وعلى النقيض من الافتراضات الشائعة فإن العربية الجنوبية القديمة تشكل مجموعة لغوية مختلفة تماما عن العربية.
ثانيتهما: الاثيوبية التى تشتمل على الاثيوبية القديمة أو الجعيز، ولغة تجْرى الحديثة واللغة التجرانيّة واللغة الأمهرّية واللغة الهرريّة ولغة جوارج. . الخ. وليس من الواضح تماما ما إذا كانت مجموعة اللغات الأثيوبية هذه تعود فى أصولها إلى العربية الجنوبية أم لا.
العربية الأولى: Old Arabic
تتمثل أقدم النقوش العربية فى حوالى أربعين اسما ورد ذكرها فى سياق نص أشورى عن الحرب ضد أريبى Aribi (أو أروبو Arubu أو أوربى Urbi) خلال الفترة من ٨٥٣ إلى ٦٢٦ قبل الميلاد. وقد جمعها فيس روزمارين T.Weiss Rosmarin وهومل F.Hommel
المصادر:
(١) ٦ in M. de Vogue: Syrie Centrale: hiscr. Semit., ١٨٦٨ - ٧٧
(٢) G. Ryckmans, in Revue Biblique, ١٩٣٢, ٨٩ - ٩٥; idem, in Med. kon. Volaamsche Acad, ٠٩٤١
العربية الأولى (من القرن الثالث إلى القرن السادس للميلاد).
يمكننا أن نطلق على العربية منذ القرن الثالث إلى القرن السادس للميلاد اسم العربية "الباكرة" أو "الأولى" إذا طبقنا على العربية المصطلحات المتعلقة بتطور اللغتين الإنجليزية والألمانية، ففى هذه الفترة كانت معظم اللهجات العربية فى شبه الجزيرة العربية قد أصبحت مميزة تماما عن العربية القديمة Old Arabic التى أشرنا إليها فيما سبق، وأصبحت تقترب من العربية الكلاسية (التقليدية أو الفصحى) المنطوقة، ولا بد أن العربية الفصحى قد نشأت وتطورت فى هذه المرحلة، والشواهد المتعلقة بهذه المرحلة نادرة لكن لدينا عدد من الاستشهادات من المصادر العبرية المعاصرة جمع جانبا منها أ. كوهين Co The Jewish Quarterly Review ١٩١٢, ١٩١٣, pp. ٢٢١ - ٢٢٣
стр. 7142
وفى هذه الفترة دخلت العربية مئات من الكلمات الآرامية من خلال الاتصالات مع اليهود والمسيحيين، وقد كتب الباحث س. فرنكل S.Fraenkel مبحثا عن الكلمات الآرامية التى استعارتها اللغة العربية. كما تسربت إلى العربية أيضا فى هذه الفترة كلمات من لغات جنوب شبه الجزيرة العربية، وقد أشار إلى هذا هـ. جريم Grimme وغيره من الباحثين فى دورية Zeitschrift Fur Assyriologie الصادرة سنة ١٩١٢ (صفحات ١٥٨ - ١٦٨).
وفى هذه الفترة أيضا دخلت العربية كلمات فارسية وجدت طريقها إلى الشعر وورد بعضها فى القرآن الكريم، وعن طريق الآرامية دخلتها للعربية كلمات يونانية، كما دخلتها كلمات لاتينية عن طريق اليونانية والآرامية، فقنطار بالسريانية قنطيرا وباللاتينية Centettarius, ومنديل بالسريانية منديلا وباللاتينية Mantele . .
المصادر:
(١) الجواليقى، المعرب، شاو Schau، ١٨٦٧ .
(٢) Noldeke, Neue Beitrage, ٢٣ - ٣٠
(٣) A. Jeffery, Foreignvocabulary of the Qur'an, ١٩٣٨ .
(٤) A. Salonen, Alte Substrat-und Kulturworter im Arab., ١٩٥٠ (= St. Or.Soc. Or. Fennica, xvii, ٢)
ويجب أن نفترض أن هذه الكلمات التى دخلت العربية قد دخلتها ابتداءً فى مناطق اللهجات المتصلة بالثقافات الأم (الآرامية أو لغات جنوب الجزيرة أو الفارسية) ومن ثم انتشرت أو دخلت فى اللغة العربية الكلاسيّة (الفصحى) فنحن نسمع عن كلمات أجنبية لا يتداولها إلا أهل المدينة (المنوّرة).
ويحفظ لنا التراث الفيلولوجى (فقه اللغة التاريخى والمقارن) كثيرا من المعلومات عن اللهجات الباكرة فى نجد (قبائل تميم وأسد وبكر وطيئ وقيس) والحجاز ومناطق مرتفعات جنوب غرب الجزيرة العربية (هذيل وأزد ويمن) بينما تبدو هذه المعلومات شحيحة بالنسبة للمناطق الأخرى، ويبدو أنَّ هذه المعلومات عن اللهجات قد تمَّ جمعها خلال القرنين الثانى والثالث للهجرة
стр. 7143
(ربما عندما بدأت هذه اللهجات تتلاشى) وقد قام بجانب من هذا الجمع رجال القبائل فى الأمصار، إلا أنها تعرَّضت للتصحيف والتحريف عند استخدامها لشرح ما غمض من النصوص، أما الاهتمام باللهجات فى حد ذاتها (بصرف النظر عن قيمتها الاستشهادية وقيمتها فى توضيح النصوص) فلم يأتِ إلا فى وقت متأخر.
لقد ظهر انشقاق واضح بين مجموعة اللهجات الشرقية على الخليج، ومجموعة اللهجات الغربية التى تشمل بالإضافة للهجات الحجاز وجنوب غرب شبه الجزيرة العربية لهجة طيئ، وكانت لهجات جنوب غرب الجزيرة أكثر تأثرا بلهجة يمن وطيئ بينما نجد تأثيرا للهجات الشرقية على لهجات الحجاز، ويتمثل الاختلاف فى هذه اللهجات فى الإيقاع والنظام الصوتى والنحو (ففى اللهجات الغربية (ذو) و (ذى) بدلا من (الذى) فى اللهجات الشرقية، وأهل الشرق يبنون الفعل (قال) للمجهول بقولهم (قُولَ) بينما أهل غرب الجزيرة يجعلونه (قيل)، وفى الغرب يجعلون فعل الأمر من ردّ (أردُدْ) أما الشرق فيقولون رُدُّ (رُدَّى) وغير ذلك. ولا ندرى ما إذا كانت هذه الفروق بين لهجات غرب الجزيرة وشرقها حديثة أم قديمة موروثة، وإن كان لابد أن نضع فى الاعتبار أن أهل الجزيرة العربية قد أتوا من أنحاء مختلفة من العالم السَّامى وأن العربية قد تعرضت لتأثيرات شتى بعد استقرار العرب فى شبه جزيرتهم.
وتحتل اللهجات اليمنية مكانة خاصة نظرًا لما قدّمه لنا ابن دريد ونشوان بن سعيد من معلومات ثرَّة وافرة عنها كما أنه يمكننا تقييمها والتحقق منها لأن اللهجات اليمنية الحديثة ما هى إلّا استمرار للقديمة إذ تضم اللهجات اليمنية الحديثة بين جنبيها كثيرا من ألفاظ اللهجات القديمة بل وطريقة النطق أيضا. فلهجة حِمْيَر كما وصفها الفيلولوجيون كانت لهجة قديمة مهجورة فى غرب الجزيرة العربية تأثرت تأثرا شديدا بلهجات جنوب غرب شبه الجزيرة. ولدينا من الحميرية بعض النقوش (مُسْندات) وبعض
стр. 7144
الأقوال وشئ عن الإيقاع فيها وضعه نشوان والهمدانى على اعتبار أن ملوك جنوب شبه الجزيرة القدماء من حمير وسبأ كانوا يتحدثون لغة حمير التى كانت موجودة فى القرن السابع للميلاد.
المصادر:
(١) G.W. Freytag, Einfuhrung etc ١٨٦١, ٥٦ - ١٢٥
(٢) P. Anastase Marie, in Mash.,vi ٥٢٩ - ٣٦
(٣) K. Vollers, Volkssprache ١٩٠٦
(٤) H. Kofler, Reste altarab. Dalekte, WZKM, ١٩٤٠,٦١ - ١٣٠, ٢٣٣ - ٦٢, ١٩٤١,٥٢ - ٨٨, ٢٤٧ - ٧٤; ١٩٤٢, ١٥ - ٣٠, ٢٣٤ - ٥٦
(٥) E. Littmann, B. Fac. Ar., ١٩٤٨, ١ - ٥٦
(٦) C. Rabin, Ancient West Arabian, ١٩٥١; K. Petracek, Aro, ١٩٥٤,٤٦٠ - ٦
لغة الكتابة
١ - فى العربية الباكرة
أقدم النصوص فى الكتابة العربية تتمثل فى ثلاثة نقوش على جدار فى معبد رام Ramm فى سيناء يعود قدمًا لحوالى سنة ٣٠٠ للميلاد. وثمة نقوش مسيحية تصحبها ترجمة يونانية فى زبد Zabad تعود لسنة ٥١٢ للميلاد، وأخرى فى حرّان تعود لسنة ٥٦٨ للميلاد، وقد سجل البكرى المؤرخ المسلم نص النقش الوارد على كنيسة هند بالحيرة. ويوجد مُخربش (نقش) غير مؤرخ فى أم الجمال. . ومن المحتمل أن الإنجيل أو جانبا منه قد ترجم للعربية قبل الإسلام.
٢ - العربية فى القرنين الثالث والرابع للهجرة (العربية الوسيطة الباكرة)
لقد أصبحت العربية -من وجهة النظر الأكاديمية- لغة مقنَّنَة منذ القرنين الثالث والرابع للهجرة، فقد أصبح نحوها وتركيباتها وألفاظها محدَّدة واضحة بعد جهود دءوبة ومنظمة، فمنذ هذا الوقت وحتى الآن كانت تخضع لتجريب مستمر ومتواصل، ومع أن كل قطر عربى قد طور لغته العامية الخاصة به إلّا أن العرب جميعا استمروا فى استخدام الفصحى لغة للكتابة.
стр. 7145
لقد اتخذ العلماء المسلمون فى القرون الأولى للإسلام الذين كانوا مسئولين عن هذا الانجاز الجدير بالاحترام فى مضمار تَقْنين اللغة العربية -اتخذوا منطلقًا لهم النص القرآنى الكريم الموثّق تاريخيا، ذلك النص الذى ورد فيه أنه (كتاب عربى مبين) والذى سجِّل وجُمع فى القرن الأول للهجرة (السابع للميلاد) وأحاديث الرسول [ ﷺ ] والتى تعنى ما ورد عنه [ ﷺ ] من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير، وأقوال الخلفاء وخطبهم وخطب مشاهير خطباء صدر الإسلام ومجموعات الشعر العربى، وجعلوا من كل هذا مثلًا يحتذى للغة الكتابة، إلّا أن الجهود الأعظم على الاطلاق والتى بذلها العلماء المسلمون فى القرون الثانى والثالت والرابع للهجرة (الثامن والتاسع والعاشر للميلاد) هى تلك التى توجهت نحو جمع ما ظل محفوظًا فى صدور الرواة والبدو عن تراث ما قبل الإسلام وإحياؤه وتحقيقه، فتم جمع إْشعار الجاهلية وأمثالها وخطبها وتم درسها والتعليق عليها واستخدمت فى شروح القرآن الكريم كما استخدمت كشواهد لغوية.
والافتراض القائل بأن هذا الجهد الذى قام به العلماء المسلمون من حيث إعادة إنشاء بناء العربية وتقنينه وإنشاء قنطرة بين الأدب العربى قبل الإسلام وبعده له ما يؤيده تاريخيا، افتراض صحيح، فالقرآن الكريم ينص فى سورة إبراهيم، آية ٤ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وعندما كان العرب يسمعون القرآن الكريم فإنهم كانوا يفهمونه ويتذوقون عباراته الراقية ويدركون سمو لغته.
ويمكننا أن نُورد كثيرا من الشواهد التى تؤيد ما ذهبنا إليه من أن الشعر الجاهلى يتفق مع النص القرآنى والأدب الإسلامى لغة وصياغة وأسلوبا.
وثمة حقيقة أخرى وهى أن الشعر الجاهلى كما جُمع ووصل إلينا كان مفهوما ومستساغا فى كل أنحاء شبه الجزيرة العربية، فقد كانت اللغة الشعرية المتداولة فى بلاط اللخميين هى نفسها لغة الشعر عند الغساسنة، وهى نفسها فى نجد والحجاز.
стр. 7146
وثمة دعاوى متعلقة بالسبق فى مضمار -لغة الكتابة الأدبية ففى المراجع الإسلامية أن الشعر الجاهلى بدأ فى ربيعة بالمهلهل ثم انتقل إلى قيس بالنابغتين وزهير، وأخيرا وصل إلى تميم وظل فيها حتى أطلّت أيّام الإسلام، ويمكن أن نلقى ضوءًا على الموضوع من خلال حديث الرسول [ ﷺ ] (أنزل القرآن على سَبْعةِ أحرف) وكلمة أحرف هنا تعنى سبع لغات أو سبعة ألسن وهى وفقا لما ذكره أبن عبّاس لهجات هوازن العليا وتميم الدنيا *.
والمرحلة التالية فى تطور لغة الكتابة العربية وانتشارها بدأت مع ظهور الإسلام، فقد اختار الدين الجديد أن يتحدى عقول العرب ذات الطابع الشعرى بكتاب مقدس هو القرآن الكريم معجز فى صياغته وأسلوبه إعجازا لا يقل عن معجزة تحويل العصا إلى أفعى. ولقد تضمن القرآن ما يعتبر ثورة كاملة فى حياة العرب وعقائدهم وفلسفتهم العملية.
ومنذ بداية الوحى كان هذا القرآن الكريم يُحفظ عن ظهر قلب ويسجّل كتابة بواسطة كتَّاب الوحى. ولم يكن القرآن كلامًا يُتلى فحسب وإنما كان منهاج حياة، فقد كان المسلم -بشكل عام- لا يحفظ إلا آيات قلائل (عشر آيات على سبيل المثال) ثم هو لا يزيد عليها حتى يفهم معناها تماما ويدرك مراميها ويطبقها تطبيقا عمليا، ولم يمض وقت طويل حتى ظهر اختصاصيون فى تفسير النص القرآنى كابن عباس وابن مسعود وعِكرمة وعلىّ، وبذلك ظهر علم التفسير الذى سرعان ما أصبح فرعًا هامًا ساهم فى تطوير لغة الكتابة. وكان للاختلافات فى طريقة قراءة القرآن الكريم أهمية بالغة بالنسبة للمؤمنين، ولم تصبح هذه الخلافات خطرًا بعد جمع عثمان (رضى اللَّه عنه) القرآن فى نسخ
стр. 7147
معتمدة أرسلها للأمصار، ومع هذا فقد بقيت الاختلافات فى طريقة القراءة وأصبحت موضوعًا لعلم القراءات الذى يفيد فى معرفة اللهجات العربية. لقد أثر القرآن الكريم فى اللغة الأدبية إذ كان المسلمون ينظرون إليه عبر العصور كنص بليغ معجز يستحيل تحدّيه أو الإتيان بمثله، وظهرت كتابات تتناول سر إعجاز القرآن. لقد أدى ظهور الدين الجديد بما أحدثه من تغييرات فى العقيدة والظروف الاجتماعية إلى إحداث تغييرات كانت ضرورية فى اللغة العربية. ولم يكن هذا هو كل شئ فلم يظل العرب بعد ظهور الإسلام بفترة طويلة متقوقعين فى شبه جزيرتهم ولكنهم انتشروا خارجها ينشرون الإسلام حاملين معهم القرآن الكريم بلغته العربية المهذبة البليغة وحاملين معهم أيضا خصائصهم اللغوية القبليّة وما توارثوه من أشعار وحكم وأمثال وحكايات وخطب اختزنوها فى ذاكرتهم.
ولقد أثرت هذه الفتوح تأثيرا هاما فى توحيد لغة العرب فلم تعد القبيلة هى (الوحدة الاجتماعية) فى حياة العرب، فقد كانت جيوش الغزو العربية الكبيرة مؤلفة من خليط من القبائل، وكان كثيرون ممن انخرطوا فى جيوش الغزو هذه يصحبون معهم زوجاتهم وأطفالهم ومن ثم حدث اختلاط وتزاوج بين القبائل التى استقر أفرادها فى المدن المفتوحة وفى المستقرات الجديدة كالكوفة التى كانت تضم عناصر من شمال شبه الجزيرة العربية وجنوبها ومن الحجاز ونجد.
لقد تجاوز العرب الآن (فى هذه الفترة) المرحلة القبلية ليدخلوا مرحلة تجمعات المدن والبلدان وأصبحوا أهل حواضر كالبصرة أو الكوفة، كما انتمى العرب إلى البلاد التى استوطنوا بها كالعرب المصريين أو العرب السوريين، ومثل هذه النقلة الحضارية ومثل هذا الأسلوب الجديد فى التجمع ساعد يقينا على التقليل من الفروق بين اللهجات العربية. لقد انتشرت اللغة العربية إثْر الفتوح فى بلاد كثيرة، لكن لم يكن حظها فى الانتشار واحدًا فى كل المناطق، ففى مصر والشام -مثلا-
стр. 7148
أصبحت -ولا زالت- هى اللغة الوطنية، وفى بلاد أخرى كفارس ظلت لقرون قلائل لغة الثقافة ثم تخلت عن مكانها -بمرور الوقت- للغة الفارسيّة. وقد كانت هناك عوامل ساعدت على جعل اللغة العربية لغة وطنية (قومية) فى بعض البلاد، ففى الشام كانت هناك عناصر عربية مستقرة بالفعل وكان الشعر العربى -قبل الإسلام- يلقى ترحابا فى بلاط الغساسنة وكان عدد كبير من السكان يتحدثون -بالفعل- اللغة الآرامية وهى لغة تجتمع مع العربية فى الأصل الواحد. وفى العراق كانت هناك قبائل عربية مستقرة بالفعل منذ ما قبل الإسلام، وكانت هناك دولة عربية متمركزة فى الحيرة، وفى مصر كانت اليونانية منذ العصر البطلمى هى لغة الثقافة والسياسة والحكم والإدارة، وبعد ذلك أصبحت أيضا لغة الكنيسة، بينما كانت القبطية هى لغة الحياة اليومية بين الناس. وفى غضون قرن واحد من الفتح أصبحت العربية الفصحى هى اللغة الرسمية للدولة وأصبحت العربية العامية هى لغة الحديث بين المصريين. وتذكر المصادر أن اللغة القبطية قد اختفت تماما تقريبًا بعد هذه الفترة من معظم أنحاء مصر ولم يعد لها وجود اللهم إلّا بين الدارسين الذين تخصّصوا فى دراستها، وقد أورد هذه الحقيقة أحمد أمين فى كتابه فجر الإسلام. وعندما دخل الإسلام شمال أفريقيا وجد ثلاث لغات هى اللاتينية كلغة للإدارة والثقافة، ولغة خليط من اليونانية واللاتينية والساميّة كانت تعد بمثابة تراث أو إرث تخلف عن قرطاجة، واللغة البربرية فى المناطق الداخلية. وأصبحت اللغة العربية هى اللغة السائدة فى المدن بسبب انتشار الدين الإسلامى ووصول موجة فى إثْر موجة من العرب الذين استقروا فى هذا الشمال الأفريقى. وعلى أية حال فإن اللغة البربرية قاومت انتشار العربية فى المراكز الحصينة فى الداخل.
د. عبد الرحمن الشيخ [محمد خلف اللَّه M. Kalafallah]
٣ - العربية الوسيطة
إن تكوين الدولة العربية التى امتدت فى أقصى اتساع لها من البرانس وسواحل الأطلنطى إلى شواطئ نهر
стр. 7149
سيحون (سرداريا) ونهر إندوس -هذا الاتساع كانت له نتائجه التى أثرت على اللغة العربية، فقد ذهبت هذه اللغة بعيدا عن موطنها الأصلى فى شبه الجزيرة العربية والمناطق القريبة منها، لقد حملتها الجيوش الإسلامية إلى أقاصى المعمورة، وقد أدت حياة المعسكرات ورفقة السلاح إلى تجمع أفراد من قبائل شتى معا واتصلوا ببعضهم اتصالا وثيقا فى الأحياء السكنية مما أدى إلى اختلاط لهجاتهم وتقاربها.
وفى الولايات العربية الجديدة -ربما باستثناء سوريا- كان أهل البلاد يفوقون العرب عددا، وقد استمروا فى استخدام لغاتهم الأصلية لكنهم اضطروا لاستخدام لغة الفاتحين فى تعاملهم مع الحكومة القائمة مع أنهم -فى البداية- كانوا يستخدمونها كبديل مؤقت، وهناك أيضا غير المسلمين الذين وقعوا فى الأسر وعملوا فى خدمة سادتهم العرب فإنهم سرعان ما تعرّبوا واعتنقوا الإسلام، وقد اعتق عدد كبير منهم أو من سلالتهم ولعبوا باعتبارهم من الموالى دورا مهما فى الحياة الاقتصادية للدولة الإسلامية خاصة فى المدن. وكانوا ينطقون العربية بكثير من التبديل والتغيير فى حروفها وتراكيبها ويرجع هذا فى جانب منه إلى نشأتهم غير العربية، كما يرجع أيضا إلى التغيرات الاقتصادية والاجتماعية السريعة، وكانت هذه اللهجات المتباينة تباينا شديدا إحدى خصائص اللهجات العربية المحلية فى هذه المرحلة، وكانت سائدة بين الطبقات الدنيا فى مدن الولايات المختلفة. وكانت هذه اللهجات تتميز بتبسيط النطق، فالقاف القوية الخارجة من أعلى الحلق والتى تبدو واضحة فى كلام البدو لم يعد لها وجود فى هذه اللهجات، وكذلك حرفى الضاد والظاء، لقد اختلطا، وأهملت الحروف المتحركة إذا كانت فى أواخر الكلمات، ولم يكن الإعراب أفضل حظًا منها، وقد أثر استخدام المسيحيين فى فلسطين والشام والعراق وكذلك استخدام اليهود الشرقيين لها واعتمادها كلغة كتابة لديهم منذ القرن الثانى للهجرة (الثامن للميلاد) على مستواها فصارت أقرب إلى خواص العربية الوسيطة (عربية هذه المرحلة) بينما ظل العرب المسلمون متمسكين بلغتهم الفصحى التقليدية.
стр. 7150
وبنهاية القرن الأول الهجرى (السابع للميلاد) شعر الموالى بضرورة إتقان الفصحى السوية وأدى هذا إلى البدء فى الدراسات النحوية بينما واصل العرب الحفاظ على نقاء لغتهم، لجعلها مثلا يحتذى، وكان ما ينطق به البدو أساسا لوضع القواعد (النحو) وبناء على ذلك ظهرت المدارس النحوية فى الكوفة والبصرة.
لقد ساعد الاهتمام بأمثال العرب وأيامهم وبالمغازى والسيرة على الحفاظ على اللغة العربية الفصيحة، أما الاهتمام بحديث الرسول ﷺ وبعلم الفقه فقد ساعد على أن تترك التغيرات الاجتماعية والاقتصادية أثرها من حيث الكلمات المستخدمة والأسلوب وطريقة الصياغة، بل وحتى فى الصرف أو بنية الكلمات. وقد تأثر النثر الفنى الذى لا يتناول موضوعات دينية فى العصر العباسى الأول بتلك التغيرات الاجتماعية والاقتصادية وإن كان ذلك على نحو مختلف، فقد أدت هذه التغيرات إلى بزوغ نجم العناصر غير العربية كما أدت إلى إحياء تراث ما قبل الإسلام وإحياء الهيلينية الشرقية (الهيلينستية) بشكل ترك تأثيرا فائقًا فظهر شعراء مُحْدثون مثل أبى العتاهية الذى كان يمثل اتجاها جديدا رغم التزامه بالشكل التقليدى للقصيدة العربية. ويمكننا أن نجمع من كتابات الجاحظ (١٦٥ - ٢٢٥ هـ) ما يفيدنا فى التعرف على أحوال العربية فى نهاية القرن الثانى للهجرة (الثامن للميلاد) من حيث النطق الخاطئ واللّحن من ناحية والكياسة فى التعبير والتملق والكلف والتأنق فى اختيار الألفاظ والمعانى من ناحية أخرى إلى جانب معرفتنا باللغة العربية الفصيحة كما ينطقها البدو الخفص وما اعتراها من تغضّن والتواء قل أو كثر نتيجة جريانها على ألسن الزراع والتجار والباعة الجائلين وغيرهم.
ودخلت العربيةَ مصطلحاتٌ لا حصر لها نتيجة جهود المترجمين والعلماء الذين جعلوا التراث الفلسفى اليونانى والطب والرياضيات وغيرها متاحة للعقل الإسلامى. لكن هؤلاء المترجمين والعلماء كانوا فى غالبهم من المسيحيين
стр. 7151
(مثل حنين بن إسحق) أو من اليهود، ولم يكونوا يتقنون نحو العربية إتقانا كاملا ومن هنا تجلت فى لغتهم ملامح هذه الفترة.
وأدى انحلال القوى العباسية وازدهار العسكرية التركية أثناء القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) إلى تدنى مستويات التعليم، فحتى لغة البلاط لم تعد تحتفظ بنقائها القديم بل طُعِّمت بأساليب السوقة وألفاظهم. وفى حوالى سنة ٣٠٠ هـ (٩١٢ م) اقتصر استخدام الفصحى على المجتمعات الراقية وفى مجالس القضاء ومجالس العلم، ومع هذا فقد كان الحديث بها -رغم مراعاته قواعد الإعراب- يتسم بالتكلف والتحذلق. وفى هذه الفترة نبغ فى الكتابة بالعربية عدد كبير من غير ذوى الأصول العربية كالخوارزمى وبديع الزمان وفى فقه اللغة أبو هلال العسكرى. وكان الأدب الرفيع فى حاجة إلى تفسير أو تعليق ليفهمه الناس، وقد حدث هذا بالفعل بالنسبة لأدب أبى العلاء المعرى والمتنبى. ومع نشوء الدولة المستقلة فعليا عن الدولة العباسية مع بقائها تابعة اسميا لها تأثر وضع العربية باعتبارها لغة الإسلام، ففى عهد الدولة السامانية -إحدى دويلات الشرق- جرى إحياء الآداب الفارسية بل حدث هذا فى عهد السلاجقة كذلك، وبعد أن اجتاح المغول العالم الإسلامى الآسيوى فى معظمه دخلت العربية المكتوبة مرحلة تاريخية جديدة فقد أصبحت مصر تحت حكم المماليك هى قطب الرحى لهذا العالم الإسلامى وأصبحت القلب النابض للثقافة الإسلامية والأدب العربى، وقد تأثرت العربية الفصيحة فى هذه الفترة باللهجات المحلية وجرى استخدام ألفاظ عامية، وهذا واضح فى كتابات ابن أبى أصيبعة (توفى ٦٦٨ هـ/ ١٢٧٠ م) وابن إياس (حوالى ٩٣٠ هـ/ ١٥٢٤ م) وابن طولون (حوالى ٩٥٥ هـ/ ١٥٤٨ م) بل ودخلت العربية ألفاظ تركية وتراكيب تركية كما هو واضح من كتابات الأمير بكتاش الفخرى.
وقد أثرت التغيرات الكبرى التى اتخذت سبيلها للعالم فى نهاية القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر
стр. 7152
الميلادى) فى اللغة العربية المكتوبة، وكان التأثير الذى لحقها عميقا، فبعد سقوط غرناطة سنة ٨٩٧ هـ/ ١٤٩٢ م وخروج المسلمين من الأندلس، تلاشت العربية من شبه جزيرة أيبيريا، وفى بلاد المغرب -حيث كانت العربية الفصحى فى مواجهة حادة دائمة مع اللهجات المحلية- انبثق من اللغة الشعرية الجديدة لهذه اللهجات ما سُمّى بالمَلْحون، وقد حقق هذا اللون منذ القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى) انتشارا واسعا فى المغرب الأقصى (مراكش).
وبعد وقوع البلاد الناطقة بالعربية فى أيدى سلاطين آل عثمان، لم تعد اللغة العربية وآدابها تحظى بالاهتمام الأول، حتى فى مصر -التى كانت حتى ذلك الوقت حاضرة الثقافة العربية- فتدَنَّى النشاط الأدبى فيها إلى أدنى درجة، وأصبحت الفصحى مقصورة على الخاصة وظهر التأليف بالعامية (انظر على سبيل المثال هزّ القحوف فى شرح قصيدة أبى شادوف للشربينى المتوفى حوالى ١٠٩٨ هـ/ ١٦٨٧ م). وفى القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى) كانت القصائد -بالفعل- تكتب بالعامية، أما فى الشام فقد قام جرمانوس فرحات رئيس الأساقفة المارونى (توفى ١١٤٥ هـ/ ١٧٣٢ م) فى حلب ببذل جهد كبير لإحياء دراسة نَحْو العربية ومفرداتها وبلاغتها. أما خارج البلاد الناطقة بالعربية فقد ظل العلماء والدارسون يستخدمونها وبخاصة أولئك المتخصصون فى التوحيد والفقه والموضوعات المتصلة بهما. ورغم أن منطقة نفوذ اللغة العربية كانت قد امتدت لتشمل أنحاء من شرق أفريقيا وزنجبار والملايو، وأرخبيل أندونيسيا إلّا أن تأثيرها قد تقلص الآن فى هذه المناطق عن ذى قبل. وقد استمرت مرحلة الانهيار والتجمد بالنسبة للغة العربية حتى بداية القرن الثالث عشر للهجرة (التاسع عشر الميلادى).
المراجع:
(١) H. L. Fleischer Kleinnere Schinlten, i-iii, Leipzig ١٨٨٥ - ٨
(٢) Th. Noldeke, Zur Grammatik des classischen Arabisch, Wien ١٨٩٦
стр. 7153
(٣) J. Fuck, Arabiya, Unter suchungen zur arabischen Sprach-und StiIgeschichte, Berlin ١٩٥٠
د. عبد الرحمن الشيخ [ح. و. فيك J. W.Fuckv]
٤ - العربية المكتوبة فى العصر الحديث
كانت حملة نابليون على مصر سنة ١٧٩٨ م تمثل بداية الاقتحام الأوربى لعقل العالم العربى، فبدأت عناصر لا تحصى من مفردات الحضارة الغربية تحدت تأثيرات عميقة فى اللغة العربية المكتوبة، وتحقَّق ذلك بالفعل من خلال برنامج محمد على الإصلاحى المتروِّى الذى استهدف إدخال المنجزات الأوربية خاصّة من فرنسا التى ظلت مثلًا يُحتذى فى كل مكان حتى بعد الحرب العالمية الأولى. لقد اتخذت الأفكار الأجنبية طريقها إلى فكر المصريين عن طريق البعثات التعليمية إلى فرنسا، وإنشاء مدارس على النَّسق الأوربى، وإنشاء مطبعة عربية، والأهم من كل ذلك ترجمة كتب أوربية عديدة مما أوجد ضرورة إيجاد تعابير ومصطلحات لحشد من الأفكار الأجنبية، وقد ظهرت الحاجة لذلك فى مصر أولا ثم فى المناطق العربية الأخرى. فحتى الترجمات الباكرة التى قام عليها المترجمون الأول فى مصر -وكان من أبرزهم رفاعة رافع الطهطاوى (١٨٠١ - ١٨٧٣ م) - كانت تشتمل على عدد كبير من المصطلحات الأجنبية جنبا إلى جنب مع مصطلحات عربية خالصة تم وضعها للتعبير عن أفكار أوربية. ولم تبدأ حركة معارضة حقيقية ضد الإسراف فى استخدام كلمات أجنبية حتى النصف الثانى من القرن التاسع عشر. لكن قضية كيفية مواجهة الحاجة المتزايدة لوضع مصطلحات وتعابير جديدة فى اللغة العربية قد أضحت واحدة من القضايا الفكرية الكبرى المثارة. فالأثر الأوربى -فى حد ذاته- قد أيقظ لدى العرب الإحساس بعظمة تراثهم اللغوى والأدبى بعد قرون شكلت فترة فاصلة بينهم وبين هذا التراث، ومما ساعد على هذا الإحياء طباعة كثير من الأعمال الأدبية التراثية والمعاجم وكتب النحو، وشاعت فكرة أن العربية الفصحى القديمة هى الأكثر صحة والأكثر جمالا
стр. 7154
من العربية فى أثوابها أو أشكالها الجديدة، رغم وجود معارضين لهذا الرأى، وقد بدأت المطالبة بإحياء العربية الفصحى التقليدية فى الشام (سوريا ولبنان)، وكان إبراهيم اليازجى من بين أوائل النقاد المهتمين باللغة العربية وقد انتقد لغة الصحف فى زمانه فى مقالات تحمل عنوان (لغة الجرائد) وقد نشرت على هيئة كتاب فى القاهرة سنة ١٣١٩ هـ, ومع هذا ظلت مشكلة المصطلحات العلمية أكثر تعقيدا رغم جهود بذلها كثيرون منها:
معجم أسماء النبات لأحمد عيسى (القاهرة، ١٩٣٠ م) ومعجم الحيوان لأمين معلوف (القاهرة، ١٩٣٢ م) ومعجم الألفاظ الزراعية لمصطفى الشهابى (دمشق، ١٩٤٣ م) ومعجم ألفاظ الطب والأحياء وما يتصل بهما لمحمد أشرف (الطبعة الثانية فى القاهرة، ١٩٢٩ م) وغير هذه الأعمال كثيرًا، وإن كانت هذه الأعمال لم تدرج كثيرا من التعبيرات والمصطلحات المستخدمة بالفعل كما أن هذه الأعمال اشتملت على إضافات اجتهادية من مؤلفيها. أما الجهود الرامية إلى تنسيق تعريب المصطلحات العلمية فتعود إلى الثمانينات من القرن الأخير وبعد محاولات غير ناجحة تم تأسيس المجمع العلمى العربى فى دمشق سنة ١٩١٩ م الذى ظهرت بواكير مطبوعاته سنة ١٩٢١ م. وفى سنة ١٩٣٢ م ظهر للوجود مجمع اللغة العربية وأصدر (مجلة مجمع اللغة العربية) صدر المجلد الأول منها ١٩٣٤، ومنذ ١٩٣٦ بدأ تجميع محاضر المجلس. وفى العراق كان الأب أنستاس مارى الكرملى يصدر (لغة العرب) وعمل على تأسيس المجمع العلمى العراقى سنة ١٩٤٧ م. ومع المحاولات المستميتة للتمسك بالعربية التقليدية إلا أن أحدا لم يكن بمستطيع الهرب من التأثير الأوربى على العربية حتى النحو جرى تبسيطه وإن كان الصرف وطريقة النطق قد ظلا كما هم دون تغيير. وتم إحياء كلمات عربية كانت مهجورة واستخدمت استخداما جديدا مثل كلمة قطار التى كانت تعنى مجموعة جمال يمشى بعضها فى إثْر بعضها الآخر، انصرف معناها لتعنى قطار السكك الحديدية،
стр. 7155
وكلمة البَرْق التى تعنى الضوء المصاحب للرعد أصبحت تعنى التلغراف، واستُخدمت اشتقاقات جديدة من جذور لغوية قديمة للدلالة على مستحدثات مثل متحف من (ت ح ف) وإذاعة ومفازة. . . الخ، وأضيفت بعض الصفات لألفاظ قديمة لإعطائها دلالات جديدة مثل (البريد الجوى). وحتى الحرب العالمية الأولى كانت معظم الألفاظ الدخيلة فى العربية من الفرنسية والإيطالية ثم بدأ التأثير الإنجليزى بعد الحرب العالمية الأولى خاصة فى مصر والعراق وبدأت كثير من الكلمات ذات الأصل التركى تختفى فى الحقب الأخيرة. وقد أجرى العرب على الألفاظ الدخيلة -أحيانا- طريقة الجمع العربية (مثل جمعهم فيلم على أفلام وبنك على بنوك) وكذلك طريقة المصدر الصناعى كقولهم (ديمقراطية)، لكن الكلمات الأجنبية التى دخلت العربية لم تكن كافية بأى حال ولا زال استخدام المصطلحات الأجنبية قائما فى كثير من المجالات العلمية.
ومن غير المتوقع أن تحل اللهجات المحلية العامية محل العربية الفصحى كلغة كتابة، فاستخدام العرب من العراق لمراكش لغة واحدة يعد رمزا لوحدة ثقافتهم التليدة وأملا يدعم وحدتهم.
المصادر:
(١) W. Braune, in MSOS xxxvi, ٢, ١٣٠ - ٤٠
(٢) Brockelinann, S III ٥ - ٧, J
(٣) Fuck, Arabiya xiv; R. B. Winser and F. J. Ziadeh, An Introduction to Modem Arabic, Princeton ١٩٥٥
د. عبد الرحمن الشيخ (هـ. فبر)
العربية الدَّارجة
مسح عام:
يتحدث العربية اليوم ملايين من البشر يقطنون غرب آسيا وشمال أفريقيا من الخليج العربى إلى المحيط الأطلنطى، وهذه المناطق تشمل شبه الجزيرة العربية والهلال الخصيب وحتى الحدود الفارسية والتركية كما تضم مصر ومعظم السودان (من النيل
стр. 7156
إلى تشاد) وتونس والجزائر ومراكش والسودان الغربى (غرب أفريقيا الناطقة بالفرنسية) وشمال الصحراء الكبرى، وبالإضافة لهذه المساحة الممتدة توجد مناطق أخرى مثل جيبوتى وزنجبار، وفى أوربا مالطة (فيما مضى جزر البليار وصقلية) وأسبانيا (حتى القرن الخامس عشر) ويجب ألا نغفل السوريين واللبنانيين الذين هاجروا واستوطنوا فى أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وغرب أفريقيا الناطق بالفرنسية.
واللهجات المستخدمة اليوم مشتقة -بصفة أساسية- من اللهجات العربية القديمة فى وسط شبه الجزيرة العربية وشمالها، ولم يلحظ علماء فقه اللغة التاريخى والمقارن (الفيلولوجيا) فروقا جوهرية فى التركيبات اللغوية، وكل ما لاحظوه من اختلاف مقتصر على النطق والكلمات المستخدمة. وقد وصف علماء اللغة الآنف ذكرهم هذه اللهجات العربية القديمة جميعها بالفصاحة وقسموها إلى ثلاث مجموعات: لهجات الحجاز واعتبروها هى الأنقى، ولهجات نجد، وأخيرا لهجات القبائل المجاورة واعتبروها لهجات فسدت إلى حد كبير بدخول تأثيرات من لغات سامية وغير سامية عليها. وقد ارتقت عربية الحجاز خاصة لهجة قريش لتصبح لغة أدب قبل ظهور الإسلام.
وللعامية العربية الحديثة أصول من العربية الفصحى مع بعض التحولات، فحرف الضاد الذى يميز اللغة العربية الفصحى أصبح فى اللهجات العامية أقل فخامة، بل لقد اقترب من حرف الدال، وكذلك اختلفت صيغ الجمع عنها فى الفصحى، ومع كل هذا فمعجم العامية هو فى غالبه معجم الفصحى مع ملاحظة أن كثيرا من الألفاظ الفصحى المرتبطة بالحياة البدوية إما أنها اختفت بين السكان الحضر أو أنها استخدمت استخداما مختلفا، كما أن ألفاظا من لغات أجنبية وجدت طريقها بوضوح للعامية.
أدب اللهجات العامية:
ظل أدب اللهجات العامية بشكل أساسى أدبا شفاهيا غير مكتوب، وذلك لأن البعد الدينى للعربية الفصحى باعتبارها لغة القرآن الكريم قد منع
стр. 7157
تطور الأدب العامى مع استثناءات يسيرة، متمثلة فى الأمثال الشعبية والزجل الذى يتناول المجالات الشعرية نفسها وهى التى يتناولها الشعر الفصيح: مديح، وهجاء ورثاء ووصف. . وقد أفرز الأدب الشعبى ملاحم وقصصا، وعندما نتحدث عن الأدب الشعبى فإن هذا لا يعنى بعده الكامل عن العربية الفصحى، والمثال الواضح لذلك هو قصص ألف ليلة وليلة وفى الفترة الأخيرة جرت محاولات لإنشاء أدب شعبى باللهجات العامية خاصة فى مجال المسرحيات والروايات.
ويجب ألّا نغفل الإنتاج الأدبى والفكرى العربى للمسيحيين (انظر: G.Graf,: Geschichte der christilick Arabischen Lileratur Leipzig ١٩٠٥ ولا الأدب الذى أنتجه العرب بلغات غير العربية فى مالطه، ولا الكتابات العربية اليهودية. وبالنسبة لليهود العرب وإنتاجهم المكتوب بعبرية ذات طابع خاص أو أيضا بعربية ذات طابع خاص يمكن للباحث المهتم أن يطالع مقال: E. Vassel,: La Litteratnre Popalaire des Israelites tunisiens. in RT, ١٩٠٤
وكتاب:
G.Vajda,: Un Recueil de texres historique Juddo-Mazocaiues, Paris ١٩٥١
وكذلك:
M. Steinschneider.: Arabische Litteratur. der juden. Frankfurt. ١٩٠٢
وليس بين أيدينا حتى الآن عمل شامل عن أدب اللهجات العامية العربية.
عاميّة المشرق العربى:
تمتد المنطقة الجغرافية التى تشغلها هذه اللهجات لتشمل مصر وسوريا وشبه الجزيرة العربية وبادية الشام والعراق. وتوجد لغات غير العربية فى هذه المساحة الجغرافية، ففى مصر بربرية أهل سيوة، وفى المنطقة السورية اللبنانية اللهجة الآرامية فى معلولة وجبعدين وبخعة Bakh'a, ولغة الجراكسة الذين يعيشون فى قرى سورية مختلفة (القنيطرة وعين زيت وتل أميرى خاناسير ومنبيج)، وجرش فى الأردن، واللغة الأرمنية (أو التركية) التى يتحدث بها حوالى ٢٠٠.٠٠٠ أرمنى (خاصة فى بيروت وحلب)،
стр. 7158
واللغة الكردية التى يتحدث بها حوالى ٢٣٠.٠٠٠ كردى فى جبل الأكراد وجربلوس والـ Hassetche، وبعض المدن الرئيسية خاصة بيروت ودمشق، ويشكل الأكراد جزءا رئيسيا من سكان العراق، وبالإضافة لهذا هناك السريانية الجديدة فى سهل الموصل. وفى شبه الجزيرة العربية وكمزارى (شبه جزيرة مسندم فى عدن) لهجة فارسية. وهناك أيضا لغات جنوب شبه الجزيرة العربية الحديثة (وصف الحداثة هنا يعود للغات لا لشبه الجزيرة) وتوجد بين حضرموت وعمان ممثلة فى اللغة المهرية والقروية والهرسوس والبتهريّة، وفى إسرائيل توجد العبرية الحديثة.
وقد تغلغلت العربية المصرية (لهجات البدو) فى جمهورية السودان وانتشرت بين الناطقين باللغات النيلية والكوشيّة، ثم انتقلت بتأثيرات مغربية فى منطقة بحيرة تشاد حيث اللغات الزنجية الأفريقية، وتستخدم العربية اليمنية كلغة ثانية بين الصوماليين فى أفريقيا. واتخذت العربية فى عمان طريقها إلى زنجبار، ووجدت تأثيرات من اللهجات العربية البدوية فى تركمانستان وخزرستان وطاجيقستان، وأخيرا ففى أمريكا يوجد السوريون واللبنانيون.
ونعود إلى اللهجات العربية المشرقية، ففى مصر حققت لهجة القاهريين شهرة، أما لهجة أهل الإسكندرية فأقل شهرة، وما نعلمه عن لهجات الفلاحين قليل، أما لهجات البدو وأهل الصعيد فهى الأصعب على الإطلاق. وفى فلسطين لابد أن نلاحظ الفصل بين لهجات الحضر المستقرين وأهل الريف المستقرين (الفلاحين) والبدو. وفى سوريا ولبنان فإن لهجات الحضر المستقرين ولم هل الريف المستقرين يمكن -حقا- تمييزها بوضوح وإن كانت الفروق بينها أقل إذا قورنت بالفروق بينها وبين اللهجات البدوية، ولهجات المدن الكبرى كبيروت ودمشق وحلب والقدس متشابهة. وفى منطقة جبال لبنان المقسم إلى وحدات إدارية منفصلة يلاحظ المرء بعض الفروق المحلية.
وفى العراق اختلطت اللهجات الحضرية والريفية بلهجات بدو شمال
стр. 7159
الجزيرة العربية اختلاطا شديدا. . وبشكل عام فإن اللهجات البدوية هى الأكثر انتشارا (لها السيادة) فى العراق.
وقد تكون دراسة لهجات يهود بغداد والبصرة أكثر فائدة إلّا أن الهجرات الحديثة قد فككت هذه المجتمعات. وإنه لأمر شائق أن نلاحظ اللهجات من خلال النصوص الأدبية.
ويلاحظ أن اللهجات العامية استغنت عن حرف الضاد ووضعت بدله حرف الدال، كما اختفى الالتزام بتشكيل أواخر الكلمات (الإعراب). . . الخ
المصادر: وردت فى المتن.
عاميّة المغرب العربى
انتشرت العربية انتشارا واسعا فى شمال أفريقيا لكنها لم تكن بأية حال اللغة الوحيدة، فقد ظلت البربرية -رغم فقدانها بعض المواضع- فى حالة ازدهار. وساعدت الظروف الجغرافية من جبال وتلال وامتداد صحراوى شاسع على ذلك فتغلغلت العربية لكنها لم تمحق البربرية خاصة فى المناطق الداخلية. وقد تنوعت العربية العامية فى المغرب تنوعا شديدا وصعب بعضها صعوبة غير مألوفة حتى أنه يمكننا أن نطلق مصطلح (العربية المغربية) عليها تمييزا لها عن (العربية المشرقية). وقد ذهب بروكلمان فى أبحاثه الباكرة -حيث لم تكن المعلومات قد توفرت بما فيه الكفاية عن لهجات المغرب العربى- إلى أن اللهجات المغربية ذات طابع بدوى فى الأساس لكن هذا الرأى يبدو الآن غير دقيق، فالخواص الصوتية فى غالب اللهجات المغربية تميزها عن غيرها من اللهجات، حيث يجرى التركيز على أواخر الكلمات على سبيل المثال، كما يجرى تقصير حروف المد، فالفعل (ضَرَبَ) على سبيل المثال عند النطق تقصر الفتحة بين الضاد والراء، وتوسع بين الراء والباء (darab) تصبح (drab) وفَرَح (farah) تصبح (frah) أى تقصّر الفتحة بعد الفاء وتطوَّل بعد الراء، أما ضَرَبوا (darahu) فإنهم عند النطق يختزلون الفتحة بعد الراء (darbu) . وللمغرب العربى قاموسه الخاص من المفردات بعضها غير شائع فى المشرق وإن كان هذا لا يمنع أنها كلمات عربية أو من أصول عربية.
د. عبد الرحمن الشيخ [ف. مارسيه PH Marcais]
стр. 7160
ب - الأدب العربى
قسَّمنا هذا المبحث كالتالى:
١ - بواكير الأدب العربى:
- قبل الإسلام (الشعر والنثر).
- شعر القرن الأول.
٢ - الأدب العربى فى القرن الثانى (الشعر والنثر).
٣ - الأدب العربى فى الفترة من القرن الثالث إلى القرن الخامس. (الشعر والنثر).
٤ - الأدب العربى من القرن السادس إلى القرن الثانى عشر.
٥ - الأدب العربى الحديث.
• إلى سنة ١٩١٤.
• بعد سنة ١٩١٤.
قائمة عامة بالمراجع.
لم يكتب حتى الآن * تاريخ كامل للأدب العربى، فلا زالت أعمال كثيرة مهمة مخطوطة لم تُنشر، كما أنَّ الدراسات النقدية التى تتناول الشعراء والكتاب لازالت قليلة نسبيا، ولم تحظ بعض فترات الأدب العربى بالدراسة الوافية، ويجد الباحث أن أكثر القوائم اكتمالا هى تلك التى قدمها لنا بروكلمان فى كتابه تاريخ الأدب العربى: C. Brockelmann: Gesch. der arab.Literatur وما صدر له من ملحقين.
وثمة مسح آخر للإنتاج الفكرى العربى قدّمه لنا جبريلى: F.Gabrieli,Storia della letteratura araba, Milan (١٩٥٢)
بالإضافة للحصر الوارد فى الأعمال الآتية:
- H.A.R. Gibb: Arabic Literature, Landon, ١٩٢٩
- R. A. Nicholson,: A literary history of the Arabs, and ed., Cambridge, ١٩٣٠
- Ch. Pellat,: langue et litterature arabes, Paris, ١٩٥٢
- O. Rescher,: Abriss der arab
Literaturgeschichte, i, ii, Stuttgart ١٩٢٥
- جورجى زيدان، تاريخ آداب اللغة العربية فى أربعة مجلدات القاهرة ١٩١١.
стр. 7161
- أحمد الاسكندرانى ومحمد عنانى، الوسيط فى الأدب العربى، القاهرة، ١٩١٩. .
بالإضافة إلى أعمال أخرى عديدة صدرت باللغة العربية، وقد أدرجنا -بعد ذلك- فى قوائم تشتمل على المصادر والمراجع المتعلقة بكل فترة على حدة، كما أدرجنا مصادر أخرى فى ثنايا البحث تتناول كتابا أو شعراء.
(١) بواكير الأدب العربى
١ - قبل الإسلام:
- الشعر: بدأ الأدب العربى فى الظهور فى نحو أواخر القرن الخامس للميلاد ممثلًا فى الشعراء العرب فى الشمال الشرقى لشبه الجزيرة العربية وعند تخوم الفرات، وقد بقى من إنتاجهم ما حاز انتشارا، على نحو أو آخر، وقد وصل الجيل الثانى من هؤلاء الشعراء بقصائدهم إلى درجة عالية من الكمال والإتقان الفنى، وكان من بينهم الشاعر الأشهر امرؤ القيس، وكانت قصائدهم (المفرد: قصيدة، والجمع: قصائد، وبلغة الحياة اليومية: قَصيد) مثلا يُحتذى للأجيال اللاحقة من الشعراء العرب الذين نهجوا نهجها -بلا استثناء- مع بعض التغيير فى المحتوى وطريقة التناول. لقد انتشرت أشعار هذه المدرسة بسرعة كبيرة فى شبه الجزيرة العربية ومناطق المستقرات العربية فى الشام والعراق. وبظهور الإسلام وما تلاه من تغير فى الاهتمامات القبلية تعرض هذا النوع من الشعر لكسوف مؤقت.
والقصيدة العربية شكل فنى تتميز بخصائص لا تشاركها فيها الآداب الأخرى إلّا قليلا -والغرضان الرئيسيان. . للقصيدة العربية هما الفخر والمدح، وهما يردان فى سياق رحلة يقوم بها الشاعر، ويوسع الشاعر من مجال قصيدته بالنسيب وهو التشبيب بامرأة من قبيلة أخرى، ووصف بعير الشاعر أو حصانه وذكر مزاياه، ومقارنته بالطرائد، ويفضى هذا إلى ذكر شئ من حياة الحيوان فى الصحراء. ويستطرد الشاعر فيتعرض لصور مثالية من الكرم البدوى، وعادات الشراب والحرب ومناظر المعارك، وهجاء المناوئين له. ويتراوح طول
стр. 7162
القصيدة بين ستين ومائة بيت لها الوزن نفسه، والقافية نفسها.
ويحيط الغموض بأصول الشعر العربى، فتراث فقه اللغة العربية (الذى يشكل غالبا مصدر المعلومات الوحيد فى هذا المجال) لا يقدم لنا معلومات تعود بجذورها إلى أبعد من شعراء القصائد (أو القصيد) مع أنه من الصعب أن نتصور أن هؤلاء الشعراء قد أنشأوا قصائدهم هكذا فجأة دون أن يكون قد سبقهم أسلاف مهدوا الطريق. لقد كان ظهور المدرسة الشعرية الجديدة معاصرا لمملكة كِنْدَة فى شمال شرق شبه الجزيرة العربية، وكان لمملكة كِنْدَه علاقات مع أمراء الحيرة وغسّان، مما يجعلنا نفترض إمكانية ورود تأثيرات من منطقة الهلال الخصيب، لكننا لا نمتلك أدلة تؤيد هذا الفرض.
وعلى أية حال فقد أثر شعراء القصيد بشكل مسيطر وواضح على الشعر العربى الذى أتى بعد ذلك.
والطابع الرئيسى الذى يميز هذه القصائد وترك أثره بعد ذلك هو التركيز أو التكثيف أو الإيجاز الشديد، إذ يتم حشد كل الإشارات والإيماءات والصيغ بشكل مركز لتوضيح الصورة فى أقل قَدْر من الكلمات. وكانت الصور البيانية من استعارة وكناية وتشبيه محصورة فى صور تقليدية قليلة مرتبطة بالحرب والطعام، وقد يقتضى سياق القصيدة إضافة مثل أو عبارة تجرى مجرى المثل. أما عن أقسام القصيدة فإن الجزء المتعلق بوصف الحيوان يتسم بالحيوية والواقعية، على العكس من الجزء المتعلق بالنسيب، إذ يشير هذا الجزء بإيجاز إلى موقع المعسكر الذى سبق أن أقام فيه الشاعر فى رحلة سابقة (وصف الأطلال) ونادرا ما يصف الشاعر المرأة التى تستدعيها ذاكرته، رغم أن الأبيات التى تتناول المرأة بالوصف الحسِّى قد يخصص لها أحيانا بعض الأبيات المنفصلة. والبيت الشعرى -وليس القصيدة ككل- هو المعيار الذى تقاس به مهارة الشاعر الشعرية. والشعر الجاهلى (شعر ما قبل الإسلام) أو على الأقل ما بقى منه ارتبط بعدد محدود من الأغواض themes تلاحمت مع القيم الخلقية والجمالية السائدة، لذا فقد كان
стр. 7163
المضمون الشعرى معروفًا سلفا، بل وأكثر من هذا فقد كان أى خروج عن المألوف يعد أمرا لا يحظى بالقبول، كما تحكم الشكل الشعرى فى استرسال عاطفة الشاعر. واتسم المحتوى الشعرى بالاعتدال والرزانة اللهم إلّا فى مجال الفخر والمديح حيث حفل هذان الغرضان بالمبالغة خاصة إذا كان الأمر متعلقا بالكرم. وأخيرا فقد كانت المهمة الكبرى للشاعر هى كونه ممثلًا للذاكرة الجمعية، ومن ثم أضفى طابع الاستمرار على الحاضر.
وبالإضافة للقصائد ظهر ما يعرف بشعر المناسبات حيث يتناول الشاعر موضوعا شعريا واحدا، لكن هذا النوع من الشعر -على أية حال- لم يظهر قبل القصائد المعروفة التى أنشأها شعراء القصيد، كما أن شعر المناسبات هذا قد تأثر فنيا بالقصائد التقليدية، ولا يمكن اعتباره ممثلا للشعر العربى فى مرحلته الباكرة. إلا أنه يمكننا أن نستثنى من ذلك -على نحو ما- أشعار الحرب من بحر الرَّجز، وكذلك شعر الرِّثاء الذى هو أقرب إلى المعنى العام لفن الشعر، ومن بين شعر المناسبات أيضا ما يعرف بشعر الحماسة، وقد ارتبط بعضه بالشعراء الصعاليك.
إن ثمة معنى خاصا ارتبط بشعر الهجاء مؤداه أن الشاعر الهجاء ينطق بلسان قوى غيبية أو قوى ما فوق الطبيعة (انظر: I.Goldziher,Abhandlungen zur arab. philologie, i ١٨٩٦, ١ - ١٢١)
ويبدو أن تركيز العرب على جماليات الألفاظ وحسن اختيارها قد أعطى للألفاظ نفسها قوة ذات دلالات غامضة وسحرية. وكان الشعر مبعث فخر ومجال تنافس، فالشاعر الذى يمكنه أن يؤثر فى مشاعر مستمعيه بالمجازات البليغة والمحكمة والعبارات الخصبة المشبعة بالكنايات والفوارق الدقيقة فى المعانى، ليس مجرد شاعر، وإنما هو يلقى التوقير والاحترام باعتباره حاميا لشرف القبيلة وباعتباره سلاحًا فعّالا ضد أعدائها. وكانت الحروب القبلية تحسم -على نحوٍ قلَّ أو كَثُر- من خلال المفاخرة بين الشعراء المرموقين، تماما كما تحسم فى
стр. 7164
ميدان القتال. وكانت عادة المفاخرة هذه عميقة الجذور حتى أن محمدا ﷺ لجأ اليها -بعد ذلك- فى المدينة المنوّرة، رغم أنه كان -بشكل عام- معاديًا لنفوذ الشعراء (انظر ديوان حسّان بن ثابت. وحساسية العرب للهجاء لم تمنع من توجيهه ضد شيوخ القبائل وذوى الحيثيات، وإن كانت قلة قليلة من هذه الأشعار هى التى بقيت (هكذا لاحظ الجاحظ فى كتابه الحيوان، ١، ٣٥٩)
والملمح الجدير بالملاحظة هو الافتقاد الكامل لشعر الحب (بصرف النظر عن النسيب التقليدى) كما أن شعر الخَمْريّات نادر بدوره ويلاحظ أن الشواهد الدالة على وجوده تعود لفترة ظهور الإسلام (انظر أبو محْجَن)، ولا توجد قصائد مستقلة تتناول الصيد (قصائد الطرديّة والجمع طرائد). وشهدت المناطق الحضرية أيضا شعراء، وإن كان إنتاجهم الشعرى يختلف نسيجًا ومضمونا عن شعر البادية، ولم يبق منه إلّا القليل خلا أشعار عَدِىِّ بن زيد وهو شاعر من الحيرة يتناول الدين ومجالس الشراب بالإضافة للقصائد الدينية المنسوبة إلى أمية بن أبى الصلت (من الطائف) وهى قصائد مشكوك فى نسبتها إليه.
النقل والتوثيق:
ليس هناك دليل يقينى على أن الشعر الجاهلى قد وصلنا مكتوبا فى فترة سابقة على القرن الأول الهجرى رغم أنه لا يمكننا انكار استخدام الكتابة فى تسجيل الأعمال الأدبية قبل الإسلام وإن كان وصول الأشعار والأشكال الأدبية الأخرى إلينا يُعزى فضله للرواة، أما عملية التسجيل فيعود الفضل فيها لعلماء فقه اللغة فى القرن الثانى للهجرة (الثامن للميلاد) وعلى هذا فتدوين الانتاج الأدبى بدأ بعد مائتى سنة أو ثلاثمائة من ظهور هذا الإنتاج أو إنشائه، وهذا يجعل الأشعار المجموعة والمنسوبة للجاهلية موضع شك فى نسبتها لقائليها، وقد تعرض لهذه القضية د. س مرجليوث فى مجلة الجمعية الملكية الآسيوية Journal of the Royal Asiatic Society, العدد الصادر سنة ١٩٢٥، وطه حسين فى كتابه فى
стр. 7165
الأدب الجاهلى الصادر فى القاهرة سنة ١٩٢٧.
الشعر فى القرن الأول للهجرة:
أثرت التغيرات الاجتماعية والاقتصادية المصاحبة للإسلام وكذلك حركة الفتوح فى الشعر العربى من حيث لغته ومجالاته، ففقد الهجاء سطوته وتحولت الحماسة إلى أشعار ذات طابع دينى تحث على الجهاد ومقاومة الخوارج، ونتيجة الثروة وحياة الرفاهية ظهرت قصائد الغزل المستقلة فى الحجاز -بمعنى أن الغزل لم يعد مجرد نسيب أو تشبيب ملحق بقصائد تضم أغراضا أخرى وإنما ظهرت له قصائد مستقلة- كما ظهرت قصائد جرى إعدادها خصيصا لتُغنّى. وكان الغزل على نوعين أحدهما ارتبط -على نحو خاص- بمكة وهو شعر مرح وحَضَرِى ويتسم بالصدق والواقعية وخير ممثل له عمر بن أبى ربيعة، أما النوع الثانى فارتبط بالمدينة واتسم بالحب اليائس (الحب بلا أمل) وكان ذا طابع بدوى.
وظهر نوع من الشعر الدينى السياسى على يد شيعة علىّ، كما ظهر شعر الرجز. وفى القرن الأول للهجرة أرسيت التقاليد الشعرية على يد مجموعة من الشعراء أبرزهم الأخطل وجرير والفرزدق وذو الرمة. أما الأخطل فكان خير ممثل لمنهج عمرو بن كلثوم والنابغة، وصبغت مدرسة الأخطل ومن لفّ لفّه بروح شعر ما قبل الإسلام، فقد عكف الأخطل على مدح خلفاء بنى أمية وتميزت قصائده بالروح القبلية، وكان الفرزدق فى ميدان الفخر صدى لروح أجداده الجاهليين لكن الفرزدق وكذلك جرير لم يكونا يحبان الفقر الذى تتسم به الحياة البدوية وكانت القصائد بالنسبة لهما وسيلة للثراء والنفوذ، وقد جرت بين جرير والفرزدق حوارات شعرية أساسها المفاخرة والهجاء عرفت بالنقائض، لم تبتعد روح الصحراء إذن عن شعراء هذه الفترة بل إن شاعرا مثل ذى الرمة قد تجلى فى شعره بوضوح وصف الصحراء والإقامة فيها، ومن وصف حياة البادية.
وعلى أية حال فإننا لا نقدم فروقا بين الشعر الجاهلى والشعر الأموى
стр. 7166
(شعر القرن الاول للهجرة)، فقد كانت العاطفة فى الشعر الجاهلى أقوى وأوضح وإن كانت تصب فى مجار ضيقة وتتحرك فى إطار محدود، أما الشعر الأموى فمجاله أرحب. وشارك الشعراء بشعرهم فى الصراعات الدائرة حول المبادئ والأشخاص، وتأثر الشعر فى هذه المرحلة بالأسلوب القرآنى. والشعر فى هذه المرحلة أكثر توثيقا من الشعر الجاهلى فقد كتب فى حياة الشاعر أو بعد وفاته بقليل.
المصادر:
(١) R. Blachere,: Litt., i
(٢) C.A. Nallino, Raccoltu di Scritti vi, Rome ١٩٤٨
شوقى ضيف، التطور والتجديد فى الشعر الأموى. القاهرة، ١٩٥٢. أحمد أمين، فجر الإسلام. القاهرة، ١٩٢٨ م. م. البصير، عصر القرآن، بغداد، ١٩٤٧.
الأدب فى القرن الثانى للهجرة:
يمتاز أدب القرن الثانى للهجرة عن أدب القرن الأول بخاصِّيتين. أنه -إذا غضَضْنا الطّرف عن استثناءات قليلة- أدب المجتمع الحضرى وقد ظهر غالبه فى العراق، وكان الأدباء والشعراء فى هذه الفترة -فى غالبهم- أنصاف عرب أو غير عرب على الاطلاق ينحدرون من سلالات فارسية أو آرامية، وكان من الطبيعى أن ينعكس ذلك على الأدب الذى ينتجونه، وتجلى ذلك فى النثر أكثر من تجليه فى الشعر. ولقد ظل الشعر العربى فى هذا العصر العباسى الأول ملتزما بعمود الشعر العربى ملتزما ببحور الخليل بن أحمد (توفى ١٧٥ هـ/ ٧٩١ م) كما ظل محافظا على العربية الفصحى لغة الأباء والأجداد وإن بدا أكثر رقة وبساطة، واتجهت أفكار الشعراء ومعانيهم نحو العمق وترتيب الأفكار ودقة المعانى وكثرت فى الشعر صور الخيال وانفسحت، كما زاد الاهتمام بالصنعة والمحسنات البديعية وغالى بعضهم فى ذلك كأبى تمام، ومن المجالات الشعرية الجديدة التى ظهرت وصف القصور والنافورات. . إلخ
стр. 7167
ومن الشعراء البارزين فى هذا القرن بشار بن برد (ت ١٦٨ هـ/ ٧٨٤ م) وهو من أصل فارسى وهو أول شاعر عظيم من أصول غير عربية، ويعزى حشد القصيدة العربية بالبديع (المحسنات اللفظية) لشاعر من الجيل التالى لبشار هو مسلم بن الوليد الذى اختلف فيه النقاد بين مادح مشيد وقادح متَّهِم، لكننا لا نجد هذا الخلاف حول شاعر عظيم آخر معاصر هو أبو نواس (توفى حوالى ١٩٨ هـ/ ٨٠٣ م) الذى لا نكاد نجد له نظيرا فى الأدب العربى خاصة فى خمرياته، إلا أن علماء اللغة لم يحفلوا بأشعار العصر العباسى الأول احتفاءهم بأشعار القرن الهجرى الأول والعصر الجاهلى، إذ اعتبروها أقل التزاما باللغة الصحيحة ولا يجوز الاستشهاد بها فى المضمار اللغوى، لذا لم يحفلوا بجمع هذه الأشعار فى دواوين.
أما فيما يتعلق بالنثر فقد شهد تطورا هائلا فقد كتب الكتاب أول المقالات، وكانت الكتابات الخارجة من البلاط الأموى أقرب إلى فن الخطب. ومن أشهر الكتاب فى القرن الثانى الهجرى عبد الحميد الكاتب المتوفى سنة ١٣٢ هـ (٧٥٠ م)، وقد بدأ النثر العربى فى هذه الفترة من خلال الترجمة لأدب البلاط البهلوى فى فارس وقد أثر ذلك فى النثر العربى سار ابن المقفع بعد ذلك على هذا المنوال (*).
ومما ساعد على تطور النثر ما قام به القصّاص فى هذه الفترة إذ كانوا يربطون جملة أحاديث معًا لتكون شبه القصة أو الحكاية، ومن الأعمال التى نحت هذا المنحى (سيرة النبى) لابن إسحاق (توفى ١٥١ هـ/ ٧٦٨ م). وظهور طائفة الإخباريين (رواة الأخبار) الذين راحوا يروون أخبار العرب فى أيامهم وفى عشقهم، وفى القرن الثانى للهجرة تعددت الاضطرابات وأسبابها وظهرت مذاهب دينية جديدة وامتدت الفتوح الإسلامية،
стр. 7168
وكان للفلسفة دور فى الحياة الثقافية، وقد أثر كل هذا فى النثر وساعد على تطويره، وكان لظهور المدارس الفقهية على نحو خاص أثره الواضح، فالمذهب الحنفى كان له كُتابه المشهورون مثل أبو يوسف (توفى ١٨٩ هـ/ ٨٠٤ م) ومحمد الشيبانى (ت ١٨٩ هـ/ ٨٠٤ م)، وأنتجت مدرسة المدينة أو تجميع مهم لأحاديث الرسول ﷺ ونعنى به الموطّأ للإمام مالك بن أنس (توفى ١٧٩ هـ/ ٧٩٥ م) وبعد ذلك أصدر الإمام الشافعى كتابه الأم، وكذلك تطورت الدراسات القرآنية.
المصادر:
(١) أحمد أمين: ضحى الإسلام. جـ ١ القاهرة، ١٩٣٣.
(٢) الرفاعى: عصر المأمون جـ ٢ القاهرة ١٩٢٧.
(٣) طه حسين: حديث الأربعاء، القاهرة ١٩٢٥.
(٤) Ch. Pellat,: Le Milieu Bastien et la Formation de Gahiz, Paris ١٩٥٢
(٥) J. Schacht, Origins of Muhammadan Jurisprudence, Oxford ١٩٥٠
الأدب من القرن الثالث إلى الخامس للهجرة:
مع بداية القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) كانت الدراسات اللغوية والتاريخية والفقهية والقرآنية التى ذكرنا شيئا عنها فيما سبق قد أرست أرضيّة متينة لأدب النثر فى التاريخ الإسلامى. ولكن المسألة التى بقيت فى حاجة إلى حل هى كيف نخرج كل هذه الدراسات من حيزها الضيق بين الباحثين والعلماء لتتفاعل مع العامة وتحظى باهتمامهم وتدخل حياتهم اليومية، وقد ألقى الضوء على هذه المشكلة الجاحظ، ذلك العبقرى (توفى ٢٥٥ هـ/ ٨٦٩ م) الذى استطاع أن يكون حديث العامة بكتاباته الألمعية الذكية ذات الأسلوب الساخر. ولا تعود النجاحات التى حققتها كتابات الجاحظ إلى إتقان علوم العربية وامتلاكه ناصيتها فحسب وإنما تعود أيضا إلى ظهور مدرسة البصرة باتجاهاتها العقلية والاتجاه الإحيائى لعناصر الثقافة الهيلينية فى غرب آسيا، وتجلى ذلك بوضوح فى طائفة المعتزلة.
стр. 7169
وقد دعّم هذا الاتجاه الهيلينى تأسيس المأمون (١٩٨ - ٢٢١ هـ/ ٨١٣ - ٨٣٣ م) لبيت الحكمة فى بغداد لترجمة الأعمال الفلسفية والعلمية اليونانية. لقد تجلت فى كتابات الجاحظ -إذن- العناصر الثقافية العربية واليونانية وامتد ذلك التأثير اليونانى ليشمل كل ضروب الأدب ولم يعد قصرا على الجاحظ دون سواه، ومما ساعد على ازدهار الآداب والعلوم استخدام المسلمين للورق الذى جلبوه من الشرق الأقصى فى النصف الثانى من القرن الثانى للهجرة. ولقد استطاع هذا الاتجاه الجديد أن يقهر التراث الساسانى للكتاب رغم محاولاتهم الدائمة للتمرد، تلك المحاولات التى لم تكن تخلو من روح شعوبية تهدف إلى تشويه العرب وثقافتهم.
وفى مواجهة هذه التيارات الهيلينية كان هناك تيار أصولى من المسلمين السنة من دارسى التوحيد والفقه رفضوا الاتجاهات العقلية للمعتزلة وفضلوا الانشغال بسنة الرسول ﷺ والشريعة الإسلامية وقد شهدت هذه الفترة ظهور الكتب الستة التى جمعت الأحاديث الصحيحة للرسول ﷺ وهى كتب البخارى ومسلم والترمذى وابن ماجه وأبو داود والنسائى، وبالنسبة للشيعة فإنهم يعتبرون الكتب الصحاح التى جمعت أحاديث الرسول ﷺ عددها أربعة أهمها ما جمعه الكُلَيْنى (توفى ٣٢٨ هـ/ ٩٣٩ م).
ورغم جهود أهل السنة وأتباع المذهب الظاهرى إلا أن هذا لم يمنع من أنه فى القرنين الثالث والرابع كان هناك أدب صوفى جديد فى حالة تطور، منذ عهد المحاسبى (عام ٢١٣ هـ/ ٨٥٧ م) والجنيد (المتوفى ٢٩٧ هـ/ ٩١٠ م).
بل وظهر الشعر الرمزى (الباطنى)، وشهدت الفترة رؤى ذى النون (توفى ٢٤٥ هـ/ ٨٥٩ م) وغيره.
وإذا تناولنا الشعر فى هذه الفترة فلابد من القول إنه لم يعد يحتل المكان الأول إذ سبقه النثر، ولا يعود ذلك لتخلى العرب عن حبهم للشعر وتفضيلهم له وإنما لأن هناك مجالات فكرية وعلمية جديدة لم يعد الشعر
стр. 7170
بقادر على إحراز قَصْب السَّبْق فيها، لكن هذا لم يمنع من ظهور شعراء عظماء فى هذه الفترة منهم أبو تمام (المتوفى فى عام ٢٣١ هـ/ ٨٤٦ م) وكان مولعا بالأفكار العميقة والتراكيب اللغوية غير المبتذلة وبالمحسنات البديعية والصور البيانية فحمل قصائده أحمالا ثقالًا من ذلك كله، بينما كان البحترى (المتوفى سنة ٢٨٤ هـ/ ٨٩٧ م) أكثر ميلا للمعانى البسيطة والألفاظ ذات الموسيقى والجرس، فكان بذلك أقرب للروح البدوية، وقد حاول ابن الرومى (ت ٢٨٣ هـ/ ٨٩٦ م) أن يوجد شعرا نقديا استبطانيا introcpective جديدا تكون فيه القصيدة كيانا يشكل وحدة موضوعية متكاملة وتتناول مجالا شعريا واحدا.
ويعد أبو العلاء المعرى هو آخر الشعراء العظماء فى هذه الفترة (المتوفى عام ٤٤٩ هـ/ ١٠٥٧ م)، ولا شك أن تاريخ الأدب العربى فى هذه الفترة بل وفى غيرها من الفترات زاخر بالتفاصيل مما يصعب منه التلخيص، لذا ففى قائمة المراجع فائدة كبيرة لكل مستزيد.
المصادر:
(١) البصير: فى الأدب العباسى، بغداد، ١٩٤٩.
(٢) خليل مردم، شعراء الشام فى القرن الثالث. دمشق ١٩٢٥.
(٣) L. Mubarak,: La prose arahe an IV siecle de L'Hegire, Paris ١٩٣١ (Arabic edition Cairo ١٩٣٤
(٤) A. Mez,: Die Renaissance des Islams, Heidelberg (English tr., The Renaissance of Islam. London I ٩٣٧
(٥) G.E. von Grunebaum,: A tenth Century Document of Arab Literary Theory and Criticisms, Chicago I ٩٥٠
(٦) Idem., The spirit of Islam as shown in its Literature. studio Islamica i I, ١٩٥٣
(٧) H. Ritter,: Introduction to Asrar al-Baligha of al-Djurdjani, Istanbul ١٩٥٤
(٨) Palencia,: Historia, de la Literatura Arbbigo Espanola, Barcelona ١٩٢٨
стр. 7171
(٩) H. Peres: La Poesie andalouse en Arabe classique qu XI siecle, Paris ١٩٣٧, ١٩٥٣
من القرن السادس للقرن الثانى عشر للهجرة:
شهدت بداية القرن السادس للهجرة (الثانى عشر للميلاد) انتصار قوتين سيهيمنان من الآن فصاعدا على الحياة الفكرية للبلاد العربية، ونعنى بهما الأصولية Scholasticiam والصوفية. وقد ارتبط هذان الاتجاهان بحركة الإحياء السنى التى قادها السلاجقة والتى بدأت فى خراسان فى منتصف القرن الخامس وانتشرت فى العراق فى ظل سلاطين آل سلجوق ومنها إلى سوريا ومصر فى ظل آل زنكى وآل أيوب (الأيوبيين)، وفى الغرب الإسلامى ظهرت حركة مشابهة قادها البربرى محمد بن تومرت (المتوفى ٥٢٤ هـ/ ١١٣٠ م) وتطورت الحركتان بشكل متواز فى شطرى العالم العربى (الشرقى والغربى) وساعد على ذلك عمق الصلات والاتصالات بين المشرق والمغرب. وكان العامل الرئيسى فى انتشار الأصولية هو التركيز التدريجى على التعليم النظامى فى المدارس، والمدرسة نوع جديد من المؤسسات التعليمية أدخله الوزير السلجوقى نظام الملك (المتوفى ٤٨٥ هـ/ ١٠٩٢ م) فى بغداد لتخريج العلماء والإداريين، وسرعان ما انتشر نظام المدارس هذا ليغمر العالم الإسلامى كله. وقد أدى حصر التعليم فى شكل محدد إلى حصر الموضوعات (المجالات) التى تُدرَّس أيضا فى أشكال محددة (قوالب محدَّدة) وأدى هذا إلى الاستعاضة بالكتب المقررة (كتب المختصرات Text books) والأعمال الموسوعية المجمعة لتحل محل الأعمال الأصلية.
وكان هذا الاتجاه ملحوظا عند الجيل الرائد الأول من معلّمى المدرسة النظامية: التبريزى اللغوى (المتوفى ٥٠٢ هـ/ ١١٠٩ م) تلميذ أبى العلاء المعرى الذى جرى الاستشهاد بأشعاره فى الكتب المدرسية وفى التفسيرات والتعليقات، وخلف التبريزى فى الاتجاه نفسه الجواليقى (المتوفى ٥٣٩ هـ/ ١١٤٥ م) والفقيه الشافعى الجوينى
стр. 7172
إمام الحرمين (توفى ٤٧٨ هـ/ ١٠٨٥ م) وتلميذه أبو حامد الغزالى (المتوفى ٥٠٥ هـ/ ١١١١ م) الذى كرس أعماله الأولى للتوحيد والدفاع عن السنة ضد الفلسفة الهيلينستية والأفكار الغريبة عن الإسلام، وسار على دَرْب هؤلاء غالب أهل السنة من علماء التوحيد والشريعة الذين أتوا بعد ذلك إذ ألفوا عددا كبيرا من المختصرات فى علم العقيدة (الجمع عقائد) ومن أشهر هذه الأعمال ما كتبه أبو حفص النَّسفى (المتوفى ٥٣٧ هـ/ ١١٣٢ م) وعضد الدين (المتوفى ٧٥٦ هـ/ ١٣٥٥ م) ومحمد بن يوسف السنوسى (المتوفى ٨٩٢ هـ/ ١٤٨٦ م) كما ظهرت كتب من هذا النوع فى الحديث خاصة كملاحق لكتب الصِّحاح الستة، وممن كتبوا فى هذا المجال ابن الهيثمى (المتوفى ٨٠٧ هـ/ ١٤٠٥ م) وعلى المتقى الهندى (المتوفى ٩٧٥ هـ/ ١٥٦٧ م) فى كتابه الشامل كنز العمال.
وقد ألف الشيعة فى القرنين الرابع والخامس كتبا فى التوحيد والعقائد على الشاكلة نفسها، ومن هؤلاء الشيعة المطهّر الحِلّى (المتوفى ٧٢٦ هـ/ ١٣٢٦ م) ومحمد بكر المجلسى المتوفى ١١١٠ هـ/ ١٧٠٠ م كما ألفوا كتبا موجزة فى الشريعة وتفسير القرآن الكريم. ومع هذا فقد ظهرت اتجاهات مناوئة لهذا الحصر والتضييق المدرسى وكان المناوئون لهذا الاتجاه قليلى العدد لكن دورهم كان فى الغاية من الأهمية فقد انخرط المصلح الحنبلى الشهير ابن تيمية (المتوفى ٧٢٨ هـ/ ١٣٢٨ م) وتلميذه ابن قيم الجوزية (المتوفى ٧٥١ هـ/ ١٣٥٠ م) فى جدال عنيف ضد الجمود المدرسى من ناحية وضد الصوفية من ناحية أخرى لكن لم يحققا إلا نجاحا محدودا حتى تم أخيرا إحياء تعاليمهما على يد محمد بن عبد الوهاب (المتوفى ١٢٠٦ هـ/ ١٧٩١ م) فى منطقة نجد بوسط شبه جزيرة العرب. وفى الهند ظهرت مدرسة مهمة لم تحظ بالدراسة الكافية وكان اهتمامها منصبا على الفلسفة الدينية، وقد أسست فى جنبور على يد محمد الجنبورى (المتوفى ١٠٦٢ هـ/ ١٦٥٢ م) وظلت هذه المدرسة ذات تأثير لعدّة أجيال وأثرت فى أعمال المصلح الدينى ولى اللَّه
стр. 7173
الدهلوى (المتوفى ١١٧٦ هـ/ ١٧٦٥ م). وفى مجال الشريعة قدم تاج الدين السبكى الشافعى (المتوفى ٧٧١ هـ/١٣٧٠ م) والحنفى ابن نجيم المصرى (المتوفى ٩٧٠ هـ/ ١٥٦٣ م) أعمالًا أصيلة.
وكان للحروب الصليبية دور فى صبغ آداب العربية بطابع خاص، فأثناء هذه الحروب ظهر ما يمكن تسميته بأدب الحرب كما ظهرت أعمال عن المناورات (التكتيكات) العسكرية واستخدام الأسلحة وسياسة الخيل والجهاد بشكل عام وحتى فى الأندلس كان الأدب صدى للأعمال المشرقية.
وفى مجال الأدب الخالص انتشرت المحسنات البديعية وبلغت ذروتها فى القرن السادس الهجرى (الثانى عشر للميلاد) وكان الحض على الأخلاق الفاضلة هو محور كثير من الأعمال كما فى أطواق الذهب للزمخشرى (المتوفى ٥٣٨ هـ/ ١١٤٣ م) وانتعش النثر الديوانى (الإنشاء) على يد كتاب مثل القاضى الفاضل (المتوفى ٥٩٦ هـ/ ١١٩٩ م).
وظل العنصر الهيلينستى فعّالا فى الثقافة العربية لعدة قرون ليس فى مجالات الطب والعلوم والفلسفة فحسب، بل فى سائر فروع المعرفة.
وفى هذه الفترة ظهر ما يمكن تسميته بالحركة الموسوعيّة، ويمكن القول إن هذا كان نتيجة للحركة المدرسية الهادفة إلى تنظيم المعرفة وضبطها والتى وجدت نفسها -بوعى أو بدون وعى- تركز على العلوم الدينية والفلسفة. واتخذ الموسوعيون أشكالا مختلفة منها: ترتيب المعارف هجائيا تحت رءوس موضوعات فى مجال معين أو عدة مجالات مثل قاموس الأنساب المعروف بكتاب الأنساب لتاج الدين السمعانى (المتوفى بعد ٥٥١ هـ/ ١١٥٦ م) وسار على النسق نفسه ياقوت الحموى ذو الأصول اليونانية فى كتابه معجم البلدان، وكتب التراجم كوفيات الأعيان لابن خلكان والوافى بالوفيات للصفدى. . الخ وبالإضافة للترتيب الهجائى، ظهر الترتيب وفقا للقرون على يد ابن حجر العسقلانى فى كتابه
стр. 7174
الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة، ثم السخاوى الذى تناول أعيان المائة التاسعة. . وهكذا. وبعد ذلك ظهرت الموسوعات الببليوجرافية كموسوعة كشف الظنون عن أسامى الكتب والفنون للتركى حاجى خليفة (المتوفى ١٠٦٨ هـ/ ١٦٥٨ م) وأتى بعده محمد على التهانوى الذى ألف سنة ١١٥٨ هـ/ ١٧٤٥ م معجم مصطلحات الفنون. وبعض الكتاب الموسوعيين نحا نحو مزج عدة فروع معرفية فى عمل واحد كالنويرى (المتوفى ٧٣٢ هـ/ ١٣٣٢ م) فى كتابه نهاية الأرب وكذلك القلقشندى (المتوفى ٨٢١ هـ/ ١٤١٨ م) فى كتاب صبح الأعشى.
وفى مجال العلوم غير الدينية كان الإنتاج فى مجال التاريخ هو الأهم والأكثر تأثيرا، فقد حرص السنة على إحياء الكتابة فى مجال التاريخ العام، ومن الكتابات فى هذا المجال المنتظم لابن الجوزى (المتوفى ٥٩٧ هـ/ ١٢٠٠ م) واستمر من خلال العمل المهم الكامل لابن الأثير (المتوفى ٦٣٠ هـ/ ١٣٧٣ م) وتتابعت الأعمال التاريخية الموسوعية المهمة.
وفى هذه الفترة كثرت الدواوين الشعرية لكن قليلا من الشعراء هم الذين حققوا شهرة كالعراقى صفى الدين الحلّى (المتوفى ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م) والسورى ابن حجَّة الحموى (المتوفى ٨٣٧ هـ/ ١٤٣٤ م) والمصرى بهاء الدين زهير (المتوفى ٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م) وحقق الشعر الدينى فى مدح النبى ﷺ نجاحا كبيرا خاصة لملك القصيدة المعروفة بالبردة للبوصيرى (المتوفى ٦٩٤ هـ/ ١٢٩٦ م).
وبالنسبة للحركة الصوفية وإفرازاتها الأدبية فقد حلت الخوانق والربط والزوايا لدى الصوفية محل المدارس لدى السنة، واتخذت كتاباتهم فى كثير من الأحيان شكل تسجيل لكرامات الأولياء ومناقبهم، وبدءوا فى الابتعاد عن التصوف بشكله الواضح البسيط كما كان يتجلى فى كتابات الغزالى.
وأدى الجمود السريع الذى حاق بمعظم فروع المعرفة بعد الفتح العثمانى
стр. 7175
لمصر والشام فى بداية القرن العاشر الهجرى (السادس عشر للميلاد) إلى ازدهار النشاط الصوفى الذى راح يعبر عن نفسه من خلال كتابات مبالغ فيها أحيانا ككتابات المصرى عبد الوهاب الشعرانى (المتوفى ٩٧٣ هـ/ ١٥٦٥ م). ويعتبر عبد الغنى النابلسى (المتوفى ١١٤٣ هـ/ ١٧٣١ م) أبرز كتاب العصر العثمانى لكتاباته الدينية والصوفية ولأشعاره أيضا وقد وقع معظم الكتاب فى مصر والشام طوال القرن الثامن عشر تحت تأثيره سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بل ووصل تأثيره للمغرب. وفى الشرق الإسلامى كان الاتجاه الصوفى السائد هو الاتجاه الإشراقى الذى أثر من خاول الفارسى صدر الدين شيرازى وتلميذه فيض الكاشى فى الصوفية الهندية وصوفية الشيعة الفرس. ولم يظهر الاتجاه بالعودة للأصول الصوفية الأولى إلا فى نهاية هذه الفترة على يد المرتضى الزبيدى المصرى رغم أصوله الهندية، وعلى الشاذلية فى المغرب.
المصادر:
(١) حمزة، ا. ل. الحركة الفكرية فى مصر القاهرة، بدون تاريخ.
(٢) J. Rkabi, La Poesie profane sous les Ayyubides, Paris ١٩٤٩; G. Graf
(٣) Gesch. d. christlichen arabischen Literatur, ii, iii, Vatican City ١٩٤٧ - ٩; and see also T.ASAWWOF
الأدب العربى الحديث:
(أ) إلى سنة ١٩١٤
ينطوى مصطلح "الأدب العربى الحديث" على التطورات الحادثة من القرن الثالث للهجرة وما تبعه من قرون، كما يضم بين جنبيه أيضا تغيرات أعمق وأوسع من حركة الإحياء البسيطة التى شهدها الإنتاج الأدبى سواء على المستوى الضيق ونعنى به استخدام اللغة أو على المستوى الأرحب ممثلًا فى الحركة الإنسانية.
فقد شهد الأدب العربى الحديث حركات إحياء محلية بسيطة بين وقت وآخر، كتلك الحركة -على سبيل المثال
стр. 7176
- التى حدثت فى حلب بتأثير رئيس الأساقفة المارونى جرمانوس فرحات (١٦٧٠ - ١٧٣٢ م) بغداد فى النصف الأول من القرن الثانى عشر للهجرة (الثامن عشر للميلاد). وقد شهد القرن الثالث عشر للهجرة (التاسع عشر للميلاد) أيضا ظهور أدب جديد يستوحى الأدب القديم ويسير على نهجه، وكان هدف الروّاد الأحيائيين فى هذه الفترة هو تحرير اللغة المعربية وانتشالها من حفرة التدهور والركاكة التى وقعت فيها، وذلك بأن يستعيدوا التراث الأدبى القديم بلغته النقية الخالصة. ومن رواد هذه المرحلة ناصف اليازجن (١٨٠٠ - ١٨٧١ م) فى سوريا، وعلى باشا مبارك (١٨٢٣ - ١٨٩٣ م) فى مصر ومحمود شكرى الألوسى (١٨٥٧ - ١٩٣٢ م) فى العراق. وقد عمل هؤلاء الرواد -سواء فى مؤلفاتهم أو فى مجالسهم ومدارسهم- على إحياء التراث العربى، فكتاب الخطط التوفيقية لعلى باشا مبارك ما هو إلا استمرار لنهج المقريزى.
وجنبا إلى جنب مع هؤلاء كان هناك كتاب تأثروا بأفكار العالم الغربى واقتربوا من آدابه إما لأن الظروف أتاحت لهم ذلك أو باختيارهم الشخصى، وكان الدافع الأكبر هو حاجة المدارس العسكرية التى أنشأها محمد على فى مصر إلى مترجمين لترجمة المصطلحات الفنية من الفرنسيَّة، كما أدى إنشاء مطبعة فى مصر سنة ١٨٢٨ م إلى الإسراع بالنهضة الفكرية المتأثرة بالغرب. وظهرت هذه الحركة فى سوريا بعد ذلك بفترة قصيرة. وكان كبير المترجمين فى عهد محمد على هو رفاعة رافع الطهطاوى (المتوفى حوالى ١٨٧٣ م)، ولا يمكننا أن نحسم مسألة مدى انتشار هذه المصطلحات المعربة فى هذه الفترة ولا إلى أى مدى أثرت فى الأدباء.
لكنه من الواضح أن رفاعة وآخرين مثله قد ألحقوا ما استفادوه من الغرب إلى أعمالهم ببساطة، وكان على المشتغلين بالأدب والدارسين له فى لبنان والذين كانوا على اتصال
стр. 7177
بالحضارة الغربية من خلال البعثات التعليمية فى سوريا خاصة بطرس البستانى (١٨١٩ - ١٨٨٣ م) وأحمد فارس الشدياق (١٨٠١ - ١٨٨٧ م، وناصف بن إبراهيم اليازجى (١٨٤٧ - ١٩٠٦ م)، وكذلك فى تونس مثل محمد بيرم (١٧٤٠ - ١٨٨٩ م) أن يستجيبوا للدوافع نفسها، وينهجوا النهج نفسه، وهذا لا يمنع أن هؤلاء جميعا كانوا من بين منشئى الدوريات الصحفية العربية الجديدة وخاضوا تجربة الكتابة الصحفية.
لقد أدى تطور الصحافة الجديدة فى مصر -التى كانت فى بدايتها تحت إشراف سورى ثم سرعان ما تولى أمرها مصريون- إلى إرساء أساس متين لأدب عربى جديد. ففى خلال الحقب الأخيرة من القرن التاسع عشر والحقبة الأولى من القرن العشرين كانت الصحف مسرحا يحقق الأدباء من خلالها شهرتهم (باستثناء الشعر) وبدأت الآداب العربية تخوض مجالات اجتماعية جديدة وتتناول أفكارًا بأساليب جديدة ومختلفة مثل: كتابات محمد على (١٨٤٩/ ١٩٠٥ م) الصارمة ولكنها مفعمة بالحياة، ومقامات محمد المويلحى (١٨٩٨ - ١٩٣٠ م) وهى مقامات لمسها التطوير والتحديث رغم أنها نهجت منهج المقامات العباسية، والكتابات الأنيقة لمصطفى لطفى المنفلوطى (١٨٧٦ - ١٩٢٤ م)، والنثر الوظيفى الذى تميزت به كتابات جورجى زيدان (١٨٦١ - ١٩١٤ م)، وكتابات يعقوب صروف (١٨٥٢ - ١٩٢٧ م) وكتابات قاسم أمين (١٨٦٥ - ١٩٠٨ م) بالإضافة للكتابات الحماسية ذات اللغة المنمقة والتى اتضحت فيما كتبه ولى الدين يكن (١٨٧٣ - ١٩٢١ م) ومصطفى كامل (١٨٧٤ - ١٩٠٨ م)، والكتابات العامية الساخرة ليعقوب صنوع "أبو نظارة " (١٩٣٨ - ١٩١٢ م) وعبد اللَّه النديم (١٨٤٤ - ١٨٩٦ م).
وفى الوقت نفسه قدمت لنا الصحافة السورية فى بلاد المهجر نوعا جديدا من المقالات الأدبية وقصائد النثر التى خرجت عن النظام الشعرى التقليدى، ومن فرسان هذه الصحف
стр. 7178
جبران خليل جبران (١٨٨٣ - ١٩٣١ م) وأمين الريحانى (١٨٧٧ - ١٩٤٠ م).
وكان من غير الممكن فى الواقع ظهور هذا التطور فيما نسميه الأدب العربى الجديد دون حركة الترجمة، نفاما كما أنه لم يكن من الممكن أن يظهر ابن المقفع والجاحظ فى العصر العباسى دون حركة الترجمة المزامنة لهما أيضا. ولم تترك الترجمة أثرا فى الأدب العربى الحديث من حيث توسيع مجاله، وطرائقه فى التعبير وتبسيط لغته فحسب وإنما ساعدت على إدخال أشكال أدبية وفنية جديدة، فقد ساعدت الترجمة على ظهور الفنون الدرامية وتطويرها، ومن بواكير الأعمال الدرامية تلك التى قدمها فى سوريا مارون النقاش (١٨١٧ - ١٨٥٥ م) الذى استوحى كتابات موليير، وتبعه نجيب الحداد (١٨٦٧ - ١٨٩٩ م) الذى كتب على نسق كورنيل Corneille وهوجو وا. دوماس وشكسبير، وظهرت أعمال درامية أكثر نجاحا فى مصر على يد محمد عثمان جلال (١٨٢٨ - ١٨٩٨ م) الذى مصّر أعمال موليير، ورغم كل هذا فلا يمكن القول إن الدراما العربية حققت فى هذه المرحلة نجاحا كبيرا، وفى هذه الفترة أيضا حدث بعض التطور فى مجال الرواية واتضح هذا فى روايات جورجى زيدان التى حذا فيها حذو سكوت Scott.
وظهرت أعمال فكرية أيضا متأثرة بالفكر الأوربى مثل الكتابات ذات البعد السياسى والاجتماعى لعبد الرحمن الكواكبى (١٨٤٩ - ١٩٠٣ م) وكتابات الحركة النسائية الوليدة ممثلة فى ما كتبته عائشة التيمورية (١٨٤٠ - ١٩٠٢ م) وملك حفنى ناصف (١٨٨٦ - ١٩١٨ م) وقاسم أمين.
وفيما يتعلق بالشعر فقد ظلت التقاليد الشعرية التقليدية التى تعد استمرارًا للشعر العربى القديم هى السائدة تطغى على أى تأثير أدبى يهب من الغرب وظل هذا هو الحال حتى سنة ١٩١٤ م، وبظهور الحركة الوطنية اتسعت مجالاته، وكان محمود سامى البارودى (١٨٣٩ - ١٩٠٤ م) رائدا من رواد الإحياء الذى تم على يديه تطوير
стр. 7179
الشعر العربى، وأعقبه أحمد شوقى (١٨٦٨ - ١٩٠٤ م) الذى قدم شعرا وإن كان تقليديا إلا أنه أكثر عذوبة وأكثر صقلا، وحافظ إبراهيم (١٨٧١ - ١٩٣٢ م) الذى قدم شعرا أكثر عمقا وإحساسا بنبض المجتمع. ومع كل هذا فلا البناء الشعرى الأوربى ولا طريقته فى التناول الاجتماعى والوطنى ولا روحه الفردية كانت قادرة على التغلغل فى البناء الشعرى العربى ذى التقاليد الراسخة منذ القدم، لكننا نجد استثناءات لذلك فى العراق فقد كانت أشعار جميل صدقى الزهاوى أكثر تحررا لغة وأكثر بعدا عن التقليدية، ولا يختلف الحال عند معروف الرصافى (١٨٧٥ - ١٩٤٥ م) أن كان ألصق بشكل القصيدة العربية التقليدية من الزهاوى. وقد عبر هذان الشاعران من خلال شعرهما عن كثير من الأفكار والطموحات. وقد ترجم سليمان البستانى (١٨٥٦ - ١٩٢٥ م) الإلياذة سنة ١٩٠٤ م فى محاولة لأقلمة الشعر اليونانى، لكن هذه الترجمة لم تكن عماو ناجحا فى حد ذاتها، كما أنها لم تترك أثرًا كبيرا.
(ب) منذ ١٩١٤ م
كانت الفترة السابقة على هذا التأريخ تمثل بالنسبة للنثر العربى الحديث فترة تجريب وتقليد، لكن الحقب الأولى التى أعقبت سنة ١٩١٤ م شهدت بدايات أدب عربى أصيل وجديد يعكس إلى حد كبير جدا الاهتمامات العقلية والاجتماعية للشعوب العربية. وقد أخذت مجموعة الكتاب المصريين الليبراليين على عاتقها مهضة القيادة الفكرية يلهمها محمد عبده الذى كان يكتب فى جريدة (الجريدة) التى كانت تصدر منذ سنة ١٩٠٧ م ويحررها أحمد لطفى السيد، كما كان يكتب فى الجريدة التى تعتبر خلفا لها وهى (السياسة) التى كان يحررها منذ سنة ١٩٢٢ م محمد حسين هيكل، واتسع مجال هذه الحركة فلم يعد مقتصرا على دائرة ضيقة. وكانت الأنواع الأدبية الأولى التى ظهرت هى القصة القصيرة (وتلا ذلك ظهور الرواية) والمقال الأدبى، وتبع ذلك بفترة الكتابة المسرحية الأدبية.
стр. 7180
وكان أول عمل كبير لهذه المدرسة الجديدة هو (زينب) وهى رواية عن الحياة فى قرية مصرية نشرها دون أن يسجل اسمه عليها -محمد حسين هيكل (١٨٨٨) - ١٩١٤ م. وبرغم مزايا هذه القصة إلا أن الضعف فى نسيجها الفنى يلقى ضوءًا على ما كان يُعوز الأدب العربى فى فن الرواية فى تلك المرحلة، وشهدت حقبة العشرينات من القرن التاسع عشر كما كبيرا من القصص القصيرة الواقعية التى تتناول الحياة المعاصرة بدءًا من الصور الفنية التى قدمها الكاتب الموهوب محمود تيمور (١٨٩١ - ١٩٢١ م) والتى جعل لها عنوانا (ما تراه العيون)، واستمر هذا الاتجاه بنجاح وإتقان أكثر على يد أخيه محمد تيمور (ولد سنة ١٨٩٤) وتابع الاتجاه نفسه أدباء آخرون (عيسى عبيد وشحاته عبيد وطاهر لاشين. . الخ) وكان أكثر المؤلفين طرافة فى الأسلوب وألمعية فى هذا الاتجاه هو إبراهيم عبد القادر المازنى (١٨٩٠ - ١٩٤٩ م) الذى ألف أيضًا أول رواية ناجحة تحمل عنوان (إبراهيم الكاتب) والتى نشرت سنة ١٩٣١ م. وبدأ الإنتاج الأدبى فى فن الرواية يزداد ببطء بعد سنة ١٩٣٠ م ومن بين الروايات الأولى (عودة الروح) التى ألفها توفيق الحكيم ونشرت سنة ١٩٣٣ م، و (سارة) لعباس محمود العقاد ونشرت سنة ١٩٣٨ و (نداء المجهول) لمحمود تيمور ونشرت سنة ١٩٣٩ م، أما الروايات التاريخية فقد انتعشت فعلا بفضل أعمال محمد فريد أبو حديد الذى ألف روايته (ابنة المملوك) سنة ١٩٢٦ م. أما الرواية ذات الأبعاد النفسية فشهدت محاولة ناجحة قام بها طه حسين (ولد سنة ١٨٨٩ م) الذى قدم للأدب العربى رائعته (الأيام) التى تعد إضافة -مضمونا وشكلا وأسلوبا- للإبداع الأدبى العربى. وظهر فى لبنان وسوريا والعراق والمهجر ما لا يمكن حصره من القصص القِصار وكان بها تنوع كبير فى الأسلوب والتناول والموضوع (المجال) والبناء الفنى، وهذا أمر متوقع. أما الرواية فكان الانتاج فيها أقل.
وإذا انتقلنا للمقال الأدبى وجدناه يتناول أغراضا مختلفة فلم يقتصر على