← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.

стр. 7106

مرات حيض أو ثلاث فترات لما بين الحيض- ولكن الأحناف يصرون على عدة واحدة تمتد إلى ثلاث فترات للحيض، يمكن أن يتقرر على أساسها مقدار العدة الأولى التى انتهت لتوها. وهناك أقوال كثيرة حول جمع العدتين، ولكن يحق للزوجة فى جميع الحالات وفى نهاية هذه العدة الثابتة أن تتزوج من جديد الزوج الثانى (وهو الذى انفصلت عنه) ولكن بعقد جديد ومهر جديد. وهذا ما تراه معظم المذاهب. ٨ - وقد أولت مجموعة القوانين الحديثة -من قانون الأسرة العثمانى عام ١٩٣٧ م إلى القانون العراقى للأحوال الشخصية عام ١٩٥٩ م- اهتماما كبيرا بأحكام العدة دون أن تحيد عن المبادئ الإسلامية باستثناء القانون التونسى للأحوال الشخصية الذى حدد فترة ثلاثة أشهر للعدة -والتعديلات الطفيفة التى أدخلت على "القانون" القديم (الكلاسيكى) (وخصوصا فى الدول التى تأخذ بالمذهب الحنفى) تتعلق بحساب فترة العدة بفترات الحيض فهى تحدد فترة أقصى وفترة أدنى يجب أن تحدث خلالها فترات الحيض الثلاث، وينص القانون العثمانى لعام ١٩١٧ م وكذلك القانون الأردنى لعام ١٩٥١ م ألا تتجاوز العدة تسعة أشهر- وقد رأت مصر والسودان وسوريا أخيرا ألا تحدد حدا أقصى للعدة للمطلقة التى تكون فى سن الحيض، على حين نصت على ألا تطالب بالنفقة لأكثر من اثنى عشر شهرا (القانون المصرى ٢٥ لعام ١٩٢٩ م والقانون السودانى لعام ١٩٢٧ م) ولا تتجاوز تسعة أشهر فى القانون السورى (مادة ٨٤) بعد انتهاء. الزواج -وقد وضعت هذه الاجراءات لعدم التحايل من جانب المطلقات فيزعمن أنهن لا يحضن لسنوات طويلة حتى يحصلن على النفقة- وقد تحدد الحد الأدنى للعدة فى بعض الدول -بحساب فترات الحيض- بثلاثة أشهر. المصادر: (١) يوجد ملخص مفيد للموضوع (الذى تعالجه أمهات كتب الفقه فى باب مستقل بذاته) فى مختصر القدورى الذى ترجم إلى الفرنسية:

стр. 7107

Bercher et Bousquet: Le Status personnel en droit musulman hanafie, ١٥٦ ff (٢) J. Schacht: The Origins of Muhammadan Juris prudence, ١٨١, ١٩٧ - ٨. ٢٢٥ - ٦ بهجت عبد الفتاح [ى. لينانت دى بلفوند Y.Linant De Bellefowds] عدن ١ - مدينة ٢ - مستعمرة تحت التاج البريطانى ٣ - محمية بريطانية جنوب غرب الجزيرة العربية ١ - هى مدينة وميناء بحرى على الساحل الجنوبى للجزيرة العربية، خضعت لبريطانيا منذ عام ١٨٣٩ م - ويبلغ عدد سكانها من ذوى الأجناس المختلفة نحو خمسة وثلاثين ألفا ولأنها ذات حصون قوية، فإنه يطلق عليها الكثير من أسماء الموانى والثغور الشهيرة (ويمكن الرجوع إلى "المقدسى" لمعرفة الأسماء الكثيرة التى أطلقت عليها). وشبه جزيرة عدن بركان هامد، يسمى الآن شمشان أو شَمْشَم باللغة الدارجة، وكان اسمه فى الزمن القديم جبل عدن الذى يرتفع عن البحر بخمسمائة وخمسين ميلا (١٧٧٥ قدما) وفى الجانب الشرقى شعب فى سلسلة الجبال التى تواجه جزيرة صيرا sira، وهنا يقع الجزء الرئيسى من المدينة وتصل المساكن إلى البحر، وقد كانت عدن جزيرة فى يوم من الأيام. ولا يزال البرزخ الضيق المنخفض يغطيه المد والجزر المرتفع فى الربيع، وقد أزيل هذا العائق بأن أقام الفرس جسر المكسر Maksir (انظر خور مكسر غربى البرزخ). . وبجانب البركان الرئيسى هناك عدة مرتفعات صغيرة مثل جبل صيرا وحقات ومرشق (وبه منارة كبيرة) وجبل حديد Hadid (غربى البرزخ) وقد كان الميناء القديم على الجانب الشرقى ومتصلا بالمدينة؛ وقد أقيم حاجز لحمايته من الرياح الجنوبية الشرقية. وقد كانت عادة بناء السدود (الخزانات) والصهاريج من سمات حضارة سبأ القديمة وقد تركت آثارها فى أراضى عدن فهناك بقايا خمسين من المستودعات تنتشر على أرض شبه

стр. 7108

الجزيرة، ويقال إن الفرس هم الذين أقاموها، وشهد على أنها فى حالة مقبولة وطيبة نوعا ما كل من صولت salt فى ١٨٠٩ م وهاينز Haines، اللذين غزوا عدن فيما بعد فى عام ١٨٣٥ م ولكن اعتراها الاهمال منذ عام ١٨٣٩ م وما بعد ذلك -وتم نقل الكثير من أحجارها حتى عام ١٨٥٦ م، عندما بدأت استعادة تلك المستودعات التى فى داخل "فوهة البركان" وهناك ثلاثة عشر صهريجا تحجز ما يقرب من مليونى لتر من الماء ولكن مياه الأمطار القليلة غير المنتظمة نادرا ما تملأ هذه الصهاريج تماما. وهناك آبار كثيرة فى نطاق فوهة البركان فى الجزء الغربى من شبه الجزيرة، ولكن لا تسد الحاجة للمياه النقية للشرب، إذ تكون فى معظمها مائلة للملوحة. وقد كانت "الحيلة" Alhayle (وتسمى الآن الحصوة) هى منهل عدن (مصدر المياه) وفى عام ١٨٦٧ حصلت الحكومة البريطانية على تصريح من سلطان لحج بشق قناة لجر المياه من قرية الشيخ عثمان وبعد ذلك (بفترة) أقيمت المكثفات وتعزو الأساطير تأسيس عدن إلى "شداد بن لماد" الذى يقال إنه أمر بحفر النفق الشهير فى سلسلة الجبال، واستخدم المكان كسجن- وقد سمعنا الشئ نفسه عن قوم "تُبَّع"، وفراعنة مصر، حيث جاء اسم "الحبس" أو "حبس فرعون" وتقول الروايات القديمة إن قابيل بعد أن قتل أخاه هابيل هرب مع أخته من الهند إلى عدن حيث زاره إبليس على جبل صيرا وعلمه كيف يستخدم الآلات الموسيقية. ويظهر قبره اليوم فوق بوابة الممر الرئيسى- كما أن البئر المعطلة أو المهجورة (Abondoned well)، وإرم ذات العماد موجودتان فى عدن أو بالقرب منها، أما ما تقوله الروايات عن نيران تخرج من اليمن أو عدن (صيرا)، تنبئ بيوم القيامة، والتى تنسب إلى حديث للرسول [ ﷺ ]، فقد تكون نوعا من الذكريات عن النشاط البركانى، أما عن السكان فيقول الحمدانى إن عرب عدن كانوا ينقسمون إلى ثلاث طوائف: مرب وحماحم وملّاح ثم إن الأعداد الكبيرة من الهندوس والصوماليين تشير إلى الهجرة المستمرة عن طريق البحر وهناك ما يشير إلى هجرات مبكرة من

стр. 7109

مدغشقر، عبر مقدشيو وكلوه وهجرات للفرس من سيراف وقيس (أوكيس). وقد تم إجلاء عدد كبير من اليهود من عدن فى السنوات الأخيرة إلى اسرائيل. وكان فى عهد الإمبراطور الرومانى قسطنطين وقد قام الاسقف ثيوفيلوس ببناء كنيسة هناك. وبعد فترة من الوقت فقدت عدن أهميتها أمام موانئ البحر الأحمر ومنذ عام ٥٧٥ م فصاعدا فضل الفرس تمدين اليمن وتحضرها ببناء الصهاريج والحمامات وإقامة المدابغ. وبعد أن استسلم باذان آخر الحكام الساسانين للنبى [ ﷺ ] قام (على بن أبى طالب) فى ١٠ هـ/ ٦٣١ م بزيارة عدن وخطب من على منبرها وقد استطاع حسين بن سلمة -وزير بنى زياد أن يسترد مسجدا كان قد أقامه عمر بن عبد العزيز، وفى عام ٤٥٤ هـ/ ١٠٦٢ م قام على بن محمد الصليحى الحاكم الفاطمى فى مصر بغزو عدن وتقديمها هدية إلى حرتْ سيده عند زواجها من ابن المكرّم فى عام ٤٦١ هـ/ ١٠٦٩ م)، ولكن "بنو معن" الذين كانوا يحكمون عدن منذ ٤١٠/ ١٠١٩ م بعد بنى زياد، ظلوا يشرفون عليها حتى عام ٤٧٦ هـ/ ١٠٨٣ م، عندما ثاروا وحل محلهم شقيقان من الأسرة الحمدانية، وبعد فترة اتحدت المدينة تحت أيدى محمد بن سبأ (٥٣٤ هـ - ٤٨ هـ/ ١١٣٠ - ٥٣ م) وابنه عمران (٥٦٠ هـ/ ١١٦٥ م) وكان خراج عدن فى ذلك الوقت يصل إلى مائة ألف دينار فى العام. وفى عام ٥٦٩ هـ/ ١١٧٣ م، غزا توران شاه شقيق صلاح الدين الأيوبى عدن بمجموعة من المرتزقة الأتراك (الغز) وقد كانت فترات حكم الأيوبيين (٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م)، والرسوليين (٨٥٨ هـ/ ١٤٥٤ م) والطاهريين Tahirid (٩٢٣ هـ/ ١٥١٧ م) فترات ذهبية لتجارة عدن. ولكن اكتشاف الطريق البحرى للهند وظهور القوة العثمانية كانا بداية لانهيار تجارة عدن وقد هاجمها الادميرال البرتغالى البوكيرك Albwquerque فى عيد الفصح عام ١٥١٣ م بعشرين سفينة، ولكنه لم ينجح فى الاستيلاء عليها. . وفى عام ١٥٣٨ م استطاع أسطول بحرى تركى -وهو فى طريقه إلى الهند- أن يخدع

стр. 7110

المدافعين، وحكم الأتراك اليمن لما يقرب من مائة عام. وأصبحت عدن تحت حكم أئمة صنعاء من الزيديين (الزيود) فى عام ١٥٦٨ م وفى عام ١٦٣٠ م تركها الأتراك نهائيا. وفى عام ١٧٣٥ م أصبحت عدن فى أيدى العبدلى Abdali سلطان لحج الذى اضطر واحد من سلالته واسمه محسن أن يتخلى عنها لحملة إنجليزية بقيادة الكابتن هانيز Haines، الذى أرسلته حكومته للحصول على تعويض عن سرقة ونهب إحدى السفن البريطانية. . وبسبب هذا المسلك الخائن من جانب السلطان تم احتلال المكان بهجوم عاصف فى ١٨٣٩ م وقد بقى من هذ المدينة التى كانت فى رخاء وسعة والتى زارها ماركو بولو فى عام ١٢٧٦ م - وكانت تضم ٣٦٠ مسجدا ويقطنها ثمانون ألفا، غير قرية فقيرة بائسة تضم ستمائة نسمة يعيشون فى أكواخ. ومنذ ذلك الحين تقدمت عمليات النمو بسرعة فى عدن وخصوصا بعد فتح قناة السويس فى عام ١٨٩٦ م، وأصبح جبل طارق العربى الآن مركزا ذا أهمية كبيرة ومتزايدة. أما فى شأن المبانى فثمة أسوار لحماية التجارة كما تزايد عدد المنازل المبنية من الحجر. وبعد رحيل توران شاه قام نائبه فى عدن عثمان الزنجبلى (أو الزنجبيلى) ببناء سور أكبر بست بوابات وإدارة للجمرك. وهناك أبنية مدنية أخرى للحاكم طغتكين بن أيوب، وابنه إسماعيل والرسولى "على بن مجاهد" والطاهرى "عبد الوهاب". . ومن المساجد المشهورة فى عدن مسجد "أبو بكر العيدروس" حامى المدينة، وتتم زيارته فى الخامس عشر من ربيع الآخر. ٢ - مستعمرة (تحت التاج البريطانى منذ ١٩٣٧ م) (*) فى جنوب غرب الجزيرة العربية تضم مدينة عدن

стр. 7111

وشبه الجزيرة والبرزخ ومدينة الشيخ عثمان بما يحيطها وشبه جزيرة عدن الصغيرة Little Aden وجزيرة "بريم" Perim وتصل المساحة إلى ثمانين ميلا مربعا -السكان ٤٥ ألف- محمية بريطانية منقسمة إلى نصف غربى ونصف شرقى، ومركزاهما عدن -والمكلَّا Mukalla وتضم محمية عدن الغربية (٤٠ ألف ميل مربع) تسعة أقاليم (أو ولايات) وتضم محمية عدن الشرقية (من ٧٠ إلى ٨ ألف ميل مربع) دويلات حضرموت و"بير على"، ومشيخات Hawra,grka وسلطنة المهرة Mahri فى كشن Kishn وسوقطرة - السكان ستمائة ألف نسمة. المصادر: ورد الكثير عن عدن فى المصادر العربية، ياقوت الحموى، المقدسى، الادريس، ابن بطوطة، وأيضًا أبو محزمة فى تاريخ ثغر عدن، أحمد فضل بن محسن العبدلى: عاديات الزمن فى أخبار ملوك لحج وعدن، ومن المراجع الأجنبية: (١) D. Ingrams: A Survey of social and economic conditions in the Aden pro teclorale, Asmara ١٩٤٩ (٢) ياقوت الحموى، معجم البلدان، ليبتسك ١٨٦٦ - ١٨٧٣ الجزء الثالث ص ٦٢١. بهجت عبد الفتاح [و. لوفجرن O.Lofgrn] عراف (والمصدر العرافة) وهو واحد من الذين يقرأون الغيب والمرادف الأوربى لها هو المرأة الحكيمة مع تغيير الجنس. وهناك عدة مرادفات فهى تأتى بمعنى الطبيب "قلت لعراف اليمامة -عالجنى- وإذا شفيتنى فأنت طبيب حقا" و"سوف أعطى عراف اليمامة ما يستحقه هو وعراف نجد إذا شفيانى" وكان الاثنان على التوالى هما رباح بن عجلة Rahah b. Adjale و"الأبلق الأسدى" والكاهن من

стр. 7112

يستنتج الإجابة من كلمات السائل وسلوكه أو ظروفه، أو يجد أشياء تكون قد سرقت أو ضاعت. ويقال إن العراف أدنى فى الدرجة إلى حد ما من الكاهن -والآراء تختلف حول المعانى الدقيقة لهذه الكلمات وهناك قول مأثور مفاده أن العراف يأخذ ما يفلت من السارق و Hazi هو من يحزر من شكل الأطراف أو الشامة فى الوجه- ويقال إن الذى يستشير العراف أو الكاهن غير مؤمن ومع ذلك فإن نشاطهم معروف فى التاريخ الإسلامى ولم يكن عمرو ابن العاص عرافا محترفا، ولكنه اشتهر بحكمته العملية فمن معرفته بأسماء اثنين من المسافرين هما حصيرة Hasira وقتال Kattal استنتج أن عثمان قد ضرب حوله حصار ثم قتل (الطبرى). ويقول إخوان الصفا: الكاهن لا يستخدم ادوات أو كتبًا أو حسابات ولكنه يعتمد على ذكائه الفطرى ثم يفسر ما يراه أو يسمعه وتستخدم (زجر) لوصف هذا النوع من الكهانة بالرغم من أنها كانت تعنى فى بادئ الأمر التكهن بالطيور والحيوانات والتفاؤل والتشاؤم منها. أما ابن خلدون فيضع نظرية فى النبوءة والتنبؤ فيقول إنها خاصية تتميز بها روح الإنسان. فقد تشكلت الروح بطريقة تمكنها من أن تتجرد من إهابها الدنيوى أو غلافها الجسدى وترتفع أبى حالة روحية أسمى فالذين يندرجون فى مصاف الأنبياء يعلقونها -بتكوينهم الطبيعى- كومضة من الحدس، وتهبط عليهم بلا جهد أو عناء، دون أية مساعدة من وسائل الادراك الحسى، ودون إجهاد الفكر كما أنهم لا يحتاجون إلى القيام بأية حركات متعجلة أو كلمات ملفوظة ولا يحتاجون إلى استخدام أية وسائل غير طبيعية. وبتجريد أنفسهم من الجسد، يصبحون فى حالة ملائكية التى هى أمر طبيعى بالنسبة لهم -فى أقل من "طرفة عين". المصادر: (١) المسعودى: مروج الذهب، باريس ١٨٦١ - ١٨٧٧، الجزء الثالث، ص ٣٥٢. (٢) إخوان الصفا: القاهرة، الجزء الرابع ص ٣٨٢. بهجت عبد الفتاح [أ. س. تريتون A.S.Tritton]

стр. 7113

العراق (*) أ- منذ الفتح العربى حتى ١٢٥٨ م: اجتذب إقليم العراق الخصيب منذ القدم اهتمام بعض الجماعات العربية فاستقر اللخميون المسيحيون فيما حول الحيرة منذ القرن الثالث للميلاد، وعهد إليهم الساسانيون بالدفاع عن إقليم ما بين النهرين ضد أى هجوم قد يقوم به البيزنطيون أو حلفاؤهم، فلما كان القرن السادس للميلاد نزحت

стр. 7114

بعض القبائل من وسط شبه الجزيرة العربية، وهى قبائل بنى تغلب وبكر بن وائل سعيا وراء المراعى فى سهول الفرات، ثم تلاهم بنو تميم الذين انتقلوا إلى النواحى الواقعة تحت سيطرة اللخميين فى شمال بلاد العرب، واعتنق بعضهم حينذاك النصرانية. ثم بدأ الفتح العربى للعراق زمن الراشدين حين قام المثنى ابن حارثة وانضم إلى خالد بن الوليد فى غزو بلاد العراق الخصيبة، فلما كان صيف أو خريف سنة ١٢ هـ (٦٣٣ م) وقف خالد بجنده القليلين أمام الحيرة التى سرعان ما دانت له، وسار الفتح فى خطوات بطيئة حين سار خالد فى سنة ١٣ هـ إلى الجبهة الشامية تاركا المسلمين بقيادة المثنى، وجرت مصادمات حربية بين المسلمين والفرس انتهت بانتصار المثنى فى معركة "الجسر" أولا ثم فى معركة "بويه" فى العام التالى، غير أنه ما لبث أن مات فتولى القيادة بعده الصحابى سعد بن أبى وقاص الذى جابه هجمة شرسة من جانب القائد الساسانى "رستم"، وجرت بين الجانبين معركة ضارية استمرت ثلاثة أيام عرفت بالقادسية على مسافة ثلاثين كيلو مترا جنوب شرقى الحيرة، وانتصر المسلمون فى النهاية فانفتحت أبواب العراق أمامهم ودخلوا العاصمة "المدائن" واحملوا بقية الإقليم الذى رحب أهله بهم ترحيبا كبيرا ربما كان سببه أنهم يرجعون إلى أصل آرامى ويتكلمون لغة سامية الأصل كالعربية،

стр. 7115

وتلى ذلك سنة ١٧ هـ (٦٣٨ م) تأسيس البصرة كمعسكر حصين على شط العرب، وأخذت فى النمو والقوة والاتساع. كما تأسست الكوفة الواقعة جنوبى بغداد سنة ١٧ أو ١٨ هـ (٦٣٩ م) التى قدر لها أن تصبح العاصمة الجديدة للعراق لتحلّ محل "المدائن" التى هجرها سكانها شيئا فشيئا. على أن فتح العراق النهائى تم بانتصار المسلمين فى وقعة "نهاوند" (٢١ هـ = ٦٤٢ م) فانفتحت الحدود الإيرانية أمام القوات الإسلامية، وتحولت كل من الكوفة والبصرة إلى مدينة قائمة بذاتها وكان لكل منهما حاكم مستقل عن الآخر. ولقد حارب علىّ قرب البصرة وهزم خصومه فى وقعة الجمل عام ٣٦ هـ (= ٦٥٦ م) وجعل الكوفة مركزا له، وذلك أثناء محاربته معاوية والخوارج الذين انتصر عليهم فى وقعة النهروان سنة ٣٨ هـ (= ٦٥٨ م) ثم اغتيل هناك أيضا على يد ابن مُلْجم سنة ٤٠ هـ (= ٦٦١ م). وأدى انتصار معاوية والى الشام وقيام الدولة الأموية إلى رجحان كفة الشام على العراق على الرغم من أن العراق كان حينذاك أغنى وأكثر سكانًا، وكان أهله -أكثر تمرسا من أهل الشام بالإدارة والحكومة. فقد أُلقيت مقاليد الحكم فى العراق زمن معاوية إلى زياد بن أبيه الذى ولى أولا البصرة سنة ٤٥ هـ (٦٦٥ م) ثم حكم الإقليم كله منذ سنة ٥٠ هـ (٦٧٠ م) حتى موته سنة ٥٣ هـ (٦٧٣ م) فخلفه ولده عبد اللَّه بن زياد سنة ٥٥ هـ (٦٧٥ م) الذى هو مسئول عن قتل الحسين فى كربلاء سنة ٦١ هـ (= ٦٨٠ م) فى زمن يزيد الخليفة، وجرت فى السنوات التالية ثورة عبد اللَّه ابن الزبير الذى أنكر على يزيد الخلافة ووقف إلى جانب أغلب سكان الكوفة والبصرة (لا سيما بنو تميم)، وعهد بحكومة العراق إلى مصعب بن الزبير

стр. 7116

الذى كانت مهمته الأولى القضاء على ثورة المختار التى بدأت عام ٦٦ هـ (= ٦٨٦ م) وتم إخمادها بعد بضعة أشهر عام ٦٧ هـ، وما لبث هو ذاته أن مات بعد قليل فى معركة بين قواته وقوات عبد الملك بن مروان وتمكن الأمويون عام ٧٢ هـ (٦٩١ م) من إعادة بسط سلطانهم على العراق. ونظرا لاستمرار الخوارج فى عدائهم للدولة فقد اضطر الخليفة سنة ٧٥ هـ (٦٩٤ م) لأن يولى الحجاج حكومة الكوفة، فقام بتأسيس مدينة "واسط" الجديدة بعد تنظيمه القوات العراقية، التى كانت بقيادة المهلب بن أبى صفرة وإخماده ثورة ابن الأشعث الذى كان قد احتل البصرة والكوفة. وتم فى الوقت ذاته تطبيق الإصلاحات الإدارية والمالية التى أمر بها عبد الملك والتى أسفرت عن سك عملة جديدة فى واسط، كما برزت فى الوقت ذاته مشكلة خطيرة هى هجرة الفلاحين الذين اعتنقوا الإسلام ورفضوا بالتالى استمرارهم فى دفع الضرائب التى كانوا يدفعونها قبل إسلامهم. وظهرت العصبيات القبلية فى العراق، ففى الشام مال الحجاج إلى القيسيين، على حين اضطهدهم يزيد بن المهلب اضطهادًا شديدا حمل الخليفة عمر بن العزيز على الزج به فى السجن، إلا أنه استطاع الفرار من حبسه وأشعل ثورة أنذرت بشر كبير، لكن تم القضاء عليها سنة ١٠٢ هـ (٧٢١ م) على يد الأمير الأموى مسلمة الذى يرجع إليه الفضل -عن غير قصد- فى استصلاح الأخوار المتناثرة فى منطقة شط العرب، فلما كان زمن الخليفة هشام بن عبد الملك عاد الاستقرار يرفرف بجناحيه على العراق فى ولاية خالد بن عبد اللَّه القسرى الذى قُتل بعدئذ زمن الوليد الثانى. واتصفت أخريات العصر الأموى بازدياد الاضطراب بسبب ما أثاره العباسيون والخوارج الذين وقعت

стр. 7117

الكوفة فى قبضتهم فترة من الوقت، وعجز الوالى ابن هبيرة عن صد الهجوم الذى شنته الكتائب العباسية التى حاصرته فى الكوفة حصارًا انتهى بهزيمة القوات الأموية ونزول ابن هبيرة بعهد أمان لم يوضع موضع التنفيذ. ولما قامت الدولة العباسية اتخذت عاصمتها فى العراق فكانت الكوفة أولا ومن بعدها مدينة بغداد، وترتب على ذلك تزايد الاهتمام بهذه الولاية وبسكانها، وأدى ظهور المدن إلى إحداث تغيرات فنزح سكان الكوفة بالتدريج إلى بغداد التى أخذت فى الاتساع والعمران، ثم جاء وقت انتقل فيه بلاط الخليفة إلى سامراء وذلك فى الفترة الواقعة بين عامى ٢٤١ هـ، ٢٧٨ هـ (٦٣٨ - ٨٧٢ م) وظهر تطور اقتصادى ملحوظ فى العراق خلال العصر المبكر منذ الخلافة العباسية فأصبح مركز تجارة الشرق بأجمعه، كما صار فى الوقت ذاته مركزا ثقافيا وفنيا وملتقى الشعراء والأدباء ورجال الدين والعلماء. ومع ذلك فقد قاسى العراق اضطرابات خطيرة كثورات العلويين فى إقليم البصرة سنة ١٤٥ هـ (٧٦٢ م) ثم الكوفة (١٩٩ هـ - ٢٠٠ هـ = ٨١٥ - ٨١٦ م)، كما قاسى شرور الفتنة بين الأمين والمأمون، وحوصرت بغداد سنة ١٩٦ - ١٩٨ هـ (= ٨١٢ - ٨١٣ م) وقام الجند الأتراك بتمرد فى سامراء مما أدى إلى محاصرة بغداد مرة أخرى عام (٢٥١ هـ = ٨٦٥ م)، وشبت ثورة الزنج فى العراق الأدنى (٢٥٥ - ٢٧٠ هـ = ٨٦٩ - ٨٨٣ م)، وتعددت غارات القرامطة. ويلاحظ أن كل هذه الأحداث التى ترجع إلى أسباب سياسية ودينية وإلى عدم الاستقرار الاجتماعى أفضت إلى إزعاج الحكومة فى العراق الذى يعد واحدا من أغنى أقاليم الخلافة. وكانت الضرائب المفروضة على أراضى السواد (أى العراق) تعتبر جزءا هاما من موارد بيت المال وهو ما يفسر لنا لماذا كان الوزراء فى مستهل القرن الرابع

стр. 7118

الهجرى (العاشر الميلادى) يُختارون على الدوام من أصحاب الخبرة المالية وممن سبق لهم -قبل توليهم الوزارة- معالجة المشكلات الحساسة التى يثيرها جباة الضرائب فى هذا الإقليم. وقد حدث منذ خلافة المهدى أن أصبح جمع هذه الضرائب قائما على مبدأ دفع جزء مناسب من المال مقدما عينا. وكان تعيين الخليفة الراضى لابن رائق أميرا للأمراء بداية عصر جديد امتد من سنة ٣٣٦ هـ حتى سنة ٤٤٧ هـ (أى من ٩٤٥ - ١٠٥٥ م)، تعرَّض العراق فى أثنائه لحملات حربية أدت إلى حدوث نكسة فى رخائه الزراعى حتى أصبح لا يعدو أن يكون إقليما داخل التركيبة السياسية المعقدة زمن الأمراء البويهيين الذين كانت اعتقاداتهم الشيعية (وعلى الأخص الإمامية) مؤدية بهم إلى الاحتفال بأعياد الشيعة وإقامة الأضرحة على قبور الأئمة الموجودة بالعراق، غير أن هذه السياسة قوبلت بالامتعاض من جانب سكان العراق من أهل السنة بل ومن الخليفة ذاته. وزيادة على ذلك فإن الإعفاءات الضريبية التى منحت للأمراء على ما يسمى بالأراضى الخراجية لم تؤد إلى تحسين وضع العمال الزراعيين الذين كانت ثروة البلاد تعتمد عليهم بعض الشئ. وبعد أن اضطربت أحوال العراق لقيام ثورة البسليرى المؤيدة للفاطميين جاء السلاجقة فأقاموا دولة جديدة ظلت فى الوجود حتى الغزو المغولى، وبذل السلاجقة غاية جهدهم لإعادة المذهب السُنى، لكن لم يخْل الأمر من وجود مضايقات، منها: المنازعات بين الخلفاء والسلاطين الذين اتخذوا من أصفهان عاصمة لهم. كذلك قامت الانشقاقات بين الشافعية المؤيدين للأشعرية وبين الحنابلة الذين شجعهم السلاطين السلاجقة بتعيينهم مدرسين فى المدرسة الجديدة المعروفة بالنظامية (التى أنشئت عام ٩٤٥ هـ = ١٠٦٧ م)، واستمر السلاجقة يحكمون العراق

стр. 7119

طوال القرن السادس الهجرى (الثالث عشر الميلادى)، ثم ما لبثت دولتهم أن تفككت فاستطاع واحد من نسل محمود ابن محمد بن أخى سنجر أن يؤسس إمارة مستقلة فى العراق، وبقى هذا الفرع هنا حتى مجئ الخوارزميين سنة ٥٩٠ هـ، غير أن الخلفاء العباسيين قاوموا نفوذ أمراء العراق السلاجقة وحاولوا التخلص من نفوذهم مما ترتب عليه قيام صراع على السلطة كان أخطره ما حدث زمن سلطان مسعود حتى لقد أعدموا الخليفة المسترشد عام ٥٢٩ هـ والخليفة الراشد سنة ٥٣٠ هـ، وقام السلطان السلجوقى فولّى المكتفى، ومع ذلك فقد ظلت قوة السلاطين فى التدهور مما حمل الخليفة الناصر (٥٧٥ - ٦٢٢ هـ) إلى استحداث ما عرف بنظام الفتوة الذى كان فى نظره أحسن وسيلة لإعادة ما كانت تتمتع به الدولة العباسية فى القديم من وحدة سياسية ومعنوية، لكن لم يقدر لهذه الخطوة النجاح المرجو فلم يَعُد الخلفاء العباسيون يسيطرون على العراق حين غزاه المغول سنة ٦٥٦ هـ. العراق من ١٢٥٨ م حتى ١٥٣٤ م لا يمتاز العصر الممتد من الغزو المغولى حتى الفتح العثمانى إلا بتغير سريع فى تعاقب الأسرات الحاكمة بدءا من زوال الخلافة مما أسفر عن تدهور سياسى استمر إلى ما بعد القرن السادس عشر. وشهدت هذه الحقبة تفاقم الانحطاط الاقتصادى الذى بلغ ذروته فى القرن الخامس عشر وإن لم يكن من اليسير فهم هذا التدهور. ولم تتوفر دراسة جادة لفترة ثلاثة قرون تشمل عصر المغول (الخانات والجلائريين والتيموريين) ثم عصر الحكام التركمان (وهم القراقوليون والصفويون) ولا توجد مؤلفات مفصلة عن الجغرافية التاريخية والنظام الإدارى والبنيات الاجتماعية والاقتصادية، لقد جمع عباس العزاوى نتفا من أهم المصادر فى كتابه "تاريخ العراق بين احتلالين" (من الجزء الأول

стр. 7120

إلى الرابع) ولعل أهم المصادر عن عصر الايلخانيين هى أعمال ابن الفوطى، وعن عصر قره آق قنليو هى تاريخ الغياثى (لم يطبع بعد)، وما كتبه أبو بكر طهرانى المسمى (تاريخى ديار بكرية)، تحقيق فاروق سومرا، مجلدان، أنقرة، ١٩٥٢ م - ١٩٦٤ م. ولقد نعمت بغداد أيام الايلخانات بشئ من الازدهار الفكرى والدينى رغم أنها أصبحت عاصمة إقليمية لأرض الرافدين وقاعدة حكومة تحكم القسم الجنوبى، أما القسم الشمالى فكانت أموره تدار من الموصل. ولقد ظل تقسيم العراق إلى قسمين كبيرين متنافسين قائما حتى الغزو العثمانى، وكان على رأس العراق (أيام الإيلخانيين) حاكم مغولى يعاونه نائب مغولى قد يكون مسلما أو مسيحيا أو يهوديا، ولكنه يكون فى العادة من جماعة الوزراء المتنافسين فى البلاط، وظلت بغداد عشرين سنة وهى تحت حكم طائفة من الإداريين الخراسانيين يسيطر عليهم "الجوينيون". ولقد ظلت الولايات العراقية فى بادئ الأمر بعد موت الإيلخان "بوسعيد" (٧٣٥ هـ) تدور فى فلك المغول، ولم يحدث أن قام حسن جلاير بتأسيس الدولة الجلائرية، ورغم وجود عاصمتين للدولة الجلائرية إحداهما فى بغداد والأخرى فى تبريز إلا أن دولتهم كانت فارسية أكثر منها عربية، ثم دخل تيمورلنك بغداد لأول مرة سنة ٧٥٩ هـ (= ١٣٩٣ م) ولم يطل احتلاله لها غير سنوات قلائل (٧٩٦ - ٨٠٤ هـ) وكان تخريبه بغداد ضربة لم تصح منها لوقت طويل. وقد أكملت قبائل البدو فى الجنوب، والتركمان والكرد فى الشمال: تخريب الاقتصاد، فتحولت القوافل التجارية لتسير عبر الخليج الفارسى والبحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط. وتجلى التفكك السياسى بأوضح صوره فى الصراع المسلح الذى نشب بين حكام بغداد والموصل.

стр. 7121

إن الحركة الوطنية الوحيدة القادرة على مصاولة سلطة التركمان ومناضلة ثورة المشعشع ظلت محدودة، وعلى الرغم من معارضيها إلا أنها لم تنجح فى الاستيلاء على بغداد، وإن كانت الحلة قد سقطت فى قبضتهم ولكن لمدة قصيرة (١٤٦٦ - ١٤٦٨ م)، فلما تولى "آق قينلو" بعد قره قونيليو كانت أحوال العراق أقل اضطرابا. وظل حكم هذه الأسرة بضع سنوات بعد أن طردهم من إيران قزلباش الصفوى. واتسم حكم الصفويين للعراق (١٥٠٨ - ١٥٣٤ م) بالركود الاقتصادى وبضعف الحكومة المركزية وظلت أقاليم وسط ما بين النهرين السفلى تدور فى فلك أمراء الموصل الذين كانوا أصحاب السلطة منذ زمن قونيليو، كما استطاعوا بفضل حكمهم بغداد أن تكون لهم السلطة فى الواقع على العراق، غير أن واحدا منهم اسمه "ذو الفقار" حاول الانفصال وذلك فى مستهل حكم شاه طهماسب الأول. العراق فى العصر العثمانى ظلت أراضى العراق منذ القرن العاشر الهجرى حتى مطلع القرن التاسع عشر مركز القوة العثمانية ضد فارس والأكراد وضد رجال القبائل العربية، وكانت الأقاليم العراقية نهبا للغزو. وشاهد القرن التاسع عشر فى العراق ظاهرة استعادة التنظيم الإدارى، وضم العثمانيون الموصل وديار بكر ومناطق الأكراد التى فى شمال دجلة سنة ٩٢١ هـ = ١٥١٥ م فى أعقاب حملة شالدران، واستولى العثمانيون على بغداد (فى نزاعهم مع طهماسب سنة ١٥٣٤ م)، وأصبح العراق يتألف من ثلاث ولايات أو "إيالات" رئيسية هى الموصل وبغداد والبصرة بالاضافة إلى إيالة شهرزور الكردية فى الشرق والحسا وإيالة ديار بكر. وأدى ضعف الرقابة المركزية طوال القرنين الحادى عشر والثانى عشر الهجريين إلى قيام حكومات استبدادية محلية، فقام "افراسياب" (سنة

стр. 7122

١٠٢١ هـ = ١٦١٢ م) واشترى إيالة البصرة وتوارثتها أسرته، واستقلت أسرة أخرى بالحسا، وقام أحدهم بالتفاوض مع شاه عباس مما أدى إلى قيام الحكم الفارسى (١٠٣٣ هـ = ١٦٢٣ م)، ولكن فشل الصفويون فى الاستيلاء على الموصل وشهرزور، وتمكن السلطان مراد الرابع سنة ١٠٤٨ هـ من طرد الفرس نهائيا من بغداد، ثم كانت التسوية العثمانية الصفوية المعروفة باتفاقية "زهاب". لكن الاسترداد العثمانى لم يؤد إلى الاستقرار النهائى، فقد ظهر حلف المنتفج بين عرب الحدود وعرب صحراء الجنوب، فهدد هذا الحلف السيطرة العثمانية التى استعيدت على يد والى بغداد حسن باشا الذى حكم من ١١١٦ حتى ٣٦ هـ وولده أحمد باشا الذى ظل فى الحكم حتى مات سنة (١١٦٠ = ١٧٤٧ م)، واعتمد حكم الوالد والولد على ركائز حربية وإدارية جديدة، وإذ كان الإثنان من أصل جورجيانى فقد أسسا فى بغداد بطانة جرجاينة مملوكية استطاعا من خلالها رقابة إيالتهما وإدارتها، وأصبحت البصرة تابعة لبغداد ثم ظهر فى السنوات التالية لسنة ١١٣٥ هـ (١٧٢٢ م) خطر أشد ضراوة حين تجددت المنازعات بين العثمانيين والأفغان، ثم بينهم وبين نادرشاه، كما ظهر فى هذا الوقت بالذات جماعة من أسرة الجليلى جعلوا حكم الموصل شبه وراثى فى رجال منهم، وقام نادر شاه سنة ١١٤٦ هـ (= ١٧٣٣ م) فحاصر بغداد ثم الموصل (سنة ١١٥٦ هـ = ١٧٤٣ م) لكن لم يتمخض هذا الصراع الطويل عن نتيجة حاسمة، ولم يكن إقرار الوضع سنة ١١٥٩ هـ (= ١٧٤٦ م) إلا تأكيدا لاتفاقية "زهاب". ولما مات أحمد باشا عقب وفاة نادرشاه سنة ١١٦٠ هـ/ ١٧٤٧ م قام رجال الحاشية بجمع السلطة فى أيديهم وكوّنوا طبقة إدارية ممتازة. وقوة حربية دائمة. ولقد شهدت فترة

стр. 7123

"الباشاليك" المملوكية (١١٦٠ هـ - ١٢٤٧ هـ = ١٧٤٧ - ١٨٣١ م) الصدام بين الوالى الفارسى "كريم خانى زند" وبينهم وضياع البصرة فترة من الوقت (١١٩٠ - ١١٩٣ هـ) م لكن سرعان ما زال هذا الخطر بموت "كريم خان"، كما أن حكم بويوك سليمان باشا الطويل ببغداد والبصرة وشهرزور يعد ذروة قوة الباشاليك المملوكى، غير أنه انشغل طوال سنوات حكمه الأخيرة بمحاولاته الفاشلة لكبح جماح توّغل الوهابيين فى الحسا وفى أطراف العراق بسبب مقاومة التحالف المنتفكى، كما كشف حملة الوهابيين الكبيرة سنة ١٢١٦ هـ (= ١٨٠٢ م) وتخريب كربلاء -أقول كشفت القناع عن عجز الباشاليك المملوكى، ومع ذلك فقد ظلت الأسرة باقية حتى استطاع السلطان محمود الثانى بقوة السلاح أن يخرج داود باشا ويضع نهاية للحكم الذاتى (١٨٣١ م). يعتبر الإصلاح الإدارى وتَزَايُد التدخل الأوربى الظاهرتين الرئيسيتين فى تاريخ العراق منذ سنة ١٨٣١ م حتى ١٩٠٨ م، ولم يكن من خلفوا داود باشا مباشرة أكثر نشاطا من الباشوات المماليك فى فرض سلطانهم على القبائل، وإنما تبدأ نقطة الانتقال الحقيقية بحكومة مدحت باشا (١٨٦٩ - ١٨٧٢ م) التى شهدت تطبيق قانون "ولايات" وقانون الأراضى العثمانى (١٨٥٨) اللذين صبغا الاصلاحات بصبغة غربية، فجعل أحدهما الإدارة المحلية ذات طابع أوربى، وأما الثانى فقد أقام ملكية فردية حرة فى النواحى التى تعيش فيها القبائل، كما أن السلطان عبد الحميد الثانى ضم مناطق شاسعة فى العراق تحت إدارته "السنية". ولقد ظل إقليم العراق (دون الأراضى الساحلية الواقعة على الخليج العربى) بعيدًا عن أى اهتمام أوربى حتى إذا كانت أواخر القرن الثامن عشر صارت السيادة للبريطانيين كما صارت

стр. 7124

السيادة للهولنديين من قبل بعد البرتغال، وأصبحوا القوة الأوربية المتحكمة فى الخليج، كما أصبحت البصرة منذ سنة ١٧٦٣ مركز التجارة البريطانية ومركز هيئة شركة الهند الشرقية، واحتلت بغداد المركز الثانى فى الأهمية عند البريطانيين حتى مجئ حملة بونابرت إلى مصر. وتم تعيين مقيم بريطانى دائم هناك سنة ١٧٩٨ م، وأدى الاهتمام بتحسين طرق المواصلات مع الهند إلى الاهتمام بمسح طريق الفرات سنة ١٨٣٠ م وإلى بدء النقل النهرى الحديث فى العراق. وتلى ذلك فى سنة ١٨٦٠ م الاهتمام بالاتصالات البرقية حيث تم الربط تلغرافيا بين إستانبول وبغداد، وعارضت الحكومة البريطانية المشروع الألمانى لتمويل مد خط سكة حديدية من الأناضول إلى الخليج، والذى لم يتم منه -زمن الحكم العثمانى- سوى الخط الواصل بين بغداد وسامراء. لقد كان التدخل الأوربى السياسى والاقتصادى فى العراق محدودا جدا عند اندلاع الحرب العالمية الأولى، فلما كان نوفمبر ١٩١٤ م جاءت قوة عسكرية من الهند واحتلت رأس الخليج والبصرة وانتهت أول محاولة للاستيلاء على بغداد باستسلام البريطانيين فى كوت الامارة فى إبريل ١٩١٦ م، ثم تلتها حملة أخرى نجحت فى احتلال المدينة فى مارس سنة ١٩١٧. ومع ذلك فقد ظلت الموصل تقاوم حتى بعد إعلان هدنة "مدرس" " Mudros" التى أخرجت الدولة العثمانية من الحرب، وتكونت فى الأقاليم العراقية المحتلة هيئة يديرها موظفون بريطانيون وهنود مهدت الأرض لفرْض الحماية البريطانية بالعراق وألقت بمسئولية إدارة الأمور إلى بريطانيا التى أصبحت مسئولة عن حكم البلاد. العراق منذ ١٩١٨ م: تمثل احتلال بريطانيا للعراق فى إرسال قوة بريطانية استولت على

стр. 7125

الموصل فى نوفمبر ١٩١٨ م وذلك بعد سبعة أيام من توقيع معاهدة Mudros بين تركيا والحلفاء. وأدى تضارب وجهات النظر عند الجهات الرسمية البريطانية إلى حدوث تخلخل إدارى وإلى انتشار روح الثورة الوطنية ضد البريطانيين، وكانت هذه الروح تنزع إلى قيام حكومة عربية مسلمة فى العراق، ولما عُهد إلى بريطانيا العظمى بالانتداب على العراق سنة ١٩٢٠ م اندلعت حركة عصيان قادها شيوخ قبائل وسط الفرات وزادها اشتعالا المجاهدون الشيعة من أهل النجف وكربلاء، واستلزمت تهدئة هذه الحركة جهود قوات كثيرة حتى تم إخمادها تماما فى مستهل سنة ١٩٢١ م، وكان قد سبق هذا تعيين سير بيرسى كوكس كمندوب سامٍ بريطانى، فبدأ أولا بتكوين مجلس عربى للدولة ليمارس المهمات الحكومية وبعد أن انتهى الحكم العسكرى فى أكتوبر ١٩٢٠ م، عقد فى مارس ١٩٢١ م مؤتمر القاهرة تحت رئاسة ونستون تشرشيل وزير المستعمرات وقرر المؤتمر لمعالجة الأمور فى العراق أن يكل حكم البلاد إلى فيصل أمير مكة الذى كان الفرنسيون قد أخرجوه من الشام فى يوليو ١٩٢٠ م، ثم صودق على اختياره ملكا على العراق. ووُضعت مجموعة من الاتفاقيات نظمت علاقة العراق بدولة الانتداب وهذه المجموعة من الاتفاقيات كان آخرها سنة ١٩٣٠ م وهى التى منح العراق بمقتضاها استقلالا صوريا مع عقد محالفة إنجليزية عراقية مدتها خمس وعشرون سنة، وبمقتضى هذه المحالفة دخل العراق عصبة الأمم كدولة مستقلة ذات سيادة. لم يكن العراق حين نال هذا الاستقلال قد تمكن من إتمام المزج الاجتماعى بين مجموعاته الدينية والعرقية المختلفة، وهو المزج اللازم لتكوين أمة حديثة، فقد كانت به قوى محلية متناحرة ولها مصالحها المختلفة المتضاربة، وكان التغلب على هذه

стр. 7126

التباينات ضرورة يقتضيها قيام دولة ناجحة ويتطلب قيادة رشيدة، وقدرة على التوصل إلى توازن بين البريطانيين والقوميين من جهة وبين شتى المجموعات الوطنية من جهة أخرى. وقد نجح فيصل فى الوصول إلى مثل هذا التوازن، ومن ثم كان موته الفجائى سنة ١٩٣٣ م خسارة لا تعوض، وحينذاك أخذ العراق يمر بفترة شديدة الخطورة زادها حِدّة ما عرف بالمذبحة الأشورية، كما شبت الاضطرابات القبلية واندلعت روح الثورة القوية ضد البريطانيين فهددت كلها أسس الدولة الحديثة ولم يكن الملك غازى (خليفة فيصل وولده) بالرجل المتمرس الخبير بل كانت تنقصه حنكة أبيه حتى يدعم الاستقرار السياسى، فانغمس -رغم أنفه- فى سياسات البلد الحزبية، ففى الوقت الذى كانت فيه جماعات معينة تعمل على إشعال الثورات القبلية لتنحية خصومهم كانت هناك جماعات أخرى تلتمس تأييد الجيش ومعاونته لها للاستحواذ على السلطة السياسية، فنجم عن ذلك حدوث انقلاب ١٩٣٦ م العسكرى الذى قاده "بكر صدقى" بالاتفاق مع حكمت سليمان وبمعاونة مجموعة الإصلاح السياسى المعروفة بحزب الأهالى وانتهت حركة بكر صدقى بعد عشرة أشهر بحركة انقلاب أخرى، وكان التدخل العسكرى فى السياسة سابقة خطيرة فقد شاهدت البلاد بسببه سبعة انقلابات فيما بين ١٩٣٦ و ١٩٤١ م، وفى هذه الفترة أدّى انتعاش الروح الوطنية المعادية لبريطانيا التى وجدت سندًا من دول المحور، كما أن السياسة البريطانية فى فلسطين ساعدت على تيسير الأمور أمام رشيد عالى الكيلانى لإقامة نظامه المؤيد للنازية واستيلائه على مقاليد السلطة فى أبريل ١٩٤١ م وإعلانه عدم تقيده بالالتزامات التى تفرضها اتفاقية ١٩٣١ م، وكان رد الفعل هو قيام الجيش الأردنى تحت القيادة البريطانية فى سنة ١٩٤١ م

стр. 7127

باحتلال بغداد، وقضى على نظام رشيد عالى الكيلانى وإعادة الحكم الدستورى، وأصبح الزعيم السياسى نورى السعيد أقوى رجل فى الوزارات التالية، كما أعلن العراق الحرب على دول المحور وبذلك أصبح أهلا ليأخذ مكانه عضوا فى عصبة الأمم المتحدة، كما أصبح العراق عضوا مؤسسًا فى جامعة الدول العربية، كذلك عاد النشاط السياسى فى العراق عند نهاية الحرب حيث سمح للأحزاب أن تمارس نشاطها السياسى فى حرية، فظهرت فى الوجود عدة أحزاب تمثل مختلف الطوائف، وقد طالبت هذه الأحزاب جميعها بإلغاء الاتفاقية الإنجليزية العراقية كما طالبت طوائف العمال والطلبة بتحقيق مطالب معينة وردت الحكومة على المظاهرات التى قاموا بها بقمع نشاط هذه الأحزاب. وشاهد مستهل سنة ١٩٥٠ م زيادة فى دخول النفط واتجه العراق إلى المشاريع العمرانية طويلة المدى مثل بناء السدود المائية، غير أن فشل هذه المشاريع فى تحقيق تقدم اقتصادى سريع أدى إلى انتشار روح التذمر ممّا شجع رجال المعارضة العراقية الذين ما زالوا يحملون على المعاهدة مع بريطانيا. التى أدت إلى قيام حلف بغداد المؤيد للتحالف مع الغرب فى شئون الدفاع، وقوبل هذا الحلف باستهجان شديد فى الداخل وفى العالم العربى حيث وقف هذا موقفا مائعا فى موضوع مساعدة مصر أثناء أزمة قناة السويس سنة ١٩٥٦ م وكان العراق قد انضم إلى هذا الحلف، غير أن انتصار مصر الدبلوماسى وظهور جمال عبد الناصر كرمز عربى قومى كان نقطة تحول فى تاريخ العراق فى عصره الملكى، وذلك أن اتفاق سورية ومصر على إنشاء ما عرف بالجمهورية العربية المتحدة عام ١٩٥٨ م أدى إلى قيام العراق والأردن بالاتحاد معا تحت التاج الهاشمى، لكن ما لبث أن أطيح بالملكية العراقية على يد طائفة من الضباط

стр. 7128

بقيادة عبد الكريم قاسم وإعلان الجمهورية. ولقى قاسم معاونة من جميع الأحزاب وأصحاب المصالح الذين يمثلون طبقات المجتمع العراقى إلا أنه لم يقَدَّر لهذا التحالف أن يستمر إلا بضعة شهور، وحاول عبد الكريم قاسم -على مدى خمس سنوات تقريبًا- أن يحفظ التوازن بين القوات الحربية المتنازعة وبين الجماعات المدنية، فانسلخ العراق فى عهده من حلف بغداد ومن منطقة الاسترلينى وأقام علاقات دبلوماسية مع الأقطار الشيوعية. غير أنه أطيح به. ترجمة د. حسنى حبشى ٧ - الفن والآثار ترتبط أهمية الدور الذى لعبه العراق فى تطور الفن الإسلامى ارتباطا مباشرا بدوره التاريخى منذ أن كان المقر المركزى للخلافة العباسية الزاهرة فيما بين أواخر القرن الثانى للهجرة (٨ م) وحتى بداية انحلالها فى القرن الرابع الهجرى (١٠ م). وإن وصف هذا الدور بأسلوب منهجى يستلزم أن نتتبع الأقاليم من خلال عمائرها وأيضًا فنونها الصغرى [أى الفنون الزخرفية أو الفنون التطبيقية كالخزف والنسيج والمعادن والزجاج وغير ذلك]، المراحل المختلفة لتطور الفن العباسى الإمبراطورى (أى الدولى) الذى نشأ فى عواصم الخلافة كنتيجة لأسباب وتأثيرات كثيرة: سياسية كانت أو تجارية، ثم لم يلبث أن انتشر فى الأقاليم الخارجية التابعة للخلافة والتى استمدت بعض خصائصه المميزة الأصيلة. وقد كان تقدم هذا الفن سببًا رئيسيًا فى شهرة الصناع الذين عملوا آنذاك داخل النطاق الجغرافى للعراق ولكنهم انصهروا فى ذات الوقت فى بوتقة كافة الجهود السابقة والمعاصرة للأقطار الإسلامية الأخرى.

стр. 7129

إن صفة "الامبراطورى" [أى الدولى] التى تمتع بها الفن العراقى لفترة طويلة والتى بدأ فى اكتسابها فى الواقع منذ أواخر العصر الأموى تجعل من العسير التحدث عن هذا الفن كما لو كان فنًا محليًا تطور عبر القرون وأصبح ذا ملامح خاصة محددة نبعت من عوامل ثابتة: جمالية أو صناعية [تقنية] فُرضت عليه نتيجة لظروف البلاد الطبيعية. ويجب أن نضع فى اعتبارنا أن طبيعة العراق -كطريق بين الأقطار الأخرى وكسهل طينى خصب صالح للزراعة ومرور الأنهار العظيمة به فضلًا عن تعرضه للدمار مرارًا سواء عن طريق الغزوات أو بسبب الفيضانات- جعلتها ملائمة لطرق معينة فى البناء والزخرفة المعمارية والحرف الأخرى. ولقد اعتمدت هذه الطرق على توافر مادة الطين واقتصادية استخدامه، ومع ذلك فقد كان مادة غير متينة. إن استخدام الطين سواء كان على هيئة الطوب اللبن أو الآجر فى تشييد المبانى وزخرفة الواجهات التى كانت تزخرف أيضًا بالجص قد سمح بسرعة البناء والتشييد -حسب الطرق التقليدية لبلاد الرافدين- التى تشبع احتياجات الكثير من السكان المتحضرين وكذلك الحكام المولعين بالتفاخر، ومن جهة أخرى كان استخدام الطين سببًا فى عدم متانة وصلابة المبانى المشيدة التى تخربت فلم يصل إلينا سوى أطلال. ويستطيع المرء أن يحدد الخصائص المميزة للعراق ومنتجاتها بالفخامة وضعف المتانة، وتظهر هذه السمات فى كافة عمائر العصر العباسى وفى العمائر المتأخرة المقلدة لها التى شيدها أمراء الأقاليم المختلفة التابعة للخلافة التى برز فيها معماريون على درجة رفيعة من المهارة، كما توافرت فيها مواد للبناء كانت أكثر متانة. وتعتبر الظروف الجغرافية الخاصة بالعراق مسئولة أيضًا عن التطور المتوازى للمدارس الفنية المحلية الكثيرة خلال تاريخها، والمتمثلة بصفة أساسية فى كل من مدارس بغداد وسامراء من جهة، والدلتا السفلى من جهة أخرى، ويضاف إلى تلك المدارس مدرسة

стр. 7130

الموصل التى كانت واقعة تحت تأثير المدارس المجاورة لها فى كل من الأناضول وأذربيجان. ولكن هذا التقسيم للمدارس يجب ألا يؤدى إلى تصنيف طوبوغرافى للتطور الفنى كما هو الحال فى الأقطار الإسلامية، الذى تأثر أيضا بالأحداث السياسية التى أدت إلى انتصار الأسر الحاكمة الفرعية [أى الدويلات المستقلة]، وفى ضوء ذلك يجب أن ندرس الفن الإسلامى فى العراق، سواء فى العمارة أو الفنون الصناعية [أى الفنون الزخرفية أو التطبيقية]، من منظور تاريخى كما يجب أن نضع فى الاعتبار أنه لا يوجد أى قطر إسلامى آخر قد شهد هذا التغير الشامل فى طبيعة الأرض فيما بين العصور الوسطى وحتى الآن. إن المعلومات الأثرية القليلة التى يمكن أن نحصل عليها من المواقع التى تحولت إلى صحراء ليست كافية فى الواقع لتزودنا بمعلومات محددة عن أوجه الكثافة السكانية التى مرت بها المنطقة عند تدهور شبكة الرى بعد العصر العباسى الذهبى ممّا أدى إلى هجر القرى والمدن الصغيرة والتى يصعب علينا اليوم تحديد مواقعها ومساحتها بالضبط. وبالمثل فإنه من العسير الآن معرفة التاريخ الصحيح لمعظم المدن الإسلامية العراقية التى كانت عامرة بسكانها وأنشطتها الاقتصادية. ونظرًا لأنها بنيت فوق تربة غير مستقرة، فإننا لا نستطيع أن نعثر لها الآن على أى بقايا أثرية تمكننا من إعادة التعرف على طوبوغرافيتها فى مختلف العصور. وبالرغم من كل ما سبق فقد حدث مؤخرًا بعض التقدم فى دراسة العمارة الإسلامية المبكرة فى العراق على أساس بعض الدلائل التى كانت مهملة حتى الآن. إن هذا التقدم يبرر رجوعنا -حتى نكمل بعض النقاط- إلى القائمة المذكورة فى مادة عمارة التى توضح تطورها خلال القرون الإسلامية الأولى وهى الفترة التى تطور فيها الفن الإسلامى بصفة عامة.

стр. 7131

ولعل من أكثر الإسهامات إيجابية وإثارة ما نجده فى مجال العمائر المدنية المتعلقة بالمنافع العامة، وهى إن كانت ليست مجال جذب كبير لمؤرخى الفنون إلا أنها مادة خصبة لمؤرخى الحضارة. إن الأبحاث الأخيرة المتعلقة بنظم حفر القنوات وتوزيع مياه الرى الذى أتاح استغلال الأراضى خلال العصرين الأموى والعباسى، أتاحت توثيق هذا الموضوع بشكل جديد على أساس التصوير الجوى والفحوص الجيولوجية. وعثر فى نفس الوقت على نمط من الجوامع من جهة، وعلى نمط لمقر ملكى [قصر] من جهة ثانية يرجعان إلى فترة الفتح الإسلامى الأولى لتلك البلاد، كما أنهما يختلفان عن النماذج السورية المؤرخة بنفس الفترة والتى كانت حتى ذلك الوقت، تعتبر الأمثلة الأولى للفن فى تلك الفترة. وقد اكتُشف مسجد بسيط فى إسكاف بنى جنيد على الضفة الغربية لقناة النهروان وأيضًا اكتشف مسجد فى واسط فى موضع العاصمة التى بناها والى العراق الشهير الحجاج للخليفة عبد الملك بن مروان فيما بين عامى ٨٣ و ٨٦ هـ/ ٧٠٣ - ٧٠٦ م. وعلى ذلك فقد زودتنا هذه الاكتشافات بتخطيطات أكثر دقة عن تلك التى اعتمدت على التفسيرات الجدلية [أى التى اعتمدت فحسب على الروايات التاريخية دون العثور على أدلة أثرية تؤكدها أو تنفيها] كما هو الحال فى كل من جامعى البصرة والكوفة الشهيرين. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه على الرغم من عدم إتمام الحفائر ونشر نتائجها، فإن القصور الرائعة التى اكتُشفت فى نفس مواقع واسط وإسكاف بنى جنيد وأيضًا بجوار جامع الكوفة قد زودتنا بنماذج كثيرة عن دار الإمارة أو قصر الإمارة الذى بنى فى ذلك الوقت داخل المدن الإسلامية الجديدة. وتختلف هذه القصور اختلافًا بينًا من حيث ترتيب بيوتها الداخلية (وهى تشبه ما اكتشف مؤخرًا فى المنازل والقصور العباسية) عن النماذج المعاصرة لها فى القصور الشامية. والنتائج التى يمكن أن نخرج بها من هذه الحقائق قد سبق أن ألمحنا إليها بشكل يسير، ولكنها تقودنا إلى إدراك

стр. 7132

الأهمية الكبيرة للدور الذى لعبته بلاد الرافدين فى تطور الحضارة الإسلامية المبكرة، حيث أتاحت الثورة العباسية للبلاد التفوق الاقتصادى والفكرى، وهو تفوق ظل معترفًا به لفترة طويلة. ويكفى هنا أن نعيد ذكر الملامح الرئيسية للعمارة العباسية المزدهرة فى العراق. إن تفاصيل هذا الموضوع، المستمدة بصفة أساسية من دراسة أطلال موقع مدينة سامراء عاصمة الخلافة العباسية، توجد فى كل الدراسات التحليلية المتعلقة بالفن الإسلامى التقليدى وذلك بالنسبة إلى تكوين المبانى الرئيسية والطرز المختلفة لزخرفة الواجهات، سواء كانت زخارف جصية مرسومة أو قالبية، وقوام هذه الزخارف زخرفة الأرابيسك [التوريق وهى الزخرفة النباتية التى ابتكرها الفنان المسلم وأصبحت سمة من سمات الفن الإسلامى الرئيسية] والزخارف الهندسية المتداخلة أو المتشابكة فضلًا عن تمثيل أشكال الكائنات الحية وقد استمرت هذه الزخارف فى الظهور حتى خلال التغييرات اللاحقة لفن البلاط المبكر. ويمكن أن نخرج بدلالات مفيدة عن نقاط خاصة متعددة بعد البحث والترميم فى "الأخيضر"، وهو قصر محصن منعزل غير محدد التاريخ، يقع فى الصحراء الواقعة غرب الكوفة، أو من النتائج المستمدة من الأبحاث المتعلقة ببضعة قطاعات جديدة مختارة داخل المساحة الهائلة لموقع مدينة سامراء. وعلى كل حال فإن تلك النتائج لن تغير كثيرًا وجهة النظر الحالية بالنسبة لفخامة وثراء العمائر المدنية والدينية التى ترجع إلى هذا العصر الذى شهد أيضًا ازدهار بعض الفنون الصناعية مثل الزجاج والخزف والحفر على الأخشاب الثمينة والتى بقيت منها بضعة نماذج تعتبر نادرة. وبخصوص فن الخزف لابد أن نشير إلى المدرسة العباسية التى ازدهرت فى العراق خلال القرنين ٣ و ٤ هـ/٩ - ١٠ م قبل هجرة الصناع. ربما إلى مصر الفاطمية والتى ترجع شهرتها بصفة أساسية إلى إنتاجها

стр. 7133

خزف البورسلين الزبدى اللون المزخرف بزخارف مرسومة باللون الأزرق الزرنيخى (بين الأزرق والأخضر) أو الخزف ذى البريق المعدنى (الأخضر المذهب). ومن الصعوبة بمكان أن نشير هنا إلى الفن العراقى خلال عصرى البويهيين والسلاجقة حيث اندثرت تمامًا الأمثلة المعمارية التى ترجع إلى هذين العصرين، كما أنه لا يمكن تمييز أعمال الصناع عن الأعمال المعاصرة فى الأقاليم الإيرانية كنتيجة لإحياء تقاليد محلية سابقة. ومهما يكن من أمر فقد اتسمت الفترة اللاحقة بتقدم جديد للفن الإسلامى فى العراق ولكنه اتخذ فى واقع الأمر شكلًا محليًا لم يكن له تأثير خارجى إلا فيما ندر. ومع ذلك فقد كان أكثر حيوية من فنون الأقطار المجاورة. هذا وترجع غالبية الآثار التى تمثل اليوم التراث المعمارى للمدن العراقية مثل بغداد والموصل إلى العصر السلجوقى المتأخر الذى يشمل القرنين ٦ و ٧ هـ/ ١٢ - ١٣ م. كانت آثار بغداد نتيجة للجهود التى قام بها كل من الخليفة الناصر والمستنصر لاستعادة سلطتهما الدنيوية واستعادة هيبة الخليفة السابقة، تتسم بالجمال والجلال، أما الموصل والتى كانت مقر بلاط الزنكيين وخلفائهم الأتابكة وأشهرهم بصفة خاصة بدر الدين لؤلؤ، فقد كانت مركز، فنيًا ذا أهمية وحيوية حقيقية على الرغم من التأثيرات الكثيرة التى تعرضت لها. وسوف نشير فى هذا المقام إلى السمات الرئيسية للتطور المعمارى الذى حدث فى بغداد خلال تلك الفترة كما يتمثل فى أهم آثارها المتبقية مثل التحصينات و (البوابات التذكارية مثل الباب الوسطانى وباب الطلسم وقد اندثر هذا الباب الأخير فى بداية القرن الحالى). ومثل بقايا عمائر مدنية مثل جسر [قنطرة] الحربة وأجزاء مخربة من قصر سابق للخلفاء أدمج فيما بعد ضمن مبانى قلعة عثمانية، أو عمائر دينية على درجات مختلفة من التهدم، مثل المدرسة المستنصرية ومسجد سوق الغزل (الذى لم يتبق منه سوى المئذنة) أو تربة زبيدة.

стр. 7134

كذلك يمكن أن نشير أيضًا إلى بعض البقايا الأثرية التى تقع خارج نطاق مدينة بغداد نفسها مثل مسجد باب الغيبة فى سامراء أو تربة الحسن البصرى فى البصرة. هذا وتعكس جميع هذه العمائر أسلوبا رفيع المستوى فى استخدام الآجر (الطوب المحروق أو الطابوق) وذلك حسب التقاليد المتبعة خلال العصر السلجوقى. وقد ظهر -فضلًا عن ذلك- ذوق جديد فى المعالجات الرائعة والفخمة (للواجهات فقط) وتجسد ذلك فى استبدال الأشكال الحرة بالتكوينات المعقدة، سواء من الناحية الإنشائية (كما هو الحال فى استخدام الكوابيل المقرنصة على هيئة خلايا النحل لحمل القباب) أو الزخرفية. إن هذا التجانس المعمارى فى آثار بغداد لا نجد ما يقابله من حيث دقة المستوى بين آثار شمال العراق التى ترجع إلى نفس الفترة، ومن أمثلة ذلك المجموعة الهامة الموجودة فى الموصل والتى لم تخضع بعد لدراسة كافية (مثل أطلال قصر بدر الدين لؤلؤ أو قره سراى على ضفاف دجلة، ومساجد صغيرة كثيرة أو ترب الصالحين وجامع مهجور [فى مكان منعزل] ومئذنة أسطوانية فخمة من الآجر أو البقايا الأثرية فى بعض المواقع مثل سنجر وإربيل أو تكريت حيث تم مؤخرًا ترميم تربة الأربعين. ويظهر فى كل حالة تأثير استخدام الأسلوب الصناعى الذى يجمع بين الآجر والجص والحجر، وهذه المادة الأخيرة متوافرة بكثرة هناك رغم أنها دون المستوى (أى من حيث الجودة) وهو الأمر الذى يعطى المبنى طابعًا غير متناسق ومنفّرًا فى ذات الوقت. وعلى كل حال فهناك ظاهرة مشتركة يمكن رؤيتها فى بعض التفاصيل المعمارية [حيث حلت القباب محل الأسقف الحجرية] مثل الحليات القالبية وغير ذلك. وقد صحب هذا التوسع فى العمارة العراقية خلال القرنين ٦ و ٧ هـ/ ١٢ - ١٣ م توسع مماثل فى الفنون الفرعية [أى الفنون الزخرفية أو الفنون التطبيقية] والتى أظهرت فيها المدارس العراقية المختلفة

стр. 7135

نبوغًا غير مسبوق، ولابد أن نذكر أولًا صناعة الخزف، وربما لا نشير إلى الخزف المزجج (حيث كان مركز إنتاجه الرئيسى فى الرقة التى تقع الآن خارج نطاق العراق الحالية). ولكن سنشير على الأقل إلى الخزف غير المزجج ذى الزخارف البارزة والذى يعتبر اليوم من أحسن القطع الفنية التى أنتجتها الموصل. وقد وجدت فى الموصل أيضًا مدرسة مزدهرة لصناع المعادن من النحاس والبرونز والذين تركوا عددًا كبيرًا من التحف المؤرخة والممهورة بتوقيعاتهم، والتى تتميز بجودة زخارفها المكفتة بالذهب والفضة. كما تعتبر هذه الأعمال مصدرًا للمعلومات عن المصانع التى صنعت بها، وعن عائلات الصناع الذين أجادوا صناعتها، والأساليب الصناعية التى استخدموها فى صنعها. وقد عرف العراق، علاوة على ما سبق، خلال تلك الفترة أيضًا فن التصوير (والذى أطلق عليه أحيانًا اسم المدرسة العربية فى التصوير ولكنه فى الواقع من إنتاج مجتمع مختلط يختلف تمامًا عما كان موجودًا خلال العصر العباسى الذهبى الذى يتمثل فى أعمال هامة وبخاصة المخطوطات المزوقة بالتصاوير التى أنتجتها المدرسة العراقية على أوسع نطاق (وتقسم هذه المدرسة أحيانًا إلى مدرسة شمال العراق [أى مدرسة الموصل] ومدرسة بغداد على وجه الخصوص ولكن دون تحديد فروق واضحة بينهما). هذا ويعد تصوير مناظر الحياة اليومية لذلك العصر فى العديد من التصاوير الموجزة والمعبرة بمثابة ميلاد فن تصوير المخطوطات الذى كُتب له أن يحتل مكانة هامة بين الفنون الإسلامية فى العصور المتأخرة، وقد بلغت هذه النماذج المبكرة فى ذات الوقت درجة عالية من النضج الفنى سواء فى التصميم أو فى الألوان. إن هذا التفوق الفنى الذى شهدته العراق منذ الفتح الإسلامى بدأ فى التدهور بعد سقوط بغداد فى أيدى المغول سنة ٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م ولم يكتب له الاستمرار نتيجة للتدهور السياسى والاقتصادى الذى بدأ عقب هذا التاريخ،

стр. 7136

وهذا هو المصير المحتوم لإقليم لم يعد يتمتع باستقلاله أو بقوته الضاربة. وعلى الرغم من تلك الحياة المقيدة فقد استمر النشاط المعمارى والفنى حيث بنيت خلال قرون عديدة عمائر جديرة بالاهتمام وبصفة خاصة حول المشاهد الشيعية الكبيرة (المراقد المقدسة) فى بغداد وسامراء، والنجف وكربلاء، والتى أضيفت إليها الزخارف بصفة مستمرة فضلًا عن كسوة قبابها ببلاطات خزفية مربعة من البورسلين ذى الألوان الزاهية التى يمكن رؤيتها حتى الآن. ولكن هذه الآثار المتنوعة التى نجمت عن الأساليب الفنية سواء لعصر إيلخانات فارس (مثل المدرسة المرجانية أو خان مرجان فى بغداد) أو العصر الصفوى أو العصر العثمانى (والمتمثل بصفة أساسية فى المساجد وعمائر المنافع العامة مثل الأسواق أو الحمامات) لم تخضع حتى الآن لأى دراسات أو إحصائيات دقيقة لها تمكننا من أن نضعها فى أماكنها الصحيحة حسب التقاليد المحلية المتبعة والتأثيرات الأجنبية العديدة التى أثرت فيها، وهكذا تتوافق مع واحد من الملامح الثابتة فى التاريخ العراقى. د. حسن حبشى [سورديل تومين Sourdel-Thomine] عرايش (معناها الحرفى تعريشات كرمات العنب) -وتسمى بالفرنسية والأسبانية Larache، وهى مدينة على الساحل المغربى بشواطئ الأطلنطى- تبعد أربعة وأربعين ميلا إلى الجنوب الغربى من طنجة وثلاثة وثمانين ميلا إلى الشمال الغربى من فاس. والعرائش تغطى منحدرات تل يبرز كالنتوء فى البحر على شكل لسان، وتحتل الضفة الغربية لوادى لوكوس Lukkos عند النقطة التى يصب فيها النهر المسمى بهذا الاسم مياهه فى البحر، وهذه المدينة الإسلامية ليست بذات أهمية، وليس بها ما يمكن أن يلفت النظر إليها إلا سوقها الرباعى الشكل الذى تحفه الأقواس (أروقة مقنطرة) ويمثل مظهرا تذكاريا غامضا ذلك أنه يوجد من أيام الاحتلال الأسبانى الأول - ١٦١٠ - ١٦٨٩ م)

стр. 7137

قلعة تسمى قلعة اللقلق (Cas Hill de Los Cignenas وتعرف أيضا Santa Maria Europa كما توجد إلى الجنوب والجنوب الغربى من المدينة الإسلامية مدينة أوربية أسسها الأسبان -الذين عادوا لاحتلال لاراش فى عام ١٩١١ م وكان فى وسط هذه المدينة منطقة مستديرة تعرف بقصر أسبانيا Plaze de Espagne، وكان تعداد سكان لاراش فى عام ١٩٥٥ أقل من ثلاثة وأربعين ألف نسمة منهم ثمانية وعشرون ألفا من المسلمين وألف وثلاثمائة من اليهود وثلاثة عشر ألفا من الأوربيين، ومعظمهم من الأسبان، وتزرع إلى جوار لاراش البطاطس وأشجار الفاكهة على وجه الخصوص، ويعتبر السكان حامى المدينة هو "لالّامينيانا" الذى تعتبر قبته مبدأ المدينة حين يدخلها المرء وليست العرائش مدينة قديمة جدًا إذ لم يرد لها ذكر عند الإدريسى، كما لم ترد الإشارة إليها فى كتابات الرحالة العرب قبل القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى)، ويبدو أن الذين أسسوها هم بنوعروس، الذين أطلقوا عليها -بسبب وفرة الكروم فى المناطق المجاورة- اسم عريش متاع ابن عروس، كذلك فإن سلطان الموحدين يعقوب المنصور قام ببناء قلعة عند مدخل وادى لوكوس. وفى عام ١٢٧٠ م قام الأسبان بهجوم مباغت ناجح على المكان. والحق أن تاريخ هذه المدينة لم يعرف بكل يقين وثقة إلا بدخول البرتغاليين إلى مراكش فبعد احتلالهم لمدينة سبتة فى عام ١٤١٥ م قاموا بهجوم ناجح على المدينة ولكن ثماره لم تدم طويلا. غير أن احتلال ألفونسو الخامس ملك البرتغال لمدينتى أرزله وطنجة فى ١٤٧١ م أدى إلى الجلاء عن "لاراش"، التى وضعتها معاهدة السلام فى مناطق نفوذ البرتغال ولكنها ظلت مقفرة من السكان طيلة عشرين عاما، حتى إذا كان عام ١٤٨٩ م، انتهز جون الثانى ملك البرتغال هذه الظروف ليعزز موقفه فى شمالى مراكش، ويشكل خطرًا مباشرًا على فاس والقصر الكبير، فأقام قلعة سماها "جراكيوزا" على الضفة اليمنى لنهر "لوكوس" وأدنى قليلا من التقاء هذا النهر مع وادى "مخازن" ولكن حصار المراكشيين للقلعة، وهلاك معظم رجال حاميتها، وعدم توفر الإمدادات والتعزيزات لهم أدى إلى إرغام الحامية

стр. 7138

البرتغالية على الاستسلام المشرف، وقد تم استرداد عرايش على يد مولاى الناصر ابن السلطان "الوطاسى" محمد الشيخ ويقول ليو الافريقى الذى يقدم لنا بيانا عن المدينة فى بداية القرن السادس عشر: إن أعدادًا كبيرة من أسماك الثعابين البحرية قد اصطيدت هناك وكذلك من الطرائد وإنه كان هناك على ضفاف نهر لوكوس غابات تضم الكثير من الحيوانات البرية، وقد كان أهل المدينة يصنعون الفحم النباتى الذى يبعثون به إلى ارزيلة وطنجة ولكنهم كانوا يعيشون فى خوف دائم من غارات البرتغاليين الذين هاجموا المدينة فى عام ١٥٠٤ م (وكان هناك هجوم أسبانى غير موفق من قادس فى عام ١٥٤٦ م) ولكن هذا الخوف وعدم الأمان لم يمنع من تطور المدينة وتنميتها، فنجحت فى تحقيق قدر طيب من التجارة البحرية لأنها الميناء الوحيد فى الجزء الشمالى من مراكش الذى لم يحتله المسيحيون، كما كانت واحدة من الطرق التى تمر بها تجارة فاس القريبة منها وكان للبرتغال (مقيم) تجارى بها، كما كان الجنوبيون كثيرى التردد عليها، ومنذ ذلك الحين أصبحت "لاراش" مركزا للقراصنة، وزادت حركة القرصنة بعد رحيل البرتغاليين سنة ١٥٥٠ م عن أرزيك وفى عام ١٦١٠ م احتل فيليب الثالث ملك أسبانيا المدينة بعد اتفاق مع السلطان السعدى مولاى محمد الشيخ غير أن المراكشيين استردوا المدينة فى عام ١٦٨٩ م فى عهد السلطان العلوى مولاى "إسماعيل"، وسكنتها من جديد قبائل جبلة الريف ولكن لم تنقطع عنها هجمات الأوربيين. وفى عام ١٧٦٥ م لقى الأدميرال الفرنسى دى شافولت هزيمة منكرة هناك، وفى أثناء الأزمة المراكشية نزلت القوات الأسبانية إلى المدينة فى ٨ يونية ١٩١١ م وظل البلد فى نطاق النفوذ الأسبانى حتى إعلان استقلال مراكش (المغرب) فى عام ١٩٥٦ م. المصادر: ١ - Leo Africanus: Description de I'Afrique, ed. by Schefer, II. Paris ١٩٨٧, ٢١٥ - ٢١٩ وقد ترجم هذا الكتاب مؤخرًا باللغة العربية وقامت بنشره جامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية.

стр. 7139

٢ - Eugene Auhin: Le Maroc d' aujour d'hui, ٦ th ed, paris ١٩١٠,٨٩ - ٩٥ بهجت عبد الفتاح [ج. إيفر، ر. ريكارد G. Yver - Ricard] عرب فقيه عرب فقيه اسم يطلق على رجل يعرف بشهاب الدين أحمد بن عبد القادر، عنى بتدوين أخبار مسلمى أثيوبيا (الحبشة) فى القرن السادس عشر الميلادى، وشارك بنفسه فى الحرب التى قامت بين الإمام أحمد بن إبراهيم صاحب هرر والنجاشى لبنة دنغل Lebna Denghal لكنه حين شرع فى وضع تاريخه كان قد غادر الحبشة إلى جيزان فى بلاد العرب، وكان يلقب فى هرر بعرب فقيه أى فقيه العرب وحكيمهم، وربما قيل فى تفسير هذا اللقب أن واحدا من الأحباش أطلقه عليه. وكان يريد السخرية به، وكان عرب فقيه متمكنا من اللغة العربية والفقه، وقيل إنه كان لقبا لعربى هاجر إلى الحبشة ثم عاد بعد ذلك إلى مهبط رأسه ويعرف كتاب عرب فقيه فى التاريخ بتحفة الزمان، ولكنه وارد فى المخطوطات باسم "فتوح الحبشة" وهو يتعلق بأحداث سنة ١٥٣٧ م، لكن العبارة التى وردت فى آخر المخطوطة وبخط صاحبها تصف هذا الكتاب بأنه الجزء الأول، ومع ذلك فلم يتسن ابدا العثور على الجزء الثانى منه، وعلى هذا الأساس فالأرجح هو أن المؤلف لم يستطع قط أن يكمل كتابه هذا كما ورد، ويتوفر لدينا فى الوقت الحاضر كتاب "فتوح الحبشة" فى بضعة مخطوطات كلها حديثة النسخ وقد اعتمد عليه الأُلخ خانى اعتمادا كبيرا فأكثر من الأخذ عنه نقلا وتلخيصا فى كتابه "تاريخ كجرات" المعروف باسم "ظفر الواله بمظفر وآله"، وكان هو الآخر من كتاب العرب وقد هاجر إلى الهند الإسلامية فى النصف الثانى من القرن السادس عشر. أما كتاب فتوح الحبشة فقد نشر نصه العربى رينيه باسيه وترجمه إلى الفرنسية باسم Hist de la Conquete de I'Abyssinie ونشره فى باريس فى مجلدين عام ١٨٩٧ انظر عنه أيضا سير دنيسون روس فى كتابه: An Arabic History of Gujiral الذى نشره فى مجلدين بلندن. المصادر: وردت فى المادة. د. حسن حبشى [أ. سيرولى E. Cerulli]

стр. 7140

العربية، اللغة اللّغة العربية -ويُقال لها أيضا لسان العرب تعنى كل ما نطق به العربُ بمختلف أشكاله، وكان استخدام (العربيّة) للدلالة على ذلك موجودًا قبل الإسلام كما تشير لذلك الصادر العبرية التى ترجع للقرن الثالث للميلاد، وربما كان هذا هو المعنى المقصود بعبارة ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ التى وردت فى القرآن الكريم فى سورة النحل، آية ١٠٣ ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ وسورة الشعراء، آية ١٩٥، وسورة الأحقاف، آية ١٢ ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾، أما من الناحية الاصطلاحيّة فتعنى لغة الشعر الجاهلى، والقرآن الكريم والكتابات ذات الطابع الأدبى فى العصور الإسلامية. وبهذا المعنى الاصطلاحى الأخير يمكن تمييز العربية بمعناها العام عن العربية (الفصحى) أو العربية (الفصيحة) المشتقة من (فَ صُ حَ) أى صار جليًّا واضحا، وفى لسان العرب لابن منظور (فَصُح الرجُل فصاحة. . وفصيح من قوم فصحاء وفُصح. . وامرأة فصيحة من نسوة فصَاح وفصائح. . وكلام فصيح أى بليغ، ولسان فصيح أى طَلْق) ويستخدم الفعل "أعْرَب" أيضا بمعنى تكلم بوضوح وبمعنى تكلم بلغة عربية صحيحة لا عِوَج فيها. العربية واللغات السامية الأخرى: تنتمى اللغة العربية إلى مجموعة اللغات الساميّة التى هى بدورها تنتمى لمجموعة لغوية أوسع هى مجموعة اللغات الحاميّة -السَّاميّة التى تضم من بين ما تضم اللغة المصرية القديمة. أما العربية فتنتمى إلى الفرع السامى الجنوبى أو الجنوبى الغربى الذى يضم شعبتين؛ إحداهما: العربية الجنوبية التى تضم السبئية القديمة والمعينية والقَتَبانية والحضرمية. . الخ فى اليمن وحضرموت الجنوبية، والمهرية والشخورية. . الخ فى حضرموت الشمالية بالإضافة إلى لغة جزيرة سوقطرة.

стр. 7141

وعلى النقيض من الافتراضات الشائعة فإن العربية الجنوبية القديمة تشكل مجموعة لغوية مختلفة تماما عن العربية. ثانيتهما: الاثيوبية التى تشتمل على الاثيوبية القديمة أو الجعيز، ولغة تجْرى الحديثة واللغة التجرانيّة واللغة الأمهرّية واللغة الهرريّة ولغة جوارج. . الخ. وليس من الواضح تماما ما إذا كانت مجموعة اللغات الأثيوبية هذه تعود فى أصولها إلى العربية الجنوبية أم لا. العربية الأولى: Old Arabic تتمثل أقدم النقوش العربية فى حوالى أربعين اسما ورد ذكرها فى سياق نص أشورى عن الحرب ضد أريبى Aribi (أو أروبو Arubu أو أوربى Urbi) خلال الفترة من ٨٥٣ إلى ٦٢٦ قبل الميلاد. وقد جمعها فيس روزمارين T.Weiss Rosmarin وهومل F.Hommel المصادر: (١) ٦ in M. de Vogue: Syrie Centrale: hiscr. Semit., ١٨٦٨ - ٧٧ (٢) G. Ryckmans, in Revue Biblique, ١٩٣٢, ٨٩ - ٩٥; idem, in Med. kon. Volaamsche Acad, ٠٩٤١ العربية الأولى (من القرن الثالث إلى القرن السادس للميلاد). يمكننا أن نطلق على العربية منذ القرن الثالث إلى القرن السادس للميلاد اسم العربية "الباكرة" أو "الأولى" إذا طبقنا على العربية المصطلحات المتعلقة بتطور اللغتين الإنجليزية والألمانية، ففى هذه الفترة كانت معظم اللهجات العربية فى شبه الجزيرة العربية قد أصبحت مميزة تماما عن العربية القديمة Old Arabic التى أشرنا إليها فيما سبق، وأصبحت تقترب من العربية الكلاسية (التقليدية أو الفصحى) المنطوقة، ولا بد أن العربية الفصحى قد نشأت وتطورت فى هذه المرحلة، والشواهد المتعلقة بهذه المرحلة نادرة لكن لدينا عدد من الاستشهادات من المصادر العبرية المعاصرة جمع جانبا منها أ. كوهين Co The Jewish Quarterly Review ١٩١٢, ١٩١٣, pp. ٢٢١ - ٢٢٣

стр. 7142

وفى هذه الفترة دخلت العربية مئات من الكلمات الآرامية من خلال الاتصالات مع اليهود والمسيحيين، وقد كتب الباحث س. فرنكل S.Fraenkel مبحثا عن الكلمات الآرامية التى استعارتها اللغة العربية. كما تسربت إلى العربية أيضا فى هذه الفترة كلمات من لغات جنوب شبه الجزيرة العربية، وقد أشار إلى هذا هـ. جريم Grimme وغيره من الباحثين فى دورية Zeitschrift Fur Assyriologie الصادرة سنة ١٩١٢ (صفحات ١٥٨ - ١٦٨). وفى هذه الفترة أيضا دخلت العربية كلمات فارسية وجدت طريقها إلى الشعر وورد بعضها فى القرآن الكريم، وعن طريق الآرامية دخلتها للعربية كلمات يونانية، كما دخلتها كلمات لاتينية عن طريق اليونانية والآرامية، فقنطار بالسريانية قنطيرا وباللاتينية Centettarius, ومنديل بالسريانية منديلا وباللاتينية Mantele . . المصادر: (١) الجواليقى، المعرب، شاو Schau، ١٨٦٧ . (٢) Noldeke, Neue Beitrage, ٢٣ - ٣٠ (٣) A. Jeffery, Foreignvocabulary of the Qur'an, ١٩٣٨ . (٤) A. Salonen, Alte Substrat-und Kulturworter im Arab., ١٩٥٠ (= St. Or.Soc. Or. Fennica, xvii, ٢) ويجب أن نفترض أن هذه الكلمات التى دخلت العربية قد دخلتها ابتداءً فى مناطق اللهجات المتصلة بالثقافات الأم (الآرامية أو لغات جنوب الجزيرة أو الفارسية) ومن ثم انتشرت أو دخلت فى اللغة العربية الكلاسيّة (الفصحى) فنحن نسمع عن كلمات أجنبية لا يتداولها إلا أهل المدينة (المنوّرة). ويحفظ لنا التراث الفيلولوجى (فقه اللغة التاريخى والمقارن) كثيرا من المعلومات عن اللهجات الباكرة فى نجد (قبائل تميم وأسد وبكر وطيئ وقيس) والحجاز ومناطق مرتفعات جنوب غرب الجزيرة العربية (هذيل وأزد ويمن) بينما تبدو هذه المعلومات شحيحة بالنسبة للمناطق الأخرى، ويبدو أنَّ هذه المعلومات عن اللهجات قد تمَّ جمعها خلال القرنين الثانى والثالث للهجرة

стр. 7143

(ربما عندما بدأت هذه اللهجات تتلاشى) وقد قام بجانب من هذا الجمع رجال القبائل فى الأمصار، إلا أنها تعرَّضت للتصحيف والتحريف عند استخدامها لشرح ما غمض من النصوص، أما الاهتمام باللهجات فى حد ذاتها (بصرف النظر عن قيمتها الاستشهادية وقيمتها فى توضيح النصوص) فلم يأتِ إلا فى وقت متأخر. لقد ظهر انشقاق واضح بين مجموعة اللهجات الشرقية على الخليج، ومجموعة اللهجات الغربية التى تشمل بالإضافة للهجات الحجاز وجنوب غرب شبه الجزيرة العربية لهجة طيئ، وكانت لهجات جنوب غرب الجزيرة أكثر تأثرا بلهجة يمن وطيئ بينما نجد تأثيرا للهجات الشرقية على لهجات الحجاز، ويتمثل الاختلاف فى هذه اللهجات فى الإيقاع والنظام الصوتى والنحو (ففى اللهجات الغربية (ذو) و (ذى) بدلا من (الذى) فى اللهجات الشرقية، وأهل الشرق يبنون الفعل (قال) للمجهول بقولهم (قُولَ) بينما أهل غرب الجزيرة يجعلونه (قيل)، وفى الغرب يجعلون فعل الأمر من ردّ (أردُدْ) أما الشرق فيقولون رُدُّ (رُدَّى) وغير ذلك. ولا ندرى ما إذا كانت هذه الفروق بين لهجات غرب الجزيرة وشرقها حديثة أم قديمة موروثة، وإن كان لابد أن نضع فى الاعتبار أن أهل الجزيرة العربية قد أتوا من أنحاء مختلفة من العالم السَّامى وأن العربية قد تعرضت لتأثيرات شتى بعد استقرار العرب فى شبه جزيرتهم. وتحتل اللهجات اليمنية مكانة خاصة نظرًا لما قدّمه لنا ابن دريد ونشوان بن سعيد من معلومات ثرَّة وافرة عنها كما أنه يمكننا تقييمها والتحقق منها لأن اللهجات اليمنية الحديثة ما هى إلّا استمرار للقديمة إذ تضم اللهجات اليمنية الحديثة بين جنبيها كثيرا من ألفاظ اللهجات القديمة بل وطريقة النطق أيضا. فلهجة حِمْيَر كما وصفها الفيلولوجيون كانت لهجة قديمة مهجورة فى غرب الجزيرة العربية تأثرت تأثرا شديدا بلهجات جنوب غرب شبه الجزيرة. ولدينا من الحميرية بعض النقوش (مُسْندات) وبعض

стр. 7144

الأقوال وشئ عن الإيقاع فيها وضعه نشوان والهمدانى على اعتبار أن ملوك جنوب شبه الجزيرة القدماء من حمير وسبأ كانوا يتحدثون لغة حمير التى كانت موجودة فى القرن السابع للميلاد. المصادر: (١) G.W. Freytag, Einfuhrung etc ١٨٦١, ٥٦ - ١٢٥ (٢) P. Anastase Marie, in Mash.,vi ٥٢٩ - ٣٦ (٣) K. Vollers, Volkssprache ١٩٠٦ (٤) H. Kofler, Reste altarab. Dalekte, WZKM, ١٩٤٠,٦١ - ١٣٠, ٢٣٣ - ٦٢, ١٩٤١,٥٢ - ٨٨, ٢٤٧ - ٧٤; ١٩٤٢, ١٥ - ٣٠, ٢٣٤ - ٥٦ (٥) E. Littmann, B. Fac. Ar., ١٩٤٨, ١ - ٥٦ (٦) C. Rabin, Ancient West Arabian, ١٩٥١; K. Petracek, Aro, ١٩٥٤,٤٦٠ - ٦ لغة الكتابة ١ - فى العربية الباكرة أقدم النصوص فى الكتابة العربية تتمثل فى ثلاثة نقوش على جدار فى معبد رام Ramm فى سيناء يعود قدمًا لحوالى سنة ٣٠٠ للميلاد. وثمة نقوش مسيحية تصحبها ترجمة يونانية فى زبد Zabad تعود لسنة ٥١٢ للميلاد، وأخرى فى حرّان تعود لسنة ٥٦٨ للميلاد، وقد سجل البكرى المؤرخ المسلم نص النقش الوارد على كنيسة هند بالحيرة. ويوجد مُخربش (نقش) غير مؤرخ فى أم الجمال. . ومن المحتمل أن الإنجيل أو جانبا منه قد ترجم للعربية قبل الإسلام. ٢ - العربية فى القرنين الثالث والرابع للهجرة (العربية الوسيطة الباكرة) لقد أصبحت العربية -من وجهة النظر الأكاديمية- لغة مقنَّنَة منذ القرنين الثالث والرابع للهجرة، فقد أصبح نحوها وتركيباتها وألفاظها محدَّدة واضحة بعد جهود دءوبة ومنظمة، فمنذ هذا الوقت وحتى الآن كانت تخضع لتجريب مستمر ومتواصل، ومع أن كل قطر عربى قد طور لغته العامية الخاصة به إلّا أن العرب جميعا استمروا فى استخدام الفصحى لغة للكتابة.

стр. 7145

لقد اتخذ العلماء المسلمون فى القرون الأولى للإسلام الذين كانوا مسئولين عن هذا الانجاز الجدير بالاحترام فى مضمار تَقْنين اللغة العربية -اتخذوا منطلقًا لهم النص القرآنى الكريم الموثّق تاريخيا، ذلك النص الذى ورد فيه أنه (كتاب عربى مبين) والذى سجِّل وجُمع فى القرن الأول للهجرة (السابع للميلاد) وأحاديث الرسول [ ﷺ ] والتى تعنى ما ورد عنه [ ﷺ ] من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير، وأقوال الخلفاء وخطبهم وخطب مشاهير خطباء صدر الإسلام ومجموعات الشعر العربى، وجعلوا من كل هذا مثلًا يحتذى للغة الكتابة، إلّا أن الجهود الأعظم على الاطلاق والتى بذلها العلماء المسلمون فى القرون الثانى والثالت والرابع للهجرة (الثامن والتاسع والعاشر للميلاد) هى تلك التى توجهت نحو جمع ما ظل محفوظًا فى صدور الرواة والبدو عن تراث ما قبل الإسلام وإحياؤه وتحقيقه، فتم جمع إْشعار الجاهلية وأمثالها وخطبها وتم درسها والتعليق عليها واستخدمت فى شروح القرآن الكريم كما استخدمت كشواهد لغوية. والافتراض القائل بأن هذا الجهد الذى قام به العلماء المسلمون من حيث إعادة إنشاء بناء العربية وتقنينه وإنشاء قنطرة بين الأدب العربى قبل الإسلام وبعده له ما يؤيده تاريخيا، افتراض صحيح، فالقرآن الكريم ينص فى سورة إبراهيم، آية ٤ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وعندما كان العرب يسمعون القرآن الكريم فإنهم كانوا يفهمونه ويتذوقون عباراته الراقية ويدركون سمو لغته. ويمكننا أن نُورد كثيرا من الشواهد التى تؤيد ما ذهبنا إليه من أن الشعر الجاهلى يتفق مع النص القرآنى والأدب الإسلامى لغة وصياغة وأسلوبا. وثمة حقيقة أخرى وهى أن الشعر الجاهلى كما جُمع ووصل إلينا كان مفهوما ومستساغا فى كل أنحاء شبه الجزيرة العربية، فقد كانت اللغة الشعرية المتداولة فى بلاط اللخميين هى نفسها لغة الشعر عند الغساسنة، وهى نفسها فى نجد والحجاز.
следующие страницы →