الفقهاء يجب أن تعتبر غير تاريخية وإنما أصبحت تاريخية على وجه اليقين إبتداء من إبراهيم النخعى؛ وهذا يصدق أيضًا على ما يلى) وهو ينطبق حتى على الحالة التى تكون فيها المرأة ذات حمل؛ والحجة فى ذلك، على ما يذكر، هم: عبد اللَّه بن مسعود، وجابر بن عبد اللَّه، وحماد والحسن البصرى وإبراهيم النخعى. والطلاق ثلاث مرات متتالية صحيح من حيث هو طلاق ثلاث عند الغالبية العظمى بمن فيهم عبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن مسعود، وعبد اللَّه بن عمر، وحماد، والحسن البصرى، وإبراهيم النخعى، والزهوى، بل يذكر أحيانًا أن هذا الرأى هو الرأى السائد الوحيد الذى لا يوجد رأى مخالف له، لكن فى تاريخ متأخر عن ذلك بعض الشئ كان هناك من يدافع عن الرأى القائل بأن مثل هذا الطلاق يجب أن يعد صحيحًا مرة واحدة. وعلى حين يذهب رأى الغالبية، الذين يذكر بينهم عبد اللَّه بن عباس والضحاك، إلى أن المرأة تصبح حرامًا على الرجل بعد طلاق الثلاث المتتالية بحيث لا تستطيع أن تتزوجه من جديد إلا بعد أن تنكح رجلا آخر ويتم الزواج ثم يطلقها هذا الرجل، فإن هذه النتائج -بحسب رأى يذكر عن مجاهد (ومعه آخرون) وهو يتابع الطبرى، ويرجع إلى اختلاف فى تفسير الآية ٢٢٨ وما بعدها من سورة البقرة- تصبح نافذة بعد طلاق مرتين إن لم يرجع فيه الرجل بل "يسرح المرأة". أما أنه لابد من إتمام الزواج الثانى إتمامًا فعليًا إذا أريد أن تصبح المرأة حلالًا للزوج الأول، فهو ما يطالب به الجميع قاطبة، ومنهم مثلا عبد اللَّه ابن عباس، وعبد اللَّه بن المبارك، وعبد اللَّه ابن عمر، وإبراهيم النخعى، وسعيد بن المسيب، والزهرى. ويؤكد كل من عبد اللَّه بن مسعود، وحماد، وإبراهيم النخعى، صحة الطلاق الذى ينطق به فى حالة المزاح تأكيدًا صريحًا، وهو يعتبر طلاقًا معترفًا بصحته عند الجميع.
وهناك تأكيد إجماعى للمبدأ القائل بأنه فى حالة الطلاق بعبارات غير صريحة يكون المعول على نية الناطق
стр. 6792
بها، لكن هناك خلاف كثير فى الرأى حول عبارات بعينها، وهل تعتبر غير صريحة أم لا، وحول الطلاق بالإكراه أو تحت تأثير السكر: هل يعتبر صحيحًا أو غير صحيح؟ والمسألة هنا مسألة تطبيق مبادئ هى ذات أهمية فيما عدا ذلك أيضًا، أجل تطبيقها فى ميدان كان له، نظرا لأهميته، شأن كبير فى تطور هذه المبادئ، وإنكار صحة الطلاق قبل إتمام الزواج يستند إلى الحديث الذى رواه عبد اللَّه بن عباس، وعلى، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن المسيب وغيرهم، أما الطلاق المشروط بإتمام الزواج (إن تزوجتك فأنت طالق) فهو يعتبر صحيحًا عند عبد اللَّه بن مسعود، وعبد اللَّه بن عمر، وإبراهيم النخعى، والزهرى، لكن ينكر ذلك آخرون. وكل طلاق قبل إتمام الزواج فهو بات لا يمكن الرجوع فيه (انظر سورة البقرة، الآية ٢٣٦, ٢٣٧؛ سورة الأحزاب، الآية ٤٩) وأصحاب هذا القول هم عبد اللَّه بن عباس، وحماد، وإبراهيم النخعى، والزهرى وغيرهم (هذه القاعدة تتفق بلا شك مع روح القرآن - انظر سورة الأحزاب، الآية ٤٩). والآراء المختلفة الموجودة الحديث حول حقوق المطلقة ثلاثًا فى السكنى والنفقة توجد هنا أيضًا: وبحسب رأى عبد اللَّه بن عباس، والحسن البصرى، وعكرمة، لا حق لها كلية، وعند الزهرى (وهو يظهر بين أنصار الرأى الأول، لكن الراجح أن ذكره بينهم خطأ) أنه لاحق لها إلا فى السكنى، وعند عبد اللَّه بن مسعود وحماد وإبراهيم وعمر، أن لها الحق فى السكنى والنفقة. ويذهب عبد اللَّه بن عمر، وسعيد بن المسيب، والزهرى إلى أنه لا يجوز للرقيق أن يطلق إلا مرتين سواء كان الطلاق لأمة أو حرة.
أما عند عبد اللَّه بن مسعود، وإبراهيم النخعى فإن العامل الحاسم فى ذلك هو مركز المرأة من حيث هى أمة. فكل من كان زوجا لأمة سواء كان عبدًا أو حرًا فليس له أن يطلق أكثر من مرتين. ولفظ القروء الوارد فى القرآن (سورة البقرة، الآية ٢٢٨ وما بعدها) يفسر
стр. 6793
أحيانا بأنه الحيض، وأحيانا بأنه مدة الطهر؛ ومن أصحاب الرأى الأول عبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن مسعود، والضحاك، وحماد، وإبراهيم النخعى، وعكرمة، وعمر، وفقهاء العراق. ويذكر من أصحاب الرأى الثانى عبد اللَّه بن عمر، والزهرى (وينسب إليه الرأى الأول خطأ) وفقهاء المدينة. وكل من على وسعيد بن المسيب يذكر بين أصحاب الرأيين الأول والثانى.
وهناك خلافات فى الرأى أقل شأنا من ذلك حول تفسير ألفاظ قرآنية مختلفة وردت فى سورة البقرة الآية ٢٢٨, وسورة الطلاق، الآيات ١ و ٢ و ٤. وهناك إجماع على أنه يحق للزوج أن يرجع فى الطلاق حتى رغم إرادة الزوجة، وهذا ما يقول به صراحة أمثال عبد اللَّه بن عباس، والضحاك، والحسن البصرى، وإبراهيم النخعى، وعكرمة، ومجاهد.
٥ - وأحكام الفقه فى الطلاق مبنية على ما تقدم، ويمكن إجمالها باختصار فيما يلى: للزوج الحق فى تطليق زوجته حتى بدون إبداء الأسباب، لكن الطلاق بدون أسباب وجيهة مكروه، بل هو عند الأحناف حرام، وأيضا يعتبر "طلاق البدعة" حراما، وذلك هو الطلاق الذى لا تراعى فيه شروط "طلاق السنة" (انظر ما تقدم) لكن هذا لا يؤثر بحال فى صحة الطلاق.
ويشترط فى الزوج لكى يصح منه الطلاق بلوغ الرشد وسلامة العقل. ولا يعتبر طلاق القاصر صحيحا إلا بحسب حديث واحد عند أحمد بن حنبل، والوصى يقوم مقام الزوج الذى لا تتوفر فيه الشروط المطلوبة شرعا.
والطلاق حق شخصى يجب أن يباشره الزوج شخصيا أو بمعرفة وكيل يعينه هو خاصة، بل يستطيع الزوج أن يعطى هذا التفويض للزوجة أيضا، فهى التى تطلق نفسها.
والطلاق يكون بعد زواج صحيح، والطلاق المعلق بشرط إتمام الزواج (انظر ما تقدم) غير صحيح عند الشافعية والحنابلة، لكن صحيح عند الأحناف والمالكية (لكنه عند المالكية لا يعتبر صحيحا إلا إذا صيغ فى عبارة
стр. 6794
عامة لا تخصيص فيها مثل أن يقول المطلق: كل امرأة أتزوجها طالق).
وطلاق المخرف والمجنون غير صحيح، وطلاق السكران كان مثار مناظرات حية فى جميع المذاهب، فطلاق السكران المذنب يعتبر صحيحًا عند غالبية الفقهاء. وطلاق المكره صحيح عند الحنفية وليس صحيحا عند المالكية، والشافعية، والحنابلة.
والعبارات المتضمنة للطلاق الدالة عليه دلالة صريحة مباشرة توقعه مهما كانت نية القائل لها عند نطقه بها. وإذا استعمل الناطق بالطلاق عبارات مسهبة غير ملتبسة فإن الحنابلة والحنفية والشافعية يشترطون النية أيضا، على أن المالكية لا يجعلون لها أهمية، أما إذا استعمل المطلق ألفاظًا أو إشارات ملتبسة فإن النية هى العامل الحاسم الوحيد.
وبين أصحاب المذاهب خلاف كبير فى الرأى حول كل هذه المسائل من حيث التطبيق على حالة المطلق. وهناك خلاف كثير أيضًا حول صحة الطلاق المعلق بشرط، هذا بصرف النظر عن الحالة التى تقدم (ذكرها) فالحنفية والشافعية يعتبرون أن الطلاق المعلق إنما يقع عند وقوع الشرط، والمالكية ينظرون إليه بحسب طبيعة الشرط فيعتبرونه أحيانا واقعا على الفور وأحيانا لا قيمة له.
ومدة العدة تبتدئ بعد الطلاق مباشرة، إلا إذا كان الطلاق قبل إتمام الزواج فهذا الطلاق بائن: وفى هذه الحالة لا تحتاج المرأة إلى عدة، وليس لها إلا المطالبة بنصف المهر إن كان قد فرض وحدد مقداره (وإذا كان قد دفع وجب عليها أن ترد نصفه) ولها الحق فى هدية الزواج، وهى التى يقال لها المتعة بحسب تقدير الرجل (انظر سورة البقرة الآية ٢٣٦, ٢٣٧.
ولابد من التفرقة بين الطلاق الرجعى والطلاق البائن. ففى الحالة الأولى يعتبر الزواج شرعا قائما بكل نتائجه، وللمرأة على الزوج الحق فى السكنى والنفقة طول مدة العدة، وللزوج من جهة أخرى الحق فى الرجوع فى الطلاق طول مدة العدة،
стр. 6795
فإذا ترك هذه المدة تمضى من غير أن يستعمل هذا الحق انحل الزواج نهائيا بانتهاء المدة، فإن لم يكن المهر قد دفع وجب دفعه، إلا إذا كان قد اتفق على دفعه فى تاريخ بعد ذلك. فإذا حدث صلح بين الطرفين، وأرادا أن يتراجعا فلابد لهما من عقد جديد ومهر جديد.
أما فيما يتعلق بالطلاق البائن فإن الزواج ينحل به على الفور انحلالا نهائيا (مع استثناء واحد وهو أن الطلاق البائن الصادر عن الرجل فى مرض يموت فيه لا يحرم الزوجة من حقوق الميراث، وهذا هو رأى الأحناف والحنابلة مع اختلاف فى التفصيلات، أما الشافعية فهم يعتبرون أن الرأى الآخر أفضل) على أنه لابد فى هذه الحالة من أن تقضى الزوجة مدة العدة، ولا يصح لها فى أثناء هذه المدة أن تتزوج. وفى هذه المدة لها على الزوج الحق فى السكنى، لكن لا يكون لها الحق فى النفقة إلا إذا كانت حاملا. ودفع الزوج للمهر هو كالحال فى الطلاق الرجعى. ولا يجوز عقد زواج جديد بين الطرفين الأولين إلا إذا كانت المرأة فيما بين ذلك قد أتمت الزواج برجل آخر وعاشرته (انظر سورة البقرة، الآية ٢٣٠)، لكن حتى هذا السبيل لا يكون ميسورا لهما إلا مرتين.
والطلاق الثالث يعتبر بائنًا بين الأحرار (انظر سورة البقرة، الآية ٢٢٩ وما بعدها)، أما بالنسبة للرقيق فالطلاق الثانى هو البائن ولا أهمية لكون الطلقات المتفرقة قد حصلت فى زواج واحد أو أكثر لم يفصل بينها تحليل. وفيما يتعلق بالزواج بين الأحرار والإماء فإن مركز الرجل هو المعول عليه عند المالكية والشافعية والحنابلة، ومركز المرأة هو المعول عليه عند الحنفية.
ومدة العدة للمرأة ثلاثة قروء (انظر سورة البقرة، الآية ٢٢٨) أى أنه عند المالكية والشافعية ثلاثة أطهار، وعند الحنفية ثلاث حيضات، فإذا كانت الزوجة حاملا استمرت المدة حتى تضع حملها. أما بالنسبة للأمة فمدة العدة فى الحالة الأولى قرءان وفى الحالة الثانية شهر ونصف، فإذا كانت الأمة حاملا استمرت المدة أيضا حتى الوضع.
стр. 6796
وعند الحنفية، وهو الأشهر عند المالكية، أنه لا يجوز وطء المرأة التى لم تطلق الطلاق البائن فى أثناء مدة العدة، وعند المالكية والشافعية والرأى الآخر للحنابلة، أن ذلك محرم. وبحسب ذلك يعتبر الوطء عند الأولين رجوعًا فى الطلاق فى كل حال، ولا يعتبر عند المالكية رجوعا فى الطلاق إلا إذا كانت نية الرجل قد انعقدت على ذلك. أما الشافعية فلا يعتبرون فى الرجوع فى الطلاق إلا الكلام الصريح من جانب الزوج.
٦ - وأحكام الطلاق عند الشيعة لا تختلف إلا فى تفصيلات قليلة الأهمية عن أحكامه عند أهل السنة التى تكلمنا عنها حتى الآن، فالشيعة يفسرون الآية الثانية من سورة الطلاق تفسيرًا أكثر تشددًا، ويرون أنه لكى يكون الطلاق صحيحا لابد من إحضار شاهدين تتوفر فيهما الشروط الشرعية، هذا على حين أن أهل السنة لا يرون ضرورة للشاهدين. والشيعة يجعلون قيمة للعبارات الملتبسة والعبارات والإشارات التى تحتمل أكثر من وجه مهما كانت نية الناطق بالطلاق.
٧ - والطلاق، من حيث هو نظام متعلق بتشريع الأسرة، يجب أن يجرى من الناحية العملية على أسس تمليها أحكام التشريع الإسلامى بكل شدة.
وقد أدت كثرة الطلاق ذاتها، وفى أحيان كثيرة طلاق ثلاث لأتفه الأسباب، إلى هذا الإجراء الآتى:
إذا أراد الزوجان أن يتراجعا بعد الطلقة الثالثة فإنهما يبحثان عن شخص مناسب يكون مستعدًا فى مقابل مكافأة لأن يعقد على الزوجة ثم يطلقها على الفور، وهنالك تصبح الزوجة حلالا لزوجها الأول، ولذلك فإن الشخص الذى يقوم بالدور فى هذا التحليل يسمى المحلل، ويفضل استخدام شخص قاصر أو شخص مملوك، لهذا الغرض.
ولا يمكن الاعتراض بحال على صحة مثل هذا الإجراء بشرط ألا تذكر كلمة التحليل عند عقد هذا الزواج الحاصل بين الطلاق ثلاثا وبين المراجعة، ويدافع الحنفية عن جوازه، لكن المالكية والشافعية يعارضونه. وابن تيمية الحنبلى كان يرى أن التحليل فى الجملة غير جائز وقد هاجمه فى
стр. 6797
مصنف خاص له (انظر بروكلمان: تاريخ الأدب العربى جـ ٢، ص ١٥٥، رقم ٣٨) لكن ابن تيمية كان فيما يظهر متفردًا فى ذلك.
وتعليق الطلاق قد تكون له أغراض مختلفة: فالرجل قد يستخدم هذا الطلاق مثلا لكى يحمل نفسه أو زوجته على شئ أو لكى يرجع عن شئ مخافة الطلاق الذى يهدده، أو لكى يكسب بعض ما يقول قوة. وفى الهند وبين سكان المضايق وفى شطر كبير من جزر الهند الهولندية، صار هذا التعليق للطلاق عادة جارية عند عقد الزواج، ويندر إغفاله، وهو يستخدم فى فرض التزامات على الرجل لزوجته فإن هو لم يف بها انحل الزواج بالطلاق (انظر De Atjehers: Snouck Hurgronje، جـ ١، ص ٣٨٢ وما بعدها؛ Verspreide Ges chriften جـ ٤/ ١ ص ٣٠٠ وما بعدها؛ Handleiding tot de kennis von de mohammedaansche wet: Juynboll، ص ٢٠٧ وما بعدها، الطبعة الثالثة).
أما عن الناحية العملية للطلاق بحسب ما تطور فى بلاد مختلفة فى ظل الشريعة وفى ظل القانون العرفى بين أهل البلاد فانظر (فيما يتعلق بشمالى إفريقية Sitte and Recht in Nordafrika: Ubach and Rackow ص ٣٧, ٩٧, ١٩٤ و ٢٧٧, ٣٧٩ وما بعدها؛ وفيما يتعلق بمصر Manners and customs of the modern Egyptions: Lane, الفصلان ٣، ٤؛ وفيما يتعلق بشرق الأردن انظر Coutun es des Arabes au pays de Moab: A Jaussen، قسم ٣؛ وفيما يتعلق بشمالى غرب جزيرة العرب انظر للمؤلف نفسه: Coutmes des Fugara، قسم ٤؛ وفيما يختص بالهند الهولندية انظر المراجع التى ذكرها Handleiding: Juynboll ص ٢٠٧، هامش رقم ٣، وانظر بوجه عام كتب وصف أحوال الشعوب وكتب الرحلات).
أما تركية فإنها باتخاذها منذ ١٩٢٦ القانون السويسرى فى الأحوال المدنية هى البلد الإسلامى الوحيد الذى ألغى الطلاق كلية.
المصادر:
علاوة على المصادر التى تقدم ذكرها والمصادر الأصيلة فى الحديث والفقه انظر
стр. 6798
(١) R. Roberts: The social laws of the Qoran, ص ٩٨ وما بعدها.
(٢) Handbook of early Muhammadan Tradition: Wensinck, مادة طلاق.
(٣) Dictionary of the technical terms: Sprenger، جـ ١، ص ٩٢٠، جـ ٢، ص ٩٢١ (هذا الكتاب هو كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوى).
(٤) Handleiding . .: Juynboll الطبعة الثالثة، ص ٢٠٣ وما بعدها
(٥) Muhammedanisches Recht und Schafitische Lehre: Sachau، الكتاب الأول.
(٦) Istituzioni di diritto musulmano malichita: Santillana, جـ ١، ص ٢٠١ وما بعدها
(٦) Dictionary of Islam: Hughes، مادة طلاق.
أبو ريدة [شاخت J.Schacht]
تعليق على مادة "طلاق "
- ١ -
يلحظ فى هذه المادة الإطالة بغير طائل، فمن تكرار فى غير موضع، إلى تلخيص بعد تفصيل، مما يقلل الاستفادة، من هذه الصفحات الكثار.
ثم يلحظ فى المادة عدم وضوح الطابع المميز لها، فهل هى تاريخية، أو اجتماعية، أو فقهية؟ وإذا كانت فقهية، فهل هى من فقه القرآن الكريم، أو فقه السنة، أو الفقه المذهبى فى صورته الأخيرة؟ فإن أهل الذكر يدركون الفروق بين هذه الدراسات المختلفة.
وفى المادة لمحات من كل هذه الاتجاهات، لا تكتمل منها واحدة؛ فهى تحدث عما كان عليه الأمر أول ظهور الإسلام، من مفارقة ما زاد عن أربع، ممن عنده أكثر, وتحدث عما صار إليه الأمر حديثا فى تركية، من إلغاء الطلاق، ولكنك لا تجد فيها التناول التاريخى الصادق، للطلاق عند العرب، أو الساميين، أو المسلمين على مرور الأزمنة! !
стр. 6799
وهى تحدث عما فى القرآن من آيات الطلاق أحيانا، لكنك لا تجد فيها التتبع الكامل للطلاق فى القرآن، واستخراج الأحكام من آياته! ! وهى تحدث عن أحاديث فى الطلاق، لكنك لا تجد فيها ذلك التتبع، الذى هو دراسة للطلاق فى الحديث، واستخراج الأحكام من مروياته! ! وهى تحدث عن اجتهاد المجتهدين فى الطلاق، وتذكر آراء طبقات مختلفة منهم، لكنها لا تبين التطور الاجتهادى لأحكام الطلاق الفقهية! ! ولا هى تقدم صورة مما استقر عليه الأمر أخيرًا من أحكام الطلاق المذهبية! !
وهكذا لا تكون مادة طلاق فى دائرة المعارف الإسلامية درسا مستوفيا لجانب محدود، من جانب البحث الإسلامى يخرج القارئ منه بفائدة صالحة، ولا هى إلمام عام منسق، بتلك الجوانب، من البحث الإسلامى.
ولعل المادة كانت تستحق التناول المبتدأ، كما حدث ذلك فى غير مادة من الدائرة المترجمة حين بدا عدم وفاء ما كتب عنها فى الأصل الأوربى إ!
وربما كانت الكتابة المبتدأة فرصة قد فاتت. . فلننظر فيما قدم من هذه المادة.
- ٢ -
يقول الكاتب:
"وأخيرا يجب أن نذكر أنه بحسب ما ورد فى الحديث أن الرسول ﷺ أوقع الطلاق من فوره على نساء استعذن باللَّه أمامه، وروى أنه أشار بأن يطلق عبد اللَّه بن عمر زوجته، لأجل أن أباه كان يكرهها".
وأول ما فى ذلك: التعبير بالجمع عن نساء استعذن باللَّه أمامه، فإن المشهور أن ذلك لم يكن من جمع من النسوة! !
على أنك تجاوز ذلك إلى تفهم مراد الكاتب بإيراد هذين المعنيين، من طلاق من استعاذت باللَّه أمام الرسول ﵊ فورًا؛ وطلاق ابن عمر وزوجته لأجل أن أباه كان يكرهها؟
فهل يريد الكاتب أن الطلاق كان هينًا، ولأسباب يسيرة؟ أو هو يريد أن إشارة الرسول ﷺ بطلاق زوجة ابن عمر فيها شئ ما من هذه السهولة، فى تقدير تلك الرابطة؟ ! أو هى غمزة منه
стр. 6800
بذكر استعادة امرأة أمام الرسول ﵊؟
فأما أن الطلاق كان هينا ولأسباب يسيرة، فواضح فى حالة الاستعادة أمام الرسول ﵊ أن أساس هذه الرابطة الزوجية، وهو المودة والرحمة -آية ٢١: الروم- ليس موجودًا من جانب المرأة، وقد قال القرآن الكريم: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وهو ما فهم منه أن يفعل بها الزوج ما يحب أن تفعل به، أى أن يصنع لها كما تصنع له -والعبارتان لابن كثير والبغوى جـ ٢، ص ٣٨٤ و ٣٨٥ ط المنار- وإذا كان الأمر كذلك، فهل بقى شئ من أساس هذه الصلة أو نظام التعامل فيهما بعد الاستعاذة باللَّه من الزوج! !
ولا موضع للغمز فى خبر الاستعاذة باللَّه أمام الرسول ﷺ لأنها -حين تصح- ليست إلا من حيل النساء، على ما هو معروف من الخبر، فهن أفهمن هذه المرأة المستعيذة أن هذا هو ما يحب الرسول ﷺ أن تلقاه به المرأة أول لقاء، فتوهمت المرأة ذلك واستعادت.
والمسألة كلها أهون من أن يطول فيها القول بأكثر من ذلك.
وأما إشارة الرسول ﵊ بأن يطلق ابن عمر زوجته لأجل أن أباه كان يكرهها، فيحسن أن نقدم بين يدى الكلام عنها، ما أدب به القرآن الناس، عند كراهتهم هم أنفسهم لهؤلاء الزوجات وما أتم به الرسول ﵊ بيان هذا التأديب؛ وذك من آية النساء: ١٩ - قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ فهذا هو ما تلا الرسول ﵊ على عمر وابنه وغيرهما؛ ثم نقل أنه قال فى هذا التأديب: "لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضى منها آخر"، أو كما قال فى هذا المعنى. . ومن هذه الآية أخذ العلماء دليل كراهة الطلاق، مع الإباحة، وروى عن النبى ﷺ أنه قال: إن اللَّه لا يكره شيئا أباحه إلا الطلاق والأكل، وإن اللَّه ليبغض المعى إذا امتلأ -تفسير القرطبى جـ ٥، ص ٩٨.
стр. 6801
وفى ظل هذا التوجيه القرآنى والنبوى إلى ما يفعل عند الكراهة للزوجة ننظر فى حادث ابن عمر، وكراهة أبيه لزوجته فنرى، الحديث -كما فى مسند ابن حنبل، جـ ٢، صفحات ٤٢, ٥٣, ١٥٧: "وإذا عمر يقول للرسول [ ﷺ ]: يا رسول اللَّه إن عند عبد اللَّه بن عمر امرأة كرهتها له، فأمرته أن يطلقها فأبى، فقال لى رسول اللَّه [ ﷺ ]: يا عبد اللَّه طلق امرأتك فطلقها".
ودعك من أنه خبر آحاد، وأن فى سنده الحارث بن عبد الرحمن، قال الحاكم: لم يرو عنه غير أحمد. . وانظر فى عبارة الحديث قول عمر "فكرهتها له، أى كرهها لابنه، وليس أن عمر الأب هو الذى كره زوجة ابنه.
وكراهة عمر هذه الزوجة لابنه تحتمل أشياء كثيرة، وتبين قيمة مشورة هذا الأب الذى عرف بحسن التقدير، وأيدت ذلك فيه حوادث كثيرة أيد الوحى فيها رأيه، كما هو معروف. ولا بعد فى أن يكون تقدير الرسول [ ﷺ ] لهذا الرأى من عمر فى أن هذه زوجة غير صالحة لابنه، وكراهتها له، لا كراهة عمر لها، هو التقدير الدقيق فى ظل هذا الهدى القرآنى، عند كراهة النساء، ولذلك كله أشار الرسول ﵊ بطلاق ابن عمر لمن كره أن تكون زوجة له.
ولا يبقى فى الحادث بعد ذلك وتعبير عمر بقوله "كرهتها له" موضع لملاحظة؛ وهو شهادة على دقة الكاتب أو أمانته، حين يقول من أجل أن أباه كان يكرهها. مع أنه كان يكرهها له.
- ٣ -
يقول الكاتب: "ومثل هذه النسبة إلى أقدم الفقهاء يجب أن تعتبر غير تاريخية، وإنما أصبحت تاريخية على وجه اليقين ابتداء من إبراهيم النخعى".
وفى قوله "يجب أن تعتبر غير تاريخية" جرأة، ولا يقبلها منهج البحث المحرر؛ فكل ما فى الأمر أنه قد يشك فى هذه النسبة، ولكن هذا الشك لا يعطيه الحق فى إيجاب عدم تاريخيتها. ولو قد قال إنه يشك فى تاريخية هذه النسبة، أو إنه يتهم هذه النسبة بكذا أو كيت لساغ له من ذلك ما يصح، ثم
стр. 6802
ينظر فى تقدير أثره على تاريخية النسبة، لا أن يهجم على تقرير وجوب إهدار تاريخية النسبة هكذا.
وفى كل حال فإن هذه العبارة حين تصلح بما يحتمله المنهج الصحيح، فتكون مثلا:
"وهذه النسبة إلى أقدم الفقهاء يمكن أن تعتبر غير تاريخية". . يكون هذا القول من الكاتب هو الامتداد المتجنى لمهاجمتهم السند الإسلامى، وتصيدهم الشبه لاتهامه، من العصر الأول حين لم تكن الحاجة ماسة إلى تتبع السند، لقرب العهد بمصدر الرواية، وحياة المشافهين له ﵊.
وقضية هذا الاتهام للسند وتاريخيته قد سبقت مناقشتها، ورد شبه المستشرقين فيها، بقاعات الدرس فى الجامعات بمصر والإسكندرية ولا مجال هنا لإعادة ذلك القول المفصل فى ذلك.
ولعل أوجز ما نشر منها ما ورد فى كتاب "مالك بن أنس: ترجمة محررة" لكاتب هذا التعليق. وهو فى ص ٥٦٤ إلى ٥٦٧ - من الطبعة الأولى.
أمين الخولى
طلائع
ابن رزيك الملك الصالح: وزير فاطمى (٤٩٥ - ٥٥٦ هـ = ١١٠١ - ١١٦١ م)، وقد أدت الحوادث التى أعقبت اغتيال الخليفة الفاطمى الثانى عشر "الظافر" (١١٥٤ م) إلى استقدامه، بناء على رغبة الحريم فى قصر الخليفة، من ولايته على الأشمونين ليقبض على زمام الأمور بيد قوية فى تلك الظروف؛ وحالفه النجاح فى سيره إلى القاهرة هو وأتباعه من أهل الصعيد؛ وهنالك وزر للخليفة الطفل "الفائز" سنة ٥٤٩ هـ (١١٥٤ م) بعد أن صرف الوزير عباس عن منصبه، وتلقب بلقب الصالح باللَّه، ذلك أن سلفه الخائن عباسا كان قد فر حاملا ثروته إلى فلسطين حيث وقع فى يد الصليبيين. وتفاوض طلائع مع هؤلاء فى تسليم أسيرهم عباس، ويقال إنه دفع لهم نظير تسليمه عشرة آلاف دينار (ابن إياس، جـ ١، ص ٦٦). وتمت الصفقة وعذب عباس وابنه نصر عذابا شديد، وصلبا فى القاهرة. وقبض طلائع على زمام الأمور بيد من حديد
стр. 6803
كما كان منتظرا من قائد عسكرى مثله. وأظهر طلائع فى أوقات فراغه ولعًا بنظم القريض حتى لقد أقحم ذلك فى رسائله العسكرية، وقد أورد ابن خلكان (جـ ١، ص ٦٥٨) شواهد من شعره، والظاهر أن طلائع كان راعيا كريما للفن والأدب وإن كان لم يتورع عن إثقال كاهل الفلاحين بالضرائب. ويمكن أن نشاهد آثار المسجد الذى بناه قائمة لم تزل بالقرب من باب زويلة بالقاهرة، مما يشهد بغيرته على الدين. وكان طلائع دائما نصيرا قويا للإسماعيلية، ولما توفى الخليفة الصغير فى الحادية عشرة من عمره (١١٦٠ م) وتولى الخلافة ابن عمه الطفل العاضد آخر الخلفاء الفاطميين، ظل طلائع فى منصب الوزارة وزوج ابنته للخليفة. وكان طلائع فى الواقع هو الحاكم الفعلى للبلاد، ومع ذلك فإن تقويض سلطانه قد اقتضى من أعدائه السياسيين زمنا. وأدت القيود التى فرضها على حريم قصر الخلافة من ناحية إلى إيغار صدر عمة الخليفة، وانتهت دسائسها باغتياله. وقد تجلت روحه الغلابة وهو على فراش الموت إذ أمر بقتل هذه السيدة أمام عينيه؛ وأدركته المنية فى ١٩ رمضان سنة ٥٥٦ هـ (سبتمبر ١١٦١)، ودفن آخر الأمر فى القرافة. ويروى أبو صالح فى تاريخه (ورقة ٨٩ ب) قصة تقول إن راهبا من رهبان النصارى فى الصعيد كان قد تنبأ لطلائع وهو بعد من ولاة الأقاليم، بأنه سوف يبلغ أرفع المناصب فى الدولة. ويقال إن الوزير حين تحققت نبوءة الراهب منح الدير قطعة من الأرض. وأيا كانت صفات هذا الوزير الأخرى فإنه كان حقا محاربا بطلا. وقد فعل أقصى ما فى طاقته لطرد الصليبيين من فلسطين متوسلا بالسياسة والرشوة والقتال ولكنه آب بالخيبة، ويرجع معظم السبب فى ذلك إلى إخفاق المفاوضات التى أجراها مع حاكم دمشق المسلم السنى. ويروى أنه أبدى أسفه وهو فى النزع الأخير على أنه لم يستطع أن ينتزع بيت المقدس من الفرنجة. ويقال إن أملريك غزا مصر فى وزارته.
المصادر:
(١) ابن خلكان: وفيات الأعيان، ترجمة ده سلان جـ ١، ص ٦٥٧ - ٦٦١.
стр. 6804
(٢) ابن دقماق: كتاب الانتصار، جـ ٤، ص ٥٦، جـ ٥ , ص ٤٥.
(٣) أبو صالح: تاريخ: Monasteries of Egypt&Churches، ترجمة Events، الفهرس.
(٤) ابن إياس: تاريخ مصر، جـ ١ ص ٦٦ - ٧٦.
(٥) المقريزى: الخطط، جـ ٢، ص ٢٩٤.
(٦) Oumara du Yemen: H. Derenbourg الفهرس.
(٧) المؤلف نفسه: Vie d'Ousama ص ١٧٧.
(٨) Omarah's Hist. of Yemen: Kay, جـ ٦، ص ٧٨.
(٩) السيوطى: حسن المحاضرة، القاهرة ١٣٢٧ هـ، جـ ٢، ص ١١.
(١٠) Egypt in the middle Ages: S. Lane-Poole الفهرس.
(١١) Geschichte der Fatimiden Chalifen: Wustenfeld الفهرس.
(١٢) The Crusades in the East: W.B.Stevenson، ص ١٨٦
خورشيد [ووكر J.Walker]
طلحة
ابن عبيد اللَّه: صحابى من المبشرة أى من أولئك الذين بشرهم الرسول ﵊ بالجنة. وطلحة قرشى من عشيرة بن تيم بن مرة، ونسبه: طلحة بن عبيد اللَّه بن عثمان ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، ويكنى بأبى محمد نسبة إلى ابنه، واشتهر طلحة بورعه وكان من أوائل القراء، وقد قتل هو وابنه فى وقعة الجمل سنة ٣٦ هـ، كان أيضًا من السابقين الأولين إلى الإسلام. وقد ابتلى طلحة هو وأبو بكر بتهديدات قريش وسوء معاملتهم لهما وهاجر طلحة مع النبى ﵊، وكان بذلك من أصحاب مشورته ومن أصدق أصدقائه. وكان النبى ﵊ قد أنفذه قبيل وقعة بدر ليرصد حركات القافلة المكية، ولكنه عجز عن العودة عندما نشبت المعركة فلم يسهم فيها بشأن ذى بال، ولكنه اشترك فى الغنيمة مع سائر المهاجرين على قدم المساواة. وأبلى طلحة بلاء حسنا فى وقعة أحد المشؤومة وامتاز
стр. 6805
بشجاعته، فقد حمى بجسمه النبى ﷺ عند تراجع المسلمين فأصيب بعدة جروح وأدركته ضربة قطعت أوتار إصبعين من أصابعه فبقيتا مشلولتين. وأكسبه حسن بلائه هيبة فى أيام النبى ﷺ وبعد وفاته، وجعل له مكانة واحتراما فى قلوب المسلمين لم تستطع الشيات التى شابت صفحة حياته المتأخرة أن تمحوها. فلما توفى النبى ( ﷺ ) بدا أن علاقته بالخليفتين الراشدين الأولين كانت أميل إلى الفتور، ويقال إنه تردد مدة طويلة قبل أن يبايع أبا بكر وعمر من بعده. وقد حرص عمر بدوره على ألا يولى منصبا رفيعا ذلك الصحابى القوى، فقد كان لدى هذين الخليفتين فيما يرجح أسباب تدعوهما إلى الخشية من أطماحه. ولم يمنعه ذلك من أن يجمع ثروة طائلة من الفتوح الإسلامية، إذ كانت له ضياع فى جزيرة العرب وفى العراق وأملاك عينية، وتذكر الروايات إن كرمه كان يعادل ثروته. وقد بوأته هيبته ومركزه المالى أرفع مكانة فى عهد عمر. ويذهب كايتانى (Annali dell'Islam، جـ ٥، ص ٤٢, ٤٦) إنه كان هو والزبير وعلى من المحرضين على قتل عمر، ولكن هذه الدعوى لا سند لها، كما أنها أبعد ما تكون عن الاحتمال بالنسبة لطلحة لأنه كان غائبا عندما وقع الاغتيال فى المدينة (انظر Rivista deglistudi Orientali، جـ ٤، ص ١٠٦٠ - ١٠٦١). ومهما يكن من شئ فإن طلحة كان من المرشحين للخلافة، وقد أحس بمرارة الخيبة عندما وقعت من نصيب عثمان. واندمج طلحة فى صفوف المعارضة فاستغل السخط الذى سرعان ما دب فى نفوس الناس على حكم عثمان، وسعى إلى تولى الخلافة مرة أخرى. ويصعب علينا اليوم أن نفهم جوهر الفتنة التى أودت بحياة عثمان، ذلك أن الروايات التى سجلت عنها غامضة يشوبها الغرض، على أنه من الثابت فيما يبدو لنا أن طلحة كان من الممثلين الأوائل فى هذه القصة، وبخاصة فى أيامها الأخيرة حين انقطعت فجأة المناقشات الطويلة التى دارت بين عثمان من ناحية، وبين طلحة والزبير وعلى من جهة أخرى، وقتل الخليفة فى بيته على يد الغوغاء وظن طلحة أن حلمه أوشك أن يتحقق، بل لقد بدا أن مبايعته بالخلافة باتت
стр. 6806
قاب قوسين أو أدنى، وإذا بعلى يبايع بالخلافة دونه. وهنا أيضا يشوب الروايات غموض كبير بالرغم من التفصيلات الكثيرة التى غشيتها. والراجح أن عليا قد اعتمد على العناصر الكثيرة الشغب التى أصبح لها اليد العليا فى تلك الأيام التى اضطربت فيها الأمور، أما طلحة (وكذلك الزبير الذى كان يعمل بالاتفاق معه وإن كان يسعى لإدراك أغراضه الخاصة) فقد سعى إلى اتخاذ موقف وسط، فأقصى عن الخلافة. ومهما يكن من شئ فقد وجد طلحة ألا مناص له من الاعتراف بالخليفة الجديد، ولكنه لم يلبث أن فر من المدينة هو والزبير وبلغ مكة حيث انضم إلى عائشة (كانت عائشة تقف موقف العداء من على كما كان هذا شأنها مع عثمان) التى كانت فيما يبدو تناصر دعوى طلحة فى الخلافة (وربما كان السبب فى ذلك رابطة الدم التى كانت تربطها به، فقد كان كلاهما من عشيرة تيم بن مرة). وشخص الحلفاء الثلاثة إلى البصرة، حيث كانوا يعتمدون، وبخاصة طلحة. على اجتذاب أنصار لقضيتهم، وأعلنوا أنهم يرغبون فى الأخذ بثأر عثمان من علىّ بعد إذ قالوا إنهم بريئون من دمه. ونحن نعلم النهاية المشؤومة التى نزلت بهم، فقد هلك طلحة والزبير فى يوم الجمل (جمادى الآخر سنة ٣٦) وفاز على بالعراق، على أنه لم يحتفظ به إلا سنوات قليلة؛ ولم تشق أسرة طلحة بهلاك شيخها، ذلك أن ورثته آلت إليهم ثروته وظلوا محتفظين بجاههم؛ وكان منهم كثير من المحدثين، ولكنهم طلقوا السياسة بالثلاثة.
ونستطيع أن نتبين من أقوال الروايات أن طلحة كان مقاتلا شجاعا، ورجلا نبيلا كريما، وأغلب الظن أن السبب فى هلاكه كان الخطأ المأثور عن العصاميين، وهو العجز عن الحد من الطموح الذى يتملك نفوسهم. ذلك أن ما أصابه من نجاح غير متوقع فى كثير من الأمور، جعله لا يعرف حدودًا لإمكانياته، إذ كانت تعوزه فيما يظهر الصفات اللازمة لإدراك هذه الحدود
стр. 6807
وقد ظل الحكم على سلوك طلحة (وكذلك سلوك الزبير وعائشة) دائما مسألة دقيقة فى نظر المسلمين من أهل السنة. ذلك أنهم بتّوا فيها على هدى من روح التوفيق التى أثرت عنهم، فقالوا إن طلحة وحلفاءه قد أخطئوا بحسن نية وأن أفضالهم السابقة كافية لمحو أخطائهم. وقد ذهب كثير من الروايات إلى أن طلحة نفسه قد ندم قبل موته وأن عليا من جهته قد أعلن أنه رضى عن خصمه. وإنما غلاة الشيعة هم الذين لم يرجعوا عن "لعنة الناكثين".
المصادر:
(١) ابن سعد: الطبقات، جـ ٣/ ١، ص ١٥٢ - ١٦١ والمراجع الأخرى عن سير الصحابة.
(٢) وقد جمع كايتانى annali dell'Islam: Caerani، جـ ٩، ص ٣٨٠ - ٣٩٩, وفهارس المجلدات ١ - ٢, ٣ - ٥, و ٨, ٩، السنوات ٣٥, ٣٦ هـ.
(٣) انظر أيضا: Privista clegli Studi Orientali: Vida G. Lev Della جـ ٦، ص ٤٣٤ - ٤٤٩ (عن الفتنة ضد على).
خورشيد [ليفى دلافيدا G.Levi della Vida].
طليحة
ابن خويلد بن نوفل الأسدى الفقعدى: شيخ من شيوخ القبائل الذين تزعموا حركة الردة مدعين النبوة.
كان طليحة وأخوه سلمة على رأس بنى أسد فى السنة الرابعة للهجرة، وقد نزلت به الهزيمة على يد المسلمين فى حملة قَطَن، واشترك فى حصار المدينة فى السنة التالية. وفى بواكير سنة ٩ هـ وفد طلحة إلى المدينة واحدا من عشرة رجال من بنى أسد كانوا يمثلون على الأرجح فريقا فحسب من هذه القبيلة، وأعلنوا الولاء للنبى ﵊. ويقال إن الآيات من ١٣ إلى ١٦ من سورة الحجرات قد نزلت فى تأنيب هؤلاء على غطرستهم، على أن ثمة رواية تقول إن طليحة وحده هو الذى دخل فى الإسلام وهى تفرق بذلك بين الخضوع السياسى للإسلام والإيمان به، ذلك أن طليحة دون سواه هو الذى يعد أنه أسلم، وإنما مرد ذلك إلى أن الردة كانت فى نظر المسلمين كفرا. وربما كانت هذه القصة بأكملها قد وضعت لتناظر قصة زيارة مسيلمة للمدينة.
стр. 6808
وافتتن طليحة سنة ١٠ للهجرة؛ وركز قواته فى سميراء وادعى النبوة ويقال إنه قدم شروطه للنبى ﵊، فأنفذ إليه النبى ضرار بن الأزور ليكبح جماحه. ولم يعقب ذلك أى قتال ذى شأن حتى وفاة النبى ( ﷺ )، وهنالك نجح طليحة فى الحصول على تأييد بنى فزارة وفريق هام من طئ، وانحاز إلى الفتنة التى نشبت فى وسط جزيرة العرب وأنفذ جيشا ليخوض معركة ذى القَصّة.
وفى الحادى والعشرين من رجب سنة ١١ هـ سار خالد بن الوليد إلى طليحة، وأقنع بالتهديد معظم بنى طئ بالانضمام إليه. ودارت المعركة فى بزاخة، وكانت هزيمة طليحة راجعة إلى نكوص عيينة بن حصن زعيم بنى فزارة، إذ يقال إنه تولاه اليأس عندما عجز عن أن يجد وحيا يشجعه على المضى فى القتال. وفر طليحة هو وزوجته، وأبى كثيرون من أتباعه أن يسلموا، فحرقوا أحياء، وسعت أمه إلى النيران لتزهق روحها.
وعاش طليحة بعد وقعة بزاخة مدة من الزمن يغمره النسيان بالقرب من الطائف أو فى الشام. وأسلم أخيرًا بعد أن أسلمت أسد وغطفان وعامر. ومر طليحة بالمدينة بعد حين لأداء العمرة ففزع الناس إلى أبى بكر مستنكرين وجوده ولكن أبا بكر أدركته الرحمة به وأبى أن يؤذى رجلا قد أسلم. ولما بويع عمر بالخلافة شخص إليه طليحة ليعلن له ولاءه، وعنفه الخليفة على قتل عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم فى وقعة بزاخة، وسأله عما بقى من كهانته، فقال طليحة فى تواضع: "نفخة أو نفختان".
أما حياته الحربية بعد ذلك فكانت طويلة مشرقة، فقد أبلى بلاء حسنا فى القادسية على رأس قبيلته، وقاد مشاة المسلمين فى جالولاء؛ وينسب الفضل فى انتصار المسلمين فى وقعة نهاوند إلى خطة الهجوم التى رسمها؛ وهناك رواية غالبة تقول إنه قتل فى هذه الوقعة (٢١ هـ) ولكننا نجد له ذكرا سنة ٢٤ هـ فقد روى أنه كان واحدًا
стр. 6809
من الخمسمائة رجل من المسلمين الذين عسكروا فى قزوين؛ وهكذا يظل تاريخ وفاته غير مؤكد. والراجح أن تحديد هذا التاريخ بسنة ٢١ هـ يرجع إلى أنها هى السنة التى توفى فيها خالد ونعمان ابن المقرن وعمرو بن معدى كرب.
وكان اسمه الحقيقى هو طلحة أما طليحة فتصغير لهذا الاسم كقولنا فى مسلمة مسيلمة أما عن الوحى الذى ادعى أنه أنزل عليه (يأتيه به جبريل أو ذو النون) فلا نعرف عنه إلا القليل النادر. ومن قبيل ذلك نبوءة له بفتح الشام والعراق. وأخرى تعرض لحجر الرحى وهو رمز شائع للنصر فى معركة حربية. ويبدو أنه كان إلى العراف أقرب منه إلى النبى، ذلك أن الأقوال القليلة التى عرفت عنه تتعلق بحوادث واقعة، وليس له منهج دينى واضح.
وكان طليحة محاربًا باسلا، ويعد بألف فارس، على أنه كان يفتقد صفات الزعيم إذا حكمنا بسيرته القصيرة فى التمرد والثورة، وقد كتب عمر بشأنه إلى النعمان بن المقرن: "استعن فى حربك بطليحة وعمرو بن معدى كرب واستشرهما فى الحرب ولا تولهما من الأمر شيئا فإن كل صانع أعلم بصناعته". ويروى عنه أيضا أنه كان يرتجل الشعر ويخطب عفو الساعة فى ميدان القتال، ويبدو أنه كان مثالا حقا للزعيم القبلى الجاهلى وقد اجتمعت فيه صفات العراف والشاعر والخطيب والمقاتل.
المصادر:
(١) الطبرى، طبعة ده غوى، جـ ١ ص ١٦٨٧, ١٧٩٥, ١٨٨٢, ١٨٩١.
(٢) ياقوت: المعجم، طبعة فستنفلد جـ ١، ص ٧٠٢، جـ ٦؛ ص ٤٨٧.
(٣) ابن الأثير: أسد الغابة، جـ ٣، ص ٦٥.
(٤) الذهبى: تجريد، جـ ١ ص ٢٩٩.
(٥) ابن هشام، طبعة فستنفلد، ص ٤٥٢.
(٦) البلاذرى طبعة ده غوى، ص ٩٥, ٩٦, ٢٥٨, ٢٦١, ٢٦٤, ٣٢٢.
(٧) Annalli dell, Islam: Gaetani، حوادث سنة ١٠ هـ، الفصل ٦٧؛ حوادث سنة ١١ هـ، الفصول من ١٢٧ - ١٤٦؛ حوادث سنة ١٢ هـ الفصل
стр. 6810
٩٨، حوادث سنة ١٦ هـ، الفصول ٤٦, ٦٣, ٣٣٧, ٣٣٨.
(٨) Skizzen und voararbeiten: Wellhausen، جـ ٦، ص ٩ - ١١, ١٩٧.
خورشيد [فكا V.Vacca]
طليطلة
مدينة بأسبانيا فى وسط شبه جزيرة أيبيريا على مسيرة ستين ميلا إلى جنوب الجنوب الغربى من مدريد. وقد شيدت هذه المدينة على ارتفاع ألفى قدم فوق سطح البحر على تل جرانيتى، ويحيط بها من ثلاثة جوانب ثنية نهر تاجه التى احتفرت مجراها على امتداد قاع لصدع عميق فى الأرض. وهى تشرف فى جوارها مباشرة على مرج خصيب يمتد إلى الشمال الغربى بمحازاة مجرى النهر كما يمتد فيما وراءها سهل كونته عوامل التعرية فى هضبة قشتالة، ويبلغ عدد سكانها فى الوقت الحالى ٢٥.٠٠٠ نسمة (١) وطليطلة قصبة مديرية تعرف بهذا الاسم نفسه ومقر الكرسى الأسقفى لكبير أساقفة أسبانيا. والقصبة القديمة لملوك قشتالة هى الآن مدينة صغيرة هادئة، ولكنها احتفظت بطابعها الخاص، وهى بارعة الجمال تقوم فى موقع جليل لا يضارع.
وقد ساق لنا جميع جغرافيى العرب الذين وصفوا شبه جزيرة إيبيريا أوصافا لطليطلة تتفاوت طولا وقصرا. فالإدريسى يجعلها فى إقليم الشارات (Las Sierras) وكانت فى زمنه قد انتزعت من أيدى المسلمين، وهو يصف موقعها المنيع الممتاز وحصونها والبساتين المحيطة بها تتخللها القنوات التى ترفع النواعير ماءها لاستخدامها فى الرى. ويشيد أبو الفداء أيضا بجمال بساتينها ومن بين أشجارها شجر الرمان ذو الأزهار الكبيرة. ويذكر ياقوت أن الحبوب التى تزرع حول طليطلة تبقى فى مطاميرها سبعين سنة لا تتغير، وأن زعفرانها هو الغاية فى الجودة.
وكان ليفى (Hist: Livy جـ ٣٧، ص ٧) أول من ذكر المدينة الأيبيرية
стр. 6811
توليتم Toletum التى استولى عليها وكيل القنصل الرومانى فولفيوس M.Fulvius سنة ١٩٣ ق. م فى شئ من المشقة. وظلت هذه المدينة مزدهرة غاية الازدهار تحت الحكم الرومانى. ولما دخلت المسيحية إلى أسبانيا لم تلبث طليطلة أن اكتسبت أهمية كبيرة بوصفها مركزا لهذا الدين، وانعقد لأول مرة فى طليطلة عام ٤٠٠ م مجلس من أربعة عشر أسقفا، واستولى القوط الغربيون على مدينة طليطلة عام ٤١٨ م وأضحت فى القرن السادس عاصمة مملكتهم فى شبه الجزيرة، واتخذها أثاناكلدا Athanagilda عاصمة له سنة ٥٦٧ م. ولما اعتنق الملك ريكارد Rekkared المسيحية عام ٥٨٧ أصبحت القصبة القوطية مرة أخرى المركز الدينى لأيبيريا بل إن ذلك كان على نطاق أوسع. وبدأ رجال الدين الروم الكاثوليك يتدخلون فى شئون البلاد السياسية ويظهرون نشتاطهم عن طريق المجالس المتعددة.
وكانت طليطلة مسرحا للقصة الأسطورية التى تدور حول الملك ردريكو وفلورنده Florinda إبنة الكونت يوليان صاحب سبتة، ولا يزال الناس فى هذه المدينة يشيرون إلى موضع على ضفة نهر تاجه كانت تستحم فيه فلورنده حين رآها الأمير القوطى المغربى ووقع فى غرامها (Banos de la Cava) واستولى الفاتح طارق بن زياد على طليطلة سنة ٩٢ هـ (٧١٤ م) فوجدها قد خلت من أهلها أو كادت ولم يبق فيها سوى عدد قليل من اليهود ألحقهم طارق بجيشه، وسرعان ما انضمت إلى هذا الجيش فى طليطلة القوة التى كان طارق قد أنفذها للاستيلاء على غرناطة ومرسية. ويجعل الإخباريون المسلمون التقاء طارق بموسى بن نصير فى طليطلة أيضا. ومكث القائد العربى فترة قصيرة فى تلك المدينة ثم مضى فى تقدمه نحو الشمال من شبه الجزيرة فسار إلى سرقسطة واستولى عليها.
قد ذكر جل الكتاب العرب الذين كتبوا فى تاريخ الأندلس أو جغرافيته قصصا شائقة، وإن كانت أسطورية، عن الثروة الخيالية التى وجدها الفاتحون المسلمون فى طليطلة عندما استولوا عليها، وكانت هذه القصص
стр. 6812
تدور على ألسنة الناس فى القرون الأولى للهجرة؛ وأشهرها هى قصة "بيت طليطلة المغلق" وقد درس باسيه Rene Basset سنة ١٨٨٩ المراجع التى ذكرت هذه القصة (انظر المصادر).
ويرد اسم طليطلة كثيرا فى روايات إخباريى الأندلس أيام الولاة وخاصة بعد قيام إمارة قرطبة الأموية. وجاء فى الروايات التى ذكروها والتى أيدها الإخباريون النصارى أن هذه المدينة سرعان ما أصبحت مرتعا للفتن ومركزًا دائما للتمرد على الحكومة؛ ومن المؤكد أن معظم أهل طليطلة لم يتخلوا قط عن عقيدة الروم الكاثوليك وظلوا مستغربين على الرغم من قيام الحكم الإسلامى. وقد أظهر الفاتحون تسامحا عظيما نحو السكان إلا هؤلاء إن لم يقبلوا حكمهم مستسلمين، ذلك أن أهل طليطلة لم يتركوا فرصة تمرد دون أن يغتنموها لرفع هذا الحكم عن كاهلهم، وكذلك كانوا كلما لاحت لهم الفرصة طلبوا معونة البربر الممعنين فى الشغب الذين لم يستطع ولاة الأندلس ولا خلفاؤهم السيطرة عليهم تمام السيطرة، وقد وجدت فتنة البربر الكبرى عام ١٢٢ هـ (٧٤٠ م) أكبر عون لها فى طليطلة. وقضت الجيوش التى أنفذت من قرطبة على الثائرين بالقرب من هذه المدينة على ضفاف وادى سليط (Guazalete). ولجأ يوسف الفهرى أيضا إلى طليطلة بعد ذلك بقليل عندما عزله عبد الرحمن الأول عن ولايته، ولقى مصرعه بالقرب منها سنة ١٤٢ هـ (٧٥٩ م).
وما من أمير من أمراء الأمويين منذ أول حكمهم حتى عهد عبد الرحمن الثالث الناصر إلا واهتم بطليطلة، بل انشغل بها باله انشغالا خطيرا فى بعض الأحيان. ففى ١٤٧ هـ (٧٦٤ م) انتفض فى طليطلة هشام بن عذرة. فأنفذ إليه عبد الرحمن الأول قائديه بدرا وتمام بن علقمة لإخضاع المدينة. ولما تولى هشام الأول الحكم (١٧٣ هـ = ٧٨٨ م) نادى أخوه ومنافسه سليمان بنفسه خليفة فى طليطلة، ولم يجد هشام بدا من محاصرة المدينة فى العام التالى، ولكنه اضطر إلى الارتداد عنها بعد شهرين
стр. 6813
دون أن يظفر منها بطائل. وشبت فى طليطلة عام ١٨١ هـ (٧٩٧ م)، عقب اعتلاء الحكم الأول العرش، فتنة جديدة أشعل لهيبها رجل يدعى عبيدة بن حميد، ولكن الأمير الأموى لم يتوان فى عقاب أهل طليطلة بشدة لدأبهم على التمرد. وكان يؤجج نار الفتنة فى نفوسهم فى تلك الأيام أشعار كان ينظمها مواطن من مواطنيهم هو الشاعر غريب الذى ذاع صيته بينهم. وبعد وفاة غريب ولى الحكم على طليطلة مولد من أهل وشقة Huesca يدعى عمروس؛ وعمد عمروس، بالاتفاق مع أمير قرطبة. إلى استدراج أشراف المدينة، بعد أن استحوذ على ثقتهم، إلى كمين وذبحهم جميعا، ويعرف هذا اليوم بوقعة الحفرة المشهورة (١٩١ هـ = ٨٠٧ م) على أن القسوة الشديدة التى اتسم بها قمع هذه الفتنة لم تمنع أهل طليطلة من أن يتمردوا ولما يمض على ذلك عشر سنوات. وفى عام ١٩٩ هـ (٨١٤ - ٨١٥ م) خرج الأمير الحكم بنفسه إلى طليطلة وتمكن بالحيلة من دخول المدينة وحرق أنحاءها المرتفعة جميعا. وعادت طليطلة سنة ٢١٤ هـ (٨٢٩ م) فأصبحت الموضع الذى اندلعت منه نار فتنة أثارها مولد آخر يدعى هاشما الضراب، واقتضى قمع هذه الفتنة سنتين؛ وأنفذت فى عهد عبد الرحمن الثانى حملة لتأديب طليطلة بقيادة الأمير أمية، وكان ذلك فى سنة ٢١٩ هـ (٨٣٤ م). وحاصر طليطلة فى العام التالى أمير قرطبة واستولى عليها عنوة بعد أن حاصرها بضعة أشهر فى رجب من عام ٢٢٢ (يونية عام ٨٣٧). وظلت طليطلة خاضعة للأمويين، وكانت تقدم لهم الرهائن حتى عام ٢٣٨ هـ (٨٥٢ م) ولكنها انتقضت مرة أخرى فى هذا العام عندما اعتلى الأمير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم العرش. وقد أسخط عدم تسامح الأمير أهل طليطلة فعمد هؤلاء بقيادة واحد منهم يدعى سندولا Sindola إلى خلع الوالى العربى وأعلنوا استقلالهم عن الحكم الأموى. ولم يكتف أهل طليطلة بطرد ممثلى
стр. 6814
حكومة قرطبة من المدينة بل جهزوا جيشا ألحق الهزيمة بجنود الأمير محمد فى شهر شوال من سنة ٢٣٩ (مايو ٨٥٤) بالقرب من أندوجر (أو أندوشر) Andujar وأرادوا أن يردوا الجيش الذى سيرته قرطبة لقتالهم فتحالفوا مع أردونو الأول Ordonon ملك ليون فأمدهم بجيش يقوده جاتون Gaton كونت بيرزو Counu of Bierzo لمقاتلة جيش قرطبة. وكانت عاقبة هذا القتال هزيمة منكرة لحقت بأهل طليطلة إذ فقدوا عشرين ألفا من رجالهم. وفى عام ٢٤٤ هـ (٨٥٨ م) أوقع محمد بالمدينة التى لم يشأ لها أن تنعم بالراحة فاجعة أخرى فقوض الجسر المقام على نهر تاجه أثناء ازدحامه بالجنود، واضطرت طليطلة أن تطلب الأمان فى العام التالى، وأقام محمد واليًا من قبله عليها. ولا يكاد يذكر المؤرخون العرب شيئا عن طليطلة منذ ذلك الحين حتى عهد عبد الرحمن الثالث الناصر، وكل ما نعرفه أن أهل طليطلة حصلوا عام ٨٧٣ على معاهدة تعترف لهم باستقلالهم السياسى من الناحية العملية إذا هم قبلوا أداء الجزية لقرطبة.
وتم إخضاع طليطلة نهائيًا على يد الحاكم الأموى العظيم الناصر، الذى انتظر حتى استأصل شأفة مهاد الفتنة الأخرى فى مملكته جميعا قبل أن يفرغ لهذه المدينة. وأرسل هذا الخليفة فى عام ٣١٨ هـ (٩٢٠ م)، بعد أن استولى على بطليوس، وفدًا من الفقهاء ليبصروا أهل المدينة بأن حريتهم لا تتمشى مع سلطان حكومة قرطبة، ولما خابت هذه المحاولة السلمية حاصر الناصر المدينة على الفور وخرج بنفسه على رأس جيش عظيم ليدير دفة الحرب. وعسكر الناصر على مرتفعات شارنكاس Charnecas وبين لأهلها بأنه لن ينسحب إلا بعد الاستيلاء على طليطلة، وأخذ يشيّد بعض العمائر وسوقا أطلق عليه اسم مدينة الفتح قبال المدينة المحاصرة. واستمر الحصار حتى عام ٣٢٠ هـ (٩٣٢ م) وهنالك سقطت طليطلة آخر الأمر. وأقام بالمدينة حامية أموية قوية. وكان للاستيلاء على
стр. 6815
هذه المدينة أثر معنوى عظيم فى الأندلس بأسرها. وأضحت طليطلة منذ ذلك الحين قصبة الثغر الأوسط كما كان منصب والى طليطلة من أهم المناصب الحربية بالديوان الأموى. ومن أكابر من شغلوا هذا المنصب محمد بن عبد اللَّه بن حدير، والقائد أحمد بن يعلى، كما شغله فى عهد الحكم الثانى القائد غالب بن عبد الرحمن الناصرى حمو الحاجب المنصور بن أبى عامر الطائر الصيت. ولم يعد لطليطلة إبان عهد الاضطرابات التى انتهت بسقوط خلافة قرطبة وتقسيم الدولة الأموية بالأندلس إلا شأن ضئيل فى شئون السياسة. واتخذت طليطلة فى مناسبات عدة مركزًا لم تغتنم فيما يظهر هذه الفرص للفتنة كما فعلت من قبل فى كثير من الأحيان، وظلت طليطلة سنوات عدة قاعدة العمليات الحربية للقائد واضح، كما لجأ إليها محمد بن هشام ابن عبد الجبار فى الفترة التى وقعت بين حكميه، وأصبحت طليطلة عقب إنشاء الدويلات الإسلامية فى شبه الجزيرة قصبة دولة صغيرة هى مملكة بنى ذى النون. وبنو ذى النون هؤلاء أشراف من أصل بربرى حصلوا فى عهد المنصور بن أبى عامر على بعض القيادات العسكرية. وقد استقر هؤلاء فى إقليم شنتبرية (مديرية قونكه Cuenca الحديثة). ولجأ أهل طليطلة إلى بنى ذى النون عندما أرادوا أن يولوا عليهم زعيما حين سقطت خلافة قرطبة، فأرسل إليهم عبد الرحمن بن ذى النون صاحب شنتبرية ولده إسماعيل فتسلم زمام المدينة والجهات التابعة لها، ثم استعان بخبرة أبى بكر بن الحديدى أحد أشراف طليطلة ليتولى الأمور باسمه. ويذكر عدد من الإخباريين العرب أن إسماعيل بن ذى النون لم يكن أول ملك على طليطلة وإنما هو قد جاء عقب زعماء. أسر مختلفة: ابن مسرة، ومحمد بن يعيش الأسدى، وولده أبى بكر يعيش. وتذكر أسماء أخرى علاوة على هؤلاء: سعيد بن شنظير وولده أحمد، وعبد الرحمن بن منيوه وولده عبد الملك. واتخذ حاكم
стр. 6816
طليطلة الجديد الذى يجعلون بداية عهده بصفة عامة سنة ٤٢٧ هـ (١٠٣٥ - ١٠٣٦ م) لقب التشريف الظافر. ولم يمكث الظافر على العرش إلا بضع سنوات إذ توفى سنة ٤٥٢ هـ (١٠٤٣ - ١٠٤٤ م) وخلفه على العرش ولده وتلقب بالمأمون وانظر عن حكمه الطويل المادة الخاصة به (ويجب تصحيح تاريخ اعتلائه العرش من عام ٤٢٩ إلى عام ٤٣٥ انظر، Recherches: Dozy, جـ ١، ص ٢٣٨، تعليق رقم ١).
واتسعت رقعة مملكة طليطلة اتساعا عظيما عند وفاة يحيى المأمون فى نهاية عا م ٤٦٧ هـ (١٠٧٥ م)، وانتقلت إلى حفيده يحيى بن إسماعيل بن يحيى الذى تلقب بالقادر. قد انتهى عجز هذا الأمير الشديد إلى فترة تضاعف فيها اضمحلال البلاد بعد حكم المأمون الممتد المشرق الزاهر. وتخلى عن هذا الأمير حلفاء جده من المسلمين وخاصة أمير أشبيلية، فاضطر إلى التحالف مع ألفونسو السادس ملك قشتالة وليون وبسط عليه ألفونسو حمايته نظير أداء جزية زادت مع الأيام. واضطر القادر فى سبيل الوفاء بالتزاماته أن يثقل كاهل رعاياه بالضرائب فانتهى بهم الأمر إلى الفتنة. واتخذ القادر حيال ذلك اجراءات عنيفة كما قتل كثيرا من أشراف المدينة ومنهم وزيره الأول ابن الحديدى، غير أن ذلك لم يؤد إلا إلى زيادة غضب أهل طليطلة عليه فاضطر إلى الهجرة من العاصمة والالتجاء إلى وبذة Huete, وعرضت دولة طليطلة على ملوك بنى الأفطس ببطليوس فاستولى عليها المتوكل. عام ٤٧٢ هـ (١٠٧٧ م). واستعاد ألفونسو السادس طليطلة عقب ذلك مباشرة باسم حليفه المسلم، ولكن ذلك لم يكن إلا ذريعة، فقد دخل ملك قشتالة طليطلة باعتباره صاحب الأمر فى السابع والعشرين من المحرم عام ٤٧٨ (٢٥ مايو سنة ١٠٨٥) بعد معاهدة أبرمت بينه وبين القادر الذى لم يستطع التنصل منها، وبذلك اتخذ ملك قشتالة خطوة هامة فى سبيل استعادة أسبانيا من العرب Reconquista. وكان
стр. 6817
للاستيلاء على طليطلة أثر معنوى هائل بين المسيحيين والمسلمين على حد سواء، كما كان السبب فى دفع المرابطين إلى غزو أسبانيا فى العام التالى.
وقد أحرز يوسف بن تاشفين أولا ثم الموحدون من بعده انتصارات شبه جزيرة أيبيريا؛ إلا أن طليطلة لم تعد ثانية إلى أيدى المسلمين؛ وظلت طوال قرن من الزمان هدفا من أهداف الجيوش الإسلامية، وحوصرت طليطلة مرتين دون طائل الأولى عند وفاة ألفونسو السادس، والثانية على يد أبى يوسف يعقوب المنصور الموحدى عام ٥٩٢ هـ (١٠٩٥ م) إبان حملته التى ردت مدن قلعة رباح Calatrava ووادى الحجارة Guadalgara ومدريد إلى حوزة المسلمين بضع سنوات وتوجت بانتصار المسلمين فى وقعة الأرك Alaracos غير أن وقعة العقاب Las Navas de Tolosa سرعان ما بددت أمل المسلمين فى استعادة طليطلة.
وانتقلت طليطلة إلى حوزة المسيحيين، واتخذها ملوك قشتالة عاصمة لمملكتهم، إلا أنها احتفظت أمدًا طويلا بطابعها الإسلامى، وظل عدد من أهلها المؤمنين يقومون بشعائر الدين الإسلامى. وأصبحت طليطلة التى كانت مدينة للمستعمرين Mozarabs فى عهدها الإسلامى مدينة للعرب المنتصرين Morescoes أمدا طويلا بعد ارتدادها للمسيحية، ولم يبق فى طليطلة إلا قليل جدا من الآثار المتخلفة من العهد الطويل التى حكمها فيه المسلمون، إذ لا يكاد يوجد بها إلابقايا من مسجد ببيت مردودم الصغير (Cristo de la Luz) وبعض أجزاء من قصر لاس تورنرياس Las Torneri (١) وباب شقرة Visagra القديم، وكلها ترجع إلى عهد ملوك الطوائف. على إنه قد عثر بالمرج القريب من المدينة على عدد كبير من الكتابات على أخر مسلمى طليطلة ومعظمها منقوش على أبدنة العواميد.
ومدينة طليطلة على الرغم من موقعها الذى يجعلها من مدن الحدود (الثغور) واحتواء عدد سكانها على نسبة كبيرة من العناصر المسيحية،
стр. 6818
فإنها كانت تعد مركزًا من مراكز الحياة العقلية فى الأندلس الإسلامية. وخاصة فى نهاية الخلافة الأموية وفى عهد المأمون. وقد خصص عدد كبير من المواد الواردة فى طبقات سير المسلمين من أهل الأندلس: للعلماء والفقهاء الذين خرجوا من طليطلة.
المصادر:
(١) الجغرافيون العرب: المكتبة الجغرافية العربية (أنظر الفهارس).
(٢) الإدريسى: صفة الأندلس، النص، ص ١٧٣, ١٧٥, ١٨٧؛ الترجمة ص ٢٠٧, ٣١١, ٢٢٧.
(٣) أبو الفداء تقويم البلدان، النص ص ١٧٦، الترجمة، ص ٢٥٥.
(٤) ياقوت: معجم البلدان، جـ ٣, ص ٥٤٥ - ٥٤٦.
(٥) ابن عبد المنعم الحميرى: الروض المعطار فى عجائب الأقطار، الأندلس رقم ٨٠.
(٦) جميع مؤرخى الأندلس من العرب (أخبار مجموعة: ابن القوطية، ابن حيان، ابن بسام، ابن عذارى، عبد الواحد المراكشى، المقرى، ابن الأثير، النويرى، ابن خلدون، وذلك فى مواضع مختلفة.
(٧) Histore des muslmans d'Espagne: R.Dozy الفهرس.
(٨) Los reyes de taifas: A.Prieto vives مدريد ١٩٢٦, ص ٥٢ وما بعدها.
(٩) La Espana del cid: R. Menedez Pidal مدريد سنة ١٩٢٩, جـ ١, فى مواضع مختلفة.
(١٠) La Maison fermee fe Tolede. Bull. Soc, Geororan: R.Basset سنة ١٨٩٨ ص ٤٢ - ٥٨.
(١١) Historia F. Simonet de los Mozarabes de Espanan الفهرس.
(١٢) Inscriptions arabes d'Espangne: E. Levi-Pronencal.
مقالات عن طليطلة:
(١) Pin toresca: J. Amador de los Ruos مدريد سنة ١٨٤٥.
(٢) Toleso en la mano: S. Ramon Parro طليطلة سنة ١٨٥٧.
(٣) Historia de laciudad de togedo. sus claros varones y: A.Martin Gamero
стр. 6819
monumentos، طليطلة سنة ١٨٦٢.
(٤) de Palazuelos: J. Lopez de Ayala، (alis Toledo, quia artisticopractica طليطلة عام ١٨٩٠.
(٥) Toledo: R. Amador de los Rois، Monumentos arquitectonicos de Espana) مدريد سنة ١٩٠٥.
(٦) Toledo: A.F.Calvert, لندن سنة ١٩٠٧.
(٧) Toledo: A.L.Mayer، ليبسك سنة ١٩١٠.
(٨) Tolede (Les villes d'art celebres: E.Lambert باريس سنة ١٩٢٥
الشنتناوى [ليفى بروفنسال E. Levi Brovencal]
الطليطلى
نسبة يعرف بها أحيانا أبو القاسم صاعد بن أحمد الأندلسى المشهور بالقاضى صاعد. ولد الطليطلى فى المرية سنة ٤٢٠ هـ (١٠٢٩ م) وبدأ دراسته فى قرطبة وأتمها فى طليطلة التى كانت وقتذاك قصبة بنى ذى النون ومركزا زاهرا كل الازدهار للحياة العقلية. وسرعان ما حقق لنفسه شهرة فى الفقه والتاريخ والرياضيات والفلك. وقد أقامه الأمير يحيى المأمون من بيت ذى النون قاضيا لطليطلة، وظل يشغل هذا المنصب حتى أدركته المنية فى شوال سنة ٤٦٢ (يوليه ١٠٧٠).
وكتب القاضى صاعد رسالة فى الفلك، وتاريخا عاما، ومؤلفا على نسق كتاب الملل والنحل لابن حزم، والظاهر الآن أنه مفقود وبين أيدينا من آثاره فى الوقت الحالى كتاب فى تاريخ العلوم يعرف باسم "طبقات الأمم"، (طبعة شيخو، بيروت ١٩١٢)، وهذا الكتاب قسمان، يتناول القاضى صاعد فى القسم الأول الأمم التى لم تنشأ فيها علوم، ويقتصر فى كلامه على العموميات، ويدرس فى القسم الثانى الأمم الثمانى التى اهتمت بالعلوم، وهى الهندوس، ولافرس، والكلدانيون، والإغريق، والمغاربة، والمصريون، والعرب واليهود. والفصول التى كتبها عن الإغريق والعرب واليهود هى دون سواها الجديرة منا بالالتفات فى هذه الأيام، زد على ذلك أن ما اتسم به الكتاب من اختصار، وما شاب ملاحظاته من نوادر وحكايات، وافتقار
стр. 6820
الكتاب إلى البيان القائم على منهج ما من التطبيق الفنى، لشاهد واضح على أن صاعدا لم يقصد بحال إلى تأليف بحث عميق على طريقة المتخصصين، وإنما قصر همه على تأليف كتاب بسيط لجمهور القارئين. ومن المؤسف أن كتاب طبقات الأمم لم يلبث أن فقد فى نظر الناس الصفة التى أضفاها عليه كاتبه. وهذا الكتاب الذى كان ينظر إليه الناس من قبل نظرتهم إلى مختصر فى تاريخ العلوم، سرعان ما عد كتابا من الأمهات يتعمق جميع فروع المعرفة الإنسانية، بل سرعان ما عدل عن اعتباره مجرد تصنيف، ونظر إليه على اعتبار أنه مرجع من الأصول فى المعرفة، وهو أمر أخطر. وقد أخذ كتاب العرب الذين كتبوا فى تاريخ العلوم فى القرن الثالث عشر الميلادى هذا الخطأ قضية مسلمة، فابن القفطى قد نقل الكثير من كتاب طبقات الأمم حتى ليحق لنا القول بأن نقدر ما نقله بما يعادل ربع كتابه تاريخ الحكماء، بل إن ابن أبى أصيبعة فى كتابه العظيم "عيون الأنباء فى طبقات الأطباء" قد ضمنه عدة تراجم للأطباء نقل نصوصها من كتاب القاضى صاعد. ونذكر أخيرا أن الكاتب النصرانى ابن العبرى قد احتذى صاعدا فى تقسيمه الأمم إلى أنصار للعلم وأعداء له، وفى إلمامه العام بكل أمة من هذه الأمم وذلك فى كتابه "مختصر الدول".
المصادر:
(١) ابن بشكوال: كتاب الصلة. رقم ٥٣٥.
(٢) الضبى: بغية الملمس، رقم ٤٥٢.
(٣) المقرى: نفح الطيب Analectes, ص ٩٠٥، جـ ٢، ص ١٢٣.
(٤) Gesch d. Arab Litr: Brockelmann، جـ، ص ٣٤٤.
(٥) Die mathimatiker und Astronomen der Araber: Suter، رقم ٢٢٤.
(٦) Ensayo biobibliografico: Pons Boigues رقم ١٠٦.
(٧) the Source de L'histoire des Sciences chez les Arabe): ١٩٢٨ ,Mesperis LesTabakat al-umam de Sa'id alAndalusi.
خورشيد [بلاشير R. Blacheere] .
стр. 6821
طنجة
Tangier: وهى تنكيس Tingis القديمة (والنسبة القديمة إليها طنجى، والنسبة الحديثة طنجاوى): مدينة من أعمال مراكش تقوم على مضيق جبل طارق، على مسيرة عشرة كيلو مترات إلى الشرق من رأس إشبرتال Spartel عند النقطة التى يبدأ بها المحيط الأطلسى. وطنجة تشرف على جون رائع ينتهى فى الشرق برأس المنار، وفى الغرب بالقصبة، ثم ينحدر إلى البحر انحدارًا فيه شئ من الوعورة أحيانا. وللمدينة عدة أحياء، بعضها داخل الأسوار وبعضها خارجها؛ ويبلغ عدد الأحياء التى فى داخلها أربعة عشر حيا هى قوام المدينة عينها. ومن أهم الأحياء التى فى خارجها: سيدى أبو القناديل، وَمرشان (وهى هضبة كبيرة طولها ١.٢٠٠ متر تقوم إلى الغرب من المدينة بمحازاة البحر)؛ والدرادب (أى المنحدرات)؛ وحسنونة، وسوق البّرا؛ والصفاصف (أى أشجار الحور)؛ والمصّلى؛ والسَوانى (أى النواعير) وفى جوار طنجة مباشرة قريتا شَرْف وطنجة البالية اللتان يسكنهما الريفيون من قبيلة فحص طنجة. وفى المدينة عدد قليل بعض الشئ من المساجد، منها سبعة مساجد جامعة وستة مساجد أقل أهمية. وأهم هذه المساجد جميعًا هو المسجد الذى حول إلى كنيسة أيام الاحتلال البرتغالى، وقد تناولته يد الإصلاح مرارًا منذ أن استرده المسلمون سنة ١٦٨٤ م. والمدينة عينها يحيط بها حصن طوله يربى على كيلومترين مشيد بالحجر يرجع معظمه إلى أيام احتلال البرتغاليين (١٤٧١ - ١٦٦١ م) وقد رمم بعد ذلك فى مناسبات شتى، وفتحت فيه أبواب أغلبها حديث. ولا تزال تكتنف الحصن من الجانبين أبراج نذكر منها برج النعام، والبرج الإيرلندى ويسمى برج دار البارود (قلعة يورك التى ترجع إلى أيام الإنجليز) وبرج السلام، وفيها تسعة وعشرون مدفعًا من أصل أوروبى. وأعظم آثار طنجة قصر الشريف الذى يقوم على الجزء الشرقى من القلعة، وقد ظل هذا القصر مقرًا للحكومة عدة قرون، وكان الإنجليز يسمونه أثناء احتلالهم للمدينة: القلعة
стр. 6822
العليا. وقد شيد القصر الحالى على أطلال العليا: الباشا أحمد بن على بن عبد اللَّه التمسامانى الريفى قبيل عام ١٧٤٣, وفيه قتل فى المعركة التى دارت بالقرب من القصر الكبير.
ويقطن طنجة الآن سكان خليط يبلغ عددهم ٥٠.٠٠٠ نسمة (١) منهم ٣٠.٠٠٠ من المسلمين، و ١٢٠٠٠ من اليهود، وجالية أوربية غلب عليها العنصر الإسبانى حتى عهد قريب. وكانت المدينة منذ القرن التاسع عشر مقر ممثلى الدول الأجنبية لدى بلاط سلاطين مراكش. وهذا الشأن السياسى الذى كان لقصبة الدولة الشريفية قد أضفى على طنجة طابعًا خاصًا بها؛ وهى الآن قصبة المنطقة الدولية التى تحمل اسمها، وقد تحدد أخيرًا مركز هذه المنطقة.
وتروى عن أصل طنجة وتشييدها قصص أسطورية مختلفة أشد الاختلاف يضيق المجال هنا عن ذكرها. وكان موقع المدينة معروفا لدى الفينيقيين، وكانوا هم أول من استعمرها، ثم سكنها من بعد المستعمرون البونيون، وقد ظهرت طنجة فى رحلات هانو (Hanno: Periplus) سنة ٥٣٠ ق م. والظاهر أن المدينة كانت قصبة ملوك مختلفين صغار من الأهلين أهمهم شأنًا بوّكوس الأول Bokkus (حوالى ١٠٥ ق. م)؛ وفى عهد بوكوس الثالث (فى سنة ٣٨ ق. م) أصبحت جمهورية وأعلنت رومة أنها مدينة حرة، وظلت على هذه الحال حتى عهد كلوديوس (٤٢ ق. م) وهنالك رفعت إلى مرتبة مستعمرة وسميت Julia Traducta وأصبحت قصبة ولاية Mauretania Tingitania وفى سنة ٢٩١, أى فى أيام الإصلاح الإدارى الذى قام به دقلديانوس حين ضمت ولاية موريتانيا الطنجية إلى أبرشية بايتيكا، أصبحت طنجة مقر ناظر (Comes) ورئيس Praeses يديرها مدنيا. ثم انتقلت طنجة إلى حكم البوزنطيين، ولكن سبتة كانت هى مقر ممثل إمبراطور القسطنطينية.
وكان دخول طنجة فى الإسلام فى مستهل القرن الثامن الميلادى، فقد
стр. 6823
احتلها موسى بن نصير المشهور، وناط أمر حكمها بأحد قواده وهو طارق بن زياد الليثى، وحشد طارق فى جوارها مباشرة الجنود الذين استقر رأيه على الخروج بهم من سبتة والنزول بإسبانيا سنة ٧١١ م. وأصبحت طنجة فى عهد الولاة الذين أقامهم خلفاء المشرق قصبة بلاد مراكش حتى أطلس الكبرى، ومن ثم الاصطلاح "السوس الأدنى" الذى يقابل "السوس الأقصى". وكان أول وال اتخذ طنجة مقرا له هو: عمر بن عبد اللَّه المرادى سنة ٧٣٢ م. وسرعان ما شبت فتنة ميسرة فى أرباض طنجة الدانية. وكان ميسرة رجلا من البربر تذَّرع بحركة الخوارج، وأراد أن يرفع عن كاهل بلاد مراكش الحكم العربى، وسعى إلى اجتذاب عدد كبير من الأتباع إلى نصرة قضيته، ثم سار إلى طنجة واستولى عليها سنة ٧٤٠ م، وظلت الفتنة التى أشعل نارها قائمة حتى سنة ٧٨٥ م.
ويجعل المؤرخون طنجة هى المكان الذى نزل به فى قدومه من المشرق إدريس الأول الذى أصبح سيدًا لهذه البلاد بأسرها. وقد ألفى إدريس أن موقع هذه المدينة ليس موقعًا متوسطًا يصلح كل الصلاحية لاتخاذه مقرًا له، والظاهر أنه لم يفكر فى جعلها قصبة ملكه، وهنالك فقدت طنجة مكانتها بوصفها المدينة الأولى فى بلاد مراكش، ولم تستعد هذه المكانة بعد ذلك قط. ولما تقاسم الأدارسة الملك، وقعت طنجة من نصيب القاسم، ولم يلبث أخوه عمر الذى توفى سنة ٨٣٥ م أن حل محله فيها، وانتقل الجزء الشمالى الغربى بأسره من بلاد مراكش إلى حكم هذا الأمير، واحتفظ أولاده به فتوارثه الآباء فالأبناء قرنا من الزمان ونيفا مستقلين بأمره استقلالا يكاد يكون تاما. ولم تضم طنجة إلى أملاك خلفاء الأمويين بالأندلس إلا سنة ٩٤٩ م, فأقاموا عليها واليا جعلوا له أيضًا الإمارة على مراكش التى أنزلت إلى مرتبة الولاية التابعة لقرطبة. ومن ثم فقد أقيم على ابن حمود الإدريسى فى أوائل القرن الحادى عشر الميلادى واليًا على طنجة من قبل الخليفة سليمان المستعين باللَّه، وذلك قبل أن يشعل نار الفتنة التى
стр. 6824
رفعته إلى عرش قرطبة سنة ١٠١٦ م. ولذلك كان لجميع الفتن التى قامت فى أواخر عهد الخلفاء الأمويين بالأندلس أثرها فى طنجة -وكذلك فى سبتة المجاورة لها وفى بربر هذه البلاد، الذين كانوا دائمًا أبدًا متيقظين لما يحدث فى الجانب الآخر من مضيق جبل طارق، فأمَّروا عليهم واليين من برغواطة هما رزق اللَّه، أمروه على طنجة، وسقّوط أمروه على سبتة فى ظل الولاية الاسمية فحسب لبنى حمود فى الأندلس.
واستولى المرابطون على طنجة سنة ٧٤٠ هـ (١٠٧٧ م)، وفيها نزل المعتمد المشهور سنة ١٠٩٠ م. وكان المعتمد آخر ملوك بنى عبَّاد أصحاب إشبيلية، وقد نفاه يوسف بن تاشفين فى مراكش. ولما سقطت دولة المرابطين انتقلت طنجة على الفور إلى حكم الموحدين، فقد استولى عليها أول خلفائهم عبد المؤمن بن على سنة ٥٤٢ هـ (١١٤٧ م)، وظلت طوال حكم هذه الأسرة مدينة زاهرة وثغرًا عامرًا بالحركة بفضل مجاورته للأندلس.
ولم تعترف طنجة من فورها بالأسرة الجديدة، أسرة المرينيين التى خلفت أسرة الموحدين بعد سقوطها، شأنها فى ذلك شأن سائر بلدان الشمال الغربى لمراكش. وقد انتقلت سبتة إلى حكم الأمراء الوطنيين من بنى العَزَفى، أما طنجة فقد أمرت عليها أبا الحجاج يوسف بن محمد بن الأمير الحمدانى الذى قتل سنة ٦٦٥ هـ (١٢٦٦ - ١٢٦٧ م) بعد أن نادى بنفسه أول قيل من أقيال الحفصيين أصحاب إفريقية؛ ثم دان بالولاء للخلفاء العباسيين فى المشرق. وفى سنة ٦٧٢ هـ (١٢٧٤ م) استولى السلطان أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق على طنجة عنوة بعد أن حاصرها ثلاثة أشهر. وعادت المدينة فى القرن التالى إلى الدخول فى عهد ران عليه الغموض، واشتبكت فى كثير من الفتن التى اتسمت بها الأيام الأخيرة لدولة بنى مرين.
وفى النصف الأول من القرن الخامس عشر أثارت طنجة أطماع الدول النصرانية الأوروبية لأول مرة
стр. 6825
بعد دخول المدينة فى الإسلام، فقد حاول البرتغاليون، أصحاب سبتة منذ ١٤١٥ م، أن يستولوا على طنجة عن طريق البر سنة ٨٤١ هـ (١٤٣٧ م)، ولكن هذه المحاولة لم تثمر شأنها شأن المحاولتين اللتين بذلتا سنتى ١٤٥٨ و ١٤٦٤. وأخيرًا استطاع البرتغاليون احتلال المدينة فى الثامن والعشرين من أغسطس سنة ١٤٧١ فى عهد الملك ألفونسو الخامس.
وامتد احتلال البرتغاليين لطنجة من سنة ١٤٧١ إلى سنة ١٦٦١ أى قرابة قرنين. وانتقلت طنجة اسما إلى حكم إسبانيا فى عهد فيليب الثانى شأنها شأن سائر أملاك البرتغاليين فى مراكش، وذلك بعد أن انضوت البرتغال تحت عرش إسبانيا، ولكنها احتفظت بإدارتها الخاصة وبحاميتها البرتغالية؛ وبقيت الحال على هذا المنوال حتى سنة ١٦٤٣، وقبلت طنجة بعد الثورة أن تعود إلى الاعتراف بسلطان الملك البرتغالى الجديد جون الرابع من بيت براكنزا.
وفى سنة ١٦٦١ انتقلت طنجة من أيدى البرتغاليين إلى أيدى الانجليز بعد زواج تشارلس الثانى من كاترين الطفلة من بيت براكنزا، ذلك أن أملاك البرتغاليين دخلت فى مهر هذه الأميرة. وقد أقبل أسطول صغير يقوده اللورد ساندويتش لتسلم المدينة ونزلت بها حامية فى نهاية شهر نوفمبر من السنة نفسها، وهنالك قفلت الحامية البرتغالية ورحل السكان البرتغاليون راجعين إلى وطنهم الأصلى البرتغال.
وإنما استطاع البرتغاليون، قبل ضم طنجة إلى أملاك التاج البريطانى، أن يمكنوا لأنفسهم فيها مواجهين صعوبات من جميع الأنواع والأشكال. فقد نشبت بينهم وبين المجاهدين عدة مناوشات أثارها زعيم الجهاد الخضر غيلان بن على من قبيلة جرفت، ودأب هذا الزعيم على مناوءتهم وإجهادهم فى ضواحى المدينة حتى أوشكوا فى كثير من الأحيان على التخلى عن طنجة. وظلت الحال تسير على هذا المنوال تحت الحكم البريطانى؛ وحاول الحاكم البريطانى إيرل بيتربورو أول الأمر أن يعقد هدنة مع المجاهدين على أن يؤدى لهم مبلغًا من المال، ولكن هذه الهدنة لم
стр. 6826
تحترم إلا فيما بين سنتى ١٦٦٣ - ١٦٦٤، بعد كبح جماح المسلمين دون حصون المدينة؛ ثم نُقضت الهدنة. وفى اليوم الثالث من مايو سنة ١٦٦٤ وقع الحاكم البريطانى الجديد إيرل تافيوت فى كمين بالقرب من طنجة وقتل هو وأربعمائة ونيف من جنوده.
على أن الإنجليز حاولوا من بعد أن يضموا إلى صفهم الزعيم غيلان الذى كان قد ادعى السلطنة منازعا السلطان العلوى الجديد مولاى الرشيد؛ وعقد حلف بين غيلان وبين الحاكم البريطانى البارون بلاسايس سنة ١٦٦٦، ولكن جنود الرشيد كبحوا جماح غيلان فاضطر إلى الكف عن بذل أى نشاط فى شمالى مراكش. ونعم الإنجليز فى المدة التى انتهت بموت هذا الزعيم سنة ١٦٧٣، بفسحة من الوقت فى طنجة استغلوها فى تنفيذ خطة من التحصينات واسعة النطاق وإقامة خندق يحتمون به. غير أن التكاليف التى اقتضتها هذه الخطة وغير ذلك من الأسباب قد تسببت فى نفور الشعب فى إنجلترا كل النفور من احتلال المدينة. وفى هذه الظروف المواتية استقر عزم السلطان العلوى مولاى إسماعيل على حصار طنجة. ودام هذا الحصار مدة لا تقل عن ست سنوات وَجَيش السلطان جنوده وسد المنافذ على طنجة ووالى الهجوم منذ سنة ١٦٧٨ على التحصينات الخارجية التى أقامها الإنجليز فنجح، واشتد الحصار على المدينة شيئًا فشيئًا وانتهى رأى الإنجليز إلى الجلاء عنها بعد تدمير الخندق ومعظم التحصينات التى أقاموها. وفى اليوم السادس من فبراير سنة ١٦٨٤ اعتلت الحامية والجالية الإنجليزية متن السفن وعلى رأس الجميع اللورد دار تموث آخر حكامها من الإنجليز، وعادت طنجة مدينة إسلامية.
ولم يلبث الوالى المراكشى الذى أمر على طنجة، وهو أبو الحسن على بن عبد اللَّه التمسامانى الريفى، أن مضى فى إعادة بناء المدينة التى تركها الإنجليز أطلالا وخرائب وأصبح هذا الوالى وابنه بعده، من القوة فى هذه الناحية حتى إنهم سرعان ما كفوا
стр. 6827
مولاى عبد اللَّه خليفة مولاى إسماعيل، وأجاروا بين ظهرانيهم المطالبين بعرش هؤلاء السلاطين. ولم يتردد ولاة طنجة فيما بعد، وكانوا جميعا على وجه التقريب ينتسبون إلى أسرة التمسامانى؛ فى رفع سلطان هؤلاء السلاطين عن كاهلهم أحيانًا. وأصبح تاريخ العلاقات بين هؤلاء الولاة وبين المخزن هو تاريخ طنجة حتى القرن التاسع عشر.
وفى اليوم السادس من أغسطس سنة ١٨٤٤ قذف أسطول فرنسى صغير بقيادة الأمير ده جوانفيل طنجة بالقنابل، ونزلت بالجيوش المراكشية هزيمة ساحقة فى معركة إيسلى.
وما من حاجة تقتضينا أن نذكر الاتفاقات المتعاقبة التى تمت بين الدول الأوربية ومراكش، تلك الاتفاقات التى انتهت بتفصيل وتطبيق الدستور التى تحكم بمقتضاه اليوم طنجة ومنطقتها، هى ومنطقة النفوذ الإسبانية ومنطقة النفوذ الفرنسية فى بلاد مراكش (١)؛ وقد افتتحت السكة الحديدية التى تمتد من طنجة إلى فاس والرباط منذ سنة ١٩٢٧.
المصادر:
(١) ثمة رسالة جيدة عن طنجة مدعمة بالوثائق والإحصاءات والصور والخرائط نشرت بعنوان " Tanger et sa Zone" وتعد هذه الرسالة الجزء السابع من مجموعة:
Villes et tribus de Maroc(Documents et renseignements publies par la Section Sociologique de la Residence General de la Republique Française au Maroc) باريس ١٩٢١.
(٢) وتشتمل مجموعة Archives marocaines، باريس ١٩٠٤ - ١٩٢٠, أيضًا على عدة وثائق عن طنجة.
(٣) أما عن الاحتلال البرتغالى فإن أهم مصدر معاصر هو Historia de Tangere Menzes: D. Fernando de، لشبونة، ١٧٣٢.
(٤) وكانت طنجة موضوع كثير من كتب الرحالة الذين وضعوها فى القرن التاسع عشر، ومعظمهم من الإنجليز، ويمكن أن نجد قائمة بأسمائهم فى
стр. 6828
Bibliography of Morocco: Playfair لندن ١٨٩٢
(٥) وفى الختام نجد أن مارسيه William Marçais قد نشر دراسة فذة للهجة التى يتحدث بها أهل طنجة عنوانها: Textes arabes de Tanger، باريس ١٩١١, اعتمد فيها على أبحاث لو دريتز Luderitz وميسنر Meissner، وبلان Blane, ومارشان Marchand، وكامفماير Kampfimeyer. وتحتوى هذه الدراسة بجانب ما فيها من أبحاث لغوية هامة على معلومات قيمة عن المجتمع فى طنجة وحياة أهلها.
خورشيد [ليفى بروفنسال E. Levi-Provençal]
الطنطاوى
محمد عياد، واسمه بالكامل: الشيخ محمد بن سعد بن سليمان عياد المرحومى الطندائى الشافعى: فقيه عربى من أعيان القرن التاسع عشر، ولد سنة ١٢٢٥ هـ (١٨١٠ م) فى نِجْريد، وهى قرية صغيرة بالقرب من طنطا، وتوفى فى ٢٩ من أكتوبر سنة ١٨٦١ فى سانت بطرسبرغ. وكان أبوه تاجرًا جوالا ولد فى محلة مرحوم ومن ثمة نسبة المترجم له. وفى سن السادسة التحق محمد بمكتب فى طنطا، ولما بلغ الثالثة عشرة من عمره نزح إلى عمه فى القاهرة ودرس فى الأزهر. وكان من شيوخه إبراهيم الباجورى المشهور (المتوفى حوالى سنة ١٢٧٦؛ انظر Gesch. d. Arab. Lit.: Brockelmann، جـ ٢، ص ٤٨٧) وقد أثَّر فيه تأثيرًا كبيرًا (انظر القصيدة التى أهداها له الطنطاوى فى Zeitschr. der Deutsch. Morgl. Gesells فى جـ ٤، ص ٢٤٥ - ٢٤٦). ودرس الباجورى أيضًا على يد الشاعر حسن العطار (المتوفى حوالى سنة ١٢٥٠ هـ؛ انظر بروكلمان: كتابه المذكور، جـ ٢، ص ٤٧٣, رقم ١)، وقد نبه صيت كثير من زملائه الطلبة من بعد، فقد أرسل محمد على صديق الطنطاوى رفاعة الطنطاوى (١) (بروكلمان، جـ ٢، ص ٤٨١, رقم ٦) إلى باريس إمامًا لأول بعثة علمية أرسلها، وأصبح رفاعة من مؤسسى الحركة الأدبية الجديدة، وكان إبراهيم الدسوقى (١٨١١ - ١٨٨٣) أول أستاذ
стр. 6829
درس عليه المستشرق لين Lane (بروكلمان جـ ٢، ص ٤٧٨, رقم ٤). ولما توفى أبو الطنطاوى سنة ١٢٤٣ هـ (١٨٢٧ م) اضطر إلى البقاء فى طنطا سنتين، حيث مضى فى دراسته وأصبح يلقى الدروس. ثم عاد إلى القاهرة وألحق بالمشايخ الذين كانوا يدرسون فى الأزهر، وكان من أوائل الشيوخ الذين ناقشوا النصوص الأدبية والشعرية. ودرس الطنطاوى حينًا فى المدرسة الإنجليزية. وكان فرسنل F.Fresnel أول من أذاع صيته فى أوربا (انظر Journ Asiatique، السلسلة الثالثة، جـ ٥, ١٨٢٨ م, ص ٦٠ وما بعدها)، وتبعه كثير من الأساتذة الشبان فدرسوا على الطنطاوى (Dr. Pruner, G.Weil، A. Perron و R. Frahn، ابن مؤسس المتحف الآسيوى فى سانت بطرسبرغ وأول مدير له)، ونقل فران صيته إلى روسيا، ودعى الطنطاوى سنة ١٨٤٠ م (١٢٥٦ هـ) إلى سانت بطرسبرغ مدرسًا للعربية فى معهد اللغات الشرقية بها. وفى سنة ١٨٤٨ عين أستاذًا فوق العادة فى جامعتها ثم عين أستاذًا عاديًا سنة ١٨٥٤. وكادت دروسه لا تترك أى أثر باق فى روسيا، ذلك أن منهجه لم يتمش مع هذه الجامعة الأوربية. ونذكر من أنبه تلاميذه (١٨٤٠ - ١٨٤٢) والن Finn G.A. Wallin (١٨١١ - ١٨٥٢) الرحالة المستعرب المشهور الذى أصبح من بعد أستاذًا فى جامعة هلسنكفورث، وقد ظل هذا الأستاذ يراسل الطنطاوى بانتظام حتى وفاته (انظر Bref och Dagbok-Santechnigar of G. A. Wallin: K. Tallquist هلسنكفورث ١٩٠٥ م). ونزل بالطنطاوى مرض شديد اضطره إلى اعتزال الخدمة سنة ١٨٦١ م، وأدركته المنية فى السنة نفسها، ولا يزال قبره قائمًا فى مقبرة التتر بلينينغراد، وعليه نقوش روسية وعربية.
ويكاد نشاطه الأدبى قبل شخوصه إلى سانت بطرسبرغ يقتصر على التفقه فى فروع المعرفة القديمة، وله منظومات وشروح وهوامش وخواتم مخطوطة فى القاهرة ولينينغراد (مكتبة الجامعة). ومن تواليفه الأصيلة فى هذا الباب: "لذيذ الطرب فى نظم بحور العرب" (فى المكتبات الخاصة بالقاهرة) وأرجوزته المسماه: "مشتهى الألباب
стр. 6830
على منتهى الآراب فى علوم الإرث والجبر والحساب" وعليها شرح بقلمه (مخطوط فى لينينغراد، القسم الشرقى، رقم ٨٢٠)، ومن آثاره التى كتبها أثناء إقامته فى روسيا بحثه المفيد المسمى Traite de la Longue arabe vulgaire، ليبسك ١٨٤٨، وهو يحتوى على عدة رسائل وأبيات من الشعر بقلمه، علاوة على ما تضمنه من تمارين (انظر ملاحظات Fleischer فى zeitschr. der Deutsch. Morgenl. Gesells جـ ١, ١٨٤٧, ص ٢١٢ - ٢١٣؛ جـ ٣، ١٨٤٩ م, ص ٤٧٤ - ٤٧٥). وقد استطاع أن يكتب ملاحظات نقدية مفيدة بفضل معرفته للأدب الأوربى وإتقانه اللغة الفرنسية
(انظر Jour. Asiatique السلسلة الرابعة، جـ ٩, ١٨٤٧ م ص ٣٥١ - ٣٥٤؛ MeIanges Asiatiques سانت بطرسبرغ، جـ ١, ١٨٥١ م, ص ٤٧٤ - ٤٩٥؛ جـ ٢, ١٨٥٥ م, ص ٤٦٦ - ٤٨٦). وثمة مقالات كثيرة بالعربية توجد بقلمه فى مخطوطات خلفها بعد موته (مثل مقالته فى الأعياد المصرية، مخطوطة، القسم الشرقى، رقم ٨٣٨ الأوراق من ٥٠ - ٦٠، وله مجموعة من القصص والنوادر باللغة العربية الدارجة، مخطوطة، القسم الشرقى، رقم ٧٤٥؛ rendus Comptes de L'Academie des Sciences، ١٩٢٦ م, ص ٢٣ - ٢٦؛ وقد بدأ فى ترجمة كتاب كلستان لسعدى إلى اللغة العربية: Ompterendus de 'Academie; l des Sciences de Russie: ١٩٢٤, ١٠٢ وما بعدها)، وقد عثر على مخطوطة بخطه من كتابه "تحفة الأذكياء بأخبار بلاد روسيا" تاريخها: ١٢٦٦ هـ (١٨٥٠ م) (انظر Zeitschrift Semitistik فى Rescher جـ ٣، ١٩٢٤, ص ٢٥٢ Comptes-rendus de L'Academie des Sciences , ١٩٢٧ م, ص ١٨١ وما بعدها).
أما حقه الفائق فى الشهرة فيرجع إلى مجموعة مخطوطاته الكبيرة (حوالى ١٥٠ مخطوطًا) التى آلت بعد موته إلى مكتبة الجامعة (انظر Indices Alpha betici Codicum manuscripto-rum Persicorum turcicorum orabicorum qui in Bibliotheca Imperialis Litterarum Universistatis Petropolitanae adservantur: Salemann&C.V. Rosen سانت بطرسبرغ، ١٨٨٨ م) وقد نسخ كثيرا من المخطوطات وقابل بعضهما