن أحمد أيضًا معاملة بعثة الفرنسيسكان ثم خلفه ابنه محمد باشا قره مانلى (١٧٤٥ - ١٧٥٤)، وكانت مدة حكمه أقصر من أن تترك له أثرًا باقيًا، ودافع الانجليز بحرارة سنة ١٧٥١ عن حقوق مواطنيهم فى البحار؛ وأخمد محمد سنة ١٧٥٢ فتنة قام بها الألبانيون، وخلف محمدًا ابنه على باشا (١٧٥٤ - ١٧٩٣) ومدة حكمه معروفة جيدا بفضل المصادر التاريخية العديدة، المطبوع منها والمخطوط. وفى سنة ١٧٦٥ وقع على فى البندقية، جوساطة سفير من السفراء، على معاهدة صلح مع هذه الجمهورية، إلا أنه نكث بعهوده فى السنة التالية فأكرهه أسطول من البندقية عقد لواؤه الكابتن كياكومو نانى Captian Ciacomo Nani, على الوفاء بها؛ وكانت الحكومة فى عهد على باشا مؤلفة على الوجه التالى: الباشا رئيس الدولة الأعلى، ويساويه فى سلطانه الملكى أو يكاد البك قائد الجيش، والأغا رأس الإنكشارية، والكخيا عاهل الدولة المدنى الأول ومستشار الباشا، والرئيس قائد أسطول القراصنة، والخازندار، أمين خزانة الدولة، وشيخ كان يدير دفة الأعمال بالمدينة وكان أشبه بالعمدة، وخوجه يعاونه كتاب آخرون فى ديوان الحكومة، وكانت تتخذ قرارات لها شأنها فى ديوان المجلس المؤلف من رجال كانوا سفراء فى أوروبا أو قوادا من العسكريين، وقيل أن على باشا كان قد بدأ يهمل استشارة الديوان.
стр. 6699
واجتاح طرابلس سنة ١٧٨٤ - ١٧٨٥ قحط مروع كما اجتاحها الطاعون، ويقال إن ربع السكان الذين كان يبلغ عددهم ١٤.٠٠٠ نسمة لقوا حتفهم؛ ولم يكتب لعهد على قره مانلى التوفيق بالنسبة للمشاحنات العائلية التى أثارتها أطماع يوسف بك، أحد أبنائه، فقد بلغت به الحال سنة ١٧٩٠ أن قتل أخاه حسن بك وهو بين ذراعى أمه لاله حلّومة، وأصبح يوسف بك طريد القانون وراح يشهر الحرب على أبيه؛ وحدث فى سنة ١٧٩٣ أن دخل رجل يدعى عليا برغل، وكان من قبل ضابطا فى الجزائر، ميناء طرابلس ببعض سفن وشرذمة من المرتزقة اليونانيين، واحتل المدينة فى ليلة الثلاثين من يولية؛ ولجأ على باشا إلى تونس، ثم عاد منها سنة ١٧٩٥ ومعه أطفاله، بفضل معاونة حمودة باشا أمير تونس، وارتد على برغل إلى البحر فى ليلة الثامن من فبراير.
وتولى أحمد باشا الثانى، ابن على باشا قره مانلى، الحكم بينما كان أبوه، الذى توفى سنة ١٧٩٥ لا يزال على قيد الحياة، إلا أنه لم يستطع أن يحتفظ بالحكم بسبب غيرة أخيه يوسف الذى حل محله فى يونيه سنة ١٧٩٥.
وكان يوسف باشا قره مانلى (١٧٩٥ - ١٨٣٢) يتصف إلى جانب شجاعته وبعد نظره بما يتصف به عواهل المغاربة من الغدر والمكر والقسوة؛ وقد عنى بإصلاح الاستحكامات وجدد أسوار المدينة بين الميناء والحصن كما يستفاد من نقش تاريخه سنة ١٢١٥ هـ (١٨٠٠ - ١٨٠١ م) فى جوار سوق النجارة، وقد اكتسبت ولاية طرابلس أهمية دولية خلال حروب نابليون، بسبب الحملة المصرية واحتلال مالطة، وكان المفروض أن تتخذ طرابلس قاعدة لتزويد مالطة بالطعام وللاحتفاظ بالعلاقات مع مصر بعد أن سيطر الانجليز على البحر، على أن هذا لم يكن ممكنا، ذلك أن الانجلير كانوا قد سدوا ميناء طرابلس وبسطوا رعايتهم على القنصل الفرنسى وأنزلوه فى جنوة، ثم استأنفت فرنسا علاقاتها الودية مع يوسف باشا سنة ١٨٠١؛ وكانت طرابلس على علاقة سيئة بالولايات المتحدة سنة ١٨٠٣ - ١٨١٥ فقد كانت السفينة "فيلادلفيا" قد أنفذت لتأديب القراصنة فجنحت على صحور الميناء واحترقت، فاستنجد الأميريكيون بأحمد
стр. 6700
قره مانلى، الأخ المخلوع عن عرشه، وحاولوا إثارة الفتنة فى برقة، إلا أنهم لم يستطيعوا أن ينالوا من الباشا الداهية، واستمرت القرصنة فى هذا الوقت، فقد بقيت حتى عهد يوسف باشا وكان على رأس الأسطول زوج ابنته مصطفى كرجى، الذى جمع ثروة طائلة أنفق بعضها فى تشييد المسجد الذى يحمل اسمه ١٢٤٩ = ١٨٣٣ - ١٨٣٤ م)؛ وعلى إثر القرارات التى اتخذت فى مؤتمر فينا سنة ١٨١٥ وفى إكس لاشابيل، بلغ اللورد إكسماوث (Exmouth) طرابلس سنة ١٨١٦ على رأس أسطول بريطانى؛ وجددت شروط التسليم لمصلحة انجلترا ووضعت للمرة الأولى لمصلحة سردانية، وقد أنفذت سردانية سنة ١٨٢٥ أسطولا إلى طرابلس تحت إمرة القائد سيفورى Sivori بقصد حل المشكلات التى أثارها الباشا بشأن الجزية التى جرى الأمر بأدائها كلما تغير القنصل، وأحرقت بعض السفن الطرابلسية ونال قنصل سردانية الترضية التامة؛ وفى ذلك العهد (١٨١٥ - ١٨٣٠) كان سلطان القناصل يفوق سلطان الباشا، وكان القنصل الفرنسى روسو Rousseau والقنصل الانجليزى وارنكتون Warrington يتنافسان، وكان كل منهما جم النشاط بصفة خاصة.
وقام أسطول نابولى سنة ١٨٣٠ بحملة فاشلة على طرابلس، إلا أن سلطان القراصنة أصيب بالضربة القاضية فى السنة نفسها، فقد احتل الفرنسيون الجزائر واشترط أمير البحر روزامل Rosamel فى التاسع من أغسطس وضع حد للقرصنة وتحرير جميع الأرقاء النصارى، وكان له ما أراد.
وكان يوسف باشا قد انتزع السلطان من أخيه، ثم منى فى السنوات الأخيرة من عمره بفتنة قام بها ابن أخيه محمد (١٨٢٢) على أن الفوضى التى نشبت فى الولاية ومؤامرات الدول العظمى، وبخاصة الاحتلال الفرنسى للجزائر، حملت الباب العالى سنة ١٨٣٥ على أن ينفذ حملة إلى طرابلس، ونزل الجيش التركى إلى البر فى ٢٧ من مايو، وأعادت الحملة الحكم التركى المباشر إلى ولاية طرابلس بأسرها بما فى ذلك برقة، وكان على باشا قد نزل عن العرش لابنه على فى أغسطس ١٨٣٢، ثم مات فى ظل النظام الجديد فى الرابع من أغسطس سنة ١٨٣٨.
стр. 6701
وتتميز الفترة الثانية من الحكم العثمانى (١٨٣٥ - ١٩١١) بغزو داخل البلاد غزوا منتظما عاقته أطماع القبائل وفتنها، على أن المدينة ظلت ٧٦ عامًا خاضعة للعثمانيين كل الخضوع، ولم تتغير أحوال أهلها تقريبًا، ونعمت المدينة بقدر من التقدم بفضل المستعمرات الأجنبية وحدها، وكانت المستعمرة الإيطالية هى الغالبة سواء من حيث العدد أو النفود أو المشروعات الخاصة أو المالية، وفى الخامس من أكتوبر سنة ١٩١١ هبط الجنود الإيطاليون أرض طرابلس.
المدينة؛ النصب التذكارية: ذكرنا فى الملخص التاريخى بعض نصب طرابلس التذكارية، ولن نصف فى هذا المقام الآثار الرومانية والآثار السابقة على العهد الرومانى، كالجبانة التى فى الشمال الغربى من المدينة وقوس مرقس أوريليوس، وحسبنا أن نذكر من نصب المسلمين التذكارية جامع الناقة، وهو من أقدم المساجد، وقد أعاد بناءه صفر بك سنة ١٠١٩ هـ (١٦١٠ - ١٦١١ م)؛ وجامع درغوث أو جامع شائب العين، وقد شيده سنة ١١١٠ هـ (١٦٩٨ - ١٦٩٩ م) محمد باشا الملقب بشائب العين؛ وجامع قره مانلى الذى تم بناؤه فى عهد أحمد باشا قره مانلى سنة ١١٥٠ هـ (١٧٣٧ - ١٧٣٨ م)، وجامع كرجى الذى سبق ذكره؛ وجامع حمودة، وهو يقوم أمام باب من أبواب المدينة، وقد جدد هذه الجوامع بعض الهندسين الإيطاليين لحساب إدارة الأوقاف، وألحقت ببعض المساجد أضرحة (ترب) لها أهمية فنية وتاريخية بالغة. ويجدر بنا أن نذكر منها الضريحين الملحقين بمسجدى طرغود وقره مانلى وضريح ومدرسة مسجد عثمان باشا القريب من قوس مرقس أوريليوس، وكانت الجبانة القديمة خارج الأسوار، فى الزواية الشمالية الغربية من المدينة، وقد أقيم كثير من الشواهد فى الاستحكامات فلما هدمت الاستحكامات وضعت فى متحف المدينة الذى أنشئ بعد الاحتلال الإيطالى؛ وثمة جبانات أخرى خارج المدينة، وأشهرها جبانة سيدى مندر (منيذر، أحد صحابة النبى [ ﷺ ])؛ ولم يترك الاحتلال العثمانى أثرًا بين نصب المدينة التذكارية، فيما عدا بعض العمائر الخاصة والمنشآت العسكرية خارج الأسوار، وبخاصة فى السهل الشرقى وفى المنشية (Menscia)؛ ولم تعدل الحكومة الإيطالية إلا قليلا من مظهر المدينة الإسلامى البادى فى أحيائها
стр. 6702
الوطنية، وفى الحارة يحيى اليهود. على أن الحال اقتضت هدم جزء كبير من الأسوار، وقد جدد بعضه وهيئ بحيث يوائم الشروط المدنية والصحية، على أن جانب المدينة المشرف على البحر تغير تمامًا بإنشاء ميناء وأرصفة وطريق كبير يسير بمحاذاة الشاطئ (لونجومارى فولبى Lungomare Volpi, نسبة إلى الحاكم من سنة ١٩٢١ - ١٩٢٥ م)؛ أما السراية التى كان الترك قد أحالوا بعضها إلى مكاتب عامة فقد جددت سنة ١٩٢٢ - ١٩٢٣.
الإدارة: إن ذلك الجزء من شئون المدينة الذى لا تتولاه الحكومة مباشرة، كانت تقوم عليه آنئذ بلدية يرأسها عمدة (رئيس البلدية عند أهل البلاد) ومندوبون عن الحكومة؛ أما إدارة المساجد والأوقاف ففى يد إدارة الأوقاف، وهى مؤلفة من بعض المسلمين.
التعليم العام: كانت النظم المدرسية الإسلامية، بما فى ذلك مدارس وكتاتيب التعليم المدينى، توجد جنبا إلى جنب مع المدارس الإيطالية. (*)
المكتبات: ثمة مكتبة حكومية فى السراية، وهى تشتمل على مجموعة محدودة من المصنفات فى التاريخ والدين الإسلامى وبعض المخطوطات العربية، وقد حفظت فى السراية أيضًا المحفوظات العثمانية، وترجع أقدم الوثائق فيها إلى سنة ١٨٥٠ فحسب؛ ومحفوظات القنصليتين الفرنسية والانجليزية ذات شأن عظيم فى تاريخ طرابلس؛ أما الوثائق الأحدث من ذلك عهدًا والخاصة بقنصليات سردانية وتسكانيا ونابولى فمحفوظة فى المكتبة الحكومية.
وتقتنى بعض الأسر الخاصة مجموعات صغيرة من الكتب، تشمل أيضًا بعض المخطوطات، ولكن أهم المكتبات جميعا هى تلك المكتبة التى يقال لها مكتبة (كتبخانة) الأوقاف؛ وقد أنشأ نواة هذه المجموعة مصطفى خوجة المصرى، الكاتب الأول فى عهد على باشا قره مانلى؛ أما حجة الوقفية التى أوقفت بها المدرسة والكتاب والمكتبة الملحقة بهما علاوة على مزار صغير، فتاريخها هو غرة جمادى الآخرة سنة ١١٨٣ هـ (أكتوبر ١٧٦٩ م)؛ وقد ترك المسلمون المتعاقبون على اختلافهم كتبا
стр. 6703
أوقفوها على المكتبة، وازدادت المكتبة قيمة بما ضم إليها من بعض الكتب التى تركها المؤرخ الطرابلسى أحمد النائب الأنصارى وبالكتب المطبوعة التى أهداها سنة ١٩٢٢ حاكم البلاد الكونت. ج. فولبى Count G.Volpi؛ ولم يعد بعد فهرس منتظم لهذه المكتبة، ولكن يوجد فهرس عربى منظم؛ وقد رتبت الكتب وفقا لموضوعاتها حسب التصنيف الإسلامى التقليدى، ولم تفصل الكتب المطبوعة عن الكتب المخطوطة؛ وجميع الكتب بالعربية فيما عدا بعض الكتب التركية.
المصادر:
المعلومات العامة:
(١) Bibliographia della Libia: F.Minutil i، تورين ١٩٠٣.
(٢) Bibliographia dela Libia: U.Cecherini، روما ١٩١٥.
(٣) Bibliographia archeologica ed artistica della Tripolirania: P.Romanelli, رومة ١٩٢٧.
التاريخ:
(٤) مصنفات ابن خلدون وابن الأثير والزركشى، والبكرى والقيروانى.
(٥) التيجانى: الرحلة.
(٦) العياشى: الرحلة.
(٧) ابن عذارى.
(٨) أحمد النائب الأنصارى: كتاب المنهل العذب فى تأريخ طرابلس الغرب (جـ ١، الآستانة ١٣١٧).
(٩) ابن غلبون: كتاب التذكار فى من ملك طرابلس أو كان فيها من الأخيار، دفتر، مخطوط لأسرة فقيه حسن بطرابلس
(١٠) محمد بهيج الدين، ترجمة تركية مختصرة لمصنف ابن غلبون وتكملة، الآستانة ١٢٨٤ هـ.
(١١) Annali dell'Islam: L.Caetni
(١٢) Les Barberes: Fournel
(١٣) Storia dei di Sicilia: M.Amari
(١٤) Storia di Malta: A.Vassallo, مالطة ١٨٥٤.
(١٥) Istoria dela S.Religione gerocolimitana: Bosio
(١٦) La Mussione francesecaanci in Libia: C.Bergna، طرابلس ١٩٢٤.
стр. 6704
(١٧) المؤلف نفسه Tripoli dal ١٥١٠ al ١٨٥٦, طرابلس ١٩٢٥.
(١٨) Le fortificAzioni di Tripoli: S.Aurigemma فى Nortiziario Arch.dal Min, dell Colonie، جـ ٢.
(١٩) المؤلف نفسه ll Castello di Tripoli فى Riv.Voloniale، ١٩٢٣.
(٢٠) Tripoli nella storia marinara d'lsalia: C. Manfroni (بادوا ١٩١٢).
(٢١) Il Dominio dei Cavalieri di Malta a Tripoli: E. Rossi مالطة ١٩٢٤.
(٢٢) المؤلف نفسه: Carrispondenza tra i Gran Maestri dell' Ordine di S. Giovanni a Malta e i Bey di Tripoli dal ١٧١٤ al ١٧٧٨ فى R.S.O، جـ ١٠ (١٩٢٥).
(٢٣) Annales Tripolitaines: Feraud فى R.A ١٨٨٣.
(٢٤) المؤلف نفسه: Anales Tripolitaines نشرها A.Rernard، تونس وباريس ١٩٢٧.
(٢٥) Zur Geschichte von Fesan and TRipoli in Afrika: G.A.Krause فى Zeitschr. der Gesell. f. Ercdkunde
(٢٦) Lebda: P.Romanelli رومة ١٩٢٥.
(٢٧) La Moschea di Ahmad al-Qarmanali i Tripoli: S.Aurigemma، ديدالوا، ١٩٢٧، ص ٤٩٢ - ٥١٣.
(٢٨) المؤلف نفسه: La Moschea di Gurgi a Tripoli (Africa Italiana)، ١٩٢٨، ص ٢٨٥ - ٢٥٧.
(٢٩) Les antiquit's de la Trinolitaine au XVIleme Siecle, Riv. dells Tripolitania: F. Cuwont جـ ٢، ١٩٢٥ - ١٩٢٦.
(٣٠) مقالات شتى فى المجلد Ia rinascita della Tripolitania رومة ١٩٦٦.
صبحى [إيتورى روسى Ettore Rossi]
طرابلس
مدينة تريبولس Tripolis اليونانية، وهى بلدة فى الشام قرب ساحل البحر المتوسط شمالى جبيل، وبعضها يقع على تل عند مخرج خانق عميق يجتازه نهر هو نهر قديشا (وفى العربية أبو على)، وبعض المدينة بجوار ذلك التل، ويمتد غربيها سهل خصب غاية الخصوبة تغطيه الغابات، وينتهى هذا
стр. 6705
السهل بشبه جزيرة يقع فيه الميناء، ويحمى هذا الميناء سلسلة من الجزائر الصحرية الصغيرة تقوم أمامه، كما تحميه بقايا سور قديم؛ ونحن نجهل الاسم الفينيقى القديم للمدينة؛ وقد ورد ذكرها أول ما ورد فى العهد الفارسى، وجاء اسمها اليونانى من قسمتها إلى ثلاثة أحياء تفصل الأسوار كلا منها عن الآخر، وهى أحياء صور وصيداء وأرواد؛ وكانت المدينة القديمة تقوم فى موضع الميناء الحالى، يحميها موقعها الطبيعى واستحكامات أحيائها الثلاثة، مما جعل الاستيلاء عليها أمرا غاية فى المشقة، إلا أنها كانت مهددة باستمرار بفعل انعزالها من ناحية البر عن العالم الخارجى بل عن مورد يمدها بمياه الشرب، ولا أدل على هذا من أن معاوية أنفذ إليها فى خلافة عثمان جيشًا بقيادة سفيان بن مجيب الأزدى، وأقام سفيان حصنًا ليعزل البلدة تمامًا، وأشتد الضيق بأهلها حتى اتصلوا بالإمبراطور البوزنطى وتوسلوا إليه أن يرسل بعض السفن بأقصى ما يستطيع من السرعة لنجدتهم؛ واستجاب الإمبراطور لهم، ونجح الطرابلسيون فى ركوب السفن ليلا ولاذوا بالفرار؛ وأراد معاوية أن يعمر المدينة المقفرة فحمل عددا غفيرًا من اليهود على الاستقرار فيها (البلاذرى؛ ويقول ياقوت إن الذين أسكنهم فيها كانوا من الفرس)؛ ويقال إن معاوية كان يرسل إليها سنويًا جيشا تحت إمرة عامل من عماله، وكان الجيش ينسحب حين تتوقف الملاحة ولا يبقى إلا العامل وحفنة من الرجال؛ ويذكر اليعقوبى الجغرافى (٢٧٨ هـ = ٨٩١ م) ذلك الميناء العجيب الذى كان يتسع لألف سفينة، وراح الإصطخرى بعد خمسين سنة يسمى طرابلس ثغر دمشق ويتحدث بخصوبة أرباضها العجيبة بما فيها من نخيل وحقول مزروعة بقصب السكر، ويشيد بأخلاق أهلها وخلالهم. وقد وصف ناصر خسرو (٤٣٨ هـ = ١٠٤٧ م) البلدة فى عهد الفاطميين وصفا رائعا فقال: إن الإقليم كله حقول وبساتين زرع فيها قصب السكر والنارنج والموز والبرتقال والليمون والنخيل. وكان البحر يحمى المدينة من ثلاثة جوانب ويحميها من البر سور ينهض أمام بركة كبيرة، وكان ثمة
стр. 6706
مسجد جميل فى سرة البلدة، وكان يسكنها عشرون ألفا جلهم من الشيعة؛ وكان ينفق على حامية السلطان من المكوس التى تؤديها السفن الكثيرة التى كانت تصل إلى الميناء، على حين كان للسلطان نفسه سفن ألفت أن تخرج إلى شواطئ البحر المتوسط من هناك.
وقد أنشئت مقاطعة طرابلس فى عهد الحروب الصليبية ومنحت رايموند Raymond أمير تولوز، ولم يكن بد من أن ينتزع رايموند القصبة نفسها من يد المسلمين، فشرع فى حصارها سنة ٤٩٣ هـ (١١٠١ م)، وأراد أن يعزل المدينة عزلًا أفعل وأبعد أثرا فشيد حصنًا على الجبل القائم قرب خانق قديشا، وكان هذا الجبل يسمى مونز ييريكرينوس Mons Peregrinus (ويسميه العرب سنجيل أى القديس كيل Si.Giles) وقد نشأت فى سفح ذلك الجبل بمرور الزمن بلدة صغيرة، وتوفى رايموند سنة ٤٩٩ هـ (١١٠٥ م) فى هذا الحصن دون أن يبلغ هدفه، ولم تستسلم المدينة المحاصرة إلا فى ١٢ من يوليه سنة ٥٠٣ هـ (١١٠٩ م)؛ وكتب الإدريسى سنة ١١٥٤ يقول إن الحصن بناه الفرنجى ابن سنجيل، وذكر جميع القرى والمعاقل التابعة لطرابلس وكذلك الجزائر الصغيرة الصخرية التى أمام الميناء؛ وفى سنة ١١٧٠ قاست البلدة كثيرًا من زلزال مروع، وسقط بيت المقدس سنة ١١٨٧ وظلت طرابلس قرنًا آخر قاعدة من قواعد النصارى الهامة حتى سنة ٦٨٨ هـ (١٢٨٩ م) وهنالك ظهر جيش السلطان المنصور قلاوون المملوكى أمامها فاضطرت إلى الاستسلام فى ٢٦ من إبريل، وكان ذلك نقطة تحول فى تاريخها، إذ أن هذا السلطان اعتبر بالماضى، فأقام مدينة طرابلس جديدة على تل الحجاج، على حين دمرت المدينة القديمة واضمحلت حتى أصبحت مرفأ صغيرًا وكتب عنها الدمشقى حوالى سنة ١٣٠٠ م فوصف موارد المياه الجارية فى كل جانب، وأن قنطرة معلقة طولها ٢٠٠ ذراع وارتفاعها ٧٠ ذراعًا كانت مقامة هنالك، كما وصف حدائقها الغناء التى تجود بأحسن الفاكهة؛ وكذلك ذكر محلات مختلفة تابعة لطرابلس وهى تشمل البثرون
стр. 6707
والبقيعة وجبال النصيرية، وكان ثمة مملكة اسمها مملكة طرابلس بين المملكات التى اقتسمها خلفاء صلاح الدين، ولكن سرعان ما حل محل هذا التقسيم تقسيم البلاد إلى خمس ولايات وألحقت طرابلس تبعًا له بدمشق وأصبحت ثغرًا لها؛ والمدينة الآن مزدهرة ازدهارًا لا بأس به بفضل خصوبة الإقليم المحيط بها خصوبة عجيبة؛ وحركة الملاحة فيها ذات شأن بفضل صناعة الحرير؛ والروم الأرثوذكس هم أكثر أهل المدينة بعد المسلمين؛ وثمة سلسلة من الأبراج بمحازاة ساحل البحر تذكرنا بماضى المدينة الحربى.
المصادر:
(١) Gerschicte der Phonizier: R.Pietschmann، ١٨٨٩، ص ٤١، وما بعدها.
(٢) البلاذرى، طبعة de Goeje، ص ١٢٧.
(٣) Die geographischen Verhaltnisse Syriens and Paliistinas nach Wilhelem v. Tyrus: H. Probst، ١٩٢٧، جـ ١، ص ٢٨ وما بعدها.
(٤) Geschichte des Konigrieches Jerusalem: Rohricht، ص ٣٣ وما بعدها و ٤٦ و ٥٤ و ٥٨ و ٨١ و ١٠٠٠ و ١٠٠٢.
(٥) ابن الأثير، طبعة Tornberg, جـ ١٠، ص ٢٨٤ وما بعدها، و ٣٣٤.
(٦) المكتبة الجغرافية العربية، طبعة de Goeje، جـ ٧، ص ٩٧ و ٣٢٧؛ جـ ١، ص ٦١ و ٦٦ وما بعدها؛ جـ ٣، ص ١٦٠.
(٧) ناصر خسرو، ترجمة G.Le Palest. Pilagrims Texts Strange, ١٨٨٨ ص ٦.
(٨) الإدريسى فى Z.D.P.V، جـ ٨، ص ١٥ وما بعدها (النص العربى، ص ١٧).
(٩) الدمشقى Cosmographie طبعة Mehreu، ص ٢٠٧ و ٢٥٣.
(١٠) Die Qeographischen Nachrichten ubar Palastina und Syrien in Halil az-Zahiris Zubdat Kavf al-Mamalik: R.Hartmann، ص ٥٧ وما بعدها و ٨٩.
(١١) Palestine under the Moslems: Le Strange، ص ٣٤٨ وما بعدها.
صبحى [بول Fr.Buhl]
стр. 6708
طراز
(طراز): كلمة معربة من الفارسية معناها فى الأصل: "التطريز" ومن ثم دلت على الرداء المحلى بأشغال التطريز المتشابكة وخاصة الرداء المزين بالأشرطة المطرزة عليها كتابات، يرتديه الحاكم أو أى شخص من الأعيان؛ وتدل هذه الكلمة أخيرًا على المصنع الذى يصنع هذه الأشياء أو الأردية.
وقد تطور معنى الطراز من "الشريط المطرز بالكتابة" إلى معنى آخر فرعى هو: الشريط المكتوب عليه سواء كان الشريط على حافة الرداء أو فى الوسط بوجه عام؛ وأصبح الطراز لا يطلق على الكتابات المنسوجة أو المطرزة أو المخيطة على الأقمشة المختلفة فحسب بل يطلق أيضًا على الكتابات المنقوشة على شريط من أى نوع سواء كانت منحوتة فى الصحر أو فى الفسيفساء أو فى الزجاج أو الخزف أو منحوتة فى الخشب (انظر المقريزى الخطط جـ ٢، ص ٧٩ , ٢١٢، ٤٠٧)، ومن ثم غدا الاسم طراز مصطلحًا على الكتابات التى يوسم بها رسميًا البردى بالمداد فى مصانع ورق البردى، وكانت هذه الكتابات توسم بالألوان (الأحمر أو الأخضر) ثم استخدم الطراز بعد ذلك للدلالة على المصانع نفسها. وقد اقتصر استعمال هذين المعنيين الأخيرين على بعض المناسبات القليلة (انظر Die arab. Papyrusprotokolle: J.v Karabacek، ص ٨ وما بعدها؛ Corpus: A.Grohmann Papyrorum Raineri جـ ١/ ٢، رقم ١٧٥ [ص ١٧٠]، ٢٠٤ [ص ٢٠٠]، ٢١٤ [ص ٣٠٩]، ٢٦٥ [ص ٢٣٩]، ٢٧٠ [ص ٢٤٢]). واختفى هذان المعنيان حوالى منتصف القرن العاشر الميلادى عندما بطلت صناعة ورق البردى.
ويمكن تقسيم الأقمشة والستائر والأردية المطرزة أو المنسوجة أو المخيطة بكتابات إلى فئتين تبعًا لمادة هذه الكتابات، ومكانة من يرتديها. وتعبر الفئة الأولى عن الأهواء الفردية للأشخاص، وهى التى بلغت أوجها فى الكتابات التى رغب المتأنقون والسيدات فى تزيين ملابسهم بها (جمعت هذه الكتابات فى كتاب: الموشى، ص ٦١٧ وما بعدها). أما الفئة الثانية فلها صفة رسمية، ولعل من المستطاع مقارنتها
стр. 6709
إلى حد ما بالرتب والأوسمة التى عندنا اليوم.
وتجرى هذه النقوش المكتوبة على طول حافة الرداء، أو تنتظم أحيانًا فى خطين أو أكثر حول الجزء العلوى من الرداء، أو توضع حول الرقبة والأكمام وعلى الجزء العلوى للذراع أو على الرسغ، وقد توضع على لباس الرأس. ولا تستخدم هذه الكتابات حواشى للزخرف فحسب، بل توضع أيضًا فى صلب نسيج الرداء، ويختلف عرضها اختلافًا كبيرًا، فيذكر كاراباسك (Susandschird: J.V. Karabacek ص ٨٤ وما بعدها، تعليق رقم ٥٦؛ Papyrusprotokolle ص ٢٦) أن عرضها يتراوح بين ٢ و ٥٥ سنتيمترًا، غير أن ذلك لا يشمل كل ما يمكن أن يكون عليه هذا العرض، فقد بلغ عرض الطراز الذى وجد على حوافى قطع الأقمشة المستخرجة من المقابر المصرية أقل من سنتيمتر.
وكان ابن خلدون على دراية عظيمة بنظام الطراز، فهو يذكر "أن من أبهة الملك والسلطان ومذاهب الدول أن ترسم أسماؤهم أو علامات تختص بهم فى طراز أثوابهم المعدة للباسهم، من الحرير أو الديباج أو الإبريسم، تعتبر كتابة خطها فى نسج الثوب إلحامًا وإسداء بخيط الذهب، أو ما يخالف لون الثوب من الخيوط الملونة من غير الذهب. . فتصير الثياب الملوكية معلمة بذلك قصد التنويه بلابسها من السلطان فيمن دونه، أو التنويه بمن يختصه السلطان بملبوسه إذا قصد تشريفه بذلك -أو ولايته لوظيفة من وظائف دولته". وفى عهد الأمويين والعباسيين كانت الدور المعدة لنسج أثوابهم فى قصورهم، تسمى دور الطراز.
وكان القائم على النظر فيها يسمى: صاحب الطراز، ينظر فى أمور الصباغ والآلة والحاكة فيها، وإجراء أرزاقهم وتسهيل آلاتهم ومشارفة أعمالهم، وكانوا يقلدون ذلك لخواص دولتهم وثقات مواليهم. وكان هذا النظام معمولا به فى عهد الخلفاء الأمويين بالأندلس وخلفائهم، وفى عهد سلاطين المماليك بمصر وعند معاصريهم من ملوك الفرس فى المشرق. ولم يبطل هذا
стр. 6710
النظام إلا عندما اضمحلت الدول الإسلامية الكبرى.
وثمة شواهد كثيرة تؤيد أقوال ابن خلدون، وهى الأقوال التى اعتمدنا عليها أساسا فى كتابة هذه المادة، نجدها فيما عثر عليه من المنسوجات الإسلامية التى صنعت فى جهات مختلفة من مصر وخاصة بإخميم وأنتينوى (الآن: الشيخ عبادة) وأرمنت والعظم بالقرب من أسيوط وحفظت فى متاحف برلين (Schlossmuseum, Kaiser-Friedrich Museum Kunstgewerbemuseum) وفى لينينغراد، وباريس (Iouvre et Musee de Cluny) ولندن (Victoria and Albert museum) وفينا (Osterreichisches MuseumFur Kunst und Industrie and Sammlung Papyrus Erzherzog Rainer in the National Litrary)، وفى كثير من المجموعات الخاصة، وفى مخازن المنسوجات الثمينة الموجودة فى جميع أرجاء أوربا، فى الكنائس والأديرة. ومن الواضح أن المعلومات التى أوردها ابن خلدون تعتمد على تجربته الخاصة، ذلك أن الكتابات التى على هذه المنسوجات تظهر فى الواقع وبدون استثناء بألوان براقة بارزة من أرضية القماش مثال ذلك: قطع الكتان (Inv. Ar. Lin، رقم ١١، ثم رقم ١٩ من مجموعة رينر Rainer بفينا) إذ عليها حافة من الكتابة المطرزة بالحرير الأحمر (وردت القطعة رقم ١٩ فى Fuhrer: J. v. Karabacek، رقم ١٩ وفى كتاب Papyrusprotokolle للمؤلف نفسه، ص ٢٨). على أننا نجد أن الطراز فى القطعة رقم ١٨ (Inv. Ar Lin رقم ١٨) من المجموعة نفسها تبرز من أرضية القماش وهو مطرز بالحرير الأسود. وينسج الطراز عادة فى الديباج والإبريسم بخيوط من الذهب. وتؤيد نصوص الكتابات التى وصلت إلينا أيضًا أقوال ابن خلدون كل التأييد. فنجد بادئ ذى بدئ، ومن حيث أسماء الحكام، أمثلة مختلفة لهذه الأسماء قائمة بذاتها على المنسوجات؛ وثمة قطعة من الدمقس الأخضر عثر عليها فى بلدة العظم محفوظه فى متحف فيكتوريا وألبرت (Inv رقم ٧٦٩ - ١٨٩٨: Guest رقم ٩، ص ٥٣٩ وما بعدها؛ Catalogue of Muhammadan Textiles: A. F. Kendrick ص ٣٩) وقد نقش عليها: ناصر الدنيا والدين محمد بن
стр. 6711
قلاوون. وهناك قطعة من الكتان مطرزة بالحرير الأحمر محفوظة بمتحف لينينغراد عليها اسم الخليفة الفاطمى العزيز باللَّه (٣٦٥ - ٣٨٦ هـ, A.R.Guest مجلة الجمعية الأسيوية الملكية سنة ١٩١٨، ص ٢٦٣ رقم ١). وكثيرًا ما يقرن اسم الحاكم وألقابه المألوفة بكلمات أخرى تجرى مجرى الفأل أو السجلات كما ذكر ابن خلدون، ومن هذا القبيل تلك القطعة من الكتان المحفوظة فى متحف القيصر فريدريك، إذ عليها كتابة منسوجة بالأحمر يحيط بها وشى أبيض، وقد قمت بنسخ هذه الكتابة عام ١٩٢٤ م ونصها كما يلى: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم. بركة من اللَّه وكرامة للخليفة عبد اللَّه المطيع للَّه أمير المؤمنين أطال اللَّه بقاءه، (انظر Isl.,: E.Kuhnel، جـ ١٥، ص ٨٣). وهناك قطعة من الحرير زرقاء اللون قاتمته محفوظة بدار الآثار العربية بالقاهرة رسم عليها شكل من فروع النبات الدقيقة لونها رمادى ضارب إلى الزرقة ومن زهور اللوتس وقد وشيت بطراز كتب عليه: "عز لمولانا السلطان الملك الناصر ناصر الدنيا والدين محمد قلاوون" (انظر Catalogue raisonne: Herz.Bey ص ٢٧٢، صورة رقم ٥١؛ Seidenweberei: Falke جـ ٢، صورة رقم ٣٦٦؛ Catalogue of Muhammadan Textiles: A. F. Kendrick، ص ٤١ لوحة رقم ١٢، ص ٩٥٧). ويوجد على قطعة نسيج دانزك ذات الببغاوات التى نسجت فى الصين على ما يظهر للسلطان محمد بن قلاوون المتوفى عام ١٣٤٠ م كتابات على أجنحة الببغاوات تجرى كما يلى: "عز لمولانا السلطان الملك العادل العالم ناصر الدين" (انظر Seidenweberei: O.V. Falke جـ ٢، شكل رقم ٣٣٤؛ Die Liturg: Gewander J. v. Karabacek ص ١٤١). وعلى قطعة الأطلس المحفوظة بمتحف ساوث كنسنكتن South Kensington (وهى التى نشرها. O.v.Falke فى Seidenweherei جـ ٢، شكل رقم ٦٣٨ A.F.Kendrick فى Catalogue of Muhammadan Textiles ص ٤٦) نجد فى الهالة التى على شكل اللوزة الموشاة على شعار الملك فى كلا الجانبين كتابة تجرى من اليمين إلى اليسار على هذا النحو: "عز لمولانا السلطان الملك" وعلى الأربع وردات
стр. 6712
الصغيرة التى رسمت بالتبادل يمينًا ويسارًا كلمة الأشرف. وتنسب هذه القطعة إلى السلطان المملوكى الملك الأشرف قايتباى (١٤٦٨ - ١٤٦٩ م). وتشغل هذه الصيغة التقليدية فى بعض الأحيان حيزًا كبيرًا من الطراز. وعلى قطعة ثوب من الكتان له حواش منسوجة وفيه حرير ملون، وقد عثر عليها فى أرمنت وقام بنشرها كل من كست وكندريك Guest: مجلة الجمعية الأسيوية الملكية سنة ١٩٠٦، ص ٣٩٢ وما بعدها؛ Inv: South Kensington Museum رقم ١٣٨١ - ١٨٨٨؛ Catalogue of Muhammadan Textiles: A.F.Kendrick نموذج ١٠) نجد الكتابة الآتية: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم، لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، على ولى اللَّه صلـ. . .، المستنصر ابن أمير المؤمنين، صلوات عليه وعلى أبيه ابن [الأكرمين] الطاهرين وأبنائه المنتظرين".
وفى بعض الأحيان يضاف إلى الصيغة التقليدية اسم مكان الصنعة واسم الوزير أو غيره من عمال الدولة القائمين على بيت المال أو على دار الطراز. وقلما يذكر اسم الصانع الذى صنع القماش، وعلى هذا النحو نجد على قطعة الكتان القليلة العرض (Inv Ar.Lin رقم ١٩ بمجموعة رينر Rainer) الموجودة فى فينا العبارة التالية مطرزة بالحرير الأحمر: "باسم اللَّه الرحمن الرحيم، بركة من اللَّه، نعمة وسعادة لعبد اللَّه جعفر الإمام المقتدر باللَّه أمير المؤمنين، أطال اللَّه بقاءه، مما أمر الوزير أبو أحمد العباس بن الحسن". انظر Papyrusprotokolle: J.v. Karabacek ص ٣٨). ويوجد على طراز من أهم الطرز بمجموعة المنسوجات المحفوظة بدار الآثار العربية بالقاهرة والتى عثر عليها بالفسطاط (انظر Catalogue raisonne: Herz-Bey ص ٢٧١؛ E.Kuhnel: lsI، جـ ١٤، ص ٨٣). الكتابة التالية: "بسم اللَّه، بركة من اللَّه لعبد اللَّه الأمين محمد أمير المؤمنين أطال اللَّه بقاءه، مما أمر بصنعته فى طراز العامة بمصر على يدى الفضل بن الربيع مولى أمير المؤمنين". والفضل بن الربيع هذا (ولد عام ١٤٠ هـ وتوفى عام ٢٠٨ هـ) كان كما ذكر ابن تغرى بردى وزيرًا للخليفة هارون الرشيد أمين خزائنه. فلما توفى
стр. 6713
هذا الخليفة استولى الفضل على خزائن المال وسلمها فى بغداد للأمين خليفة هارون الرشيد وحمل إليه فى الوقت نفسه شارات الملك، وهى العباءة والصولجان والخاتم مما جعل الأمين يبدى له مظاهر التكريم ويكل إليه إدارة شئونه. وتولى بصفته وزيرًا للأمين الإشراف أيضًا على صناعة المنسوجات الخاصة بالخليفة كما نتبين من الطراز الذى سبقت الإشارة إليه. وكذلك ذكر أيضًا اسم الفضل فى طراز كسوتين للكعبة كما جاء فى كتاب المقريزى الخطط، جـ ١، ١٨١، ٢٢٦؛ انظر Papyrusprotokolle: J.von Karabacek، ص ٣٥ وما بعدها). ونذكر أيضًا فى هذا الصدد قطعة من الكتان من سامراء عليها كتابة مطرزة بالحرير الأحمر (انظر Isl.: E. Kuhnel، جـ ١٤، ص ٨٧، رسم رقم ٣) نصها كما يلى:
"بركة من اللَّه لعبد اللَّه الإمام المعتمد على اللَّه أمير المؤمنين أيده اللَّه؛ ما عمل بتنيس على يد يزيد مولى أمير المؤمنين"؛ ثم قطعة أخرى من إخميم على غرار ذلك وهى محفوظة الآن فى متحف القيصر فريدريك ببرلين (انظر E.Kuhnel كتابه المذكور، ص ٨٥، رسم رقم ٢) عليها آيات من القرآن فى الوسط وقد طرز فى أعلاها وفى أسفلها ما يلى:
"بسم اللَّه بركة من اللَّه لعبد اللَّه هارون أمير المؤمنين -صنعة مروان ابن هادى" (؟ ). ونذكر أخيرًا كتابة طراز من القرن الثانى عشر الميلادى على نسيج صقلى عربى ورد فى (Ornamente der Gewbe: F.Fischbach لوحة رقم ١٤٤ , ١٤٥، ويعرف فى Regensburg باسم عباءة الإمبراطور هنرى السادس)، وقد كتب على الشريطين الأوسطين لهذا النسيج: "العز والنصر والإقبال" وخط فى وسط نجمة ثمانية الشكل: "عمل أستاذ عبد العزيز" (انظر Catalogue of Muhammadan Textiles: A.F.Kendrick ص ٦٦).
على أن الذى يحدث فى معظم الأحوال هو أن تقتصر كتابة الطراز على اللقب التقليدى للحاكم دون اسمه مقترنًا أو غير مقترن ببعض صيغ السعد والإقبال، وقد يقتصر على هذه
стр. 6714
الصيغ وحدها. وحسبنا هنا أن نذكر قليلا من الأمثلة على ذلك: هناك قطعة من الديباج محفوظة فى متحف دوكال Ducal ببرنزويك تتكرر عليها عدة مرات عبارة "عز لمولانا السلطان، خلد ملكه" ويفصل كل عبارة عن الأخرى بعض الوريدات (Seidenweberei: O.V.Falke جـ ٢، رسم رقم ٣٤٢). ويوجد على قطعة من الحرير محفوظة بدار الآثار العربية بالقاهرة عبارة: "عز لمولانا السلطان عز نصره" (انظر Catalogue raisonne: Herz-Bey ص ٣٧٢). وعلى قطعة نسيج حريرى محفوظة بمتحف فيكتوريا وألبرت (Guest, مجلة الجمعية الأسيوية الملكية سنة ١٩٢٢، ص ٤٠٥؛ A.F.Kendrick: Catalogue of Muhammadan Textilen ص ٤٠) عبارة: "عز لمولانا السلطان الملك الناصر". وتتكرر عبارة "عز لمولانا السلطان" على قطعة نسيج من غرناطة محفوظة بالمتحف السابق ذكره (انظر Seidenweberei: O.V. Falke جـ ٢ رسم رقم ٣٧٢). ويظهر على الأنموذج المعروف المحفوظ فى بروكسل والذى يرجع عهده إلى القرن الحادى عشر الميلادى (Seidenweberei: O.V. Falke جـ ١، رسم رقم ١٧٢) عبارة: "العز الدائم والنصر والدولة لصاحبه "مطرزة على أجنحة الطيور فى كلا الجانبين من الأنموذج. ويرد جزء فحسب من هذه الصيغة وهو "العز الدائم" على النسيج الذى صنع فى الشام أو مصر (Inv. رقم ١٢٣٥ - ١٨٦٤ من متحف فيكتوريا والبرت: Guest فى مجلة الجمعية الأسيوية الملكية سنة ١٩١٨، ص ٢٦٤؛ Catalogue of Muhammadan Texliles: A.F.Kendrick ص ٤٤" القرنان الحادى عشر والثانى عشر الميلاديان) وكثيرًا ما ترد عبارة "العز والنصر والإقبال" دون سواها (انظر Seidenweberei: O. v. Falke جـ ٢، رسم رقم ٣٣٩، ٣٣٩، ٢٤٠، ٣٤٢؛ Catalogue of Muhammadan Textiles: A. F. Kendrick ص ٦٦ لوحة رقم ٢١). ونجد عبارة: "نصر من اللَّه" على كثير من المنسوجات فى ذلك المتحف نفسه (Guest: مجلة الجمعية الأسيوية الملكية سنة ١٩٠٦، ص رقم ١٣ - ١٥؛ Catalogue of Muhammadan Textiles: A. F. Kendrick ص ١٤). ونجد صيغة: "العز لك، الإقبال، المجد" مطرزة
стр. 6715
بالحرير الأحمر على قطعة من الكتان عليها شارة الملك محفوظة بدار الآثار العربية بالقاهرة (انظر Catalogue raisonne: Herz-Bey ص ٢٧٤). ويوجد اللقب التقليدى للحاكم على نسيج محفوظ بمتحف القيصر فريدريك ببرلين موشى بأزواج من الأسود المجنحة، وقد كتب فى دوائر الحافة المزركشة: العادل، العالم، العاقل. وصفّت فى العوارض الوسطى لدوائر الأقسام عبارة "السلطان المظفر" بحيث تمثل شارة الملك (Seidenweberei: O. V. Falke جـ ٢، ص ٦٣، رسم رقم ٣٦٣). ويوجد على نسيج محفوظ بمدينة دانزك يرجع تاريخه إلى القرن الرابع عشر عبارة: السلطان العالم (Seiddenweberei: O. V. Falke جـ ٢، رسم رقم ٣٥٨، ٣٥٩)، ويوجد اللقب: "السلطان الملك" على قطعة من الحرير الإسبانى بمتحف الفنون والصنائع ببرلين (Seidenweberei: O.v. Falke جـ ٢، رقم ٣٧٧). ونجد على نسيج مفصل بدار الآثار العربية بالقاهرة كلمة السلطان مطرزة بخيوط من الحرير (Catalogue raisonne: Herz-Bey ص ٢٧٣ وما بعدها.
وفى الختام نذكر القارئ بعبارات التقوى والورع التى تتألف منها فى كثير من الأحيان كتابات الطراز كله، ومن هذا القبيل نموذج ماسترخت ذى السبع، فقد كتب على صدر السبع عبارة الملك للَّه (Seidenweberei: O. V. Falke, جـ ١، رسم رقم ١٥٣). وعلى نماذج أخرى نجد عبارة الأمر للَّه، وهى تدل على المعنى السابق نفسه (المصدر المذكور، جـ ١، الشكلان رقم ١٨٧، ١٩١). وهناك صيغة مألوفة هى "البركة الكاملة" صنعت فى صورة شعار على اليمين واليسار (O.v. Falke: Seidenweberei جـ ١، رسم ٢٠٥) ويقتصر أحيانًا على عبارة "البركة" دون سواها (المصدر السابق جـ ١، رسم رقم ٢٠٢). وتوجد صيغة "ما شاء اللَّه كان" على نسيج محفوظ بمتحف سارث كنسنكتن South Kensington، (Inv رقم ٦١٣ - ١٨٩٢؛ Guest: مجلة الجمعية الأسيوية الملكية سنة ١٩٠٦، ص ٣٩٩، Catalogue etc: A.F.Kendrick ص ١٨). وذلك بالإضافة إلى مجموعة من الصيغ الأخرى التى لم يصل إلينا منها إلا بقايا، ولكنها معروفة على أنسجة أخرى من المجموعة نفسها (المصدر السابق،
стр. 6716
ص ٣٩٦ وما بعدها). ولعل أجمل نموذج لهذا النوع هو الموجود بمتحف كلونى Cluny (Inv رقم ٦٥٢٦ وقد عثر عليه فى بايون Bayonne)، ويظهر فيه قسم من شعار الإسلام بالحروف منسوجًا نسجًا جميلًا على الاتساع. وتختصر فى بعض المناسبات هذه الكتابات بحذف بعض الحروف (انظر Die liturgischen Gewander: J.v. Karabacek ص ١٤٢ وما بعدها) ونزيد على ذلك أن تواريخ الكتابات توجد بين هذه الطرز، مثال ذلك: القطعة التى نشرها كست (مجلة الجمعية الأسيوية الملكية سنة ١٩١٨ ص ٤٠٧) من مجموعة إنكل كروس Engel-Gros وعليها البسملة والتاريخ وهو سنة ٤٤٨ (انظر Catalogue etc.,: A.F.Kendrick ص ١٠، رقم ٦٨١ ولوحة رقم ٦). وهناك قطعة أخرى عليها اسم الخليفة المعتضد تاريخها ٢٨٢ وهى محفوظة فى متحف سارث كنسنكتن وقد نشرها أيضًا كست (مجلة الجمعية الأسيوية الملكية سنة ١٩٠٦, ص ٣٩١؛ وانظر Catalogue etc: A.F.Kendrick، ص ٣٥؛ Les Collections de Musulman I'Orient: G. Salles and M. I. Rallnt ص ٧٤).
سبق أن قلنا إن شرائط الطراز ذات الكتابات تماثل إلى حد ما أوسمتنا ورتبنا. فقد كان إهداء الأثواب المحلاة بهذه الطراز من حق من فى يده السلطان، وهو حق يماثل حقه فى إصدار السكة. ومن الثابت أن ستة إهداء مثل هذه الأثواب سنة درج عليها المشارقة من عهد سحيق. وقد جرى الفراعنة على أن يخلعوا على خدامهم المخلصين أثواب التشريف علاوة على العقود الذهبية وغير ذلك من الخلع النفيسة. وشاعت هذه السنة أول ما شاعت فى عهد الإسلام. فقد جرت العادة على أن تكون البراءة التى يقام بها كبار عمال الدولة فى مناصبهم مصحوبة بكسوة تشريف، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل كان هؤلاء العمال يتلقون أيضًا كسوة تشريف مرة على الأقل فى السنة. وكان المماليك وكبار عمال الدولة فى بلاط السلاطين المماليك يتلقون عادة كسوة تتناسب ورتبهم مرتين فى السنة، مرة فى الشتاء وأخرى فى الصيف (انظر Kulturgeschichte: A. v. Kremer جـ ٣، ص ٢٢٠ - ٢٢٣, القلقشندى: صبح الأعشى جـ ٤،
стр. 6717
ص ٥٥). ويذكر ابن جبير الرحلة، ص ٩٤) أن الخطيب بالمسجد الحرام فى مكة -وغيره من المساجد الكبرى دون شك- كان يلبس ثوب سواد مرسومًا بذهب ومتعممًا بعمامة سوداء مرسومة أيضًا، وعليه طيلسان شرب رقيق، كل ذلك من كسا الخليفة التى يرسلها إلى خطباء بلاده" ومن ثم كان لباسه كسوة رسمية تمنح بمعرفة الحاكم.
وليس من شك فى أن ثياب الأمراء التى جروا على ارتدائها فى المناسبات الرسمية كانت بطبيعة الحال أكثر أُبهة، فقد كانت ثياب الفاطميين تتألف من أنسجة من دبيق ولباس رأس بحواش مطرزة بالذهب تقدم للأمراء من دار كسوة الخليفة. (انظر المقريزى: ويذكر القلقشندى فى كتابه صبح الأعشى (جـ ٤، ص ٥٢ وما بعدها) أن قسمًا من كسوة تشريف الأمراء كان عبارة عن قماش العمامة وقد طرز عليه اسم السلطان كما كان على الثياب نفسها كتابات من هذا القبيل.
ولم يكن بدعًا أن يحافظ الخلفاء على هذا الامتياز الهام من امتيازات الملك وأن يحيطوه بكل الضمانات خشية استعماله فى غير وجهه، ويتبين لنا مدى الأهمية التى كانوا يولونها الطراز وإعداده مما جاء فى وصية هارون الرشيد (١٨٠ هـ) فى القسم الخاص بجعل إقليم خراسان للمأمون، فقد نص فيه على دور الطرز بصفة خاصة إلى جانب الخراج والبريد وبيوت المال (انظر الأزرقى: أخبار مكة، ص ١٦٢ - ١٦٦) وذكر اسم الحاكم فى الطراز دليل على سلطانه كما هو الشأن فى الخطبة. وكان أول شئ فعله المأمون عندما خرج على أخيه الأمين أن حذف اسم الخليفة من كتابات الطراز. (ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، جـ ١، ص ٥٤٤، وانظر فقرات أخرى وردت فى Papyrusprotokolle: J. v. Karbacek ص ٢٥) وكان إذا تولى الحكم خليفة جديد أثبت اسمه فى كتابات الطراز. ولم يؤخذ بذلك فى كتابات المنسوجات وكساوى التشريف فحسب، جل أخذ به أيضًا فى لفافات أوراق البردى (انظر Corpus Pap. Raineri قسم ٣ جـ ١/ ٢، رقم ١٥٠، ١٥٨؛ ص ١٤٥ وما بعدها ١٥٣ وما بعدها). وكثيرًا ما كان يذكر
стр. 6718
اسم الوزير فى مثل هذه الحالة الأخيرة، وذلك فى المراسم، ولكن قلما كان يذكر اسمه فى كتابات الطراز على كساوى التشريف، فإن ذكر كان تقديرًا خاصًا للوزير، مثال ذلك أن الخليفة الفاطمى العزيز باللَّه وضع اسم وزيره يعقوب بن يوسف بن كلسّ المتوفى عام ٣٨٠ للهجرة على كتابات الطراز (انظر المقريزى: الخطط، جـ ٣، ص ٦، س ١٥، ص ٣٨٤). ومن هذا القبيل ما فعله الخليفة الفاطمى المستعلى باللَّه (١٠٩٤ - ١١٠١ م) فقد سمح بذكر اسم وزيره الأفضل فى الطراز كما يتبين من كتابة الطراز على النسيج المحفوظ بمكتبة الفاتيكان (انظر Papyrusprotokolle: J. v. Karabacek ص ٣٩)؛ ولكن اسم الوزير فى هذه الحالة كان يعقبه عبارة تضاف إلى الكتابة وهى "باسم الإمام" مراعاة لسلطان الحاكم. والحق إن كبار عمال الدولة قد احتفظوا فيما بعد بدور للطراز خاصة بهم. وشاهد ذلك أن على ابن أحمد الراسبى (المتوفى عام ١٣٠ هـ) الذى كان واليًا على جميع البلاد بين واسط وجنديسابور وبين السوس وشهرزور، وقد احتفظ بما لا يقل عن ثمانين دارًا للطراز كان ينسج بها القماش الخاص به (ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، جـ ٢، ص ١٩٢؛ A.v.Kremer: Kulturgeschichte جـ ٢ ص ١٩٣). ونجد على قطعة حرير من مصر (القرنان الحادى عشر - الثانى عشر للميلاد) محفوظة بمتحف فيكتوريا وألبرت (Guess: مجلة الجمعية الأسيوية الملكية سنة ١٩٠٦، ص ٣٩٤؛ A.F.Kendrick: Catalogue of Muhammadan Textiles ص ٤٣ ما بعدها)، عبارة "السيد الأجل يمن الدولة أبو يمن أطال اللَّه بقاءه". وتوجد على قطعة الحرير الفاخرة المحفوظة بمتحف اللوفر (وهى التى نشرها Syria: G. Migeon جـ ٣، سنة ١٩٢٢، ص ٤١ - ٤٣) عبارة "عز وإقبال للقائد أبى منصور نجتكين أطال اللَّه بقاءه".
غير أن حقوق الخليفة فى السيادة لم تكن تتجلى فى كتابات الطراز على الملابس فحسب، بل إن الحق فى كسوة الكعبة فى الأصل من اختصاصات الخليفة دون غيره (انظر القلقشندى: صبح الأعشى جـ ٤، ص ٥٧). وكان العباسيون يرسلون كل عام الكسوة من
стр. 6719
بغداد إلى مكة، وكانت هذه الكسوة تصنع فى كثير من الأحيان بمصر؛ وقد انتقل هذا الواجب إلى ولاة مصر. وكانت الكسوة فى زمن القلقشندى تنسج فى مشهد الحسين من الحرير الأسود وعليها كتابات بيضاء. وفى آخر عهد الظاهر برقوق كانت الكتابات باللون الأصفر المذهب. وقد قام كاراباسك J.v.Karabacek بإعداد مجموعة من هذه الكتابات (انظر Papyrusprotokolle ص ٣٥ - ٣٩) نستدل منها على أن الكسوة كانت تصنع بأمر مباشر يصدره الخليفة للوالى، ويشرف على هذا العمل أمين مال هذا الوالى، الذى كان يقوم بنفسه على دار الطراز، أو تصنع بأمر يصدر من وزير الخليفة (انظر ما سبق) ومما يجدر ذكره أن من بين النصوص التى أوردها كارباسك طراز ثائر علوى فى عهد المأمون (الكتاب المذكور، ص ٣٧ وما بعدها)، ونذكر هنا أيضًا باختصار صيغ الإهداء التى وضعها الخليفة المعز الفاطمى سنة ٣٥٣ هـ على الرياش الحريرى المختلف الأشكال وهو الذى وصفه المقريزى (الخطط، جـ ١، ص ٤١٧، س ١٢ وما بعده؛ انظر أيضًا Uber einige Benen.ungen Mittelalterlicher Gewbe: J.v. Karabacek ص ٣٣) وهذه الصيغ تكون فى حالات كثيرة هى الصيغ المألوفة التى تطرز بها المنسوجات كما نتبين من ملاحظات الكسائى التى أوردها البيهقى (كتاب المحاسن والمساوئ، ص ٤٩٩). ويجب أن نوجه عناية خاصة إلى ما كان من صلات لا يمكن إنكارها بين كتابات الرنوك على عهد سلاطين المماليك (انظر Das Schrifiwappen der Mamluken sultane, Jahrb. d, Asiat. Kunst: L. A. Mayer سنة ١٩٢٥، ص ١٨٣ - ١٨٧) وبين الصيغ المختلفة المألوفة لكتابات الطراز، مثال ذلك العبارة التى تتردد كثيرًا: "عز لمولانا السلطان الملك. . الخ عز نصره".
إن الترتيب المتواتر للصيغ القصيرة الشبيه بترتيب صيغ الرنوك مثل "البركة الكاملة"، وهى الصيغ التى توضع معًا واحدة إلى اليمين والأخرى إلى اليسار كما ترتب صور الحيوان على شعارات السلطنة (مثال ذلك النسر المزدوج) توحى بحدوث ضرب من
стр. 6720
التطور الرنكى فى صيغ الطراز أيضًا، وخاصة عندما يوضع لقب الحاكم فى بعض الأحيان داخل إطار على المنسوجات أو فى الشريط الأوسط للدرع المحيطة التى تشبه شارة السلطنة (انظر Seidenweberei: O.v. Falke جـ ٢، رسم رقم ٤٦٣) وقد أشرنا من قبل إلى أن إعداد الأقمشة والكساوى التى يحتاج إليها رجال البلاط وكبار عمال الدولة، يضاف إلى ذلك كسوة الكعبة، لم يكن يترك فى أيدى أفراد وهيئات خاصة، وإنما كان من عمل مصانع الدولة التى كان إنتاجها فى كثير من الأحيان على نطاق واسع. وكانت مصر فى طليعة الجهات التى تقوم بصنع الأقمشة الكتانية كما كانت تضرب بسهم وافر فى صنع الأقمشة الحريرية. وكان نسج الكتان بصفة خاصة مركزًا فى الدلتا. وكانت تنيس وتونة ودمياط والإسكندرية هى المراكز الكبرى لهذه الصناعة. ونضيف إلى هذه البلدان أيضًا: دبيق، وبنشا، والفرما، ودُمَيره (بمركز شربين وليس دمَيره كما يذكر جوبير Jaubert). وتنتج تنيس مثل دمياط منسوجات كتانية رقيقة على غرار ما كان يعرف باسم دبيق وشرب كما كان يعمل بها الثياب الملونة والفرش البوقلمون (انظر ياقوت: معجم البلدان، جـ ١، ص ٨٨٢). وكانت هذه المنسوجات تباع بأسعار مرتفعة، فالثوب المطرز بالذهب بألف دينار، والثوب غير المطرز بين ١٠٠ و ٢٠٠ دينار (انظر الإدريسى، جـ ١، ص ٣٢٠).
ويذكر ابن عبد ربه فى كتابه العقد الفريد (جـ ٣، ص ٣٦٢)، أن فى تينس، التى كان بها خمسة آلاف مغزل، مصنعا يعمل من أجل الخليفة، ويؤيد ذلك الكتابات التى أوردها المقريزى فى كتابه الخطط (جـ ١، ص ١٨١) والتى كانت مطرزة على كساوى الكعبة (انظر Papyrusprotokelle: J.v. Karabacek ص ٣٥)، كما تؤيده المنسوجات المذكورة آنفا الواردة من سامراء. ويذكر ناصر خسرو أن تنيس كانت تصنع بصفة خاصة أقمشة القصب الملونة المستخدمة فى صنع العمائم والقلانس وملابس النساء، وأن الثياب التى كانت تصنع فى مصانع السلطان لم تكن تباع
стр. 6721
للأفراد؛ فقد أرسل أمير فارس عشرين ألف دينار لشراء رداء من تنيس مصنوع من هذه الثياب الثمينة المخصصة للسلطان ولكن وكلاءه لم يحصلوا على شئ منها. وقد كان من خصائص الصناعة فى تنيس "البدنة" التى كان لا يستخدمها إلا الخليفة، وهى رداء يخرج من المغزل كاملا لا يتطلب تفصيلا أو خياطة (انظر Catalogue raisonne: Herz-Bey ص ٢٦٨ - ٢٦٦؛ Die Renaissance des Islams: A.Mez، ص ٤٣٣). وبلغت صادرات الأقمشة المصنوعة فى تنيس مبلغًا كبيرًا، فقد وصلت قيمتها حتى عام ٣٦٠ هـ ما بين ٢٠ و ٣٠ ألف دينار سنويًا. وكانت قرية تونة التابعة إداريًا لمركز تنيس تصنع هذه الأقمشة نفسها وكذلك كساوى الكعبة (المقريزى: الخطط جـ ١، ص ١٨١؛ J.v. Karabacek؛ الكتاب المذكور، ص ٣٦)، وكان بها أيضًا دار للطراز. ولم تكن دمياط تنتج هذه الثياب الكتانية مثل تنيس فخسب، بل كانت تصنع أيضًا الثياب الكتانية البيضاء اللون، وكذلك الثياب الحريرية المذهبة والثياب المعروفة باسم الثياب البلخية (انظر على بن داود الخطيب الجوهرى، مخطوط: A.F رقم ٢٨٢، ورقة رقم ٦٩ أ؛ وانظر كذلك Culturgeschichte: A.v.Kermer جـ ٢، ص ٢٨٩) وغير ذلك من المنسوجات. وكانت شطا تصنع أيضًا الكساوى والأقمشة المعروفة باسم الثياب الشطوية (المقريزى: الخطط، جـ ١. ص ٢٢٦، س ٥ وما بعده). ونحن نعرف أن هذه الكساوى كانت تصنع فى دار للطراز ملك للدولة، نستدل على ذلك من كتابة الكسوة التى ذكرها المقريزى (انظر Papyrusprotokolle: J. v. Karahacek ص ٣٦)، أما من حيث الثياب المعروفة باسم الثياب الشطوية فلا نعرف على التحديد أين كانت تصنع. ونجد فى ورقة من أوراق البردى بمجموعة رينر (Rainer رقم ٨٤٩ فى Ausstellunge؛ انظر Fuhrer: J.v.Karabacek ص ٢٢٧) إشارة بالسطر السادس إلى لباس للرأس من شطا (منديل شطوى معلم) يساوى عشرين قيراطا من الذهب. وهذا الثمن يعد مرتفعًا إلى حد ما لأن أقمشة شطا ودبقو (دبيق) ودميرة لم تكن فى رقة أقمشة تنيس (الإدريسى، ص ٣٢٠).
стр. 6722
وكانت الصناعة التى تتم فى هذه البلدان على أيدى النساجين القبط تخضع لرقابة دقيقة من الدولة (المقدسى: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٣ ص ٢١٣؛ وانظر Die Renaissance des Islams: A.Mez ص ١١٨؛ Islamstudien: C.H.Becker ص ١٨٤) تبدأ منذ قيام النساج بالعمل على نوله. وكان يختم على هذه المنسوجات بختم السلطان، ونحن نعرف شكل هذه الأختام من الختم الأحمر الموسومة به قطعة الكتان (Inv. Ar. Lin رقم ١) بمجموعة رينر Rainer المكتوب عليها "الملك المعز" (انظر Corpus Pap: Rained جـ ٣، السلسلة العربية جـ ١، قسم ١، ص ٥٩ وما بعدها، رسم رقم ٢)؛ ولا تباع "إلا على يد سماسرة قد عقدت عليهم، وصاحب السلطان يثبت ما يباع فى جريدته، ثم تحمل إلى من يطويها، ثم إلى من يشدها بالقشى [ولعله ورق البردى الغليظ] ثم إلى من يشدها فى السفط، وإلى من يحزمها، واحد منهم له رسم يأخذه، ثم على باب الفرضة يؤخذ أيضًا شئ. وكل واحد يكتب على السفط علامته" وهذا العمل كله لا يدل دلالة قوية على أنه كان هناك مصنع حكومى يقوم بعمل هذه الثياب، بل إنا لنميل إلى القول بأنه كان فى الدلتا على الأقل صناعة تمارس فى المنازل الخاصة، والراجح أنها كانت تقوم جنبًا إلى جنب مع المصانع الحكومية. وكان نصيب العمال من هذه الصناعة يبعث على الأسى، فالنساء تغزلن والرجال ينسجون، وهم الذين يستأجرون أماكن العمل، وكان أجر الفرد منهم نصف درهم كل يوم وهو مبلغ لا يكفى للوفاء بأقل الحاجات الضرورية للمعيشة. وكانت الأجور فى مصر كلها منخفضة جدًّا. وكانت الثياب الحريرية والديباج والابريسم تصنع بصفة خاصة فى الإسكندرية، وكذلك الثياب الكتانية الرفيعة المعروفة باسم "الشرب" كما كانت هذه الثياب تصنع أيضًا فى تنيس، ودمياط، وشطا (انظر Culturgeschichte: A.v. Kremer جـ ١، ص ٣٥٣) وكانت الاسكندرية تشتهر حتى فى الأزمنة الرومانية بأنها مركز لنسج الحرير كما كان فى البلاط البوزنطى بها مساكن للنساء يقمن فيها بإعداد الثياب. ولم تكن مادة الثياب
стр. 6723
المصنوعة خلال العهد الإسلامى فى جودة الثياب التى كانت تصنع فى العهد السابق ولطفها، ولكن الاسكندرية فى القرنين الثالث عشر والرابع عشر كانت تزود بوزنطة والبابا فى رومة بالثياب (Seidenweberei: O.v. Falke جـ ١، ص ٤٨، ٥١، ١١٠) وجرت عادة الكثيرين من البابوات على إهداء الكنائس منسوجات جميلة عليها رسوم تمثل الفرسان وكانت دور الطراز الحكومية فى تنيس والاسكندرية ودمياط تصنع بصفة خاصة ثياب الخلفاء الفاطميين (المقريزى: الخطط، جـ ٢١ ص ٤١٣؛ القلقشندى: صبح الأعشى، جـ ٣، ص ٤٧٦ Geographie: F.Wustenfeld ص ١٧٥ وما بعدها) وخلفائهم. ويذكر أبو الفداء فى كتابه "تاريخ الخميس" (جـ ٤، ص ١٠١) أن دار الطراز بالإسكندرية كانت تعمل لسد حاجات الحاكم الشخصية (للخاص الشريف؛ انظر ١٠٧٠ Die Liturguschen Gewander: J.v.Karabacek ص ١٩٥). واشتهرت دبيق بثيابها الكتانية ونسيج العمائم، وكانت تصنع الستائر لتغطية عرش الخلفاء الفاطميين إبان الاحتفالات (القلقشندى: صبح الأعشى، جـ ٣، ص ٤٩٩). وكثيرًا ما يرد ذكر منسوجات دبيق فى الكتب، وخاصة فى المقريزى، وقد توطدت هذه الصناعة هناك منذ القدم. ويوجد بالمتحف النمساوى حزام من العهد القبطى عليه زركشة ثمينة وعلى حافته خطت كلمة وهو الاسم القبطى لمدينة دبيق (انظر Die Theodor Graf. schen Funde: J.v. Karabacek رقم ٤٢٧). ولا نعرف عن مدينة بنشا الصناعية إلا القليل. ونجد على قطعة طراز حريرى موشاة بالأسود من مجموعة رينر (Inv.Ar.Lin رقم ١٨، وقد نشرها J.v.Karabacek فى Papyrusprotokolle ص ٣٩) الكتابة الآتية: "هذا مما أمر بعمله فى طراز الخاصة بنشا" ونستخلص من هذا أنه كان هناك دار لصنع الثياب الحريرية تزود الخليفة دون سواه بحاجته، وكانت هذه الدار من أملاك الدولة؛ ونحن نعرف أيضًا اسم هذه المدينة من أوراق البردى. واشتهرت مدينة الأشمونين بالصعيد إلى جانب الفيوم بصناعة المنسوجات (انظر الإصطخرى. المكتبة الجغرافية العربية،
стр. 6724
جـ ٢، ص ٥٨؛ ابن حوقل: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٢، ص ١٠٥؛ الإدريسى، جـ ١، ص ١٢٤ Culturgeschichte: A.v.Kremer جـ ١، ص ٣٥٣) كما اشتهرت تخا بالمنسوجات الصوفية (انظر Renaissance des Islams: Mez ص ٤٣٢). وكان للبهنسا مركز خاص، إذ كان يصنع بها منسوجات ثمينة كما يقول الإدريسى (جـ ١، ص ١٢٨) تحمل اسم المدينة وتخصص للحاكم وكبار عمال الدولة، كما كان يصنع بها ثياب من الأنواع العادية. وكان القماش يقسم إلى قطع طول الواحدة منها ثلاثون ذراعًا، ويبلغ ثمن الزوج منها مائتى دينار. وكانت كل قطعة من هذه الأقمشة من الصوف أو من القطن، رخص ثمنها أو غلا، تحمل الاسم الدال على نوعها، وبذلك كان المشترى يعرف نوع ما يشترى. ولدينا بعض المعلومات عن الأثمان استقيناها من ورقة من أوراق البردى محفوظة بمجموعة رينر (Ausstellung: Rainer رقم ٨٤٩) نستدل منها على أن قماش العمامة الطويل من صنع البهنسا (منديل بهنسى طويل) كان يساوى قيراطًا من الذهب. ومما يؤسف له أن الإدريسى لم يقل لنا هل كان القماش المخصص لرجال البلاط يصنع فى دار للطراز أو فى دار خاصة. وقد ذكر على بن داود الخطيب الجوهرى (A.F رقم ٢٨٢، ورقة رقم ٩١ ب) عبارة "طراز سعيد"، ولكنه لم يذكر مكان هذا المصنع الحكومى من مصر العليا. وفى دار الكتب المصرية بالقاهرة (سجل رقم ٩٦، ١٠٣) ورقتان من أوراق البردى تلقيان ضوءًا على هذه المسألة، فقد ورد فيهما وصف لشخص يدعى رماح بن يوسف بأنه "المتوكل بطراز أشمون وأنصنا"، ونتبين من ذلك أن هذا الرجل هو الذى كان يدير دار الطراز فى أشمون وأنصنا ويجمع فى إدارته بينهما، ومن ثم يمكن القول بأن هاتين الكورتين كانتا فى الأصل منفصلتين ثم ضمتا من بعد وأصبحتا كورة واحدة (انظر Papyri Schott-Reinhardt: C.H. Becker جـ ١، ص ٢٠) وكان بالقاهرة (الفسطاط) فى عهد العباسيين دار عامة للطراز (طراز العامة بمصر) كما نتبين من قطعة القماش التى أسلفنا ذكرها، المحفوظة بدار الآثار العربية بالقاهرة. وواضح
стр. 6725
أن صفة "العامة" هنا تقابل صفة "الخاصة" التى تدل على أن المصنع يعمل من أجل الخليفة وحده. وليس معنى هذا أن دار القاهرة قد أصبحت فى عهد الأمين منشأة خاصة بحتة، بل يمكن أن نقول إنها كانت فى الوقت نفسه منشأة حكومية تزود الأفراد بما يلزمهم علاوة على تزويد رجال البلاط بما يحتاجونه. ولا نستطيع فى أية حالة من الحالات أن نقطع على وجه اليقين برأى فى مسألة ملكية المصنع. ولا نستطيع أن نتصور -كما هو شأننا عادة حتى هذا الوقت تمشيًا مع كاراباسك Karabacek- أن الخليفة كانت له الرقابة المطلقة على هذه المصانع.
وإذا كان الأمويون والعباسيون قد عنوا عناية كبيرة بصناعة منسوجات الطراز ومراعاة الحقوق المتصلة بها، فإن أهمية هذه المنسوجات قد ازدادت فى عهد الفاطميين الزاهر، كما يتبين من رواية المقريزى عن ابن الطوير الذى كان على دراية تامة بهذا الموضوع (الخطط، جـ ١، ص ٤٦٩). فقد كان إلى جانب مصنع الدولة الشهير بالاسكندرية المسمى دار الطراز، مصنع آخر بالقاهرة يحمل الاسم نفسه، وقد أنشئ فى عهد خلفاء الخليفة العزيز باللَّه باسم الوزير أبى الفرج يعقوب بن يوسف بن كلِّس المتوفى عام ٣٨٠ هـ (٩١١ م) وكان يعرف أيضًا باسم دار الديباج، لأن الديباج كان يصنع به (المقريزى: الخطط، جـ ٢، ص ١٠٤، س ٢٥ وما بعدها). وكان على رأس الإدارة فى هذه المصانع الحكومية دائما موظف من رتبة عالية يختار من رجال الفقه أو الحرب، وكان الخليفة يخصه بالرعاية والتقدير؛ ويباشر عمله وتحت إمرته هيئة مختارة من الموظفين تنقل منتجات دور الطراز وتتخذ الوسائل اللازمة لهذا النقل. وكان هذا الموظف حين يصل إلى البلاط ومعه المنسوجات اللازمة للخليفة، ومن بينها المظلة والحلل التى تسمى "بدلة" و"بدنة" وثياب الخليفة الخاصة، يستقبل بأعلى مظاهر التشريف، ويوضع فى خدمته طوال مدة إقامته جواد من حظائر الخليفة. وكانت منازله بالمدينة تقوم فى منظرة الغزالة على شاطئ الخليج قبال