كثير من الأحيان على عهد أحمد فتن وحروب خاصة، فقد كان العلويون فى الصعيد مصدر متاعب متصلة لم يستطع أحمد الخلاص منها حتى بترحيلهم بالجملة إلى المدينة، كما أن عرب البحيرة كانوا قد أوضعوا فى الشغب مما حمل خمارويه على البعد بهم عن أعمال السلب والعنف التى درجوا عليها بالالتجاء إلى الوسيلة التى استحدثها وزير الخزانة السابق أحمد ابن مدّبر فجند منهم فرقة مختارة من شبابهم اتخذها حرسًا له، ومن ثم اسمهم المختارة. وكان جنود ربيعة عم هارون المتمرد عليه من عرب البحيرة ومن البربر. وقد اصطنع أحمد إجراءات صارمة للقضاء على هذه الفتن، فلم يكتف بالقتل بالجملة فى حياته بل إنه يقال إنه ترك عند موته ١٨.٠٠٠ شخص ملقى بهم فى السجون. وقد زادت مصاعب الطولونيين بالوحشية التى دبت بينهم وبين طائفة الفقهاء بالرغم من سعيهم إلى تهدئة خواطرهم بإغداق النعم عليهم وإظهار آيات الاحترام للشعور الدينى. والظاهر أن الفقهاء انحازوا للخلفاء فى الصراع الذى نشب بين الطولونيين وبين هؤلاء، ونظروا إلى أحمد وخمارويه نظرتهم إلى مغتصبين للحكم. ولا يعد قاضى أحمد بن طولون أبو بكرة البّكار فوق الشك، إذ لعله قد حرض فى السر ابنه العباس عليه، وزج بأبى بكرة فى السجن لرفضه توقيع الفتوى التى عملت ضد الموفق. ومن المظاهر الأخرى ذات المغزى لهذا الصراع وجود خروم فى قائمة قضاة مصر بين سنتى ٢٧٠ - ٢٧٧، وبين سنتى ٢٨٣ و ٢٨٨.
ومعظم المنشآت العامة التى أقامها الطولونيون اقتضتهما سياستهم العسكرية وحاجات المدينة الجديدة القطائع. وقد شيد مسجد ابن طولون الجديد لازدحام مسجد عمرو بن العاص بجنود المعسكر الضخم. أما المنشآت الأخرى كالقنطرة المعلقة والمستشفى فقلما كانت الحاجة إليها أقل من ذلك. على أن ترميم أحمد بن طولون لقبر معاوية والهبة التى أجراها عليه سنة ٢٧٠ هـ يستبين منهما أنه فعل ذلك مناورة سياسية يجتذب بها
стр. 6897
المصريين السنيين والشآميين إلى صفة على الخلافة. على أن أحمد الذى تلقى تعليما سمحا أعظم السماحة، وقد أظهر أنه نصير غيور للعلم والفنون، وكل الدلائل تؤيد أنه شجع على نشر التعليم فى مصر. ومن المحتمل أن يكون أثر من آثار مساعيه قد حفظ فى وثيقة تتعلق بالهبات التى أفاءها على مدرسة مسجد الأشمونين (P.E.R.F، رقم ٧٧٣). ولاشك أن اهتمام خمارويه بالموسيقى والتصوير بل الحفر، مضافا إلى ذلك ما اتسم به العهد من ترف عام قد أسهم فى تطور الفنون والحرف المحلية يشهد بذلك بطريقة غير مباشرة وصف المقريزى للأسواق فى القطائع. وعنى أحمد وابنه شأن الحكام المستبدين المتنورين جميعًا، بالترويح عن الشعب بتوزيع الطعام مجانا والمشاهد الفخمة والكرم الزائد، والتخفيف من وقع الشدائد باتخاذ إجراءات عملية لتحسين الحالة الإقتصادية تحقيقا لمصالح دولتهما ورفع قدرتهم على تحصيل الدخول فى الوقت نفسه. ومن ثم فإنه بالرغم من قيام حكم أجنبى فى مصر واعتماده على الناحية العسكرية فإن عهد الطولونيين كان عهد، يتميز بالرخاء المادى والرقى اللذين أصابا جمهور الشعب المصرى، حتى لقد نعت فيما بعد بالعهد الذهبى: "كانت من غرر الدول وأيامهم من محاسن الأيام".
المصادر:
(١) الكندى: الولاة والقضاة طبعة Rhuvon Guess، ص ٢١٢ - ٢٤٨، ٤٧٧ - ٤٨٠ من الملحق
(٢) Beitrage zur Geschichte der Staatskanzlei im: M.Bjorkmann Islamischen Agypten (هامبوغ سنة ١٩٢٨)، ص ١٨.
(٣) الأقسام المعنية بهذا الموضوع من موسوعة النويرى: نهاية الإرب، ولم يكتمل طبعها بعد
(٤) وانظر Early Moslem Arckitecture: k.A.C.creswell جـ ١، عن مسجد ابن طولون وغيره من المنشآت العامة.
خورشيد [كب H.A.R.Gibb]
стр. 6898
طومان باى
طومان باى "الثانى" الملك الأشرف (من قنصوه الغورى): هو آخر سلاطين المماليك، حكم من ١٤ رمضان سنة ٩٢٢) (١٧ أكتوبر سنة ١٥١٦) إلى ٢١ ربيع الأول سنة ٩٢٣ (١٥ سبتمبر سنة ٩٢٢)، ونشأ مملوكا لدى الأمير قانصوه الذى أصبح من بعد السلطان الغورى وإليه انتسب، ثم وهب للسلطان قايتباى. وأمر قايتباى بتدريبه بين طائفة الكتَّاب من المماليك (الكاتبية)، وأعتقه السلطان الناصر الثانى، والراجح أن ذلك كان فى أوائل سنة ٩٠٢ هـ (١٤٩٦ م) ورقاه إلى وظيفة "جاندار"، ثم التحق بعد ذلك بقليل بحرس السلطان، وظل فيه حتى تولى قريبه السلطان قانصوه الغورى، فجعله أمير عشرة، وفى سنة ٩١٠ هـ (١٥٠٤ م) أى عند وفاة ولى العهد، أصبح طومان باى "أمير طبلخانه" وكبير السقاه، وأصبح سنة ٩١٣ هـ "دوادار كبير" ثم "أستادار" و"كاشف الكشوف" كما جرت الحال فى أواخر عهد المماليك وبذلك ارتقى إلى أرفع المناصب المدنية؛ وغدا "نائب الغيبة" حين شخص السلطان إلى الشام لقتال السلطان سليم، فلما هزم السلطان الغورى وقتل قضى طومان باى على روح الهزيمة بين الجنود والأمراء المتقهقرين، وأعاد النظام إلى صفوفهم بقدر ما وسعه، فوثق به الأمراء والشعب. وانعقدت له البيعة بالإجماع فقبل آخر الأمر أن يلى العرش بعد تردد مع إدراكه تمام الإدراك بالمصاعب التى تكتنف موقفه. وكان الافتقار إلى المال هو الخطر الأول؛ ذلك أن الترك استولوا من السلطان الغورى على بضعة ملايين من الدنانير، بعضها كان محتفظًا به فى معسكره، وبعضها كان فى حصونه؛ زد على هذا أن الجيش كان منهكا، ولم يكن يؤمن جانب الأمراء الكبار. وقضى فى الأمر لمصلحة طومان باى بفضل رجل من العلماء هو الشيخ أبو سعيد الجارحى (نسبة إلى يحيى بالقرب من مصر القديمة لا يزال يحمل اسمه) وقد حمل هذا الشيخ الأمراء على حلف يمين الولاء له. وكان
стр. 6899
الخليفة سجينًا لدى السلطان سليم، على أن أباه أعطى طومان باى براءة تعيينه وبذل له آيات الاحترام. وولى طومان باى الأمراء العائدين من الشام أرفع المناصب. وبلغته استغاثة من غزة فبادر بإنفاذ الجنود إليها، وحوالى هذا الوقت بعث السلطان سليم بعرض للصلح، طالبا أن يدين له طومان باى بالولاء. وكان السلطان الجديد مستعدًا لعقد الصلح ولكن الأمراء كانوا غير ميالين إلى ذلك وحاولوا أن يقتلوا الرسل الذين بعث بهم السلطان سليم مما جعل الاستمرار فى الحرب بين الطرفين أمرًا لا محيص عنه. وحاقت الهزيمة بالجنود الذين أنفذهم السلطان بقيادة جانبردى فى غزة على يد سنان باشا وعاد إلى القاهرة. وهناك عبر سليم الصحراء وناوشه البدو، إلا أنه استطاع أن يبلغ مصر هو وجنوده فى حالة طيبة. وأراد طومان باى أن يبادر إلى مهاجمته عند الصالحية بمجرد وصوله، ولكن الأمراء قرروا أن يتريثوا حتى يلقوه أمام القاهرة بين المطرية وجامع الأحمر فى الريدانية؛ وأقيمت المدافع فى مواقعها فى الرمال لتحول دون تقدم الترك، على أن الخيانة فعلت فعلها فأبلغت هذه الخطبة للعثمانيين فالتف جيشهم حول موقع المصريين وهاجمهم من الجناح. ولم تمض ساعة حتى كانت مدفعية الترك الذين أحسنوا اختيار موقعها قد حصدت الجزء الأكبر من جيش المماليك. واقتحم السلطان طومان باى الشجاع على رأس سرية من جيشه صفوف الجنود الترك إلى خيمة السلطان سليم وأطاح برؤوس الأمراء الترك ظانا أن السلطان سليم كان بينهم. ثم عاد سالمًا فوجد المصريين يفرون فتبعهم إلى النيل ولم شعث البقية القليلة من فلول جيشه. واستولى الترك على القاهرة ونهبوها وقتلوا كل ما وقع بين أيديهم من المماليك. ونجح طومان باى مرة أخرى فى استرداد المدينة وثبت فيها يومين، ثم اضطر إلى الفرار عابرًا النيل إلى الصعيد. ومن هناك فاوض السلطان سليم فوعد سليم بأن يرتد عن مصر إذا ضربت باسمه السكة وكانت الخطبة له فى صلاة الجمعة. وكان السلطان مستعدًا لقبول هذه الشروط، ولكن
стр. 6900
الأمراء منعوه من ذلك وذبحوا رسل سليم، ومن ثم عمد سليم إلى قتل الأمراء والمماليك المصريين الذين أسرهم فى القاهرة، وأمر جنوده بعبور النيل، ولكنهم رسوا متفرقين شراذم فقضى عليهم جنود طومان باى الذين كانوا يفوقونهم عددًا. ولذلك استقر رأيه على أن يستعين بمدفعيته، فأقام المدافع على ضفة النيل، وقذف أعداءه بالقنابل فأصابهم بضر عظيم فعمدوا إلى الفرار، وهناك أصبح فى استطاعة الترك أن يعبروا النيل. وجمع طومان باى مرة أخرى جيشًا، ومن ثم أنفذ إليه رسولا للتفاوض معه؛ على أن هذا الرسول الذى كان من قبل مملوكًا لطومان باى، بدأ يستعمل فى كلامه ألفاظًا مهينة فجرح أثناء المناقشة وأعيد إلى السلطان سليم. ودار القتال سجالًا فى تلك الليلة. وفى اليوم التالى تحدى تابعه القديم للمبارزة التى انتهت بفوز السلطان. على أن جنود المماليك حلت بهم هزيمة منكرة على يد القوات المتفوقة للترك والبدو الذين كانوا قد انضموا إليهم على الرغم من الشجاعة التى أبداها المماليك. ولجأ طومان باى إلى شيخ من شيوخ البدو كان قد أسدى إليه معروفًا، ولكن قومه حملوا الشيخ على الإخلال بعهده وإذاعة مخبأ طومان باى. فأمر سليم بأسره وحمل إلى خيمته حيث أشبعه تأنيبًا على ما بدر منه من قتل رسله. وتأثر سليم بنبل سلوكه، وجنح إلى العفو عنه، إلا أن الأمراء شخصوا إليه ونصحوه فأمر بشنق طومان باى بعد ذلك بأسبوع على باب زويلة.
وهكذا قتل آخر سلاطين المماليك. وترجع أسباب هزيمته إلى فساد الحالة فى مصر، والمشاحنات المتصلة بين المماليك، والافتقار إلى المال، ولكن السبب الأكبر الذى يقتضينا الأمر أن نعود فنؤكده، هو تفوق الترك فى المدفعية، ذلك أن المماليك الشجعان لم يحفلوا باستخدام المدفعية ولم يستطيعوا أن يدركوا شأنها العظيم فى الحرب، لأنهم اعتقدوا أن العامل
стр. 6901
الحاسم فى القتال هو الشجاعة الشخصية.
المصادر:
(١) Geschichte der Chalifen: Weill، جـ ٥ شتوتكارت سنة ١٨٦٢ (وهو يزودنا بمراجع عربية لا تزال مخطوطة، انظر المقدمة، ص ١٥).
(٢) Gesch. d. Osm Reiches: V.Hammer؛ بشت سنة (وبه قائمة بالمصادر).
(٣) ابن إياس: بدائع الزهور، بولاق سنة ١٣١١، ويمكن أن يرجع أولئك الذين لا يعرفون العربية إلى الجزء الثالث من هذا الكتاب بقلم W. S. Salmon لندن سنة فى Oriental Translation Fund، السلسلة الجديدة، جـ ٢٥.
(٤) علاوة على ابن إياس فإن كتاب زنبل: تاريخ الفتح العثمانى لمصر على يد السلطان سليم عظيم الأهمية، انظر عنه كتاب بروكلمان: تاريخ الأدب العربى، جـ ٢، ص ٤٣، ٢٩٨.
(٥) ومن الكتب التى لها أهمية غير مباشرة عن هذا العهد انظر Beitrage Zur osman. Geschichte: H.Jansky، جـ ٢، ص ١٧٣ وما بعدها حيث وردت المراجع التركية كاملة.
خورشيد [سوبرنهيم M.Sobernheim]
طويس
أبو عبد المنعم عيسى بن عبد اللَّه الذائب، وهو أول أكابر المغنين فى الإسلام. ويقال إن لقبه الحقيقى هو طاووس، فلما تخنث جعلوه طويسا (تصغير طاووس) وغيروا كنيته عبد المنعم وجعلوها عبد النعيم. وقد ولد طويس فى اليوم الذى قبض فيه الرسول ﵊ (٨ يونية سنة ٦٣٢) وفطم فى اليوم الذى مات فيه أبو بكر، وخق فى اليوم الذى قتل فيه عمر بن الخطاب، وتزوج فى اليوم الذى قتل فيه عثمان، ورزق بأول أبنائه
стр. 6902
فى اليوم الذى قتل فيه علىّ. وكان هذا من عجائب الاتفاقات ومن ثم جرى المثل: "أشأم من طويس". ونشأ طويس فى المدينة مولى لبنى مخزوم، وكان مولى لأروى أم الخليفة عثمان. وأول ما لفت إليه الأنظار غناؤه بعض ألحان استقاها من الموالى الفرس؛ علا شأنه فى الغناء أيام عثمان بن عفان (٦٤٤ - ٦٦٦ م). وحوالى هذا الوقت استحدث فى الموسيقى أسلوب جديد ورد على المدينة، وقد عرف هذا الأسلوب باسم "غناء الرقيق" أو غناء المتقن"، وأبرز خصائصه إدخال الإيقاع على اللحن، ويقال إن طويسا هو أول من غنى فى المدينة بهذه الطريقة الجديدة (الأغانى، جـ ٤، ص ٣٨؛ العقد الفريد، جـ ٣، ص ١٨٧) ولا يمكن أن نفهم ما نسب إليه غير ذلك فى الأغانى (جـ ٢، ١٧٠) فهما صحيحًا إلا على ضوء ما أسلفنا بيانه، لذلك يجب أن تفهم عبارة الأغانى على هذا النحو: أول من غنى [غناء المتقن] بالعربى بالمدينة طويس". وكان طويس مخنثا شأنه شأن كثير من المغنين فى المدينة لذلك العهد (انظر History of Arabian Music: Fanner ص ٤٥)، ومن ثم ضرب به المثل فقيل: "أخثث من طويس". وقيل إن الغناء نشأ فى المدينة بين المخنثين. الأغانى، جـ ٤، ص ١٦١). والراجح أن هذا القول فرية استحدثها العلماء. ومن المستبعد كثيرًا أن يكون ما رواه الأغانى من أن طويسا هو أول مخنث بالمدينة صحيحا (البخارى، جـ ٤، ص ٣٢؛ الترمذى، جـ ١، ص ٢٧١؛ أسد الغابة، ص ٢٦٨). وقد كان أبان بن عثمان بن عفان وهو وال على المدينة، يعطف على طويس، فلما ولى معاوية بن أبى سفيان الخلافة وأمر عليها مروان بن الحكم، اضطهد المخنثون، وفر طويس إلى السويداء على مرحلة يومين على الطريق الذاهب إلى الشام، وظل مقيمًا بها حتى أدركته منيته حوالى سنة ٧١٠ - ٧١١ م. ويقول بعضهم إنه توفى بالمدينة، ويذهب آخرون إلى أن وفاته كانت فى غيرها.
وكان طويس لا يستخدم فى غنائه إلا دفًا مربعا يحتفظ به فى حقيبة أو
стр. 6903
فى عباءته لينقر عليه وهو يغنى، ومع ذلك فإنه كان من المبرزين فى الغناء وممن يضرب به فيه الأمثال، وإياه عنى شاعر من أهل المدينة بقوله:
تغنى طويس والسريجى بعده ... وما قصبات السبق إلا لمعبد
وكان من تلاميذه ابن سريج، والدلال نافذ، ونوهة الضحى، وفند. وقد قال ابن سريج أن طويسا كان أبرع مغن فى عصره، وإنه كان خير نصير للهزج.
المصادر:
(١) الأغانى، طبعة بولاق، جـ ٢، ص ١٧٠ - ١٧٦؛ جـ ٤، ص ٣٨ - ٣٩، فهرس كويدى، وقد ذكر كويدى مغنيين يحملان اسم طويس، ومما لاشك فيه أنهما كانا واحدا.
(٢) ابن عبد ربه: العقد الفريد، طبعة القاهرة سنة ١٨٨٧ - ١٨٨٨؛ جـ ٣، ص ١٨٦.
(٣) ابن خلكان: الوفيات، طبعة فستنفلد، جـ ٢، ص ٤٣٨.
(٤) الميدانى الأمثال، طبعة فريتاغ، جـ ٧، ص ١٢٤؛ جـ ١٣، ص ١٥٨.
(٥) ابن عبدون: Commentaria hist sur le poeme d'Ibn Abdoun par Ibn Badroun، طبعة دوزى سنة ١٨٤٦ ص ٦٤.
(٦) ابن قتيبة: كتاب المعارف، طبعة فستنفلد ص ١٦٤.
(٧) Lib. cant.: Kosegarten، ص ١١.
(٨) Journ. As، سنة ١٨٧٣ ص ٣٠٩ - ٣٠١.
(٩) Hist of Arabian Music: Farmer, ص ٥٠ - ٥٣.
خورشيد [فارمر H.G. Farmer]
طويل
هو أول البحور فى علم العروض العربى، له عروضة واحدة، وثلاثة أضرب. وأجزاء الطويل هى:
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
فى كل مصراع.
والعروض، أو الجزء الأخير من الشطر الأول من البيت، هو على الدوام:
стр. 6904
مفاعلن؛ والضرب الأول، أو آخر الشطر الثانى من البيت هو: مفاعيلن؛ والضرب الثانى: مفاعلن؛ والضرب الثالث: (مفاعى =) فعولن.
وتحذف النون عادة من فعولن، ويمتدح هذا الحذف من التفعيلة السابقة مباشرة على تلك التى تؤلف الضرب الثالث.
وقد تحذف الفاء من التفعيلة الأولى فى الشطر الأول من البيت الأول للقصيدة، فإذا اقترنت بحذف النون كان لدينا: (عولن =) فعلن، و (عول =) فعل.
وقد تحذف الياء أو النون من مفاعيلن، مع وجوب بقاء أحد الحرفين.
الطيالسى
سليمان بن داود بن الجارود أبو داود: جامع للأحاديث وصاحب مسند. والطيالسى نسبة إلى الطيالسة جمع طيلسان، وهى قطعة من القماش تغطى لباس الرأس كما تغطى أحيانًا الأكتاف (انظر Dictionnaire deiaille des noms des vetements Chez les Arabes: Dozy ص ٢٧٨ وما بعدها).
ولد الطيالسى عام ١٣٣ هـ (٧٥٠ - ٧٥١ م) وتوفى سنة ٢٠٣ هـ (٨١٨ - ٨١٩ م). ويقال أيضًا إنه بلغ الثانية والسبعين. وهو يروى الأحاديث عن شعبة وسفيان الثورى وغيرهما من المحدثين المشهورين. وهو أيضًا حجة أخذ عنه أحمد بن حنبل، وعلى بن المدينى، وأبو بكر بن أبى شيبة وغيرهم. ويقال إنه كان يحفظ ثلاثين ألف حديث بيانه لم يكن يستعين فى روايتها بالمذكرات. وقد اشتهر بحجيته، بيان عرف عنه أن ذاكرته كانت تخونه. وقد أصيب الطيالسى بداء الفيل لكثرة تعاطيه البلاذر.
والنص فى مسنده الذى طبع فى حيدرآباد ١٣٢١ قد روى عن أبى بشر يونس ابن حبيب، وأبى محمد عبد اللَّه بن جعفر بن أحمد بن فارس، وأبى نعيم أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن إسحاق، وأبى على الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد المقرى، وأبى المكارم أحمد بن أحمد. . . بن محمد بن قيس اللبان (توفى عام ٥٩٧ هـ = ١٢٠٠ - ١٢٠١ م).
стр. 6905
ومصنف الطيالسى يشمل أسانيد مفردة لنيف وستمائة صحابى، وقد روعى فى ترتيبه ما روعى فى غيره من المصنفات التى من هذا القبيل. ويضم هذا المسند ٢٧٦٧ حديثًا، ويدل هذا على أن حجمه بلغ نحو عشر صحيح البخارى أو ١/ ٢٥ من مسند ابن حنبل. ويتناول أبوابه كل ميدان الحديث المأثور، وتتمثل فيه جميع الموضوعات ذات الأهمية على نطاق متوسط. ومما يلاحظ أن الأحاديث المتصلة ببعض الشخصيات التى كان لها شأن فى تاريخ النبى ﵊ -أكثر ندرة فيه منها فى مجاميع الحديث الأخرى، مثال ذلك أننا لا نجد فيه أحاديث عن خديجة، وزينب بنت جحش، وأبى سفيان، وعمرو بن العاص، وأبى موسى الأشعرى، وعبد اللَّه بن أبىّ، وعبد اللَّه بن سلام، وابن صياد، وكعب بن مالك، وخالد بن الوليد، وسعد بن معاذ، وسلمان الفارسى. وقلما يرد فى هذا المسند أى حديث لا نجده فى كتب الحديث العمدة. ويساعد فى حالات نادرة على تفهم الأحاديث الصعبة.
المصادر:
(١) أبو بشر محمد بن أحمد الدولابى: كتاب الكنى والأسماء، حيدرآباد سنة ١٣٢٢ هـ، جـ ١، ص ١٦٩.
(٢) الذهبى: ميزان الاعتدال، القاهرة سنة ١٣٢٥ هـ، جـ ١، ص ٤١٣.
(٣) المؤلف نفسه: طبقات الحفاظ، طبعة فستنفلد، جـ ١، ص ٧٦ وما بعدها
(٤) ابن حجر العسقلانى: تهذيب التهذيب: حيدرآباد سنة ١٣٢٥ هـ، جـ ٤، ص ١٨٢ وما بعدها
(٥) ابن خطيب الدهشة: تحفة ذوى الأرب، طبعة T.Mann: ص ١٧٠
(٦) السمعانى: كتاب الأنساب، سلسلة كب التذكارية، جـ ٢٠، ورقة رقم ٣٧٤.
الشنتناوى [فنسنك A.J.Wensinck]
طيئ
قبيلة من قبائل بلاد العرب على أيامها الأولى، وأصلها يمنى. ويقول علماء الأنساب إن جدها جُهلُمة بن أدد
стр. 6906
الملقب بطيئ، كان من القحطانية، وكان أخا مذحج ومرة، وجدَّ قبيلة كندة الكبيرة. وكان بنو طيئ يعيشون فى ذلك الجزء من الجوف جنوبى بلاد العرب الذى كانت فيه "حنكة" على الطريق بين صنعاء ومكة. وقد اشترك بنو طيئ هم وبنو أزد وغيرهم من أهل بلاد العرب الجنوبية فى الهجرة التى تربط الروايات بينها وبين تصدع سد مأرب؛ ونزلوا الجزء الشمالى من شبه الجزيرة قرب جبل شمر إلى الجنوب من صحراء النفود، بل لقد نسب جبلا أجا وسلمى، إلى الجنوب الشرقى من حائل، إلى طيئ فقيل "جبلا طيئ"، ويثبت هذا أن هذه القبيلة ظلت قرونا صاحبة حق فى تلك البقاع. وكان جبل العوجاء الذى يقوم فى منتصف الطريق بين حائل وتيماء، وكذلك تيماء نفسها، تابعين لطيئ.
وبهجرة بنى طيئ فقد بنو أسد، وهم قبيلة من نصر، جزءًا من منازلهم. ومع ذلك فقد تآخت القبيلتان فيما بعد ويقال إنهما ضمتا قواتهما بعضهما لبعض وهزمتا بنى يربوع التميميين عند رجلة التيس.
وكانت عشائر طيئ هى: ثعل، وجديلة، وجرم، وعدى، والغوث، ومعن، ونبهان، ثم "ثعالب طيئ" الثلاثة الذين تميزوا بهذا اللقب عن ثعالبة بنى بكر.
وكان بنو طيئ يعبدون فى الجاهلية صنمًا يسمى "فلس"، وكان له معبد فوق جبل أجأ، وقد حطم على بن أبى طالب هذا الصنم بأمر النبى ﵊ يعاونه مائة وخمسون من الأنصار، وأسرت فى هذه الحملة بنت من بنات حاتم الطائى. وكان لبنى طيئ صنم آخر هو "رضى".
وظل بنو طيئ إلى حين على الأقل على علاقات طيبة بأقربائهم اللخميين فى الحيرة نستدل على ذلك من أن النعمان الرابع آخر ملوك الحيرة كانت له زوجتان من طيئ هما فرعة بنت سعد، وزينب بنت أوس وكلتاهما تنتسبان إلى أسرة الحارثة بن لأم. على أنه حدث حين فر النعمان أمام جيش
стр. 6907
ملك الفرس وأراد أن يلجأ إلى بنى طيئ، أن أبى هؤلاء أن يفيئوا عليه حمايتهم، والراجح أن الذى دفعهم إلى ذلك هو علاقات الود التى كانت تربطهم بالفرس، وهى علاقات لم تكن فيما يظهر علاقات عابرة. ذلك أنه لما توفى النعمان أقيم إياس بن قبيصة الطائى نائبا لملك فارس على الحيرة (٦٠٢ - ٦١١ م). وقاد إياس هذا الجيش الفارسى العربى فى حملة على بنى بكر فى يوم ذى قار. وقد جعله الطبرى وغيره من الكتاب من "العباد" لأنه كان نصرانيًا.
وفى سنة ٩ للهجرة بعث بنو طيئ إلى النبى ﵊ وفدا من بينه قيس بن جحدر الذى كان فيما يقال أول من أسلم منهم، وهو يعد من الصحابة (انظر: أسد الغابة، جـ ٤، ص ٢١٠).
والنسبة إلى بنى طيئ هى طائى. وقد اشتهر الشاعر حاتم بهذه النسبة (نشر ديوانه شولتس Schulthess)، ورويت نوادر وقصص كثيرة عن كرمه الذى يضرب به المثل. ونذكر من الشعراء الطائيين: عارقا الطائى، وزيد الخيل، وأبا زبيد وهو نصرانى، وعمرو ابن ملقط، وعمرو بن ميار بن قرواشى، ومن الإسلاميين منهم الطرّماح الخارجى، الذى نشر ديوانه كرنكو (Krenkow, سلسلة كب التذكارية، جـ ٢٥، سنة ١٩٢٨). وقد احتفظت كتب اللغة والدواوين بشواهد من لغة طيئ، مثال ذلك أنهم يقولون: بقى وفنى لبقية وفنية، ومجح لبجح، وظلت لظللت، وعين لجديد. وأصبح اسم بنى طيئ علما فى اللغة السريانية على العرب والمسلمين.
المصادر:
(١) ابن دريد: كتاب الاشتقاق، طبعة فستنفلد
(٢) البكرى، طبعة فستنفلد
(٣) Geneal. Tabellen and Register: Wustenfeld
(٤) Die alte Geographic Arabiens: Sprenger
خورشيد [براو H.H.Brau]
стр. 6908
ظ
стр. 6909
ظاهر العصر
ويقال له فى سورية ضاهر، وهو نطق أهل البلاد للرسم ظاهر العمر، أو آل عمر نسبة إلى أبيه عمر: شيخ بنى زيدان وهم البدو الذين نزلوا ناحية صفد.
وقد استطاع ظاهر أمير طبرية والأردن الأعلى أن يصل إلى اتفاق مع متولية الجليل بغية طرد العمال الترك شيئًا فشيئًا، ثم استولى على ثغر عكا المخرب حتى يكون له منفذًا لتصدير القطن والحرير. وأعاد ظاهر تعمير هذا الثغر وبادر إلى إقامة الأسوار المتينة التى كان الصليبيون قد شيدوها، ولم تكن يد التدمير قد أتت عليها تمامًا عند رحيلهم. ولم يشأ أن يقطع حبل الصلة بينه وبين الباب العالى، ومضى يؤدى له الضرائب "الميرى" دون أن يسمح بوقوعها فى يد وكلاء الترك. ولم يكن ظاهر يشبه فى شئ البدو فيما أثر عنهم من صفات، فقد أراد أن يمكن لنفسه فسعى أن يقوم حكمه على رفاهية البلاد وازدهارها، وبسط حمايته على الفلاحين وشجعهم على أن ينتجوا، وكان ظاهر إلى ذلك عارم النشاط قضى حياته على متن جواده ولم تؤثر فيه عثرات الحياة ولا انقلاب الحظ.
وقد جلب عليه توطد مركزه فى عكا عداوة الباب العالى فى استانبول، فوصل حبله بعلى بك ليجتاز العاصفة،
стр. 6910
وكان على بك قد أحيا وشيكا حكم البكوات، أو قل المماليك فى مصر. وهرع أبو الذهب، نائب على بك، إلى الشام واستولى على دمشق، ثم تمرد على على بك فحمله على بك على الالتجاء إلى الظاهر حليفه الجديد وبدأ ظاهر الذى كان فى عنفوانه لم تنزل به آية نازلة بسجن جنود عثمان باشا الوالى التركى لدمشق، ثم استولى على صيداء.
وجهز الباب العالى جيشًا كبيرًا، وكان فى استطاعة ظاهر أن يعتمد على معونة المتولية، وعلى بضعة مئات من المماليك الذين كانوا قد صحبوا على بك، ثم على أسطول من مراكب الروس الحربية بقيادة أمير البحر أورلوف كان يجوب شرقى البحر المتوسط منذ سنة ١٧٧٠ ووقع الاشتباك على طول الساحل بالقرب من صيداء، وحسمت نيران هذا الأسطول المعركة (مايو سنة ١٧٧٠) وهنالك مضى الروس إلى قذف بيروت ثم نهبوها. واستغل ظاهر هذا النصر الكبير، وسارع إلى مد سلطانه على أعمال فلسطين، ودانت هذه البلاد لسلطانه من صيداء إلى الرملة. ثم بدأ الحظ يقلب له ظهر المجن، فقد استدرج على بك إلى العودة إلى مصر، وهناك حلت به الهزيمة وقتل. ولما تم الخلاص من على بك عاد أبو الذهب إلى الظهور فى فلسطين. واستولى على الثغور التى كانت هى حوزة ظاهر، وتقدم إلى عكا إلا أن المنية عاجلته (يونية ١٧٧٥). على أن الأسطول التركى ضرب حصارًا على عكا بعد استيلائه على صيداء، وكان ظاهر قد اعتصم بعكا. ولم يحدث قذف عكا بالقنابل أثرًا فى الأسوار القديمة التى كان الصليبيون قد شيدوها، إلا أن ذهب الترك أتى بنتيجة أفعل، وقام عصيان فى الحامية فأصابت رصاصة ظافرًا فقتلت فى الحال ذلك الزعيم البدوى الشيخ (أغسطس ١٧٧٥) الذى ظل يتحدى سلطان الباب العالى ربع قرن من الزمان. وظلت ذكراه حية فى نفوس أهل سورية، ولم يكن المسيحيون الذين بسط عليهم حمايته هم آخر من أسف على مصرعه.
стр. 6911
المصادر:
(١) الجبرتى: تاريخ، القاهرة: ١٨٨٠، جـ ١، ص ١٧٣ وما بعدها، ٤١٣، وما بعدها
(٢) طنوس شدياق: أخبار الأعيان فى جبل لبنان، بيروت ١٨٥٩، ص ٣٦٠ - ٣٦١، ٣٨٨ - ٣٩١.
(٣) Voyoge en Syrie et en Egypte: Volney، باريس ١٩٠٧، جـ ٢، ص ٥ وما بعدها
(٤) Voyoge dans l'Isle de Chypre, la Syrie et la Patestine: Abbe Mariti، باريس سنة ١٧٩١، جـ ٢، ص ٨٥ وما بعدها
(٥) Ahmed le Boucher,Ia Syrie et L'Egypte au ١٨ eme Sieele: Ed Lockroy, باريس سنة ١٨٨٥ (وهو هام لصبغته الحلية، أما فيما عدا ذلك فليست له قيمة)
(٦) وقد ذكر لامنس إشارات إلى مراجع مخطوطة فى كتابه Ia Syrie Precis Historique، بيروت سنة ١٩٢١ جـ ٢، ص ١٠٣ - ١١٢.
خورشيد [لامنس H.Lainmens]
الظاهر
الظاهر بأمر اللَّه أبو نصر محمد بن الناصر: خليفة عباسى؛ كان الخليفة الناصر فى وقت مبكر يرجع إلى شهر صفر سنة ٥٨٥) مارس - أبريل سنة ١١٨٩)، قد عهد بالخلافة من بعده إلى ابنه الأكبر محمد. على أنه عدل عن رأيه واستخلف ابنه عليا، فلما توفى على سنة ٦١٢ هـ (١٢١٥ - ١٢١٦ م) لم يجد الناصر ولدًا ذكرا آخر من عقبة، فعاد إلى محمد وعقد البيعة له من بعده. وقد وصف لنا ابن الأثير (جـ ١٢، ٢٨٧) المعاملة التى كان يعامل بها محمد فى بيت أبيه فقال: "إلا أنه تحت الاحتياط والحجر لا يتصرف فى شئ". ولما توفى الناصر فى آخر رمضان سنة ٦٢٢ (أوائل أكتوبر سنة ١٢٢٥) اعتلى محمد عرش الخلافة متلقبًا بالظاهر بأمر اللَّه، إلا أن خاوفته لم تدم إلا تسعة أشهر وأربعة عشر يوما، ذلك أنه توفى فى الرابع عشر من رجب سنة ٦٢٣ (١١ يولية سنة ١٢٢٦)، وخلفه إبنه الأكبر المستنصر. وقد أثنى المؤرخون المسلمون الثناء
стр. 6912
العاطر على الظاهر لحميد أخلاقه وخلاله، فقالوا إنه كان يخشى اللَّه، جوادًا , عادلا وديعا وقارنوه بالخليفة الأموى عمر بن عبد العزيز الذى اشتهر بالتقوى ومع ذلك فلم يكن له فى ميدان السياسة شأن يذكر كما كان فى خلافته كشأنه قبل ولاية العرش خاضعًا لسلطان غيره ولم يحدث فى مجرى الأمور أثرًا يذكر.
المصادر:
(١) ابن الأثير: الكامل، تورنبرغ، جـ ١٢، ص ٢٦، ٢٨٧ - ٢٨٩، ٢٩٨ وما بعدها
(٢) ابن الطقطقى: الفخرى، طبعة درنبورغ، ص ٤٤٣ - ٤٤٥.
(٣) Gesch. der Chalifen: Weil جـ ٣، ص ٤٥١ - ٤٣٥.
خورشيد [تسترشتين K.V.Zettersteen]
الظاهر غازى
الملك الأيوبى: الابن الثانى لصلاح الدين ولد سنة ٥٦٨ هـ (١١٧٢ - ١١٧٣ م) وولى اسما على حلب عقب غزوها على يد صلاح الدين فى أوائل سنة ٥٧٩ هـ (١١٨٣ م) على أن صلاح الدين أمر عليها أخاه العادل بعد ذلك ببضعة أشهر. ولم تمض ثلاث سنوات حتى ولى الظاهر نهائيا حكم حلب وعدة بلدان، فامتدت ولايته شمالا حتى حدود أرمينية، وشرقًا حتى نهر الفرات (عند منبج) وجنوبًا حتى ما يقرب من حماة، وبذلك وكل إليه حماية الحدود الشمالية من غارات الروم والأرمن والصليبيين. وقوى الظاهر الحصون وظلت حلب حصنًا من حصون الإسلام ومن أعظم الحواضر رخاء وازدهارًا فى عهد الأيوبيين. وفى الحروب التى نشبت مع الصليبيين ساعد الظاهر فى إخلاص أباه ثم أخاه الأفضل ثم عمه العادل وفى جمادى الآخرة سنة ٥٨٤ (أغسطس ١١٨٨) انتزع قلعة سرمين من الصليبيين، وأطلق سراح عدة مئات من الأسرى، وأمر بقتل كل من لم يستطع من السكان أداء الجزية ودمر التحصينات حتى سواها بالأرض وقد أظهر نشاطًا جمًا وأبدى شجاعة نادرة فى القتال الذى نشب من أجل عكا
стр. 6913
ويافا. ولما توفى صلاح الدين فى ٢٧ صفر سنة ٥٨٩ (٤ مارس سنة ١١٩٣) تردد فى إبداء ولائه بين الأفضل الذى كان قد ورث ملك دمشق والشام، وبين العادل الذى كان من نصيبه قلعتا الكرك والشوبك وغير ذلك من الأماكن فى أرض الجزيرة، والذى قام بدور الوسيط فى القتال الذى نشب بين أبناء أخيه. فلما اضطر الأفضل سنة ٥٩٢ هـ (١١٩٥ - ١١٩٦ م) إلى النزول عن دمشق وأدركت المنية فى المحرم سنة ٥٩٢ (١١٩٥ - ١١٩٦ م) الابن الثالث لصلاح الدين العزيز الذى ورث ملك مصر، لم يجد الظاهر أمامه إلا التسليم هو وبقية أفراد الأسرة الأيوبية بسيادة العادل. ومع ذلك أيد بلا جدوى المحاولة التى بذلها الأفضل لفتح دمشق ثانية. وفى نهاية سنة ٥٩٧ (١٢٠١ م) حاصر الأخوان هذه المدينة وكانت خليفة بأن تسقط فى يدهما لو لم يختلفا ويعمد الأفضل إلى تسريح الجند الذين كانوا تحت إمرته، ولما هدد العادل حلب فى السنة التالية، اضطر الظاهر إلى الخضوع مرة أخرى والنزول عن بعض أملاكه. وفى شعبان ٥٩٩ (أبريل/ مايو ١٢٠٣) استطاع بالتهديد أن يجبر الأفضل على النزول له عن قلعة نجم دون أن يؤدى له أى تعويض. وتوفى الظاهر فى السابع من جمادى الآخرة سنة ٦١٣ (٣ سبتمبر سنة ١٢١٥) بعد أن دبر أن يخلفه ابنه الملك العزيز محمد البالغ عمره ثلاث سنوات والذى ولدته له زوجته ضائفة ابنة العادل، مقصيًا بذلك ابنا له أكبر من العزيز. وتولى الحكم الأتابك شهاب الدين طغرل وصيا على الأمير الصغير. وكان الظاهر قد تزوج سنة ٥٨٢ هـ (١١٨٦ - ١١٨٧ م) ابنة أخرى للعادل هى الغازية، على أنها توفيت قبله دون أن تعقب وقد أثنى ابن الأثير على سخاء الظاهر مع الشعراء، وامتدح مواهبه السياسية العالية، ولكنه يقول فى الوقت نفسه أنه كان قاسى القلب.
المصادر:
(١) ابن الأثير: الكامل، طبعة تورنبرغ، جـ ١١، ص ٣٣٠ وما بعدها، ٣٦٦؛ جـ ١٢، ص ٧، ٣٤، ٦٣ وما بعدها، ١٠٢، ١٠٥ - ١٠٧، ١١٠ وما بعدها،
стр. 6914
١١٧، ١١٩، ١٣١، ١٥٨ وما بعدها، ١٨١، ١٨٩، ٢٠٤، وما بعدها ٢٢٧
(٢) كمال الدين: تاريخ حلب: Histoire d'Alep، ترجمة بلوشيه، Blochet، فى مواضع مختلفة
(٣) Geschichte der Chalifen: Weil, جـ ٣، ص ٤٠٢، ٤٠٦، ٤٣٣ - ٤٣٥
(٤) Geschichte des Kongreichs Jerusalem: Rohricht، انظر الفهرس، وانظر أيضًا مادة "حلب"
خورشيد [تسترشتين K.V.Zettersteen]
الظاهرية
مذهب فى الفقه إنما يأخذ الشريعة بظاهر لفظ القرآن والسنة، وهو بعدُ يزيد من حيث فروع الفقه فى عدد القواعد المفصلة المتباينة بالإتيان بعدة خلافات تختص به وحده. وأهم من هذا أثره فى أصول الفقه، فقد توسع كثيرًا، فى تنميتها وتوضيحها بإنكاره المتشدد للرأى، والقياس، والاستصحاب، والاستحسان، والتقليد. وفى العراق أصبح المذهب الظاهرى الذى يقال له أيضًا الداودى نسبة إلى منشئة داود، مذهبا منتظما له أصوله وقواعده. وقد امتد سلطان هذا المذهب إلى فارس وخراسان، أما فى الأندلس فقد ظل محصور، فى ابن حزم يكاد يقتصر عليه وحده. وإنما حدث فى عهد يعقوب المنصور الموحدى (٥٨٠ - ٥٩٤ هـ = ١١٨٤ - ١١٩٩ م) أن غدا المذهب الظاهرى هو المذهب الذى أخذت به الدولة. ومع ذلك فقد بقى فى كل وقت أناس ميولهم ظاهرية، ولكنهم لم ينتظموا فى مذهب أو يكونوا مذهبًا جديرا بهذا الاسم، وظلت الحال على ذلك حتى بعد أن عجز المذهب الظاهرى عن أن يحل المسائل التى لم تنشأ فى محيط النبى ﵊ أو فى محيط رواة السنة الأولين، بالرغم من جميع المسائل التى اضطر فيها هذا المذهب إلى التسليم بأحكام المذاهب الأخرى المنافسة له. وقد سجل التاريخ فى عهد متأخر يرجع إلى سنة ٧٨٨ هـ (١٣٨٦ م) قيام فتنة ظاهرية فى الشام حيث لم يكن للمذهب وجود، كما نجد فى مصر أن المقريزى يكتب بروح ظاهرية. ويمكن أن يأخذ بالظاهرية،
стр. 6915
وخاصة من حيث النظر، أولئك الذين لم يحتكوا بالأمور الصغيرة التى تجرى فى الحياة اليومية، ولم يرضوا أن يتبعوا مذهبا بعينه كراهية منهم لتوسع المذاهب فى التخريج وما يقوم بينها من تنازع، ومن ثم فليس بعجيب أن يقوم صوفى هو الشعرانى بحفظ كثير من أحكام مذهب الظاهرية. صحيح أن مفسرى القرآن، وخاصة فخر الدين الرازى، وشراح مجموعات الحديث، يوردون التفاسير الظاهرية الخاصة، إلا أن الفقهاء المتأخرين لم يعودوا يأخذون أحكام منافسيهم السابقين من الظاهرية مأخذ الجد، وكفوا عن ذكرها فيما بقى لنا من كتب خاصة فى اختلاف الفقه. على أن الشعرانى فى كتابه الميزان (ص ٤٤) يضع فى عين الشريعة المطهرة داود بين ابن جنبل وسفيان بن عيينة (١)، ووضعه فى طرق مذاهب الأئمة المجتهدين إلى أبواب الجنة. . بين ابن جنبل وأبى الليث بن سعد. وليس بين أيدينا مخطوطات فى فقه الظاهرية، لذلك نورد من الكتاب الأول للشعرانى شواهد من السمات المتميزة لهذا المذهب فى باب الطهارة:
ص ٩٨، س ١٢: استعمال أوانى الذهب والفضة فى الأكل والشرب حرام. وقد ذكر النووى فى شرحه لصحيح مسلم (القاهرة ١٢٨٤ هـ. جـ ٤، ص ٤١٦) وأبو الفداء فى تاريخه (طبعة Reiske، جـ ٢، ص ٢٦٢) أن الظاهرية أخذوا بالحديث الخاص بذلك والذى اقتصر على ذكر الشرب، فجوّزوا الأكل فى هذه الأوانى.
ص ٩٨، س ٢٣: استعمال السواك واجب، وزاد إسحق بن راهوية شيخ داود أن من تركه عامدًا بطلت صلاته.
ص ٩٩، س ١٢ وما بعده؛ جـ ٢، ص ١٦٣، س ١٥: قال داود بطهارة الخمر مع تحريمها.
ص ١٠٣، س ١٧، ص ١٠٧، س ١٥: قال داود بجواز مس المصحف على المحدث.
стр. 6916
ص ١٠٥، س ٢٣: إن لمس الأجنبية حتى لو كانت بنتا ساعة ولادتها ينقض الطهارة ويوجب الوضوء.
ص ١٠٧، س ٢٦: لم يرد حكم باستقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة، ولذلك أجازهما داود.
ص ١٠٨ س ١٧؛ ص ١١٣، س ١٠: فى قول عبيد اللَّه النخعى (وهو قاض ظاهرى فى خراسان توفى سنة ٣٧٦ هـ = ٩٨٦ م) أنه لا يصلى بوضوء واحد أكثر من خمسة صلوات، وقال عبيد اللَّه بن عمير: لا يصلى بوضوء واحد غير فريضة واحدة.
ص ١٠٩، س ٢٤: إن التسمية فى الوضوء ليست مستحبة بل واجبة.
ص ١٠٩، س ٣٣: إن غسل اليدين قبل الطهارة واجب فى قول بعض الظاهرية تعبدًا لا لنجاسة.
ص ١١٠، س ٣٠: إن المرفقين لا يدخلان فى وجوب غسل اليدين (على أن زفر بن الهذيل المتوفى سنة ١٥٨ هـ الموافقة ٧٧٤ م والذى كان وثيق الصلة بأبى حنيفة قد قال بذلك أيضًا).
ص ١١٣، س ٢٠: إن الغسل لا يجب إلا بإنزال المنى.
ص ١١٤، س ٢١: إن المرأة إذا أجنبت ثم حاضت يجب عليها غسلان.
ص ١١٤، س ٢١؛ ص ١٢٢، س ٢٢: يجوز للجنب، حتى المرأة وهى حائض، قراءة القرآن كله كيف شاء.
ص ١١٥، س ١١: إن التيمم يرفع الحديث.
ص ١٢٠، س ٢٣: يجوز المسح على الخف المخرَّق بكل حال.
ص ١٢٢، س ٨: إذا غسلت المرأة فرجها بعد الحيض جاز وطؤها (وهذا قول الأوزاعى أيضًا):
ولا يمكن أن نقول فى الظاهرية على وجه الإجمال، كما يتبين من هذه الشواهد، أن هذا المذهب متخفف أو متشدد، فقد وصفه الشعرانى حينا بأنه أخف المذاهب جميعًا، ووصفه حينا بأنه أشدها قاطبة. ولم يستطع هذا المذهب أن يلج الميدان الذى وجد فيه كثير من الفقهاء بغيتهم الأولى رغبة منهم فى
стр. 6917
التخفيف. ذلك أنه على سبيل المثال قد أصر على الأخذ بظاهر اللفظ فيما ورد بآيات القرآن وعبارات الحديث خاصًا بالكفار إلى حد التشدد الذى لا يعرف هوادة ولا سماحة.
ثم إن الظاهرية لم يستطع -من حيث العمل- تطبيقها تطبيقًا منهجيًا، لأنها حرمت البحث العقلى فى أى حكم ولم تسمح بأن يمتد الحكم بالقياس إلى حالة مماثلة، أو أن ينتقل الحكم من الخاص إلى العام، وأنكرت إنكار، مطلقًا تخفيف الكلمات الواردة فى مصادر الشريعة على ضوء نظائرها التى استعملها الشعراء الوثنيون، وأرادت أن تقيم الفقه الصحيح للحديث بالاستعانة بنصوص خاصة من فقه اللغة الإسلامى. وقد بدا لها أن مذهب مالك يقوم على الرأى مثله مثل مذهب أبى حنيفة، ورأت أن الشافعى، الذى خرجت هى منه، إنما نظم قواعد الرأى ولم يبطله، وأن الإجماع لا يمكن أن يقال فيه إلا أنه إجماع الصحابة الأولين وحسب. وهى لم تفطن إلى مراتب النواهى والأوامر. فالأوامر التى فسرتها المذاهب الأخرى فى بعض الأحيان بأنها مجرد رخصة أو أمر مستحب أو نهى بسيط نجدها عند الظاهرية إما واجبة وجوبًا مطلقًا أو محرمة تحريمًا مطلقًا. وكان من الطبيعى أن تأخذ بحشد من الأحاديث كما أنه قد وجه إليها النقد بأنها لم تكن تعنى بتمحيص ما تأخذ العناية الدقيقة. على أنها لم تر بدا من نقد الحديث منكرة كثيرًا من الأحاديث المناصرة للرأى التى كانت تلقى القبول، ومنكرة الأحاديث المشهورة التى تقول إن الاختلاف رحمة، ذلك أنها رأت فى هذه الأحاديث أثر، سيئ للأساليب الشخصية التى كانت متبعة، وكانت ترى فى نفسها حيال ذلك أنها النصير للوحدة التى افتقر إليها الإسلام فى عهده الأول. ولم تبلغ الظاهرية فى الشريعة الوحدة على الرغم من الجهود التى بذلها ابن حزم. وهذا المذهب يلتزم على العموم موقف الحيدة التى تقوم على الحرص ثم الترفع عن المنازعات الشرعية، وهو يسلم بالأقوال التى وصف بها اللَّه من غير تفسير تمشيًا مع احترامه لظاهر اللفظ فى القرآن والسنة.
стр. 6918
المصادر:
(١) الشعرانى: الميزان، الطبعة الثانية، القاهرة سنة ١٣١٧ هـ، فى مواضع مختلفة.
(٢) ابن النديم: الفهرست، طبعة فلوكل، جـ ١، ص ٢١٦ - ٢١٩.
(٣) السمعانى: كتاب الأنساب، فى سلسلة كب التذكارية، جـ ٢٠، مادة داودى، ورقة رقم ٢٢٠ عين، س ٨ - ١٦؛ ص ٢٢٠ من أعلى، س ٥؛ مادة الظاهرى، ورقة ٣٧٦، س ٢ - ٣٠.
(٤) ابن الأثير: الكامل، طبعة تورنبرغ، جـ ١٢، ص ٥٩ وما بعدها.
(٥) Die zahiriten Ihr Lehrsystem und ihre Geschishte: I.Goldziher، ليبسك سنة ١٨٨٤.
خورشيد [شتروتمان R.Strothmann]
ظفار
١ - كانت تقع ظفار قرب قرية فى جنوبى اليمن على مسيرة نحو عشرة أميال جنوب غرب يريم، وقد اشتهرت فى الأزمان القديمة بوصفها قصبة مملكة حمير (وتسمى أيضًا ظفارى، انظر ياقوت: المعجم، جـ ٣، ص ٧٠٦؛ وقد ذكرت أصول الكلمة ظ - ب (ف) - ر فى نقوش جنوبى بلاد العرب؛ ووردت فى الإثيوبية بصيغة "صفار"):
وقد ذكر بليناس (Natur. Hist.: Pliny, جـ ٦، ص ١٠٤) المدينة الملكية باسم regia Sapphar كما ورد ذكرها فى Periplus Mar. Erythr, (الفصل ٢٣) باسم التى كان يحكمها (كريبائيل) ملك بنى حمير وبنى سبأ وهو من تلك الأسرة التى خلفت ملوك سبأ باسم "ملوك سبأ وذى ريدان" وكانت لها السيطرة على جنوبى بلاد العرب، منذ نهاية القرن الثانى قبل الميلاد على الأكثر؛ وكان بنو سبأ فى رواية Periphus من أتباع ملوك حمير بالفعل، وكانت لا تزال تقوم هناك مملكة حميرية فى زمن المصادر التى استقى منها بليناس.
والإشارة الثانية للقصبة ظفار فى المؤلفات اليونانية الرومانية وردت فى بطلميوس (جـ ٦، ص ٧ و ٤١؛ جـ ٨،
стр. 6919
ص ٢٢ و ١٦)، حيث ذكرت البلدة ضمن بلدان العرب السعيدة، أى كما ورد فى Periplus تمامًا، أما عن الخلاف حول خط الطول الذى تقع عليه هذه المدينة كما نستبين من مخطوطات بطلميوس الذى جعل هذا الخط ٧٨ ْ مرة و ٨٨ ْ مرة أخرى فإننا نفضل الأخذ بخط الطول ٧٨ ْ وهذا هو الرقم الذى ذكره الهمدانى فى صفة جزيرة العرب (طبعة D. H. Muller، ليدن ١٨٨٤، ص ٢٨)، فى حين ذكر فى كتابه الإكليل (فى Die Burgen and S.B.Ak.Wien: D.H.Muller فى Schlosser Sudarabiens جـ ٩٤، سنة ١٨٧٩، ٤١٧) أن خط الطول هو ٧٨ ْ، ولما كانت المدينة الساحلية تقع فى رواية بطليموس على خط الطول ٨٧ ْ ٣٠ ْ مع الاختلاف بين ٨٨ ْ ١٠ َ و ٨٨ ْ ٣٠ َ) وعلى خط عرض ١٤ ْ مثل ظفار تماما فقد حدا ذلك بكليزر (Skizze der Cescht. and Geographie Arabiens: E. Glasser، برلين ١٨٩٠، جـ ٢، ص ١٨٨٠)، إلى القول بأن هذا الخلاف فى خط الطول يرجع فيما هو واضح إلى خطأ وقع فيه ناسخ فى العهد الذى تلا العهد البطلميوسى، فقد خلط بين ظفار اليمنية وظفار التى كانت فى هذه الأثناء قد قامت فى الشرق قرب موشا Moscha. وهذا القول نشأ من خطأ كليزر فى تعيين موضع موشا (انظر ظفار رقم ٣)، ثم لعله من الجائز منذ البداية أنه قد وقع خطأ عتد النقل من بطلميوس فاستبدل بالرقم الأصلى سبعة، كما حدث فى الرقم المباين فى خط الطول الذى تقع عليه موشا، أما قوله: "بأننا لا نملك إلا أن ننسب لبنى سبأ" القصبة التى ذكرها بطلميوس؛ لأن موقعها لا يناسب الأراضى الحميرية التى كانت بلا شك محدودة جدًا فى ذلك الحين"، وقوله: "كانت مأرب بلا ريب المقر الملكى فى عهد ملوك سبأ وريدان"، وقوله إن هذه المدينة كانت خرائب وأطلالًا "منذ قرون سبقت عهد بطلميوس" (المصدر المذكور، ص ٢٤٠ و ٢٤٢) فإنما هى أقوال تعتمد على آرائه فى تاريخ نشوء المملكة الحميرية. ثم إنها تناقض ما تشهد به المصادر القديمة التى ذكرناها وشيكا، وهى التى يمكن أن نوفق بينها وبين
стр. 6920
الأدلة المستقاة من النقوش على نحو أفضل.
ونستبين من بطلميوس (جـ ٦، ص ٧ و ٢٥)، أنه كان يقيم بقرب بنى حمير أهل مدينة وناحية تحيط بها، ونعنى بهم الأسرة الحاكمة؛ وثمة إشارات أيضًا إلى ظفار، بوصفها ناحية، فى الكتب العربية كالإدريسى، ولكنها لم تعد تذكر اسما لقبيلة (Die alte Geographie Arabiens: Sprenger، برن ١٨٧٥، ص ٣١١)، وربما كان قد تفرع طريق إلى يريم وظفار من الطريق الذى ورد ذكره فى Periplus، والذى كان يتجه من مخا مشرقا، أما إن القصبة كان لها شأن فى التجارة فأمر مفهوم؛ (انظر عن الطريق الذى ورد فى خريطة بطلميوس: Sprenger, المصدر المذكور، ص ١٨٣ وما بعدها)
وإلى ظفار هذه يشير فيلوستورغيوس Philostorgius (الثلث الأول من القرن الخامس؛ Hilt. eccl, جـ ٤، ص ٤) عند روايته نبأ دخول بنى حمير فى المسيحية حوالى سنة ٣٥٤ - ٣٥٥ على عهد قسطنطين الثانى Constantius II (٣٥٧ - ٣٦١؛ انظر الشاهد فى نفقور كاليستس Nicephorus Callictus جـ ٩، ص ١٨)، وقد حرص ثيوفيلوس Theophilus, الذى أصبح أسقفًا من بعد، على الحصول من ملوك حمير على إذن بإقامة الكنائس فى وعدن وهرمز. وقد عارض كليزر (المصدر المذكور، ص ١٨١) هذا القول الثابت الذى يقرر أن لا تعنى المدينة الحميرية، بل المدينة التى على الساحل (انظر ظفار رقم ٢)؛ وكذلك فعل ريتر من قبله (Ritter: Erdkunde، برلين ١٨٤٦، جـ ٨/ ١٢، ص ٦٥)، ومع ذلك فإننا لا يساورنا أقل شك فى أن فيلوستورغيوس قد تزود بمعلومات مخطئة، ثم إن القصبة كانت فيما يرجح هى المكان المناسب لإقامة كنيستهم. وقد أخطأ بيورى (Arabia infelix: G.W.Bury، لندن ١٩١٥، ص ١٠)؛ فى القول بأن ظفار هى يريم نفسها؛ وذكر تيودورس (Theodoros Anagnostes، جـ ٢، ص ٥٨؛ وانظر Nicephorus، جـ ١٦، ص ٣٧) أن دخول بنى حمير فى المسيحية كان فى عهد أنسطاسيوس Anastasius (٤٩١ -
стр. 6921
٥١٨ م)، وقد عزيت نصوص مزيفة على الكتاب المقدس إلى غريغنطيوس Gregentius أسقف ظفار، حوالى منتصف القرن السادس، وكذلك ذكرها أميانوس Ammianus Marcellinus (أواخر القرن الرابع، جـ ٢٣) باسم تفارون Tapharon؛ ثم ذكرها أيضًا جغرافى رافنا Ravenna (القرن السابع، جـ ٢، ص ٦)، باسم تفره Tafra، وقد سمى هذا الجغرافى حمير باسم Omeritia؛ ثم إن الاسم يظهر أخيرًا، فى الصيغة فى إسطفانوس البوزنطى (Stephanus Byzantinus، انظر تحت هذا الاسم) وهو بوصفه لغويًا لم يكن يهتم إلا بصيغة الاسم فحسب.
وحوالى منتصف القرن الرابع كانت مملكة حمير قد غزاها بنويكسوم Axumites، على أنه ما إن حان الربع الأخير من هذا القرن حتى عاد الملوك الوطنيون وأصبحت لهم اليد العليا، ومن ثم فإن ملك ظفار الذى قال فيلوستورغيوس إنه كان صديقًا للمسيحيين إما أن يكون واليًا أقامه بنو يكسوم (انظر Glazer, Die Abessiner: in Arabien and mutandis Afrika، ميونخ ١٨٩٥، ص ١٦٦) مثل سميفع سنة ٥٢٥، وإما أن العودة إلى غزو البلاد، التى كان الحكم فيها لا يزال فى يد بنى يكسوم وفقا لنقش تم قبيل سنة ٣٥٦، كان قد بدأه بنو حمير بنجاح حوالى ٣٥٥ م، ولم يكتب للأحباش السيادة على البلاد مرة أخرى إلا سنة ٥٢٥ م، ثم غلبهم الفرس على أمرهم حوالى سنة ٧٠ هـ، وحتى ذلك التاريخ كانت ظفار قصبة جنوب بلاد العرب؛ وقد دخل آخر ولاة صنعاء الفرس فى الإسلام سنة ٦٢٨ م.
ويقول ابن خرداذبة (ص ١٤٥) والمسعودى (المروج، جـ ٣، ص ١٧٨) وياقوت (جـ ٣، ص ٣٧٧ جـ ٢، ص ٧٢٢) إنه كان على باب ظفار نقش نصه: "لمن ملك ظفار؛ لحمير الأخيار؛ لمن ملك ظفار، للحبشة الأشرار، لمن ملك ظفار؛ لفارس الأخيار؛ لمن ملك ظفار، لحمير ستجار" وهذا يعبر بأجلى بيان عن تاريخ من تقلبوا على حكم جنوبى بلاد العرب. وقد شهد جغرافيو العرب ومؤرخوهم وأصحاب معاجمهم بأن ظفار كانت قصبة ملوك حمير، فأيدوا بذلك ما ذكره الكتاب اليونان والرومان،
стр. 6922
ومن هؤلاء العرب ابن خلدون (جـ ٤، ص ١٤٠) والمسعودي (جـ ٣، ص ١٧٧)، والجوهرى، (انظر مادة "ظفار") وياقوت (جـ ٣، ص ٥٧٧، ٨١٢ فى قول شاعر استشهد به)، والقاموس (انظر مادة "ظفار")، وتاج العروس (جـ ٣، ص ٣٧٠)، وجهاننما، وقد ذكر ابن خرداذبة (ص ١٤٠) حصن ريدان الملكى فى ظفار، وهو يستشهد بشعر امرئ القيس (ص ٢٠٦، س ٢٢ فى The Diwans: Ahl wardt)، والهمدانى (الإكليل، ص ٤١٠ و ٤١٤، فى شعر أسعد تبع)، والبكرى (المعجم، انظر مادة: "ريدان")، وياقوت (جـ ٢، ص ٨٨٥، جـ ٣، ص ٤٢٢، حيث غير مولر D. H. Muller الصيغة زيدان الواردة فى "الإكليل" ص ١٤٠، س ٣، من خطأ فى القراءة، إلى ريدان [انظر الصيغة نفسها فى Ritter، جـ ١٢، ص ٢٥٨، عن الإدريسى]، انظر ما يلى عن تفسير كليزر لريدان الواردة فى النقوش)، ويصف الإدريسى أيضًا ظفار (جـ ١، ص ١٨٤ وما بعدها، طبعة Jaubert، باريس) فيقول إنها من أهم وأشهر بلدان اليمن، وأنها كانت مقرًا لملوكها.
وفى روايته أنها ناحية من يَحْصِب التى كانت تسمى أيضًا ظفار. ويذكر المقدسى (المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٣، ص ٧٠) (٢٥٣)، فى استعراضه لجزئى اليمن، التهامة والنجد، يحصب على اعتبار أنها من بلاد نجد، وقد ذهب شيرنكر (Die Post-and Reiserouten des Orients Abth. F.d.Kunde des morgenl: Springer, فى جـ ٣/ ٣، ليبسك ١٦٨٤ ص ١٠٦)، إلى أن هذا القول يشير إلى ظفار، وهذا التعريف الذى نجده أيضًا فى (its early mediaeval History: H.C.Kay Yaman لندن ١٨٩٢ ص ٢٤٦ وعلى خريطته)، ليس مقنعًا، وهو يخطئ أيضًا فيكتب الاسم يَحْضب، على أن يحصب (بضم الصاد أو كسرها) هو اسم مخلاف (انظر علاوة على الإدريسى، ياقوت، جـ ٢، ص ٨٨٥، الذى يقول أن حصن ريدان فى هذا المخلاف، ثم يستطرد فيقول إن ريدان فى ظفار ويستشهد بأبيات من قصيدة لأسعد تبع فى الإكليل، المصدر المذكور، ص ٤١٤ ومن ثم تقع ريدان
стр. 6923
القبيلى فى سهل يحصب)، وفى رواية (الإكليل، ص ٤١٠) كانت ظفار معروفة باسم حقل (أى هضبة)، وفى ياقوت (جـ ٤، ص ٣٤٦) إشارة إلى يحصب العلو فى ظفار، أما تعليل شيرنكر للرواية التى وردت فى ابن خرداذبة (المصدر المذكور): يحصب هو اسم المدينة، أما الحصن الذى يقيم فيه الملك. . . فاسمه ظفار) Postrouten، المصدر المذكور، ص ١٤٧) فهو تعليل مخطئ، والمعنى الأقرب للذهن هو: "يحصب (وفيها) مدينة ظفار وحصنها ريدان".
وفى رواية الإدريسى أن هذا الحصن كان فى أيامه من بقايا القصر الملكى هناك، وهو يتحدث أيضًا عن آثار أخرى تشهد بازدهارها قديمًا، ويرجع الطبرى (طبعة ده غوى de Goeje، جـ ١، ص ٢٥٦) إقامة ظفار إلى ملوك بنى حمير، ويزودنا الهمدانى فى الإكليل (المصدر المذكور، ص ٤١٢) بوصف لموقع ظفار على منحدر تل قرب مدينة سختيون (منكث، ولا تزال هناك خرائب لقرية منكث قرب ظفار مع نقوش حميرية وجدها Seetzen؛ انظر D. H. Muller المصدر المذكور، ص ٣٧٠)، وهو يستشهد فى هذا المصدر ببيت من عمر بن تبع الذى يذكر نقوشًا فى ظفار، وأبياتًا من علقمة تشير إلى ظفار فى عبارات كلها إطراء ومديح، وفى "الصفة" (ص ٢٠٣) يذكر الهمدانى ظفار ضمن الأماكن المشهورة فى اليمن ذات الحصون القديمة، وأراد أن يوضح ملاحظاته عن انخفاض درجات الطول فى بطلميوس عما ذكره الفلكيون المشارقة، فاختار موقع ظفار وراح يتحدث (المصدر المذكور، ص ٢٧) عن المواقع التى ذكرها بطلميوس لهذه المدينة هى وصنعاء، وكلاهما على خط زوال واحد (وكذلك ص ٢٨ و ٤٤، وانظر أيضًا ص ٤٥)، ذلك أن ظفار كانت على مسيرة نحو ثلاثة أيام إلى الجنوب (ويتفق ذلك بصفة عامة مع تقدير نيبور Niebuhr أن ظفار على بعد ١ ْ ١٢ َ جنوبى صنعاء)، وهو لا يزودنا فى ص ٢٠١ بشئ ثابت من الناحية الجغرافية أكثر من أن ظفار فى جوار صنعاء، ويحذو حذوه ياقوت (جـ ٣، ص ٥٧٧، حيث يضيف أن بعض
стр. 6924
المصادر تقول هى صنعاء نفسها)، والقاموس (انظر الجوهرى، هذه المادة)، وتاج العروس (جـ ٣، ص ٣٧٠) وهو ينقل عن ياقوت. ويدلل مولر (Burgen, D.H.Muller ص ٣٦٩) على أن ياقوت (جـ ٣، ص ٤٢٢) يقارن بين ظفار وصنعاء (ولكن انظر ظفار رقم ٣)، أما الروايات العربية عن تاريخ ملوك حمير، التبابعة وأنسابهم، فلا سند لمعظمها من التاريخ.
ويفرق ياقوت فى المعجم (جـ ٣، ص ٥٧٧) بين ظفار هذه والمكان الذى يحمل الاسم نفسه على الساحل (انظر ظفار رقم ٤)؛ ولم تذكر هذه التفرقة فى المشترك، وكثيرًا ما يخلط كتاب العرب بين هاتين المدينتين، كما خلطت بينهما المصادر الحديثة، وقد نعى عليها ذلك نيبور (Beschreibung von Arabien: C. Niebuhr، كوبنهاجن ص ٢٣٦)، وريتر (Ritter، المصدر المذكور، ص ٢٥٤) وغيرهما. على أن ريتر يقع فى الخطأ نفسه (انظر ص ٦٥ و ٢٥٣) أما أبو الفدا فى وصفه الذى خلط فيه بين المدينتين (وثمة شواهد أخرى ذكرناها تحت ظفار رقم ٤) فلم يزد على أن ظفار فى اليمن، وكل أقواله الأخرى تصدق على المدينة الساحلية.
وقد أورد الهمدانى (الإكليل، المصدر المذكور، ص ٤١٦) والبكرى مع شئ من الخلاف (المصدر المذكور، ص ٤٦٤)، وياقوت، (جـ ٣، ص ٥٧٧) كلامًا فى صورة حكاية صغيرة تشرح القول المأثور: "من دخل ظفارَ حمَر" (أو "ظفار تتبع بنى حمير")، وهو مثل على مصطلح حميرى خالص، ويفرق العرب بين أبناء بنى حمير الأكبر سنًا والأصغر والأقرب، أى بين الحميريين بأوسع المعانى وبالمعنى المألوف وبأضيق المعانى (Geographie: Springer، ص ٧٢ وما بعدها)، ولا يستطيع المرء إلا أن يتحدث عن وجود لهجة حميرية (انظر شبرنكر، ص ٧٤، فيما يتعلق ببعض خصائصها) بين الحميرين فى أضيق الحدود. وقد ذكر فى القرن العاشر الميلادى أن النواحى التى يتحدث فيها القوم باللغة الحميرية الخالصة هى الإقليم القائم غربى صنعاء وجنوبى ذمار حتى حقل قتاب، وهى منطقة تشمل يريم وظفار
стр. 6925
(إشارات إلى منازل بنى حمير فى Das Leben des Mohammad: Sprenger . . . برلين ١٨٦٥، جـ ٣ ص ٤٣٨)؛ ويقول فرسنل Fresnel أن اللغة الحميرية والحديث المختلط الجارى فى النواحى المجاورة كانا يسميان اللغة الإحكلية، وهى تسمية غير دقيقة، وتعد هذه التسميط مصطلحًا انتشر خطأ حتى شغل أيضًا المهرية ولغة قرأ (حكلى)، أو ما يسميه كليزر باسم شحرات، أما لغة النقوش الحميرية القديمة فى معناها الضيق فأقرب إلى لغة سبأ منها إلى المجموعة الثانية الكبرى من نقوش جنوب بلاد العرب، لغة بنى معن.
وهاتان الناحيتان الحميرتيان الخالصتان خصيبتان تجود فيهما الزراعة؛ وتغل تربة ظفار أيضًا حجرًا شبه نفيس هو الجزع اليمانى، وقد ذكره الهمدانى فى الإكليل (ص ٤١٥ مع شواهد من أقوال الشعراء)؛ والجوهرى، وياقوت (جـ ٣، ص ٥٧٧) ولسان العرب (جـ ٦، ص ١٩٢) والقاموس، والتاج (المصدر المذكور، انظر Lane، مادة "جزع" عن معنى اللفظ، وشيرنكر، المصدر المذكور، ص ٦٢).
وبعد احتلال الأحباش لظفار للمرة الأخيرة، وهو الاحتلال الذى زودنا كتاب Martyrium Arathae؛ بوصف كامل عنه، وزوال دولة جنوبى بلاد العرب، بل بعد قيام الإسلام، أخذت القصبة الملكية السابقة تضمحل رويدًا رويدًا، وخاصة أنها كانت قد انعزلت عن الطرق الرئيسية للتجارة، وقد أصبح شأنها، هى وما يكتنفها من بقاع جبلية من حيث كونها أماكن حصينة، ثانويًا فى العمليات الحربية أيام التاريخ المتأخر لليمن؛ مثال ذلك أن الولاة اعتصموا بمعاقلهم فى الجبال حين دالت دولة الزياديين (٤٠٩ = ١٠١٨ م)، واستولى نجاح على زبيد ونادى بنفسه ملكًا (٤١٢ هـ)؛ وكان من هذه المعاقل (فى رواية عماره الحكمى، تاريخ اليمن، طبعة Key، المصدر المذكور، ص ١٢) النقيل "المر"، ويقول كاى فى شرحه له (ص ٢٤٦) أنه "نقيل سمارى" قرب ظفار.
والمعلومات التى زودنا بها الرحالة المحدثون تتفق مع أقوال الكتاب العرب (انظر أيضًا Beschreibung Van Arbien: Niebuhr كوبنهاغن، ١٧٧٢،
стр. 6926
ص ٩٤ و ٢٣٦ و ٢٩٠؛ المؤلف نفسه: Beschreibung van Arbien، جـ ١، ص ٤٠٠، مادة "سبأ"، Sabaieche Denkmaler: D. H. Muller فينا ١٨٨٣ , ص ٨٥، اللوحة ٤ (نقش)، A Jaurney through the Yaman: W. Harris، أدنبره - لندن، ص ٢٥؛ Die Abessinier: Glaser، ص ٥٨ و ١٠٠ و ١١٦؛ المؤلف نفسه فى M.V.A.G، ١٨٩٧، جـ ٦، ص ٢٤١، المؤلف نفسه: Skizzen، جـ ٢، ص ٢٤١ Handbuch der altarbischen Altertumskunde: Nielsen، كوبنهاغن، باريس - لندن, ١٩٢٧ ص ٢١ و ٨٨؛ Ethnologie and Geographie des Alten Orients: Hommel، ميونخ ١٩٢٦, ص ٦٥٦ و ٧١١؛ Oslander، فى Z.D.M.G جـ ١٩، ١٨٦٥، ص ١٨٠؛ G.I.S، جـ ٤/ ١، رقم ٣١٢)
٢ - موقع خرب جنوب غربى صنعاء؛ ويذكر تاج العروس (جـ ٣، ص ٣٧٠)، نقلا عن الصغانى، حصنين اسمهما ظفار، أحدهما شمالى صنعاء والآخر جنوبيها، وذلك عدا البلدتين اللتين تحملان الاسم نفسه (انظر ظفار رقم ٤).
٣ - تل محصن على مسيرة نحو ٢٠ ميلًا شمال غربى صنعاء قرب كَوْكبَان.
٤ - اسم مدينة عريقة فى القدم، كانت أطلالا منذ أواخر القرون الوسطى، واسم السهل المحيط بها، وتقوم فى الركن الجنوبى الشرقى لجزيرة العرب على المحيط الهندى، وقد جرى القول الآن بأنها من عمل مهرة؛ ويقول ابن خلدون فى "العبر" (انظر الشاهد الذى نقله عنه Kay، المصدر المذكور، ص ١٣٣) إن نطق اللفظ هو ظفار، بفتح الظاء)؛ ويقول المقريزى (De valle Hadhramaut، طبعة Berlin Noskowyi، بون ١٨٦٦، ص ٢٩) إن اللفظ يجب أن ينطق ظفار (بضم الظاء)، كما يقول بذلك مالتزن (Maltzan فى مقدمة مصنفه: wredes Rise in Hadhromaut برنشفيك ١٨٧٣، ص ٢٤ و ٣٩) على أن اللفظ ينطق به ظفار أو ظفور (بسكون الظاء فى كل)، وينطق به الآن أحيانًا ضُفار؛ أما أن المدينة قد أشير إليها فى الكتب اليونانية فأمر محقق أو يكاد؛ ويجب البحث عنها بين الأماكن التى ذكرها بطلميوس على ساحل البحر؛ ويؤكد شيرنكر أن بطلميوس
стр. 6927
استخدم المعلومات التى زوده بها الرحالة من الهند حتى الساحل الجنوبى الشرقى لبلاد العرب بطوله، ولعله أصاب (Gographie، ص ٩٥ وما بعدها) بإشارته إلى المكان على خريطة بطلميوس (جـ ٥، ص ٧ و ١١)، وهو يتفق مع موقع ظفار أى التى ذكرت بين بلدان التى تشتمل على ترجمة للقمر ("ديانا" Diana)، ونجدها أيضًا فى جبال القمر وغبة القمر، أى جون القمر التى تقوم عليه ظفار بالفعل؛ أما موضع "مهبط وحى القمر" فإننا نستبين من روايات بطلميوس أنه كان قريبًا جدًا من الميناء السابق ريسوت وكان يمتد من هذا المكان سهل جيد الرى على مسيرة نحو تسع ساعات طولًا وساعة عرضا عند طاقة، حيث يبلغ أقصى اتساع له فى العرض، وهو أيضًا يجتاز التلال ويسمى الآن ظفار (شيرنكر، المصدر المذكور، ص ٩٦)؛ وقد وجد كارتر Carter خرائب ست مدن أو نحوها هناك؛ أما أن هذه المدن كانت العواصم المتعاقبة للظفارية، كما ذهب إلى ذلك شيرنكر، فموضوع آخر لا يمكننا الإجابة عنه بعد؛ وكذلك سلم شبرنكر باستحالة التحقق مع الموضع الذى كان فيه "مهبط وحى القمر"؛ أما عن قول ابن بطوطة (المصدر المذكور جـ ٢، ص ٢٠٣) من أنه كان يقوم مزار فيه قبر هود (انظر أيضًا جـ ١، ص ٢٠٣) على مسيرة نصف يوم من ظفار (المتأخرة) (أى المنصورة) ومسجد على الساحل فى قرية لصيادى السمك، وقد ذهب شبرنكر إلى أنه كان يوجد بها مسجدو "معبد القمر"، فى موقع طاقة على خط طول ٥٤ ْ ٢٢ َ شرقًا وخط عرض ١٧ ْ ٢ َ شمالًا، "على خليج كان من الممكن استخدامه مرسى للأطواف والقوارب" على أن هذا الموضع يجب تعديله على هدى أقوال بنت Bent، ويجب البحث عن ظفار فى موضع خرب شرقى طاقة (انظر ما يلى).
ولا يمكننا أن نؤيد رأى كليزر (Skizze، جـ ٢، ص ٩٧ و ١٨٠) من أن التى ذكرها بطلميوس عقب مباشرة، والتى قال عنها شبرنكر (المصدر
стр. 6928
المذكور، ص ٩٧) إنها كانت ميناء ظفار وأنها كانت مرباط، هى ظفار نفسها وإن موشا Moscha ميناؤها (Periplus، ٣٢، وقد ذكر هذا الميناء أيضًا ريتر، المصدر المذكور، جـ ١٢، ص ٣٢٩، وكذلك كليزر Abessinier، ص ٩٠ وما بعدها؛ Ethnologie Hommel, ص ٦٥٤) هى خور البليد، وإن الاسم ظفار ربما لم يظهر فى الناحية إلا بعد زمن بطلميوس، بدلا من أبيسه يولس Mosche أو Skizze) Abissa Polis، ص ١٨٠، Abessinier، ص ١٨٧ وما بعدها)، ونحن نعارض هذه الأدلة الطبوغرافية، التى نقول على سبيل الاستدراك أنها لا تقرر بعد المكان الذى قيل إن الاسم ظفار قد نقل إليه، ونقول إنه ليس ثمة أى احتمال يؤيده، ثم أنه يعارض معارضة مباشرة خريطة بطلميوس وخريطة Periplus، وأن موشا (موشى) Moscha، التى وضعها بطلميوس غربى رأس الفرتك يجب، وفقًا لما ورد فى كتاب Periplus، وهو الذى يفضله كليزر على بطليموس فى وصف ساحل شحر، أن يبحث عنها على مسيرة نحو عشرة أميال غربى مرباط، وهو القول الذى لم يجد كليزر بدا من التسليم به، ولا وجود الآن لميناء فى خور البليد، جل توجد بحيرة (Skizze: Glasser، ص ١٨١)، ومن جهة أخرى فإن موشا Moscha فى بطليموس توصف كما فى Periplus أيضًا، بأنها هى وهذه الأهمية يؤكدها Periplus تأكيدًا خاصًا، ولعل موشا Moscha هى مقشى، أى الميناء التى على خط طول ٥١ ْ ٥٥ َ شرقًا، وهى تبعد وأقل من ساعة من رأس فردن فى مأمن من الرياح الجنوبية، (شيرنكر، المصدر المذكور، ص ٨٥)، أما الفرض الذى افترضه شبرنكر من أن الموضع الصحيح لموشا قد سقط عند النقل من بطليموس ففرض محتمل، ولكن ما من داع يدعو إليه فيما يظهر؛ ذلك أن الموضع الذى عينه يتفق مع أقوال المؤلفين العرب، مثل ياقوت (جـ ٣، ص ٧٧٥، جـ ٤، ص ٤٨١) من أن ميناء ظفار التى لم يكن لها مرفأ صالح (وكذلك أيضًا فى ابن خلدون، المصدر المذكور، ص ١٣٣ طبعة كاى Kay) كان هو مرباط على مسيرة نحو خمسة فراسخ، ويزوره التجار كثيرًا، وكذلك يتفق هذا الفرض
стр. 6929
مع الحقيقة الواقعة من أن رأس فرنك الذى حدد بالقرب منه موضع موشا Moscha التى يقول ابن المجاور عنها إنها بنيت فى مدخل "خليج القمر، وأنه يقوم هناك مرسى للبواخر القادمة من الهند، هو فى الأزمان الحديثة أول المعالم الذى تتجه إليه البواخر القادمة من بومباى (شبرنكر، المصدر المذكور)، وقد زودنا بنت (Southern Arabia: Th. Bent, لندن ١٩٠٠، ص ٢٤٠ وما بعدها) بمادة جديدة تؤيد هذا الرأى، جاء بعضها عفوًا وبلا وعى، فهو يقول إن من المؤكد أن الخرائب التى على الساحل عند البلد الحديث (البليد وقفًا لكليزر، Skizze، ص ١٨١، وكذلك Abessinier ص ١٨٤ [وسماها Fresnel، البلد بكسر الباء عن الخريطة الإنكليزية] على بعد نحو ميلين شرقى القصبة الحالية الحافة (لحافة) هى خرائب القصبة القديمة لهذا الإقليم، واستطرد فقال إنه ما من صعوبة تقوم فى سبيل تتبع قول شبرنكر من أى هذه المدينة هى عين وقد جانبته الدقة فى هذا، ذلك أن شبرنكر فرق بينهما تفريقًا واضحًا، فرق بين طاقة، حيث كان يبحث عن ظفار الأصلية، وبين البلد إلى الغرب منها، وهو الموضع المفروض أن المنصورة قامت عليه من بعد، ويقول بنت إن هذا الموضع الخرب، الذى يشتمل على آثار لمعابد الصائبة، عمره السكان آخر ما عمروا خلال الغزو الفارسى حوالى سنة ٥٠٠ هجرية، وهو أكبر مواضع السهل بأسره وأكثرها تأثيرًا فى النفس، ويستطرد بنت ص ٢٦٨)، وهو يسرد فى غير دقة كيفية تحقيق كليزر لأبسه بولس Abissa Polis وموشا فيقول إن النقطة التى على الساحل قرب نهر رورى، وهو نهر عريض بصفة خاصة عند مصبه (كذلك فى الخريطة التى رسمها لإقليم ظفار ["عن تخطيط قام به إمام شريف خان بهادور" رفيقه فى رحلته]، ووصف المياه بأنها خورورى فى بنت (ص ٢٧٠) خطأ (انظر كليزر, Abessinier، ص ١٨٥) وفى الخريطة الإنكليزية خورريرى (Khors Reiri: Cruttenden .Khor Reiri) وجزيرة ختية الصحرية على الساحل هى أبسه بولس Abissa Polis وكذلك موشا، على أننا نجد طاقة على مسافة قليلة غربى
стр. 6930
هذه النقطة وعلى خط طول ٥٤ ْ ٢٥ َ (٥٤ ْ ٢٢ َ) وهى التى حاول شبرنكر عندها تعيين موضع وحاول من بعده كليزر (Abessinier، ص ١٨٧ تعيين موضع ابسه يولس Abissa polis؛ ومن ثم لم يبق أمامه إلا "مهبط وحى القمر"، الذى ذهب بنت فى تحكم بالغ إلى أنه يقع فى مدينة حميرية فى وادى نهست غير بعيد من الحافة "وعلى سبيل الحصر فى عبقد أو روبط أو أحد المواقع الخربة المتغلغلة فى الداخل أى فى وادى نفس"، وهو قول غير معقول ولعل من الجائز أن نبحث عن موقع ظفار القديمة، و"مهبط وحى القمر".
ولعل من الجائز أن نبحث عن موقع ظفار القديمة، و"مهبط وحى القمر"، وربما عن المزار الذى ذكره ابن بطوطة أيضًا، فى الأطلال التى وجدها بنت (٢٦٩) شرقى طاقة إلى الغرب قليلًا من الموضع الذى عينه شبرنكر عند مصب النهر المجاور خوروى مرفأ المدينة، وقول كليزر (Skizze، ص ١٨١ إن "خرائب ظفار فى عبقد وعوقد وريسوت وخور البليد" لا يكفى، وكذلك اخطأ بنت فيما يختص ب بقوله إنها مخا "وهو اسم ليس غريبًا على الموانى الواقعة على ساحل بلاد العرب" ولم يحسب حساب قصور البيانات عن ساحل شحر فى نص كتاب Periplus كما نقل إلينا (الفصل ٣٢)، أما أن شحر معناها ريسوت بحكم أنها مركز تجارة اللبان (Sachalite) فلم يبلغ من التحقيق المبلغ الذى يقال عنه عادة، وهذا الخطأ الذى كرره بنت منشؤه أن هذا المكان يسمى موشا Moscha.
إن صاحب بلاد اللبان التابع لبنى حمير على أيام كتاب Periplus (الفصل ٣٢)، كان هو ملك حضرموت، أما أن بطلميوس يشير إلى بنى قتيان بين العمانيين وجبال أسابون Asabon فلا يبرر الاستنتاج بأن ساحل الكندر نفسه (من ظفار شرقًا) كان كله أو بعضه مستعمرة قتبانية.
وأرجح الظن أن مدينة ظفار الساحلية أقدم من القصبة الحميرية، ولعلها فى أرجح الاحتمالات قد جعلت هى لاسفار وهو جبل فى الشرق"
стр. 6931
(انظر سفر التكوين، الإصحاح العاشر، الآية ٣٠).
ويجعل العرب ظفار فى مهرة حينا، وهو أمر يتفق مع التوزيع الحالى، وفى إقليم الشحر (ساحل مهرة) حينًا، وهو نفس الشئ تقريبًا وهكذا يقول ياقوت (جـ ٣، ص ٥٧٧) وأبو الفداء (انظر Hommel المصدر المذكور، ص ٣٠) وابن خلدون (طبعة كاى Kay، المصدر المذكور، ص ١٣٢)، والتاج (جـ ٣، ص ٣٧٠) ويجعلونها أحيانًا فى عثمان غير متوخين الدقة (Geographie: Sprenger ص ٩٢)، ويقول ابن بطوطة إنها فى أقصى أقاصى اليمن (يذكر فى جـ ١، ص ٢٠٥، أنها مدينة من مدن اليمن وحسب) وفى حاشية (فى مخطوط لكتاب المراصد استشهد به Wustenfeld فى ياقوت، جـ ٥، ص ٢٤) وصفت المدينة بأنها أقصى مدن اليمن ويجعل جغرافيو العرب مهرة فى اليمن، وقد ذكر ياقوت (جـ ٣، ص ٥٧٧) قصبة اليمن ثم تحدث عن المدينة المشهورة فى زمانه التى تحمل الاسم نفسه على ساحل المحيط الهندى (وتجد الموضع أيضًا فى جـ ٣، ص ٤٢٢، جـ ٤، ص ٤٨١، حيث استخدمت الصيغة ظفار بكسر الظاء، انظر هذه القراءة فى ابن خرداذبة المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٦، ص ١٤٦؛ وفى ابن بطوطة والتاج، جـ ٣، ص ٣٧٠)، وفى الفقرة الأخيرة التى ذكرناها يصفها ياقوت فى عبارات عامة فيقول إنها بين حضرموت وعمان (انظر جـ ١، ص ١٩٦ والإضافات الواردة فى المكتبة الجغرافية العربية جـ ٤، ص ٤٣٢ على ابن حوقل، ص ٣٢، وكذلك فيما يتصل بالمسافة بين ظفار ومرباط؛ ويقول القاموس فى إيجاز إنها قرب مرباط)، ويحدثنا ياقوت فى الفقرة الرئيسية فيقول إن اللبان ينمو فى الجبال التى تبعد عن المدينة بعض الشئ، وتعطى حصة من المحصول لأمير المدينة المستقل الذى احتكر الاتجار فيه، ثم تلى ذلك ملاحظات عن جمع الكندر الذى كان يتعين حمله إلى المدينة (وثمة بيان مماثل موجز فى جـ ٤، ص ٤٨١).
وظفار فى إقليم اللبان نفسه، ومساحتها كما يذكر ياقوت صغيرة غاية الصغر، وهو أمر يتضح من أقوال
стр. 6932
جغرافيى العرب الآخرين، كما يتضح بخاصة من أبحاث كارتر Carter الذى يجعل حده الغربى عند خط الطول من ٥٢ ْ ٤٧ َ إلى ٥٥ ْ ٢٣ َ شرقًا، أى بعيدًا كل البعد ناحية الشرق، كما يتبين من تخطيط كليزر، الذى صحح أرقامه فى الزمن المناسب، ومن بنت Bent وهرش Hirsch وبعثة مجمع فينا إلى جنوبى بلاد العرب.
وربما كان الاسم ظفار ("النبات العطر") إنما يدل أصلًا على الفكرة التى غبر عنها اليونانيون باللفظ؛ أما فكرة فرسنل (Sur la geographie de L'Arabie,Lettre: Fresnel، جـ ٤، فى J.A السلسلة ٣، جـ ٥ , ١٨٣٨، ص ٥١٨)، الذى حذا حذوه ريتر Ritter (جـ ١٢، ص ٢٥٢ و ٢٧٠)، من أن المدينة الحميرية كانت تسمى ظفار باسم المدينة الساحلية من قبيل التنافس، ففكرة مخطئة، ولعل هذا الاسم قد أطلق على المدينة الأولى بمعنى آخر، أى ليدل مثلا على "المظفر"، كما ورد فى أبيات أسعد تبع (الإكليل، المصدر المذكور، ص ٤١٠ = البكرى ٤٦٤) وقد جاء الملاحون البرتغاليون بأنباء عن بلاد الكندر إلى أوربا، ونجد صدى لهذه الأنباء فى كامويس (Os Lusiadas, Camoes، جـ ١٠، ص ١٠١، س ١, Olha Dofar insigne Porque manda Omais cheiroso "incensoPera as aras").
ويتحدث ياقوت (جـ ٢، ص ٨٨١) مستعيرًا الألفاظ نفسها التى استعملها الهمدانى تقريبًا (صفة جزيرة العرب، ص ٥١) عن طريق ساحلى يؤدى من عدن إلى عثمان عن طريق ظفار مارًا بريسوت إلى اليسار، وقد زار ابن المجاور ظفار حوالى سنة ٦١٩ هـ. وهو يزودنا بالمراحل المختلفة للطريق من شبام فى حضرموت إلى ظفار ذاكر المسافات (وثمة تفصيلات أو فى Postrouten: Sprenger, ص ١٤٤، المؤلف نفسه: Geographie، ص ١٦٤). وقد لاحظ أن الفلفل وقصب السكر وأنواعًا كثيرة من الفاكهة كانت تزدهر فى ظفار، كما وجد آثارًا على شرفات قديمة زرعت فيها شجرة الكندر، وقد أيد بنت هذه الملاحظة الأخيرة، فهو
стр. 6933
يحدثنا عن طريق مأمون للقوافل من بغداد (خلال الصحراء) إلى مرباط وظفار، يسلكه البدو مرتين فى السنة ويأتون فيهما بالجياد ويقايضون عليها بالتوابل والعباءات النفيسة. وفى روايته أن أحمد بن عبد اللَّه (٦١٨ = ١٢٢١ م) خرب ظفار وبنى المنصورة على مقربة منها، ثم حملت هذه المدينة الاسم ظفار من بعد؛ وفى أيامه كانت الناحية فى يد أهل حضر موت؛ ويقول ابن خلدون (Kay، المصدر المذكور، ص ١٣٣) إن التخريب حدث سنة ٦١٩ هـ وقد أطلق على ظفار الجديدة اسم الأحمدية نسبة إلى مخربها.
أما رواية أبى الفداء، التى فطن نيبور إلى ما وقع فيها من خلط (انظر ما تقدم، Beschreibung Niebuhr ص ٢٣٦؛ وهومل Hommel, المصدر المذكور، ص ٣٠ وما بعدها، مع إشارات إلى الكتب المتقدمة فى الزمن، وقد فصل نيبور هذا الخلط تفصيلًا أكثر، دون أن يخلو هو نفسه من الأخطاء) فقد قيل إن المدينة الساحلية، علاوة على ما سبق ذكره، تقوم على رأس خليج ولها تجارة مع الهند، وتكتنفها بساتين (انظر ابن الفقيه، المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٥، ص ١٠٩) ينمو فيها التانبول والكاكاو، ووصف ابن بطوطة مماثل لذلك (جـ ٢، (ص ١٩٦ وما بعدها)، فقد أقلع حوالى سنة ٧٣٠ هـ (١٣٢٩ - ١٣٣٠ م) من كلوة إلى ظفار بعد مضى أكثر من قرن على تدمير المدينة القديمة، وهو يقول إن المدينة كانت منعزلة تقوم فى واد فسيح الأرجاء (انظر ياقوت، جـ ٤، ص ٤٨١)، ولكنه يدلى بملاحظات جديرة بالذكر عن البساتين الغنية والنبات (التانبول والكاكاو)، والأشجار المغلة للتوابل التى فى جوارها ومالها من شأن اقتصادى، وكانت ظفار التى وصفها ابن بطوطة مركز، تجاريًا مهمًا أيضًا.
أما فيما يختص بالتاريخ القديم فيحق لنا أن نذكر هنا فرضًا عرضه كليزر، وهو أن ظفار هى القصبة الحبشية القديمة (انظر Skizze، ص ١٨١؛ Hommel Ethnologie، ص ٦٥٤)، ومن المحقق أنها مرت فى صدر القرون الوسطى، شأنها فى ذلك شأن جنوبى
стр. 6934
بلاد العرب بصفة عامة، بفترة ساد فيها نفود الفرس؛ ومما له شأن فيما حدث فى تاريخ لاحق لذلك محاولة قام بها الفرس لغزوها سنة ٦٦٤ هـ (١٢٦٥ م). حين فتح الأمير محمود بن أحمد الكوسى، أمير هرمز، ظفار ونهبها، وسرعان ما تشاجر بعد ذلك سليم بن إدريس حاكم ظفار مع المظفر الحاكم الثانى للأسرة المظفرية، وقد أنزل جيش اليمن الهزيمة بجيش المظفر سنة ٦٧٨ هـ (١٧٢٧ م) واستسلمت ظفار (Kay، المصدر المذكور، ص ٣١١، عن ابن خلدون، ص ١٣٢)؛ وفى زمن بطوطة كانت ظفار مستقلة برأسها عن اليمن.
وكان ماركو بولو، معاصر أبى الفداء، قد سمع عن ظفار بوصفها من أهم موارد اللبان؛ ويفرق نيبور بحق (Beschreibung: Niebuhr، ص ٢٢٦ و ٢٦٣) بين المدينتين اللتين تحملان الاسم نفسه. ولكنه لم يستطع أن يعرف شيئًا عن المدينة الأخرى، اللهم إلا أنه كانت تقوم "على الساحل الجنوبى الشرقى لبلاد العرب مدينة ومرفأ" ظفار، وكذلك يذكر بيانات مماثلة (ص ٢٨٦) حيث يشير إلى تصدير اللبان (ص ١٤٣ وما بعدها عن زراعة اللبان)؛ أما أول ما بلغنا من التفصيلات التى تتسم بدقة أكثر من ذلك عن هذه المنطقة فى الأزمان الحديثة فهى المعلومات التى زودتنا بها لجنة مسح الشواطى الإنجليزية؛ وقد جاء ولستد J. R. Wellsted إلى هناك أول ما جاء سنة ١٨٣٣، وهو يصف مرباط والساحل الذى يمتد غربها (Travels in Arabia)، لندن جـ ٢، ص ٤٥٣ وما بعدها؛ Travels to the City of the Coliphs؛ ولندن ١٨٤٠، جـ ٢، ص ١٢٩ وما بعدها)، وقد ذهب كرتندن C.J.Cruttenden سنة ١٨٣٧ برًا من مرباط إلى دهاريز، قصبة إقليم ظفار الساحلى (انظر Journal of an Excursion from Morebat to Dyreez, in Proceed. of Bombay Geogr. Soc. Transactions , . . [١٨٤٤، ص ١٨٤ وما بعدها] وقد حقق ما أكده له فرسنل Fresnel نقلا عن مبلغه فى جدة وعن هاينز Haines بأنه لم تعد فى زمانه مدينة اسمها ظفار، بل إن الإقليم
стр. 6935
الممتد من مرباط إلى ريسوت هو الذى يحمل هذا الاسم، وهو قول لا يزال صحيحًا؛ وفى الوقت نفسه تقريبًا عرف فرسنل (انظر مصنفه Lettro، جـ ٤، المصدر المذكور، ص ٢٥١ وما بعدها) من محسن مستشاره فى المسائل اللغوية أن الخرائب القائمة فى البليد التى كان محسن قد زارها لا تزال تحتفظ بآثار لمجد مدينة قديمة اسمها ظفار (وربما كانت هى المنصورة)، وإنما يقوم فيها الآن ثلاثة بيوت أو أربعة، وقد أخطأ فرسنل فوهم أن ظفار هذه هى القصبة الحميرية (مثله فى ذلك مثل ابن خلدون وأن البليد هى ميناؤها، وقد ايد ولستد (Travels: Wellsted) الكابتن هاينز (Memoir of the . .South and East Coasts of Arabia: S. B. Haines فى J.R.G.S لندن ١٨٤٥، جـ ١٥، ص ١٠٤ وما بعدها).
واستمد ولستد بعض معلوماته من ملاحظات أبدتها بعثة هاينز ونشرت قبل الأوان دون إذن من هاينز (انظر Ritter، جـ ١٢، ص ٦٠٨ والشاهد المذكور فى ص ٦٥٤ وما بعدها (أما رواية كارتر (فى A Description of the frankincense trees of Arabia J.Bombay Br. R.A.S: G.j.Carter, فى لندن، ١٨٤٨ جـ ٢، ص ٣٨٠ وما بعدها) فقد جاءت متأخرة جدًا عن ريتر (جـ ١٢، ص ٣٥٦، وما بعدها)، حتى أنه لم يستطع استخدامها؛ وقد زودنا فيها كارتر بتفصيلات أخرى عن وجود شجرة اللبان؛ وأمدنا كليزر (Skizze، ص ١٨٠ وما بعدها؛ Abessinier، ص ١٨٤ وما بعدها) من استكشافاته الخاصة بعدة أماكن على الساحل تسمى ظفار ذكر معظمها فرسنل وكرتندن وهاينز.
وقد اتسعت معلوماتنا عن سهل ظفار بفضل "بنت" الذى سافر سنة ١٨٩٤ - ١٨٩٥ بمحاذاة الساحل (انظر Bent: فصل Dhofar and the Gara Mountains من كتابه، ص ٢٢٧ وما بعدها)؛ وهو يزودنا بأسماء عدة أماكن لم تكن معروفة من قبل، ويحدّد منطقة اللبان تحديدًا أكثر دقة، وهو يقول إن مساحتهما لا تزيد كثيرًا عن مساحة جزيرة وايت Wight, ووالى