← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

رومانسية فرنسية حول هذه العلاقة. وفى عام ١٩٠٤ كتب أيمى جيرون Aime Geron " والبرت توتزا" Albert Tozza كتابهما "ليالى بغداد" Les Nuits de Bagdad المصادر: (١) أبو نواس: الديوان، طبعة اسكندر عساف، ص ١٧٤. (٢) ياقوت: معجم البلدان، طبعة Wustenfeld ليبسك ١٨٦٦ - ١٨٧٣، الجزء الثالث، ص ٢٠٠. (٣) الطبرى: تاريخ الرسل والملوك، طبعة De Goeje، ليدن ١٨٧٩ - ١٩٠١ الجزء الثالث، ص ٦٧٦. بهجت عبد الفتاح [ج هوروفيش J.Horovitz] العباسية مدينة قديمة فى أفريقية (تونس). على بعد ثلاثة أميال إلى الجنوب الشرقى من القيروان. وكانت تعرف باسم "قصر الأغالبة" و"القصر القديم". وقد شيدها إبراهيم بن الأغلب مؤسس دولة الأغالبة، فى عام ١٨٤ هـ/ ٨٠٠ م، وهو العام الذى عين فيه أميرًا لأفريقية بعد ثورة بعض قادة الجند العرب، وقد سمّاها ابن الأغلب بالعباسية تكريما لسادته العباسيين. وكانت المدينة تضم حمامات وخانين وأسواقًا ومسجدًا لصلاة الجمعة بمئذنة أسطوانية الشكل، وهو مبنى من القرميد وتزينه أعمدة صغيرة من سبعة طوابق. وكان به -على غرار جامع القيروان الكبير- مقصورة من الخشب المنقوش تجاور المحراب وهى مخصصة للأمير وكبار الشخصيات وكان للمدينة عدة أبواب أهمها باب الرحمة، وباب الحديد وباب غلبون (نسبة إلى الأغلب ابن عبد اللَّه بن الأغلب)، وباب الريح، وهذه كلها فى الجانب الشرقى -وباب السعادة فى الغرب، وكان هناك فى وسط المدينة ميدان كبير يطلق عليه اسم "الميدان"، حيث كانت تجرى المواكب وعرض القوات. وعلى مسافة ليست بعيدة يوجد قصر "الرصافة" تشبها بقصرى الرصافة فى دمشق وبغداد وفى هذا القصر استقبل إبراهيم الأول سفراء شارلمان الذين جاءوا يطالبون برفات "سانت سبريان"

стр. 6967

ويسلمون الهدايا المقدمة من شارلمان إلى هارون الرشيد. وفى هذا القصر أيضا عقدت الهدنة لعشر سنين، وتم تبادل الأسرى مع مبعوثى قسطنطين شريف صقلية (١٨٩ هـ/ ٨٠٥ م) كما استقبل حكام الأغالبة التالون مبعوثى الفرنجة وبيزنطة، والأندلس فى هذا المكان -وقد كان بهذه المدينة منذ إنشائها دار الضرب (لسك النقود)، حيث كانت تسك الدنانير الذهبية والدراهم الفضية التى تحمل اسم المدينة، وكان هناك مصنع رسمى للطراز تصنع به الخلع والرايات. وقد تزودت المدينة فى ظل من تتابعوا على الحكم بعد إبراهيم الأول بآثار ذات منفعة عامة وخاصة. فقد أمر أبو إبراهيم أحمد ببناء صهريج كبير، وفسقية لا تزال بقاياها موجودة حتى الآن، وقد كان الحوض يتسع لكمية كبيرة من المياه كانت تنقل إلى القيروان فى الصيف عندما تنفذ المياه من خزانات العاصمة. ولما أسس إبراهيم الثانى فى عام ٢٦٤ هـ/ ٨٧٧ م مدينة رقادة على بعد بضعة أميال إلى الجنوب حلّت محل العباسية كمقر للوالى وتراجعت مكانة العباسية إلى مستوى منطقة أو ناحية، واقتصر سكانها على الموالى والتجار وظلت على هذا المستوى المتواضع حتى غزو الهلالية (منتصف القرن الخامس الهجرى - الحادى عشر الميلادى) حيث اختفت إلى الأبد ولكن كشفا سريعا، جرى فى عام ١٩٢٣ فى التل حيث كانت توجد مدينة العباسية، أسفر عن وجود قطع كثيرة من أوانى خزفية ترجع إلى عصر الأغالبة - فهذا الخزف الأبيض بزخارفه السوداء والخضراء والزرقاء قد أثبت -ولا شك- النماذج الشرقية التى كانت تأتى من العراق (سامراء والرقة) ومصر (الفسطاط) ويجب أن نذكر أن العباسية كانت مسقط رأس العديد من الباحثين والدارسين نخص منهم "أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم" أول مؤرخ للقيروان (المتوفى عام ٣٣٣ هـ/ ٩٤٥ م). المصادر: البلاذرى: فتوح البلدان، طبعة M,J,de Goeje ليدن ١٨٦٦. (١) Desvergers: Histoire de L'Afrique et de la Sicilie Paris, ١٨٤١. P ٨٦ - ٨٨ بهجت عبد الفتاح (ح. ح. عبد الوهاب)

стр. 6968

العباسيون العباسيون (بنو العباس) هم الأسرة الحاكمة من الخلفاء الذين تتابعوا على الحكم فى الفترة من ١٣٢ هـ/ ٧٥٠ م إلى ٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م. وهم ينتسبون إلى "العباس بن عبد المطلب بن هاشم" عم الرسول [ ﷺ ]. أما جذور وطبيعة الحركة التى أطاحت بالخلافة الأموية، وأقامت مكانها سلالة بنى العباس، فقد كانت معروفة ولفترة طويلة فى الكتابات المنقحة التى تم نشرها والترويج لها عندما استولت هذه الأسرة على السلطة، ولكن هناك دراسة نقدية قام بها ج. فان فلوتن G.Van Vloten، وأضاف بعض التعديلات إليها ج فلهوزن، . وقد أكدت البحوث التى أعقبت ذلك، ما توصل إليه هذان العالمان، وبالأخص تلك المعلومات الجديدة التى خرجت إلى النور فى السنوات الأخيرة حول التاريخ المبكر لطوائف الشيعة، وهنا نخص بالذكر كتاب "فرق الشيعة" تأليف "النوبَخْتى" (ريتر H.Ritter إستانبول طبعة ١٩٣١) وكان ابن خلدون قد توقع فى كتاباته معر هذه النتائج إلى حد كبير. وقد عرف الحزب العباسى الذى استولى على الحكم من الأمويين باسم "الهاشمية". وكان هذا الاسم يشير إلى "هاشم" الجد الأكبر المشترك لكل من "العباس" و"على" و"النبى محمد" [ ﷺ ]؛ الأمر الذى يؤكد دعوى الخلافة التى تقوم على أساس القرابة للنبى [ ﷺ ]. . والحق أن للاسم مغزى مغايرا تماما، ويكشف بجلاء عن الجذور الحقيقية للحزب "العباسى". . ففى ظل العصر الأموى، يمكن أن نقسم عددا كبيرا من الطوائف والأحزاب الشيعية والموالية للشيعة، التى انتشرت فى أجزاء مختلفة من الدولة "الأموية"، وعلى الأخص فى جنوب العراق، إلى جماعتين رئيسيتين. . سارت إحداهما فى طريق الذين تظاهروا بانتهاج خط فاطمة الزهراء وكانت معتدلة، إذ تختلف عن الاعتقاد السائد بالدعاوى السياسية لبيت علىّ. أما الجماعة الأخرى، فقد ظهرت لأول مرة فى ثورة "المختار"، الذى دعا فى عام ٦٦ هـ/

стр. 6969

٦٨٥ م، باسم محمد بن الحنفية وفى السنوات الستين أو السبعين التالية روج لدعاوى محمد بن الحنفية وخلفائه عدد من الطوائف ذات النزعات الأكثر تشددًا، إذ كانت تستمد تأييدها من الموالى الحانقين، وتبث فى تعاليمها الكثير من الأفكار التى جاء بها هؤلاء الذين تحولوا إلى الإسلام، من معتقداتهم السابقة. وبعد موت محمد ابن الحنفية فى عام ٨١ هـ/ ٧٠٠ م، انقسم أتباعه إلى ثلاث فرق رئيسية تبعت إحداها ولده أبا هاشم عبد اللَّه وسميت باسمه "الهاشمية"، وبموت "أبو هاشم" -بلا ذرية- فى عام ٩٨ هـ/ ٧١٦ م، انقسم أتباعه مرة أخرى إلى جماعات عديدة، ذكرت إحداها أن "أبو هاشم" قد أوصى بالإمامة إلى محمد بن على بن عبد اللَّه ابن العباس، وذلك قبل وفاته مباشرة فى منزل والد محمد بن على فى فلسطين. . واستمرت هذه الجماعة تحمل اسم الهاشمية وأيضا اسم الرّاوندية. . وهنا تجدر الإشارة إلى أن مبدأ إمكانية توريث الإمامة، أو أن يقوم الإمام بنقلها إلى شخص آخر كان كثير الحدوث فى الحركات الشيعية المبكرة. وسواء كانت قصة توريث أبى هاشم حقيقية أم غير حقيقية، فإن الحقيقة الواضحة هى أن محمد بن على أخذ على عاتقه ما كان يطالب به أبو هاشم بالأضافة إلى تنظيم الدعاية للهاشمية، التى بدأ يحولها إلى "أداة" للحزب العباسى. وتشير التقارير بشكل عام إلى أن الدعاية المكثفة قد بدأت نحو عام ١٠٠ هـ/ ٧١٨ م. فمن مركز القيادة فى الكوفة بدأت "الهاشمية" فى إرسال المبعوثين إلى خراسان؛ وقد حقق أحدهم -وهو "خداش" نجاحا كبيرا، ولكنه أعدم فى عام ١١ هـ/ ٧٣٦ م بعد أن كشف عن خططه- ولكن الشيعة المعتدلة -التى كان يسعى محمد ابن على إلى الحصول على تأييدها- ابتعدت بسبب الأفكار المتطرفة التى كان يروج لها "خداش"، ولذلك فإن محمد ابن على رأى -بعد موت خداش- أن يتنصل من مسئوليته عنه وأن يعهد بالتنظيم فى خراسان إلى الداعية الشيعى الكبير "سليمان بن كثير". . وجاءت بعد ذلك فترة خمول مات فى

стр. 6970

أثنائها محمد بن على فى عام ١٢٥ هـ/ ٧٤٣ م. ونجح ابنه إبراهيم فى الدعوة لما كان أبوه يطالب به، ورضى عنه الأتباع فى خراسان، ومن بينهم سليمان بن كثير -ومع إبراهيم بدأت مرحلة جديدة من النشاط. . فأرسل فى عام ١٢٨ هـ/ ٧٤٥ - ٧٤٦ م مولاه أبا مسلم كممثل شخصى له إلى خراسان. وإذا كانت المصادر تختلف حول أصل أبى مسلم، إلا أنها تتفق على أنه كان فارسيا، وممن أعتقهم إبراهيم. ونشير هنا إلى أن استخدام الكُنْيَة كان من الميزات أو الحقوق التى نادرا ما كان يتمتع بها غير العرب. . وإن إضفاءها على المبعوثين الفارسيين للعباسيين مثل أبى مسلم ومساعده "أبى الجهم"، ومنافسه أبى سلمة الخلال، له معناه ومغزاه. وإذا كانت بعض المصادر تقول إن أبا مسلم، قد منح عضوية البيت العباسى، فإن هذا يدل على ما كان شائعا بين الشيعة المتطرفين، بمنحهم مساعديهم من ذوى الحظوة حق الانتساب أو العضوية لبيت النبى [ ﷺ ]، وبالتالى للأمة العربية. وقد اتخذ هذا الأسلوب شكلًا معدلًا فيما بعد ذلك وأصبح جزءا من سياسة الخلفاء العباسيين. وحقّقت مهمة أبى مسلم إلى خراسان نجاحا سريعا ومدويا. وقد كان اهتمامه الأول بالموالى الفُرْس، ولكنه أيضا وجد تأييدا مهما من العرب اليمنيين بل يقال إنه كسب إلى جانبه الكثيرين من "دهاقنة" زرادشت وبوذا، وقد كان بعضهم قد تحول إلى الإسلام لأول مرة. وتتباين الآراء حول طبيعة تعاليم أبى مسلم ولكنّ هناك مع ذلك أمرين واضحين وهما أنه كان أداة مخلصة للهاشمية، وأن تعاليمه كانت جزءا من الجناح المتطرف من الشيعة، ثم إن رفع الأعلام السوداء، التى أصبحت بعد ذلك شعار بنى العباس، كان فى هذه المرحلة ذا مغزى وهو الخلاص المنتظر، فقد كانت الأعلام السوداء من بين الإشارات والنذر التى ذكرت فى التكهنات الأخروية (التى تتعلق بالأخرويات مثل الثواب والعقاب والحساب) السائدة فى ذلك الوقت، وقد استخدمت كشعارات للثورة الدينية من جانب المتمردين الأوائل ضد الأمويين،

стр. 6971

وهكذا كان استخدام أبى مسلم لها استلهامًا للأمل فى الخلاص وقد أثارت نشاطاته بعض المعارضة بين الشيعة العرب الأكثر اعتدالا، وعلى رأسهم سليمان بن كثير، ولكن الانسحاب التكتيكى من جانب أبى مسلم من خراسان، كان كافيا ليظهر أنه لن تكون هناك أية حركة مؤثرة وفعالة بدونه وبدون سياساته، الأمر الذى أدى إلى عودته كزعيم بلا منازع لهذه المهمة، وفى رمضان من عام ١٢٩ هـ/ مايو يونيه ٧٤٧ م، كان على استعداد ليفصح عن خططه ونياته، وكان المكان والزمان يبشران بنجاح المهمة وكان الشيعة المعتدلون، وكذلك الخوارج -وهما أهم حركتين للمعارضة ضد الأمويين الأولى فى انتفاضات عام ١٢٢ هـ/ ٧٤٠ م وعام ١٢٦ هـ/ ٧٤٤ م، والثانية فى التمرد الذى وقع عام ١٢٧ هـ/ ٧٤٥ م. وقد حققت هذه الانتفاضات هدفا مزدوجا إذ أضعفت من نظام الحكم الأموى، وأزالت -بسقوط هذا الحكم- كل من يحاول أن ينافس الهاشميين فى الخلافة. . وتركز اهتمام العباسيين على خراسان، بعد أن أنهكت العراق الحركات المناهضة للأمويين والتى كانت مركزا لها، وقد كان هذا الاختيار موفقا إذ كان السكان الفرس ذوو النشاطات الكثيرة والنزعات الحربية التى تصطبغ بالتراث الدينى والعسكرى، قد ضاقوا بمظالم الحكم الأموى، وكان الجيش العربى، والمستوطنون -وقد تأثروا إلى حد كبير بالتقاليد الفارسية بسبب طول إقامتهم- قد انقسموا على أنفسهم -بل إنهم- وفى غمرة الزحف الظافر لأبى مسلم. تحولوا بطاقاتهم وطاقات الحاكم الأموى "نصر بن سيّار" لمواجهة النزاعات فيما بين القبائل العربية وقد استطاع أبو مسلم أن يستولى على "مرو"، ثم انضم إليه القائد قحطبة وهو عربى من قبيلة "طى"، وتم الاستيلاء على كل خراسان من يد السلطة الأموية المتداعية، ومن خراسان تقدمت القوات العباسية إلى "الرى"، واستولت على نهاوند -وأصبح الطريق مفتوحا إلى العراق، وفى عام ١٣٢ هـ/ ٧٤٩ م عبر جيش العباسيين الفرات على بعد ثلاثين أو أربعين ميلا شمالى الكوفة، واشتبك مع جيش أموى بقيادة ابن

стр. 6972

هبيرة وأوقع به الهزيمة، وسقط قحطبة فى أرض المعركة، ولكن أبا الحسن بن قحطبة تولى القيادة واستولى على الكوفة ووقع إبراهيم الإمام فى أيدى الخليفة مروان فى عام ١٣٠ هـ/ ٧٤٨ م، ومات بعد ذلك بقليل، ولذلك فقد نودى بأخيه أبى العباس خليفة من جانب القوات الهاشمية فى الكوفة وذلك فى عام ١٣٢ هـ/ ٧٤٩ م. ولقب بالسفاح، وقد صاحب تولى أول خليفة عباسى الخلافة أول صدع فى العلاقات مع الثوريين، وذلك عندما تعرض أبو سلمة الخلال للموت فى ظروف غامضة، ويقال إنه حاول أن يأتى بالعلويين مكان العباسيين؛ وقد أخذ أبو مسلم على نفسه أن يطيح به (أى بأبى سَلَمة) فى مقابل أن يتقبل العباسيون موت سليمان بن كثير، وفى هذه الأثناء تقدم جيش عباسى آخر بقيادة "أبى عون" من نهاوند فى اتجاه ما بين النهرين، وفى عام ١٣١ هـ/ ٧٤٩ م، وفى مجاورة "شهرزور"، شرقى نهر الزاب الأصغر، أوقع هزيمة ساحقة بجيش أموى بقيادة عبد اللَّه، ابن الخليفة مروان، ثم تولى مروان القيادة وزحف عبر الفرات إلى نهر الزاب الأكبر، ليشتبك مع جيش "أبى عون" وكان هذا الأخير قد سلم القيادة إلى عبد اللَّه عم "السفاح" الذى كان قد وصل من الكوفة مع تعزيزات كبيرة. وأنهت معركة الزاب الأكبر ١٣٢ هـ/ ٧٥٠ م، الخلافة الأموية، وفرن "مروان" المهزوم إلى سوريا، حيث حاول عبثا أن ينظم المقاومة من جديد، ولكن القوات العباسية المنتصرة تقدمت عبر "حران" -مقر إقامة مروان- إلى سوريا، واحتلت دمشق، وتعقبت مروان حتى مصر، حيث قتل، وبُعث برأسه إلى السفاح فى الكوفة، وهكذا استقرت سلطة الخليفة العباسى الجديد فى الشرق الأوسط بأسره. وقد كثرت الكتابات حول المغزى التاريخى للحركة العباسية، التى يرى المؤرخون بحق أنّها أكثر من مجرد تغيير السلالة (أو الأسرة)، وقد رأى كثيرون من المستشرقين فى القرن التاسع عشر -والذين تأثروا كثيرا بالنظريات العنصرية التى قال بها "جوبينوس" Gobineus وآخرون- أن ما

стр. 6973

حدث من قتال أو نضال كان صراعا بين العنصر الآرى فى إيران والسامية فى الجزيرة العربية، الأمر الذى انتهى بانتصار الفرس على العرب، وإقامة إمبراطورية إيرانية جديدة ترتدى عباءة إسلام صُبغ بالصبغة الفارسية، فيما يقول "فلهوزن" Welkhausen وهناك للوهلة الأولى الكثير الذى يؤيد هذه النظرية مثل الدور الذى لاشك فيه للفرس فى الثورة ذاتها، والمكانة البارزة للوزراء الفرس ورجال البلاط الفرس فى النظام الجديد، والعناصر الفارسية القوية فى الحكومة العباسية والثقافة وليس غريبا أن نرى بعض الروايات تحمل المعنى نفسه فى المصادر العربية (المسعودى فى المروج -والجاحظ فى البيان والتبيين ١٨١ - ٢٠٦) - ومع ذلك فإن الكتاب المحدثين جدا قد أدخلوا بعض التعديلات المهمة على النظريات التى تتعلق بانتصار الفرس وهزيمة العرب -فالمذهب الشيعى- الذى كان يعتبر لفترة طويلة تعبيرا عن الوعى القومى الإيرانى، وكان من أصل عربى، وكان مركزه الرئيسى بين السكان والمخلّطين من العرب والآراميين والفرس فى جنوبى العراق، وقد أخذ العرب هذا المذهب إلى فارس وأصبح أقوى ما يكون فى مناطق الاستيطان العربى مثل "قُم" وقد كانت ثورة أبى مسلم موجهة ضد الحكم الأموى والسورى وليس العربى، وكسبت تأييد الكثيرين من العرب وعلى الأخص بين أهل اليمن -وكان هناك الكثيرون من العرب، حتى بين قادتها ومن بينهم القائد قحطبة، وبالرغم من أن الخصومات العنصرية قد لعبت دورها فى الحركة، وبالرغم من أن الفرس كانوا متميزين بين المنتصرين، إلا أنهم خدموا سلالة عربية وكان الحكام يعطونهم فرصة ضئيلة للتفكير قبل إعدامهم، وذلك عندما يصطدمون بهم، وهذا ما يؤكده مصير أبى مسلم وأبى سلمة والبرامكة، وقد حدث فى بادئ الأمر أن احْتُجِزَت الكثير من المناصب الرفيعة فى الدولة للعرب، وكانت اللغة العربية لا تزال هى اللغة الرسمية الوحيدة، كما أن الأراضى العربية ظلت ذات امتيازات مالية، وبقى مبدأ تفوق العنصر العربى قويا وذلك حتى يحفزوا الفرس على أن يوفروا لأنفسهم سلالة

стр. 6974

ونسبا عربيا مزيفا وملفقا، وأيضا لإثارة رد الفعل القومى للشعوبية، ولكن ما فقده العرب هو الحق الخالص لهم فى أن يجنوا ثمار السلطة. فقد جاء الفرس والعرب أيضا إلى البلاط العباسى، وكان الحاكم يعبر عن تفضيله لشخص ما بأن يمنحه حق الانتساب إلى البيت الحاكم، وليس لانحداره الخالص من أصل عربى. وكان ذلك جواز المرور إلى السلطة والهيبة. وإذا كنا نريد تعبيرا يتلاءم مع المملكة العربية آنئذ، فيمكن أن نبحث عنه فى التوقف التدريجى عن المنح والهبات والمعاشات التى كانت تمنح من قبل كحق للمحاربين العرب وأسرهم، وأيضا نبحث عنه فى صعود الحرس الترك إلى مواقع السلطة والنفود بدءا من عهد المعتصم. ويجب أن ننظر إلى المغزى الحقيقى لانتصار العباسيين فى حقائق التغيير التى أعقبت ذلك، وقد كان أكثرها وضوحا تحول مركز الثقل والجاذبية من سوريا إلى العراق، المركز التقليدى للامبراطوريات الكبيرة فى الشرق الأوسط القديم وللحضارة وقد أسس السفاح، الخليفة العباسى الأول، عاصمته فى مدينة الهاشمية الصغيرة، التى بناها على الضفة الشرقية لنهر الفرات بالقرب من الكوفة وبعد ذلك نقل العاصمة إلى الأنبار -وقد كان شقيقه وخليفته المنصور- وهو فى كثير من النواحى المؤسس الحقيقى للخلافة العباسية، فهو الذى أسس العاصمة الدائمة للدولة فى مدينة جديدة على الضفة الغربية لنهر دجلة بالقرب من أطلال طيْسَفُون (المدائن) وعند تقاطع عديد من طرق التجارة، وكان اسمها الرسمى مدينة السلام ولكنها تعرف عادة باسم المدينة الصغيرة التى كانت تحتل هذا المكان من قبل -أى بغداد ومن هذه المدينة -أو مجاورتها- حكمت الأسرة العباسية فى أول الأمر، ثم أمسكت بالسلطة بعد ذلك للجزء الأكبر من العالم الإسلامى لمدة خمسة قرون. ويمكن أن تنقسم هذه الفترة من سلطان هذه الأسرة التى تغطى الجزء الأكبر من الحضارة الإسلامية التقليدية إلى جزءين: الأول من ١٣٢ هـ/ ٧٥٠ م إلى ٣٣٤ هـ/ ٩٤٥ م وقد شهد الضعف التدريجى لسلطة الخلفاء، وارتفاع شأن

стр. 6975

القادة العسكريين الذين يحكمون من خلال قواتهم، وفى الجزء الثانى من ٣٣٤ هـ/ ٩٤٥ م إلى ٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م -وفيه احتفظ الخلفاء واستعادوا -مع استثناء واحد- السلطة الاسمية، على حين كانت السلطة الحقيقية حتى فى بغداد نفسها فى أيدى أسرات حاكمة. وسوف نورد هنا الخطوط العريضة للأحداث مع محاولة لوصف السمات الرئيسية لكل فترة ١ - ١٣٢ هـ/ ٧٥٠ م - ٣٣٤ هـ/ ٩٤٥ م (العصر العباسى الأول) لابد أن الخلافة العباسية فى الأيام التى أعقبت تأسيسها قد بدت فى أعين المعاصرين غير مستقرة فقد انتفض المتمردون عليها فى كل جانب ولفترة طويلة كان كل خليفة جديد يضطر لمواجهة الانتفاضات فى داخل العراق وحوله. كما أن مؤيدى الأمويين المخلوعين من العرب فى سوريا أثاروا الكثير من الاضطرابات ووجدوا تشجيعا فى الحكايات الأسطورية عن أسرة سفيان وهو شخصية كبيرة فى بيت أمية تنافس مع الموالين للعلويين من أجل الحصول على تأييد الساخطين -بل إن العلويين أنفسهم- وكانوا قد تفككوا مؤقتا بسبب خيبة آمالهم وأصبحوا تحت رقابة شديدة، قد توارى نجمهم لفترة ثم عادوا إلى الظهور كأخطر خصوم للحكم العباسى بل إن الخوارج أيضا ظلوا قوة معارضة نشطة وإن تكن قليلة. والأكثر من ذلك أن المؤيدين الظاهرين للأسرة لم يكونوا موضع ثقة تماما وفى ذلك الجو السائد من الريب والشكوك تم تعيين أفراد الأسرة العباسية فقط فى المناصب الرفيعة، ولكن عندما مات أبو العباس السفاح، وخلفه شقيقه أبو جعفر الذى حمل لقب المنصور حدث أن ثار عمهما عبد اللَّه بن على الذى كان قائدا للقوات على الحدود البيزنطية، ثم أعلن نفسه خليفة، ولكن أمكن تجنب هذا الخطر الداهم بفضل (أبو مسلم). وبقيت بعد ذلك مشكلة (أبو مسلم) نفسه، والهاشمية، وقد وجد العباسيون أنفسهم يواجهون صراعا بين أهداف الحركة من جهة وبين احتياجات الحكم من جهة أخرى ومن ثم اضطروا إلى مواجهة غضب بعض أتباعهم وخيبة

стр. 6976

أملهم فتم القضاء على أبى مسلم وإعدامه بمجرد أن شعر المنصور بقوته وقدرته على أن يستغنى عن وجود غير المريح. وقد أدت هذه الخطوات وأعمال القمع لجناح "الراوندية" الأكثر تماسكا وثباتا إلى إبعاد الأتباع المتطرفين للعباسيين الذين وجد بعضهم المخرج فى القيام بعديد من الثورات الدينية السياسية فى إيران، على حين انضّم آخرون بعد ذلك إلى صفوف الاسماعيلية، وهى الجناح المتطرف للشيعة الفاطمية التى نمت فى القرنين الثانى والثالث الهجريين (الثامن والتاسع من الميلاد)، وقد استطاع المنصور أن يواجه أخطار الثورة والحروب الخارجية، كما استطاع فى عهده الطويل الرائع أن يضع أسس الحكومة العباسية. وقد ساعده فى هذه المهمة -وعلى الأخص فى بلورة بنية وهيكل الإدارة المركزية- أسرة لعبت دورا حيويا فى نصف القرن الأول من الحكم العباسى وهى أسرة البرامكة التى توصف عادة بأنها من الفرس، ولكنها كانت من نوع مختلف تماما من ثوار خراسان الذين تبعوا أبا مسلم. وكانت عقيدتهم قبل تحولهم إلى الإسلام هى البوذية وليست الزرادشتية أو أيا من فروعها. وكانت هذه الأسرة تنتمى إلى طبقة الكهنة الأرستقراطية مالكة الأرض فى مدينة بلخ فى وسط آسيا. وبعد تأسيس بغداد ظهر خالد البرمكى، كساعد أيمن للمنصور، وبعد ذلك صار هو وسلالته الذين يوجهون إدارة الإمبراطورية حتى كان السقوط الدرامى الذى لم يفسر حتى الآن لهذه الأسرة فى عهد هارون الرشيد فى عام ١٨٧ هـ/ ٨٠٣ م. . ومع تحول مركز الإمبراطورية إلى الشرق والقضاء على احتكار الأرستقراطية العربية للمناصب العليا، ورسوخ أقدام البرامكة فى السلطة، أصبح النفوذ الفارسى أقوى. وظهرت النماذج الساسانية الفارسية فى البلاط والحكومة، وبدأ الفرس يلعبون دورا متزايد الأهمية فى كل من الحياة السياسية والثقافية. . وقد استمر هذا "التفريس" فى عصر المهدى والهادى. . واختفى بالتدريج التحيز ضد استخدام الموالى فى المناصب العليا. ولكن الخلفاء -فى محاولة لاعادة

стр. 6977

الرابطة التى ضعفت للقومية العربية- ركزوا على الآراء الإسلامية السديدة القويمة، حتى للتحم الدولة فى وحدة تقوم على العقيدة المشتركة وعلى الأسلوب المشترك فى الحياة، وانتهج المنصور سياسة محددة ومدروسة بالتودد إلى رجال الدين ذوى الرأى المستقيم، وإلى أصحاب الفكر، والتركيز على العنصر الدينى فى طبيعة السلطة التى يمارسها الخليفة، وقد أدت هذه السياسة -بمقارنتها بحياة الترف والانغماس فى الملذات من جانب كثيرين من الخلفاء ورجال البلاط- إلى أن تتهم بالنفاق ولكنها نجحت فى تحقيق هدفها فقد أعيد بناء مكة والمدينة، وانتظمت رحلات الحج من العراق. ويعتبر عصر هارون الرشيد فى الغالب الأعم ذروة السلطة والنفوذ العباسى؛ ولكننا نرى النذر الأولى للانهيار فى هذا الوقت، فقد أصبحت سلسلة الثورات الدينية فى فارس والتى أعقبت موت أبى مسلم أكثر خطورة، بل تحدت السلطة العباسية فى أقاليم بحر الخزر (قزوين) وكذلك فى خراسان. أما فى الغرب فكادت تختفى تماما سلطة العباسيين؛ فقد رفضت أسبانيا الخضوع للعباسيين وأصبحت مستقلة فى ظل أمير أموى منذ عام ١٣٨ هـ/ ٧٥٦ م. وبعد موت يزيد بن حاتم آخر الولاة العباسيين ذوى النفوذ فى شمال أفريقيا، بدأت تظهر الأسر المستقلة فى عام ١٧٠ هـ/ ٧٨٧ م، فى المغرب فى أول الأمر، وبعد ذلك فى تونس. ولم تتأكد بعد ذلك أبدا سلطة العباسيين فى المناطق التى تقع إلى الغرب من مصر. فالأغالبة فى تونس مارسوا الحكم المستقل المتوارث تحت السيادة الاسمية للخليفة، ووضعوا الأساس والنموذج لعديد من نظم الحكم المحلية المتوارثة الأمر الذى هبط بالسيادة الفعلية للخليفة إلى منطقة لا تتعدى وسط العراق وجنوبه؛ وظهرت بوادر خطر أخرى كشفت عن ضعف دفاعات الدولة، ففى عهد العباسيين كانت حدود الإسلام مستقرة. والحروب الخارجية الوحيدة ذات الأهمية هى ما تجرى مع البيزنطيين، وغير ذات فعالية. وكانت حملات هارون الرشيد غير الحاسمة هى آخر الهجمات الكبيرة ضد بيزنطة؛

стр. 6978

وبعد ذلك صار الإسلام فى حالة دفاع؛ واستغلت الجيوش البيزنطية نقاط الضعف فى سوريا وبلاد ما بين النهرين، على حين دخل الغزاة الخزر الأراضى الإسلامية فى القوقاز وأرمينيا. . وربما يكون أخطر عوامل الضعف هو التصدع والاضطراب الداخلى الغامض الذى وصل إلى ذروته بالإطاحة بالبرامكة وتولى هارون الرشيد مقاليد السلطة والإمساك بها بيدين ليستا على درجة كبيرة من الكفاءة؛ وقد هزت هذه الخطوة التحالف مع الجناح الأرستقراطى الفارسى للحركة التى جاءت بهم إلى السلطة والتى حافظ عليها العباسيون الأوائل لفترة طويلة بعد أن عزلوا العناصر الأكثر تطرفا. . وبعد موت هارون الرشيد تفجرت الصراعات الكامنة وتحولت إلى حرب أهلية بين ولديه الأمين والمأمون. وكانت قوة الأمين تكمن أساسا فى العاصمة وفى العراق. . أما قوة المأمون فكانت فى فارس وقد قيل إن الحرب الأهلية صراع قومى بين العرب والفرس، انتهى بانتصار الفرس. . وقد اقترح المأمون -معتمدا على التأييد الذى يأتيه من الشرق- أن تنتقل العاصمة من بغداد إلى "مرو"، ولكنه وبعد انتصاره، قرر فى تعقل أن يعود إلى بغداد وبعد ذلك وجدت الطموحات الإقليمية والأرستقراطية لدى الفرس منفذا لها فى الأسر المحلية ففى عام ٢٠٥ هـ/ ٨٢٠ م استقل "طاهر" القائد الفارسى لدى المأمون بخراسان وأسس أسرة حاكمة. وتبعه آخرون؛ وعلى حين كان معظمهم يعترف بالسيادة للخلفاء، إلا أنهم حرموهم من كل سلطة فعلية فى معظم فارس. وإذا كانت سلطة الخلفاء فى الأقاليم قد تقلصت بالتدريج لتصل إلى حد منح تقليد السلطة للحكام الفعليين، فإن سلطتهم قد تضاءلت فى العراق أيضا فالبلاط الذى يسرف فى بذخ شديد، والبيروقراطية المتضخمة قد أديا إلى اضطرابات مالية مزمنة، ضاعف منها ومن خطرها افتقاد الموارد المالية من الأقاليم، وكذلك سقوط مناجم الذهب والفضة فى أيدى الغزاة أو استنفاد طاقتها. وقد وجد الخلفاء العلاج فى

стр. 6979

الزراعة للحصول منها على موارد للدولة، الأمر الذى أدى فى النهاية إلى أن يصبح الحكام المحليون "مزارعى ضرائب"؛ وأصبح هؤلاء هم الحكام الحقيقيون للإمبراطورية وخصوصا عندها أمسك بمزارع الضرائب وبالحكم قادة الجيش الذين كان فى مقدورهم فرض الطاعة والولاء. . ومن ثم أصبح الخلفاء، بدءا من عصر المعتصم والواثق، دمى يحركها القادة الذين كانوا قادرين على تعيينهم وخلعهم. . والمعروف أن المعتصم هو الذى استخدم الأتراك من آسيا الوسطى كجنود وقادة. . ومنذ ذلك الحين أصبح الطاقم العسكرى المسيطر من الأتراك. وفى عام ٢٢١ هـ/ ٨٣٦ م قام ببناء مقر جديد له فى سامراء، على بعد ستين ميلا شمالى بغداد. . وظلت سامراء هى "العاصمة" حتى عام ٢٧٩ هـ/ ٨٩٢ م عندها عاد المعتمد إلى بغداد. وإن إنشاء هذه المدينة ليوضح الهوة الكبيرة بين الخليفة وحرسه من جهة، وبينه وبين أهل بغداد من جهة أخرى. كما أن معمارها وما استخدم فيها من فنون يظهر طاقما حاكما جديدا ذا أذواق وتقاليد مختلفة. . وقد استمرت سلطة الأتراك فى ازدياد فى عهد الواثق. ولكن خليفته المتوكل قام بمحاولة خطيرة لكسر شوكة الحرس التركى، وحشد التأييد ضدهم من جانب رجال الدين والسكان المدنيين الذين سعى إلى تخفيف تعصبهم بنبذ مبادئ المعتزلة التى كان يتبعها من سبقوه، ولكن هذه المحاولة باءت بالفشل. وأعقبت اغتيال المتوكل فى عام ٢٤٧ هـ/ ٨٦١ م فترة من الفوضى. وفى خلال فترة تصل إلى تسع سنوات تعاقب أربعة من الخلفاء على الخلافة، ولكنهم جميعا كانوا بلا حول ولا قوة أمام الحرس التركى، الذى قويت قبضته على البلاط والعاصمة. على حين أصيبت الأقاليم بحالة من الفوضى، وفى أحسن الأحوال بحالة من الاستقلال الذاتى. وفى هذه الأثناء قامت فى جنوب العراق ثورة بين العبيد الزنوج عرفت باسم ثورة الزنج. الذين كانوا يستخرجون الملح من "المستنقعات" بجوار البصرة. وقد تطورت هذه الثورة بسرعة لتشكل خطرا كبيرا على

стр. 6980

الإمبراطورية وقد استطاع زعيم الزنج أن يوقع الهزيمة بعدد من جيوش الدولة، واستطاع أن يسيطر بفاعلية على معظم جنوبى العراق وجنوب غرب فارس. . وقطعت خطوط المواصلات التى تربط بغداد بالبصرة، وبالتالى مع الخليج العربى، وطريق التجارة إلى الشرق. وفى عام ٢٦٤ هـ/ ٨٧٧ م، كانت جماعات الزنج تشن غاراتها على بعد سبعة عشر ميلا من بغداد نفسها. . ولكن يحدث فى هذه الأثناء أن تبدأ فترة من الاستقرار فى العاصمة. . ولم يكن الخليفة المعتمد، الذى تولى الخلافة فى عام ٢٥٦ هـ/ ٨٧٠ م بالحاكم القوى، ولكن شقيقه الموفق، أصبح السيد الحقيقى فى العاصمة، وفى السنوات العشرين التى حكم فيها بذل الكثير من الجهد لاستعادة القوة التى وهنت لبيت العباس. وكانت مهمته الأولى أن يعيد النظام والاستقرار إلى بغداد ذاتها، وبعد ذلك كان عليه أن يواجه المشكلات التى آثارها الزنج، وكذلك انتهاكات الزعماء المحليين، وخصوصا الصّفاريين فى فارس والطولونيين فى مصر وسوريا. وفى عام ٢٦٩ هـ/ ٨٨٢ م, استطاع أن يطرد الزنج من كل المناطق التى غزوها، واستطاع أن يسحقهم تماما فى عام ٢٧٠ هـ/ ٨٨٣ م. وبالرغم من فشله فى القضاء على الصفاريين والطولونيين إلا أنه نجح فى كبح جماح أطماعهم، ومن ثم كانت المهمة سهلة لمن جاءوا بعده، وبموت الموفق فى عام ٢٧٨ هـ/، ٨٩١ م، خلفه -كحاكم فعلى- ابنه المعتضد الذى أصبح خليفة بموت المعتمد فى العام التالى -وقد كان المعتضد وخليفته المكتفى من الحكام ذوى المقدرة والنشاط- إذ تأكدت لفترة سلطة الخلافة فى كل من فارس ومصر، تاركة الحكومة حرة فى التعامل مع خطر الشيعة، الذين نشطوا مرة أخرى فى ذلك الوقت بشكل متطرف ذى نزعة عسكرية -فبعد بزوغ نجم العباسيين وما تبع ذلك من اختفاء سلالة الحنفية، أصبح التسلسل الفاطمى للأئمة هو الذى يتحكم فى

стр. 6981

معظم الشيعة. وبعد موت جعفر الصادق فى عام ١٤٨ هـ/ ٧٦٥ م، ورث الإسماعيليون الكثير من مهام ومبادئ وأعوان الحنفية -ثم إن تحول الخلافة فى القرنين الثامن والتاسع الميلاديين من دولة زراعية عسكرية إلى دولة عالمية غير محلية، مع الحياة التجارية والصناعية المكثفة، أدى إلى نمو المدن الكبيرة وتركيز رأس المال والعمالة، وإلى أن تتعرض البنية الاجتماعية الهشة للدولة إلى توتر شديد، وإلى أن ينتشر السخط. كذلك فإن تطور الحياة الثقافية للإسلام، وصراع الحضارات والأفكار نتيجة النفوذ والمؤثرات الخارجية والتطورات الداخلية، ساعد مرة أخرى على انتشار حركات الهرطقة، التى كانت -فى أى مجتمع دينى- هى التعبير الممكن الوحيد عن المعارضة المعنوية والمادية للنظام القائم. وقد أدت هذه الاضطرابات المحلية والانتفاضات فى أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر، إلى أن يصل التوتر إلى نقطة يتقوض عندها كل شئ، واضطر الخلفاء إلى أن يواجهوا عديدا من التحديات بدءًا من العنف الثورى للقرامطة فى البحرين وسوريا وبلاد ما بين النهرين وجنوب الجزيرة العربية، إلى الانتقادات التى كان يوجهها أصحاب المذاهب الأخلاقية والمتصوفة فى بغداد نفسها. . وقد مات المعتضد بعد أن هزم على أيدى القرامطة، ولكن خليفته المكتفى قرر أن يسحق ثورة القرامطة فى سوريا وبلاد ما بين النهرين، وكان عند وفاته فى عام ٢٩٥ هـ/ ٩٠٨ م -قد قاد هجوما مضادا ناجحا ضد البيزنطيين، الذين سعوا لاستغلال هذه الفوضى التى تجتاح الدولة الإسلامية. أما خطر الشيعة فلم ينته. وبعد صراع قصير على السلطة، خلف المكتفى شقيقه المقتدر، وكان لا يزال صبيا فى الثالثة عشرة من عمره. . وفى هذه السن التى لم يبلغ فيها مرحلة الرشد، وفى أثناء فترة الحكم الطويلة غير المؤثرة، عادت إلى الظهور من جديد الميول الهدامة التى كان قد أوقفها الموفق والخليفتان

стр. 6982

اللذان جاءا من بعده. فقد استأنف القرامطة نشاطهم، ومن قواعدهم فى البحرين بدأوا يهددون الطرق الحيوية للخلافة، هذا على حين أقام جناح آخر للإسماعيلية فى الغرب خلافة فاطمية فى تونس. . وفى شمال سوريا أقامت أسرة الحمدانيين دولة لها، فى الوقت الذى بدأت تؤسس فيه فى فارس أسرة شيعية أخرى -هى بنو بويه (البويهيون)، سلالة جديدة وحكما سرعان ما بدأ يهدد العراق ذاتها. . وصلت الاضطرابات فى العاصمة والفوضى إلى ذروتها بموت الخليفة وهو يقاتل قائده مؤنس واكتمل تفسخ وتصدع سلطة الخلافة فى عهد خليفتيه: "القاهر" و"الراضى". . وثمة واقعة ترمز إلى هذه الأحوال جميعا وهى مَنْحُ حاكم العراق "ابن رائق لقب أمير الأمراء. وفى عام ٣٤٤ هـ/ ٩٤٥ م كان الانهيار النهائى عندما دخل الأمير البويهى "معز الدولة" بغداد، وأصبح لقب أمير الأمراء، بالإضافة إلى السيطرة المحكمة على مدينة الخلفاء، فى أيدى أسرة شيعية. والحق أن التصدع السياسى فى القرنين التاسع والعاشر والذى أدى إلى تمزق السلطة فى الدولة، وانهيار الحكم فى العاصمة، لم يكن له آثار سلبية مباشرة على الحياة الاقتصادية والثقافية للخلافة. فقد أعقب وصول العباسيين إلى السلطة انتعاش اقتصادى كبير، يقوم على استقلال موارد الإمبراطورية عن طريق الصناعة والتجارة وتنمية وتطوير شبكة كبيرة من العلاقات التجارية، فى داخل الإمبراطورية، ومع العالم الخارجى. . وقد أدت هذه التغييرات إلى نتائج اجتماعية مهمة. . فطبقة المحاربين العرب قد استبعدت، وحلّت محلها طبقة حاكمة من ملاك الأراضى والبيروقراطيين، والجنود المرتزقة، ورجال الأدب والتجار ورجال التعليم. وتحولت المدينة الإسلامية من مدينة عسكرية إلى سوق و"بورصة"، كما تحولت فى الوقت المناسب، إلى مركز لثقافة حضرية مزدهرة ومتنوعة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الفترة كانت العصر الكلاسيكى للإسلام، حيث نضجت

стр. 6983

حضارة جديدة وثرية وأصيلة، وهى ناجمة عن تأثير كثير من الأجناس. ٢ - (العصر العباسى الثانى) ٣٣٤ هـ / ٩٤٥ م - ٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م أصبحت الخلافة مجرد مؤسسة اسمية فى تلك الفترة الطويلة بدءا من احتلال البويهيين لبغداد حتى سقوطها على أيدى المغول. . وكانت -أى الخلافة العباسية- تمثل قيادة الإسلام السنى، وتتصرف كسلطة تضفى الشرعية على الحكام المدنيين العديدين الذين يمارسون السيادة الفعلية فى الأقاليم وفى العاصمة. . وكان الخلفاء أنفسهم -باستثناء فترة انتعاش قصيرة قبل النهاية- تحت رحمة هؤلاء الحكام المدنيين، الذين يعينونهم ويخلعونهم متى شاءوا، بل إن واحدا منهم وهو الناصر، لم يترك أية بصمة فى التاريخ. . وإن تعيين ابن رائق أميرا للأمراء، كان واحدا من سلسلة طويلة، وكان دليلا على الاعتراف الرسمى بمنصب الحاكم المدنى. وفى الربع الثانى من القرن العاشر بسط عدد من الأمراء من بنى بُويه الفرس الشيعة، الذين يسكنون مرتفعات الديلم. حكمهم على معظم غربى فارس وأجبروا الخلفاء على الاعتراف بهم. وفى ٣٣٤ هـ/ ٩٤٥ م دخل الأمير البويهى معز الدولة بغداد، وانتزع من الخليفة "المستكفى" لقب أمير الأمراء. واضطر الخلفاء لأكثر من قرن أن يذعنوا لهذه المهانات ورغم تشيع البويهيين إلا أنهم لم يحاولوا أن ينصبوا خليفة علويًا، فالإمام الثانى عشر عند الشيعة "الاثنى عشرية" قد اختفى قبل ذلك بسبعين عاما، ولكنهم أعطوا بيعة ظاهرية للعباسيين -متَّخذين منهم ستارا "رشيدا" لسلطتهم، وأداة لسياستهم فى العالم السنى. ومن هذه الشيعة كان الخطر الحقيقى للعباسيين ففى عام ٣٥٦ هـ/ ٩٦٩ م غزا الفاطميون "الاسماعيليون" من تونس مصر، واستطاعوا بسرعة أن يبسطوا سلطانهم حتى سوريا والجزيرة العربية. ولأول مرة تحكم فى الشرق الأوسط أسرة مستقلة قوية، لم تعترف حتى بالسلطة الاسمية

стр. 6984

للعباسيين، بل إنها -على العكس- أقامت لنفسها خلافة خاصة، متحدية العباسيين فى زعامة العالم الإسلامى بأسره. وقد وجدت السلطة السياسية والعسكرية للفاطميين تأييدا وعونا من عدد كبير جدا من المتعاطفين فى "الممالك" العباسية، وقامت أيضًا سياسة اقتصادية بارعة تستهدف تحويل تجارة الشرق من الخليج الفارسى إلى البحر الأحمر، وفى الوقت نفسه تعمل على تقوية مصر وإضعاف العراق. ثم انقسمت الإمبراطورية البويهية إلى عدد من الدول الصغيرة، على حين كانت تنمو فى فارس سلطة جديدة هى السلاجقة. . وفى منتصف القرن الحادى عشر انتهت سطوة البويهيين، واستطاع قائد تركى يدعى البساسيرى أن يحتل بغداد، ويلقى الخطبة باسم الخليفة الفاطمى. وكانت هذه الواقعة البسيطة دليلا على مدى ما بلغته سلطة الفاطميين من علو ورفعة. وفى عام ٤٤٧ هـ/ ١٠٥٥ م، دخل طغرل بك السلجوقى بغداد وأعلن نفسه سلطانًا. ويبدو أن السلاطين السلاجقة هم أول من استخدم اللقب رسميا، ونقشوه على عملاتهم. والحق أن السلطنة السلجوقية الكبيرة، التى استمرت قرنا من الزمان، كانت التطور المنطقى لمنصب أمير الأمراء، وقد بقى اللقب منذ ذلك الحين لمن يمسك بالسلطة الدنيوية (الزمنية) المطلقة. وقد أدخل السلاجقة الكثير من التغييرات المهمة. . فقد، كانوا تركًا سنيين، وبمقدمهم استقرت قوة الأتراك التى كانت تنمو بشكل متقطع غير متصل منذ عهد المعتصم. . ولم يعد الأتراك فى الشرق الأوسط -منذ ذلك الحين- جنودا أرقاء أو متحررين، يتم استيرادهم من آسيا الوسطى. . وبدأت عشائر بأكملها من الأتراك الأحرار الرعويين تهاجر تجاه الغرب، وتقوم بدور مهم، وتغير الصورة العرقية للشرق الأوسط. . وقد أدى إحلال الحاكم السنى مكان الشيعى إلى تزايد هيبة -لا سلطة- الخلفاء ولذلك توسع نطاق سلطة الحكومة المركزية، ومن ثم

стр. 6985

زادت السيادة الاسمية للخلفاء، على كثير من الأراضى الكثيرة التى كانت مستقلة حتى ذلك الحين. وقد أحدث عهد السلاجقة، الذى أعقب تصدع السلطنة الكبيرة تغييرين على جانب كبير من الأهمية. أحدهما تنظيم التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التى حدثت فى الفترة السابقة، وبلورة نظام اجتماعى ومالى جديد ذى سمة شبه إقطاعية؛ أما الآخر فهو الحملة ضد التهديد الشيعى على المستوى السياسى والعسكرى، وعلى المستوى الثقافى عن طريق خلق شبكة من المدارس، حتى تكون مراكز لصياغة المذهب السنى والدفاع عنه فى مواجهة أبواق الشيعة -وقد واجه هذان التغييران رد فعل عنيفًا متمثلًا فى حركة الحشاشين وهى حركة ثورية نشيطة، انبثقت من بين أطلال الدعوة الفاطمية، وشكلت تحديا مريرا لحكم السلاجقة والسنيين. . وقد فشل الحشاشون فى النهاية، ولم تعد الشيعة بعد ذلك عاملا سياسيا كبيرا حتى ظهور الصفويين. وبعد تصدع السلطنة السلجوقية الكبيرة، سقطت العراق تحت سيطرة أسرة محلية من الأمراء السلاجقة، كان آخرهم طغرل الثانى ٥٧٣ - ٥٩٠ هـ/ ١١٧٧ - ١١٩٤ م. وقد أدى انهيار سلطانه، وعدم وجود أى بديل إلى أن يقوم الخليفة العباسى الناصر بمحاولة أخيرة لاستعادة السلطة المفقودة للخلافة. وكانت اللحظة طيبة ومواتية -فالأسرتان الكبيرتان فى الشرق الأوسط كانتا مشغولتين، فالأيوبيون فى مصر وسوريا انشغلوا بالنضال ضد الصليبيين. وانشغل خوارزم شاه فى الشرق بحروبه مع الأسر التركية الأخرى ثم مع المغول. وفى هذا الفراغ للسلطة، حاول الناصر خلق كيان موسع للخلافة، ومع ذلك فإن تحول نشاطاتهم لمواجهة خطر المغول فى الشرق هو الذى أنقذها من الهلاك على أيدى شاهات خوارزم. وكان خلفاء الناصر ضعفاء، وغير أكفاء، وعندما

стр. 6986

ظهر القائد المغولى هولاكو -الذى كان قد غزا فارس- أمام بغداد فى عام ٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨، كان آخر خليفة وهو المستعصم، وغير قادر على القيام بأية مقاومة جادة. ويعد غزو المغول لبغداد، والقضاء على الخلافة كارثة كبيرة فى تاريخ الإسلام والحق أن هذين الحدثين هما نهاية عصر -لا فى الأشكال الخارجية الظاهرية للحكم والسياسة فحسب- بل أيضا فى الحضارة الإسلامية ذاتها، التى تدفقت وتدافعت بعد التحول الذى فرضته موجة الغزو التتارى العارم، فى مسارات جديدة، تختلف عن تلك التى كانت فى القرون السابقة. وهكذا لم تعد الخلافة مؤسسة ذات فعالية، ولم يفعل المغول أكثر من أن يلقوا بشبح شئ مات بالفعل. ولم تحدث الغزوات المغولية تأثيرا كبيرًا فى الأجهزة الحقيقية للسلطة الزمنية؛ ولكن التغيير الوحيد هو أن السلطنة قد بدأت تكتسب الاعتراف الشرعى، وبدأ السلاطين ينتحلون لأنفسهم ألقابا وامتيازات كانت مقصورة من قبل على الخلفاء. الخلفاء العباسيون فى مصر ذكر "ر. هارتمان R.Hartemann" عن تأسيس الظاهر بيبرس لخلافة عباسية فى الظل فى القاهرة فى عام ٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م. إن اختفاء الخلافة من بغداد أوجد فراغا سياسيا، لم يؤثر فحسب فى رجال الدين بل أيضًا فى الحكام المدنيين، الذين كانوا لا يزالون يستشعرون الحاجة إلى سلطة ذات وضع قانونى. وقد اعترف أبو نص شريف مكة، رسميا بالحاكم الحفصى فى تونس "أبو عبد اللَّه"، الذى اتخذ لقب الخليفة، تحت الاسم الملكى المستنصر فى ٦٥٠ هـ/ ١٢٥٣ م. . وقد اكتسب هذا اللقب قيمة جديدة باعتراف (أبى نُمَىْ) وتأكد بالتصرف الذى أقدم عليه المماليك بإرسالهم تقريرا عن النصر الذى تحقق فى عين جالوت، إلى "أبو عبد اللَّه" متوجهين إليه باسم أمير المؤمنين. أما بيبرس، وكان أقوى من

стр. 6987

سلفه، فقد فضل ألا يعطى هذا الاعتراف إلى جار قوى يمكن أن يكون خطرًا عليه، وبدلا من ذلك أقدم على حل مشكلات الشرعية والاستمرارية بتنصيب لاجئ عباسى كخليفة فى القاهرة بنفس الاسم "الخليفى" المستنصر. . وفى القرنين ونصف القرن التالية تتابعت شلالة من العباسيين الواحد بعد الآخر كخلفاء اسميين تحت حكم سلاطين المماليك فى القاهرة. . وباستثناء فترة قصيرة فى عام ٨١٥ هـ/ ١٤١٢ م فيها الخليفة المستعين حاكما لسد الفراغ لمدة ستة شهور فى غمرة الصراعات بين المتنافسين على السلطة -كان الخلفاء فى القاهرة لا حول لهم ولا قوة بل لم يكونوا أكثر من أصحاب معاشات فى البلاط، مع بعض متطلبات الاحتفال عند اعتلاء السلطان الجديد للسلطة. . وقد حاول سلاطين المماليك استخدام هؤلاء الخلفاء كوسيلة لكسب اعتراف الدول الإسلامية الأخرى، ولكن هذه المحاولات لم تلق إلا نجاحا ضئيلا وخصوصا فى الهند والإمبراطورية العثمانية حيث تقدم بايزيد الأول إلى خليفة "القاهرة" فى عام ١٣٩٤ بمنحه لقب سلطان. وفى عام ١٥١٧ تم خلع آخر خليفة وهو المتوكل على يد سليم الأول الغازى العثمانى لسوريا ومصر. وهكذا أزيلت خلافة الظل العباسية. . المصادر: انظر الحوليات العربية: ابن خياط، الطبرى، ابن الأثير، ابن كثير وغيرها، ومن المراجع الأجنبية: (١) R. Hartmann: Zur Vorgeschichte des, Abbasidischen Schein-Chaliphates von Cairo, Abhandlungen der deutscen Akademie der Wissensch aften zu Berlin, Phil-hist. KI. ١٩٤٧, nr, ٩, Berlin ١٩٥٠ (٢) G. Weil: Geschichte der Chalifen ٥ vols, Mannhem-Stuttgart ١٨٤٦ - ٦٢ (٣) A. Muller: Der Islam im Morgenund Abendland, ٢ vols. Berlin ١٨٨٢ بهجت عبد الفتاح [ل. لويس L. Lewis]

стр. 6988

خلفاء الدولة العباسية هجرية. . . ميلادية ١ - أبو العباس السفاح. . . ١٣٢. . . ٧٥٠ ٢ - المنصور. . .١٣٦. . . ٧٥٤ ٣ - المهدى. . . ١٥٨. . . ٧٧٥ ٤ - الهادى. . . ١٦٩. . . ٧٨٥ ٥ - هارون الرشيد. . . ١٧٠. . . ٧٨٦ ٦ - الأمين. . . ١٩٣. . . ٨٠٩ ٧ - المأمون. . . ١٩٨. . . ٨١٣ ٨ - المعتصم. . . ٢١٨. . . ٨٣٣ ٩ - الواثق. . . ٢٢٧. . . ٨٤٢ ١٠ - المتوكل. . . ٢٣٢. . . ٨٤٧ ١١ - المنتصر. . . ٢٣٧. . . ٨٦١ ١٢ - المستعين. . . ٢٤٨. . . ٨٦٢ ١٣ - المعتز. . . ٢٥٢. . . ٨٦٦ ١٤ - المهتدى. . . ٢٥٥. . . ٨٦٩ ١٥ - المعتمد. . . ٢٥٦. . . ٨٧٠ ١٦ - المعتضد. . . ٢٧٩. . . ٨٩٢ ١٧ - المكتفى. . . ٢٨٩. . . ٩٠٢ ١٨ - المقتدر. . . ٢٩٥. . . ٩٠٨ ١٩ - القاهر. . . ٣٢٠. . . ٩٣٢ ٢٠ - الراضى. . . ٣٢٢. . .٩٣٤ ٢١ - المتقى. . . ٣٢٩. . . ٩٤٠ ٢٢ - المستكفى. . . ٣٣٣. . . ٩٤٤ ٢٣ - المطيع. . . ٣٣٤. . . ٩٤٦ ٢٤ - الطائع. . . ٣٦٣. . . ٩٧٤ ٢٥ - القادر. . . ٣٨١. . . ٩٩١ ٢٦ - القائم. . . ٤٢٢. . . ١٠٣١ ٢٧ - المقتدى. . . ٤٦٧. . .١٠٧٤ ٢٨ - المستظهر. . . ٤٨٧. . . ١٠٩٤ ٢٩ - المسترشد. . . ٥١٢. . .١١١٨ ٣٠ - الراشد. . . ٥٢٩. . . ١١٣٥ ٣١ - المقتفى. . . ٥٣٠. . . ١١٣٦ ٣٢ - المستنجد. . . ٥٥٥. . . ١١٦٠ ٣٣ - المستضئ. . . ٥٦٦. . . ١١٧٠ ٣٤ - الناصر. . . ٥٧٥. . .١١٨٠ ٣٥ - الظاهر. . . ٦٢٢. . . ١٢٢٦ ٣٦ - المستعصم. . . ٦٤٠ - ٦٥٦. . . ١٢٤٢ - ١٢٥٨

стр. 6989

الخلفاء العباسيون فى مصر هجرية. . . ميلادية ١ - المستنصر باللَّه أبو القاسم أحمد. . . ٦٥٩. . . ١٢٦١. ٢ - الحاكم بأمر اللَّه أبو العباس أحمد. . . ٦٦٠. . . ١٢٦٢ ٣ - المستكفى باللَّه أبو الربيع سليمان. . . ٧٠١. . .١٣٠٢ ٤ - الواثق باللَّه أبو اسحق إبراهيم. . . ٧٤٠. . .١٣٣٧١ ٥ - الحاكم بأمر اللَّه أبو العباس أحمد. . . ٧٤٢. . . ٣٤١ ٦ - المعتضد باللَّه أبو الفتح أبو بكر. . . ٧٥٣. . . ١٣٥٢ ٧ - المتوكل على اللَّه أبو عبد اللَّه محمد. . . ٧٦٣. . . ١٣٦٢ ٨ - المعتصم (المستعصم) باللَّه أبو يحيى زكريا. . . ٧٧٩. . .١٣٧٧ ٩ - المتوكل على اللَّه (للمرة الثانية). . . ٧٧٩. . . ١٣٧٧ ١٠ - الواثق باللَّه عمر. . . ٧٨٥. . . ١٣٨٣ ١١ - المعتصم باللَّه (للمرة الثانية). . . ٧٨٨. . . ١٣٨٦ ١٢ - المتوكل على اللَّه (للمرة الثالثة). . . ٧٩١. . . ١٣٨٩ ١٣ - المستعين باللَّه أبو الفضل العباس. . . ٨٠٨. . . ١٤٠٦ ١٤ - المعتضد باللَّه أبو الفتح داود. . . ٨١٦. . . ١٤١٤ ١٥ - المستكفى باللَّه أبو ربيع سليمان. . . ٨٤٥. . . ١٤٤١ ١٦ - القائم بأمر اللَّه حمزة. . . ٨٥٥. . .١٤٥١ ١٧ - المستنجد باللَّه أبو المحاسن يوسف. . . ٨٥٩. . . ١٤٥٥ ١٨ - المتوكل على اللَّه أبو العز عبد العزيز. . . ٨٨٤. . . ١٤٧٩ ١٩ - المستمسك باللَّه أبو الصبر يعقوب. . . ٩٠٣. . . ١٤٧٩ ٢٠ - المتوكل على اللَّه محمد. . . ٩١٤. . . ١٥٠٨ - ١٥٠٩ ٢١ - المستمسك باللَّه (للمرةالثانية). . . ٩٢٢ - ٩٢٣. . . ١٥١٦ - ١٥١٧

стр. 6990

جدول بأنساب الخلفاء العباسيين فى بغداد عباس بن عبد المطلب عبد اللَّه على محمد. . .عبد اللَّه. . .عيسى. . .سليمان إبراهيم. . .١ - السفاح. . .٢ - المنصور ٣ - المهدى ٤ - الهادى. . .٥ - الرشيد. . . المنصور. . .إبراهيم ٦ - الأمين. . .٧ - الواثق. . .٨ - المعتصم محمد. . .٩ - الواثق. . .١٠ - المتوكل ١٢ - المستعين. . .١٤ - المهتدى. . .١١ - المنتصر. . .١٣ - المعتزة المعتمد. . .الموفق ابن المعتز. . .١٦ - المعتضد ١٩ - القاهر. . .١٨ - المقتدر. . .١٧ - المكتفى ٢٣ - المطيع. . .٢١ - المتقى. . .الراضى. . .٢٢ - المستكفى ٢٤ - الطائع. . . ٢٥ - القادر ٢٦ - القائم محمد خيرت الدين ٢٧ - المقتدى ٢٨ - المستظهر ٢٩ - المسترشد. . .٣١ - المكتفى ٣٠ - الراشد. . .٣٢ - المستنجد ٣٣ - المستعدى ٣٤ - الناصر ٣٥ - الظاهر ٣٦ - المستنصر. . . المستنصر (خليفة فى مصر) ٣٧ - المستعصم

стр. 6991

جدول أنساب الخلفاء العباسيين فى مصر (من كتاب "خليل أدهم" الدول الإسلامية) المستظهر المكتفى. . .المسترشد المستنجد المستعدى الناصر الظاهر. . .الراشد. . .أبو بكر على الحسن ١ - المستنصر. . .المستنصر (خليفة فى بغداد). . . ٢ - الحاكم الأول ٣ - المستكفى الأول. . .أحمد. . . ٤ - الواثق الأول ٦ - المعتضد الأول ٧ - المتوكل الأول. . .٥ - الحاكم الثانى ٨ - المعتصم. . .٩ - الواثق الثانى ١٤ - المستنجد. . .١٣ - القائم. . .١٢ - المستكفى الثانى. . .١١ - المعتضد الثانى. . .١٠ - المستعين ١٥ - المتوكل الثانى ١٦ - المستمسك ١٧ - المتوكل الثالث (يقول آخرون أن الخليفة الثانى -الحاكم الأول- انحدر مباشرة من الراشد على النحو التالى: الحاكم بن على بن أبى بكر الحسين بن راشد). بهجت عبد الفتاح [ل. لويس L.Lewis]

стр. 6992

عبد والجمع عبيد وقد وردت فى القرآن الكريم على صيغة الجمع (عباد) كما فى الآية ٣٢ من سورة النور ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾، وتطلق كلمة (عبد) على الذكر خاصّة أما الأنثى فتسمى أمة (بفتح الألف والميم) وجمعها إماء، وكلتا الكلمتين من أصل سامٍ قديم، وتستخدمها عبرية التوراة بالمعنى نفسه، وتستخدم العربية الفصحى كلمة (رقيق) للدلالة على العبد والأمة أى (المذكر والمؤنث) كما تدل الكلمة على المفرد والجمع أيضا، وعلى أية حال فإن كلمة (رقيق) لم ترد فى القرآن الكريم، ويستخدم القرآن الكريم كلمة (رقبة) ومعناها حرفيًا تشير إليه الكلمة الإنجليزية neck أى العنق وقيل إن معناها مؤخر أصل العنق وقيل أعلاه والجمع رقب (بضم الراء والقاف) ورقاب ورقبات، كما ورد فى القرآن الكريم [. . . . .] (*) ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، و (العبد المملوك) فى سورة النحل آية ٧٥ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ومن هنا تطور مفهوم كلمة مملوك فى اللغة العربية ليكون مرادفًا لكلمة عبد، وقد دخلت اللغة العربية -شأنها شأن اللغات الأخرى- تعبيرات لطيفة مخففة لتشير للمعنى نفسه مثل فتى، وفتاة، وخادم وخادمة، وغلام للعبد المذكر وجارية للأنثى، وهناك أيضا وصيف ومؤنثه وصيفة، وفى مرحلة من المراحل كانت كلمة (خصى) تعنى العبد، بل وامتد معنى العبودية لكلمتى (زنجى) و (زنجية)، بل إن كلمة (أسير) المقابلة للكلمة الانجليزية Captive كانت تعنى أحيانا العبد، ومطلق العبودية يعبر عنها بالرق أو بالعبودية المشتقة من كلمة عبد، وصاحب العبد أو مالكه هو (السيد) ويمكن أن يشار إليه أيضا على أنه المولى أو (المالك)، وعكس العبد (رجل حر) و (امرأة حرة). وبالنسبة للغة التركية فإنها تضم عددا من الكلمات الدالة على العبد منها كولى Kole بالإضافة لكلمات أخرى دخلت التركية من لغات أخرى مثل بند الفارسية الأصل، وأسير وغلام وهما عربيتان، وكارية وهى تحريف لكلمة جارية العربية، بالإضافة إلى هلايك، وهى تحريف لكلمة خلائق، ومعناها

стр. 6993

بدقة هو المخلوقات بما تحمله من مضمون شبيه بالمضمون الذى تحمله الكلمة الانجليزية Creatures أما اللغة الفارسية ففيها كلمات مثل باندا وغلام للمذكر، وكنيز للمؤنث. الرّق قبل الإسلام: مورست العبودية فى شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام كما مورست فى بقية دول العالم القديم وبواكير العصور الوسطى، غير أنه يجب الاعتراف أن المعلومات المتفرقة التى تيسرت لنا عن فترة ما قبل الإسلام غير كافية لتقديم إجابات مؤكدة عن معظم المشاكل التى أثارها نظام الرق هذا، ويمكن الاعتراف بأنه "قبل الهجرة مباشرة" كانت الأغلبية العظمى من العبيد موجودة فى غرب شبه الجزيرة العربية، وكان هؤلاء العبيد يمثلون سلعة متوفرة فى مكة المكرمة حقق التجار من وراء بيعها أرباحا طائلة؛ وكان العبيد فى غرب شبه الجزيرة العربية أناسا ملونين من أصل حبشى، ولابد أن بعضهم قد كون نواة جماعة الأحابيش التى كونت قوة للدفاع عن مكة، وقد كان بلال رضى اللَّه عنه أول مؤذن فى الإسلام عبدًا من هؤلاء (*)، كما كان هناك بعض العبيد البيض من عنصر أجنبى لكن عددهم كان أقل كثيرا من العبيد ذوى الأصول الأثيوبية (الحبشية)، وقد وصل هؤلاء العبيد البيض -بدون ريب- مع قوافل التجارة العربية (ويعود تاريخ تجار الرقيق إلى زمن سحيق فقد أشار لهم العهد القديم فى سياق قصة يوسف ﵇ ولا توجد أسباب موضوعية تجعلنا ننكر وجود عبيد من أصل عربى -ولو أن افتداء الأسرى بين القبائل الرّحل كان أمرا شائعا، وليس لدينا دليل حاسم على وجود استعباد وفاء لدين، كما ليس لدينا ما يشير إلى قيام بعض الأسر ببيع أبنائها، فالحكايات النادرة، والمتأخرة بهذا الشأن تبين أن هذا الأمر فى حال حدوثه كان يمثل حالة شاذة وغير عادية، وعلاوة على ذلك فسوف يكون

стр. 6994

من غير الحكمة أن نكثر من الاستنتاجات اعتمادا على المعلومات الضئيلة التى لدينا عن حال العبيد فى الحجاز قبل الإسلام، فالاحتقار الدائم للأسلاف العبيد حتى لو كان -فقط- من ناحية الأم، والسخرية التى يعانى منها من تزوج من فتاة أسيرة -ربما كان ذلك من خصائص العقلية البدوية [آئنذ] أكثر من كونه دلالة على النظرة العامة لسكان المدن، وسيرة الشاعر المحارب المشهور عنترة وهو ابن بدوى ومن أم من الرقيق الحبشى، والذى كان عليه أن يقوم بأعمال بطولية أمام والده قبل أن يعترف ببنوته، هذه الحكاية ذات مدلول إذ إن فحواها ينطوى على معارضة لحرمان الأطفال الناتجين عن مثل هذه الزيجات من حقوقهم. القرآن والأخلاق الدينية: كان الإسلام أكثر من الديانتين الأخريين -اليهودية والمسيحية- حسما فى مسألة الرق فى محاولة لتلطيف هذا النظام وتخفيف نواحيه الشرعية وإعطائه بعدا أخلاقيا، فالعبد -فى الإسلام- يمتلك القيمة نفسها التى للرجل الحر، ولروحه الخلود نفسه الذى لروح الحر، ويحض القرآن الكريم على تحرير العبيد، فهو تكفير عن الذنوب، وهو أيضا من أعمال البر والإحسان وهو كفارة للحنث فى القسم، وقد جرى العرف على التفرقة بين نوعين من العبيد. يقول ابن منظور "القِنْ -بكسر القاف وتسكين النون- هو العبد، والعبد القن هو الذى ملك هو وأبواه، وقن للمفرد والاثنين والجمع والمؤنث، وجمعه أقنان وأقنة والأخيرة نادرة، والأنثى قن بغير هاء، فالعبد القن هو الذى وُلد عندك ولا يستطيع أن يخرج عنك، وحُكى عن الأصمعى: "لسنا بعبيد قن ولكننا عبيد مملكة" ولدينا دليل قوى متمثل فى الآية ٣٣ من سورة النور على أن العرب قبل الإسلام كانوا يخصصون نساء العبيد (الجوارى) لصالح أسيادهم، وقد نهى الإسلام عن ذلك ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وقد أتاح الإسلام للجارية المسلمة فرصة التزوج من المسلمين الأحرار بل وجعل الأمة المسلمة خيرا من المشركة الحرّة وقد

стр. 6995

وصف الرسول [ ﷺ ] العبيد بأنهم إخوة ونهى الرسول [ ﷺ ] عن معاقبة العببب بشدة كما أمر بالعفو عنهم وبمؤاكلتهم وكسوتهم ومعاملتهم بالحسنى. الرق فى الفقه: ١ - بغض النظر عن التمييز -من حين لآخر- بين العبيد المسلمين، والعبيد غير المسلمين، فإن الشرع الإسلامى يعترف بطبقة واحدة فقط من العبيد بصرف النظر عن أصلهم العرقى أو طريقة الحصول عليهم، وقد ظل نظام الرق ساريا بوسيلتين شرعيتين، الميلاد فى العبودية أو الأسر فى الحرب، ولم يكن مبدأ الأسر فى الحرب يطبق على المسلمين، فقد يؤسرون ولكنهم لا يستعبدون أو يصبحون عبيدا من الناحية الرسمية على الأقل، لذلك فقد كان العبيد المسلمون هم الذين كانوا عبيدا قبل تحولهم للإسلام أو الذين ولدوا فى ظل العبودية، ومن هنا كان عددهم يميل للتناقص باستمرار، بالإضافة إلى العتق (التحرير) الذى حض عليه الإسلام، ورغم أن المبدأ المعتاد هو أن الطفل المولود يأخذ وضع أمّه (حرّة كانت أم أمة)، إلّا أن هذا المبدأ جرى تفسيره لصالح الطفل، فاعتبره الشرع الإسلامى حرا فليس من الطبيعى أن يكون عبدًا لأبيه، ومعنى هذا أن العبودية لم يكن لها أن تستمر فى المجتمع الإسلامى دون الإسهام المتجدد للعناصر الخارجية أو الهامشية، وإنه لأمر يدعو للإعجاب أن نرى العبودية فى رأى الفقهاء المسلمين حالة استثنائية؛ فالمبدأ الأساسى على حد تعبيرهم "هو الحرية" أو "الأصل هو الحرية"؛ فغالب الفقهاء المسلمين يعتبرون اللقيط حرا، واللقيط هو الذى لا يعرف أصله، وذلك بناء على القاعدة الشرعية "الأصل هو الحرية". ٢ - وعلى المستوى الشرعى كان للعبد قيمة مزدوجة فباعتباره (شيئا) مملوكا فإنه يخضع لحق الملكية، فهو يباع ويهدى ويؤجر ويورث. . . إلخ، وهو فى هذا الشأن مجرد سلعة من السلع، والعبد حديث الولادة على سبيل المثال هو (غلّة) أُمّه أى انتاجها، ويصبح بالتالى ملكًا لمالك أمّه، وعلى

стр. 6996

المحتسب واجب ضمان أن الأسياد يعاملون عبيدهم معاملة طيبة، وقد يكون العبد -كما كان بين الرومان وفى أوربا المسيحية- ملكا لاثنين أو أكثر من الملاك فى الوقت نفسه، ويقال عندئذ إنه (شائع الملكية) أو إنه مملوك (على الشيوع) أو إنه (مشترك)، ومثل هذه الملكية تثير أوضاعا قانونية معقدة جدا، ومن المفيد ملاحظة أن الشرع يرتب مبلغ المكافأة التى يمكن أن يطالب بها شخص أعاد عبدا هاربا (آبقا) إلى سيده. على أن العبد -حتى من وجهة نظر حق الملكية، الذى هو موضوعها- لا يعامل دائما مثل الملكيات الأخرى تماما، فالفقه المالكى -على سبيل المثال- يسمح بضمان تلقائى لمدة ثلاثة أيام على حساب بائع العبد ضد أى عيوب فى الأخير، ومن الأمور الرائعة فى الفقه الإسلامى أنه من المحظور فصل أم مستعبدة عن طفلها الصغير. ٣ - وللعبد المسلم حقوق دينية من حيث العبادات والتكاليف مماثل نظريا لما للأحرار، وعلى السيد دفع زكاة الفطر نيابة عنه، وليس هناك ما يمنع أن يكون العبد إماما فى صلاة الجماعة، وإن كان الأحناف لا يوافقون على ذلك، ومسألة حقه فى الإمامة فى صلاة العيدين محل خلاف كبير، وفى كل الأحوال فإن من المفضّل أن يكون الإمام حرًا. ٤ - وموافقة السيد مطلوبة لعقد زواج العبد أو الأمة، وللعبد أن يتزوج امرأتين كحد أقصى غير أن المذهب المالكى يجعل من حقه أربع زوجات كالحر، كما يرى أصحاب المذهب المالكى أن من حق الزوجة الأمة أن تشارك الزوجات الأخريات (الحرائر) فى اقتسام الليالى، أى أن من حقها أن يبيت عندها زوجها عدد الليالى نفسه الذى يبيته عند كل واحدة من زوجاته الحرائر. والأولاد المولودون من محظية مملوكة بطريقة شرعية أولاد شرعيون، وفيما يتعلق بالميراث فهم فى هذا كأولاد الزوجات الحرائر. ٥ - ومعظم الفقهاء ينكرون على الأمة حق الحضانة ولا يسمحون للعبد أن يكون (وليا)، والأحناف والشافعية

стр. 6997

لا يسمحون أن يكون العبد منفذ وصية، وشهادة العبد غير معترف بها أمام القضاء إلّا عند الحنابلة، ومع هذا فهم لا يقبلون شهادته فى الأمور التى يعاقب عليها الشرع بشدة. ٦ - والنشاط التجارى للعبد مقيد، فهو غالبا لصالح سيده، ومع هذا فللعبد حق الملكية لماله الخاص الذى جمعه عن طريق الهدايا والإرث بوصية. ٧ - أما فيما يتعلق بالقصاص فإن غالب المذاهب تعارض إعدام رجل حر لقتله عبدا، وفى حالة التعويض أى إذا أصاب أحد عبدا فإن التعويض يذهب للسيد المالك، وإذا أخطأ العبد أو ارتكب جرما كان على سيده تسليمه أو دفع الدية عنه، أما العبد المتهم بالسرقة أو الردة فيعاقب بالعقوبة نفسها التى يعاقب بها الرجل الحر. الرِّق فى العصور الوسطى: على مدى التاريخ الإسلامى كله وحتى القرن التاسع عشر كانت العبودية دائما نظاما مرتبطًا بالحياة ومتأصلا بعمق بحكم العادة، وكان الأتراك الذين قُيِّض لهم أن يجيئوا لغوث العرب فى نضالهم الظافر ضد القوى الأوربية قد مارسوا العبودية -فيما يبدو- فى دولتهم فى مراحلها الأولى من خلال الاختطاف والشراء فتكونت بذلك طبقة العبيد فى العالم الإسلامى، واعتنق هؤلاء العبيد الإسلام وأصبحوا هم أنفسهم أكبر المدافعين عن نظام الرق والدين الإسلامى الذى اعتنقوه. وقد أمدّت حروب الفتح -التى أدت إلى التوسع العظيم والسريع لدار الإسلام فى القرن الأول للهجرة واستمرت خلال القرون الوسطى- المسلمين المنتصرين بفيض لا يتوقف من الأسرى رجالا ونساء تحول عدد كبير منهم إلى عبيد، وكانت الغارات المسلحة التى يشنها المسلمون على بلاد الأعداء فى المناطق الحدودية، والتى اتخذت شكل الحروب المقدسة موردًا آخر للأسرى الذين يتحولون إلى عبيد، وكانت هذه الغارات شبه مستمرة إذ لم تكن تتوقف إلّا أثناء التحالفات الوقتية أو عند عقد هدنة، كما شكلت حركة القرصنة (الجهاد البحرى) فى البحر المتوسط موردًا آخر للعبيد بالنسبة للدول المطلة عليه، وقد مارس

стр. 6998

المسيحيون أيضا القرصنة فى البحر المتوسط وجعلوا عددا من المسلمين يعيشون فى ذل العبودية فى أوربا، وتحول بعضهم إلى المسيحية تحولا بطيئا واندمج فى السكان المحليين، بينما تمكن آخرون من الهرب وقد حدث على نطاق محدود -باعتراف الجميع- أن مسلمين استعبدوا مسلمين آخرين، وكانت هذه هى الحال -على سبيل المثال- عندما اعتبر أفراد من شيع متعصبة بقية المسلمين خارجين عن دائرة الإسلام، وبالتالى لم يترددوا فى مهاجمتهم واسترقاقهم، وهناك مثال صارخ ففى سنة ١٠٧٧ م بيعت آلاف النساء من قبيلة بربرية ثائرة فى أسواق الرقيق بالقاهرة، كما حدث هذا بكثرة فى المناطق الحدودية إذ إن جماعات حكومية أو تعمل لحسابها كانت تشن هجمات عبر الحدود على السكان الذين كانوا غالبا وثنيين -لكن هذا لا يمنع من وجود مسلمين بينهم أو حتى أطفال من آباء مسلمين، وبانتشار الإسلام فى أفريقيا السوداء (أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى) وبتكثيف الضغط المغربى فى هذا الاتجاه فى القرون الأخيرة من العصور الوسطى- ثار سؤال حول شرعية استرقاق المسلمين بين الحين والآخر، وقد أجاب الفقهاء باحتراس بأن شككوا فى أن هؤلاء المعروضين للبيع قد يكونون مسلمين وبالتالى حرموا الاتجار فيهم. وكانت قوافل النخاسين تتوغل فى قلب أفريقيا وآسيا للحصول على الرقيق بالشراء أو الخطف والسرقة، وفى القارة الأفريقية كانت النزاعات القبلية بين الوطنيين تيسر عمل تجار الرقيق، وثمة مسألة لابد من التنويه عنها وهى أن كل الأجناس تقريبًا كانت مجالا للاتجار فيها كرقيق، فلم يكن الأمر مقصورا على عناصر الزنوج والأثيوبيين والبرابرة والترك فحسب، بل عناصر أوربية أيضا خاصة العناصر السلافية. ومنذ منتصف القرن الثامن، بدأ أهل البندقية -رغم نقمة البابوية الشديدة- سيرتهم كمتعهدى توريد رقيق كان من بينهم مسيحيون -للدول الإسلامية. وفى القرنين التاسع والعاشر لعب التجار اليهود دورا مهما فى تجارة

стр. 6999

الرقيق عبر أوربا الغربية والوسطى، كما أداروا مركزا مشهورا للخصى (الإخصاء) فى فيرون وتوزيعهم على ديار المسلمين، وفى تاريخ لاحق جلب مماليك مصر -بموافقة الإمبراطور البيزنطى- عبيدا من مراكز تجارة القرم وبحر أزوف، وحتى داخل العالم الإسلامى كانت هناك حركة تجارية كبيرة فى العبيد من مختلف الأعراق، وكانت الجزية المرسلة للخلفاء تضم عبيدا، ونحن لا نعرف كل تفاصيل تنظيم هذه التجارة ولكننا نلم ببعض أوجهها، فقد كان فى كل مدينة كبيرة سوق كبيرة للرقيق تعرف بمكان العرض (المعرض) وليس من المفيد أن نذكر هنا أسعار الرقيق خاصة إذا كانت أسعارا استثنائية، فمثل هذه الأرقام ليس لها معنى حقيقى إلّا إذا خضعت للنقد والمقارنة وقورنت بقيمة السلع الأخرى، وهى دراسة يمكن إجراؤها والحصول على بياناتها دون صعوبة كبيرة، لكن من الواضح أنه كانت توجد فروق كبيرة فى الأسعار فى السوق الواحدة وفقا لجنس العبيد وعمرهم وعرقهم وحالتهم الصحية وقدراتهم، وبخاصة بالنسبة للإناث، فالصغيرة الأنيقة الموهوبة غالية الثمن، وبشكل عام كان العبيد البيض أغلى من السود وكان العبيد من أعراق معينة مشهورين بأعمال خاصة ارتبطت بهم دون سواهم. وبشكل عام فقد كان الهدف من اقتناء الجوارى هو القيام بالأعمال المنزلية بالإضافة إلى إشباع نزوات أسيادهم، وكانت الجوارى اللائى تبدين استعدادا لتقبل العلم يسمح لهن بدراسة الموسيقى والشعر. أما العبيد الذكور فمجال الافادة منهم أوسع فهم يكونون الحرس الشخصى وأحيانا يكونون جزءا من كتيبة ضخمة، بل كانت هناك كتائب كاملة مخصصة للعبيد، وقد تكون هذه الكتائب من العبيد السود أو من العبيد البيض، وغالبا ما تقع المنافسات بينهم، كما كان للعبيد وظائف منزلية بعضها ذو طابع مريب، وكان من بينهم الطواشية (المخصيون) الذين ملأوا قصور الخلفاء والأمراء والأثرياء كحرس للحريم،

стр. 7000

وكان يطلق على الواحد منهم لقب ينم عن التشريف مثل أستاذ وأحيانا يقال له خادم دون الإشارة إلى كلمة خَصِى، وفى القرن التاسع كانت أغلبية العبيد الخصيان فى العراق من السلاف. وخدم كثير من العبيد كمساعدين فى الأعمال التجارية بل ومارس بعضهم التجارة لحسابه الشخصى، كما عمل العبيد فى الأعمال الزراعية فى حقول أسيادهم، لكن المسلمين فى العصور الوسطى -فى الحقيقة- لم يعرفوا طريقة استغلال العبيد على نطاق واسع فى الأعمال الزراعية، وقد ثار العبيد ثورة كبرى فى العراق فى العصر العباسى، انتهت فى النصف الثانى من القرن التاسع الميلادى، وكان هؤلاء العبيد فى الأساس قد جلبوا من شرق أفريقيا لزراعة مناطق ما بين النهرين (العراق). وإذا وضعنا جانبا المعاناة التى تسببها تجارة الرقيق إلّا أن حالة أغلبهم مع سادتهم المسلمين كانت محتملة، بل لقد وصل بعضهم إلى مراكز مرموقة يحسدهم عليها الأحرار. الرق فى العصر الحديث: يبدو أن الممارسات المتعلقة بالرق بين المسلمين لم يطرأ عليها تغييرات جوهرية إبان الفترة الحديثة، فالمصادر الرئيسية للرق فى العصور الوسطى وطرق الاسترقاق ظلت كما هى وإن عدلت على نطاق محدود بسبب اختفاء المسلمين من أسبانيا من ناحية، واتساعه فى البلقان والهند وأندونيسيا من ناحية أخرى. وقد أحست أوربا بخطر تجارة الرقيق على أراضيها ذاتها قبل تبنى سياسة عالمية بإلغاء الرقيق بوقت طويل ومع هذا شغلت أوربا نفسها بامداد مستعمراتها الأمريكية بالزنوج الأفريقيين الذين عانوا بشدّة من ذل العبودية، وكان العبيد المسلمون كثيرين فى البرازيل على نحو خاص، وقد قاموا بثورات هائلة من سنة ١٨٠٧ م إلى سنة ١٨٥٣ م وتم إخمادها بعنف شديد. وفى البحر المتوسط كان للقراصنة ولصوص البحر البربر (١)

стр. 7001

يواصلون أعمالهم للنهب والتخريب خاصة بعد امتداد السيادة العثمانية لشمال أفريقيا، وقد قام الأوربيون أيضا بحركة قرصنة حقيقية ضد مجاهدى البحر المسلمين الآنف ذكرهم واستمروا فى هذه الأعمال حتى أواخر القرن الثامن عشر، وأسروا عددا من المسلمين، وقد لعب فرسان مالطة دورا فعالا أثناء النصف الأول من القرن الثامن عشر فى أسر المسلمين، وباعوا للأسطول الفرنسى الرجال الذين احتاجوهم كمجدفين فى السفن الشراعية، وحاول أكثر من عشرة آلاف عبد مسلم الثورة على جزيرة مالطة سنة ١٧٤٩ م وقد حرر بونابرت الألفى عبد البربرين الذين وجدهم هناك سنة ١٧٩٨ م. ومن الأهمية أن نميز بين العبيد المأسورين للفدية والذين استرقوا بعد أن كانوا أغنياء فهؤلاء كانوا يلقون معاملة حسنة، والعبيد العاديين الذين كانوا يعاملون معاملة قاسية ويجبرون على أداء أعمال شاقة فى السفن الشراعية وفى الأرض الزراعية، أما فى المدن فقد كان العبيد يؤدون أعمالا أيسر من العبيد العاملين فى الأراضى الزراعية، وكان الأطلنطى عامرا بالقراصنة المراكشيين الذين كانوا ينطلقون من قاعدتهم فى "الرباط ساليا" Rebat Sale، وكما حدث فى العصور الوسطى فقد قامت الجماعات الدينية التحررية بما فيها الجماعات اليهودية بدور فعال فى عتق العبيد بتقديم الفدية (١)، وكان العبيد المتحولون للإسلام يصلون لمناصب عالية فى الجيش والأسطول العثمانيين؛ لكن عدد العبيد الذين كانت تحصل عليهم الدولة العثمانية بدأ يتناقص بالتدريج فى بداية القرن التاسع عشر بسبب الضغط العسكرى الأوربى. وعند الغزو الفرنسى للجزائر سنة ١٨٣٠ م -على سبيل المثال، لم يكن فى الجزائر سوى

стр. 7002

١٢٢ من الرقيق الأوربى مقارنة بعدة آلاف منذ قرنين سابقين. وظل شمال أفريقيا مخرجا لحركة تجارة الزنوج حتى الاحتلال الفرنسى. ولقد لعبت مراكش دورا كبيرا فى هذه التجارة وبخاصة فى النصف الثانى من القرن السابع عشر عندما حشد السلطان مولاى اسماعيل جيشا حقيقيا من الزنوج المهجّنين أطلق عليهم اسم عبيد البخارى نسبة (إلى الإمام البخارى) لأنه كان يجعلهم يقسمون يمين الولاء له وأمامهم صحيح البخارى المعروف، واستمر العبيد السود يجلبون إلى مراكش حتى فى القرن العشرين -مع مراعاة السرية- من تمبكتو، وكانت أسواق البيع العلنى تعقد فى سيدى أحمد وسيدى موسى على الحدود الجنوبية؛ كما كانت تعقد فى الرباط، إلّا أن الاستمرار فى هذه التجارة بشكل علنى أصبح مستحيلا. وفى تونس كان العبيد الذكور السود يأتون تحت إمرة الأغا أو الطواشى (الخصى) الرئيسى للباى بينما كانت النسوة النيجيريات يخضعن لرئيسة منهن، وكانت نسبة موت النيجيريات فى مصر عالية، وكان محمد على فى العصر الحديث يزيد من تعداد جيشه بضم عبيد من السودان إليه. إلغاء الرق فى العصر الحديث: يحض الإسلام على تحرير العبيد، ومع هذا فقد اعتبر بعض الكتاب والمؤرخين أن الريادة الحديثة كانت لإلغاء الرق للقوى الأوربية. وليس معنى هذا أن القوى الأوربية كانت دائما ضد الرق فقد احتفظ الأوربيون بالعبيد فى مستعمراتهم، وكان فى روسيا أيضا عبيد، وعندما أدان الفلاسفة الفرنسيون ابتداء من منتسكيو مبدأ العبودية ذاته عملت الجمهورية الفرنسية الأولى على قمع نظام العبودية لفترة قصيرة، ولكن منذ سنة ١٨٠٦ م فصاعدا تولت بريطانيا القيادة فى حركة حظر تجارة الرقيق ثم حظر الرق أو العبودية ذاتها، ولقد أثبت التاريخ أن بريطانيا قامت بدور رائد فى هذا حتى فى البلاد الإسلامية ذاتها. وقد شهد القرن التاسع عشر منذ

стр. 7003

١٨١٤ م عدة معاهدات واتفاقات دولية تهدف إلى تحريم التجارة الدولية فى الزنوج وقد حررت بريطانيا العبيد فى مستعمراتها بالقانون الشهير فى ٢٨ أغسطس ١٨٣٣ م، وفى ١٨٤٣ م أصدرت قرارا مكملا لإلغاء العبودية فى الهند وألغت فرنسا -تماما- العبودية فى كل أراضيها عبر البحار بما فيها الجزائر بقرار من الجمهورية الثانية فى ٢٧ أبريل ١٨٤٨ م، وقامت هولندا بالأمر نفسه فى ممتلكاتها فى أندونيسيا سنة ١٨٥٤ م، وبالمثل قامت روسيا بإصدار قوانين مماثلة لممتلكاتها فى آسيا فى ٢٢ يونيو سنة ١٨٧٣ م قبل استكمال قهر تركستان. وبالتدريج بدأت الدول الإسلامية المستقلة تحذو حذو هذا المد الأوربى. ويعود لتونس الفضل فى أنها كانت أول كيان إسلامى يصدر مرسوما عاما لتحرير العبيد السود، ذلك أن الباى أحمد أصدر فى ٢٣ يناير ١٨٤٦ م (فى العام نفسه الذى بدأ فيه رحلة إلى فرنسا) أوامر بمنح صكوك التحرير لكل عبد يرغب فى ذلك، وقد اعتمد ديباجة هذا المرسوم اثنان من كبار علماء الأحناف والمالكية فى تونس، وفى هذه الديباجة ما يفيد أن الرق مقبول من الناحية الشرعية من حيث المبدأ ولكن لاعتبارات دينية وسياسية يجب إلغاؤه، فمن الناحية الدينية لاحظ العلماء أن أصحاب العبيد لم يعودوا يراعون قواعد المعاملة الطيبة لهم والتى نص عليها الشرع الإسلامى، كما أن الإسلام قد انتشر انتشارا كبيرا مما يلقى بظل اللاشرعية على العبودية، أما من الناحية السياسية فمن المناسب تلافى مخاطر لجوء العبيد لسلطات أجنبية تحميهم. وقد كان لانضمام تركيا إلى قرارات موْتمر بروكسل سنة ١٨٩٠ م دور فى قمع تجارة الرقيق التى انخفضت بالفعل بقرار الحظر فى الدول الأفريقية والبحر الأحمر ومع هذا ظلت هذه التجارة تمارس سرا على نحو أو آخر. علاوة على ذلك فقد ضمن القناصل الأجانب من السلطات العثمانية تحرير العبيد الذين استجاروا بهم، وقد ظل

стр. 7004

الدستور العثمانى الصادر سنة ١٨٧٦ م والذى كان يضمن الحرية الشخصية لكل رعايا الدولة معطّلًا إلى أن وضع موضع التنفيذ الفعلى على يد الأتراك الشبان سنة ١٩٠٨ م. وكانت مصر من الناحية الاسمية ضمن الأراضى العثمانية، وكانت بالتالى تخضع لأقدم فرمان يمنع الاتجار فى الزنوج. والحقيقة أن مصر كانت فى حاجة لفرمان منع لأن هذه التجارة قد اتسعت فى اللحظة التى وجد المصريون فيها أنفسهم فى قلب السودان فالباشوات المصريون الخاضعون للباب العالى نظموا بعض الحملات ضد تجارة الرقيق فى الجنوب مع أن نتائج هذه الحملات كانت متوسطة القيمة، وعهد الخديوى إسماعيل إلى سير صمويل بيكر بحملة من هذا النوع (١٨٦٩ م - ١٨٧٣ م) جاءت نتائجها -بالمثل- مخيبة للآمال، وبعد عام ١٨٧٤ م كثفت الحرب ضد تجارة الرقيق مع التوسع المصرى بقيادة الكولونيل جوردون وزملائه الأوربيين وفى هذه الفترة كان الخديوى ملزما بشروط اتفاق مع انجلترا فى ٤ أغسطس ١٨٧٧ م حظر رسميا كل التجارة فى الرقيق، وتم افتتاح مكاتب تحرير فى المديريات المختلفة. ومنذ سنة ١٨٩٥ م كان أى انتهاك لحرية الفرد يعد جريمة فى مصر. وهاجم الانجليز أحد المصادر الأساسية المصدرة للعبيد ونعنى به شرق أفريقيا وكانت الجهود الدبلوماسية الإنجليزية لمنع تجارة الرقيق فى هذه الأنحاء تتسم بالهدوء والرغبة فى الحصول على موافقة الطرف الآخر. وبعد الحرب العالمية الأولى أصبح لدى القوى المنتصرة من الرؤى الواضحة ما يمكنها من إقرار السلام وفقا لمعاهدة سانت جرمان فى ١٠ سبتمبر سنة ١٩١٩ م فوضعت فى اعتبارها ما يمكن أن تلقاه من مقاومة من الدول الإسلامية فيما يتعلق بمقاومة الإتجار فى الرقيق، تلك التجارة التى ظلت تمارس بشكل سرى رغم الإلغاء الرسمى لها.

стр. 7005

المصادر: (١) J. H.Harris: A century of Emancipation, London ١٩٣٣ (٢) H. H. Wilson: In American Journal of International Law, ١٩٥٠, ٥٠٥ - ٢٦ (٣) United Nations: The Supperssion of Slavery, New York, July ١٩٥١ وداد عبد ربه [د. برونشفيج R. Brunschvig] عبد الجبار بن عبد الرحمن هو عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدى والى خراسان. كان من أعوان العباسيين فى عامى ١٣٠, ١٣٣ هـ (٧٤٧، ٧٥٠/ ٧٥١ م) فى محاربتهم الأمويين وأصبح عامل الشرطة فى خلافتى السفاح والمنصور، فلما تولاها ثانيهما أرسله إلى خراسان ليكون عامله عليها فلما بلغها أسرف فى اضطهاد كبرائها إسرافا كبيرًا متهمًا إياهم بممالأة العلويين، لكن مع ذلك لم يسلم من اضطهاده نفر من العباسيين (كما يتضح ذلك من الترجمة الفارسية للطبرى)، وربما كان هذا هو السبب الذى حمل الخليفة على الشك فيه فاتهمه بالتمرد، وتؤكد هذه الشكوك الرسائل المتبادلة بينهما بعد ذلك حتى أن المنصور اضطر فى النهاية (سنة ١٤١ هـ = ٧٥٨ م) إلى إرسال جيش كبير ضده بقيادة ابنه المهدى، فلما اقتربت هذه الجيوش من "مرو الروذ" قام أهلوها فسلموا إلى العسكر عبد الجبار، وجاءوا به إلى المنصور فعذبه وقتله والأرجح أن ذلك الأمر قد تم فى مطلع سنة ١٤٢ هـ. المصادر: (١) الطبرى: تاريخ الرسل والملوك، طبعة M. J. De Geoje وآخرون ليدن ١٨٧٩، ١٩٠١. (٢) اليعقوبى: التاريخ طبعة M.Th. Houtsma، ليدن ١٨٨٣، (الفهرس). (٣) S. Mocati: La rivolta di "Abd al Gabbar فى حولية Rendicioti della Reale Accademia dei Lincei, classe di Psciencze morali, ١٩٤٧, ٦١٣ - ٥ د. حسن حبشى [س. موسكاتى S.Moscati]
следующие страницы →