تطور المبدأ بدأ مع مجئ خلافة علىّ وظهور الخوارج والشيعة كأحزاب سياسية دينية متميزة، فواحدة تقول بالعدل طبقًا للكتاب وهو المبدأ الأسمى بينما أخرى تتطلع إلى قيادة من بيت محمد [ ﷺ ] على الأقل، وكان الدين والسياسة فى القرنين الأولين للإسلام على الأقل يمتزج كل منهما مع الآخر بطريقة لا يمكن انفصامها؛ فمقصورية الخوارج كانت تتعارض مع شمولية "المرجئة"، الذين رفضوا اعتبار المسلمين الذين يرتكبون الكبائر كفارًا (ولذلك يمكن أن يظلوا مخلصين للخلفاء الذين لا يرضون عنهم). ولما كان لكل طائفة من هذه الطوائف فرق ولأن هذه الطوائف كانت ذات تفريعات كثيرة أصغر منها فقد كان لكل منها آراؤها التى تخالف آراء الأخرى، كما كثرت المذاهب فى منتصف القرن الثانى الهجرى (الثامن الميلادى) وظهرت فى النصف الثانى من هذا القرن مناقشات فكرية دقيقة حول المذاهب، اعتبرها الكثيرون بداية لعلم الكلام الذى كان تأثيره فى المبدأ (العقيدة) لدرجة أن بعض المتكلمين قد استخدموا كلمات فلسفية عندما يقولون مثلا إن اللَّه ﷻ ليس جوهرا وليس عرضا (ليس مادة أو حادثا)، أو عندما يقدم السنوسى مذهبه بالتفرقة بين الضرورى والمستحيل والممكن. وجدت معارضة لهذا الاتجاه فى التفكير.
٣ - المبادئ الأساسية للإسلام:
ليس هناك "مقياس" عقائدى يقبله الجميع، حتى جميع المسلمين السنة مثل "البيان القياسى" للمبادئ الإسلامية. وقد جمعنا هذا التقرير المختصر التالى من كتابات الكثيرين (وخصوصا كتابات البغدادى والغزالى ونجم الدين النسفى)، بالرغم من أننا لم نستخدم عباراتهم:
(أ) اللَّه ﷻ واحد، لا إله غيره -لا شريك له، ليس بالوالد ولا المولود، وأصبح الشرك- وجود شركاء للَّه أو تعدد الآلهة، خطيئة كبرى، وعندما اشتدّ اتصال المسلمين بالمسيحيين اعتبروا الشروح الخاصة بالثالوث خرقا وخروجا على مقولة الإيمان هذه.
стр. 7247
(ب) اللَّه ﷻ موجود. ووجوده يثبت عقليا من الصفة الإبداعية للعالم. وعندما كان على المسلمين أن يدافعوا عن دينهم فى مواجهة الماديين وسواهم من غير المؤمنين، قدم بعضهم براهين عقلية تثبت وجود اللَّه (سبحانه) مثل البغدادى ونجم الدين النسفى. وقد اعتقدت بعض المذاهب مثل السنوسية بأن "الوجود" صفة من صفات اللَّه. وهذا يتضمن التفرقة بين الجوهر والوجود، الأمر الذى عارضه الأشعرية وكذلك ابن تيمية.
(جـ) اللَّه (سبحانه) أبدى سرمدى فهو ليس له بداية أو نهاية. وهو القديم والأزلى والباقى والأبدى.
(د) اللَّه ﷻ يختلف عن المخلوقات فهو لا يشبه أحدا منها ولا يشبهه أحد منهم. وهو ليس جسدًا أو مادة ولا حدثا لمادة. ولا يحده شئ. وهو موجود فى كل مكان.
وهو يجلس على العرش، ولكن بالمعنى الذى يقصده هو، وهو فوق العرش وفوق السماوات ولكنه فى الوقت ذاته أقرب للإنسان من حبل الوريد، وهو لا يتغير ولا يتبدل. ونأتى إلى مقولة "المخالفة" فنرى السنوسية يعتبرونها واحدة مما لا ينسب للَّه ثم جاء معظم المسلمين فى وقت مبكر من قيام الإسلام فاعتبروا "المشَبّهة" (وهم الذين يجعلون اللَّه شبه الإنسان) غير راشدين فى الدين.
وعلى الطرف الآخر من المشبهة كان هناك فريق آخر -كالمعتزلة- الذين فسروا العبارات تفسيرا مجازيا، ثم كان هناك من وقفوا وسطا بين هذين فقالوا إنه لا ينبغى أخذ هذه التعابير أخذا حرفيا ولكنها تؤخذ "بلا كيف".
ومنذ القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) فصاعدا ترك أتباع الأشعرية والمتكلمين المتدينين الآخرين -باستثناء الحنابلة- القول "بلا كيف" وقبلوا التفسير المجازى للعبارات التجسيمية.
(هـ) سوف يرى المؤمنون اللَّه (سبحانه) فى العالم الآخر، وقد أحدث هذا النص صعوبة كبيرة فى تفسيره
стр. 7248
بسبب لا جسدية اللَّه (سبحانه)، فقد أنكر المعتزلة وآخرون إمكانية رؤية اللَّه بأية صورة من الصور، ويقول "ضرار" إن حاسة سادسة سوف توجد حينئذ. ومهما يكن من أمر فقد تم فى النهاية تقبل مبدأ "بلا كيف" عامة وتجنب أية استنتاجات تتضمن فكرة التجسد.
(و) اللَّه ﷻ هو القوى القدير، العليم، الحى، المريد، السميع البصير، المجيب، وهو "سبحانه" موصوف بصفات القوة والعلم والحياة والإرادة والسمع والبصر، وهذه كلها صفات أبدية، وإن قدرته تمتد إلى كل شئ. وهو عليم بكل شئ ما خفى وما بطن فهو يرى النملة السوداء على الصخرة الدكناء فى الليلة الظلماء.
وقد حظيت هذه الصفات باهتمام خاص من علماء الدين منذ القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) فصاعدا. وقد برز جدل من سؤال يدور حول "هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟ " وخرج الجهمية والمعتزلة برأى اختصوا به وعارضهم آخرون معارضة شديدة حتى لقد أطلق عليهم لفظ "المعطلين".
ز- القرآن هو كلام اللَّه الخالد غير المخلوق، وهذا الكلام الخالد تردده ألسن الناس ويكتبونه فى المصاحف ويعونه فى قلوبهم، ومع ذلك فهو يتميز عما يجسده من ماديات.
(ح) إرادة اللَّه ومشيئته هى الأسمى. وهى فعالة، وما يريده يكون وما لا يريده لا يكون.
(ط) أفعال الإنسان يخلقها اللَّه، ولكنها مع ذلك تعزى كلية للإنسان ويحاول أصحاب الرأى المعتدل أن يجدوا طريقا وسطا بين الجبر، وبين الإرادة الحرة المطلقة أى الاختيار. وقد دفع قول المعتزلة بأن عدل اللَّه افترض سلفا أن بنى البشر يمكن أن يعاقبوا أو يكافأوا بشكل سليم على أفعالهم، ويقول الأشعرية إنه بالرغم من أن الفعل انطلق من قدرة فى الإنسان فإن هذه القدرة هى التى أوجدها اللَّه ﷻ وخلقها فى لحظة وقوع الفعل لهذا الغرض بالذات وليس لغيره.
ولكن المعتزلة من جهة أخرى قالوا إن القدرة وجدت أو خلقت قبل الفعل وهى قادرة على أن تفعل الفعل أو نقيضه.
стр. 7249
(ك) للَّه "صفات فعلية" مثل الخلق والرزق، ويقول البعض -والأشعرية على وجه الخصوص إن اللَّه لا يمكن أن نطلق عليه لفظ الخالق أو الرزاق حتى يخلق أو يرزق؛ ولأن هذا يتضمن وجود كائنات منذ البداية أو النشأة الأولى، فإن هذه الصفات لا يمكن أن تكون أبدية، ومن جهة أخرى يقول البعض -مثل الماتريدية- إن اللَّه خالق سرمدى. إلخ.
(ل) وهذه الأسماء أو الصفات التى تطلق على اللَّه هى تلك التى توجد فى القرآن أو الأحاديث الصحيحة أو أقرها الإجماع. ويقول المعتزلة إن الأسماء قد تطلق على اللَّه بالاستدلال. ويجمع جمهور العلماء على أن هناك تسعة وتسعين اسما (الأسماء الحسنى) ولكن الحقيقة أن هناك أسماء أخرى.
(م) الاعتراف بسؤال منكر ونكير وبعذاب القبر وأنها حقائق أكيدة، وكذلك علامات القيامة مثل قتل الدجال على يد عيسى وبين الموت والبعث يوم القيامة سيقوم منكر ونكير بسؤال البشر فى قبورهم فإما ثواب وإما عقاب. وقد ذكرت علامات كثيرة على مجئ يوم القيامة ويؤكد الشيعة بشكل خاص على فكرة "الرجعة" وهذه الرجعة إلى الأرض تكون قبل يوم القيامة.
(ص) اللَّه هو الذى يحكم بين الناس جميعا يوم القيامة. وإن الميزان والصراط والحوض حقائق ثابتة، فالميزان توزن عليه أفعال الإنسان، وحوض محمد [ ﷺ ] الذى يروى منه ظمأ أتباعه والصراط الذى فى حد السكين هو فوق هاوية الجحيم والذى يسقط منه الأشرار إلى اللج.
- يسمح اللَّه ﷻ لأشخاص معينين ولاسيما محمد [ ﷺ ] بأن يشفعوا للآخرين فى يوم القيامة وسوف يجئ محمد [ ﷺ ] شفيعا أيضا لمن أخطأوا من أمته. وقد أنكر المعتزلة ذلك على أسس قرآنية، ولكنه رأى لقى قبولا عاما فى النهاية.
- الجنة والجحيم موجودتان وسوف تبقيان إلى الأبد، وسوف يعاقب مرتكبو
стр. 7250
الخطايا من أمة المسلمين فى الجحيم ولكن ليس إلى الأبد، وتقول الجهمية وطوائف أخرى إن الجنة والجحيم لن يخلقا إلا فى يوم القيامة، وهناك بعض الاختلافات حول المصير الحقيقى الدقيق للمسلمين الخطاة ولكن جمهور العلماء يُجمع على أنهم بالشفاعة سوف يتحررون من الجحيم، هذا إذا كانوا قد دخلوها بالفعل.
- الصلاة من أجل الميت وتوزيع الصدقات على روحه أشياء نافعة له.
- اللَّه ﷻ أرسل إلى البشرية رسلا وأنبياء فى مرتبة فوق القديسين والملائكة. ومحمد [ ﷺ ] هو خاتم الأنبياء وأكرمهم. ويذكر كتاب الفقه الأكبر المنسوب إلى الشافعيين أن هناك مائة وعشرين ألف نبى وثلاثمائة وثلاثة عشر رسولا.
اللَّه سبحانه يعصم الأنبياء من كل خطيئة وهذا هو رأى "الماتريدية" وأتباع أبى حنيفة، ولكن الأشعرية يقولون إنهم يمكن أن يرتكبوا أخطاء بسيطة.
- أفضل الرجال بعد محمد [ ﷺ ] هم أبو بكر وعمر ثم عثمان ثم علىّ، ولكن الشيعة يقولون إن عليا هو أفضلهم.
- لم يذكر أى رفيق لمحمد [ ﷺ ] إلا بالخير، ومعنى ذلك منع الجدل حول حسنات وأخطاء عثمان وطلحة والزبير وغيرهم.
- إن الكفر لا يعقب بالضرورة ارتكاب المؤمن لخطيئة ما، وهذا القول موجه للخوارج الذين ينكرون الإيمان على كل من يرتكب خطيئة.
- الإيمان هو عقد بالقلب واعتراف باللسان وإنجاز الأعمال وهو يزيد وينقص، ومع ذلك فقد قال الكثيرون وأعنى بهم الأشعرية إن الأعمال ليست جزءا من الإيمان، وإن الإيمان لا يتزايد أو يتناقص.
المصادر:
تناول هذا الموضوع العديد من المصادر الإسلامية مثلا الفقه الأكبر لأبى حنيفة، الرسالة القدسية فى الكتاب الثانى من الاحياء للغزالى، والعقيدة الوسيطية فى مجموعة
стр. 7251
الرسائل الكبرى لابن تيمية، أم البراهين للسنوس وغيرها من المراجع الأجنبية:
(١) H. Lammens: L'Islam croyances et institutions, Beirut ١٩٢٦
(٢) A. J. Wensinck: The Muslim Creed, Cambridge ١٩٣٢
(٣) D. B. Macdonald: Development of Muslim Theology Jurisprudence and Constitutional Theory, London and New York ١٩٠٣
بهجت عبد الفتاح [و. مونتجمرى وات W.Mantgamery Watt]
العلة
١ - فى النحو
ظهرت فكرة العِلَّية فى الكتابات العربية الباكرة. عالجها عبد اللَّه بن إسحق (ت ١١٧ هـ - ٧٣٥ م)، والزَّجَّاجى فى "كتاب الإيضاح فى علل النحو"، وابن جنى فى "الخصائص"، والسيوطى فى "كتاب الاقتراح فى علم أصول النحو"، وغيرهم. يقول عنها الزجاجى (ت ٣٣٧ هـ - ٩٤٨ - ٩ م) إنها مستنبطة وليست موجِبة، ويصنفها إلى فئات ثلاث: تعليمية وقياسية وجدلية نظرية. أما الفئة الأولى فتدخل ضمن المعايير التى تحكم هذه اللغة ونذكرها لمن يتعلمها، فنقول "قام زيدٌ"، مع رفع زيد (فاعل)، فإذا سأل سائل، لماذا رفع زيد؟ جاءت الإجابة: لأنه فاعل، وهذه هى العلة. فهو العامل الذى يعمل به الفعل ويتأثر به فيجعله هذا الفعل فى حالة "الرفع" أما الفئة الثانية فتتعلق بوضع تفسيرات على أساس من القياس. ففى المثال: إن زَيْد، قائمٌ، تدخل إنّ على الاسم فتجعله منصوبا، لماذا؟ لأنها تشبه الفعل المتعدى -وهذه هى العلة القياسية- فهى تعد شبيها به وتعمل عمله، ومن الوجهة الشكلية "زيد" يشبه مفعولا لفعل فيأتى منصوبا، و"قائم" مرفوع لأنه يشبه الفاعل الذى يأتى دائما مرفوعا. أما الفئة الثالثة فهى محصلة كل التفسيرات الناتجة عن التأمل أو النظر، وهى دائما موضع جدل فالعلة القياسية تقول: ثمة تشابه مع الفعل المتعدى، ولكن أى فعل؟ أهو فعل فى الماضى؟ أم فى
стр. 7252
الحاضر؟ أم فى المستقبل؟ وحين نعقد مقارنة مع الفعل المتعدى يثور التساؤل، لماذا يقع اختيارنا على فعل يكون مفعوله سابقا على الفاعل مثل (ضرب زيدا عمرو) فهذا تركيب فرعى بالقياس إلى التركيب الأصلى (ضرب عمرو زيدا). فلماذا وقع اختيارنا على التركيب الفرعى، وما هى الأمثلة المشابهة له والتى تبرره، وهل يجوز أستخدام التركيبين الفرعى والأصلى؟ الإجابة: لا. . لأنه ليس بوسعنا القول: إن قائمٌ زيدا. لماذا إذن نجيز القول: إن أمامك بكرا. إن كل الأجوبة على هذه الأسئلة "علل جدلية نظرية". لقد أدام العرب النظر فى "العلل" كوسيلة للتعرف على أسرار الحكمة التى تضفى نوعا من التنظيم المتناغم على لغة العرب. أما ابن السراج (ت ٣١٦ هـ/ ٩٢٩ م) فيقسم "الاعتلالات" أى الأدلة التى يقدمها النحاة إلى فئتين (أ) تلك التى تؤدى إلى معرفة كلام العرب مثل "كل فاعل مرفوع" و"كل مفعول منصوب" وهذه هى الفئة الأولى عند الزجاجى.
(ب) الفئة التى تضم "علة العلة" مثل لماذا يكون الفاعل مرفوعا، ولماذا يكون المفعول منصوبا؟ ذلك أننا لن نجنى شيئا مفيدا إذا تحدثنا كما يتحدث العرب وكفى، بل علينا أن نستخلص الحكمة الكامنة فى الأصول التى وضعوها. وبذلك تتضح لنا الأسباب التى تجعل هذه اللغة تتبوأ مكانا أسمى من نظيراتها. و"علة العلة" تضم فى طياتها الفئتين الأخريين من تصنيف الزجاجى. ويمضى نحاة آخرون فى تعمق فكرة العلة مثل ابن جنى وغيره.
ثمة معنى آخر لكلمة علة: حروف العلة أو حروف الاعتلال أو الحروف المعتلة وهى الألف والواو والياء فى مقابل الحروف الصحيحة.
المصادر:
وردت فى المادة.
سعيد عبد المحسن [هـ. فليش H. Fleiseh]
٢ - فى الفلسفة
ورد مصطلح العلة فى الفكر الشيعى واستخدمه كذلك الفلاسفة والطبقة
стр. 7253
الأخيرة من المتكلمين. وإن كان المتكلمون يميلون إلى استخدام لفظ سبب (ج أسباب). أما الفيلسوفان الفارابى وابن سينا فيستخدمان اللفظين (علة وسبب) كمترادفين. كما ورد مصطلح "علة" فى فترة باكرة فى ترجمات النصوص اليونانية، ولاسيما نصوص الأفلاطونية الجديدة (المحدثة) التى نسبت خطأ إلى أرسطو.
١ - فى الفكر الشيعى: من رسائل إخوان الصَّفا رسالة عن العلل والمعلولات. تعرف العلة بأنها اسم لما يتوصل به إلى المقصود. أما عن أنواع العلل فهى شبيهة بما أورده أرسطو فى كتابيه "الفيزيقا" و"الميتافيزيقا" من تحليل العلل. إن كل معلول له أربع علل هى العلة الفاعلة (الفاعل)، العلة الهيولانية (المادة) والعلة الصورية ثم العلة التمامية (الغائية). ثم يضيفون إلى هذه العلل ما يحتاجه الفاعل وفقا لطبيعته، فإذا كان الفاعل بشرا فهو بحاجة إلى المادة والمكان والزمان وبعض الحركات وإلى أعضائه بوصفها أدوات. أما الفاعل الطبيعى غير البشرى فلا يحتاج إلا إلى مادة ومكان وزمان وحركة. أما الخالق الأعلى أو البارئ فلا حاجة به لشئ من هذا، لأنه العلة الأولى وعلة العلل، وفِعْله بداية مطلقة وخَلْق محض. وهم يصنفون الموجودات المعلولة إلى أربعة أنواع أيضا: الموجودات التى أوجدها البشر، والموجودات الطبيعية (المعادن والخضروات والحيوانات)، ونوعان آخران أضفت عليهما النزعة الإسماعيلية صفات بعينها، فهناك الموجودات النفسانية (الكواكب، والنجوم، والعناصر) وهناك الموجودات الروحانية (المادة الأولى، والصورة بغير مادة، الروح، العقل).
إن حديثهم عن العلل أقرب إلى الوصف وأميل إلى إبراز تدرج سلم الموجودات. ويتحدثون عن الشروط الوسيطة التى يستحيل بغيرها إيجاد الأشياء، وهى شروط تقيم نوعا من العلاقات الضرورية بين العلل والمعلولات، وبالتالى هناك ما يسمونه بتأثير العلة على المعلول.
стр. 7254
٢ - الفلسفة: يورد الكندى فى رسالته "العلة الفاعلة القريبة للوجود والفساد" العلل الأربع الآنفة الذكر ويسميها العلل الطبيعية ويسمى العلة المادية والعلة العنصرية، أما العلة الغائية فيسميها تمامية. أما عن إطاعة الأجسام للَّه فثمة علل أخرى حيث يسمى المجال السماوى بالعلة الفاعلة القريبة للمخلوقات الحية الفانية، وهو يستخدم كلمة أسباب كمرادف لكلمة علل حيث يتحدث عن أسباب الضباب.
الفارابى: كذلك الفارابى فى كتابه "عيون المسائل" يرى أن الممكن لابد أن تتقدم عليه علة تخرجه إلى الوجود ولابد من وجود علة أولى لسائر الموجودات، هى الكائن الواجب الوجود أو الكائن الضرورى ولا يجوز أن تكون له علة إلا بذاته لأنه السبب الأول، ثم يصنف العلل كما صنفها أرسطو. وإن كان فى "آراء أهل المدينة الفاضلة" يستخدم كلمة سبب وأسباب.
أما ابن سينا فيتحدث عن العلل أو الأسباب فى كتابيه "الشفاء" و"النجاة" على نحو ما فعل أرسطو ولكنه يتجه بها وجهة أفلاطونية جديدة ويميز بين الماهية والوجود بل يجعل من الوجود عَرَضًا من أعراض الماهية. ويولى أهمية خاصة للعلة الغائية بوصفها العلة الفاعلة للعلل الفاعلة (رسائل الكندى) وإن كانت العلاقة متبادلة بينها وبين العلة الفاعلة. واللَّه هو العلة الأولى وهو المبدى للوجود وإبداع مطلق.
٣ - علم الكلام: عند بدء ظهور علم الكلام لم يكن هناك وعى "بنظرية العلل" ولكن حين تصادفهم فكرة العلة فى مبحث ما فعندئذ يتحدثون عن الأسباب لا العلل. والمعتزلة يؤكدون تأثير الفاعل على أفعاله فى حين ترى الأشعرية أن تعاقب السبب والمسبب أمر غير حتمى بل هو من خَلْق اللَّه "دون تأثير من الفاعل".
المصادر:
وردت فى متن المادة.
سعيد عبد المحسن [ل. جارديه L.Gardet]
стр. 7255
علم الحساب
يقسِّم "الفارابى" فى كتابه "إحصاء العلوم" علوم التعاليم -أى الرياضيات- إلى سبعة فروع كبيرة على رأسها "علم الأعداد" وهو يرى أن هناك علمين للأعداد واحد عملى يبحث فى أعداد المعدودات، والآخر نظرى يبحث فى الأعداد فى صورتها المجردة وفى الخصائص الأساسية للأعداد (كأن تكون زوجية أو مفردة مثلا) والخصائص التى تكتسبها حين يُنسَب أحدها للآخر أو حين يرتبط أحدها بالآخر أو ينفصل عنه.
وفى المؤلفات الرياضية العربية نجد تمييزا آخر بين "علم العدد" و"علم الحساب" وهو تمييز مستمد من نظير يونانى؛ فعلم الحساب يختص بالموضوعات التى تتناول الأبواب ٧، ٨، ٩ من كتاب "العناصر Elements" لإقليدس الذى تُرجم لأول مرة فى عهد الرشيد؛ والتى تناولها كذلك كتاب "مقدمة لعلم الحساب" لنيقوماخوس Nicomachus الجيرازى. وقد نهج المؤلفون العرب المنهج الإغريقى فى اعتبار أن الأعداد غير النسبية Irrational numbers تنتمى للهندسة لا إلى الحساب، وإن كان البعض منهم كعمر الخيام اتخذ خطى مهمة من أجل اعتبار الأعداد غير النسبية أعدادا حقيقية. ومن جهة أخرى فقد كان علم الحساب مختصا بالعمليات الحسابية الأساسية وعمليات استخراج الجذور لكن تمشيا مع المفهوم العام للحساب واختصاصه بتعيين الكميات العددية المجهولة، فإن كتب الحساب تشتمل عادة على أقسام للمسائل الجبرية. وبعض الرسائل التى قد يظن أنها مختصة بالحساب (مثل "تعريف الحساب" لأبى كامل شجاع ابن أسلم) هى فى واقع الأمر مختصة بكليتها بالجبر، وتختلف هذه الرسائل عن الكتب التى تتناول طرق الحساب الهندى فى كون الأعداد تُكتب بها بالكلمات. وبناء على مصطلح "علم حساب النجوم" قد يكون مصطلح
стр. 7256
"الحاسب" مقصودا به "الفلكى" أو "المنجم" أو "المختص بعلم الحساب".
ترجم "ثابت بن قُرَّة الحَرّانى" -المتوفى ٢٨٨ هـ/٩٠١ م- كتاب "مقدمة نيقوماخوس" إلى العربية تحت عنوان "كتاب المدخل إلى علم الأعداد" الذى ذاع صيته وأحاط رياضيو الإسلام من خلاله بمعارف الحساب الفيثاغورسى المتمثلة فى علاقة الحساب بالموضوعات الأخرى للرباعية quadrivium (أى الهندسة والفلكُ والموسيقى)، وتصانيف الأعداد (تامة، فوق تامة، ناقصة - متحابة - متسلسلة -. . . إلخ). وتأثير هذا العمل يمكن أن يكون ملموسا فى مؤلفات "إخوان الصفا" الذين كانت رسالتهم الأولى "فى الأعداد" ومع ذلك فالمرء يباغَت بندرة المؤلفات فى علم الأعداد بصفة خاصة، وإن كانت هناك معالجة مطولة نوعا لهذا الموضوع هى "مراسم الانتساب فى علم الحساب" التى كتبها فى دمشق عام ٧٧٤ هـ/ ١٣٧٣ م الأندلسى"يعيش بن إبراهيم بن يوسف الأموى"، والتى تشتمل على معالجة للأعداد الهرمية. كما كتب كل من "ثابت بن قُرة" و"كمال الدين الفارسى" رسالة مستقلة فى الأعداد المتحابة.
وأول كتاب فى الحساب الهندى -وهو كتاب "محمد بن موسى الخوارزمى" الموضوع حوالى عام ٢١٠ هـ/ ٨٢٥ م- وصلنا فقط من خلال عدد من نسخه اللاتينية المنحولة عن ترجمة لاتينية يحتمل أنها أُعدَّت فى القرن ١٢ الميلادى، وتتمثل إحدى هذه النسخ فى مخطوط فريد محفوظ فى كمبردج ومنشور فى روما ١٨٥٧ م تحت عنوان: Algoritmi de numero in dorum وتتمثل نسخة أخرى فى كتاب آخر منشور فى روما أيضا وفى نفس العام تحت عنوان: Liber algorismi (alghoarismi) de pratica arismetrice, والكتاب السابق يتناول بالشرح نظام القيم العشرية للخانات العددية؛ وإن كانت الأرقام الهندية التسعة مفقودة
стр. 7257
من مخطوط كمبردج الذى يستخدم فقط الأرقام الرومانية، والصفر ممثل فيه بدائرة صغيرة تشير إلى الخانة الخالية. والكتاب الأخير يشير إلى الصفر بلفظ Ciffre أو Siffre. وتُجرى العمليات الحسابية الأساسية بوضع الأعداد فوق بعضها البعض ثم تبدأ العملية جهة اليسار، ومحو الأعداد ونقلها كلاهما مستخدمان مما يعنى ضمنا أن العمليات كانت تُجرى على "تخته رَمْل". ومن السمات المميزة للكتاب معالجة "التضعيف" و"التنصيف" باعتبارهما عمليتين مستقلتين، وهى الممارسة التى واصلها الحاسبون العرب طويلا حتى عصر "الكاشى" فى القرن ٩ هـ/ ١٥ م (وإن لم يكن الأمر كذلك فى حالة "الكرخى" و"البنَّاء" حوالى عام ٦١٩ هـ/ ١٢٢٢ م، أو فى حالة "القَلَصادى" المتوفى عام ٨٨٢ هـ (١٤٧٧ م أو عام ٨٩١ هـ/ ١٤٨٦ م)، كما واصلها الكثير من المؤلفين الأوروبيين حتى القرن ١٦ م.
وما زال باقيا من الكتب التمهيدية الأولى للحساب الهندى كتاب "أصول حساب الهند" الذى ألفهُ "أبو الحسن كوشيار بن لَبّان الجيلى" حوالى عام ٣٩٠ هـ/ ١٠٠٠ م، ويقع الكتاب فى جزأين يعرض أولهما للأرقام التسعة ولمبدأ القيم العشرية للخانات العددية! حيث تشير دائرة صغيرة (صفر) إلى غياب رقم المرتبة (الخانة) التى يشغلها. ثم يتناول كوشيار الزيادة (الجمع) النقصانى (الطرح) والضرب والقسمة أما "التضعيف" و"التنصيف" فهما معالجان بوصفهما صنفين من الجمع والطرح على التناظر، ويلى ذلك معالجة للجَذْر (الجذر التربيعى)، ثم ينتهى هذا الجزء بفصل قصير عن الموازين. أما الكسور فيعبر عنها الكتاب أساسا فى صورة "قيم ستينية"؛ فالنصف مثلا يعبر عنه بثلاثين جزءا من الواحد الصحيح، وعلى ذلك فالناتج النهائى لتنصيف العدد ٥٦٢٥ يظهر على الصورة ٢٨١٢، ٣٠ وعلى النحو ذاته يحول باقى القسمة بالضرب (× ٦٠)
стр. 7258
إلى التقدير الستينى ثم يقسم على المقسوم عليه. أما الجزء الثانى فهو مخصص بكامله لنظام الحساب الستينى المركب (بما فى ذلك حساب الجذر التربيعى) بمعاونة جداول ضرب الأعداد حتى العدد ٦٠ (وهى مفقودة من النّص الباقى). وفى تلك الجداول يُعَبًر عن الأعداد بنظام حساب الجُمَّلْ التقليدى، وإن كانت العمليات الحسابية ذاتها تقوم على نظام القيم العشرية للخانات العددية مع استخدام الأرقام التسعة والصفر، ويشرح الفصل الأخير كيفية استخراج الكعب (الجذر التكعيبى) فى النظام العشرى. والكتاب يتناول العمليات الحسابية من خلال إجرائها على تَخْت (تختة رمل) وما يشتمل عليه ذلك من محو وإزاحة الأرقام.
لكن وحتى قبل عصر كوشيار أُدْخِلَتْ مُسْتَحدثات فائقة الأهمية، كما يشهد بذلك كتاب "الفصول فى الحساب الهندى" لمؤلفه "أبو الحسن محمد بن إبراهيم الأقليدسى" فى دمشق عام ٣٤١ هـ/ ٩٥٢ - ٩٥٣ م. وبالإضافة إلى تطبيق نظام الحساب الهندى على حساب العقود القديم وعلى الكسور الستينية، شَرَعَ الأقليدسى فى تعديل طرق تختة الرمل لتلائم استخدام الحبر والورق. ومن ثم ففى نفس القرن نجد "أبو الوفاء البوزجانى" حين وضع كتابه فى الحساب من أجل استخدام موظفى الحكومة "ما يهتدى إليه الكتاب والعمال من صناعة الحساب" يحرص على تخليص نظم الحساب الهندى -التى كان يستخدمها بين الفينة والفينة- من تختة الرمل والمحو. وقد زعم الأقليدسى أنه أول من قدم معالجة مُرْضية للجذر التكعيبى، لكن أهم ما يميز كتابه قيامه بشرح وتطبيق الكسور العَشْرِيَة وهى مستحدث ظل إلى عهد قريب جدا يُنْسَبُ إلى "الكاشى" الذى عاش بعده بخمسة قرون، وإن كانت الفكرة تعاود الظهور بصورة ما فى كتاب "تكملة فى علم الحساب" لمؤلفه "أبو منصور عبد القاهر البغدادى" المتوفى عام
стр. 7259
٤٢٨ هـ/ ١٠٣٧ م، والذى عبر عن الكسر ١٧.٢٨ بالكيفية التالية: ١٧.٠٢.٠٨. لكن يبدو أن هذا الابتكار قد فُقِدَ على مر خمسة قرون بعد الأقليدسى حتى أعاد الكاشى استخدام الكسور العشرية فى كتابه "مفتاح الحساب" باعتبارها كشفا جديدا توصل إليه عن طريق المضاهاة بالقيم الستينية. ومع أن الكاشى أدرك أهمية الكسور العشرية على نحو أفضل من الأقليدسى، فإن الأخير استخدم "علامة عشرية" عبارة عن شرطة قصيرة توضع فوق الرقم فى موضع الكسر العشرى؛ وهذه تتفوق على الطرق التى اتبعها الكاشى للإشارة إلى الجزء العشرى من العدد مثل كتابته بلون مختلف أو فى عمود أو أعمدة مستقلة.
والسمة المميزة لكتب طرق الحساب الهندى هى استخدامها للأرقام العربية التى اعتاد أهل العلم العرب فى القرون الوسطى على التأكيد بأنها هندية الأصل؛ الأمر الذى أضحى مُسَلَّمًا به الآن، وإن كان الجدل حول المصدر الأول للأرقام وطريقة انتشارها وتطورها فى العالم الإسلامى يظل محتدما بالرغم من البحوث المكثفة التى قام بها "ووبكه Woepcke" و"سميث Smith" و"كاربنسكى Karpinski" و"كارا دوفو Carra de Vaux" و"جاندز Gandz" وكثيرون غيرهم. وفى العالم الإسلامى تواجدت الأرقام وواصلت تواجدها أساسا فى صورتين إحداهما فى المشرق والأخرى فى المغرب، وجرت العادة على تسمية الأرقام المشرقية بالهندية وتسمية المغربية -التى هى الأصل المباشر للأرقام الأوربية الحديثة- بالغُبارية، وإن كانت هذه الأسماء تُعْكَسْ أحيانًا.
وكلا نوعى الأرقام كان معروفا للعرب بحلول عام ٧٣٣ م إن لم يكن قبل ذلك، ومع ذلك يمكن ملاحظة أنه لم يجد أحد حتى الآن فى الرسائل العربية الخاصة بعلم الحساب آية إشارة إلى مؤلفين هنود أو عناوين لكتب هندية،
стр. 7260
خلافا لما هو معهود فى المؤلفات الفلكية العربية! . ويُضاف إلى ذلك أن تلك الرسائل لا تنم عن أى أثر للحساب الهندى فى نحو عشرين عملية تتبع الحساب الإغريقى المألوف. وعلى النقيض من دلك نجد عبارة "حساب التخت والتراب" لها ما يناظرها فى اللغة السنسكريتية، ونجد توازيا بين العربية والسنسكريتية فى استخدام المصطلحين "الجمع والتفريق" أو "الضم والتفريق" -أى "الجمع والطرح"- للدلالة على علم الحساب برمته، مع إنه لا يقتصر على هاتين العمليتين الأوليين.
وقبل انتشار طرق الحساب الهندى شاع فى العالم الإسلامى نوع من الحساب يُطْلق عليه الأقليدسى "حساب الروم والعرب"، وكانت الكتب التى تتناوله (مثل رسالة "أبو الوفاء" سالفة الذكر) تقدم قواعد إجراء العمليات الحسابية بما فى ذلك التعيين التقريبى للجذور التربيعية. وكانت تلك العمليات تجرى عادة ذهنيا، وتُسْتَبْقَى النتائج الجزئية -المتحصل عليها سعيا إلى الحل النهائى- عن طريق الاحتفاظ بالأصابع فى أوضاع معينة؛ الأمر الذى جعل هذا النوع من الحساب يُعْرَف باسم "حساب اليد" أو "حساب العُقود" أو "الحساب الهوائى". وللتعامل مع الكسور كان حساب اليد يَسْتَخْدِم المقياس الستينى، أو يحول الكسور إلى أجزاء من العملات أو وحدات القياس. كما كان هناك أيضا النظام اللغوى فى التعبير عن الكسور (ثلث، ربع، . . .، عشر) وهو نظام مستمد من خصائص اللغة العربية؛ حيث يمكن التعبير عن الكسر بلفظ مشتق من اللفظ الدال على المقام، باستثناء "نصف" الذى لا يشتق من "اثنين".
وبالرغم من مواصلة وضع الرسائل فى حساب اليد حتى بعد التعرف بجلاء على مزايا الحساب الهندى، فقد كان الهدف العام للحسابين العرب -وربما أيضا إنجازهم الرئيسى- دَمْجَ الطرق
стр. 7261
المختلفة المتوفرة لديهم فى نظام حسابى واحد يقوم على التطبيق الثابت لفكرة القيم العشرية للخانات واستخدام الأرقام الهندية. وإحدى هذه الطرق طريقة المقياس الستينى القديم الذى تأثرت به المؤلفات العربية فى علم الحساب تأثرًا قويًا من خلال ترجمة الأعمال الفلكية اليونانية. لكن وإلى جانب ذلك ظلت طرق الحساب الستينية دائمًا -هى ونظام "حساب الجُمَّل" المصاحب لها- قيد الاستخدام بين الفلكيين الإسلاميين. وإدراكًا لهذه الحقيقة كانت كل رسالة هامة فى علم الحساب العربى تخصص فصلا لمعالجة النظام الستينى يُعْرَفُ أحيانًا باسم "حساب المنجمين" أو "حساب الزيج" أو "حساب الدَرَج والدقائق". وهناك رسالة متأخرة -وإن كانت شاملة- خصصت بكاملها لهذا النظام، هى "رقائق الحقائق فى معرفة الدَرَج والدقائق" لِسبْط الماردينى المتوفى بعد عام ٨٩١ هـ/ ١٤٨٦ م، وهو يقول فيها إن العمل الوحيد المرضى فيما رآه من أعمال الحساب الستينى هو عمل لمعلمه "شهاب الدين أحمد بن ماجد".
وتحتل الموازين (طرق التحقق من صحة العمليات الحسابية) فى كتب الحساب العربية موقع التطبيقات العملية، وهذا مخالف لما عليه الحال فى المصنفات العربية فى الجبر التى تسير على النهج الإغريقى والتى تُورِدُ البراهين الهندسية غالبًا. والوزن بالعدد ٩ يظهر فيما وصلنا من بواكير الكتب مثل كتب الأقليدسى وكوشيار، ويتواصل استخدامه على مر الزمان وإن استخدمت بعد ذلك أعداد أخرى فى الوزن (٧، ٨، ١١)، وكان هناك اعتراف بمحدودية جدوى هذه الطرق؛ فالكاشى -الذى استخدم التسعة فقط- يقرر أن هذه الطرق قد تُثْبِت خطأ نتيجة ما، لكنها لا تثبت صحتها، وهناك تقرير مماثل بكتاب الخوارزمى.
المصادر: وردت بالمتن.
محمد غريب جودة [عبد الحميد صبرة A.I.Sabra]
رقم الإيداع بدار الكتب ١٠١٢٧/ ١٩٩٦
ISBN ٩٧٧ - ٠١ - ٤٩٧٥ - ٦
стр. 7262
موجز دائرة المعارف الإسلامية
«علم الكلام - الفأل»
[الجزء الرابع والعشرون]
стр. 7263
علم الكلام
أحد العلوم الدينية الإسلامية. والمصطلح على وجه التقريب مناظر للمصطلح الغربى "اللاهوت".
(١) تعريف: من المتعذر أن نحدد بدقة العصر الذى صار فيه مصطلح "علم الكلام" يعنى علما دينيا مستقلا، وعلى أية حال فبينما المعنى الأصلى لمصطلح "الفقه" -خصوصا فى المذهب الحنفى- يعنى الفهم والفطنة؛ مما يميزه عن "العلم" بمعنى "المعارف التقليدية"، اكتسب مصطلح "الكلام" معانى "التحاور والمناقشة والجدل".
يعتبر الفارابى فى "إحصاء العلوم" أن علم الكلام هو العلم الذى يتيح للإنسان العمل من أجل نصرة العقائد الدينية والفرائض التى تفرضها، ودحض كل الآراء المناقضة لها. وهذا أحد التعاريف الشائعة: "الكلام هو العلم المعنىُّ بترسيخ العقائد الدينية، عن طريق إيراد البراهين ونفى الشكوك".
وهناك تعاريف مشابهة يمكن أن نجدها عند "ابن خلدون" و"محمد عبده"، وكلاهما يلخص تفاصيل مسهبة دون أن يضيف جديدا.
وعلم الكلام هو المبحث الذى يضع الحجج المنطقية فى خدمة العقائد الدينية، ويتيح إعمال الفكر والتأمل والاستدلال فى شرح مضمون العقيدة والدفاع عنها؛ وهو يتصدى أصلا للمشككين والناكرين، ووظيفته الدفاع عن الدين. وهناك مصطلح مرادف بالغ الشيوع هو "علم التوحيد"؛ الذى من المفهوم أنه لا يختص بوحدانية اللَّه ، بل بكل قواعد العقيدة الإسلامية خصوصا النبوة.
وهناك تفسير يقرر أن "علم الكلام" إنما هو "علم كلام اللَّه"، ولا شك أن صفات "الكلام" وطبيعة القرآن الكريم كانتا ضمن أولى الموضوعات التى عالجها هذا العلم. وقد تواصل النقاش فى هذا الموضوع على القرون دون أن يظفر قط بالأولوية فى المعالجة ولا بطول المتابعة، والاحتمال الأقوى أن "الكلام" كان أول أمره يشير إلى "الحجج المنطقية"، وكان المتكلمون هم "الاستدلاليون Reasoners"؛ وذلك هو الحال فى عصر "مَعْبَد الجُهَنى" المتوفى
стр. 7264
عام ٨٠ هـ/ ٦٩٩ - ٧٠٠ م. ثم أضحى الكلام مبحثا منتظما حينما تحولت تلك البراهين والمناقشات إلى التعامل مع مضمون العقيدة.
وسِمَة الدفاع المنطقى والاستدلالى عن الدين هذه كان من شأنها أن تجعل المتكلمين مرمى لسهام كل من السلفيين والفلاسفة معا.
(٢) المدارس الكبرى:
أ- النزاعات الأولى: يلوح أنه انطلاقا من موقعة "صفين" وما تمخضت عنه من انشقاقات، يمكن تحديد -ليس بداية التأملات فى مضمون العقيدة بل- تشعُّب تلك التأملات إلى نزعات ومذاهب. وقد وضع ظهور المذاهب السياسية الدينية الرئيسية الثلاث (الخوارج والشيعة والسنة) أمام المفكرين المسلمين مسألة "صلاحية الإمامة" و"حالة التقوى" التى ينبغى أن يكون عليها الإمام؛ وكان هذا هو منشأ مسألة الإيمان وشروط التقوى ومسألة "مسئولية المرء أو عدم مسئوليته"؛ ثم وفى موازاة ذلك "طبيعة القرآن الكريم" (مخلوق أم غير مخلوق) وبالتالى التأكيد على الصفة الإلهية للكلام، وأخيرا المسألة الأعم الخاصة بالصفات الإلهية ووجودها وعلاقتها بالذات الإلهية ووحدانيتها. وبمرور الوقت أُضِيفت مسائل أخرى كثيرة، لكن الموضوعات الأساسية التى قُيض لها أن تشكل كيان "علم الكلام" كانت قد نشأت بالفعل فى ذلك العصر المبكر (عصر الأمويين وبداية عصر العباسيين). لكن مهما كانت التأثيرات الخارجية -كالمناقشات مع الزنادقة المزدكيين حول الخير والشر فى سلوك البشر، ومع اللاهوتيين المسيحيين الدمشقيين حول "كلمة اللَّه" (١) the word of God"، وكذلك اكتشاف العلم والفلسفة الاغريقيين- فقد اتجه علم الكلام أول الأمر إلى اتخاذ شكل مميز
مخالف للمسائل النمطية الإسلامية ومن المحتمل أن المؤثرات الخارجية كان لها بعض الأثر -نتيجة للمناظرات (التى كانت تؤكد على بعض جوانب الموضوعات التى تعالجها) - على اختيار البراهين وربما كذلك على أسلوب الجدل. ومع ذلك تبقى الحقيقة أن "علم الكلام" قطعا ليس تحويرا
стр. 7265
عربيا للاهوت المسيحى أو المزدكى، بل هو علم نشأ داخل المجتمع الإسلامى وحافظ على أصالته.
ولعله من قبيل المجازفة أن نحاول تحديد بدايات اتخاذ المواقف، فهذه لا تكاد تعرف إلا من خلال الأعمال المتعلقه بالمِلَل والنّحلْ (خصوصا مصنفات الأشعرى والبغدادى والشهرستانى وابن حزم) والأعمال المفندة لها. وإلى جانب ذلك فليس لزاما دائما الربط بين نفس المفكرين تحت مسمى عام معين (كالقدرية مثلا)، كما ينبغى عدم تحويل ما هو "مجرد نزعات" إلى "مذاهب" بالمعنى الدقيق؛ فهذا المتكلم أو ذاك ربما يقدم باعتباره يعبر عن نزعات متباينة -بل ومتعارضة- حسب المسألة التى يعالجها، وهذا يؤدى بنا كمؤشر عام- إلى عدة نقاط مرجعية.
كان القَدرية أشد المعارضين للنظام الأموى وأشد الناقدين لأسلوب البلاط فى دمشق، وهذا الاسم يطلق عادة على أولئك الذين يسلّمون بأن الإنسان لديه القدرة على التحكم فى تصرفاته؛ وأن هذه القدرة من الضخامة إلى الحد الذى يجعل القدر ملكا للإنسان وحده، والذين رأوا فى "الأفعال" التى تصدر بمثل هذا القدر من الحرية جزءا مكملا للإيمان؛ ومن ثم فمرتكب الكبائر عامدا كافرا فى نظرهم. . . وهذه العقيدة الأخيرة التى لا يبدو أنها لاقت تعضيدا عاما، ظلت خاصية مميزة لفكر الخوارج. ومن أكثر أتباع القدرية الذين تنوقلت كتاباتهم "غيَلان" و"معبد الجهنى"، ويمكن أن نضيف إليهم مع بعض التحفظات "واصل بن عطاء" و"عمرو بن عبيد" (من رجال القرن الثانى هـ/ الثامن م) اللذين يُعدان مؤسسَى مذهب المعتزلة واللذين ارتبطت بهما "المعتزلة السياسية". وتعود تلك النزعة للظهور فى كلام الخوارج والشيعة المتأخرين، وقد أطلق فيما بعد مصطلح القدرية على المعتزلة من غير تحفظ لكنهم تنصلوا منه وقام البعض منهم بتفسير الأصل الاشتقاقى للكلمة تفسيرا مختلفا واستخدموها للتعبير عن أولئك الذين نادوا بفكرة القدر المطلق! ولهذا التفسير وجود بعد ذلك فى أعمال ابن تيمية الذى يعتبر خصم المعتزلة.
стр. 7266
وبهذا المعنى الثانى تصبح القدرية مرادفة لما هو عكسها أى "الجبرية" أو "المجْبرة" وهم المنادون بـ "الجَبْر" أى "الإلزام القسرى الإلهى" الذى تنجم عنه أفعال المرء خيرا كانت أو شرا، ومن ثم فلا شئ منها يعزى إلى الإنسان الذى تصدر عنه، لقد اعتبر المعتزلة فى عداد الجبرية أولئك الذين رفضوا مبدأ "القدر" بما فيهم الأشاعرة، أما الاشاعرة فقد أطلقوا مصطلح "الجبرية" -ربما بشئ من التسرع- على مريدى "جَهْم".
أما "المُرْجئة" فقد خالفوا الخوارج فى مسائل الإيمان والثواب والعقاب فارتكاب الكبيرة مثلا لا يترتب عليه الخروج من حظيرة الإيمان؛ فوفقا للنص القرآنى يصبح مصير المذنب قيد "الإرجاء" انتظارًا لقضاء اللَّه. وعادة يشار إلى "غيلان" و"غَسّان" -اللذين تبدو لهما صلات بالحنفية- باعتبارهما من المرجئة، كما نوه الشهرستانى مثلا.
وقد قلص المتأخرون ممن كتبوا عن الملِل والنّحل تلك النزعات المتباينة إلى مجرد نصوص مختصرة، ومن المحتمل أنهم غالوا فى تبسيطها وربما عملوا على تحريفها. ومع ذلك ففى إطار المحاولات الأولى لدعم المواقف السياسية الدينية بالحجج المنطقية، تحددت الخطوط العامة لما تلا ذلك من مناقشات؛ فالقدرية سواء أحالفهم التوفيق أم جانبهم قد استبقوا بعض الأطروحات الرئيسية للمعتزلة، أما الأشاعرة فكان من شأنهم البحث عن "وسيلة مناسبة" للتوفيق بين "الجَبر" الذى نادى به الجَبرية و"مسئولية الإنسان" أى "الاختيار"، بينما المرجئة فى معالجتهم لمسألة الثواب والعقاب فى العالم الآخر قد استبقوا إلى حد ما تفسيرات الأحناف الماتريديين والكثيرين من الأشاعرة. والمناقشة الوافية لهذه المسألة سوف تحتاج إلى دراسة تفصيلية (وإن كانت أمرا من قبيل المجازفة نظرا لنقص المراجع الموثقة) عن غيلان، الذى يُدرج أحيانا ضمن القدرية باعتباره قد أكد على حرية الإنسان فى الاختيار، كما يصنف فى أحيان أخرى ضمن المرُجئة بناء على نظريته عن مصير المؤمن مرتكب الذنوب.
لذلك فإننا نعالج نزعات لا "مذاهب فقهية" راسخة، ونعالج آراء متشابكة
стр. 7267
كان من شأنها أن تتشعب فيما بعد وعلى ذلك فسوف نتناول أتباع -نحلة الجَهْمية الذين يعتبرون أن "جهم بن صفوان" (الذى أعلم عام ١٢٨ هـ/ ٧٤٦ م) هو مؤسس تلك النحلة، والذين لم تعرف ماهية عقائدهم إلا من خلال مناقضات خصومهم. وقصارى القول فيهم أنهم فيما يتعلق بمسألة القدر يقفون فى صف الجبرية، وفيما يتعلق بمسألة الإيمان يقفون فى صف المرُجئة وفيما عدا ذلك فهم قد رفضوا الاعتراف بأى وجود مستقل للصفات الإلهية، يفصلها عن الذات الإلهية وهو ما عرف بـ "التعطيل"؛ مستهدفين من ذلك صون كمالها ووحدانيتها المطلقة وفى نهاية المطاف أيد الجهمية فكرة "مخلوقية القرآن الكريم" وقدموا تفسيرات مجازية للآيات الدالة على التجسيم (خلع صفات الجسم البشرى على الذات الإلهية). ومن ثم نشأ نوع من البلبلة بينهم وبين المعتزلة (كما هو الحال فى مسألة "ضرار بن عمرو" مثلا)، وناوأهم هؤلاء من جراء مغالاتهم فى التعطيل ومن جراء رفضهم لفكرة "الاختيار" أى حرية الإنسان فى التصرف.
ب- مذاهب المعتزلة:
(فيما يتعلق بأصل التسمية والتفاصيل الخاصة بالتطور التاريخى لذلك المذهب ومعتقداته) كان المعتزلة الأوائل معاصرين لمختلف النزعات والفئات التى استعرضناها أعلاه، مما يجعل من المتعذر أحيانا بل وربما من غير المجدى أن نميز بينهم وبين القدرية.
إلا أنه بعد عام ١٣٢ هـ/ ٧٥٠ م -حين كان الحكم العباسى آخذا فى توطيد دعائمه فى بغداد- فقدت المناقشات الخاصة بصلاحية الإمامة موضوعيتها وحل محلها الدفاع عن العقائد الدينية بصفة عامة فى وجه هجمات الزنادقة من كل نوع.
وفى ذلك الوقت صارت المواقف العقائدية محددة ومنظمة إلى الحد الذى يمكننا معه الحديث عن مذهب منتظم (أو بالأحرى مذاهب منتظمة)، له مصطلحاته الخاصة وأساليبه فى المحاجاة التى تأثرت بالعلم والفلسفة اليونانيتين من جراء الترجمة عنهما.
وبعد المؤسسين "واصل بن عطاء" و"عمرو بن عبيد" والرائد "ضرار بن
стр. 7268
عمرو"، نجد أمامنا جماعتين من المعتزلة تتشكلان فى البصرة وبغداد فيما بين نهاية القرن الثانى هـ/ الثامن م وبداية القرن الرابع هـ/ العاشر م. وقد تبنت كل من الجماعتين نزعات متباينة، لكن تَصْدُق على كل منهما تسمية "مذهب".
ولعلنا نتفق مع "مونتجومرى وات W. Montgomery Watt" فيما ذهب إليه فى كتابه " Free will and Predestination in Early Islam" من أن "أبا الهُذيل العَلاف" - المتوفى حوالى عام ٢٢٧ هـ/ ٨٤١ م- هو مؤسس مذهب البصرة، وأيضا (وإلى حد ما) مؤسس "المعتزلة العقائدية" ذاتها. ويتمثل أعلام هذا المذهب فى "معمر" و"النظّام" -وكلاهما لم يتورع عن انتقاد العلاف- وكذلك الكاتب المبرز "الجاحظ"، و"الجبائى" وابنه "أبو هاشم" المتوفى عام ٣٢١ هـ/ ٩٣٣ م. وقد قام فقهاء البصرة -فى إطار معالجهتم لمستجدات مسائل العقيدة- بتقديم حلول إبداعية فى ميدان الفلسفة الطبيعية والعلوم العقلية مثل "نظرية الأجزاء" لأبى الهذيل و"مذهب الأحوال" شبه التصورى لأبى هاشم.
أما المذهب البغدادى فربما كان أقل بروزا من المذهب البصرى، وقد استمد أفكاره "بشر بن المعتمر"، المتوفى بين عامى ٢١٠ - ٢٢٦ هـ/ ٨٢٥ - ٨٤٠ م. والذى تعرض للسجن لبعض الوقت بأمر هارون الرشيد؛ وكان بشر هدفا لانتقاد أبى الهذيل، وقد تأثر به "معمر" وقد حظيت المجموعة المنتمية لهذا المذهب ببعض الشهرة على أيدى رجال مثل "المُردار"، و"ثُمامة" و"الخياط"، و"الكعبى" المتوفى عام ٣١٩ هـ/ ٩٣١ م.
والمعتزلة كما قال عنهم "أحمد أمين" فى كتابه "ضحى الإسلام" كانوا رجال دين فى المقام الأول وفلاسفة فى المقام الثانى. والسمة المميزة للمتكلمين لا تتمثل فى نظرية الأجزاء (أو النظرية الذرية atomic theory) أو فى نظرية الأحوال؛ بل تتمثل فى اهتمامهم الأساسى بالضلوع فى النزاعات والمناظرات من أجل حماية العقيدة من زنادقة ذلك العصر، وهم مدّعو التحرر الفكرى الذين استمدوا أفكارهم من المزدكية أو المانوية، أو من العقلانية اليونانية فى فترة زمنية لاحقه. ومع أن الاختلافات العقائدية الطفيفة -والتى
стр. 7269
لها وجاهتها فى بعض الأحيان- قد فرًقت المعتزلة، فقد كانوا جميعا ينهلون من ذات معين الإلهام الواحد وهو "احترام العقل" فى مجال الدفاع عن العقائد الدينية (حتى أن العقل يصبح عندهم "ميزان القانون")، والاهتمام بتنزيه الذات الإلهية عن كل صور التعددية والتجسيد، والرغبة فى التأكيد على الكمال المطلق للذات الإلهية. وقد عرف المعتزلة أنفسهم بأنهم "أهل العدل والتوحيد".
ويمكننا أن نلحظ تأثير أفكار المعتزلة على الفكر اليهودى الناشئ فى البيئة العربية، إذ اشتمل بدوره على "الكلام" الذى نحا إلى معارضة فقهاء المسلمين كما اقتضت الضرورة ذلك، والذى استعار منهم وبصفة أساسية إشكالياته ومنهجه ونظم المناقشة الخاصة به. وكان أشهر المتكلمين اليهود "سَعديا جون" (أو: سعيد الفيومى).
والأصول أو المبادئ الخمسة التى قامت عليها إشكالية فكر المعتزلة هى: -
(١) التوحيد: فصفات اللَّه تكون ذات معنى فقط حينما تؤخذ فى إطار من التنزيه التام؛ الأمر الذى سارع خصومهم باعتباره من قبيل التعطيل الجهمى؛ فالإله الخالق -ذلك الكائن الروحى المطلق- ليس من الممكن الوصول إليه ومن المحال رؤيته، سواء أكان ذلك فى الدنيا أم فى الآخرة.
(٢) العدل: فاللَّه يؤتى أفعاله عن قصد، والأشياء بطبيعتها تتضمن الخير والشر، لكن اللَّه لا يشاء إلا الخير، وهو قد تكفل بإيتاء الأصلح. . ومن ثم فهو لا يشاء الشر ولا يأمر به. أما الإنسان فهو مالك تصرفاته بما أودعه فيه اللَّه من قدرة، ومسئول عما يفعل! واللَّه قد تكفل بمثوبته أو عقابه بناء على ذلك.
(٣) الوعد والوعيد أو الأسماء والأحكام: الإيمان معناه الالتزام بالأفعال التى حض عليها القرآن الكريم، ومن يرتكب الكبيرة ولا يكفر عنها فمآله إلى جهنم.
والأحكام تصدر من أجل المؤمن وغير المؤمن معا. وهذا المبدأ يتعامل أيضا مع "الأخبار"؛ فهو على نقيض المبدأ المتعارف عليه لا يحتم أن يكون كل "الناقلين" من المؤمنين، ولا يتشبث
стр. 7270
بمقولة إن "الإجماع معصوم من الخطأ".
(٤) المنزلة بين المنزلتين: المنزلة الوسطى بين منزلتى المؤمن والكافر هى منزلة "الفاسق" أى المؤمن مرتكب الذنوب، وهذا المبدأ من خصائص فكر المعتزلة. فالمذنب ليس بمؤمن حقا ولا بكافر حقا؛ فهو قد فشل فى أن يعصم أطرافه عن ارتكاب الذنوب، لكن إيمانه باللَّه يبقيه داخل جماعة المسلمين. وهذا هو المدخل الذى نوقشت من خلاله شروط الإمامة ومن ثم كان استحقاق الخلفاء الراشدين للخلافة.
(٥) الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: وهو مبدأ كانت له وجاهته أول الأمر، ثم فقد موضوعيته بعد ذلك؛ فالأمر بالمعروف فريضة على كل مسلم (على نقيض ما ذهب إليه الأصم البصرى)، وقد دعا المعتزلة -مخالفين فى ذلك وجهة النظر الأكثر كياسة وتبصرا التى قدر لها أن تنتصر آخر المطاف- إلى التدخل المباشر بالسيف إذا اقتضى الأمر هذا التدخل. فالمرء فى نظرهم يمكن له بل ويجب عليه) خلع أولى الأمر الفاسدين، والمرء يمكن له بل ويجب عليه إكراه خصومه -تحت طائلة العقاب بالموت- على الاعتراف بالعقيدة الحقه. كان هذا موقف المعتزلة فى أوج مجدهم فى عهد المأمون حينما كانوا يقتادون المنادين بعدم خلق القرآن الكريم إلى المحاكم.
ومع ذلك تظل الحقيقة أن كتابات أقطاب المعتزلة -بغض النظر عن رسالة "الانتصار" الجدلية التى وضعها الخياط دفاعا عن عقائد المعتزلة فى مواجهة "ابن الراوندى"- غير متاحة لنا إلا من خلال كتابات الآخرين عنها. وبعد أن ظل مذهب المعتزلة المذهب الرسمى للدولة لبعض الوقت؛ فإنه ما لبث أن تعرض بدوره للشجب وإهلاك معظم إنتاجه. وفى العصر الحديث فقط (حوالى عام ١٩٥٨) برزت إلى دائرة الضوء فى اليمن -متأخرة لسوء الحظ- كتابات المعتزلى القاضى عبد الجبار المتوفى عام ٤١٥ هـ/ ١٠٢٥ م)، حيث ظهر أولا "المغنى فى أبواب التوحيد والعدل" وهو بحث شامل حقا، ثم ظهر "كتاب
стр. 7271
المجموع فى المحيط بالتكليف". وإلى هذين العملين يمكن إضافة مؤلف "شرح الأصول الخمسة" الذى يحتمل أن يكون من تصنيف أحد المريدين الزيديين، ويمكننا الإشارة أيضا فى إطار تعاليم عبد الجبار إلى كتاب "المعتمد فى أصول الفقه" لتلميذه "أبى الحسين الطيب البصرى".
وتصدر عن عبد الجبار إشارات متكررة إلى أشياخ المعتزلة الأوائل وإلى مذهب البصرة؛ وبصفة خاصة إلى "الجبائى" و"أبى هاشم". ومن ثم فإننا نمتلك الآن قطوفا من كتابات أساتذة المعتزلة المبكرين وخلاصات لأفكارهم معروضة من وجهة النظر المعتزلية! الأمر الذى يكشف بصورة عارضة إلى أى حد كانت مقالات الأشعرى موضوعية (وينم عن أن الجزء الأول على الأقل من ذلك قد تم تأليفه إبان السنوات التى كان فيها المؤلف ملتزما بفكر المعتزلة). ومرة أخرى فى ذلك العصر المتأخر (حين كان عبد الجبار يلقى بتعاليمه)، فقد حثته تلك المقالات على شن الهجمات على الأشاعرة وإطلاق ردود المعتزلة على ما وجه لهم من هجمات.
واكتشاف تلك الأعمال فى اليمن هو دليل على أنه فى ظل التحدى الذى واجه المعتزلة فى القرن الخامس هـ (الحادى عشر م) امتد تأثير مذهبهم ليصبح مستشعرا فى الأوساط غير السنية.
وقبل أن نفرغ من المناخ الفكرى لأول المذاهب الكبرى لعلم الكلام؛ ربما تعنّ لنا الإشارة إلى ما يطلق عليه الأشعرى "أهل الإثبات" أو "المثبتة". وهؤلاء من غير الميسور ألبتة تعريفهم بدقة؛ فهم يشملون عددا من المفكرين منهم "ضرارب" و"النجار" و"محمد برغوث"، الذين سارع مؤرخو الملل والنِحل بتصنيفهم على أنهم معتزلة؛ إلا أنهم كانوا يلقون المعارضة من جانب العديد من أشياع مذهب البصرة (ومن ذلك أن النجار واجه معارضة "أبى الهذيل" و"النظام")، كما أن الأشعرى رأى فيهم رُوّادَه. ويقال إن أهل الإثبات قد نادوا ضمن أمور أخرى بأن اللَّه خالق أفعال البشر، وأنهم قد استبقوا
стр. 7272
نظرية "الكسب" أو "الاكتساب" التى حددت وحَدَّت من امتلاك الإنسان للأفعال المخلوقة على هذا النحو. وهذه الإشارة إلى أهل الإثبات قد أتاحت للأشعرى تقديم نفسه باعتباره غير مجدد فى مجال علم الكلام.
جـ - رد فعل الأشعريين:
كان انتعاش المذهب السنى فى عهد المتوكل وعلى مدى القرن الخامس هـ/ الحادى عشر الميلادى مصحوبا بتوجيه الاتهام إلى المعتزلة، وتوجيهه فى الوقت ذاته -على الأقل من جانب الحنابلة والظاهرية- إلى علم "الكلام"؛ والأمر الذى كان محل الريبة هو نفس المبدأ القاضى بإعمال الجدل المنطقى إنطلاقا من الحيثيات الإيمانية. وبرغم ذلك فعلم الكلام لم يواصل البقاء فقط؛ بل وجدد نفسه أيضا بفضل المنحى الجديد الذى وفَّره له "أبو الحسن الأشعرى" (٢٦٠ - ٣٢٤ هـ - ٩٣٥ م) وهو معتزلى سابق يعد بحق مؤسس مذهب الأشعرية -ذلك المذهب الذى ظل المذهب الرسمى للكلام والأكثر قبولا فيما بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين (= الرابع الهجرى) - وقد بقى لنا عدد من أعماله (خصوصا "اللمع" و"الإبانة")، وما يزال مصنفه "مقالات الإسماعيليين" حتى اليوم معينا لا ينضب نستمد منه معلوماتنا عن النزعات والمذاهب المبكرة.
ومن المؤكد أنه ظهر فى إطار ذلك المذهب العديد من النزعات واتخذت المواقف المتباينة. . بل المتفارقة. ومن ذلك أن "الباقلانى" جلب إلى خدمة العقائد الأشعرية نظرية الأجزاء (أى النظرية الذرية atomism) التى كان "أبو الهذيل" أول من نادى بها، إلا أن "الجوينى" لم يتبعه البتة فى هذا المنحى بل تبنى من جديد مذهب "الأحوال" لأبى هاشم (والباقلانى) بعد أن تخلى عنه الغزالى. لكن وجهات النظر الأساسية التى استمدت منها المعتقدات الأساسية لذلك المذهب تبقى كما هى. وبالرغم من الفوارق المذهبية (الناجمة أساسا عن الأحداث التاريخية وتباين الخصوم الذين كان يتعين تفنيد آرائهم)، فإن من الجائز لنا الحديث عن مذهب أشعرى واحد أكثر ترابطا مما كانت عليه مذاهب الاعتزال.
стр. 7273
هل من الضرورى -كما اقترح البعض- التسليم بوجود فارق جذرى أو انشقاق بين فكر مؤسس المذهب والمذهب الذى أطلق عليه اسمه؟ . من الثابت أن الأشعرى فى "الإبانة" يستهل استعراضه لمذهبه بالاعلان عن امتثاله لتعاليم "ابن حنبل"، ومن الثابت أنه بالرغم من كون إعلان الإيمان هذا -الذى أضحى أمرًا تقليديا فى اطار ذلك المذهب- وجد له بعض المبررات فى "اللمع"، إلا أنها تختلف اختلافا جوهريا عن المبررات التى أبديت فى "الإبانة" و"المقالات". ومع ذلك فالامتثال الذى أعلنه الأشعرى لتعاليم ابن حنبل لم يَجُزْ على الحنابلة الذين هاجموا بشدة مبدأ "الدفاع عن العقيدة باتباع أساليب الجدل العقلانى" فى حد ذاته. وبالإضافة إلى ذلك فإن الكثير من المسائل التى نوقشت فى "اللمع" كان يتعين عليها انتظار الشرح بمعرفة مريدين متأخرين تأثروا بدورهم بأحوال تاريخية جديدة وعلى ذلك فليس هناك مذهبان للأشعرية -واحد للمؤسس وواحد للتابعية- بل هناك فى الأصل موقف عام واحد تطور تدريجيا وتلون كثيرًا بتأثير المناقشات الدفاعية المتعاقبة.
وهذا الموقف العام تأكيد واضح على أن اللَّه هو القادر على كل شئ الذى لا تدركه الأبصار والذى لا يُسأل عما يفعل.
واللَّه وفقا لأدق المعانى هو "الموجود الواحد والمهيمن الأحد"، وهو لا يأمر بفعل ما لمجرد أن ذلك الفعل خير وصواب؛ بل إن أمره هو الذى يجعل ذلك الفعل خيرا وصوابًا. فاللَّه خالق أفعال الإنسان، والإنسان ليس سوى متلق ممتثل أو هو "محل" لأمر اللَّه. لكن اللَّه أيضا يوعز للإنسان بأفعاله (نظرية الكسب أو الاكتساب) وفى هذا مسوغ لكل من "مسئولية الإنسان" و"المقدرة على التمييز" التى أشار إليها القرآن الكريم وكل ما يذكره القرآن الكريم حق؛ فالآيات المتشابهات حق مطلق فيما يختص بتأكيدها على وجود اللَّه، أما ما تشير إليه من صفات التجسيم فينبغى التسليم به "بلا كيف". . أى بدون السؤال عن الكيفية. وبالرجوع إلى مواقف الحنابلة والمناهضة للمعتزلة
стр. 7274
فمن المجزوم به أن القرآن الكريم غير مخلوق وأن صفات اللَّه حقائق؛ فصفة الكلام ليست محدثة بل هى ملازمة للَّه.
لكن ذلك المذهب نادى فى مرحلة تالية بوجود الكلام الذاتى الإلهى -وهو غير مخلوق- ومالوا للتسليم بأن الإشارات أو الرموز التى تعبر عنه مخلوقة. . ومثل هذه التفرقة كان من شأنها أن تجلب نقدا عنيفا من جانب فقهاء الحنفية.
كان ذلك موقفا عاما كما ذكرنا، لكنه كان يسعى بصورة متواصلة إلى تبرير نفسه باتباع أساليب الجدل المنطقى فى وجه خصومه المتعددين؛ كالمعتزلة أول الأمر الذين كان لدى الأشاعرة أهدافهم المفضلة لتوجيه الجدل نحوها، ومن بعدهم الحرفيون Literalist مثل الكرّامية الذين تصدى لهم "ابن فوراك"، ثم الفلاسفة والكثيرون غيرهم. وكان الأشاعرة من حين لأخر يستعيرون من خصومهم طريقة أو أخرى لعرض الإشكالية أو حتى الأساليب المتبعة فى الجدل، وعلى ذلك يمكننا -فيما يتعلق بهم- تمييز الأطوار الزمنية التالية:
(١) أعمال المؤسس "الأشعرى".
(٢) التلامذة الأُول: "الباقلانى" الذى تبنى نظرية الأجزاء (النظرية الذرية) ونظرية الأحوال؛ وهما النظريتان اللتان كانتا فيما بعد تلقيان القبول أحيانا والإعراض عنهما أو رفضهما أحيانا أخرى. وكذلك "البغدادى"، و"ابن فوراك" خصم الكرامية، و"البيهقى" و"الجوينى" نصيرا نظرية الأحوال.
(٣) وهذا الأخير - الجوينى -وهو أستاذ الغزالى فى الكلام- أصبح رائدا للاتجاه الذى يطلق عليه ابن خلدون اسم "المجددين"؛ ذلك الاتجاه الذى واصل تلخيص ومناقشة مواقف كبار الفلاسفة، والذى بلغ شأوا عاليا استمده من أشهر المتكلمين: الغزالى، والشهرستانى، وفخر الدين الرازى (وهو واحد من أكثر مفكرى هذا المذهب إبداعا)، والأصفهانى، والإيجى، والجُرجانى، والدوانى (الذى كتب "محمد عبده" تعليقا على أعماله). ولم يحجم هؤلاء المجددون عن استخدام درجة ما من التأويل (المعتدل) من أجل
стр. 7275
شرح عناصر التجسيد فى القرآن الكريم (انظر كتاب "أساس التقديس" للرازى).
(٤) الكتب الموجزة التى وضعها ذوو النزعة المحافظة المتزمتة؛ والتى اكتفت بترديد وتصنيف الحلول التى قدمها أساتذة العصور القديمة، ونسخ ردودهم على المعتزلة أو الفلاسفة. تلك الأعمال التى أضحت وبصورة متزايدة أقل شيوعا ومألوفية؛ ونعنى بها أعمال "السنوسى" التلمسانى، واللقانى، والفضالى، والباجورى.
د- النزعات الحنفية الماتريدية:
وهذه أصبحت -إلى جانب الأشعرية- السلك الثانى من التعاليم الذى يلقى قبولا رسميا به -ونقول عمدا "نزعات" ولا نقول "مذهبا"، لإيماننا بصحة ملحوظات الأب "ألار Allard" فى هذا الصدد انظر:
Le probeme des attribuits divins dans la docttrine d'al Ashari et ses premiers diciples, Beirut ١٩٦٥, ٤٢٠
وقد تعامل الأشعرى نفسه مع الحنفيه باعتبارهم فرعا من المرجئة ومع ذلك فنحن معنيون هنا بسلك فكرى متماسك بالقدر الكافى الذى يجعله مستحقا للدراسة فى حد ذاته.
وهو يحتكم من جهة إلى مجموعتين من النصوص القديمة تحملان العنوانين "الفقه الأكبر" و"وصية أبى حنيفة"، ويحتكم من جهة أخرى إلى "الماتُريدى" السمرقندى (المتوفى عام ٣٣٣ هـ/ ٩٤٤ م) وهو مؤلف "كتاب التوحيد" الذى أعده أحد تلامذته. وكان للحيثيات الإيمانية التى أعلنها الأحناف خصائصها الفريدة كالصلة بين "الإسلام" و"الإيمان" والتصريح بالإيمان قولا، . . إلخ. لكن يبدو أن الماتريدى -سابقا فى ذلك معاصره الأشعرى- قد راح ينازل الكثير من الفلاسفة (وكذلك الثنوية والدهرية والفرق الباطنية، وفى المقام الثانى المعتزلة والمجسمة). ومع أنه -مثله فى ذلك ملر الآخرين- كان يتناول صفات اللَّه والأسماء الحسنى، فإن المسألة الأساسية التى هى موضع اهتمامه كانت "خلق العالم". ومن المحتمل تماما أنه لم "يؤسس" مذهبًا بالمعنى الحرفى
стр. 7276
لذلك، لكن الكثير من المتكلمين ينظرون إليه مع ذلك باعتباره نقطة المرجعية. وفى السنوات الأخيرة أضحى من الصعب التمييز الواضح بين كل من أتباع الأشعرى وأتباع الماتريدى، فبينما "فخر الدين الرازى" و"الدوانى" و"اللقانى" يعدون أشاعرة واقعين تحت تأثير الماتريدى، فإن "أبا البركات النسفى" و"التفتازانى" قد ينظر إليهما على أنهما منتمين أساسا إلى سلك الأحناف الماتريديين ومنتمين بصفة ثانوية فقط للأشاعرة (من حيث كونهم قبلوا بنظرية الأجزاء).
ومذهب الأحناف الماتُريديين فى واقع الأمر -إذا ما قورن بمذهب الأشاعرة- يقترح حلولا ذات طابع سيكولوجى وفكرى، كما تعرض ذلك كتب بعينها (مثل كتاب "نظم الفرائد" لعبد الرحمن بن على). فالأخير يعتبر أن اللَّه يخلق فى الإنسان "أصل" أفعاله أيا كانت، والإرادة الحرة للإنسان هى التى توجهها نحو الخير أو الشر. والأول يرى أن القضاء والقدر لم يعودا مرتبطين -على نحو ما يرى الأشاعرة- بإرادة اللَّه، بل هما مرتبطان بالمعرفة الربانية Dirrine Knowledge وأن الروابط بين أحدهما والآخر فى الزمن والأزل معكوسة. (انظر القضاء والقدر أيضًا).
هـ - العصر الحديث:
النهضة التى عرفها الفكر العربى الإسلامى فى نهاية القرن التاسع عشر تحققت بصورة خاصة فى مجال الثقافة بمعناها الواسع وبصفة أساسية فى ميدان الأدب تحت تأثير الفكر الغربى الحديث -لكن كان لها رد فعلها على علوم الدين" ومن ثم على "التفسير" و"أصول الفقه". . ونقول ذلك وحركة الإصلاح التى تولتها السلفية ماثلة فى الأذهان. لكن هل يجوز لنا الحديث عن انبعاث لعلم الكلام؟ للإجابة على هذا السؤال سنلجأ إلى رسالة "الرد على الدهريين" لجمال الدين الأفغانى، وكذلك "رسالة التوحيد" لمحمد عبده، وبعض الكتابات الأخرى لهذا الأخير. فكتاب الأفغانى الذى يهاجم المتشككين والمنكرين المعاصرين قد حض عليه الاهتمام بالدفاع عن العقيدة، ورسالة محمد عبده القصد منها أن تكون بمثابة شرح جذاب للإسلام يهدف إلى التأثير على
стр. 7277
الإنسان المعاصر وإثارة اهتمامه. وربما نلحظ أنه يُعرف "علم الكلام" بأنه توطيد العقائد الدينية وتفسير الوحى سعيا إلى الحفاظ على الدين وترسيخه.
وتستمد رسالة التوحيد أهميتها من حقيقة كونها تطالب بعدم رفض أى شئ موروث من عصور الماضى العظيمة، وضرورة التمرس على الإفادة من الإنجازات الإيجابية لكل مذهب. ويتمسك محمد عبده بصفة أساسية -ولكن دون جمود- بمذهب الأشاعرة (أسماء اللَّه الحسنى وصفاته، ولا محدودية أفعال اللَّه . . . الخ). لكنه لا يتردد فى أن يستمد الأفكار من مواقف كان المتعارف عليه اعتبارها ماتريدية، أو أن يتبنى حتى مواقف معتزلية. لقد كان محمد عبده يسعى إلى النفاذ فيما وراء خلافات العصور الماضية من أجل تحقيق التصالح بين النزعات المختلفة للكلام.
ومع ذلك فدوره لم يكن دور المفكر (أو عالم الفقه) بقدر ما كان "دور المصلح"؛ فهو حين يجابه غيب، "فعل اللَّه فى العالم" لا يحاول أن يفرض عليه اجتهاده النابع من الاستنارة بالوحى، وفقا للنهج الذى وجد مفكر مثل "فخر الدين الرازى" نفسه مضطرا لاتباعه ومن أجل تعزيز إيجاب الإيمان وإيجاب الخبرة الإنسانية، نجده يفضل الاحتماء بالإقرار بجهله.
(٣) المنهج والإشكالية:
أ- المحاجاة وأساليب الاستدلال العقلى:
على هذا النحو تقدمت الحلول وتنوعت للغاية المقاييس المختارة؛ لكن جمع بينها أنها كانت دائما تتنوع تبعا للعقيدة التى تدافع عنها أو تبعا للخصوم الذين تجرى مواجهتهم. وسوف نقتصر فى تناولنا على بعض الملحوظات حول المذهبين الكبيرين. لقد سعى المعتزلة -فى ظل هجمات الزنادقة- إلى إعلاء شان وحدانية اللَّه المطلقة وعدالة اللَّه المطلقة، لكن هذا الإعلاء سرعان ما يستحيل بفعل الحجج المدفوع بها لتحقيق الإقناع إلى مجرد "تبرير"؛ بمعنى أن الذات الإلهية والفعل الإلهى يصبحان مبررين أمام
стр. 7278
عقل الإنسان ومن خلاله. ومن أجل مواجهة كشف الغيب هذا انبرى الأشاعرة معلنين عن "كلية القدرة الإلهية" و"كلية العلم الإلهى" ورافضين أى أساس أنطولوجى لحرية الفعل لدى الإنسان، وكانوا فى الوقت ذاته يسعون إلى مناقضة المعتزلة (بنفس أسلحتهم) والى مناقضة المجسمة (أى المنادين بالتجسيم) على اختلاف درجاتهم على الجانب الآخر.
وفى الحالتين -حالة الأشاعرة وحالة المعتزلة- كان منطلق الحجج الجدلية هو افتراض أن العقل أهل للثقة وأنه يتعين الاعتراف بنوع من التناغم بين الشريعة والجهود العقلية المبذولة للتأثير فيها. وتلك فى اعتقادنا هى القاعدة الأساسية لعلم الكلام التى من شأنها أن تجعل منه فرعا دراسيا مستقلا، وليس مجرد هذه أو تلك من النظريات الكونية أو الفكرية، سواء كانت تعالج الأجزاء (الذرات) أو تعالج الأحوال. لكن بينما العقل لدى المعتزلة بمقدوره ويتعين عليه أن يعلل سبب اتفاقه مع الشريعة، فإن الشريعة لدى الأشاعرة هى التى ترسم للعقل حدوده وتحكم فعالياته. وفى الحالتين تكون الشريعة هى حاملة الحقيقة المطلقة التى يعين حدودها -من وجهة نظر المعتزلة- معيار العقل، أما بالنسبة للأشاعرة فذلك راجع فقط إلى أن الشريعة تفرض على الإنسان إعمال العقل لكى يتسنى له "التفكر" فى "مظاهر الكون".
وعلى ذلك فمنهج علم الكلام "أساسا" تفسيرى ودفاعى، وهو يفترض دائما وجود خصم ينبغى الفوز عليه. وتتنوع تبعا لطبيعة الخصوم ليس الحجج فقط بل وطريقة عرضها أيضا، ويجدر بالذكر أن الحجج "العقلانية" كانت فى أغلب الأحوال أول ما يجرى تقديمه؛ وهى جدلية فى جوهرها وتتبع دروبا عويصة فى الاستدلال العقلى، وإن كانت المصنفات الحديثة تضفى عليها مظهرا قياسيا. وكانت الحجج حتى عصر "الديوانى" -وكذلك الحال أحيانا مع المجددين- قائمة على أساس منطق ذى حدين حسب الأسلوب التقليدى عند الجماعات التى ترجع إلى العنصر السامى Semitic التقليدى، ومن خلال التضمين أو
стр. 7279
التضامن أو الاتفاق والاختلاف أو التقابل. ونجد ملخصا يوضح ذلك فى كتاب "البيان عن أصول الإيمان" لمؤلفه "السُمنانى" وهو من تلامذة الباقلانى. والحجج "المنطقية" تكون متبوعة (وأحيانا مسبوقة) بالحجج "التقليدية"، أو بألفاظ أخرى -الحجج المستمدة من المراجع؛ وهذه تتمحور حول استشهادات من القرآن الكريم، تتمثل من جهة فى تلك المقدمة فى سبيل الدعم المباشر للحجة، وتتمثل من جهة أخرى فى استشهادات الخصوم التى تصبح الأخطاء فى تفسيرها منفذا للهجوم عليها. . . ويمكن أن تضاف إلى هذه الاستشهادات أيضا الأحاديث الشريفة، وهى وافرة العدد فى بعض الحالات وقليلته فى حالات أخرى. وهذا بصفة خاصة هو الإجراء الذى اتبعه الأوائل من كبار الأشاعرة، وقد اعتمد أغلبهم على النصوص المستندة إلى الاجماع. . . وكان من حججهم الأثيرة مقولة "من المتفق عليه أن. . . ".
الديوانى وآخرون غيره ويُفسح حيزا كبيرا للإجماع والحقيقة المتمثلة فى كون هذه الحجج "التقليدية" قد سيقت فى بعض المراجع بعد الحجج "العقلانية" إنما تشير إلى أن الحجج التقليدية عدت بمثابة تاكيدات لنتائج الاستدلال الجدلى.
وهكذا تتجلى الطبيعة الدفاعية لعلم الكلام من حيث رجوعها إلى العقائد فى دعم الحجج.
وابتداء من الديوانى فصاعدا تخلى الجدل وفقا للأسلوب العتيق وما يرتبط به من استدلال ذى حدين عن موقعه -ودون أن يختفى كلية- لصالح الجدل ذى النمط القياسى فى ثلاثة حدود؛ بما يتضمنه من وجود "حد أوسط كلى" وكذلك الرجوع -ضمنيا كان أم صريحا- إلى "مبدأ العلة". وأضحى الفلاسفة خصوما مألوفين على قدم المساواة مع المعتزلة بل وربما أشد خصومة منهم؛ ومن ثم صار لزاما مناقضتهم بنفس أساليبهم، الأمر الذى أكسب المنطق الأرسطى (المتأثر بالرواقية) نفوذا متزايدا فى مجال حجج الكلام. وتُورد أولى المؤلفات الممثلة لهذه النزعة "الجديدة" -مثل "المحصل" للرازى و"شرح الموقف" للجرجانى وغيرهما- أسئلة تتعلق باللَّه مع مناقشات عقلانية بحتة مستفيضة، استعرضوا فيها
стр. 7280
الموضوعات المنطقية والكونية والفكرية والميتافيزيقية التى تناولها الفلاسفة. وفى هذا الإطار يعالج المنطق وفقا للخطط الأرسطية مع بعض التحوير أحيانا (خصوصا أشكال القياس الأربعة أو حتى الخمسة)، ومع ذلك فالمحاجاة القديمة ذات الحدين لا تختفى كلية، إذ يمكن أن نجد مؤشرا عليها فى تحبيذ الاستدلال بالإحراج؛ اذ من المحتمل أن هذا نهج أرسطى، وإن كان الحد الأوسط الضمنى غالبا ما يكبت لصالح حجة تقوم على ثبت يتمثل فى (حقيقة أو نص مستشهد به) أو لصالح الحكم الوجودى الجدلى [انظر "بُحران"].
ويمكن تمييز مذهب المجددين عن فكر الأجيال الأولى من الأشعرية بما قدمه من حلول أكثر غموضا فى دلالتها وبما أثاره من إشكاليات جديدة. وهو يميز بصفة خاصة باستخدامه للقياس بعد أوسط كلى وبرجوعه للعلية Causality حتى لو كانت فَعَالية العلل الثانوية مرفوضة على المستوى الأنطولوجى. وعلى ذلك فقصارى القول إنه يمكن إعادة تقسيم المذاهب إلى "الكلام المعتزلى" و"الكلام الأشعرى المبكر" وهما برغم التعارض فى المبادئ التى يؤكد عليها كل منهما إلا إنهما ربما يشتركان فى نفس الموقف تجاه المسائل المعنية ويستخدمان نفس أساليب الاستدلال؛ والكلام الأشعرى المبكر وأشعرية "المجددين" يدعمان نفس المبادئ لكنهما يختلفان بدرجة ملموسة فى تناولهما للمسائل المعنية (اتخاذ "المقدمات الفلسفية") وكذلك فى طرائق الاستدلال. وفى نهاية المطاف تبنت "النزعة المحافظة الجامدة" من جديد ما قد صار فى ذلك الوقت مبادئا كلاسيكية ومزجت بين التناولين الجدلى والقياسى دون أن تميز دوما أحدهما عن الآخر.
والكلام الأشعرى المبكر (الباقلانى والإسفرايينى، والأشعرى ذاته) قد اعترف -على ما ذكره ابن خلدون فى مقدمته) برجعية البراهين أى أن بطلان البرهان يعنى ضمنا بطلان ما قصد به إثباته. وهكذا -وفقا لتعليق "لويس ماسينيون"- أعلن الباقلانى أن رؤية العالم من منظور نظرية الأجزاء (النظرية الذرية) أمر يتمشى مع نص القرآن الكريم.
стр. 7281
ب- صوغ المسائل:
هذه الدراسة لأساليب الفكر والمحاجاة المستخدمة فى "علم الكلام" إنما تؤكد على أن النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة كان جزءا من عملية متواصلة. وهناك انشقاق فيما يتعلق بالمبادئ الرئيسية المعلنة؛ لكن الأمر ليس كذلك فيما يتعلق بأنماط الحجج أو طريقة الاستدلال المستخدمة، ولا فيما يتعلق بالخطوط العامة أو مخططات الأطروحات. ومن وجهة النظر هذه فإن الكلام -باعتباره مبحثا راسخا- مدين للمعتزلة بالكثير؛ فأصولهم الخمسة تواصل (مع بعض المتغيرات) السيادة على الأمر برمته، لهذا نجدها فى "اللمع" للأشعرى وأيضا فى "التمهيد" للباقلانى.
ومع ذلك فابتداء من عصر الديوانى فصاعدا (وبصفة خاصة ابتداء من الرازى) تظهر ثلاثة مستجدات: -
(١) الملاحظات الاستهلالية على طبيعة الاستدلال (الديوانى فى الإرشاد)، وعلى طبيعة الكلام (الغزالى فى "الاقتصاد")، وأخيرا على المبادئ العامة للمنطق والفلسفة الطبيعية والانطولوجيا (الرازى، الإيجى، الجرجانى) تصبح ذات أهمية متزايدة على الدوام إلى أن تبرز ضمن الأطروحات الفعلية ذاتها.
(٢) فى الموضوعات الأكثر اختصاصا بالتوحيد -على وجه التحديد- ينشأ تمييز بين الفصول المعلقة بالإلهيات من جهة وبين الفصول المتعلقة بالسمعيات؛ أى الفصول التقليدية التى تعتمد المُحاجاة فيهما على البيانات الموجبة. وتجمع الفصول الفلسفية والإلهيات معا تحت مصطلح "العقليات"؛ حيث إن السمعيات تتناول النبوة والمسائل المتعلقة بالآخرة والأحكام والأسماء (مسألة الايمان) والأمر بالمعروف. وبعض المؤلفين كالديوانى والغزالى يجعلون النبوة كرابطة بين الإلهيات والسمعيات.
(٣) وأخيرا جرى التمييز -الأمر الذى أعاد محمد عبده أخذه فى الاعتبار- بين ما هو ضرورى فى اللَّه (كالوجود والصفات) وما هو ممكن فى اللَّه (كالقابلية للرؤية وخلق أفعال البشر والتسويغ والطرد من الرحمة) وما هو مستحيل فى اللَّه وله (نقيض الصفات)،
стр. 7282
وهذه الإضافات المختلفة غالبا ما تتمازج معا. ونجد الديوانى يصر على تقسيمه الثلاثى الذى يشمل الضرورى والممكن والمستحيل، بما فى ذلك النبوة وخلق الأفعال فى الفصل الذى يعالج "ما يدخل فى قدرة اللَّه"، ويخصص مصطلح "السمعيات" للفصول التقليدية الأخرى.
ويبدو أن مبادئ التمييز الجديدة هذه راجعة إلى تأثير الفلسفة، فمن أجل الرد على الفلاسفة كثرت المقدمات والفصول الفلسفية؛ ومصطلح "الإلهيات" يعد ضمن مفردات الفلاسفة، والتمييز بين "الضرورى" و"الممكن" و"المستحيل" هم واضعوه. وعلى ذلك فمن المؤكد أن صوغ المسائل فى الأطروحات الكبرى للأشاعرة فى عصر المجددين يستمد أصله من الصياغة القديمة التى قام بها المعتزلة ومن أصولها الخمسة، ويستمدها كذلك من تأسيس المعارف الفلسفية التى اتسم بها الفلاسفة وبصفة خاصة على النحو الذى عرضتها به (موسوعة ابن سينا) (١).
وأكثر المصنفات ثراء وأوفرها تفاصيلا - (وهو "شرح المواقف" للجرجانى الذى يدرس فى إطار برامج دراسية خاصة تدور فى الجوامع التعليمية الكبرى) - مرتب على النحو التالى: ثلثى العمل (الكتب من ١ - ٤) تعالج المنطق والفلسفة الطبيعية والأنطولوجيا العامة. والثلث الأخير مقسم بين الإلهيات (الذات الإلهية -وحدة وتفرد اللَّه- صفاته المباشرة وصفاته الممكنة. . أى إمكانية رؤيته وامكانية إدارك وجوده)، وكذلك أفعال القادر (خلق أفعال البشر) والأسماء الحسنى، والسمعيات (وهى أقصر نسبيا). وهنا لا تنهض مسألة التمييز بين "الفلسفة" واللاهوت theology (نظير الإلهيات فى العلوم المسيحية) بالمعنى الغربى وصحاولة التوفيق بينهما؛ بل مسألة الرد -الذى يسعى لأن يكون شاملا- على أطروحات الفلاسفة والمعتزلة. ولما كان الرد يقصد إلى استخدام أسلحة الخصوم فإن مفردات الفلسفة وحججها قد أدمجت بصورة واسعة فى علم الكلام. ويمكن القول بأن تاثير الفلاسفة استطاع عن
стр. 7283
طريق المتكلمين أن يخترق الفكر السنى بصفة عامة.
(٤) مكانة علم الكلام فى الفكر الإسلامى:
يبقى علم الكلام أحد العلوم الدينية المعترف بها على نحو رسمى؛ لكن المدارس المختصة بالعلوم الدينية فى جامعات البلاد الإسلامية تعرف باسم "كليات الشريعة"، وفيها يدرس "الفقه" بنفس القدر كعلم الكلام إن لم يكن بقدر أكبر. ومن ثم فالكلام -المكلف أساسا بوظيفة الدفاع عن الدين- لا يشغل فى الفكر الإسلامى موقع الصدارة الذى يشغله اللاهوت فى المسيحية. ولكى نجد معادلا للاهوت theology بمعناه المسيحى يلزم اللجوء إلى العديد من المباحث الدراسية، وإلى "أصول الفقه" بنفس القدر الذى نلجأ به إلى "الكلام" وسوف نتحول الآن إلى رسم حدود هذه الحقيقة واستخلاص نتائجها، لكى نضعها فى سياقها التاريخى:
أ - ثلاثة آراء:
(أ) فى كتابه "إحصاء العلوم" يقسم الفارابى العلوم وفقا لخطط التصنيف الأرسطى، مضيفا إليها مبحثى "الفقه" و"الكلام". وتلخيصه لأساليب المحاجاة التى استخدمها المتكلمون ينأى عن كونه مديح، وهو يؤكد على الطبيعة الدفاعية لعلم الكلام، ويميل إلى اعتباره امتدادًا للفقه ويقول إن المتكلم يدرك سمو المبادئ التى يرتكز إليها الفقه دون أن يخلص منها إلى أى نتائج جديدة.
(ب) فى كتابه "الاقتصاد" يكرس الغزالى ثلاثة من الفصول الأربعة لمقدمته للطبيعة ودور علم الكلام؛ فهذا المبحث له مكانة بين العلوم الدينية لأنه معنى بشفاء المتشككين من شكوكهم ودحض إنكار الناكرين، لكن دوره, علاجى أساسا ومن ثم فدراسته "فرض كفاية" كما ذكر فى "إحياء علوم الدين"، كان لم يكن اختصاصا موكولا إلى كل مسلم لأنه قد يكون مكمن خطر على النفس البسيطة الراسخة الإيمان. وفى "المنقذ من الضلال" يعيب الغزالى على "الكلام" مبادئه العقلانية التى تفتقر إلى البراهين الكافية.
(جـ) وعلى النقيض من ذلك نجد كبار مؤلفى المصنفات المجددة (ومن ثم
стр. 7284
"الإيجى" و"الجرجانى") يعلون قدر الكلام للغاية لدرجة وصفهم له بأنه أمجد العلوم من حيث كونه "يبرهن" على الحقائق التى هى من مقتضيات الإيمان، ويذهب البعض منهم إلى اعتباره فرض عين على كل مسلم قادر على استيعابه. . وهذا التقييم مكرر بنصه الحرفى فى مصنفات أهل الجمود الفكرى. فالباجورى مثلا فى مصنفه "حاشية على جوهرة التوحيد" يذهب إلى أن الإيمان عن طريق التقليد يفقد كل قيمة إذا ما قورن بالإيمان الراسخ عن علم، على النحو الذى يمكن أن يوفره الكلام.
ب- المعارضة:
كان للكلام على مدار تاريخه فئتان كبيرتان من المعارضين، فمن جهة نجد الحنابلة والظاهرية الذين رفضوا أى تناول للحقائق الإيمانية من خلال الحجج المنطقية؛ ومن جهة أخرى نجد الفلاسفة الذين انتقلوا من المعارضة الصامتة -بل الخفية فى واقع الأمر- التى عرف بها الفلاسفة المشرقيون، إلى أعنف الهجمات التى عرف بها "ابن رشد". . ثم ما لبث الفلاسفة أنفسهم أن تعرضوا لهجمات المتكلمين.
(أ) المعارضة الحنبلية:
واكب العصر العظيم للكلام المعتزلى عهد المأمون، فقيه سَما إلى منزلة المذهب الرسمى للدولة؛ فذلك هو الوقت الذى فرض فيه مبدأ "مخلوقية القرآن" بتأثير النفوذ العلمانى، وتعرَّض أنصار "لا مخلوقية القرآن" للاضطهاد وصدور الأحكام عليهم من المحاكم، حتى أن "ابن حنبل" نفسه تعرض للاتهام والجلد، وقد أطلق على تلك الفترة فيما بعد اسم "المحنة". وقد حدا رد الفعل الحادث فى عهد المتوكل بالمذهب السنى إلى توجيه ضربة حاسمة إلى المعتزلة، وسيقوا هم بدورهم للمثول أمام القضاة وأفنيت أعمالهم. وتلك الحركة التاريخية -التى يمكن أن نطلق عليها "انبعاث الإسلام السنى فى القرن ١٢ م" والتى ظلت أول أمرها تحت نفوذ السلف الصالح- كانت ترفض أى إعمال للعقل أو للطريقة الجدلية فى إثبات الأمور المتعلقة بالعقيدة.
ومن الثابت أن الإصلاح الأشعرى أبدى احترامه أول الأمر لابن حنبل، لكنه أيضا سعى إلى قهر المعتزلة والى الرد عليهم بأساليبهم، كما كان لديه
стр. 7285
طموح ليصبح الواجهة الرسمية للمذهب السنى المنبعث من جديد. وكان الصراع بين الحنابلة والأشاعرة يصبح حادا أحيانا بل وعنيفا، وكان بوسع بعض المؤلفين الحديث عن محنة ثانية بعد وفاة الأشعرى حينما هدم مدفنه بمقابر بغداد. وفى القرن ٥ هـ/ ١١ م أمر الوزير "الكندرى" بلعن المذهب الأشعرى من على منابر نيسابور، واضطر الديوانى إلى الاحتماء ببغداد (لكن سرعان ما أسبغ "نظام الملك" بعد ذلك تأييده على الأشاعرة). وفى ذلك الوقت تقريبًا كان الصوفى الحنبلى "الأنصارى" يكتب مؤلفه "ذم الكلام وأهله" الذى يتضمن واحدة من أشد الهجمات التى بين أيدينا. وفى القرنين ٧ - ٨/ ١٣ - ١٤ م ردد الحنبلى الشهير "ابن تيمية" أقواله، وقد هوجم هو ذاته وأدين (وتعرض للسجن فى أحد الأوقات) بتحريض من المذاهب الفقهية الأخرى. وهو حين يذكر آراء المتكلمين الذين يرفض صلاحية حلهم لأية مسألة، إنما يشير إلى "القدرية" و"المعتزلة" معا، ويضع فى مواجهتهم "الجبرية" دون أن يميز "الأشاعرة" عنهم. وقد بلغ علم الكلام الغاية حقا بنيل الاعتراف الرسمى به؛ إلا أنه فى ذلك الوقت حينما حاول الحنابلة -وبصفة خاصة ابن تيمية- ممارسة قدر كبير من النفوذ على الحركات المعاصرة سعيا إلى الإصلاح، كانت التوجهات الجدلية للمذاهب والأطروحات يُنْظَر إليها بشئ من الريبة.
(ب) النزاع على "التهافت ":
فى وقت مبكر للغاية أدت الحملة التى واصلها "الكلام" من أجل الدفاع عن العقيدة به إلى تحدى الفلاسفة. وبالرغم من فشله المطبق فى التغلب على المعارضة الحنبلية، فيمكن القول إنه حتى نهاية القرن ١٩ - بل وربما حتى اليوم فى بعض دوائر الفكر- لعب الكلام دوره فى وصم الفلسفة بالخروج عن الاجماع وإنزالها منزلة دونية.
وكان لدى أول فيلسوف كبير -وهو "أبو يوسف الكندى"- أصدقاء من المعتزلة، كما كان هو ذاته فى عداد المتكلمين. لكن "الفارابى" (الذى وجه نقدا مريرا لمناهج الكلام) وكذلك "ابن