(٣٥) A Year amongst the Persians: E. g. Browne لندن سنة ١٨٩٣، ص ٨٢ - ٩٨.
(٣٦) Persion Life: S.C.Wilson، لندن سنة ١٨٩٦، ص ١٤٠ - ١٥٥.
(٣٧) Trois ans a la cour de Perse (١٨٨٩ - ١٨٩١: Feuvrier) فى تاريخ غير مذكور، ص ١٢٦ - ٢١٩ (عدة صور).
(٣٨) Teheran,Encycl,Brit: Houtum-Schindler، سنة ١٩١١ الطبعة الحادية عشرة، جـ ٢٦، ص ٥٠٦ (ملخص جيد).
(٣٩) d'Allemangne: Du Khorasan etc، باريس ٩١١، جـ ٣، ص ٢١٥ - ٢٦٨ والفهرس، تخطيط الأرك، عدة صور (وتضم عدة رسوم بريشة Laurents سنة ١٨٤٨).
(٤٠) Teheran: Hirsch، باريس ١٨٦٢.
(٤١) Teheran et la Perse en Revue des deux mondes, ١٨٦٣: Forges، ١٥ مايو سنة ١٨٦٤.
(٤٢) Nineshnii Teheran i yego okrestnosti, lzv. Russ. Geogr, Obshc: G.Spasskii
(٤٣) Meine Wandrungen in persien: Vambery، بشت سنة ١٨٦٨، ص ١٠٦ - ١٢٣، ٢٦٠.
المصورات الجغرافية
(١) رسم تخطيطى للمدينة فى كتاب Berezin (١٨٤٢) .
(٢) Topogr. Bemerktingen z. Karte d. Umgebung und zu d. plane v. Teheran. Mitt. der K.K, Geogr Gesell (١٨٧٧: J.E. Polak) فينا ١٨٧٨، ص ٢١٨ - ٢٢٥ (مع مصور جغرافى مقاس ١: ١٠٨.٠٠٠ ورسم تخطيطى مقاس ١: ٢٠.٧٠٠ قام به Comm. Krziz عام ١٨٥٧ - ١٨٥٨).
(٣) Teheran and Umgegend: A.F. Stahl (١٨٩٠ - ١٨٩٤) Pet.Mitt سنة ١٩٠٠ ص ٤٩ - ٥٤ مع خريطة مقياس رسمها ١: ٢١٠.٠٠٠٠ (والمقالان مليئان بالمعلومات الهامة).
(٤) الخريطة الفارسية التى وضعها عبد الرزاق خان بغائرى (١٩١٠) من مقاس ١: ٢٠٠.٠٠٠ وقد استغل واضع الخريطة إلى جانب كلامه الخاص المصادر التالية:
(١) خريطة عبد الرسول خان التى وضعت فى عهد الوزير الأكبر ميرزا
стр. 6862
تقى خان (١٨٤٩ - ١٨٥١) (٢) خريطتين وضعهما نجم الدولة، إحداهما مقاس ١: ٤٠٠٠ والأخرى وضعت نقلا عن Krziz (طبعت فى طهران عام ١٢٧٥ هـ = ١٨٥٨)؛ انظر Brugsch جـ ١، ص ٢١٠. (٣) الخريطة التى أعدها الضباط الروس بإرشاد البارون ليتنر Leitner مقاس ١: ٢٥٠٠٠ (١٨٨٠)(٤) خريطة الجنرال وث General Weth مقاس ١: ١٢٥٠٠ (توفى عام ١٨٩٣) (٥) خريطة ستال Stahl.
٢ - قرية فى إقليم إصفهان بناحية كاروان السفلى إلى الشمال الغربى من إصفهان. وقد عرف السمعانى (ص ٣٧٣) المدينتين المعروفتين باسم طهران إصفهان، وذكر كثيرًا من المحدثين ولدوا فى هذه القرية أقدمهم عقيل بن يحيى أبو صالح المتوفى عام ٢٥٨ هـ (انظر أيضًا ياقوت). وتعرف القرية الآن باسم تيرون (انظر Chirikow ١٨٥٠ Putewoi Journal ص ١٥٨ ولكن بركش Bruwsch (جـ ٢، ص ٣٩) يكتب اسمها طهران. ويذكر هوتم سندلر (East. Persian Irak: Houtum Schindler ص ١٢٤، ١٢٧، ١٣١) أنه لا يزال بالقرب من إصفهان بلدة باسم طهران (تيران أهنكران)، وتروى قناة تيران (التى تبدأ من هناك؟ ) محله - يى الحديثة وأحياء بيد آباد بأصفهان.
الشنتناوى [مينورسكى V.Minorsky]
طهماسب الأول
الحاكم الثانى لفارس من الأسرة الصفوية، وهو الابن الأكبر للشاه إسماعيل الأول، ولد سنة ٩١٩ هـ (١٥١٤ م)، وولى العرش فى سن العاشرة (٩٣٠ هـ = ١٥٢٤ م)، ولذلك كان بطبيعة الحال ألعوبة فى يد شيوخ القزلباشية، وقد هزم طهماسب الأول الأزابكة سنة ٩٣٤ هـ (١٥٢٧ م) بالقرب من "تربت شيخ جام" وشخص إلى بغداد لما قامت فتنة ذى الفقار من قبيلة موصلى الكردية، وكان يعاون ذا الفقار أكراد كلهر، كما كان هذا المتمرد يزعم أنه يتمتع برعاية الترك (٩٣٦ هـ = ١٥٣٠ م). ولكن طهماسب وجد أن إخوة ذى الفقار قد قتلوه، ثم شخص طهماسب إلى هراة التى كان الأزابكة يحاصرونها منذ ثمانية عشر شهرا؛ على أن الأزابكة انسحبوا عندما أحسوا بقدومه. وفى سنة ٩٢٠ هـ (١٥٣٤ م) احتل العثمانيون أرض الجزيرة وتبريز، ومضى السلطان سليمان إلى سلطانية، ثم عبر الجبال التى إلى الجنوب ليحتل
стр. 6863
بغداد، واستولى على وإن بعد ذلك بأربع سنوات، وكان الفرس يلزمون الدفاع فى جميع الأحوال وفى سنة ١٤٥١ م قامت فتنة أطاحت بالمغولى الأكبر همايون بن بابر عن العرش فالتجأ إلى طهماسب، وأقيمت بهذه المناسبة احتفالات فخمة خلد ذكرها على صورة حائطية نقشت فى جوسق جهل فى أصفهان، ولكن همايون انزعج من إلحاح الشاه عليه بأن يعتنق مذهب الشيعة.
ولم يهدأ بال طهماسب لما أثاره أخوه إخلاص ميرزا من فتنة سنة ٩٥٤ هـ (١٥٤٧ م) يعاونه فى ذلك الترك، واحتل جيش تركى آذربيجان وإصفهان. على أن إخلاص تشاجر مع حلفائه، ولم تؤد الحملة إلى نتيجة، وأسر مدعى العرش من بعد وقتل. وفى سنة ٩٦١ هـ (١٥٥٤ م) عقد طهماسب هدنة مع الترك، ثم أبرم معهم صلحًا فى العام التالى، والتجأ بايزيد بن السلطان سليمان إلى فارس بعد الفتنة التى أشعل نارها (٩٦٣ هـ = ١٥٥٦ م)، غير أن الترك سلموه لطهماسب بعد مفاوضات دامت سنتين، وأمر طهماسب بقتله، أو قل إنه سمح بذلك نظير مبلغ قدره أربعون ألف قطعة من الذهب.
وقد عرفت السنون الأخيرة من حكمه بغزوات أزابكة خراسان، والمجاعة التى أعقبت تفشى الطاعون (٩١٩ هـ، ١٥٧١ م). وتوفى طهماسب سنة ٩٨٤ هـ = (١٥٧٦ م) متأثرًا بالسم الذى دسته له أم رجل يدعى حيدر شيخ قبيلة إستاجلو. واستمر حكمه اثنتين وخمسين سنة ذاتية نشرها هورن (Denkwer digkeiten: P.Horn) فى مجلة. Z.D.M.G؛ جـ ٤٤؛ ١٨٩٠، ص ٥٦٣ - ٦٤٩؛ وقد نشرت ترجمة لها فى ستراسبورغ سنة ١٨٩١, وهى تقف عند حوادث عام ٩٦٩ هـ (١٥٦١) حين سلم بايزيد للترك؛ وتوجد مخطوطات مختلفة من الخطابات الرسمية التى وجهها إلى الملوك من معاصريه؛ انظر Cotologue: Rieu، الأرقام ٣٩٠، ٥٣٠، ٨٠١، ٩٨٤) وفى عهده زار بلاد فارس أنطونى جنكنسون Anthony Jenkinsor السفير الإنكليزى (١٥٩٢)، وفنسشيود السندرى Vincetio d'Alessandri السفير البندقى (١٥٧١ م).
المصادر:
(١) رضا قلى خان: روضة الصفا ناصرى، طهران ١٢٧٤ هـ، جـ ٨، ولم ترقم صفحات هذه الطبعة.
стр. 6864
(٢) Persian Literature in Modern Times: E.G.Browne، كمبردج ١٩٢٤ ص ٨١، ٨٤ - ٩٨
(٣) History of Peersia: P.M.Sykers الطبعه الأولى، جـ ٢، ص ٣٥.
(٤) Persia: Curson جـ ٢، ص ٥٣.
(٥) Histiore de Bagdad dons les temps modernes: Cl. Huart، باريس ١٩٠١، ص ٤٣ - ٣٦.
(٦) P.Horn: Geschichte Irans Geundriss d.Iran in islamitischer Zeit Phililogie، جـ ٢، ص ٥٨٢.
(٧) L.Teufel فى Z.D.M.G، ١٨٨٣ م , جـ ٣٧، ص ١١٣ - ١٢٥.
(٨) History of Persia: Malcolm لندن ١٨١٥ , جـ ١، ص ٥٠٥ - ٥١١.
طهماسب الثانى
الابن الثالث للشاه حسين، وقد نودى به وليا للعهد أثناء حصار الأفغان لأصفهان (١١٣٥ هـ = ١٧٢٢ م)، وفر فى ستمائة رجل وسعى بنجاح إلى تجنيد العساكر فى قزوين. وأبرم معاهدة مع بطرس الأكبر الذى كان قد غزا وشيكا رشت وباكو (لم تؤد المعاهدة إلى نتيجة)، واعتصم فى فرح آباد من أعمال مازندران بمعونة فتح على جان رأس القاجار، وانضم إليه هناك من لقب بعد بنادر شاه، وهو الذى كان وقتئذ قد تلقب بطهماسب قلى خان (الخان أى خادم طهماسب) وعززه بخمس آلاف رجل من الأفشار والكرد. وبعد أن اغتال نادر فتح على شاه بالقرب من مشهد، أقيم نادر قائدًا عامًا للجنود الفرس، واستولى على مشهد وهراة وأحرز انتصارًا مشهودًا على الأفغان عند مهمان دوست بالقرب من دامغان سنة ١١٤١ هـ (١٧٢٩ م) وترك نادر طهماسب فى دامغان، وأحرز انتصارًا آخر عند مرجه خرت، ودخل أصفهان، وهنالك تبعه طهماسب الذى كان الأفغان ذبحو أياه قبل مغادرتهم المدينة ووجد أمه فيها، وكانت قد عاشت فى أصفهان سبع سنين متخفية لم يكشف سرها أحد. وكافأ طهماسب قائد جنده على ما أداه من خدمات، فولاه على خراسان، وسجستان، وكرمان، ومازندران، ومنحه لقب سلطان، وضرب نادر سكة باسمه ودفع منها أعطيات جنوده.
стр. 6865
وأثارت انتصارات نادر الحماسة فى قلب طهماسب فرغب فى أن يتولى بنفسه قيادة الجيش، وضرب الحصار حول إريوان ونجح فى ذلك؛ على أنه هزم على يد الترك عند كوره جان بالقرب من همدان سنة ١١٤٤ هـ (١٧٢١ م). وفى السنة التالية عقد صلحًا تنازل بمقتضاه عن ما وراء القوقاز، بيد أنه احتفظ بتبريز والبلاد التى إلى الجنوب الشرقى منها، واحتج نادر على عقد هذا الصلح، وسار إلى أصفهان وقبض على طهماسب وبعث به إلى خراسان ليسجن فيها، وأقام على العرش ابنا من أبناء الشاه عمره ثمانية شهور، وتلقب هذا الابن بشاه عباس الثالث. وتوفى شاه عباس، فنادى نادر بنفسه شاها على فارس سنة ١١٤٨ هـ (١٧٣٦ م). وفى أثناء الحملة التى شنت على الهند قتل ابن نادر رضا قلى طهماسب هو ومعظم أفراد أسرته فى سبزوار (١١٥١ هـ - ١٧٣٩ م)
المصادر:
(١) ميرزا مهدى خان؛ تاريخ جهان كشاى نادرى، بومباى ١٢٦٥ هـ ص ٩ - ١١٤؛ تبريز ١٢٦٦ هـ، ص ٦ - ٦٧
(٢) رضا قلى خان: روضة الصفا ناصرى، طهران ١٢٧٤ هـ, جـ ٨، ولم ترقم صفحاته
(٣) History of Persie: P.M. Sykes، جـ ٢، ص ٣١٧ - ٣٤٤
(٤) History of Persian Literature in modern Times: E. G. Browre، كمبردج ١٩٢٤ ص ١٢٩ - ١٣٦
(٥) History of Persie: Malcoim، لندن ١٨١٥ م، جـ ١، ص ٦٣٦ - ٦٣٧؛ جـ ٢ ص، ١٢ - ٩٦.
خورشيد [إيوار Cl, Huart]
طواف (*)
كلمة عربية من طاف يطوف طوافا، مع الباء؛ فيقال طاف بكذا بمعنى دار حوله. والطواف فى الشعائر الدينية هو الدوران حول شئ مقدس، مثل حجر أو مذبح أو نحو ذلك. وقد بقيت آثار من هذه الشعيرة عند بنى اسرائيل (انظر سفر المزامير، الإصحاح ٢٦، فقرة ٦، الإصحاح ٢٧؛ فقرة ٦؛ الإصحاح ٧٠) كما تدل على ذلك احتفالات عيد هيكل سليمان فى عهد الهيكل الثانى، حيث كان يطاف حول المعبد مرة فى كل يوم من الأيام الستة الأولى، وسبع مرات
стр. 6866
فى اليوم السابع. على أن الطواف كان أيضا موجودًا عند الفرس والهنود والبوذيين والرومان وغيرهم، ولذلك فهو يرجع إلى عصور قديمة جدًا، وكان له شأن عظيم فى الشعائر الدينية عند العرب القدماء، وترد بدل كلمة "طواف" كلمة "دوران" (من دار) المرادفة لها فى المعنى (انظر معلقة امرئ القيس، بيت ٦٣ حيث يشبه امرؤ القيس سرب نعاج بقر الوحش بعذارى يدرن فى ملاء مذيل (١) وعند عنترة ١٠٥ - ٢، كلمة دُوار بمعنى الصنم الذى يدار حوله؛ هذا إذا لم نقرأ هنا دوار بدلا من دُوار) وفى مكة كان يطاف حول الكعبة التى فيها الحجر الأسود الذى كان مقدسا منذ قديم الزمان (وهذا ما يسمى طواف البيت). وقد أخذ محمد [ ﷺ ] بهذه العادة القديمة لما وضع شعائر دينه وجعل الكعبة مركز هذه الشعائر (٢) فيروى ابن هشام (٨٢٠؛ الطبرى جـ ١، ص ١٦٤١) أنه لما دخل الرسول [ ﷺ ] مكة منتصرا فى العام الثامن للهجرة طاف بالبيت وهو راكب ناقته واستلم بمحجنه الركن (الركن الشرقى من الكعبة حيث يوجد الحجر الأسود). على أن ذلك كان أمرًا استثنائيا؛ وبحسب ما يؤخذ من رواية ابن هشام لم يضع الرسول [ ﷺ ] القواعد التى لابد من العمل بها إلا قبل وفاته بفترة قصيرة، وذلك فى "حجة الوداع". على أنه يمكن القول -على وجه اليقين- أنه كان يراعى فى ذلك شعائر قديمة مأثورة ترجع إلى إبراهيم ﵇ (انظر ابن هشام، ص ٥١، س ٢٠) بحيث نستطيع أن نستنتج من ممارسة المسلمين لهذه الشعيرة ما كانت عليه عادة الوثنيين (٣). وكان أحد مظاهر هذه العادة أن الطواف كان يجب أن يكون
стр. 6867
سبع مرات متعاقبات (انظر ما تقدم عن عيد الهيكل): الثلاث الأولى منها بسرعة أكبر، ويبدأ الطواف من الحجر الأسود وينتهى عنده، وفى أثنائه تكون الكعبة إلى يسار الطائفين. ويجب على المرء أن يبذل جهدًا خاصًا لكى يقبِّل الحجر الأسود أو يلمسه على الأقل، وخلافا لذلك فإننا إذا فرضنا أن فلهاوزن على صواب فقد كان من التجديد أن محمدًا [ ﷺ ] أدخل الطواف فى الحج الكبير عندما كان الحجاج يزورون مكة (١) بعد أن كان من قبل فى العمرة. على أن هذا الاستنتاج موضع نزاع (انظر مادة حج، حيث تذكر آية ٩٧ من سورة آل عمران للاستشهاد على خلافه). لكن عبارة "حج البيت" لا يمكن أن تكون حاسمة فى دلالتها، فقد يكون محمد [ ﷺ ] قرر توسيع شعائر الحج لمّا تلقى هذه الآية، إن لم تكن تلك العبارة قد دخلت فى النص فيما بعد (٢). وأنواع الطواف الخاصة الآتية هى بلا شك مستحدثات إسلامية: طواف التحية، أو طواف القدوم، أو طواف الوداع (انظر Reisen in Arabia: Burckhardt، ص ٤٣٩) وهى على كل حال ليست أركانا يبطل الحج بتركها. على أن الرسول ﵊ قد حرم عادة من العادات الوثنية تحريما باتا، وهى ما كان يحدث من أن يطوف البعض وهو عريان (انظر ابن هشام ص ٩٢١، وانظر ابن سعد، قسم ٣، جـ ١، ص ٦، س ٢١) حيث يذكر أنه كان عند الكعبة نصب خشبية عليها يضع الجاهليون ثيابهم أثناء الطواف. والممشى المحيط بالكعبة الذى يسير عليه الحجاج أثناء الطواف يسمى المطاف. وعند حائط الحطيم يسير الطائف محاذيا جانبه الخارجى لا محاذيا للكعبة كما هى العادة.
والطواف فيما عدا الأنواع التى تقدم ذكرها ركن لابد منه، ولذلك صار أمرا جوهريا فى الإسلام، ومن ثم فإن مما له دلالته أنه لما صعب على المسلمين
стр. 6868
الحج إلى مكة بسبب استيلاء عبد اللَّه ابن الزبير عليها معارضا للخلافة التى كانت قائمة، أعلن الخليفة عبد الملك أن الطواف حول قبة الصخرة سيكون له ما للطواف حول الكعبة من قيمة (Mu-studien hammedanische: Goldziher جـ ٢، ص ٣٥) ولو أن هذا المنسك من مناسك الحج ترك تركا تاما لأحدث ذلك فجوة فى الدين الإسلامى، لكن تلك البدعة لم تلبث أن اختفت باختفاء سببها. ويرى الإسلام الصحيح أن كل طواف لا يكون حول الكعبة يعتبر شيئًا لا قيمة له. ويدل على بقاء العادة الوثنية القديمة بين أهل الطبقات الدنيا من العرب ما يحكيه العجيمى على صورة طريفة من أن البدو كانوا يحاولون أن يؤدوا الطواف لا حول قبور أسلافهم فحسب، بل حول قبر ابن عباس أيضا فى الطائف.
المصادر:
(١) Lectures on the Religion the Semites: Robertson Smith، ١٨٨٩، ص ٣٢١.
(٢) Scheftelowitz فى M.G.W.J مجلد ٦٥ (١٩٢١) ص ١١٨ وما بعدها.
(٣) Reste arab. Heidentums: Wellhausen الطبعة الثانية ص ٦٧، ٧٤، ١٤١.
(٤) Het mekKaansche Feest: Snouck Hurgronje ص ١٠٨.
(٥) Handhuch des islamischen Gesetzes: Juynboll، ١٩١٠، ص ١٤٨، ١٥٠، ١٥٦ وما بعدها
(٦) الأزرقى، طبعة Wustenfeld ضمن Die Chroniken der Stadt Mekka مجلد ١، فى مواضع كثيرة.
(٧) Wensinck: andbook of Early Mohammadan Tradlitian مادة طواف.
أبو ريدة [بول fr.Buht]
تعليق على مادة طواف
(١) كان الأمر بالحج على عهد إبراهيم ﵇ كما نصت على هذا الآية الكريمة: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (سورة الحج: ٢٧). وكان الطواف أيضا على عهد إبراهيم بدليل قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ
стр. 6869
وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (سورة البقرة آية ١٢٥).
(٢) ثم دخلت مناسك الحج تحريفات يرجع معظمها إلى الغلو والإسراف، ومن أمثلتها أنهم -بعد انحرافهم- كانوا لا يطوفون حول البيت فى ثياب عصوا اللَّه فيها ولو أدى الأمر بأحدهم إلى أن يطوف حول البيت وهو عريان، كذلك كانت قريش لا تدفع إلى عرفات مكتفية بالوقوف عند المشعر الحرام، لأنه من الحرم وعرفات من الحل، فساوى اللَّه بينهم جميعا فى الموقف تحقيقا لأصل المساواة وفى هذا يقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (سورة البقرة، الآية ١٩٩)
(٣) فأمر الإسلام كان إعادة الشعائر إلى ما كانت عليه على عهد إبراهيم، ويوضح هذا حديث الرسول عن يزيد بن شيبان يوم عرفة: "كونوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم" (المغنى لابن قدامة ٣، ٤١٠ ط المنار بالقاهرة)، وإذا كانت فى أمر خاص فى كيفية أداء المنسك، فقد ارتبط هذا الأمر بعبرته؛ والنموذج الفرد الذى نجده لذلك هو الَرَمل -أى الإسراع- فى طواف الأشواط الثلاثة الأولى -وهذا للقادر، فإن لم يقدر طاف الأشواط السبعة ماشيا دون رمل، وأجزأ الطواف حتى لو كان محمولا. وسبب الرمل يرجع إلى إظهار القوة والجلد، كان هذا من سنة الرسول [ ﷺ ] فى عمرة القضاء قبل فتح مكة، وسنته فى حجة الوداع بعد الفتح مما يبين أنها سنة ثابتة (نفس المرجع ص ٢٧٣).
(٤) أما عن عدد الأطوفة المشروعة فيذكر ابن قدامة (المغنى ٣، ٤٤٤) أنها ثلاثة: طواف الزيارة أو الإفاضة بعد الوقوف بعرفات وهو ركن الحج لا يتم إلا به بغير خلاف؛ وطواف القدوم، وهو سنة لا شئ على تاركه، وطواف الوداع، وهو واجب ينوب عنه الدم (أى الفدية) إذا تركه الحاج؛ بهذا قال أبو حنيفة والثورى على خلاف جزئى مع مالك والشافعى فى طوافىّ الوداع والقدوم دون الزيارة. وما زاد على هذه الأطوفة فهو نفل. وبهذا يبدو خطأ ما نقله الكاتب عن بوركارت فى رحلته
стр. 6870
العربية (ص ٤٣٩) عندما ذكر أن الأطوفة المستحدثة "ثلاثة: التحية والقدوم والوداع، وأنها ليست أركانا يبطل الحج بتركها" وقد أخطأ فيما ذهب إليه من القول بالاستحداث، وفى حصر الأطوفة ومشروعية كل منها.
٥ - أما قول الكاتب بأن مناسك الحج لم "توضع" إلا فى أواخر حياة النبى ﵊، فغير ذلك يدعو إلى العجب: ذلك لأن الرسول [ ﷺ ] لم يدخل مكة معتمرًا إلا فى عمرة القضاء فى العام السابع من الهجرة ثم أدى حجة الوداع فى السنة العاشرة من الهجرة، ومات بعدها بقليل. ولم يكن من المعقول أن يكلف بالمناسك من لا يستطيعون دخول مكة، أو من لا يؤمنون قبل الفتح أو صلح الحديبية.
٦ - ثم إن القول بإمكانية إحلال صخرة بيت المقدس محل المسجد الحرام فى أداء فريضة الحج أو الطواف بغير المسجد الحرام قول لا يستند إلى أساس من علم ويتعارض معارضة صريحة مع محكم القرآن ومتواتر السنة وإجماع الأمة الإسلامية، ولقد نهى النبى [ ﷺ ] فى حديث ابن عباس عما دون الطواف كإيقاد السرج على القبور واتخاذها مساجد. وأمام النصوص الصريحة لا يحتاج البحث إلى أقوال "طريفة" عن البدو وطوافهم حول قبور الأسلاف وابن عباس.
د. عبد العزيز كامل
طوبال
عثمان باشا: محافظ عثمانى للبوسنة، اسمه شريف، ولكنه عرف عادة بطوبال عثمان باشا لعرج أصابه من رصاصة. وقد خرج طوبال من أرباض إزمير حيث ولد سنة ١٢١٩ هـ (وتبدأ هذه السنة فى ١٢ أبريل سنة ١٨٠٤) لأب فلاح يدعى حاجى شريف أغا، والتحق طوبال أول ما التحق بخدمة الأسطول، وفى سنة ١٨٣٩ سلم (بوصفه أميرًا للبحر) هو وقيودان باشا أحمد فوزى باشا الأسطول العثمانى فى الدردنيل لمحمد على باشا والى مصر عندما سمعا أن خسرو باشا قد عين صدرًا أعظم. وظل طوبال ملتجئا إلى مصر عدة سنوات بعد إبرام الصلح حيث حظى بعطف الخديو، ولما
стр. 6871
صدر أمر بتأمين اللاجئين فى سنة ١٢٥٨ هـ (وتبدأ هذه السنة فى ١٢ فبراير سنة ١٨٤٢) عاد طوبال إلى إستانبول والتحق بالخدمة المدنية، فأصبح "قائمقام" إزمير، ثم "متصرف" قره سى وفى ذى القعدة من عام ١٢٦٥ (سبتمبر سنة ١٨٤٩) عين متصرفًا لبيغه فمتصرفًا لقبرص سنة ١٢٧١ هـ (تبدأ ٢٤ سبتمبر سنة ١٨٥٤) وفى سنة ١٢٧٣ هـ) تبدأ أول سبتمبر سنة ١٨٥٦) شخص إلى بلغراد محافظًا لها، ومنها ذهب فى الحادى عشر من رجب سنة ١٢٧٧ (٢٣ يناير سنة ١٨٦١) إلى سراييفو محافظًا للبوسنة والهرسك. ويمكن أن نصف ولايته هذه بأنها العصر الذهبى لتاريخ البوسنة فى عهد العثمانيين. وظل طوبال شاغلا لهذا المنصب تسع سنوات، وهى فترة لم يقضها من قبله أو من بعده محافظ إلا خسرو باشا؛ وصرف جل همه فى سلب نفوذ البكوات الأقوياء، فدعم بذلك سلطان الحكومة العثمانية، وكان سبيله إلى ذلك إقامة الأعيان البوسنويين فى المناصب العامة، فلم يلبثوا أن فقدوا جاههم الموروث ونفوذهم بين الناس، كما رفع من مركز الطبقة الوسطى، وخاصة أرباب الحرف وصغار التجار، واستغلهم فى مناهضة الأعيان. وسرعان ما اكتسب حب الأهلين بوصفه حامى العامة، وكادت "أيام الباشا العثمانى المجيدة" تذهب فى البوسنة مذهب الأمثال. وقد وجه طوبال عناية خاصة إلى الشباب فى المدارس فارتقت هذه المدارس فى عهد إدارته إلى درجة لم يكن يحلم بها أحد. وأقام طوبال فى سراييفو غرفة للمطالعة (قراءت خانة) ومدرسة عليا (رشدية) ومدرسة فنية لتدريب الموظفين (مكتب حقوق) علاوة على ما أقامه من مدارس عامة. وكان الهدف من إقامة هذه المنشآت صبغ أهل البوسنة بالصبغة الإستانبولية، أى تربيتهم تربية تجعلهم مواطنين عثمانيين مخلصين. ولم يكتف عثمان باشا بذلك بل لقد مد يد المعونة أيضًا للمؤسسات التربوية الخاصة بغير المسلمين وساعدها بمختلف السبل؛ وأمد مسجد غازى خسرو بمكتبة جليلة (حوالى ألفى مخطوط وكتاب). ومن
стр. 6872
أعظم خدماته إقامته مطبعة للولاية أصبحت تطبع فيها الكتب المدرسية علاوة على التقويم الرسمى (سالنامه بوسنه) والمجلتين الأسبوعيتين: بوسنه (وهى جريدة رسمية) وكلشن سراى (باللغة التركية، والصربية أيضًا بعنوان Sarajeviski cvjentnik). وقد سعى عثمان باشا منذ سنة ١٨٦٣ إلى تنظيم العلاقات بين ملاك الأرض ورقيق الأرض الذين كانوا فى معظم الأحوال من النصارى ويسمون الـ"كمت" وحقق لهم بعض الحماية القانونية التى تدرأ عنهم ظلم ملاك الأرض، فاكتسب بذلك حب الطبقات الدنيا واحترامها. على أن المحاولات التى بذلها لإلغاء العشور يستبدل بها ضريبة مباشرة على الأراضى لم تنجح من جراء معارضة الباب العالى لها. ودأب عثمان باشا على مد الطرق فى ولايته، واستخدم فى ذلك كل ما أتيح له من عمال. ويعود إليه الفضل فى إقامة عدد من الطرق الهامة فى داخل البوسنة، وغيرها من الطرق التى تربطها بالعالم الخارجى (مثل الطريق من ماكلاى إلى دونيا وتوزله وزفورنيك؛ والطريق من كرادشكا وبنالوقه وترافنيك ولفنو فى البوسنة ثم يعبر برولوك إلى دلماشيا؛ والطريق من سراييفو إلى مستار الذى أتمته وزارة الحرب سنة ١٨٦٤, والطريق الذى مد سنة ١٨٦٨ من تربنيه إلى راغوسة وغير ذلك).
وقد كان من الطبيعى أن يجاهد عثمان باشا دائمًا فى سبيل تجميل سراييفو التى كانت مقره الرسمى، فأقام فيها بيتًا خلاويًا فخمًا يعرف ببيت جنكيش الخلاوى، وهذا البيت لا يزال قائمًا؛ ودس له أعداؤه الكثيرون فى إستانبول، فصرف عن منصبه فى البوسنة فى رمضان سنة ١٢٨٥ (تبدأ فى ١٦ ديسمبر سنة ١٨٦٨)، ونقل واليًا على لستريا (دونا ولاية سى)، وخلفه المشير صفوت باشا على أن هذا التغيير ألغى فجأة، وعاد عثمان باشا إلى سراييفو وسط حماسة الشعب الصاخبة. ثم إن ولايته الثانية لهذا المنصب لم تدم طويلاء ذلك أن أعداءه فى إستانبول استطاعوا أن يقنعوا السلطان عبد العزيز الذى كانت تجوز عليه الغفلة بأن عثمان باشا قد أقام
стр. 6873
لنفسه قصرًا فى البوسنة، وأنه وقد تتلمذ من أول الأمر على محمد على باشا المتمرد، يطوى بين جوانحه أطماعًا تدفعه إلى الاستقلال عن الدولة العثمانية. وانتهى ذلك بأن استدعى عثمان باشا من البوسنة إلى غير رجعة فى ١٥ صفر سنة ١٢٨٦ (٢٧ مايو سنة ١٨٦٩)، وجرد من ضياعه وقصره، واعتكف الرجل فى استانبول يعيش من معاش قليل أجرى عليه، واعتزل الناس اعتزالا مخلدًا إلى بيت بسيط فى الريف يطل على البوسفور. وتوفى عثمان باشا هناك فى العاشر من جمادى الآخرة سنة ١٢٩١ (٢٦ يوليه سنة ١٨٧٤) ودفن فى استانبول خلف دار الصناعة "الترسانة".
ومن أبنائه رءوف باشا.
المصادر:
(١) Osman Pacha der Letzta grosse Wesier Bosniens: Josef-Koetschet سراييفو ١٩٠٩.
(٢) Zapamc enja: Fra Grga martic، ص ٤٣ وما بعدها.
(٣) سجل عثمانى، جـ ٣، ص ٤٤٩.
خورشيد [بابنكر F.Babinger]
الطور
١ - جبل الطور ، وقلما يقال طور سيناء، ويفسر الجغرافيون العرب هذا الاسم فيقولون إنه من أصل عبرى (أبو الفدا، طبعة Reinaud، ص ٦٩؛ القلقشندى، ترجمة فستنفلد فى Abh.G.W.Cott جـ ٢٥، ص ١٠٠؛ المقريزى: Geach d Kopten, ترجمة فستنفلد، المصدر المذكور، جـ ٣، ص ١١٣؛ ياقوت: المعجم، طبعة فستنفلد، جـ ٣، ٥٧)؛ وقد ورد ذكره مرة فى القرآن: "طور سنين" سورة التين، الآية ٢، (وقد جعله ابن الفقيه: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٥، ص ١٠٤: "طور سيناء"). وكان الجبل الذى يقوم غير بعيد من بحر القلزم (البحر الأحمر) يُرتقى من ناحية الأمن (إليم؟ ) حيث ضرب بنو إسرائيل مخيمهم مرة؛ وفى جوار جبل الطور وادى طوى، حيث كلم موسى اللَّه قبل أن يبعثه تعالى إلى فرعون (القرآن، سورة طه، الآية * ١١ سورة النازعات، الآية ١٦؛ ياقوت: المعجم، جـ ٣، ص ٥٥٣؛
стр. 6874
صفى الدين: مراصد الإطلاع، طبعة Juynbol, جـ ٢، ص ٢١٣).
ويقوم دير سانت كاترين على الجانب الشمالى من الجبل (الآن جبل موسى) فى الوادى الذى يعرف فى الوقت الحاضر بجبل شعيب، على ارتفاع ٥٠٠٠ قدم، وهذا الدير بُنى فى موضع الحصن الذى شيده يوستنيانوس الأول بين عامى ٥٤٨ و ٥٩٢ م على الأرجح (: Bull. de Corresp. Hellen: Gregoire ص ٣٢٧ - ٣٣٤) ليكفل الحماية لرهبان سيناء (Procopius: جـ ٥ ص ٨، طبعة Haury جـ ٣/ ٢، ص ١٦٨ وما بعدها؛ يوتيخيوس: الحوليات فى Corp. Script. Christ. Orient, السلسلة الثالثة، جـ ٦، ص ٢٠٢ - ٤٠٤. ويذكر "كتاب الديارات" للشابشتى (نقل عنه ياقوت: المعجم، جـ ٢، ص ٦٧٥؛ صفى الدين: مراصد الإطلاع، جـ ١، ص ٤٣٤) أن كنيسة الطور (ويكتب ياقوت فى كتابه المذكور "دير" بدلا من كنيسة) كانت تقوم فوق قمة الجبل، وقد بنيت بالحجر الأسود وحصنت تحصينا منيعًا، وبخارجها عين وبداخلها عين؛ وكان يقيم فيها رهبان ويزورها خلق كثيرون لما يحدث فيها من كرامات (Abh. pr. Ak. W. Sachau سنة ١٩١٩، شكل ١٠، ص ٢١). وفى هذا الوصف خلط بين الكنيسة النصرانية للعذراء مريم (. . .) التى شيدها أيضًا يوستنيانوس على جانب الجبل فى الموضع التى تقوم عليه الآن بيعة إلياس (انظر ما يلى) على الأرجح، وبين الدير الذى يقوم عند سفح الجبل.
وفى حوزة رهبان الدير نسخة من رسالة تنسب للنبى [ ﷺ ] تؤمنهم على حياتهم (Description of the East: Pococke, جـ ١، ص ٢٦٨ - ٢٧٠؛ Ably. Pr. AK.W: Moritz، سنة ١٩١٨ مجلد ٤، ص ٦ - ٨؛ انظر رسالة من هذا القبيل تؤمن القبط على حياتهم، وقد نشرها M.V.A.G.: G.Graf جـ ٢٢، ص ١٨١ - ١٩٣؛ Moritz: كتابه المذكور، ص ٢١ - ٢٣) وعدد من الوثائق الصحيحة من عهود السلاطين: إينال وخشقدم وقايتباى (Moritz: كتابه المذكور
стр. 6875
ص ٢٥ وما بعدها) وهى تتناول فى جوهرها تأمين الرهبان النصارى من غارات البدو النهابين على الأرض المجاورة للدير، ولكن هؤلاء الرهبان كانوا فيما يظهر يعدون هذه الغارة مجرد تهديد فارغ، لأن عهود الأمان قد جددت كثيرًا (أصدر قايتباى ما لا يقل عن اثنين وعشرين فرمانا فى عهده الذى دام ثلاثين عامًا) وقد اقتحم الدير عدة مرات وأحرق وسرقت بساتينه، وسلب الحجاج والتجار، بل لقد اضطر الرهبان إلى الالتجاء إلى دير قرية الطور (انظر ما يلى؛ Moritz: كتابه المذكور، ص ٢٨).
وفى داخل الدير "بين الكنيسة والمساكن القائمة فى الجناح الشمالى للمبانى" لا يزال يقوم مسجد ورد فى نقش به أن محرابه أهداه إلى المسجد أبو على المنصور أنوشتكين الآمرى فى غرة ربيع سنة ٥٠٠ (نوفمبر ١١٠٦) على عهد الخليفة الآمر بأحكام اللَّه (Moritz ص ٥٠ - ٥٢)، وقد أطلق هذا النقش على دير سيناء "والدير الأعلى" تمييزًا له عن ديرى الطور (Pai Oau) وفاران. وجاء فى نقش آخر أن أنوشتكين هذا شيد ثلاثة مساجد فوق مناجاة موسى، مسجد على تل دير فاران، ومسجد أسفل فاران الجديدة، ومنار على الساحل. ولا شك أن المقصود بمناجاة موسى هو جبل سيناء المأثور الذى يعرف الآن بجبل موسى (Mnritz: كتابه المذكور، ص ٥٤)، وإنما استعير ذلك الاسم فى القرن الرابع عشر فأطلق على تل صغير شرقى دير سانت كاترين يعرف فى الوقت الحاضر بجبل المناجاة مثله مثل تل آخر بالقرب من فيران؛ ومن هذه المساجد الثلاثة اثنان فقط يمكن أن يكونا قد قاما على قمة جبل الطور، وهما كنيسة النصارى التى شيدها سانت يوليان سنة ٣٦٤ م، ومسجد صغير ذكره الإدريسى أيضًا. أما المسجد الثالث فلا شك أنه يقوم على هضبة صغيرة أسفل قمة الجبل مسافة ٥٠٠ قدم، وتقوم عليها الآن بيعة إلياس التى بنيت فى تاريخ متأخر عن ذلك، وربما استدللنا على المسجد القائم على "جبل دير فاران" فوق جبل المُحَرث، وعلى مسجد فاران الجديدة فى واحة فيران التى سكن بساتينها أهل فاران "مدينة العمالقة" (المقريزى: الخطط،
стр. 6876
بولاق جـ ١، ص ١٨٨. Moritz: (كتابه المذكور، ص ٥٦) ويذهب موريتز (كتابه المذكور، ص ٥٧) إلى أن المنار كان قائمًا عند مدخل وادى فيران فى البحر، وكان هناك مرسى تافه الشأن.
وجاء فى الوصف السريانى للأقاليم السبعة، وهو وصف يرجع إلى القرن الثالث عشر الميلادى، أن جبل سيناء (طورا ده سيناى) كان يتوسط الخريطة الهلالية فى الإقليم الثانى (Notice sur une mappemonde Syrienne: Chabot فى Bulletin de geogr. hist. et descript، سنة ١٨٩٧، ص ١٠٤ لوحة ٤).
والرواية التى تقول إن السلطان سليما الأول زار سيناء فى حملته على مصر رواية موضوعة، ذلك أنه لم يرد ذكر لهذه الرواية لا فى جريدة سليم ولا فى كتاب ابن إياس (Moritz: كتابه المذكور، ص ٥، تعليق ١).
وتقوم بلدة الطور الصغيرة إلى الجنوب الغربى من جبل موسى على خليج السويس وعلى مسيرة خمسين ميلا من رأس محمد، وهو الطرف الجنوبى الأقصى لشبه جزيرة سيناء. ويربط هذه البلدة بدير سانت كاترين خط من القوافل منتظم، ويقيم فيها عادة بعض رهبان الدير (La Presqu'ile du Sinai: Weil, سنة ١٩٠٨، ص ٨٢)، وهى تقوم على البقعة الوحيدة على الساحل الغربى لشبه الجزيرة التى تخلو تمامًا من الشعاب المرجانية، ومن ثم نجد فيها مرسى للسفن. ثم إن الطور تزود بالماء على خير وجه، وتمتد فى جوارها حراج النخيل، ولذلك كانت، ولم تزل، أهم ثغر فى شبه الجزيرة؛ وكانت تعرف فى القديم باسم Agatharchides) Iloo ٣ tolov فى Strabo جـ ١٦، ص ٧٧٦؛ Diodorus، جـ ٣ ص ٤٢) ثم سميث من بعد: (نسبة إلى القبيلة العربية فى Sudiac)، ولعل الدير القائم هناك يرجع إلى العصر السابق للعصر العربى.
ولقد كان القلقشندى يعلم بالفعل أن الطور كانت أهم ثغر مصرى لسفن الحجيج إلى مكة حتى سنة ٤٥٠ هـ (١٠٤٧ م) وهنالك حلت محلهما مدينة
стр. 6877
عيذاب ولم يصلح ثغر الطور إلا سنة ٧٨٠ هـ (١٣٧٨ - ١٣٧٩ م) ومن ثم عاد الحجاج إلى اتخاذ الطريق الشمالى (Weil: كتابه المذكور، ص ٩٢ - ١٩٤). ولما اكتشف البرتغاليون الطريق البحرى إلى الهند فقدت الطور قيمتها شيئا فشيئًا، وغدت قرية من قرى صيادى السمك وحسب، وظلت على هذه الحال حتى أقيم فيها فى النصف الثانى من القرن الثامن عشر محطة للحجر الصحى يحتجز فيها الحجاج العائدون من مكة فعادت إلى الازدهار. وقد شيد السلطان مراد حصن قلعة الطور قرب الدير القديم، ولكن الحصن والدير أصبحا الآن خرابا يبابا.
المصادر:
(١) المقدسى: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٣، ص ١٧٩.
(٢) أبو الفدا، طبعة Reinaud، ص ٦٩.
(٣) الإدريسى، طبعة Cildmeister فى Z.D.P.V جـ ٨ ص ٢.
(٤) ياقوت: المعجم، طبعة فستنفلد، جـ ٣، ص ٥٧٧.
(٥) صفى الدين: مراصد الاطلاع، طبعة Juynboll، جـ ٢، ص ٢١٤.
(٦) كتاب الكواكب، طبعة ابن الزيات، القاهرة ١٩٠٧، ص ١٢.
(٧) المقريزى: الخطط، بولاق، جـ ٢، ص ٥٠٩ وما بعدها.
(٨) الدمشقى، طبعة Mehern، ص ٢٣١.
(٩) ابن دقماق: Description de L'Egypte، طبعة دار الكتب المصرية، القاهرة ١٨٩٣، جـ ٥، ص ٤٣.
(١٠) القلقشندى Die Geographic u. Venvaltung uon Agypten، ترجمة فستنفلد كوتنكن ١٨٧٩، ص ١٠٠، ١٦٩ وما بعدها.
(١١) Histoire des Sultons Mamlouks: Quatrmere، ١٨٩٠، ص ٧٣، ٥٤٧.
(١٢) Palestine under the Moslems: Le Strange، ١٨٩٠، ص ٧٣، ٥٤٧.
(١٣) R. Well: La Presqu'ile du Sinai فى (Biblioth. de l'ecole d. haut
стр. 6878
etudes الكراسة ١٧١) باريس ١٩٠٨، ص ٩٣ وما بعدها. وفى مواضع أخرى.
(١٤) Materaux pour servir a'la geor de l'Egypt: Maspero Wiet, جـ ١ (M.I.E.F.A.O) جـ ٣٦، ص ١٢٢، مادة الطور ومادة طور سيناء.
٢ - طور زيتا أو جبل زيتا ، أى جبل الزيتون شرق بيت المقدس وما زال يعرف بجبل الطور. وتقول الروايات إن سبعين ألف نبى ماتوا هناك جوعا حيث دفنوا، وجاء فى رواية قديمة أن صعود المسيح كان من جبل الزيتون.
وكان يمتد بين هذا الجبل وبلدة الطور وادى جهنم Vale of Cedron (ويعرف الآن بوادى ستى مريم وبه عين سلوام التى تعرف فى العربية بعين سُلوان) الذى يقوم فوقه جسر السراط، وتقوم قرية كفر الطور فى الوقت الحاضر على الجيل.
المصادر:
(١) ياقوت: المعجم، طبعة فستنفلد، جـ ٣، ص ٥٥٨.
(٢) صفى الدين: مراصد الاطلاع، طبعة Juynboll, جـ ٢، ص ٢١٥.
(٣) ابن الفقيه: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٥، ص ١٠١ (٣) أبو الفدا، طبعة Reinaud، ص ٦٩.
(٤) الإدريسى: طبعة Gildmeister، فى Z.D.P.V، جـ ٨، ص ٨.
(٥) المقدسى: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٣، ص ١٧١ وما بعدها.
(٦) ابن بطوطة، طبعة Defremery Sanguinetti، جـ ١ ص ١٢٤.
(٧) ناصر خسرو، طبعة شفر، ص ٢٦.
(٨) مجير الدين، طبعة بولاق ١٢٨٣ هـ، ص ٤١٢.
(٩) Le Strange: Palestine under the Moslems، ١٨٩٠، ص ٧٢، ٧٤، ١٦٢، ٢١١، ٢١٨ - ٢٢٠.
٣ - الطور أى جبل تابور (وما زال يعرف بجبل الطور)، ويقوم على هذا
стр. 6879
الجبل دير الطور أو دير التجلى عند البقعة التى تجلى فيها المسيح لحوارييه؛ وفى أيام الحروب الصليبية كان يقوم على قمته حصن استولى عليه صلاح الدين، ورممه الملك العادل سنة ٦٠٨ هـ (١٢١٢ م)، وقد حاول الصليبيون أن يستردوه سنة ٦١٤ هـ (١٢١٧ م) فلم يفوزوا بطائل. وفى جمادى الآخرة سنة ٦٦١ هـ (١٢٦٣ م) استخدم بيبرس الحصن قاعدة حربية يشن منها حملاته على عكا.
المصادر:
(١) ياقوت: المعجم، طبعة فستنفلد، جـ ٢، ص ٦٩٤، ٦٧٥.
(٢) صفى الدين: مراصد الأطلاع، طبعة JuynbolI، جـ ١، ص ٤٢٦، ٤٣٤.
(٣) أبو الفدا، طبعة Reinaud، ص ٦٩.
(٤) Geschichte der chalifen: Weil جـ ٣، ص ٤٣٨، ٤٤٠؛ جـ ٤ ص ٤٦ وما بعدها.
(٥) Palestin und the Moslems: Le Strange، ص ٧٥، ٤٣٤، وما بعدها.
(٦) La Syrie a L'epoque de mameluks: Gaudefroy-Demombynes، باريس ١٩٢٣، ص ١٢٤، تعليق ٤.
٤ - الطور ، أى جبل جرزيم (٣٠٠٠ قدم) ويشرف على نابلس، وهو الجبل المقدس عند السامرة، تجعله الرواية اليهودية مشهد تضحية إسحق. ويعرف هذا الجبل بجبل الطور أو الجبل القبلى تمييزًا له عن الجبل الشمالى أو جبل إسلاميه (إبل) إلى الشمال من البلدة.
المصادر:
(١) ياقوت: المعجم، طبعة فستنفلد، جـ ٣، ص ٥٥٧.
(٢) صفى الدين: مراصد الاطلاع، طبعة Juynboll، جـ ٢، ص ٢١٤.
(٣) Palestine under the Moslems: Le Strange، ص ٧٤.
٥ - طور هرون أو جبل هور (٥٦٠٠ قدم) غربى بطرة، وقد نسب إلى هرون الذى دفن هناك فى قول رواية قديمة (Archaiol: Josephus جـ ٤، ص ٧، ٤).
стр. 6880
ولما رمى بنو إسرائيل موسى بجريرة قتله، أطلعهم فوق الجبل على التابوت الذى رقد فيه هرون. ويسمى المسعودى الجبل مآب فى ناحية الشراة، ويذكر أيضًا الكهوف الكائنة بالجبل. ويقوم قبر هرون على القمة الشرقية لجبل النبى هرون (٥٢٠٠ قدم)، وما زال البدو يزورونه.
المصادر:
(١) ياقوت: المعجم، طبعة فستنفلد، جـ ٣، ص ٥٥٩.
(٢) صفى الدين: مراصد الاطلاع، طبعة JuynbolI، جـ ٢، ص ٢١٥.
(٣) المسعودى: مروج الذهب، طبعة باريس جـ ١، ص ٩٤.
(٤) Travels in Syria and the Holy Land: Burckhardt، لندن ١٨٢٢، ص ٤٢٩ وما بعدها.
(٥) Le strange palestine under the Moslems، ص ٧٤.
(٦) Petra: Dalman، ١٩٠٨، ص ١٥ وما بعدها، ٤٢، ١٦٨.
(٧) المؤلف نفسه: Neue Petra Forschungne، ١٩١٢، ص ٢، ٨، ٢٦.
خورشيد [هونكمان E.Honigmann]
طورانشاه
ابن أيوب الملك المعظم شمس الدولة فخر الدين، مؤسس الدولة الأيوبية فى اليمن. ولد شمس الدولة فى أوائل رجب سنة ٥٦٩ (فبراير ١١٧٤)، وكانت وفاة العاضد -آخر السلاطين الفاطميين قبل ذلك بسنتين- قد مكّنت صلاح الدين من أن يصبع رسميًا أميرًا على مصر، وهنالك غدت تبعية صلاح الدين للأتابك نور الدين بن زنكى أمرًا شاذًا يؤذن بأن تنتهى هذه العلاقة بالحرب، ولم يكن قد تم بعد إخضاع الملك أملريخ صاحب بيت المقدس الذى كان صلاح الدين يقاتله، وكان صليبيو الكرك والشوبك ينوشون الطرق الموصلة إلى مصر. أما أن يختار صلاح الدين مثل هذا الوقت لغزو اليمن فأمر مشهود لا تعلله كل التعليل الأسباب
стр. 6881
الدينية التى أغرته بشن هذه الحرب، ألا وهى طرد المهدى الخارجى من زبيد، وطرد بنى كرم الشيعيين من عدن، وكان هؤلاء قد دخلوا رسميًا فى زمرة طبقة الفاطميين أصحاب السلطان. ومن الدلائل المشهودة على نفاذ بصيرة صلاح الدين أنه رغب فى أن يمكن لنفسه فى ولاية يستطيع أن يلجأ إليها إذا دهمته أزمة طارئة. وكانت الظروف العامة تشير إلى أن ذلك لا يتأتى له إلا فى الجنوب، وهى الجهة الوحيدة التى يستطيع منها أن يستغل جنوده، ذلك أنه لو شاء أن يتجنب قيام عداء سافر بينه وبين نور الدين، فإن خير سبيل كان يمكن أن ينهجه لتحقيق ذلك هو أن يترك سلطان الفرنجة قائمًا فى فلسطين حتى يكون دريئة له أمام نور الدين وقتذاك. وكان قد أنفذ قبل ذلك بسنة واحدة إلى بلاد النوبة أخًا عالى السن من إخوته الخمسة هو طورانشاه، وكانت الشائعات قد ربطت بينه وبين مقتل آخر السلاطين الفاطميين. على أن طورانشاه لم يكن يرى أن اليمن تساوى ما يبذل فى سبيل غزوها من مشقة ومال. وكانت العلاقات المكينة القديمة التى ربطت بين مصر والأراضى المقدسة قد لفتت آئنذ أنظار صلاح الدين إلى شبه الجزيرة العربية التى كان قد استولى بالفعل سنة ٥٦٦ هـ (١١٧١ م) على المنفذ الشمالى لها ونعنى به ثغر أيلة. ومن ثم بعث بطورانشاه إلى اليمن فاستولى على زبيد فى شوال من سنة ٥٦٦ هـ (مايو ١١٧٤ م)، وعلى عدن فى السنة نفسها، وفى السنة التالية طرد من صنعاء على ابن حاتم الوحيد الحمدانى الذى كانت مقاومته قد وهنت بفعل الغارات المتصلة التى كان يشنها عليه الإمام أحمد بن سليمان الزيدى صاحب صعدة، ومع ذلك فإن طورانشاه لم يحس بالارتياح فى بلاد لا يسقط فيها الثلج أبدًا ولا يجد فيها ما يشتهيه من فاكهة، واستطاع طورانشاه بما عمد إليه من اعتراضات ملحة على بقائه فى هذه البلاد أن ينال موافقة صلاح الدين على نقله منها، فنقل إلى الشام سنة ٥٧١ هـ، وكانت قد آلت إلى صلاح الدين فى هذه الأثناء عقب وفاة نور الدين. وقضى طورانشاه
стр. 6882
ثلاث سنوات فى دمشق واليًا على الشام، ثم نقله أخوه صلاح الدين إلى الإسكندرية حيث توفى غرة صفر سنة ٥٧٦ هـ (٢٧ يونيه سنة ١١٨٠ م).
ولم تكن حياة طورانشاه العملية بالحياة التافهة الشأن، غير أن صلاح الدين كان المحرك له دائمًا؛ ثم إنه كان رجلا يحب الاستمتاع بالحياة، وكان قد جمع ثروة كبيرة وهو بعد مقيم فى مصر، وعاد من حملة النوبة بعدد كبير من الأرقاء، ومن بينهم رئيس أساقفة النصارى. وكان قد أقطع قبل حملة اليمن إقطاعات كبيرة من إقطاعات الأسرة القديمة فى بعلبك، وخلع عليه أخوه ضياعا غنية فى اليمن؛ فلما غادر طورانشاه اليمن كان همه الأكبر منصرفًا إلى استحثاث ممثله هناك على موافاته بمواردها. وعلى الرغم من ذلك فقد خلف هذا الرجل الذى كان يتمتع بكل هذه الضياع ديونًا قدرها ٢٠٠.٠٠٠ دينار سددها أخوه. وكان طورانشاه دائم الحنين إلى الشام وقد حملت أخته ست الشام زمرد جثمانه إلى دمشق، ودفن فى المدرسة التى أقامتها هى هناك.
وكان الغزو الأيوبى لليمن عظيم الأثر فيها، فقد اجتمع شمل ولاياتها الثلاث وتوحدت فى قوة كبيرة، وبلغ الاحتلال الأيوبى غايته تماما. صحيح إن آخر الأسرة الحمدانية استطاع أن يلود بالهضاب؛ إلا أن آخر المهديين عبد النبى، وأخويه وآخر حاكم من حكام بنى كرم الأصليين وكبير الحجاب ياسر، قتلوا بأمر من طورانشاه بعد استسلامهم له بفترة وجيزة، ولم يكن من المقدور أن يجتمع شمل البلاد المفتوحة فى يد الأيوبيين إثر مغادرة طورانشاه لليمن فى أعقاب فتحها، ولذلك نشبت الفتن الخطيرة دفعة واحدة. ولم يستتب الحكم للأيوبيين إلى حد كبير إلا بعد أن أنفذ إليها صلاح أخاه طغتكين سيف الإسلام فأقام بها من سنة ٥٧٨ إلى ٥٩٣ هـ (١١٨٢ - ١١٩٦ م). وخلف طغتكين ابناه: معز الدين إسماعيل حتى سنة ٥٩٨ هـ (١٢٠١ م) والناصر أيوب سنة
стр. 6883
٦١١ هـ (١٢١٤ م). وقد اغتيل الاثنان. وفى سنة ٦١٢ هـ (١٢١٥ م) أنفذ رأس الأسرة الأيوبية العادل سيف الإسلام أبو بكر أخو صلاح الدين، حفيده المسعود يوسف إلى اليمن. وكان الانحلال التدريجى الذى فتت أواصر الأسرة الأيوبية قد تمثل قبيل ذلك فى شخص حفيد أخى صلاح الدين نور الدين شاهنشاه الملقب بالمظفر سليمان، فقد مكن هذا الأمير لنفسه فى اليمن حين استنجد به أخو الناصر، وحل فيها صوفيا يلوذ به أتباع من المتصوفة. وكان قد أقبل على البلاد وقت أن قدم إليها طورانشاه خمسة إخوة من أسرة بنى رسول، وسرعان ما أصبح لهم شأن عظيم، إذ غدوا أصحاب مشورة لا غنى عنهم وملاكا من أصحاب الثروات فى البلاد، وانحاز على بن رسول إلى يوسف فى القتال الذى نشب بينه، وبين سليمان، فتحقق الظفر ليوسف، وغزا الحجاز باسمه، وأقيم واليًا على مكة سنة ٦١٩ هـ (١٢٢٢ م): وأتخذ ابنه عمر بعد وفاة الأمير يوسف الضعيف سنة ٦٢٦ هـ (١٢٢٨ م) لقب المنصور وأقام دولة بنى رسول التى حكمت اليمن نيفا وقرنين من الزمان بوصفها أسرة من أهل البلاد، بعد أن دام الحكم الأيوبى نصف قرن وحسب.
المصادر:
(١) ابن الأثير طبعة تورنبرغ، جـ ١١، ص ٢٦٠ وما بعدها، الفهرس.
(٢) ابن خلكان طبعة بولاق سنة ١٢٩٩ هـ، جـ ١، ص ١٢٣ وما بعدها (طبعة ده ساون، جـ ٢، ص ٢٨٤).
(٣) الخزرجى: العقود العلوية (سلسلة كب التذكارية، جـ ٤، ص ٢٦ وما بعدها).
(٤) The Mohammedan Dynastie: Lane-Poole، سنة ١٨٩٤، ص ٩٨.
(٥) Manuel de ge ale genealogie et e Chronologie: Von Zambaur، هانوفر سنة ١٩٢٧ ص ٩٨.
خورشيد [شتروتمان R.Strothmann]
стр. 6884
الطوسى
محمد بن الحسن بن على أبو جعفر، ولد بطوس فى رمضان سنة ٣٨٤ هـ (٩٩٥ م). وتلقى دروسه الأولى فى مسقط رأسه، ثم شخص إلى بغداد سنة ٤٠٨ هـ (١٠١٧ م)، وفيها أخذ على الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان البغدادى المتوفى سنة ٤١٣ هـ (١٠٢٢ م). فلما توفى المفيد لزم الطوسى السيد المرتضى (أبو القاسم على بن الحسين المتوفى سنة ٤٣٦ هـ = ١٠٤٤ م)، وظل يصحبه ويأخذ عليه حوالى اثنتين وعشرين سنة. ومضى يقيم فى بغداد بعد وفاة السيد المرتضى إثنى عشر عاما. وبذل غاية وسعه فى نشر تعاليم الشيعة. وقد شكاه أعداؤه مرة إلى الخليفة القائم (٤٢٢ - ٤٦٧ هـ = ١٠٣١ - ١٠٧٥ م) متهمينه بأنه يكره الخلفاء الثلاثة الراشدين أبا بكر وعمر وعثمان وعززوا اتهامهم بشواهد من مؤلفه "كتاب المصباح" ودعى إلى حضرة الخليفة وشرح هذه الشواهد شرحًا أقنع الخليفة بأنه لا يقصد أى تجريح لعقائد أهل السنة، ومن ثم لم تفرض عليه أية عقوبة. على أن الجمهور ازداد سخطه عنفا فأحرقت داره آخر الأمر حتى غدت رمادًا سنة ٤٨٨ هـ (١٠٥٦ م). وغادر الطوسى بغداد فى هذه السنة وانتقل إلى النجف حيث قضى بقية عمره، ويعد الطوسى أكبر فقهاء الشيعة، واشتهر عامة بشيخ الطريقة، ويقال الشيخ وحسب. وتوفى فى رواية معظم أصحاب كتب التراجم فى النجف سنة ٤٦٠ هـ (١٠٦٧ م) أو سنة ٤٥٨ هـ (١٠٦٥ م) فى قول بعض الروايات. ويعد كتابان من كتبه وهما: "تهذيب الأحكام" و"الاستبصار" من "الكتب الأربعة" التى يوقرها الشيعة أعظم التوقير. وللطوسى عدة مصنفات أورد قائمة بها فى مؤلفه: "فهرست كتب الشيعة" (Bibliotheca hidica ص ٢٨٥).
ومن أشهر كتبه ما يلى: -
(١) "كتاب تهذيب الأحكام" فى الحديث على مذهب الشيعة، وقد طبع على الحجر بطهران فى مجلدين.
(٢) "كتاب الاستبصار فيما اختلف فيه من الأخبار" وهو أيضا فى الحديث
стр. 6885
والكتاب الأول موسع شامل يحتوى على كل أبواب الحديث، أما الثانى فلا يتناول إلا الأحاديث المختلف فيها، وقد طبع على الحجر فى لكهنو سنة ١٠٣٧ هـ وطهران سنة ١٣٢٢ هـ.
(٣) "كتاب المبسوط" وهو ملخص فى الفقه الإسلامى على مذهب الشيعة، وقد طبع على الحجر فى طهران سنة ١٢٧١ هـ.
(٤) "النهاية فى الفقه"، وهو مختصر فى الفقه الإسلامى على مذهب الشيعة، وقد طبع على الحجر مع مجموعة من الرسائل فى الموضوع نفسه بعنوان "المجموعة الفقهية" فى طهران سنة ١٢٧٦ هـ.
(٥) "فهرست كتب الشيعة" وهو فهرس بكتب الشيعة، طبع فى المكتبة الهندية، سنة ١٨٤٨ م.
(٦) "دعاء الجوشن الكبير" وهو كتاب فى الدعوات المنسوبة إلى الإمام على زين العابدين المتوفى سنة ٩٤ هـ "وأنتقلت منه إلى صاحب الكتاب" وقد طبع على الحجر فى لكهنو مع ترجمة فارسية بين السطور.
(٧) "دعاء الجوشن الصغير" وهو كتاب آخر فى الدعوات المنسوبة إلى الإمام موسى القائم المتوفى سنة ١٨٣ هـ، "وأنتقلت منه إلى صاحب الكتاب"، وقد طبع على الحجر فى لكهنو سنة ١٢٨٨ مع ترجمة بالهندوستانية بين السطور.
(٨) "كتاب الفصول فى الأصول" وهو رسالة فى الأصول على مذهب الشيعة.
(٩) "مصباح المتهجد الكبير" فى عمل السنة والعبادات المرعية خلال السنة. وقد اختصر الطوسى هذا الكتاب وسماه "مصباح المتهجد الصغير".
(١٠) "كتاب الحل والعقد" وهو فى العبادات بعامة والصلاة بخاصة.
(١١) "كتاب التبيان فى تفسير القرآن" وهو تفسير كبير للقرآن فى عشرين مجلدا.
(١٢) "عدة الأصول" وهو فى الأصول وقد طبع على الحجر فى طهران.
стр. 6886
(١٣) "الأمالى فى الأحاديث"، وهو فى الحديث، وقد طبع على الحجر فى طهران.
المصادر:
(١) النجاشى: الرجال، ص ٢٨٧.
(٢) منتهى المقال، ص ٢٦٩.
(٣) روضات الجنّات، ص ٥٨٠ - ٥٩٠.
(٤) قصص العلماء، ص ٣١٢
(٥) شذور العقيان، جـ ٢، الأوراق ١١٦ - ١٢٠.
(٦) محمد هدايت حسين: فهرس المخطوطات العربية فى مكتبة بوهار، جـ ٢، ص ٥٤.
(٧) Gesch. d. Arab. Lit.: Brockelmann، جـ ١، ص ٤٠٥.
خورشيد [محمد هدايت حسين]
الطوسى
نصير الدين أبو جعفر محمد بن الحسن: فلكى، وإخبارى متعدد الجوانب، وسياسى شيعى، عاش أيام الفتح المغولى؛ ولد بطوس فى الحادى عشر من جمادى الأولى سنة ٥٩٧ (١٨ فبراير سنة ١٢٠١). وتوفى ببغداد فى الثامن عشر من ذى الحجة سنة ٦٧٢ هـ (٢٦ يونية سنة ١٢٧٤ م).
بدأ نصير الدين حياته العملية فلكيا للوالى الإسماعيلى نصير الدين عبد الرحمن بن أبى منصور فى سرتخت. وانفضح سعى نصير الدين فى الأنتقال إلى بلاط الخليفة، فوضع تحت الرقابة فى سرتخت ثم فى الموت، مع السماح له بالبقاء فى منصبه والمضى فى أبحاثه لا يعوقه عائق. وفى سنة ٦٥٤ هـ (١٢٥٦ م) أفلح فى أن يوقع ركن الدين خورشاه رأس الحشاشين فى يد هولاكو، ثم صحب هولاكو فى غزو بغداد، وأقام بأمره مرصدا فى مراغة، وأصبح وزيرا وناظرًا للأوقاف، ومضى يشغل منصبه العظيم الجاه فى عهد أباقا بلا انقطاع حتى أدركته منيته.
وقد تحدد مذهب الطوسى السياسى بتحيزه الشديد للإثنى عشرية مما بوأه مقعد الزعامة للأقلية الشيعية الإيرانية بفضل مواهبه وتفننه فى علوم جمة،
стр. 6887
وجعله ينصر المغول على الخلافة، وتمكن بشفاعته من أن يعامل الشيعة بشئ من الرحمة فى أتون الدمار الذى أنزله المغول بالبلاد الإسلامية وأن تبقى مزاراتهم المقدسة فى جنوبى أرض الجزيرة بمنجاة من الهلاك. ومن تواليفه (٥٦ عنوان كتاب ذكرها بروكلمان فى كتابه تاريخ الأدب العربى، جـ ١، ص ٥٠٨ وما بعدها؛ وانظر أيضا Nallino فى Oriente Moderno، جـ ٨، ص ٤٣ وما بعدها) رسالتان فى العقائد يقدرهما إخوانه فى الدين حق قدرهما ولهما شروح كثيرة، وهما: "تجريد العقائد" (طهران، طبعة غير مؤرخة) و"قواعد العقائد" (طهران ١٣٠٥ هـ وعليها شرح تلميذه ابن المطهر). وقد شرحت نظرية الأثنى عشرية فى الإمامة شرحًا محكمًا واضحًا كذلك بكتابه "الفصول" فى الغيبيات الذى ألفه بالفارسية (انظر النسخة العربية وعليها تعليقات، مخطوطة ببرلين، رقم ١٧٧٠، الأوراق ١٣٨ ب وما بعدها). أما أقوال الطوسى فى المنطق والفلسفة فقد تفرقت فى كتاباته العقائدية التى تعد مقدمة تقليدية لكلامه عن العقائد التى استقيت فى جوهرها من روايات الشيعة، وهى تنتمى إلى مدرسة ابن سينا، فقد كتب شرحا للإشارات" والتنبيهات لابن سينا اسمة (حل مشكلات الإشارات)، (لكهنو سنة ١٢٩٣ هـ)، وفيه يرد على نقد فخر الدين الرازى لابن سينا، كما كتب أيضا فى الرد على كتاب الرازى "محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين" الشرح النقدى: "تلخيص محصل. . . " (فى ذيل كتاب المحصل، القاهرة سنة ١٣٢٣ هـ). وكذلك ظل الطوسى شيعيًا عميق الإيمان بمذهب الشيعة فى كتابه فى التصوف: "أوصاف الأشراف" (طهران سنة ١٣٢٠ هـ) الذى كتبه بالفارسية، كما أن صوفيته وتوقيره للحلاج يميزانه عن معظم إخوانه فى الدين. وقد كتب الطوسى فى الفقه عن أحكام الوراثة؛ وبقى من كتبه فى العلوم الخفية: "كتاب الرمل" (ميونخ، مخطوطة عربية، رقم ٨٨٠). وأهدى الطوسى إلى مولاه وهو بعد فى سرتخت كتابا فى الأدب عنوانه: "أخلاق ناصرى" وما زال هذا الكتاب
стр. 6888
يعاد طبعه كثيرا (لاهور سنة ١٢٦٥ هـ؛ بومباى سنة ١٢٦٧ وغير ذلك من الطبعات) ويظهر فيه تأثره بابن مسكويه. وولاء الطوسى للمذهب الذى تقول به فرقته لم يقطع صلته بالآخرين، فقد ناقش المسائل العلمية كتابة مع جلال الدين الرومى، وشفاها مع نجم الدين الكاتب (G.A.L، جـ ١، ص ٤٦٦) وكان يعمل فى البلاط مع الأخوين الملقبين بالجوينى فإلى المؤرخ علاء الدين الجوينى أهدى كتابه "تلخيص المحصل"، وإلى الأخ الثانى صاحب ديوان شمس الدين أهدى كتابه "أوصاف الأشراف". وهو يدين بشهرته خارج دوائر الشيعة إلى كتبه وأبحاثه فى العلوم الخالصة: الطب، والرياضيات، وخاصة علم الفلك.
المصادر:
(١) مصطفى التفريشى: نقد الرجال، طهران سنة ١٣١٨ هـ، ص ٣٣١
(٢) نور اللَّه المرعشى الششترى: مجالس المؤمنين، طهران سنة ١٢٦٨ هـ المجلس السابع
(٣) الحر العاملى: عمل العامل فى ذكر علماء جبل العامل، طهران سنة ١٣٠٦ هـ، ص ٥٠٦
(٤) محمد باقر الخوانسارى: روضات الجنات، طهران سنة ١٣٠٦ هـ، ، جـ ٤، ص ٦٦ وما بعدها
(٥) الوصاف: تجزيات الأمصار، بومباى سنة ١٢٦٩ هـ، طبعة هامز بور كستال، فينا سنة ١٨٣٦
(٦) رشيد الدين فضل اللَّه: جامع التواريخ = Hist. des Monnols de la Perse: Quartremere، باريس ١٨٣٦.
(٧) محمد باقر المجلسى: بحار الأنوار، جـ ١٥، طهران سنة ١٣١٥ هـ، جـ ١، ص ٤
(٨) إعجاز حسين الكنتورى: كشف المحجوب والأستار عن الكتب أسفار (المكتبة الهندية، السلسلة الجديدة، رقم ١٤٠٣، عنواين كتب مرتبة على حروف الهجاء)
(٩) ابن شاكر: فوات الوفيات، بولاق سنة ١٢٩٩ هـ، جـ ٢، ص ١٤٩.
стр. 6889
(١٠) خواندمير: حبيب السير، بومباى سنة ١٨٥٧، جـ ٢، ص ٨٠؛ جـ ٣، ص ٥٤
(١١) إبراهام ابن صموئيل زوكوتو؛ سيفر يوخسين، كراكاو سنة ١٥٨١، ص ١٥٢
(١٢) Thesaurus temporum Eusebii Pamphili Chronicorum Cananum: J. Scaliger ليدن سنة ١٦٠٦، ملحق ٢، كتاب ٢، ص ١٤٥
(١٣) Stimmen aus dem Morgenland: Pieper، هيرشبرغ سنة ١٨٥٠
(١٤) A.Sprenger فى مجلة Zeitschr der Deutsch Morgenl. Gesell، جـ ١٣، ص ٥٣٩ وما بعدها
(١٥) E.Berthels فى Islamic، جـ ١، ص ٢٧٤ وما بعدها
(١٦) J.Stephenson فى Isis، جـ ٥، ص ٢٦٤ وما بعدها
(١٧) Die Philosophischer Ansichlen van Razi und Tusi: M.Horten, بون سنة ١٩١٠؛ Die spekulative und Positive Theologie des Islam nach Razi und ihrs Krilik durch Tusi ليبسك سنة ١٩١٢
(١٨) Histoire des Mongols depuis Tschingiz Khan Jusqu'a Timour Bey: d'Ohsson, لاهاى وأمستردام سنة ١٨٣٤ وما بعدها
(١٩) Geschichle der Ilchane: Hammer Purgstall دار مشتات سنة ١٨٤٢ وما بعدها
(٢٠) History of the Mongols: Howorth، لندن سنة وما بعدها، جـ ٣، الفهارس
(٢١) Gazali: Carra de Vaux، باريس سنة ١٩٢٠، ص ١٦٧ وما بعدها
(٢٢) A. Literary History of Persia: E.G.Browne، لندن سنة ١٩٠٦
(٢٣) المؤلف نفسه: A History of Persian Literature under Tartar Dominion, كمبردج سنة ١٩٢٠ انظر الفهارس
(٢٤) Die ZwolferSchi'a: R.Strothmann، ليبسك سنة ١٩٢٦، وقد ورد فيه علاوة على ذلك مراجع أقل أهمية
خورشيد [شتروتمان R.Strothmann]
стр. 6890
وكُتب الطوسى فى الطب ليس لها قيمة علمية خاصة وقد صرف همه فى الفيزياء وكذلك فى علم النجوم، إلى مسائل البصريات هندسيا وفسيولوجيا. وإلى هذا الباب ينتسب كتابه: "تحرير كتاب المناظر" وهو نسخة من كتاب البصريات لإقليدس؛ و"رسالة فى انعكاس الشعاعات وانعطافها". ويتبين دأب الطوسى بأجلى بيان فى تحقيقه وتصحيحه لترجمات ثابت بن قرة، وقسطا بن لوقا، وإسحق بن حنين لكتب علماء الإغريق فى الرياضيات والفلك، ونحن نذكر من علماء الرياضيات إقليدس (أصول الهندسة، الفوائد، الظاهرات)، وأبولونيوس (المخروطيات)، وأرشميدس (كتاب مساحة الدائرة، كتاب الكرة، والأسطوانة، كتاب المفروضات) ومن الفلكيين: ثيودوسيوس، ومنلاوس، وأوطولوقس، وأرسطرخس، وإبسقلاؤس، وبطلميوس. وأشهر كتب الطوسى المبتكرة: "كتاب شكل القطاع" وهو يستخرج من شكل القطاع علاقات فى حساب المثلثات الكرية لها أهمية أساسية. وكتب الطوسى أيضا كتابا فى الرياضيات هو: "مختصر بجامع الحساب بالنحت والتراب".
واكتسب الطوسى شهرة عظيمة بفضل ما حققه فى ميدان علم الفلك. فقد تيسرت له الوسائل للقيام بأبحاث فى طوالع خانات المغول وخاصة مولاه هولاكو. ووكل إليه هولاكو إقامة مرصد كبير فى مراغة جهز بخير الآلات التى استحدث بعضها استحداثا، وبعدد كبير من الراصدين وكان الطوسى قد بلغ الستين فعلا حين شرع فى بناء المرصد، ولكن عمره امتد اثنى عشر عاما أخرى فأتاح له ذلك أن يفرغ من مهمته فى عمل حسبانات لأزياج جديدة تعتمد على أرصاد شاملة، وقد سجل حسباناته فى الزيج الأيلخانى، وتتناول المقالة الأولى منه التواريخ، والثانية حركات الكواكب، والثالثة والرابعة الأرصاد التنجيمية. ونذكر من كتبه الأخرى: "كتاب التذكرة النصيرية" وهو إلمامة بميدان الفلك بأسره، وقد تولاه بالشرح من بعد عدة علماء، وكتابا فى التنجيم هو: "كتاب سى فصل".
стр. 6891
المصادر:
(١) خير تقويم لكتب الطوسى فى الرياضيات والفلك والمخطوطات التى بقيت من كتبه هو كتاب: Die Mathema tiker und Astronomen der Araber und ihre Werke: Suter، ليبسك سنة ١٩٠٠، ص ١٤٨ - ١٥٣
(٢) وثمة مراجع أخرى وردت فى Beitrugez Gesch. d. Naturwissenchaften: E.Wisdemann، جـ ٧٨: نصير الدين الطوسى فى Sitzungsberichte d. Physmedizine, Sazietat in Erlangen، جـ ٦، سنة ١٩٢٨، ص ٣١٥
خورشيد [رسكا J.Ruske]
الطولونيون
الاسم الذى أطلق على أول أسرة مسلمة من ولاة مصر وحكامها المستقلين. وقد دخل رأس هذه الأسرة أحمد بن طولون الفسطاط نائبا لصاحب إقطاع مصر القائد التركى باكباك فى الثالث والعشرين من رمضان سنة ٢٥٤ (١٥ سبتمبر سنة ٨٦٨)، ونجح فى العشر سنوات التالية فى توحيد مصر والشام تحت سلطانه مستقلا بهما بالفعل عن الخلافة. وتوفى أحمد فى العاشر من ذى القعدة سنة ٢٧٠ (١٠ مايو سنة ٨٨٤) بعد أن بايع لابنه خمارويه، وقتل خمارويه فى دمشق فى ١٧ ذى الحجة سنة ٢٨٢ (٧ فبراير سنة ٨٩٦) بعد أن قضى فى الحكم إثنى عشر عامًا، خدم فيها البلاد خدمة جليلة. وأقام قواد الجيش على العرش ابنين صغيرين لخمارويه، فبدءوا بالأكبر جيش ثم خلع فى العاشر من جمادى الآخرة سنة ٢٨٣ (٢٦ يولية سنة ٨٩٦) وولوا أخاه هارون. وأنتهى بالفعل حكم هذه الأسرة باغتيال هارون فى ١٩ صفر سنة ٢٩٢ (أول يناير سنة ١٩٠٥)؛ وإن كان عمه شيبان بن أحمد تولى حكم مصر المحلى أميرًا لها إثنى عشر يوما أخرى.
وقد آلت إلى خمارويه وخلفائه مصر والشام وقيليقية وبلاد الجزيرة (فيما عدا الموصل) مدة ثلاثين عاما بحكم المعاهدة التى أبرمت عند اعتلاء الخليفة المعتضد العرش (٢٧٩ هـ
стр. 6892
٨٩٢ م)، وذلك نظير أدائه جزية سنوية قدرها ثلثمائة ألف دينار (وهذا المبلغ كان يؤديه أحمد بن طولون من قبل للخليقة المعتمد عن مصر وحدها). وهذه المعاهدة تعد أقصى ما بلغته الأسرة الطولونية من سلطان. وقد أدى الضعف الذى أصاب موقفها من بعد إلى إعادة النظر فى شروط هذه المعاهدة سنة ٢٢٨ هـ (٨٩٩ م) فقصرت أملاكها على مصر والشام ورفعت الجزية السنوية التى كانت تؤديها إلى ٤٥٠٠٠٠ دينار. وكان انهيار حكم الطولونيين فى الشام بفعل القرامطة قد أتخذ ذريعة لإنفاذ جنود الخلافة إلى دمشق سنة ٢٨٩ هـ بتحريض من الشآميين أنفسهم. ومن ثم نظم القائد المظفر محمد بن سليمان بمعونة أسطول طرسوس، حملة عسكرية بحرية على مصر، ولم يلق إلا مقاومة قليلة بعض الشئ، فاحتل الفسطاط فى الثانى من ربيع الأول سنة ٢٩٢ (١٢ يناير سنة ٩٠٥)، ونهبت هذه المدينة وعومل أهلها معاملة وحشية، ودمرت ضاحيتها العسكرية القطائع التى أقامها أحمد عن آخرها، وحمل الذكور الباقون من الأسرة الطولونية مكبلين بالأغلال إلى بغداد وتحفظ عليهم فى السجن.
وكان سلطان الطولونيين يعتمد اعتمادًا تامًا على الجيش الذى أنشأه أحمد، وقوامه مماليك من الترك واليونانيين والسودان، ومرتزقة من اليونان أيضا فيما يرجح. وبلغ عدد جنود الجيش بعد تجنيد رجال من أهل البلاد ١٠٠.٠٠٠ مقاتل. قد فرض على الجنود النظاميين أشد ضروب النظام، وتولى تنفيذه رؤساء شرطة، رئيس لكل فرقة على الأرجح. ويقول اليعقوبى (جـ ٢، ص ٦٢٤) أن جميع الجنود قد حملوا على أن يقسموا يمين الولاء شخصيا لأحمد بن طولون. ومنذ هذه الأيام أيضا بدئ فى إنشاء القطائع وغيرها من الأعمال العسكرية فى مصر. ومع أن فتحه للشام سنة ٢٦٤ قد زود جيشه بجنود جدد من الرديف فضلا عن الجنود الخاصين بالحكام الترك السابقين، إلا أنه فرض عليه عبئا أكبر فى دعم سلطانه والحفاظ عليه حيال هذه القوة غير المتجانسة التى كان لا يربطها به إلا أوهى الروابط.
стр. 6893
وقد كان فى انتقاض ابنه العباس (٣٦٥ هـ - ٩٦٨ م) عليه -وهو انتقاض يعد فى حقيقته فتنة أشعل نارها عدد من ضباطه- وما تبعه من ظهور تقصير لؤلؤ، تهديد خطير لمركزه لم ينجح منه إلا بشق الأنفس وهو على فراش الموت. واستطاع خمارويه بفضل شجاعته الشخصية، وبالرغم من البداية المشؤومة التى بدء بها عهده، أن يدفع إلى حين الخطر الذى كان يهدد الدولة بالتمزق، بل إن الجيش العامل قد زاد عدده بفضل الجنود الجدد من المماليك الذين اشتروا من آسية الوسطى، وإنما استطاع خمارويه ببذل الأموال فى سخاء والتخفف بعض الشئ من الصرامة التى اتسم بها حكم أحمد، أن يلم شعث الجيش. وقد بلغت نفقات قيامه فى عهده تسعمائة ألف دينار، على أن إسرافه أنهك خزانة الدولة حتى أنه عندما اعتلى جيش العرش رفض قسم من الجيش أن يبايعه لعجز خزانة الدولة. ثم إن قصور جيش الشديد نفر منه قلوب القواد الترك الكبار ففروا إلى بغداد وبالغ الخليفة المعتضد فى إكرامهم وعاملهم معاملة الأمراء. وأوشكت الحكومة المركزية فى عهد هارون أن تفقد كل سلطان مباشر لها على الجيش الذى كان عنصر الإغريق فيه وقتئذ قد أصبح له الكلمة العليا، وغدا لكل أمير من أمراء الجيش الكبار فى مصر، وهم بدر، وصافى، وفائق، سلطان على قسم من الجنود، وأثقلوا كاهل ميزانية الدولة فى الإنفاق على الأقسام التابعة لهم. وغدا طغج بن جف (وهو أبو الأخشيد والى مصر فى المستقبل) مستقلا أو يكاد فى دمشق. وكان التنافس بين القواد هو السبب الأكبر فى الكوارث التى حلت بالجيوش المصرية فى الشام إبان فتنة القرامطة، وهى الكوارث التى استنزفت بدورها موارد الطولونيين. وكذلك زاد التنافس بين حكام هذه الدولة والوحشة التى دبت بين هارون وأمرائه هذا التفكك حدة. فما إن ظهر محمد بن سليمان فى دمشق، حتى انحاز إليه طغج، بل انضم إليه أيضا بدر وفائق بجنودهما. أما بقية الجيش فإن معظم الجنود تخلوا عنه فى القتال الذى أدى إلى فتح الفسطاط، والسبب الأكبر الذى دفعهم إلى ذلك هو عجز هارون عن دفع أعطياتهم.
стр. 6894
ولم يكتف أحمد بن طولون بإنشاء الجيش، بل عنى أيضًا بتعزيز الأسطول، وإقامة تحصينات ومحطات بحرية، وكان بعض السبب فى ذلك راجعا إلى رغبته فى التمكين لنفسه فى الشام حيث أقام قاعدة بحرية فى عكا (ياقوت: المعجم، جـ ٣، ص ٧٠٧ - ٧٠٨). وقد حافظ خلفاؤه على الأسطول، ولكنه دمر فى تّنيس على يد أسطول طرسوس بقيادة دميانه الذى صحب محمد بن سليمان فى حملة على الشام.
والتفصيلات الخاصة بالإصلاحات التى قام بها أحمد بن طولون فى الإدارة المالية لمصر أقرب إلى الغموض، وتردد جميع المصادر الأقوال التى تذكر أن مورد البلاد من الخراج الذى كان يدر فى عهد أسلافه ثمانمائة ألف دينار فقط، قد أرتفع فى نهاية عهده إلى أربعة ملايين وثلثمائة ألف دينار، وأن أحمد قد خلف من الأموال المدخرة المتراكمة ما يقدر بعشرة ملايين دينار. وقد تلقى بيت المال علاوة على الدخل الوارد من الخراج (وقد شمل الإيجار الذى كان يؤديه الأمراء عن ضياعهم) إيجار سنوى من الأملاك التى كانت تدار باسم صاحب إقطاع مصر، وكان آنئذ هو جعفر المفوض ابن الخليفة المعتمد ووارث عرشه (P.E.R.F, رقم ٨٣٦). وكانت إدارة هذه الأملاك هى شغل ديوان مستقل بذاته (ابن سعيد، ص ٦٧). والراجح أن تخريب الديوان بعد غزوة محمد الثانية قد جعل من المستحيل على الكتاب المتأخرين أن يزودنا بمعلومات مفصلة عن ذلك (المقريزى، جـ ١، ص ٣٢٥ , س ١٢). على أن الآراء متفقة على أن زيادة الدخل قد اقترنت بالقضاء على اعتداءات المحتالين وإقامة نظام للرقابة الشديدة على الأمراء والعمال القائمين على الأموال، وتم ذلك دون فرض أعباء جديدة على البلاد. وقد أدت هذه الإجراءات التى ساعد على نجاحها ما جاء به النيل من فيضانات عالية متعاقبة وصرف المبالغ التى كانت تستنزفها من قبل الجزية التى كانت تودى إلى بغداد فى خير مصر نفسها،
стр. 6895
أجل أدت هذه الإجراءات إلى بزوغ فجر من الازدهار عظيم. وثمة رواية غامضة (ابن سعيد، ص ٣٨) تشير إلى محاولة بذلت لاحتكار الكتان، وقد عدل عن هذه المحاولة من بعد، على أن هذا المصدر (ص ٦٧) ذكر أيضًا أن أحمد بن طولون بذل فى آخر سنى حكمه محاولات أخرى من هذا القبيل. ولاشك أن تجارة مصر كانت قد راجت رواجا عظيما، على أنه لم تصل إلينا فيما يظهر معلومات فى هذا الصدد. والراجح أن الإدارة المالية فى عهد خمارويه بدأت تضمحل. وتعوزنا فى ذلك أيضًا التفصيلات، ولكننا نستشف هذا الاضمحلال مما اتسم به عهد خمارويه من إسراف بلغ حد الاستهتار، وقد تسامح هذا السلطان مع الأمراء مما أعطاهم مطلق الحرية فى إدارة ضياعهم. ولاشك أيضًا أن فقد أحمد بن محمد الواسطى الذى كان ذراع أحمد ابن طولون اليمنى فى الشئون المالية قد أثر أيضًا فى كفاية هذه الإدارة. وكانت خزانة الدولة خاوية تماما حين أدركت المنية خمارويه، ثم إن التنازل الفعلى للحكومة المركزية عن حقها للأمراء أدى إلى عودة المساوئ المعهودة للنظام المالى. وكان السلطان هارون مجرد طفل (بلغ عمره عند وفاته اثنتين وعشرين سنة وحسب) فترك أزمة الأمور فى يد أبى جعفر بن أبالى وسارت الأمور فى عهده من سئ إلى أسوأ واستفحلت الكارثة التى حلت بالبلاد فى النهاية بالفيضان المنخفض الذى جاء به النيل على غير العادة سنة ٢٩١ هـ.
وقد تميز عهد أحمد فى ميدان الإدارة أيضًا بتقدم كبير. فقد استحدث ديوان الإنشاء على نمطا الديوان الخاص بالخلفاء، وكان السلطان يعقد جلسات عامة منتظمة لسماع المظالم؛ وثمة وثيقة بردية (P.E.R.F، رقم ٨٠٥) تشير فيما يظهر إلى أن مسحا عام لمصر تم بين عامى ٢٥٨ و ٢٦١ هـ ولم ينل اليهود ولا النصارى بصفة عامة ضرر منه، والراجح أن أحمد بحكم تحيزه للأهلين من الموظفين المصريين، قد توسع فى استخدامهم فى الإدارة. على أن البلاد قد أزعجتها فى
стр. 6896
كثير من الأحيان على عهد أحمد فتن وحروب خاصة، فقد كان العلويون فى الصعيد مصدر متاعب متصلة لم يستطع أحمد الخلاص منها حتى بترحيلهم بالجملة إلى المدينة، كما أن عرب البحيرة كانوا قد أوضعوا فى الشغب مما حمل خمارويه على البعد بهم عن أعمال السلب والعنف التى درجوا عليها بالالتجاء إلى الوسيلة التى استحدثها وزير الخزانة السابق أحمد ابن مدّبر فجند منهم فرقة مختارة من شبابهم اتخذها حرسًا له، ومن ثم اسمهم المختارة. وكان جنود ربيعة عم هارون المتمرد عليه من عرب البحيرة ومن البربر. وقد اصطنع أحمد إجراءات صارمة للقضاء على هذه الفتن، فلم يكتف بالقتل بالجملة فى حياته بل إنه يقال إنه ترك عند موته ١٨.٠٠٠ شخص ملقى بهم فى السجون. وقد زادت مصاعب الطولونيين بالوحشية التى دبت بينهم وبين طائفة الفقهاء بالرغم من سعيهم إلى تهدئة خواطرهم بإغداق النعم عليهم وإظهار آيات الاحترام للشعور الدينى. والظاهر أن الفقهاء انحازوا للخلفاء فى الصراع الذى نشب بين الطولونيين وبين هؤلاء، ونظروا إلى أحمد وخمارويه نظرتهم إلى مغتصبين للحكم. ولا يعد قاضى أحمد بن طولون أبو بكرة البّكار فوق الشك، إذ لعله قد حرض فى السر ابنه العباس عليه، وزج بأبى بكرة فى السجن لرفضه توقيع الفتوى التى عملت ضد الموفق. ومن المظاهر الأخرى ذات المغزى لهذا الصراع وجود خروم فى قائمة قضاة مصر بين سنتى ٢٧٠ - ٢٧٧، وبين سنتى ٢٨٣ و ٢٨٨.
ومعظم المنشآت العامة التى أقامها الطولونيون اقتضتهما سياستهم العسكرية وحاجات المدينة الجديدة القطائع. وقد شيد مسجد ابن طولون الجديد لازدحام مسجد عمرو بن العاص بجنود المعسكر الضخم. أما المنشآت الأخرى كالقنطرة المعلقة والمستشفى فقلما كانت الحاجة إليها أقل من ذلك. على أن ترميم أحمد بن طولون لقبر معاوية والهبة التى أجراها عليه سنة ٢٧٠ هـ يستبين منهما أنه فعل ذلك مناورة سياسية يجتذب بها
стр. 6897
المصريين السنيين والشآميين إلى صفة على الخلافة. على أن أحمد الذى تلقى تعليما سمحا أعظم السماحة، وقد أظهر أنه نصير غيور للعلم والفنون، وكل الدلائل تؤيد أنه شجع على نشر التعليم فى مصر. ومن المحتمل أن يكون أثر من آثار مساعيه قد حفظ فى وثيقة تتعلق بالهبات التى أفاءها على مدرسة مسجد الأشمونين (P.E.R.F، رقم ٧٧٣). ولاشك أن اهتمام خمارويه بالموسيقى والتصوير بل الحفر، مضافا إلى ذلك ما اتسم به العهد من ترف عام قد أسهم فى تطور الفنون والحرف المحلية يشهد بذلك بطريقة غير مباشرة وصف المقريزى للأسواق فى القطائع. وعنى أحمد وابنه شأن الحكام المستبدين المتنورين جميعًا، بالترويح عن الشعب بتوزيع الطعام مجانا والمشاهد الفخمة والكرم الزائد، والتخفيف من وقع الشدائد باتخاذ إجراءات عملية لتحسين الحالة الإقتصادية تحقيقا لمصالح دولتهما ورفع قدرتهم على تحصيل الدخول فى الوقت نفسه. ومن ثم فإنه بالرغم من قيام حكم أجنبى فى مصر واعتماده على الناحية العسكرية فإن عهد الطولونيين كان عهد، يتميز بالرخاء المادى والرقى اللذين أصابا جمهور الشعب المصرى، حتى لقد نعت فيما بعد بالعهد الذهبى: "كانت من غرر الدول وأيامهم من محاسن الأيام".
المصادر:
(١) الكندى: الولاة والقضاة طبعة Rhuvon Guess، ص ٢١٢ - ٢٤٨، ٤٧٧ - ٤٨٠ من الملحق
(٢) Beitrage zur Geschichte der Staatskanzlei im: M.Bjorkmann Islamischen Agypten (هامبوغ سنة ١٩٢٨)، ص ١٨.
(٣) الأقسام المعنية بهذا الموضوع من موسوعة النويرى: نهاية الإرب، ولم يكتمل طبعها بعد
(٤) وانظر Early Moslem Arckitecture: k.A.C.creswell جـ ١، عن مسجد ابن طولون وغيره من المنشآت العامة.
خورشيد [كب H.A.R.Gibb]
стр. 6898
طومان باى
طومان باى "الثانى" الملك الأشرف (من قنصوه الغورى): هو آخر سلاطين المماليك، حكم من ١٤ رمضان سنة ٩٢٢) (١٧ أكتوبر سنة ١٥١٦) إلى ٢١ ربيع الأول سنة ٩٢٣ (١٥ سبتمبر سنة ٩٢٢)، ونشأ مملوكا لدى الأمير قانصوه الذى أصبح من بعد السلطان الغورى وإليه انتسب، ثم وهب للسلطان قايتباى. وأمر قايتباى بتدريبه بين طائفة الكتَّاب من المماليك (الكاتبية)، وأعتقه السلطان الناصر الثانى، والراجح أن ذلك كان فى أوائل سنة ٩٠٢ هـ (١٤٩٦ م) ورقاه إلى وظيفة "جاندار"، ثم التحق بعد ذلك بقليل بحرس السلطان، وظل فيه حتى تولى قريبه السلطان قانصوه الغورى، فجعله أمير عشرة، وفى سنة ٩١٠ هـ (١٥٠٤ م) أى عند وفاة ولى العهد، أصبح طومان باى "أمير طبلخانه" وكبير السقاه، وأصبح سنة ٩١٣ هـ "دوادار كبير" ثم "أستادار" و"كاشف الكشوف" كما جرت الحال فى أواخر عهد المماليك وبذلك ارتقى إلى أرفع المناصب المدنية؛ وغدا "نائب الغيبة" حين شخص السلطان إلى الشام لقتال السلطان سليم، فلما هزم السلطان الغورى وقتل قضى طومان باى على روح الهزيمة بين الجنود والأمراء المتقهقرين، وأعاد النظام إلى صفوفهم بقدر ما وسعه، فوثق به الأمراء والشعب. وانعقدت له البيعة بالإجماع فقبل آخر الأمر أن يلى العرش بعد تردد مع إدراكه تمام الإدراك بالمصاعب التى تكتنف موقفه. وكان الافتقار إلى المال هو الخطر الأول؛ ذلك أن الترك استولوا من السلطان الغورى على بضعة ملايين من الدنانير، بعضها كان محتفظًا به فى معسكره، وبعضها كان فى حصونه؛ زد على هذا أن الجيش كان منهكا، ولم يكن يؤمن جانب الأمراء الكبار. وقضى فى الأمر لمصلحة طومان باى بفضل رجل من العلماء هو الشيخ أبو سعيد الجارحى (نسبة إلى يحيى بالقرب من مصر القديمة لا يزال يحمل اسمه) وقد حمل هذا الشيخ الأمراء على حلف يمين الولاء له. وكان
стр. 6899
الخليفة سجينًا لدى السلطان سليم، على أن أباه أعطى طومان باى براءة تعيينه وبذل له آيات الاحترام. وولى طومان باى الأمراء العائدين من الشام أرفع المناصب. وبلغته استغاثة من غزة فبادر بإنفاذ الجنود إليها، وحوالى هذا الوقت بعث السلطان سليم بعرض للصلح، طالبا أن يدين له طومان باى بالولاء. وكان السلطان الجديد مستعدًا لعقد الصلح ولكن الأمراء كانوا غير ميالين إلى ذلك وحاولوا أن يقتلوا الرسل الذين بعث بهم السلطان سليم مما جعل الاستمرار فى الحرب بين الطرفين أمرًا لا محيص عنه. وحاقت الهزيمة بالجنود الذين أنفذهم السلطان بقيادة جانبردى فى غزة على يد سنان باشا وعاد إلى القاهرة. وهناك عبر سليم الصحراء وناوشه البدو، إلا أنه استطاع أن يبلغ مصر هو وجنوده فى حالة طيبة. وأراد طومان باى أن يبادر إلى مهاجمته عند الصالحية بمجرد وصوله، ولكن الأمراء قرروا أن يتريثوا حتى يلقوه أمام القاهرة بين المطرية وجامع الأحمر فى الريدانية؛ وأقيمت المدافع فى مواقعها فى الرمال لتحول دون تقدم الترك، على أن الخيانة فعلت فعلها فأبلغت هذه الخطبة للعثمانيين فالتف جيشهم حول موقع المصريين وهاجمهم من الجناح. ولم تمض ساعة حتى كانت مدفعية الترك الذين أحسنوا اختيار موقعها قد حصدت الجزء الأكبر من جيش المماليك. واقتحم السلطان طومان باى الشجاع على رأس سرية من جيشه صفوف الجنود الترك إلى خيمة السلطان سليم وأطاح برؤوس الأمراء الترك ظانا أن السلطان سليم كان بينهم. ثم عاد سالمًا فوجد المصريين يفرون فتبعهم إلى النيل ولم شعث البقية القليلة من فلول جيشه. واستولى الترك على القاهرة ونهبوها وقتلوا كل ما وقع بين أيديهم من المماليك. ونجح طومان باى مرة أخرى فى استرداد المدينة وثبت فيها يومين، ثم اضطر إلى الفرار عابرًا النيل إلى الصعيد. ومن هناك فاوض السلطان سليم فوعد سليم بأن يرتد عن مصر إذا ضربت باسمه السكة وكانت الخطبة له فى صلاة الجمعة. وكان السلطان مستعدًا لقبول هذه الشروط، ولكن
стр. 6900
الأمراء منعوه من ذلك وذبحوا رسل سليم، ومن ثم عمد سليم إلى قتل الأمراء والمماليك المصريين الذين أسرهم فى القاهرة، وأمر جنوده بعبور النيل، ولكنهم رسوا متفرقين شراذم فقضى عليهم جنود طومان باى الذين كانوا يفوقونهم عددًا. ولذلك استقر رأيه على أن يستعين بمدفعيته، فأقام المدافع على ضفة النيل، وقذف أعداءه بالقنابل فأصابهم بضر عظيم فعمدوا إلى الفرار، وهناك أصبح فى استطاعة الترك أن يعبروا النيل. وجمع طومان باى مرة أخرى جيشًا، ومن ثم أنفذ إليه رسولا للتفاوض معه؛ على أن هذا الرسول الذى كان من قبل مملوكًا لطومان باى، بدأ يستعمل فى كلامه ألفاظًا مهينة فجرح أثناء المناقشة وأعيد إلى السلطان سليم. ودار القتال سجالًا فى تلك الليلة. وفى اليوم التالى تحدى تابعه القديم للمبارزة التى انتهت بفوز السلطان. على أن جنود المماليك حلت بهم هزيمة منكرة على يد القوات المتفوقة للترك والبدو الذين كانوا قد انضموا إليهم على الرغم من الشجاعة التى أبداها المماليك. ولجأ طومان باى إلى شيخ من شيوخ البدو كان قد أسدى إليه معروفًا، ولكن قومه حملوا الشيخ على الإخلال بعهده وإذاعة مخبأ طومان باى. فأمر سليم بأسره وحمل إلى خيمته حيث أشبعه تأنيبًا على ما بدر منه من قتل رسله. وتأثر سليم بنبل سلوكه، وجنح إلى العفو عنه، إلا أن الأمراء شخصوا إليه ونصحوه فأمر بشنق طومان باى بعد ذلك بأسبوع على باب زويلة.
وهكذا قتل آخر سلاطين المماليك. وترجع أسباب هزيمته إلى فساد الحالة فى مصر، والمشاحنات المتصلة بين المماليك، والافتقار إلى المال، ولكن السبب الأكبر الذى يقتضينا الأمر أن نعود فنؤكده، هو تفوق الترك فى المدفعية، ذلك أن المماليك الشجعان لم يحفلوا باستخدام المدفعية ولم يستطيعوا أن يدركوا شأنها العظيم فى الحرب، لأنهم اعتقدوا أن العامل