← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

أى امرئ -مهما بلغ فقره- من أن ينال حظه من التعليم. وترتب على المنازعات حول مياه الرى فى نيسابور أن أمر بعمل استقصاء حول هذه المياه فأسفر التحرى عن الكتاب الذى سماه "كتاب القنوات" والذى تضمن أحكاما قضائية ثابتة عن استعمال المياه، وظل هذا الكتاب مرشدا فى موضوعه لعدة قرون (انظر مقال شميت A. Schmidt: Islamica, ١٩٣٠, P.١٢٨ ولقد نجح عبد اللَّه بن طاهر فى أيام خلافة المعتصم فى إخماد ثورة الخارجى العلوى محمد بن القاسم وذلك سنة ٢١٩ هـ (= ٨٣٤ م) كما استطاع بعد ذلك بعدة أعوام، أعنى سنة ٢٢٤ هـ (٨٣٨ م) أن يطفئ فتنة أشد من فتنة ابن أبى القاسم خطرا كان قد أضرمها "اسبهسبارها" المزيار بن [قارن] الذى شجعه الافشين عليها وذلك فى إقليم طبرستان التابع له باعتباره والى خراسان. ويروى "جرد يزه" أن كراهية المعتصم لعبد اللَّه بن طاهر بلغت حدا أنه لما آلت الخلافة إليه أرد هلاكه فبعث إليه جارية بهدية هى عبارة عن حلة مسممة، ولكن فشلت هذه المحاولة من جانب الخليفة إذ ما كادت الجارية ترى عبد اللَّه حتى شغفها حبا ملك عليها قلبها فكشفت له عن المكيدة التى دبرها له المعتصم، الذى ترجع أسباب نقمته على عبد اللَّه بن طاهر إلى ما كان قد ترامى إلى سمعه من نقد وجهه إليه، ومهما كانت حقيقة هذا الخبر فقد كان عبد اللَّه بن طاهر يتمتع بتقدير الخليفة الكبير له، وقد شهد له بهذه المكانة أعتى خصومه وأشدهم نقمة عليه ألا وهو الأفشين أثناء محاكمته على هرطقته إذ شهد على كره منه بأن المعتصم نفسه أشار إلى عبد اللَّه كواحد من أربعة رجال عظام ازدان بهم عهد أخيه (والعجيب أنهم جميعا من بيت بنى طاهر) وتحسر الخليفة أنه هو داته لم يستطع أن يربّى رجالا على هذا الطراز الرفيع. وكان عبد اللَّه كبقية آل طاهر رجلا شديد الثراء، وصار قصره الرائع فى بغداد ملاذا يلجأ إليه الخائف فلا يخشى شرا يصيبه أو ضرًا يلحقه،

стр. 7072

وظل هذا القصر مكانا لإقامة حاكم المدينة كما ظل من أملاك بنى طاهر زمنا طويلا. وكان عبد اللَّه بن طاهر رجلا واسع الثقافة مع حب شديد للعلم وتقدير لرجاله، ولما عقد الحوار المتعلق بمحاسن الثقافة العربية ضد الثقافة الفارسية (وهو الحوار الذى شغل أذهان مفكرى الإسلام تلك الأيام) ساند عبد اللَّه كل ما هو عربى مساندة شديدة، كما أنه كان مولعا بالموسيقى والشعر وناظما مرموقا، وكان يميل إلى أبى تمام صاحب الحماسة وإلى شعره حتى لقد نظم الشاعر فيه كثيرا من المدائح. ومات عبد اللَّه بن طاهر وهو فى الثامنة والأربعين من عمره بالخناق بعد أن ظل يعانيه ثلاثة أيام سويًا. وكانت وفاته يوم الاثنين الحادى عشر من ربيع الأول عام مائتين وثلاثين للهجرة (= ٢٦ نوفمبر ٨٤٤ م) كما يقول معظم المؤرخين. ولما مات خلفه من بعده -جريا على تقاليد الأسرة الطاهرية- ولده طاهر بن عبد اللَّه. وكانت الضرائب التى جبيت عند موته من الولايات التابعة له قد بلغت ثمانية وأربعين مليون درهم. المصادر: (١) الطبرى: تاريخ الرسل والملوك، طبعة M.J.De Goeje، ليدن ١٨٧٩ - ١٩٠١، الجزء الثالث، ص ١٠٤٤. (٢) ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، طبعة JuynboiI, الجزء الأول، ص ٦٠٠. د. حسن حبشى [إ. مارين E.Marin] عبد اللَّه بن عامر هو عبد اللَّه بن عامر بن كريز بن ربيعة الأموى والى البصرة، ولد بمكَّة عام ٤ هـ (٦٢٦ م) هو قرشى من عبد شمس ابن خال الخليفة عثمان بن عفان الذى استعمله عاملًا له على البصرة سنة ٢٩ هـ (٦٤٩/ ٥٠ م) خلفا لأبى موسى الأشعرى، فحارب فى فارس وأتم فتح هذه الولاية باستيلاء، على اصطخر وكرمان وزابلستان وسجستان، ثم تقدم سنة ٣٠ - ٣١ (٥٦١ م) فى خراسان واحتل الولاية

стр. 7073

كلها حتى مرو، كما احتل هراة سنة ٣٢ هـ (٦٥٣ م) ولما حج بسط يده بالمال والكسوات إلى المكيين والأنصار، ثم رجع إلى البصرة بعد أن عهد بحكومة خراسان إلى نواب من ناحيته، ولم يفلح فى محاولاته إنقاذ عثمان فبذل العون لعائشة وطلحة والزبير لتنظيم حركة معارضة ضد على بالبصرة فلما كانت هزيمتهم فى وقعة الجمل رحل مع من رحل من بنى حرقص إلى دمشق فانضم إلى معاوية الذى بعثه مع غيره فى وفادة إلى الحسن بن على للاتفاق على حقن الدماء، وفى ختام هذه السنة ولى مرة أخرى البصرة فقام قواده سنة ٤٢ - ٤٣ هـ (٦٦٢ - ٦٦٤ م) بإعادة فتح خراسان وسجستان التى كان العرب قد فتحوها أثناء الفتنة، وخرجت حملة إلى السند غير أن معاوية كره منه تسامحه مع القبائل العربية ورأى فى ذلك خطرا شديدا فخلعه وعين مكانه آخر أقْدَر منه، فركن ابن عامر إلى العزلة حتى وافاه أجله بمكة سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين للهجرة. وقد اشتهر عبد اللَّه بن عامر بالكفاءة الحربية والكرم وأعماله التى منها شقه قناتين بالبصرة وواحدة غيرهما تعرف بقناة الأبلة وعمر "المنهاج" والقريتين، وقام بخدمة الحجاج فأمدهم بالماء. المصادر: (١) ابن سعد: الطبقات الكبرى، ليدن ١٩٠٥ - ١٩٤٠, الجزء الخامس ص ٣٠ - ٣٥. (٢) البلاذرى: فتوح البلدان، ليدن ١٨٦٦، ص ٥١، ٣١٥. د. حسن حبشى [هـ. أ. ر. جب H.A.R.Gibb] عبد اللَّه بن العباس عبد اللَّه بن العباس بن عبد المطلب القرشى الهاشمى ويعرف عادة بابن عباس، وينعت بالحَبْر وبالبحر لسعة علمه، وهو يعد من أكبر الفقهاء من رجال المصدر الأول من الإسلام إن لم يكن أكبرهم، كما أنه يعتبر إمام المفسرين للقرآن الكريم. ولقد ولد

стр. 7074

عبد اللَّه قبل الهجرة بثلاث سنوات حين كان بنو هاشم فى الشعب وكانت أمه قد أسلمت قبل الهجرة فعُد هو مثلها، وأظهر منذ صدر شبابه اهتماما بالبحث وكان يلتف حوله من يريدون الاستزادة من المعرفة، فكان يعد لكل يوم من أيام الأسبوع درسا يتناول فيه فرعا من فروع الدراسة، فكان هناك يوم لتفسير القرآن وآخر للمسائل الفقهية وغيره لسرد غزوات النبى [ ﷺ ]، وسواه لأيام الجاهلية والشعر القديم. وجاءه الناس للفتوى وكان منها فتواه فى موضوع "المتعة". وقد جُمعت فتاويه، كما يوجد اليوم كثير من تفاسيره ما بين خطية ومطبوعة. وهو الجد الأعلى لبنى العباس وقد صحب الجيوش الإسلامية الذاهبة إلى مصر (بين عامى ١٨ و ٢١ هـ) وإلى أفريقية (عام ٧٢ هـ) وجرجان وطبرستان (عام ثلاثين للهجرة) كما صحب حملة يزيد على القسطنطينية. كذلك شارك فى وقعة الجمل (٣٦ هـ) وصفين (٣٧ هـ) إلى جانب الإمام على. وترد فى المراجع إشارات تدل على أن عمر وعثمان وعليا والحسين كانوا يسألونه الرأى. على أنه يجب أن نلاحظ أن ابن عباس لم يخض بحر السياسة إلّا فترة لا تزيد على أربع سنوات بعد أن صارت الخلافة للإمام على، وقد عهد إليه عثمان بالخروج مع الحجاج إلى مكة سنة محاصرته بالمدينة، ومن ثم غاب ابن عباس عنها فى وقت استشهاد ذى النورين الذى كان ولاه على حكومة البصرة. وقد رفض ابن عباس تأييد ثورة عبد اللَّه بن الزبير ووقف إلى جانب محمد بن الحنفية فأمسكا عن مبايعة ابن الزبير بالخلافة وقد مات ابن عباس سنة ثمان وستين للهجرة (٦٨٦ م) بالطائف. المصادر: (١) A. Sprenger: Das Leben und die Lehre des Mohammed, Berlin, ١٨٦٩. I, XVII; III, CVI, et seq (٢) J. Wellhausen: Das Arabische Reich, Berlin ١٩٠٢, ٦٩ - ٧٠ د. حسن حبشى [فيتشيا فاليرى L.Veccia Vaglieri]

стр. 7075

عبد اللَّه بن عبد المطلب قرشى من بنى هاشم وهو والد الرسول [ ﷺ ] ولا ترد عنه فى أقدم المصادر وأصدقها سوى ندرة من الأخبار، وأمه فاطمة بنت عمرو المخزومية، ويؤرخ الكلبى مولده بالعام الرابع والعشرين من حكم أنوشروان (٥٥٤ م) وإن كان الشائع أنه كان فى الرابعة والعشرين من عمره حين مات (٥٧٠ م)، وتذهب إحدى الروايات التى تتسم بالطرافة -بما كانت تستند إلى بعض الواقع- إلى أن عبد المطلب كان قد أقسم لئن رزقه اللَّه بعشرة من الذكور وبلغوا الإدراك ليضحين بواحد منهم، فلما تحقق له ما تمناه ضرب القداح فخرج السهم على ولده عبد اللَّه، وانتهى الأمر أخيرا بأن افتداه بمائة بعير. وتتسم قصة زواج عبد اللَّه من آمنة بنت وهب بجانب أسطورى، لكنها تشير إلى تحالف بين بنى عبد المطلب وبيت بنى زهرة عشيرة آمنة. وحدث فى أثناء سفره للتجارة أن مرض مرضا أفضى إلى موته بالمدينة وسط بنى النجار أخواله ودفن بدار النابغة، وإن ورود كلمة "اليتيم" فى القرآن الكريم لتشير من غير شك إلى فقدان محمد [ ﷺ ] المبكر لوالديه. المصادر: (١) ابن هشام: السيرة، طبعة Wustenfeld، جوتنجن ١٨٥٩ - ١٨٦٠، ص ٩٧ - ١٠٢. (٢) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ليدن ١٩٠٥ - ١٩٤٠، الجزء الأول/ ١، ص ٥٣ - ٦١. د. حسن حبشى [و. مونتجمرى وات W.Montgomery Watt] عبد اللَّه بن عبد الملك بن مروان ولد عبد اللَّه حوالى سنة ٦٠ هـ (٦٨٠ - ٦٨١ م) وربما قبل ذلك بقليل، إذ يقال إنه كان فى السابعة والعشرين من عمره سنة ٨٥ هـ (٧٠٤ م)، ونشأ فى دمشق، وصحبه أبوه معه فى عدة حملات، على أننا نلقاه لأول مرة كقائد مستقل ٨١ هـ (٧٠٠ م) فى إحدى المناوشات ضد البيزنطيين، فلما كان عام ٨٢ هـ (٧٠١ - ٧٠٢ م) أرسله أبوه فى صحبة محمد بن مروان

стр. 7076

لمساعدة الحجّاج فى حملته لقتال الأشعت، وكان له دور فى مفاوضات "دير الجماجم"، ثم قاد بعدئذ الحملات التى خرجت لمهاجمة البيزنطيين، وغزا المصيصة سنة ٨٤ هـ (٧٠٣/ ٧٠٤ م) وجعلها قاعدة عسكرية، واختير واليًا على مصر سنة ٨٥ بعد موت عمه عبد العزيز بن مروان فلمّا كان الحادى عشر من جمادى الآخرة دخل الفسطاط وطمس كل آثار عمه وغيَّر جميع العمال وكره الناس إدارته لقبوله الرشا واحتجانه الأموال العامة، على أن الانجاز الحقيقى الهام الذى تم فى أيامه يتمثل فى استعماله اللغة العربية فى دواوين العاصمة، وأظهر أهل دمشق كراهيتهم له حين مر بهم مرورا عابرا، ثم استدعى ثانية إلى الشام فذهب إلى هناك محملا بكثير من الهدايا والتحف إلّا أن الخليفة أمر بأخذها منه وهو ما زال فى إقليم الأردن، ومن ثم اختفى من الساحة السياسية. وينفرد اليعقوبى بالقول بأنه قتل حين قامت دولة بنى العباس كما يقال إن السفاح أمر بصلبه فصلب سنة ١٣٢ هـ (٧٤٩ م) فى الحيرة. المصادر: (١) ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، ليدن ١٩٠٨ - ١٩٣٦، الجزء الأول، ص ٢٣٢. (٢) ابن الأثير: الكامل. ليدن ١٨٥١ - ١٨٧٦ الجزء الرابع، ص ٣٧٧. د. حسن حبشى [س. هـ. بيكر C.H.Beker] عبد اللَّه بن على عم الخليفتين أبى العباس السفاح وأبى جعفر المنصور، وكان من أنشط المساهمين فى صراع العباسيين ضد مروان الثانى آخر الخلفاء الأمويين، وهو صاحب الأخبار فى الموقعة الفاصلة عند الزاب الكبير، التى فقد فيها مروان تاجه فتبعه عبد اللَّه بن على الذى سرعان ما استولى على دمشق وزحف على فلسطين وتتبع الخليفة الهارب إلى مصر. واشتهر عبد اللَّه بن على بتفوقه على أخيه داود بن على فى مقاتلة الأمويين، ولم يكن يمتنع عن كل ما يؤدى إلى استئصال شأفتهم، حتى لقد

стр. 7077

قتل منهم ذات مرة وهو فى دمشق ثمانين شخصا مرة واحدة، فكره الناس منه وحشيته مما أدى إلى نشوب ثورة خطيرة ضده فى الشام تزعمها اثنان أحدهما احد حفدة معاوية بن أبى سفيان واسمه أبو محمد، والثانى هو أبو الورد بن الكوثر والى قنسرين، وانهزمت القوات العباسية فى بادئ الأمر إلا أن عبد اللَّه عاد فهزمهم سنة ١٣٢ هـ (٧٥٠ م) فى "مرج الأخرم". غير أنه لما صار واليا على الشام أصبح خطرا يهدد أمن الدولة الجديدة وما كاد السفاح يموت حتى قام عبد اللَّه بن على يطالب بالخلافة لنفسه إزاء خدماته الكبيرة فى قتاله الأمويين وما ادعاه من وعد وعده به السفاح، يضاف إلى ذلك كثرة ما تحت يده من جند كانوا مُعدّين فى الواقع لمحاربة البيزنطيين، ويقال إنه لما علم بخروج أبى مسلم على المنصور قام ففتك بسبعة عشر ألف خراسانى كانوا فى عسكره خوفًا من أن يمتنعوا عن قتال أبى مسلم إن حاربه، ولكن الهزيمة دارت على عبد اللَّه بن على فى نصيبين ففر إلى أخيه سليمان والى البصرة فى جمادى الآخرة ١٣٧ هـ (نوفمبر ٧٥٤ م) ثم ألقى القبض على عبد اللَّه بأمر من المنصور وزج به فى الحبس فبقى به سبع سنوات، فلما كانت سنة ١٤٧ للهجرة أخذوه إلى بيت دبروا هدمه عليه فمات تحت الأنقاض، ويقال إن عمره يوم مات كان اثنتين وخمسين سنة. المصادر: (١) البلاذرى: فتوح البلدان، ليدن ١٨٦٦، الفهرس. (٢) الطبرى: تاريخ الرسل والملوك، ليدن ١٨٧٩ - ١٩٠١، الفهرس د. حسن حبشى [ك. ف. تسترشتين K.V.Zettersteen] عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب من أبرز شخصيات الرعيل الأول من المسلمين، ومن أعظم من يستشهد بهم فى رواية الأحاديث النبوية، ولا ترجع شهرته إلى أنه ابن الخليفة عمر فحسب، بل أيضًا لما كان يتحلى به من صفات خلقية عالية حملت معاصريه

стр. 7078

على إجلاله والإعجاب به، واستطاع ابن عمر أن يقف بمنأى عن الصراع وقت الفتنة، فضلا عن التزامه بتعاليم الإسلام التزاما دقيقا إلى حد أنه غدا قدوة تقتدى بها الأجيال التالية. وتواترت الأخبار عن أدق تفاصيل حياته، ماذا يرتدى؟ وكيف يشذب لحيته ويصبغها؟ وتراجم سيرته حافلة باللمسات الساحرة التى ترسم صورة لما فطر عليه من الفطنة وعمق التقوى ودماثة الخلق وتواضع ولباقة وكبح النفس وقدرة على التجرد من كل ما يمكن أن يفتنه. وقد تكون بعض هذه الأخبار مختلقة ولكن مما لا جدال فيه أنه شخص فطر على النبل الذى لا يجاريه أحد فيه، وبوصفه أحد رواة الحديث النبوى كان من أكثر الرواة حرصا ودقة لقد عُرضت عليه الخلافة ثلاث مرات: واحدة بعد وفاة عثمان مباشرة (٣٥ هـ / ٦٥٥ م) وثانية حين تشاور المحكمان لحل النزاع الذى نشب فى صفين بين على ومعاوية عام (٣٧ - ٣٨ هـ / ٧٥٨ م) وأخيرا بعد وفاة يزيد بن معاوية عام (٦٤ هـ / ٦٨٣ م) وكان يرفض هذا العرض فى كل مرة لأنه يريد أن تكون البيعة بإجماع الآراء وحقنا للدماء. وُلد قبل الهجرة فى تاريخ ليس بين أيدينا ما يؤكده اعتنق الإسلام مع والده وسبقه فى الهجرة إلى المدينة، وحين قدم نفسه للنبى لكى يشارك فى غزوتى بدر وأحد رده الرسول [ ﷺ ] لصغر سَنه ولكنه سمح له بالاشتراك فى رفع الحصار عن المدينة يوم بلغ الخامسة عشرة تقريبًا. كما اشترك فى غزوة مؤتة عام ٧ هـ وفى فتح مكة سنة ٨ هـ وفى المعارك التى وقعت مع مسيلمة الكذاب [الذى ادعى النبوة] ومع طليحة عام ١٢ هـ وفى الحملة على مصر (عام ١٨ - ٢١ هـ) وفى معركة نهاوند. وفى الحملة على جرجان وطبرستان عام ٣٠ هـ، وفى حملة يزيد على القسطنطينية (عام ٤٩ هـ). أما فى أمور السياسة فقد ظهر فيها لأول مرة حين شكل الخليفة عمر -وهو يحتضر مجلسا لاختيار من يخلفه فى الخلافة من أعضاء هذا المجلس نفسه حيث أمر باللجوء إليه للمشورة دون أن يكون له صوت معدود. وظل طوال حياته يلزم جانب الأغلبية فى أى بيعة تتم لأى

стр. 7079

خليفة. وإذا لم يكن قد سارع لبيعة الخليفة على فالسبب فى ذلك أنه كان ينتظر اتفاق الجماعة الإسلامية على بيعته. وعندما تمت البيعة ونشبت الفتنة نأى بنفسه عن الخلاف واتخذ موقف الحياد -وقد رفض الاعتراف بيزيد كولى للعهد لأن هذا المنصب كان بدعة من معاوية خالف فيها النظام. ولم يتول ابن عمر أى منصب هام فى إدارة الدولة الإسلامية باستثناء مهام محدد كلف بها، وربما تعمد العزلة من أجل أن يتفرغ للعبادة، ويقال إنه لم يقبل وظيفة القاضى خشية الزلل فى تفسير الشريعة- ومات فى عام ٧٣ هـ/ ٦٩٣ م وقد نيف عمره على الثمانين عاما بسبب تعفن جرح أصاب قدمه من طرف رمح لأحد جنود الحجاج أثناء تدافع الحجيج وهم عائدون من عرفات -وحين عاده الحجاج أثناء مرضه وسأله إذا كان يعرف الرجل الذى أصابه برمحه. وجه له ابن عمر اللوم لأنه سمح لرجاله بحمل السلاح فى الأماكن المقدسة- بما كان هذا اللوم أو التأنيب سببًا فى تواتر خبر أوردته بعض المصادر مفاده أن الحجاج كلّف قاتلًا ليصيب ابن عمر برمح مسمم. المصادر: (١) ابن الأثير: القاهرة ١٢٨٥ - ١٢٨٧ هـ، الجزء الثانى، ص ٢٢٧ - ٢٣١. (٢) ابن سعد: الطبقات الكبرى، طبعة H.Suchau, ليدن ١٩٠٥ - ١٩٤٠، الجزء الرابع/ ١، ص ١٠٥ - ١٣٨. سعيد عبد المحسن [فيشيا فاجليرى Veccia Vaglieri] عبد اللَّه بن عمر بن عبد العزيز عبد اللَّه بن عمر بن عبد العزيز: استعمله سنة ١٢٦ هـ (٧٤٤ م) يزيد الثالث (ابن الوليد) على العراق، ولكن ما لبث شيوخ الشام أن تمردوا عليه ونقموا منه ما شعروا به من سوء معاملته لهم وإيثاره أهل العراق عليهم. ولما تولى مروان الثانى الحكم تحرك بالثورة عبد اللَّه بن معاوية الذى هو من ذرية جعفر أخى على بن أبى طالب وأضرمها فتنة فى الكوفة وذلك فى المحرم سنة ١٢٧ هـ (= اكتوبر ٧٤٤ م)، إلا أن عبد اللَّه بن عمر بن عبد العزيز سرعان ما أخمدها فاضطر

стр. 7080

عبد اللَّه بن معاوية لنقل نشاطه إلى نواح أخرى، ولما عهد مروان بحكومة العراق إلى النضر بن سعيد الحرشى رفض عبد اللَّه رفضًا باتًا أن يتخلى عما بيده وحينذاك ظهر النضر أمام الكوفة على حين بقى عبد اللَّه فى الحيرة واندلعت الخصومات بين الطرفين غير أنه سرعان ما ظهر عدو مشترك لهما معًا تمثل فى القائد الخارجى الضحاك بن قيس مما حمل الجانبين المتنازعين على الاتفاق بل وضم قواتهما بعضها إلى بعض، لكن الضحاك تمكن من هزيمتهما فى رجب سنة ١٢٧ هـ هزيمة أرغمت عبد اللَّه بن عمر بن عبد العزيز على الارتداد إلى واسط وسقطت الكوفة فى يد المنتصر، وحينذاك عادت الخصومة القديمة التى كانت بين الواليين إلى ما كانت عليه من قبل. غير أن نهاية منازعاتهما جاءت على يد الضحاك الذى فرض الحصار بضعة أشهر على عبد اللَّه الذى لم يجد مناصا من أن يعقد الصلح مع الضحاك. وتلى ذلك إلقاء القبض على مروان وعبد اللَّه، وتقول الأخبار إنه مات بالطاعون فى سجن حران سنة ١٣٢ هـ (= ٧٤٩ - ٧٥٠ م). المصادر: (١) الطبرى: تاريخ الرسل والملوك، ليدن ١٨٧٩ - ١٩٠١، الجزء الثانى، ص ١٨٥٤. (٢) Wellhausen: Das arabische Reich, ٢٣٩ ff د. حسن حبشى [ك. ف. تسترشتين K.V.Zettersteen] عبد اللَّه بن مطيع عبد اللَّه بن مطيع بن الأسود العدوى، كان هو وعبد اللَّه بن حنظلة من زعماء الثورة ضد الخليفة يزيد بن معاوية (ولما خرج أهل المدينة ضد بنى أمية زمن يزيد هذا ونادوا بخلعه كان عبد اللَّه بن مطيع على رأس الثوار من القرشيين وكان عبد اللَّه بن حنظلة يتزعم الناقمين من الأنصار ضد الأمويين)، ولما رأى ابن مطيع الحكومة الأموية قد أثارت سخط الأمة بعد تولى يزيد الخلافة أخذ يهيج الناس وأصبح رأس من بها من القرشيين. وقد ساهم فى وقعة الحرة فى ذى الحجة ٦٣ هـ (= اغسطس ٦٨٣ م) فلما أتيح له أن

стр. 7081

ينجو من المذبحة العامة فر إلى مكة مع خصم الخليفة عبد اللَّه بن الزبير الذى استعمله فى رمضان ٦٥ هـ (= ابريل ٦٨٥ م) واليًا على الكوفة، لكن ما لبث أن هاجمه بعد قليل المختار بن أبى عبيد فلما وجد نفسه محاصرا فى داره وقد انفض الناس من حوله؛ وأنه وجد من قائده إبراهيم بن الأشتر غير ما كان يتوقعه لم يجد بدًا من مغادرة الولاية وانسحب إلى البصرة حيث اتصل بابن الزبير فى مكة وانضم إليه وحارب تحت لوائه حتى قتل معه سنة ٧٣ هـ (= ٦٩٢ م). المصادر: (١) الطبرى: تاريخ الرسل والملوك، ليدن ١٨٧٩ - ١٩٠١، الجزء الثانى، ص ١٨٧٩. (٢) المسعودى: مروج الذهب، باريس ١٨٦١ - ١٨٧٧. د. حسن حبشى [ر. ف. تسترشتين R.V.Zettersteen] عبد اللَّه بن معاوية هو عبد اللَّه بن معاوية بن عبد اللَّه ابن جعفر بن أبى طالب ويعرف بعبد اللَّه الطالبى، عاش فى أخريات الدولة الأموية، وكان علويا ثائرا تدور ثورته حول الإمامة التى كان قد تنازعها فى ذلك الوقت جماعة قال بعضهم إنها انتقلت من أبى هاشم إلى محمد بن على العباسى، وقال آخرون بل إنه أوصى بها لعبد اللَّه بن عمر الكندى، وأراد أتباعه المناداة به إماما فرفض طلبهم فانصرفوا عنه، وقالوا إن الإمام الحقيقى هو عبد اللَّه بن معاوية الذى ادعى أنه يجمع فى ذاته بين الألوهية والنبوة لأن "روح اللَّه ظلت تنتقل من واحد إلى آخر حتى استقرت أخيرا فيه هو ذاته". وآمن قوم بهذا القول وغالوا فيه حتى لقد زادوا ونادوا بتناسخ الأرواح، وانتهى الأمر أخيرا بعبد اللَّه بن معاوية بأن قام بالثورة فى محرم ١٢٧ هـ (أكتوبر ٧٤٤ م) وكثر أنصاره لا سيما من الزيدية الذين استولوا على قلعة الكوفة وأخرجوا

стр. 7082

منها صاحبها، فقام عبد اللَّه بن عمر بن عبد العزيز فحارب دعاة الفتنة فانفضوا من حول صاحبهم عبد اللَّه بن معاوية فاضطر للخضوع ولكنه خضع بأمان أعطوه له، فذهب إلى "المدائن" ثم إلى "جبال" التى كثر أتباعه بها وبغيرها، وامتد نفوذه على مناطق كثيرة من إقليم "جبال" وفارس وكرمان، وانضم إليه طائفة من الخوارج ومن يكرهون بنى العباس ويخاصمونهم، وحينئذ خرج إليهم عامر بن ضبارة سنة ١٢٩ هـ وهزمهم هم وعبد اللَّه بن معاوية فى موقعة عرفت "بمرو الشاذان" ففر عبد اللَّه فاعترضه أبو مسلم الخراسانى فقتله، وعُرف بعض أتباعه بعد موته "بالجناحية" وقالوا إنه لم يمت ولكنه سوف يعود، وقال آخرون بل أن روحه حلت فى اسحق بن زياد بن الحارث الأنصارى، وآمن بهذا القول أناس عرفوا بالحارثية. المصادر: (١) الطبرى: تاريخ الرسل والملوك، ليدن ١٨٧٩ - ١٩٠١، الجزء الثانى، ص ١٨٧٩. (٢) المسعودى: مروج الذهب، باريس ١٨٦١ - ١٨٧٧. د. حسن حبشى [ك. ف. تسترشتين K.V.Zettersteen] عبد اللَّه بن موسى بن نصير عبد اللَّه بن موسى بن نصير وكان أكبر أولاد أبيه موسى بن نصير فاتح المغرب والأندلس الذى ما كاد يخرج إلى أسبانيا حتى عهد إلى ولده عبد اللَّه بإدارة دفة أمور الحكم فى إفريقية (= ٩٣ هـ/ ٧١١ م)، ولما اتهم طارق موسى بن نصير عند الخليفة الوليد بن عبد الملك بما اتهمه به مضى موسى إلى الشرق ولم يعد بعد ذلك قط. وقد أصاب الابنَ عبدَ اللَّه بن موسى رذاذ مما رميت به أسرته عند الخليفة سليمان بن عبد الملك الذى لم يقع من نفسه موقع الرضا ما لاحظه من استتباب الهدوء فى كل من أفريقية (تحت حكم أحد أولاد موسى بن نصير وهو عبد اللَّه) وفى الاندلس تحت حكم عبد العزيز بن موسى بن نصير والمغرب ويحكمها عبد الملك، فخلع عبد اللَّه سنة ٩٦ هـ (= ٧١٤ م) وولى مكانه محمد بن يزيد سنة ٩٧ هـ.

стр. 7083

وكانت التهمة التى رمى بها عنده هى أنه شارك فى تدبير اغتيال يزيد بن أبى مسلم، وحينذاك أمر الخليفة بقتله فقتل فى ١٠٢ هـ (= ٧٣٠ م) على يد بشر بن صفوان بأمر من الخليفة يزيد ابن عبد الملك. المصادر: البلاذرى: فتوح البلدان، ليدن، ١٨٦٦، ص ٢٣١. د. حسن حبشى [ر. باست R.Basset] عبد اللَّه النديم عبد اللَّه النديم (١٨٤٣ - ١٨٩٦ م): هو السيد عبد اللَّه مصباح الحسنى، خطيب وكاتب مصرى ثورى، ولد بالإسكندرية وبها تلقى العلم فى جامع الشيخ إبراهيم باشا، لكنه لم يواصل دراسته، وعمل موظفًا بالتلغراف فى بنها، ثم فى دائرة الوالدة باشا فى القاهرة حيث أتيحت له فرصة الدراسة فى الأزهر والاختلاف إلى الدوائر الأدبية. ولكنه فصل من الخدمة أثر حادثة، فغادر القاهرة إلى الأقاليم ليعمل كشاعر متجول أو "أدباتيًا"، ومن هنا اكتسب لقب "النديم" لأنه كان "ينادم" أو يسامر الناس. وفى عام ١٨٧٩ م عاد إلى الإسكندرية ليشترك فى جمعية سرية وطنية وهى جمعية "مصر الفتاة" التى كانت تناوئ طغيان الحكومة، واهتم بالتعليم فأسس الجمعية الخيرية الإسلامية التى كان بناء المدارس من أنشطتها، وتولى نظارة مدرستها، وهناك ألف مسرحيتين وطنيتين مثلهما الطلاب. واتجه كذلك إلى الصحافة، وكان له أسلوبه الساخر الخاص، وتجاسر على الكتابة بالعامية ليصل إلى الناس، ودبج بها مقالات كاملة، وأسس صحيفة "التنكيت والتبكيت"، وبعدها "اللطائف" التى صارت فيما بعد لسان حال الثورة العرابية. وبعد فشل الثورة التى انتهت باحتلال الانجليز لمصر، فر إلى الأقاليم، ثم قبض عليه ونفى خارج مصر عام ١٨٩١ م، ثم عاد فى السنة التالية بعد صدور العفو عنه، وأسس مجلة الأستاذ

стр. 7084

التى أخذ يندد فيها بالاحتلال، فنفى من جديد إلى يافا ومنها اتجه إلى اسطنبول حيث عينه عبد الحميد الثانى وزيرًا للتعليم ثم مفتشًا على المطبوعات حتى توفى فى ١٨٩٦ م. المصادر: (١) على الحديدى: عبد اللَّه النديم، خطيب الوطنية والقاهرة، بدون تاريخ. (٢) عبد المنعم إبراهيم الدسوقى: عبد اللَّه النديم ودوره فى الحركة الوطنية، القاهرة ١٩٨٠ م. أحمد صليحة [ب. س. سادجروف P.C.Sadgrove] عبد اللَّه بن همام عبد الرحمن بن همام السلولى شاعر عربى من شعراء القرن الأول للهجرة ويقال إنه مات سنة ست وتسعين هجرية (= ٧١٥ م) وقد لعب دورًا سياسيًا بارزًا زمن الأمويين وظل على اتصال بيزيد بن معاوية من سنة ستين للهجرة، فعزاه بموت أبيه وهنَّأه بولايته الخلافة، وهو الذى أغرى يزيد بأن يبادر فيعلن ابنه معاوية (الثانى) وليا لعهده وخليفة له من بعده، ومع ذلك فقد كان أول من هنأ الوليد بن عبد الملك حين أصبح خليفة سنة ست وثمانين (٧٠٥ م). وكل ما لدينا من خبر عن نشاطه أيام ابن عبد الملك (٨٥ - ٨٦ هـ) = (٧٠٤ - ٧٠٥ م). أنه كان على صلة بالثائر وبعبد اللَّه بن الزبير المنافس للخليفة فقد رفع إلى ابن الزبير قصيدة يندّد فيها بمصعب الذى خلعه الزبير بعد قليل (٦٧ هـ - ٦٨٧ م). المصادر: (١) البلاذرى، أنساب الأشراف، القدسى ١٩٣٦ - ١٩٣٨، الفهرسى. (٢) ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ليدن ١٩٠٠، ص ٤١٢ - ٤١٣. د. حسن حبشى [شارل بيلات CH.Pellat] عبد اللَّه بن وهب الراسبى كان عبد اللَّه بن وهب الراسبى من قواد الخوارج ومن قبيلة بجيلة، وهو من جيل التابعين، وقد اشتهر بشجاعته وتقواه ولقب بذى الثفنات لكثرة السجود للصلاة. وقد قاتل تحت راية سعد بن أبى وقاص فى العراق، وإلى جانب على فى

стр. 7085

صفين لكنه خرج عليه لقبوله التحكيم وانضم إلى جانب المنشقين فى حروراء. وحدث قبل قليل من مغادرتهم الكوفة فى شوال سنة سبع وثلاثين (= مارس ٦٥٨ م) أن اجتمع الخوارج واختاروه حامل رايتهم وأميرهم ولكنهم لم يستخلفوه عليهم إذ جرت العادة بتلقيبه بخليفتهم. وكان مقتل عبد اللَّه بن وهب الراسبى فى معركة النهروان يوم التاسع من صفر سنة ثمان وثلاثين (= يوليو ٦٥٨ م). راجع عنه تاريخ الطبرى ١/ ٣٣٦٣، والكامل للمبرد، والأنساب للبلاذرى وكتاب الجواهر للبرادى. المصادر: (١) الطبرى: تاريخ الرسل والملوك، ليدن ١٨٧٩ - ١٩٠١، الجزء الأول ٣٣٦٣ - ٣٣٦٦، ٣٣٧٦ - ٣٣٨١. (٢) البلاذرى: أنساب الأشراف، القدسى ١٩٣٦ - ١٩٣٨ الفهرسى. د. حسنى حبشى [هـ. أ. ر. جب H.A.R.Gibb] عبد المؤمن بن على عبد المؤمن بن على بن علوى بن يعلى الكومى، أبو محمد خليفة المهدى ابن تومرت فى قيادة الحركة الإصلاحية المعروفة بحركة الموحدين ومؤسس أسرة بنى مؤمن التى حلت فى الغرب الإسلامى فى القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) محل ممالك أفريقية ومحل دولة المرابطين فى مراكش والأندلس واتخذت مراكش عاصمة لها. ولقد أمكن معرفة الكثير عن بنى عبد المؤمن بفضل المخطوطات التى عثر عليها المستشرق الفرنسى ليفى بروفنسال فى مكتبة الإسكوريال مثل كتاب الأنساب الذى يهتم اهتماما خاصا بالجانب السياسى لابن تومرت، كما تم العثور على كتاب آخر هو نظم الجمان لابن القطان يتعلق بأوليات الحركة. ويرجع الفضل لأبى بكر بن على الصنهاجى المعروف بالبيذق فى وقوفنا على الصلة بين ابن تومرت وتلميذه عبد المؤمن الذى هو من قبيلة "كومية" البربرية الزناتية التى استقرت فى وهران، ومنه نعرف أن ابن تومرت غادر فى صدر شبابه قرية "تاجرا" وذهب إلى افريقية فى طلب العلم ولقى سنة ٥٠٥ هـ فى بلدة "ملالة" رجلا هو

стр. 7086

عبد المؤمن فشرح له المهدى بن تومرت العقيدة شرحا حاز إعجابه كما أخذه إلى قبيلته "هرغة" وضمه إلى "مجلس العشرة" ممن اختارهم. وأظهر عبد المؤمن حماسة عظيمة لآراء ابن تومرت فأكرمه أكثر أعضائها نشاطا واسمه "أبو حفص عمر الهنتاتى" الذى نودى به بعد ثلاث سنوات من موت المهدى خليفة له سنة ٥٢٧ هـ (= ١١٣٣ م) وبايعته "رعيته" الجديدة، وحينذاك بذل قصارى جهده للقضاء على المرابطين الذين كانت قوتهم قد تضعضعت وسارت خطته فى هذه الناحية فى مراحل ثلاث أولاها السعى لضم كل مراكش إلى الموحدين وذلك بضمه "سوس" و"درعة" والاستيلاء على سلسلة الحصون والقلاع المحيطة بجبال أطلس ومنع وصول أحد ما إلى مراكش، ثم تابع زحفه فاستولى على "دمنات" وأدى ذلك إلى نجاحه فى بسط نفوذه على نواحى أطلس الوسطى وبعض الواحات فى سنتى ٥٣٤ هـ - ٥٣٥ هـ (١١٤٠ م - ١١٤١ م). ولازم النصر الموحدين بانضمام قبائل وادى لاو "وبادس ونكور ومليلة إليهم. ثم كانت المرحلة الثانية من خطة عبد المؤمن وهى الانتقال من حرب المناوشات والكمائن إلى الحرب السافرة الواسعة ضد المرابطين وساعده على ذلك موت أمير المرابطين على بن يوسف بن تاشفين سنة ٥٣٧ هـ تاركا لابنه تاشفين عرشا مزعزعا ونزاعا صريحا بين لمتونة ومسوفة، كما ساعده موت واحد من أكبر أنصار المرابطين وهو قائد القوات النصرانية" "الروبو تاير" فى معركة له مع الموحدين سنة ٥٣٩ هـ (= ١١٤٥ م) شرقى مراكش كذلك كان انضمام زناته إلى دعاة فكرة "التوحيد" من عوامل نجاح الموحدين. وتحاربت جيوش عبد المؤمن وتاشفين عند تلمسان وانهزم تاشفين وفر إلى وهران فسقط فى هروبه من فوق ظهر جواده ومات سنة ٥٣٩ هـ فتم للمرابطين الاستيلاء على "وجده" ثم "آجرسيف" وتلا ذلك سقوط عاصمة شمال مراكش سنة ٥٤٠ هـ (= ١١٤٦ م) بعد حصار دام تسعة أشهر، وأعقب ذلك الاستيلاء على

стр. 7087

مراكش فى شوال سنة ٥٤١ هـ (= أبريل ١١٤٧ م) وحينذاك أمر عبد المؤمن ببناء عاصمة جديدة قرب جامع الكتبيين وأخذ عبد المؤمن فى تنظيم دولته وتدعيمها فحكم السيف فى رقاب من شك فى ولائهم للعقيدة، ثم شرع فى مد حدود مملكته فى المغرب وتأهب لضم أفريقية التى كانت تعانى شدة ضعف أسرة صنهاجة الحاكمة فى بجاية والقيروان كما استولى النورمنديون بقيادة روجر الثانى ملك صقلية على بعض موانى إفريقية فأعلن عبد المؤمن الجهاد فاستولى على بجاية وقلعة بنى حماد وخلف عبد المؤمن فى المغرب قائده عمر التهتانى وانتزع المهدية من أيدى النرمان فى جمادى الآخرة ٥٥٥ هـ (= يناير ١١٦٠ م) كما استولى فى هذه الحملة على سوسة والقيروان وصفاقص وقابس وطرابلس الغرب. ثم كانت الخطوة الأخيرة للموحدين فى دخولهم أسبانيا بدءا من سنة ٥٣٩ هـ (= ١١٤٥ م) كما انضم إليهم قائد سفن المرابطين وهو ابن ميمون، ثم استسلمت غرناطة سنة ٥٤٩ هـ (= ١١٥٧ م) واسترد المرابطون المرية من أيدى النصارى وحينذاك رأى عبد المؤمن أن يذهب إلى الأندلس وجعل قاعدته جبل طارق فبقى هناك شهرين ثم عاد إلى مراكش فى مستهل ٥٥٨ هـ وجعل جنده تعسكر فيما عرف برباط الفتح (وهى المعروفة الآن بالرباط) وقد عزم على متابعة فتح الأندلس ولكن فاجأه المرض فمات فى جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وخمسمائة فحملوا رفاته إلى "تبز ملال" ودفنوها فى قبر المهدى ابن تومرت ولقد لقبه أتباعه قبل موته بأمير المؤمنين، على حين كان المرابطون يستعملون فقط لفظ "أمير المسلمين" واعترف بسلطان العباسيين الروحى. المصادر: (١) الزركشى: تاريخ الدولتين، تونس ١٢٨٩ هـ. (٢) ابن خلكان: وفيات الأعيان، جوتنجن ١٨٣٥ - ١٨٥٠، الجزء الأول، ٣٩٠ - ٣٩١. (٣) C. A. Julien: Histooire de l.Afrique du Nord de la conqu'te arabe ete arabe a' ١٨٣٠, paris ١٩٥٢, ٩٣ - ١١٢ د. حسن حبشى [ليفى بروفنسال E.Levi-Provencal]

стр. 7088

عبد المطلب بن هاشم عبد المطلب بن هاشم جد النبى [ ﷺ ]، كان هاشم بن عبدى مناف والد عبد المطلب قد مر بيثرب (المدينة المنورة) فى تجارة إلى الشام فتزوج فيها بسلمة بنرت عمرو الخزرجية من بنى عدى بن النجار الخزرجى، فأنجبت له عبد المطلب (أو شيبة) ورقية وبقيت سلمة مع والدها فى دارها بالمدينة حسبما يقضى به عرف أسرتها. فلما مات هاشم سعى أخوه فى احضار ولده إلى مكة، ونستمد من المصادر العربية أن عبد المطلب كان من كبار رجال مكة وهو معروف بينهم بسيد قريش، ويبدو أنه كان زعيم جماعة سياسية فى قريش، ومما يلفت النظر ما يقال من أنه كانت هناك خصومة بين عبد المطلب وبين نوفل حفيد عبد شمس مما يدل على عظمة قدرته على التفاوض مع (أبرهة) قائد الحبشة الذى جاء غازيا لمكة. وكان بين عبد المطلب وبعض القبائل المجاورة لمكة -مثل قبائل خزاعة وكنانة وثقيف- حلف. وكانت له بشر بالطائف، ويرجع السبب فى ثرائه إلى تجارته فى الشام واليمن إلى جانب ما كان بيده من السقاية والرفادة التى ورثها عن هاشم، كما يعود إليه الفضل فى حفر بضعة آبار لاسيما بئر زمزم بجوار الكعبة، وكان معظم أولاده -ومنهم عبد اللَّه- من فاطمة بنت عمرو من بنى مخزوم، كما تزوج من بنات بنى زهرة القرشية والنمر وعامر بن صعصعة وخزاعة. وأنجب منهن على التوالى حمزة والعباس والحارث وأبا لهب. المصادر: (١) ابن هشام، السيرة، جوتنجن ١٨٥٩ - ١٨٦٠، ص ٣٣ - ٣٥، ٧١، ٩١ - ٩٦، ١٠٧ - ١١٤. (٢) Caussin de Perceval: Essai sur l'histoire des Arabes avant l'Islamisme, ١, ٢٥٩ - ٩٠ (٣) Montgomery Watt: Muhammad in Mecca, index د. حسن حبشى [مونتجمرى وات W.Montgomery Watt]

стр. 7089

عبد الملك بن صالح عبد الملك بن صالح بن على بن عبد اللَّه ابن عباس هو ابن عم الخليفتين أبى العباس السفاح وأبى جعفر المنصور، وقد خرج فى عدة حملات لمهاجمة الروم زمن هارون الرشيد سنة ١٧٤، ١٨١ هـ، وإن كان هناك من المصادر ما يضيف إلى ذلك حملة سنة ١٧٥ هـ (٧٩٢ م) وإن قيل إن حملة تلك السنة كانت بقيادة ابنه عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح. وتولى عبد الملك بن صالح المدينة فترة من الوقت وولاية مصر أيضا لكنه لم يسلم من شكوك الخليفة فألقى به فى السجن سنة ١٨٧ هـ (٨٠٣ م) من غير سبب يقبله العقل، وظل فى حبسه حتى جاء الخليفة المأمون سنة ١٨٣ هـ) فأطلق سراحه وعينه ١٩٦ هـ (٨١١ م) واليا على الشام وشمالى العراق فنهض عبد الملك بن صالح فى لحظته إلى الرقة فمرض فيها ومات بها. ويؤكد المسعودى فى التنبيه أنه مات فى سنة ١٩٦ هـ، ولكنه عاد فى مروج الذهب (٤/ ٤٣٧) فجعل وفاته سنة ١٩٧ هـ. أما ابن خلكان فيقول إنه مات سنة ١٩٣ ثم يعود فيجعلها سنة ١٩٩ هـ. وقد أمر الخليفة المأمون بعد بضع سنوات بنبش قبره، ويقال إن السبب فى ذلك أن عبد الملك كان قد أقسم أثناء الفتنة بين الأمين والمأمون ألا يقطع العهد أبدا للمأمون. د. حسن حبشى [ك. ف. تسترتشتين K.V.Zettersteen] عبد الملك بن قطن الفهرى ولى حكومة الأندلس بعد مقتل عبد الرحمن بن عبد اللَّه الغافقى فى حملته فى غالة سنة ١١٤ هـ (٧٣٢ م)، ثم تخلى عن الحكم سنة ١١٦ هـ (= ٧٣٤ م) لعقبة بن الحجاج السلولى ثم عاد إليه سنة ١٢٣ هـ (٧٤٠ م). ولما كان عبد الرحمن بن قطن من حزب المدينة وهواه معهم فإنه لم يكتم كراهيته لخليفة دمشق. وقد صادفته مشاكل خطيرة من جانب البربر الذين ثاروا فى شبه جزيرة أيبيريا حتى هددوا قرطبة ذاتها،

стр. 7090

فاضطر عبد الملك بن قطن -رغم قلة من تحت يده من الجند لاستخدام جماعة من العرب "الأجناد" المختلفين من أهل الشام الذين كانوا محاصرين فى قلعة سبتة بالشمال الأفريقى، وأذن لهم بعبور المضيق بقيادة شيخهم "بلج"، ويرجع الفضل فيما أصابه من النجاح فى إبعاده الخطر الذى كان يهدده إلى هذه الطلعة البلجية التى أنزلت ثلاث هزائم متتالية بالبربر المتمردين غير أن هؤلاء الجند الشاميين لم يجدوا أية صعوبة فى خلع عبد الملك بن قطن اعتمادا منهم على قوتهم، وذلك فى مستهل ذى القعدة ١٢٣ هـ (سبتمبر ٧٤١ م) وولوا مكانه قائدهم "بلج" الذى كان أول قرار اتخذه هو الأمر بقتل سلفه الذى كان (إذ ذاك) رجلا طاعنا فى السن قد بلغ من العمر أرذله. (١) E. Levi-Provencal: Histoire de l'Espagne musulmane, Leiden-Paris ١٩٥٠ - ١٩٥٣,١,٤١,٤٣ - ٧ د. حسن حبشى [ليفى بروفنسال Levi-Provincal] عبد الملك بن محمد بن أبى عامر عبد الملك بن محمد بن أبى عامر المعافرى، أبو مروان المظفر بن الحاجب المنصور، وقد خلف أباه فى منصبه زمن الخليفة الأموى الأندلسى هشام المؤيد باللَّه، وكان عبد الملك هو الحاكم الفعلى لأسبانيا الإسلامية بعد موت أبيه فى مدينة سالم سنة ٣٩٢ هـ (= ١٠٠٢ م). ولد عبد الملك (وهو الابن الثانى للمنصور بن أبى عامر) سنة ٣٦٤ هـ (٩٧٥ م)، وكانت أمه -وهى أم ولد- تدعى "الذلفاء" وقد ظلت على قيد الحياة بعده بضع سنوات، وتمرس عبد الملك بالقيادة حتى قبل وفاة أبيه فقاد كثيرا من الحملات على شمالى أسبانيا ضد النصارى وعلى المغرب، ثم اختاره والده شبه نائب عنه فى المغرب سنة ٣٨٨ هـ (= ٩٨٨ م) فأقام فى فاس، إلا أنه استدعى فى السنة التالية إلى قرطبة فعاد إليها. ولقد أمدتنا الحوليات الإسبانية التى تم العثور عليها حديثا بتفاصيل جمة عن سيرة عبد الملك بن أبى عامر أيام

стр. 7091

ولايته، ويخرج المرء من مطالعته لهذه التفاصيل بأنه لم تكن تنقصه الصفات اللازم توافرها فى رجل الدولة، وإن لم يكن عبد الملك أقل عبقرية من أبيه. وعلى أية حال فإن السنوات السبع التى استبد فيها بالسلطة إنما هى فترة مشرقة فى تاريخ الأندلس قبل انهيار الخلافة الأموية فى الغرب. لقد ظل "الحاجب" وفيا للسياسة التى اختطها أبوه المنصور بن أبى عامر فتابعه فيها، فلم يكن يمر عام إلّا ويشن حملة هنا وأخرى هناك، حتى إذا كانت سنة ٣٩٣ هـ (= ١٠٠٣ م) زحف بجيشه على بلاد الافرنج ودمر كل ما حول برشلونة، وخرب خمسًا وثلاثين قلعة من قلاع العدو، ثم هاجم فى العام التالى بلاد كومن قشتالة "شانجة غرسية" Sancho Garcia الذى اضطر لطلب الصلح، كما أنه قام بمساعدته فى حملته على جليقية واستريا، وشرع عبد الملك بن محمد بن أبى عامر فى صيف ٣٩٦ هـ (١٠٠٦ م) فى حملته التى لم يكن لها ما يبررها ضد إقليم "ريباجوزا" الفرنجية. على أن أهم حملاته على الإطلاق هى التى كانت فى السنة التالية ضد حصن "كلونيا" فاستولى عليه وخربه فاستحق من أجل هذا العمل أن يلقب بالمظفر. ثم أنه حارب فى سنة ٣٩٨ هـ = ١٠٠٧ م شانجة غرسية وقشتالة وكرر ذلك فى السنة التالية أيضا، وحدث أثناء هجومه على قشتالة أن أصابه -قرب قرطبة عدد وادى أرميلات- مرض فى صدره أدى إلى وفاته يوم ١٦ صفر ٣٩٩ هـ = ٢٠ اكتوبر ١٠٠٨ م. لقد استطاع عبد الملك المظفر خلال سنوات حكمه السبع أن يحفظ لحكومة قرطبة تكوينها الإدارى القوى بتشجيعه الصقالبة ضد الأرستقراطية العربية. غير أنه كان هدفا لكثير من الهجوم على شخصه، وهناك من الأسباب ما يؤكد أنه كان لأخيه عبد الرحمن الذى خلفه يدٌ فى موته الفجائى المبكر. المصادر: (١) Dozy: Histoire des Musulmans III, d'Espagne, III, ١٨٥ - ٢١٤ (٢) Levi-Provencal: Histoire de l'Espagne musulmane, Leiden, Paris, ١٩٥٠ - ١٩٥٣, II, ٢٧٣ د. حسن حبشى [ليفى بروفنسال E.Levi-Provincal]

стр. 7092

عبد الملك بن مروان كان خامس خلفاء بنى أمية حكم ما بين ٦٥ و ٨٦ هـ (٦٨٥ - ٧٠٥ م) وولد على أرجح الأقوال سنة ٢٦ هـ (٦٤٦ م)، وأبوه هو مروان بن الحكم، وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة، وشاهد وهو صبى فى العاشرة من عمره الهجوم على دار عثمان بن عفان، فلما بلغ السادسة عشرة ولاه أبوه قيادة العسكر لمحاربة البيزنطيين، وقد ظل مقيما بالمدينة حتى كانت الثورة ضد يزيد بن معاوية (٦٢ هـ/ ٦٨٢ م) فلما أخرج الثوار الأمويين من المدينة غادرها مع أبيه، ثم عاد إليها فى رفقة مسلم بن عقبة أمير جيش الشام بعد أن زوده عبد الملك بأخبار المدينة واستحكاماتها، وتلى ذلك وقعة الحرة وهزيمة أهل المدينة الهزيمة التامة يوم ٢٧ ذى الحجة ٦٣ هـ (٢٧ اغسطس ٦٨٣ م) إلا أنه واجه صعوبات جمة، ذلك أنه على الرغم من أن وقعة مرج راهط قد دعمت من جديد سيطرة الأمويين على الشام كما استردوا مصر التى قوى فيها حكم أخيه عبد العزيز بن مروان، إلا أن الثورة اندلعت ضده فى شمالى "قريقساء" بقيادة ظفر بن الحارث الذى لقى العون من القيسيين، وظلت الثورة قائمة حتى سنة ٧١ هـ (٦٩٠ م). هذا إلى كثرة المناوشات البيزنطية على الحدود بل وعودتهم بهم إلى احتلال (انطاكية) سنة ٦٨ ومساعدتهم المروانيين داخل سورية ذاتها. كذلك نودى فى مكة بعبد اللَّه بن الزبير خليفة ودانت له -ولو ظاهريا- أكثر ولايات الدولة إلا أن عبد الملك برهن على أنه الرجل الكفء لمقارعة هذه الأهوال، ونجح فى سنوات قلائل فى إعادة وحدة العرب تحت قيادة أهل الشام. على أنه حدث فى البداية إخلاء العراق والشرق إذ استطاع رجال القبائل العربية بعد موت يزيد من أن يطردوا الوالى عبيد اللَّه بن زياد الذى عجز عن استرداد الكوفة والبصرة رغم نجاحه فى صد هجوم قوات الكوفة على أرض الجزيرة بالعراق فى رمضان ٦٥ هـ (٦٨٥ م)، ثم ما لبثت الكوفة أن

стр. 7093

وقعت فى يد المختار بن أبى عبيد الذى نجح أنصاره بعد قتالهم الشاميين قتالا عنيفا فى هزيمتهم (فى ذى الحجة ٦٧ = يوليو ٦٨٦) وهزيمة عبيد اللَّه على نهر الخازر وكانوا بقيادة إبراهيم بن الأشتر، وقد ظل العراق السنوات الخمس التالية تحت حكم مصعب بن الزبير الذى استطاع قائده المهلب بن أبى صفرة (بعسكر البصرة) أن يهزم عسكر المختار فى "حروراء" فى رمضان ٦٧ هـ (ابريل ٦٨٧ م) واحتل الكوفة من جديد. ولما كان عبد الملك راغبا فى إطلاق يده فى محاربة العراق فقد اضطر لأن يبرم مع قيصر الروم هدنة أمدها عشر سنوات، وما كاد هذا الاتفاق يتم حتى زحف عبد الملك من دمشق على مصعب بن الزبير لكنه اضطر للرجوع لاخماد ثورة بالعاصمة أضرمها قريبه "عمرو بن سعيد الأشدق" متخذا من مكانه حصنا له، لكن ما كاد الخليفة يصل إلى دمشق حتى استسلم الأشدق ونزل بعهد أمان ضمن له حريته والحفاظ على حياته، لكن عبد الملك لم يكن مطمئنًا إلى الأشدق إذ سرعان ما قبض عليه وقتله بيده كما تقول الشائعة. فلما كانت السنة التالية (٧٠ هـ = ٦٩٠ م) عاد لمحاربة مصعب والتقى الجيشان وجها لوجه فى شمالى العراق دون أن يسفر القتال عن شئ، ومن ثم عاود عبد الملك حملته الثالثة بمحاصرة "ظفر بن الحارث"فى "قريقساء" حصارا دام بضعة أشهر سقطت بعدها فى يده فاحتل أرض الجزيرة ثم سار إلى العراق يساعده القيسيون، وتمت هزيمة مصعب وابن الأشتر عند "دير الجثاليق" قرب "مسكن"، ولقى الاثنان مصرعهما وذلك فى جمادى الأولى أو الآخرة (أكتوبر ٦٩١ م) ولقد شارك المهلب بجند من البصرة فى محاربة الخوارج، وأنهكت الحرب معظم العراقيين ولم تجلب عليهم سوى التعب والخسارة، وحدث فى أعقاب دخول الخليفة الكوفة (التى اعلنت طاعتها له) أن جاءت قوة من أهل الشام قوامها ألفا مقاتل بقيادة الحجاج لقتال ابن الزبير فى مكة، وبعد أن تريث الحجاج قليلا بالطائف قام أول ذى القعدة ٧٢ هـ (٢٥

стр. 7094

مارس ٦٩٢ م) بمحاصرة مكة وما مضت ستة أشهر حتى قتل ابن الزبير فى ساحة الحرب واستسلمت المدينة (١٧ جمادى الأولى ٧٣ هـ) فكانت مكافأة الحجاج على ذلك أن ولى الحجاز. رأى الخليفة عبد الملك بعد استرداده العراق إجراء ترتيبات عاجلة ضد الخوارج واستطاعت قوات الكوفة والبصرة معا بعد فشلهما الأول أن تنزلا الهزيمة بنجدية اليمامة فى "مشحر" سنة ٧٣ هـ (٦٩٢ م) إلا أن الصعوبة الكبرى كانت تتمثل فى أزارقة فارس الذين كانوا أشد خطورة وأكثر تعصبا من غيرهم، ولقد دل المقاتلون الذين انهكتهم الحروب على عدم ميلهم للقتال مما حمل عبد الملك على أن يولى الحجاج أمر الكوفة، فاندفع الحجاج فى نصرة المهلب فقضى على الأزارقة فى حملة استغرقت ثلاث سنوات، كما قامت بين قبائل ربيعة فى الجزيرة ثورة خارجية جديدة بقيادة "شبيب" اكتسحت أراضى الكوفة واستولت على المدائن (٦٧ هـ = ٦٩٥ م)، فلما عاد مقاتلة الكوفة من بلاد فارس عجزوا عن منع "شبيب" من دخول بلادهم، وإذ ذاك استعمل الحجاج أربعة آلاف من جند الشام نجحوا بعد إخراجهم المهاجمين وقتلهم "شبيبا" أن يبددوا شمل الفريق العربى من الأزارقة فى طبرستان. وعمت الفوضى فى نفس السنة خراسان فضمها عبد الملك هى الأخرى إلى حكومة الحجاج الذى أناب المهلب عنه فيها، فأعاد المهلب بعد قليل الحملات التى اتجهت إلى آسيا الوسطى ولكنه لم يكسب كثيرا من هذا العمل فقد وافاه أجله سنة ٨٢ هـ (٧٠١ م) وخلفه ابنه يزيد. وقام فى نفس الوقت عبد الرحمن ابن محمد بن الأشعث الذى كان عين واليا على سجستان فقاتل فى افغانستان بقوات الكوفة والبصرة، ثم ثار هو والأشراف سنة ٨١ (٧٠٠ م) وعادوا إلى العراق، فلم يعد فى قدرة العدد الضئيل من جند الشام وأعوانهم القدرة على مقاومة القوات المتحالفة، وتأزم الموقف، إلا أن قدوم الامدادات

стр. 7095

الحربية من الشام ساعد على هزيمة الثوار عند دير الجماجم فى جمادى الآخرة ٨٢ هـ (يوليو ٧٠١ م) ثم القضاء عليهم عند "مسكن" الواقعة على نهر دجلة، وذلك فى شعبان ٨٢ هـ، وفر الباقون منهم إلى سجستان وخراسان ففرق جموعهم يزيد بن المهلب (٨٣ هـ = ٧٠٢ م)، وقام الحجاج فبنى فى نفس السنة معسكرا حصينا لقوات الشام فى "واسط" فكان ذلك نقطة انتقال فى تاريخ الخلافة الأموية والدولة العربية، واستقر منذ ذلك الحين جند شامىّ احتل العراق. ولم يحدث قط بعد ذلك أن مست الحاجة إلى معونة من جانب "مقاتلة" الكوفة والبصرة واستتب النظام والأمن بفضل صرامة الحجاج وشدته ورفرف الهدوء على مدى اثنتى عشرة سنة، وبدأ الرخاء يعم العراق، إلا أن ذلك لم يكن على رضا من القبائل العربية لا سيما التى كانت مقيمة بالكوفة. كانت الحرب قد تجددت سنة ٧٣ هـ (٦٩٢ م) مع بيزنطة إذ رفض امبراطورها قبول تداول العملة الذهبية الإسلامية الجديدة التى سكها عبد الملك، وعلى الرغم من بعض الانتصارات الأولى التى أحرزها جند الشام بقيادة محمد بن مروان -أخى الخليفة- فى غاراتهم على أرمينية والأناضول إلا أنهم لم يستطيعوا الاستيلاء على أرض كثيرة لكنهم كانوا قد مهدوا الطريق للحملات التى شنت بعد ذلك إبان الحكم التالى، ففى الشمال الأفريقى نجد أن "مقاتلة" مصر بقيادة "حسن بن النعمان" (بعد استردادهم جزءًا من افريقية قد زحفوا إلى "قرطاجة" تساعدهم قوة بحرية (٧٨ هـ = ٦٧٩ م وأنزلوا الهزيمة بالاسطول البيزنطى، كما تم احتلال قرطاجة وتأسست قاعدة آمنة فى القيروان تمهيدا لفتوح قادمة. ورغم انشغال بال عبد الملك بالاضطرابات الداخلية، وبالحروب الخارجية إلا أنه وجد وقتا استطاع أن يصرفه فى القيام ببعض الإصلاحات الإدارية فدعم الحكومة المركزية فى وجه الإضطرابات القبلية ووضع اصلاحات عدة للوصول إلى هذه الغاية، كان من أهمها إحلال العربية محل اليونانية والفارسية فى دواوين

стр. 7096

الحكومة المحلية، وكان هذا العمل أول خطوة لتنظيم جمع الضرائب وتوحيدها فى كافة ولايات الدولة، كما كان فى الوقت ذاته خطوة نحو قيام إدارة إسلامية خالصة، ويظهر هذا واضحا تماما فى القرار الخاص بإصدار (سك) عملة ذهبية فحَلَّ الدينار الإسلامى محل العملة البيزنطية المعروفة باسم "ديناريوس" التى كانت تحمل صورة الإمبراطور، وعلى الرغم من روح العداء تجاه الأمويين عامة والحجاج خاصة إلا أنه مما لا مشاحة فيه أن نفوذ الإسلام أصبح قويا فى هذا المجال، ثم أن الأمر الذى كان أكثر وضوحا هو إعادة نسخ مصحف عثمان بالضبط ويرجع الفضل فى ذلك إلى الحجاج وإن كان هذا الأمر قد أثار ثائرة فقهاء الكوفة الذين التزموا بقراءة ابن مسعود. ومجمل القول إن السنوات الأخيرة من حكم عبد الملك بن مروان كانت على العموم سنوات رخاء وهدوء، ولم يكن يشغل بال الخليفة سوى من يخلفه، لأن مروان كان قد عين للخلافة من عبد الملك ثم أخاه عبد العزيز إلا أن عبد الملك أراد حرمانه من ولاية العهد ليسوقها إلى ولديه الوليد وسليمان، غير أن موت عبد العزيز فى مصر فى جمادى الأولى سنة ٨٦ هـ (مايو ٧٠٥ م) جَنَّب الدولة الشقاق وذلك قبل خمسة شهور من وفاة عبد الملك (شوال ٨٦ هـ = اكتوبر ٧٠٥ م) فخلفه الوليد أكبر أبنائه. المصادر: كتب الحوليات العامة مثل الطبرى والبلاذرى واليعقوبى والمسعودى وابن الأثير، وكذلك الأغانى للأصفهانى وعيون الأخبار لابن قتيبة. د. حسن حبشى [هـ. أ. ر. جب H.A.R.Gibb] عثمان بن عفان هو الخليفة الثالث (٢٣ - ٣٥ هـ/ ٦٤٤ - ٦٥٥ م) وهو من أسرة بنى أمية الشهيرة والثرية بمكة المكرمة، مما جعل لإسلامه أهمية خاصة، وقد أسلم قبل الهجرة بعدة سنوات، وكان عثمان بن عفان تاجرًا ثريا خلوقا، وقد ربط البعض بين إسلامه وزواجه من رقية

стр. 7097

بنت الرسول [ ﷺ ] إلّا أن الثابت أن هذا الزواج تم بعد إسلامه، وكان لإسلام عثمان وهو من سراة القوم أثر فى انتشار الدين الإسلامى، فعثمان ليس من العوام، وإنما يمكن وصفه بأنه كان من "الطبقة العليا" فى مجتمعه، وشارك عثمان رضى اللَّه عنه فى الهجرتين: الهجرة إلى الحبشة وبعد عودته لمكة المكرمة، هاجر إلى المدينة المنوّرة لكنه لم يشترك فى غزوة بدر لمكثه إلى جوار زوجته التى كانت تعانى المرض، ومع هذا فقد أسهم له الرسول [ ﷺ ] فى الغنائم أسوة بمن حضر المعركة، وبعد وفاة زوجته رقية، زوجه الرسول [ ﷺ ] من ابنة أخرى له هى أم كلثوم، على أن تدخل عثمان بن عفان فى الحياة العامة أثناء حياة الرسول [ ﷺ ] وأثناء خلافة أبى بكر كان دورا يكاد يكون غير محسوس، ومع هذا فقد اختاره مجلس الشورى الذى أمر به عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه ليكون أحد المرشحين للخلافة. وربما كان ذلك لعرقه الأموى ولصلته القوية بمحمد [ ﷺ ] وكان بنو أمية قد استطاعوا -حتى فى حياة الرسول [ ﷺ ] أن يستردوا بعضًا مما كان لهم من نفوذ فى الجاهلية، واستمر ذلك حتى فى زمن عمر بن الخطاب الذى كان يتميز بالحنكة والخبرة وقوة الشخصية، مما مكنه من السيطرة على مجريات الأمور وكبح جماح أية تكتلات تسعى للسيطرة، ويرى المستشرق "فلهاوزن" والمستشرق "كيتانى" أن عثمان ابن عفان رضى اللَّه عنه حاول انتهاج السياسة نفسها التى نهجها عمر بن الخطاب لكنه لم يكن فى الواقع يمتلك القدرة السياسية والحنكة التى كانت لسلفه، وقد ألصق خصوم عثمان بن عفان به تهمة إيثاره لأقربائه فى تولى المناصب الكبرى، فقد ولى قريبه عبد اللَّه ابن عامر بن كريز، والوليد بن عقبة -وكان أخًا غير شقيق له- مكان أبى موسى الأشعرى على البصرة، كما ولى سعد بن أبى وقاص على الكوفة، وعندما اضطر لعزل الوليد بن عقبة ولّى مكانه أمويا آخر هو سعيد بن العاص الذى ينسب إليه القول المشهور (سواد العراق بستان قريش) كما ولّى مصر لعبد اللَّه بن سعد بن أبى السرح،

стр. 7098

وكان قد ارتد عن الإسلام زمن الرسول [ ﷺ ]، ولكنه رجع إلى حضن الإسلام بعد ذلك وحسن إسلامه وعفا الرسول [ ﷺ ] عنه، وكان مستشار عثمان رضى اللَّه عنه هو مروان بن الحكم وتنسب الأخبار إليه أنه كان ذا نشاط ضار بالنسبة لعثمان رضى اللَّه عنه، ورغم كل هذا فقد كان هدف عثمان هو تأسيس حكومة مستقرة مترابطة، وكان يرى أن تعيين القريبين منه يحد من محاولات الولاة الاستئثار بالأمور، وكان عمر بن الخطاب يعمل أيضا فى اتجاه السيطرة على الولاة وعدم السماح لهم بالاستئثار بالأمور، وقد استطاع عمر بالفعل تحقيق ذلك وفرض سيطرته حتى على القادة والولاة الذين كانوا ينتمون لعشائر وقبائل أخرى، أما عثمان رضى اللَّه عنه فقد كان يظن أنه يستطيع تحقيق الغرض نفسه بتعيين أقاربه، فانقلب الوضع وأصبح الخليفة نفسه تحت سيطرة هؤلاء الأقارب. وثمة مسألة أخرى أثرت فى اضطراب الأمور فى عهد عثمان رضى اللَّه عنه، فقد كان بيت المال الذى أرسى فى عهد عمر بن الخطاب، يتطلب دائما فيضا من الغنائم الناتجة من حركة الفتوح، ولم تكن مبالغ الجزية المحصلة من أهل الذمة كافية لسد احتياجات العسكر الجدد، ولم تكن الفتوح فى عهد عثمان رضى اللَّه عنه رغم اتساعها بذات مردود مالى يسد حاجة بيت المال، وقد اتهم عثمان بأنه احتفظ بجانب من الغنائم لعماله وأقاربه وذلك بتوسيعه لمفهوم القطائع إلى حد كبير، وربما كان عثمان يقصد من هذا تكوين أملاك الدولة، بدلًا من تقسيم كل الغنائم على المحاربين ولم يعجب المناهضون لعثمان رضى اللَّه عنه بجمع القرآن الكريم فى (إمام) وهو ما كان يطلق على مصحف عثمان، وقد ناهض بعض القراء من ذوى النفوذ فى هذه الخطة (١) ويمكن تقسيم فترة حكم عثمان رضى اللَّه عنه إلى فترتين؛ الفترة

стр. 7099

الأولى من ٢٣ إلى ٢٩ هـ وهى فترة استقرار ورخاء، والفترة الثانية من ٣٠ إلى ٣٥ هـ وسادها الاضطراب، وقد فسرت بعض الروايات هذا تفسيرًا غيبيا إذ أرجعته إلى سقوط خاتم الرسول [ ﷺ ] من يد عثمان فى بئر أريس سنة ٣٠ هـ. وقد بدأت الفتنة ضد عثمان رضى اللَّه عنه فى العراق حيث كانت الأزمة الاقتصادية فيه أوضح منها مما فى سواه، وحيث كانت حركات التمرد والشغب كثيرة. وقد أثرت أقوال أبى ذر رضى اللَّه عنه -الذى نفى إلى الشام مع عدد من أتباعه، ثم بعد ذلك إلى الربضة حيث مات- فى إثارة بعض الاضطرابات وانفجرت اضطرابات أخرى خطيرة فى الكوفة فى الفترة من ٣٢ إلى ٣٣ هـ تزعمها القراء، وفى مصر أحدث محمد بن حذيفة بعض المشاكل لكن عبد اللَّه بن سعد بن أبى السرح سرعان ما تصدى له. ويقال إن عمرو بن العاص كان يشجع الاضطرابات فى مصر سرا، وفى آخر سنة ٣٥٠ هـ انفجرت الثورة عارمة موحدة بعد أن كانت متفرقة، فتقدم المعارضون إلى المدينة المنورة قادمين من الأمصار، فكان المعارضون القادمون من مصر هم أول من وصل وتحدثوا مع الخليفة بمرارة وعرضوا عليه ما كانوا يعتقدونه مظالم وخروجا عن الإسلام وكان رد الخليفة وديعا كطبيعته ونزل لهم عن كل طلباتهم ووعد بتعديل عماله، فغادر الوفد المصرى راضيا لكن -فجأة- اكتشف الوفد وهو فى طريق عودته للعرائش -حيث أناخوا دوابهم- رسالة أرسلها -سرًا- عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه لواليه على مصر عبد اللَّه بن سعد بن أبى السرح، وكان مضمونها يفيد الأمر بقتل زعماء الثورة بمجرد عودتهم لمصر، فعاد الوفد المصرى غاضبا، ورغم إنكار عثمان لإرسال هذا الخطاب فقد كان هو السبب الرئيسى لمقتله، وقد اختلفت آراء المؤرخين وفقا لاتجاهاتهم فمن قائل إن مروان مستشار عثمان هو الذى دس هذا الخطاب دون علم عثمان، ومن قائل إن عثمان رضى اللَّه عنه شك أن عليا رضى اللَّه عنه هو الذى دس الخطاب، لكن كل ذلك لم يثبت تاريخيا. د. عبد الرحمن الشيخ [ليفى دى لافيدا Levi Della Vide]

стр. 7100

العدة ورد فى المعاجم العربية أنَّ عدَّة المرأة هى أيام قروئها، وعدتها أيضا أيام حدادها على بعلها وإمساكها عن الزينة شهورا كان أو أقراء أو وضع حمل حملته من زوجها. وقد اعتدت المرأة عدّتها عن وفاة زوجها أو طلاقه إياها، وجمع عِدتها عدَد، وأصل ذلك كله من العّد، ويقال قد انقضت عدتها. وفى الحديث: لم تكن للمطلقة عدَّة فأنزل اللَّه العدّة للطلاق، وعدة المرأة المطلقة المتوفى زوجها هى ما تعده من أيام أقرائها أو أيام حملها أربعة أشهر وعشر ليال. وفى حديث النخعى: إذا دخلت عدّة فى عدّة أجزأت إحداهما، يريد إذا لزمت المرأة عدتان من رجل واحد فى حال واحدة، كفت إحداهما عن الأخرى كمن طلق امرأته ثلاثا ثم مات وهى فى عدتها فإنها تعتد أقصى عدّتين، وخالفه غيره فى هذا، وكمن مات وزوجته حامل فوضعت قبل انقضاء عدة الوفاة فإن عدتها تنتهى بالوضع عند الأكثر. وفى تفسير القرء والقروء أوردت المعاجم العربية أيضا أن القرء (بفتح القاف وضمها) هو الوقت وبالتالى قد يكون للحيض وقد يكون للطهر. قال الشافعى: القرء اسم للوقت فلما كان الحيض يجئ لوقت، والطهر يجئ لوقت جاز أن يكون الإقراء حيضا وإطهارًا. والمعتقد أن تشريع العدّة لم يكن معروفا فى الجزيرة العربية قبل الإسلام فيما يتعلق بالمرأة المطلقة، ولم تكن النصوص القرآنية التى تأسس عليها هذا القانون تتبع دائما فى السنوات الأولى من الإسلام، بالرغم من أن الفقهاء اعتبروا أى زواج يعقد فى أثناء فترة عدة لم تكتمل باطلا ولاغيا، وهذا العنصر الجوهرى فى تشريع الزواج له أهمية أيضا فى تحديد الأبوة. ومشكلات الفقه فى هذا الموضوع تنبثق من حقيقة أن هناك طريقتين لحساب فترة العدة: الأولى بالشهور والأيام وتنطبق أساسا على الأرامل من النساء، والثانية تنطبق على المرأة المطلقة أو تلك

стр. 7101

التى فسخ زواجها، وتتأسس هذه الطريقة على حدوث ثلاث دورات للحيض (ثلاثة قروء)، وأصول هذا النظام موجودة فى القرآن، وأحكامه حول هذا الموضوع واضحة جدا لا لبس فيها، فلا مجال فيها لاجتهادات الفقهاء. ويجب أن نضيف إلى الحالتين السابقتين (وهى انتهاء الفترة المحددة، وحدوث القُرْء الثالث) اللتين تحددان نهاية العدة، حالة ثالثة وهى مولد الطفل. فعدة المرأة الحامل فى وقت الانفصال (أو الوقت الذى انحل فيه عقد الزوجية) تنتهى بالنفاس أو الوضع، وسوف نعالج هذه الحالة أولا لأنها الأيسر والأسهل: ١ - فالمرأة الحامل مهما يكن سبب انتهاء زواجها (بموت الزوج أو الطلاق أو الفسخ) تستمر عدتها حتى الوضع، وتنتهى به، حتى إذا جاء بعد الطلاق أو موت الزوج مباشرة، ونادرا ما نجد مذاهب -باستثناء الشيعة "الاثنا عشرية" والزيديين- تطيل فترة العدة فى حالة المطلقة فقط إلى ما بعد الوضع حتى انتهاء فترة الأشهر الأربعة والعشرة أيام التى نص عليها القرآن الكريم لكل الأرامل بلا تفرقة. . وهما يقولان إن فترة التأخير هذه قد استقرت، لا لتجنب البلبلة فى إثبات الولادة فحسب، بل أيضا احتراما لذكرى الميت، فليس من المناسب والمقبول أن تتزوج الأرملة من جديد وفى وقت سريع بعد موت زوجها، لمجرد أنها فى تلك الأثناء وضعت طفلا. ٢ - أما بالنسبة للأرامل غير الحوامل، والمطلقات اللائى فى سن صغيرة جدا لا يحدث فيها الطمث أو اللائى وصلن إلى سن اليأس (سن انقطاع الطمث) فإن حساب العدة يكون بالشهور والأيام: (أ) فالأرملة يجب أن تتقيد بالاعتزال لفترة أربعة أشهر وعشرة أيام بعد موت زوجها، سواء تحقق الزواج (أى دخل بها الزوج) أو لم يتحقق، وسواء بلغت سن البلوغ أو لم تبلغ والشرط الوحيد هو أن يكون الزواج صحيحا، وهنا تتراجع فكرة

стр. 7102

تجنب البلبلة والشك حول المولود وتحل محلها فكرة التوافق الاجتماعى والأسرى. (ب) وعلى المطلقات اللائى يكن من الصغر جدا أو من الكبر جدا فلا يحضن، أن تتقيدن بثلاثة أشهر قمرية. (جـ) أما المطلقات أو هؤلاء اللائى أبطل زواجهن أو فسخ، وفى سن الحيض، فيجب أن ينتظرن ثلاثة قروء. وقد أثارت كلمة قروء (ومفردها قرء) فى النص القرآنى الكثير من الجدل بين الشراح والمفسرين منذ بدء الإسلام. فالبعض يقول إنها تعنى فترات ما بين الحيض. أو فترات الطهارة. وهذا الرأى هو السائد فى الشافعية والمالكية والشيعة الجعفرية. أما الأحناف والحنابلة والزيديون فيقولون إن كلمة قرء مرادفة للحيض. ولذلك فإن هناك اختلافا طفيفا فى حساب فترة العدة وفقا للمعنى الأول والمعنى الثانى. وبالرغم من أن الأرامل يضطرون إلى الامتناع عن آية علاقات جنسية مهما كانت الظروف، حتى إذا كان زواجهن لم يكتمل أو يتحقق، فإن القانون يختلف بالنسبة للمطلقات، ولهؤلاء اللائى فسخ زواجهن أو أبطل. وتقول الشريعة الإسلامية إنهن يجب أن يتقيدن بالعدة فقط عندما يتحقق الزواج، والشافعية ترفض فكرة الخلوة التى يستدل بها على أن الزواج قد تحقق، إذا اختلى الزوج وزوجته وحدهما فى مكان يكون من الممكن لهما أن يحدث الجماع. وإذا كانت المذاهب الأخرى تعترف بقرينة اكتمال الزواج وتحققه نتيجة للخلوة، فثمة سؤال يثور هل هذه القرينة مطلقة؟ إن جمهور الحنفية والمالكية والحنابلة يقولون إن الخلوة لا يستدل بها كقرينة لتحقق الزواج، ولذلك فإنها لا تتضمن التزاما بالتقيد بالعدة إلا عندما يكون هناك مانع قوى لتحقيق الزواج مثل الضعف الجنسى عند الزوج أو انسداد المهبل عند المرأة. والحق أن قائمة الاحتمالات كثيرة جدا، ولكن يجب أن نذكر أن المرأة التى طلقت طلاقا بائنا يجب أن تتقيد بفترة من الاعتزال تحسب بدورات الحيض، حتى إذا تصادف ومات زوجها فى فترة اعتزالها، ذلك

стр. 7103

لأن ترملها يحدث بعد انحلال الزواج ولكن إذا أعلن الطلاق فى أثناء مرض الموت، فإن على الزوجة -التى لا يضيع حقها فى الإرث حينئذ- أن تتقيد بالأطول عن فترتى الاعتزال ٣ - تاريخ بدء العدة -عندما يتم الزواج شرعا، فإن العدة تبدأ فى اللحظة التى ينتهى فيها الزواج، أى بموت الزوج. أو بإعلان الطلاق، حتى إذا لم تعلم به الزوجة. وقد كان يحدث فى بعض الأحيان فيما سبق (قبل القوانين التى تحتم إشهار الطلاق وإعلانه) ألا تعلم الزوجة عن طلاقها، وفى هذه الحالة تتقيد بكل عدتها دون أن تكون مدركة لها. ومن جهة أخرى فإن إبطال الزواج أو فسخه أو قرار الزوج بالانفصال عن زوجته لسبب معين، فإن الزوجة يجب أن تعلم به وفى هذه الحالة تبدأ العدة من اللحظة التى تسمع فيها بذلك. ٤ - إن حساب العدة بفترات الحيض، أو فترات ما بين الحيض تثير الكثير من الصعوبات التى لا يستطيع الفقهاء حلها فى ارتياح. ففى هذه الأحوال لا بد من الاعتماد على صاحبة المصلحة نفسها. . وهى قد تكذب إما لإطالة فترة الانتظار بادعاء بأنها لا تحيض، أو على الأقل ليس هناك حيض ثالث، أو لتقصير هذه الفترة بقولها إن فترات الحيض لديها قصيرة أو تأتى متقاربة والنوع الأول من السلوك سائد بين الحنفية (الأحناف) فالمذهب الحنفى يسمح للمطلقة طلاقا بائنا أن تحتفظ بنفقتها كاملة خلال فترة العدة. وهذا هو السبب فى أن هؤلاء اللائى لا يتوقعن زواجا جديدا يتأخرن فى الإعلان عن حدوث الحيض الثالث، الذى بإنهائه للعدة، يحرمهن من كل النفقة، وقد حال التشريع دون ذلك بأن حدد مدة عام كأقصى فترة، لا تستحق الزوجة بعدها النفقة (مصر والسودان) وهناك قوانين دول أخرى (القانون العثمانى والأردنى - والسورى) تحدد تسعة أشهر أو سنة كحد أقصى للاعتزال. ويقل التحايل فى هذا المجال بين أتباع الشافعية والمالكية، الذين يسمحون للبائن فقط بأن تظل فى بيت زوجها خلال فترة الاعتزال، دون أى حق فى الطعام أو الكساء -وهذا حق "بخيل" بطريقة

стр. 7104

شرعية لا يشجع المرأة على أن تطيل فترة اعتزالها، أما المطلقة التى تتلقى عرضا بالزواج وتخشى أن يضيع زوج المستقبل بسبب طول المدة، فإنها قد تدعى بأن فترات الحيض وما بين الحيض أقصر مما هى فى الحقيقة. وهنا يظهر مذهب أبى حنيفة (وهو المأخوذ فى هذا الشأن) الذى يقول إن فترة العدة يجب ألا تقل عن ستين يوما -أما الحد الأدنى الذى تقرره المذاهب الأخرى فيتراوح بين ثلاثين يوما وتسعة وثلاثين يوما- ويجب أن نشير هنا إلى أن المذهب المالكى لا يأخذ برأى المرأة حتى إذا كانت تتمسك بحد الثلاثين يوما، وهى الحد الأدنى فى هذا المذهب لمجموع فترات الحيض الثلاث، ويتمسك بأن تفحصها امرأتان. ٥ - وعدة "الأمة" تحكمها قواعد خاصة -فالأمة التى هى مجرد "خليلة" يجب أن تتقيد بفترة من الاعتزال تعادل حيضا واحدا أو شهرا، حسبما إذا كانت فى سن الحيض أم لا، على أن تبدأ من الوقت الذى تصبح فيه "ملكا" لسيد جديد، إذا كان ينوى أن يقيم معها علاقات جنسية، أو إذا حدث أى تغيير فى وضعها الشرعى (القانونى) -ويعرف هذا بالاستبراء- ولكنها قد تتزوج، وفى هذه الحالة يجب أن تتقيد -فى نفس الظروف التى تفرض فيها العدة على المرأة الحرة- بعدة تكون مدتها نصف المدة التى تتقيد بها المرأة الحرة وذلك تطبيقا لقاعدة نصف النصاب -وهذا يعنى أن عدة الأمة الأرملة تستمر شهرين وخمسة أيام، وعدة المطلقة التى ليست فى سن الحيض شهرا ونصف الشهر. . كى تقرر أن تكون عدة الأمة المطلقة التى فى سن الحيض فترتين بين الحيض (الشافعية والمالكية) أو فترتى حيض (الأحناف والحنابلة) والاستثناء الوحيد هى "أم الولد" التى تعامل معاملة المرأة الحرة. . ٦ - أما حقوق والتزامات المرأة التى تلتزم بعدة فتختلف حسبما إذا كانت أرملة أو مطلقة -فالأرملة ليس لها الحق أبدا فى نفقة كاملة حتى إذا كانت حاملا. . وتتفق المذاهب جميعا فى هذا وليس فى هذا جور عليها، فالذى يجب

стр. 7105

أن نعرفه هو أن لها نصيبا فى ممتلكات الزوج المتوفى. وبالرغم من عدم أحقيتها فى النفقة، فإنه يجب أن تتم العدة فى منزل زوجها -كى يجب أن تواصل الحداد فلا تلبس المجوهرات ولا تستخدم مستحضرات التجميل (كالتزام أخلاقى) -وحقها فى الخروج أقل تقييدا من حق المطلقة، ذلك لأنها قد تضطر لكسب عيشها طالما لا تحصل على نفقة- أما القواعد الخاصة بالبائنة فتختلف باختلاف المذاهب (ووضع المرأة غير البائنة هو وضع المرأة المتزوجة) فالأحناف يقولون إن زوجها السابق يجب أن يتكفل بنفقتها خلال فترة العدة حتى إذا لم تكن حاملا: إلا إذا كان الانفصال بسبب غلطة فيها (الزنا أو الارتداد عن الدين) فحينئذ تحرم من النفقة -أما المذاهب الأخرى فأقل تحررا بكثير فهى (مثل الحنابلة) ترفض آية حقوق للبائنة أو (مثل المالكية والشافعية) تمنحها فقط حق السكنى، ما لم تكن حاملا، ففى هذه الحالة يجب على الزوج -حسب النص القرآنى- أن يعطيها نفقة كاملة. . والبائن لا ترث من زوجها إلا إذا كان قد طلقها فى أثناء مرضه الأخير (باستثناء المذهب الشافعى). ولا تصر أغلبية المذاهب على أن تتقيد بالحداد أو بالالتزامات الأخلاقية التى تفرض على الأرملة، لكن الأحناف يقولون إنها يجب أن تخضع لهذا المبدأ الأخلاقى فى مقابل النفقة، وهى ميزة منحتها لها القواعد الحنفية ويجب أن نذكر أن من حق وواجب أى امرأة تتقيد بعدة أن تفعل ذلك فى بيت زوجها السابق. ٧ - والزواج الذى يتم الدخول به فى أثناء العدة لزواج سابق فاسد حسب المذهب الحنفى -ويجب على الزوج والزوجة أن ينفصلا من تلقاء نفسيهما، والمذاهب الأخرى ترى الشئ نفسه فقط فى حالة حسن النية، وفى هذه الحالة تتلقى الزوجة (طالما تحقق الزواج) كل المهر، والأطفال الذين يولدون شرعيون، وعندما ينحل هذا الزواج الثانى، فإن الشافعية والحنابلة يرون أن تتقيد الزوجة بعدتين، ما تبقى من العدة الأولى ثم عدة جديدة لثلاث

стр. 7106

مرات حيض أو ثلاث فترات لما بين الحيض- ولكن الأحناف يصرون على عدة واحدة تمتد إلى ثلاث فترات للحيض، يمكن أن يتقرر على أساسها مقدار العدة الأولى التى انتهت لتوها. وهناك أقوال كثيرة حول جمع العدتين، ولكن يحق للزوجة فى جميع الحالات وفى نهاية هذه العدة الثابتة أن تتزوج من جديد الزوج الثانى (وهو الذى انفصلت عنه) ولكن بعقد جديد ومهر جديد. وهذا ما تراه معظم المذاهب. ٨ - وقد أولت مجموعة القوانين الحديثة -من قانون الأسرة العثمانى عام ١٩٣٧ م إلى القانون العراقى للأحوال الشخصية عام ١٩٥٩ م- اهتماما كبيرا بأحكام العدة دون أن تحيد عن المبادئ الإسلامية باستثناء القانون التونسى للأحوال الشخصية الذى حدد فترة ثلاثة أشهر للعدة -والتعديلات الطفيفة التى أدخلت على "القانون" القديم (الكلاسيكى) (وخصوصا فى الدول التى تأخذ بالمذهب الحنفى) تتعلق بحساب فترة العدة بفترات الحيض فهى تحدد فترة أقصى وفترة أدنى يجب أن تحدث خلالها فترات الحيض الثلاث، وينص القانون العثمانى لعام ١٩١٧ م وكذلك القانون الأردنى لعام ١٩٥١ م ألا تتجاوز العدة تسعة أشهر- وقد رأت مصر والسودان وسوريا أخيرا ألا تحدد حدا أقصى للعدة للمطلقة التى تكون فى سن الحيض، على حين نصت على ألا تطالب بالنفقة لأكثر من اثنى عشر شهرا (القانون المصرى ٢٥ لعام ١٩٢٩ م والقانون السودانى لعام ١٩٢٧ م) ولا تتجاوز تسعة أشهر فى القانون السورى (مادة ٨٤) بعد انتهاء. الزواج -وقد وضعت هذه الاجراءات لعدم التحايل من جانب المطلقات فيزعمن أنهن لا يحضن لسنوات طويلة حتى يحصلن على النفقة- وقد تحدد الحد الأدنى للعدة فى بعض الدول -بحساب فترات الحيض- بثلاثة أشهر. المصادر: (١) يوجد ملخص مفيد للموضوع (الذى تعالجه أمهات كتب الفقه فى باب مستقل بذاته) فى مختصر القدورى الذى ترجم إلى الفرنسية:

стр. 7107

Bercher et Bousquet: Le Status personnel en droit musulman hanafie, ١٥٦ ff (٢) J. Schacht: The Origins of Muhammadan Juris prudence, ١٨١, ١٩٧ - ٨. ٢٢٥ - ٦ بهجت عبد الفتاح [ى. لينانت دى بلفوند Y.Linant De Bellefowds] عدن ١ - مدينة ٢ - مستعمرة تحت التاج البريطانى ٣ - محمية بريطانية جنوب غرب الجزيرة العربية ١ - هى مدينة وميناء بحرى على الساحل الجنوبى للجزيرة العربية، خضعت لبريطانيا منذ عام ١٨٣٩ م - ويبلغ عدد سكانها من ذوى الأجناس المختلفة نحو خمسة وثلاثين ألفا ولأنها ذات حصون قوية، فإنه يطلق عليها الكثير من أسماء الموانى والثغور الشهيرة (ويمكن الرجوع إلى "المقدسى" لمعرفة الأسماء الكثيرة التى أطلقت عليها). وشبه جزيرة عدن بركان هامد، يسمى الآن شمشان أو شَمْشَم باللغة الدارجة، وكان اسمه فى الزمن القديم جبل عدن الذى يرتفع عن البحر بخمسمائة وخمسين ميلا (١٧٧٥ قدما) وفى الجانب الشرقى شعب فى سلسلة الجبال التى تواجه جزيرة صيرا sira، وهنا يقع الجزء الرئيسى من المدينة وتصل المساكن إلى البحر، وقد كانت عدن جزيرة فى يوم من الأيام. ولا يزال البرزخ الضيق المنخفض يغطيه المد والجزر المرتفع فى الربيع، وقد أزيل هذا العائق بأن أقام الفرس جسر المكسر Maksir (انظر خور مكسر غربى البرزخ). . وبجانب البركان الرئيسى هناك عدة مرتفعات صغيرة مثل جبل صيرا وحقات ومرشق (وبه منارة كبيرة) وجبل حديد Hadid (غربى البرزخ) وقد كان الميناء القديم على الجانب الشرقى ومتصلا بالمدينة؛ وقد أقيم حاجز لحمايته من الرياح الجنوبية الشرقية. وقد كانت عادة بناء السدود (الخزانات) والصهاريج من سمات حضارة سبأ القديمة وقد تركت آثارها فى أراضى عدن فهناك بقايا خمسين من المستودعات تنتشر على أرض شبه

стр. 7108

الجزيرة، ويقال إن الفرس هم الذين أقاموها، وشهد على أنها فى حالة مقبولة وطيبة نوعا ما كل من صولت salt فى ١٨٠٩ م وهاينز Haines، اللذين غزوا عدن فيما بعد فى عام ١٨٣٥ م ولكن اعتراها الاهمال منذ عام ١٨٣٩ م وما بعد ذلك -وتم نقل الكثير من أحجارها حتى عام ١٨٥٦ م، عندما بدأت استعادة تلك المستودعات التى فى داخل "فوهة البركان" وهناك ثلاثة عشر صهريجا تحجز ما يقرب من مليونى لتر من الماء ولكن مياه الأمطار القليلة غير المنتظمة نادرا ما تملأ هذه الصهاريج تماما. وهناك آبار كثيرة فى نطاق فوهة البركان فى الجزء الغربى من شبه الجزيرة، ولكن لا تسد الحاجة للمياه النقية للشرب، إذ تكون فى معظمها مائلة للملوحة. وقد كانت "الحيلة" Alhayle (وتسمى الآن الحصوة) هى منهل عدن (مصدر المياه) وفى عام ١٨٦٧ حصلت الحكومة البريطانية على تصريح من سلطان لحج بشق قناة لجر المياه من قرية الشيخ عثمان وبعد ذلك (بفترة) أقيمت المكثفات وتعزو الأساطير تأسيس عدن إلى "شداد بن لماد" الذى يقال إنه أمر بحفر النفق الشهير فى سلسلة الجبال، واستخدم المكان كسجن- وقد سمعنا الشئ نفسه عن قوم "تُبَّع"، وفراعنة مصر، حيث جاء اسم "الحبس" أو "حبس فرعون" وتقول الروايات القديمة إن قابيل بعد أن قتل أخاه هابيل هرب مع أخته من الهند إلى عدن حيث زاره إبليس على جبل صيرا وعلمه كيف يستخدم الآلات الموسيقية. ويظهر قبره اليوم فوق بوابة الممر الرئيسى- كما أن البئر المعطلة أو المهجورة (Abondoned well)، وإرم ذات العماد موجودتان فى عدن أو بالقرب منها، أما ما تقوله الروايات عن نيران تخرج من اليمن أو عدن (صيرا)، تنبئ بيوم القيامة، والتى تنسب إلى حديث للرسول [ ﷺ ]، فقد تكون نوعا من الذكريات عن النشاط البركانى، أما عن السكان فيقول الحمدانى إن عرب عدن كانوا ينقسمون إلى ثلاث طوائف: مرب وحماحم وملّاح ثم إن الأعداد الكبيرة من الهندوس والصوماليين تشير إلى الهجرة المستمرة عن طريق البحر وهناك ما يشير إلى هجرات مبكرة من

стр. 7109

مدغشقر، عبر مقدشيو وكلوه وهجرات للفرس من سيراف وقيس (أوكيس). وقد تم إجلاء عدد كبير من اليهود من عدن فى السنوات الأخيرة إلى اسرائيل. وكان فى عهد الإمبراطور الرومانى قسطنطين وقد قام الاسقف ثيوفيلوس ببناء كنيسة هناك. وبعد فترة من الوقت فقدت عدن أهميتها أمام موانئ البحر الأحمر ومنذ عام ٥٧٥ م فصاعدا فضل الفرس تمدين اليمن وتحضرها ببناء الصهاريج والحمامات وإقامة المدابغ. وبعد أن استسلم باذان آخر الحكام الساسانين للنبى [ ﷺ ] قام (على بن أبى طالب) فى ١٠ هـ/ ٦٣١ م بزيارة عدن وخطب من على منبرها وقد استطاع حسين بن سلمة -وزير بنى زياد أن يسترد مسجدا كان قد أقامه عمر بن عبد العزيز، وفى عام ٤٥٤ هـ/ ١٠٦٢ م قام على بن محمد الصليحى الحاكم الفاطمى فى مصر بغزو عدن وتقديمها هدية إلى حرتْ سيده عند زواجها من ابن المكرّم فى عام ٤٦١ هـ/ ١٠٦٩ م)، ولكن "بنو معن" الذين كانوا يحكمون عدن منذ ٤١٠/ ١٠١٩ م بعد بنى زياد، ظلوا يشرفون عليها حتى عام ٤٧٦ هـ/ ١٠٨٣ م، عندما ثاروا وحل محلهم شقيقان من الأسرة الحمدانية، وبعد فترة اتحدت المدينة تحت أيدى محمد بن سبأ (٥٣٤ هـ - ٤٨ هـ/ ١١٣٠ - ٥٣ م) وابنه عمران (٥٦٠ هـ/ ١١٦٥ م) وكان خراج عدن فى ذلك الوقت يصل إلى مائة ألف دينار فى العام. وفى عام ٥٦٩ هـ/ ١١٧٣ م، غزا توران شاه شقيق صلاح الدين الأيوبى عدن بمجموعة من المرتزقة الأتراك (الغز) وقد كانت فترات حكم الأيوبيين (٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م)، والرسوليين (٨٥٨ هـ/ ١٤٥٤ م) والطاهريين Tahirid (٩٢٣ هـ/ ١٥١٧ م) فترات ذهبية لتجارة عدن. ولكن اكتشاف الطريق البحرى للهند وظهور القوة العثمانية كانا بداية لانهيار تجارة عدن وقد هاجمها الادميرال البرتغالى البوكيرك Albwquerque فى عيد الفصح عام ١٥١٣ م بعشرين سفينة، ولكنه لم ينجح فى الاستيلاء عليها. . وفى عام ١٥٣٨ م استطاع أسطول بحرى تركى -وهو فى طريقه إلى الهند- أن يخدع

стр. 7110

المدافعين، وحكم الأتراك اليمن لما يقرب من مائة عام. وأصبحت عدن تحت حكم أئمة صنعاء من الزيديين (الزيود) فى عام ١٥٦٨ م وفى عام ١٦٣٠ م تركها الأتراك نهائيا. وفى عام ١٧٣٥ م أصبحت عدن فى أيدى العبدلى Abdali سلطان لحج الذى اضطر واحد من سلالته واسمه محسن أن يتخلى عنها لحملة إنجليزية بقيادة الكابتن هانيز Haines، الذى أرسلته حكومته للحصول على تعويض عن سرقة ونهب إحدى السفن البريطانية. . وبسبب هذا المسلك الخائن من جانب السلطان تم احتلال المكان بهجوم عاصف فى ١٨٣٩ م وقد بقى من هذ المدينة التى كانت فى رخاء وسعة والتى زارها ماركو بولو فى عام ١٢٧٦ م - وكانت تضم ٣٦٠ مسجدا ويقطنها ثمانون ألفا، غير قرية فقيرة بائسة تضم ستمائة نسمة يعيشون فى أكواخ. ومنذ ذلك الحين تقدمت عمليات النمو بسرعة فى عدن وخصوصا بعد فتح قناة السويس فى عام ١٨٩٦ م، وأصبح جبل طارق العربى الآن مركزا ذا أهمية كبيرة ومتزايدة. أما فى شأن المبانى فثمة أسوار لحماية التجارة كما تزايد عدد المنازل المبنية من الحجر. وبعد رحيل توران شاه قام نائبه فى عدن عثمان الزنجبلى (أو الزنجبيلى) ببناء سور أكبر بست بوابات وإدارة للجمرك. وهناك أبنية مدنية أخرى للحاكم طغتكين بن أيوب، وابنه إسماعيل والرسولى "على بن مجاهد" والطاهرى "عبد الوهاب". . ومن المساجد المشهورة فى عدن مسجد "أبو بكر العيدروس" حامى المدينة، وتتم زيارته فى الخامس عشر من ربيع الآخر. ٢ - مستعمرة (تحت التاج البريطانى منذ ١٩٣٧ م) (*) فى جنوب غرب الجزيرة العربية تضم مدينة عدن
следующие страницы →