ب- صوغ المسائل:
هذه الدراسة لأساليب الفكر والمحاجاة المستخدمة فى "علم الكلام" إنما تؤكد على أن النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة كان جزءا من عملية متواصلة. وهناك انشقاق فيما يتعلق بالمبادئ الرئيسية المعلنة؛ لكن الأمر ليس كذلك فيما يتعلق بأنماط الحجج أو طريقة الاستدلال المستخدمة، ولا فيما يتعلق بالخطوط العامة أو مخططات الأطروحات. ومن وجهة النظر هذه فإن الكلام -باعتباره مبحثا راسخا- مدين للمعتزلة بالكثير؛ فأصولهم الخمسة تواصل (مع بعض المتغيرات) السيادة على الأمر برمته، لهذا نجدها فى "اللمع" للأشعرى وأيضا فى "التمهيد" للباقلانى.
ومع ذلك فابتداء من عصر الديوانى فصاعدا (وبصفة خاصة ابتداء من الرازى) تظهر ثلاثة مستجدات: -
(١) الملاحظات الاستهلالية على طبيعة الاستدلال (الديوانى فى الإرشاد)، وعلى طبيعة الكلام (الغزالى فى "الاقتصاد")، وأخيرا على المبادئ العامة للمنطق والفلسفة الطبيعية والانطولوجيا (الرازى، الإيجى، الجرجانى) تصبح ذات أهمية متزايدة على الدوام إلى أن تبرز ضمن الأطروحات الفعلية ذاتها.
(٢) فى الموضوعات الأكثر اختصاصا بالتوحيد -على وجه التحديد- ينشأ تمييز بين الفصول المعلقة بالإلهيات من جهة وبين الفصول المتعلقة بالسمعيات؛ أى الفصول التقليدية التى تعتمد المُحاجاة فيهما على البيانات الموجبة. وتجمع الفصول الفلسفية والإلهيات معا تحت مصطلح "العقليات"؛ حيث إن السمعيات تتناول النبوة والمسائل المتعلقة بالآخرة والأحكام والأسماء (مسألة الايمان) والأمر بالمعروف. وبعض المؤلفين كالديوانى والغزالى يجعلون النبوة كرابطة بين الإلهيات والسمعيات.
(٣) وأخيرا جرى التمييز -الأمر الذى أعاد محمد عبده أخذه فى الاعتبار- بين ما هو ضرورى فى اللَّه (كالوجود والصفات) وما هو ممكن فى اللَّه (كالقابلية للرؤية وخلق أفعال البشر والتسويغ والطرد من الرحمة) وما هو مستحيل فى اللَّه وله (نقيض الصفات)،
стр. 7282
وهذه الإضافات المختلفة غالبا ما تتمازج معا. ونجد الديوانى يصر على تقسيمه الثلاثى الذى يشمل الضرورى والممكن والمستحيل، بما فى ذلك النبوة وخلق الأفعال فى الفصل الذى يعالج "ما يدخل فى قدرة اللَّه"، ويخصص مصطلح "السمعيات" للفصول التقليدية الأخرى.
ويبدو أن مبادئ التمييز الجديدة هذه راجعة إلى تأثير الفلسفة، فمن أجل الرد على الفلاسفة كثرت المقدمات والفصول الفلسفية؛ ومصطلح "الإلهيات" يعد ضمن مفردات الفلاسفة، والتمييز بين "الضرورى" و"الممكن" و"المستحيل" هم واضعوه. وعلى ذلك فمن المؤكد أن صوغ المسائل فى الأطروحات الكبرى للأشاعرة فى عصر المجددين يستمد أصله من الصياغة القديمة التى قام بها المعتزلة ومن أصولها الخمسة، ويستمدها كذلك من تأسيس المعارف الفلسفية التى اتسم بها الفلاسفة وبصفة خاصة على النحو الذى عرضتها به (موسوعة ابن سينا) (١).
وأكثر المصنفات ثراء وأوفرها تفاصيلا - (وهو "شرح المواقف" للجرجانى الذى يدرس فى إطار برامج دراسية خاصة تدور فى الجوامع التعليمية الكبرى) - مرتب على النحو التالى: ثلثى العمل (الكتب من ١ - ٤) تعالج المنطق والفلسفة الطبيعية والأنطولوجيا العامة. والثلث الأخير مقسم بين الإلهيات (الذات الإلهية -وحدة وتفرد اللَّه- صفاته المباشرة وصفاته الممكنة. . أى إمكانية رؤيته وامكانية إدارك وجوده)، وكذلك أفعال القادر (خلق أفعال البشر) والأسماء الحسنى، والسمعيات (وهى أقصر نسبيا). وهنا لا تنهض مسألة التمييز بين "الفلسفة" واللاهوت theology (نظير الإلهيات فى العلوم المسيحية) بالمعنى الغربى وصحاولة التوفيق بينهما؛ بل مسألة الرد -الذى يسعى لأن يكون شاملا- على أطروحات الفلاسفة والمعتزلة. ولما كان الرد يقصد إلى استخدام أسلحة الخصوم فإن مفردات الفلسفة وحججها قد أدمجت بصورة واسعة فى علم الكلام. ويمكن القول بأن تاثير الفلاسفة استطاع عن
стр. 7283
طريق المتكلمين أن يخترق الفكر السنى بصفة عامة.
(٤) مكانة علم الكلام فى الفكر الإسلامى:
يبقى علم الكلام أحد العلوم الدينية المعترف بها على نحو رسمى؛ لكن المدارس المختصة بالعلوم الدينية فى جامعات البلاد الإسلامية تعرف باسم "كليات الشريعة"، وفيها يدرس "الفقه" بنفس القدر كعلم الكلام إن لم يكن بقدر أكبر. ومن ثم فالكلام -المكلف أساسا بوظيفة الدفاع عن الدين- لا يشغل فى الفكر الإسلامى موقع الصدارة الذى يشغله اللاهوت فى المسيحية. ولكى نجد معادلا للاهوت theology بمعناه المسيحى يلزم اللجوء إلى العديد من المباحث الدراسية، وإلى "أصول الفقه" بنفس القدر الذى نلجأ به إلى "الكلام" وسوف نتحول الآن إلى رسم حدود هذه الحقيقة واستخلاص نتائجها، لكى نضعها فى سياقها التاريخى:
أ - ثلاثة آراء:
(أ) فى كتابه "إحصاء العلوم" يقسم الفارابى العلوم وفقا لخطط التصنيف الأرسطى، مضيفا إليها مبحثى "الفقه" و"الكلام". وتلخيصه لأساليب المحاجاة التى استخدمها المتكلمون ينأى عن كونه مديح، وهو يؤكد على الطبيعة الدفاعية لعلم الكلام، ويميل إلى اعتباره امتدادًا للفقه ويقول إن المتكلم يدرك سمو المبادئ التى يرتكز إليها الفقه دون أن يخلص منها إلى أى نتائج جديدة.
(ب) فى كتابه "الاقتصاد" يكرس الغزالى ثلاثة من الفصول الأربعة لمقدمته للطبيعة ودور علم الكلام؛ فهذا المبحث له مكانة بين العلوم الدينية لأنه معنى بشفاء المتشككين من شكوكهم ودحض إنكار الناكرين، لكن دوره, علاجى أساسا ومن ثم فدراسته "فرض كفاية" كما ذكر فى "إحياء علوم الدين"، كان لم يكن اختصاصا موكولا إلى كل مسلم لأنه قد يكون مكمن خطر على النفس البسيطة الراسخة الإيمان. وفى "المنقذ من الضلال" يعيب الغزالى على "الكلام" مبادئه العقلانية التى تفتقر إلى البراهين الكافية.
(جـ) وعلى النقيض من ذلك نجد كبار مؤلفى المصنفات المجددة (ومن ثم
стр. 7284
"الإيجى" و"الجرجانى") يعلون قدر الكلام للغاية لدرجة وصفهم له بأنه أمجد العلوم من حيث كونه "يبرهن" على الحقائق التى هى من مقتضيات الإيمان، ويذهب البعض منهم إلى اعتباره فرض عين على كل مسلم قادر على استيعابه. . وهذا التقييم مكرر بنصه الحرفى فى مصنفات أهل الجمود الفكرى. فالباجورى مثلا فى مصنفه "حاشية على جوهرة التوحيد" يذهب إلى أن الإيمان عن طريق التقليد يفقد كل قيمة إذا ما قورن بالإيمان الراسخ عن علم، على النحو الذى يمكن أن يوفره الكلام.
ب- المعارضة:
كان للكلام على مدار تاريخه فئتان كبيرتان من المعارضين، فمن جهة نجد الحنابلة والظاهرية الذين رفضوا أى تناول للحقائق الإيمانية من خلال الحجج المنطقية؛ ومن جهة أخرى نجد الفلاسفة الذين انتقلوا من المعارضة الصامتة -بل الخفية فى واقع الأمر- التى عرف بها الفلاسفة المشرقيون، إلى أعنف الهجمات التى عرف بها "ابن رشد". . ثم ما لبث الفلاسفة أنفسهم أن تعرضوا لهجمات المتكلمين.
(أ) المعارضة الحنبلية:
واكب العصر العظيم للكلام المعتزلى عهد المأمون، فقيه سَما إلى منزلة المذهب الرسمى للدولة؛ فذلك هو الوقت الذى فرض فيه مبدأ "مخلوقية القرآن" بتأثير النفوذ العلمانى، وتعرَّض أنصار "لا مخلوقية القرآن" للاضطهاد وصدور الأحكام عليهم من المحاكم، حتى أن "ابن حنبل" نفسه تعرض للاتهام والجلد، وقد أطلق على تلك الفترة فيما بعد اسم "المحنة". وقد حدا رد الفعل الحادث فى عهد المتوكل بالمذهب السنى إلى توجيه ضربة حاسمة إلى المعتزلة، وسيقوا هم بدورهم للمثول أمام القضاة وأفنيت أعمالهم. وتلك الحركة التاريخية -التى يمكن أن نطلق عليها "انبعاث الإسلام السنى فى القرن ١٢ م" والتى ظلت أول أمرها تحت نفوذ السلف الصالح- كانت ترفض أى إعمال للعقل أو للطريقة الجدلية فى إثبات الأمور المتعلقة بالعقيدة.
ومن الثابت أن الإصلاح الأشعرى أبدى احترامه أول الأمر لابن حنبل، لكنه أيضا سعى إلى قهر المعتزلة والى الرد عليهم بأساليبهم، كما كان لديه
стр. 7285
طموح ليصبح الواجهة الرسمية للمذهب السنى المنبعث من جديد. وكان الصراع بين الحنابلة والأشاعرة يصبح حادا أحيانا بل وعنيفا، وكان بوسع بعض المؤلفين الحديث عن محنة ثانية بعد وفاة الأشعرى حينما هدم مدفنه بمقابر بغداد. وفى القرن ٥ هـ/ ١١ م أمر الوزير "الكندرى" بلعن المذهب الأشعرى من على منابر نيسابور، واضطر الديوانى إلى الاحتماء ببغداد (لكن سرعان ما أسبغ "نظام الملك" بعد ذلك تأييده على الأشاعرة). وفى ذلك الوقت تقريبًا كان الصوفى الحنبلى "الأنصارى" يكتب مؤلفه "ذم الكلام وأهله" الذى يتضمن واحدة من أشد الهجمات التى بين أيدينا. وفى القرنين ٧ - ٨/ ١٣ - ١٤ م ردد الحنبلى الشهير "ابن تيمية" أقواله، وقد هوجم هو ذاته وأدين (وتعرض للسجن فى أحد الأوقات) بتحريض من المذاهب الفقهية الأخرى. وهو حين يذكر آراء المتكلمين الذين يرفض صلاحية حلهم لأية مسألة، إنما يشير إلى "القدرية" و"المعتزلة" معا، ويضع فى مواجهتهم "الجبرية" دون أن يميز "الأشاعرة" عنهم. وقد بلغ علم الكلام الغاية حقا بنيل الاعتراف الرسمى به؛ إلا أنه فى ذلك الوقت حينما حاول الحنابلة -وبصفة خاصة ابن تيمية- ممارسة قدر كبير من النفوذ على الحركات المعاصرة سعيا إلى الإصلاح، كانت التوجهات الجدلية للمذاهب والأطروحات يُنْظَر إليها بشئ من الريبة.
(ب) النزاع على "التهافت ":
فى وقت مبكر للغاية أدت الحملة التى واصلها "الكلام" من أجل الدفاع عن العقيدة به إلى تحدى الفلاسفة. وبالرغم من فشله المطبق فى التغلب على المعارضة الحنبلية، فيمكن القول إنه حتى نهاية القرن ١٩ - بل وربما حتى اليوم فى بعض دوائر الفكر- لعب الكلام دوره فى وصم الفلسفة بالخروج عن الاجماع وإنزالها منزلة دونية.
وكان لدى أول فيلسوف كبير -وهو "أبو يوسف الكندى"- أصدقاء من المعتزلة، كما كان هو ذاته فى عداد المتكلمين. لكن "الفارابى" (الذى وجه نقدا مريرا لمناهج الكلام) وكذلك "ابن
стр. 7286
سينا" اتخذا موقفهما داخل دائرة البحث الفلسفى التى كانت جد مختلفة عن دائرة المتكلمين. وقد كتب "أحمد أمين" فى "ضحى الإسلام" أن الفلاسفة على خلاف المعتزلة كانوا فلاسفة أولا ورجال بالدين بعد ذلك؛ وأنهم كانوا يكترثون بالدين فقط متى وقع الخلاف بينه وبين تأملاتهم الفلسفية، سعيا للتوفيق بينهما. ولسنا الآن فى سبيلنا إلى تناول الدفاع الجدلى أو التبريرى عن العقيدة، بل لتناول دائرة واسعة من المنظورات الفلسفية التى هى أساسا من وحى الفلسفة الإغريقية، وإن اشتملت بالتأكيد على بعض التأثيرات الإسلامية، والتى تهدف إلى تبيان اتفاقها البعدى a posteriori مع القرآن الكريم.
والبحث المنطقى يشغل المكانة الأولى، والاتفاق مع مبادئ العقيدة غالبا ما يتم تحقيقه بالقدر الوافى عن طريق التأويل الواسع للنصوص القرآنية. وقد كان المحيط الذى عاش فيه "الفارابى" و"ابن سينا" مصطبغا بوضوح بالتأثيرات الشيعية، أو كانت تسوده، ولم تكن الحواشى التفسيرية على القرآن الكريم أمرا غير مألوف، ولم تكن صحة عقيدة الفلاسفة موضع شك فى ذلك المحيط. لكن الأمور اختلفت ابتداء من القرن ٥ هـ/ ١١ م فصاعدا بعد انتعاش المذهب السنى؛ إذ سرعان ما صار الفلاسفة -جنبا إلى جنب مع المعتزلة والمجسمة- خصوما وعرضة لهجمات الكلام الأشعرى والماتريدى. وقد قام الغزالى بتلخيص أفكارهم بموضوعية فى "المقاصد"؛ ثم تكفل بمناقضتها فى مؤلفه الشهير "تهافت الفلاسفة"، ووصم فيه عشرين من معتقداتهم بالخطأ، ودفع أربع منها بأنها موجبة للتكفير هى: أزلية العالم سلفا -أزلية العالم مستقبلا- التفسير الرمزى لنشور البدن -إفتقار اللَّه إلى المعرفة بالفرد فى حد ذاته. والترجمة الذاتية للغزالى المعنونة "المنقذ من الضلال" تؤكد بدورها على أخطاء الفلاسفة وعلى ما كانوا يمثلونه من خطر على العقيدة. وبعد ذلك بعدة عقود نال "الشهرستانى" لقبه "عدو الفلاسفة".
стр. 7287
وجاء رد "ابن رشد" فى القرن التالى فى كتابه "تهافت التهافت" الذى آلى على نفسه فيه مناقضة الغزالى وإظهار الاتفاق بين الفلسفة والتعاليم القرآنية. وهو فى "فصل المقال" وفى "الكشف عن المناهج العادلة" يضع موضع الشك حتى مشروعية الكلام، إذ يتهمه بتمزيق الشريعة إربًا وتفريق الناس شيعًا وأحزابا (وكذلك "موسى بن ميمون" يتخذ مثل هذا الموقف المتشدد من الكلام). ويجدر بالملاحظة أن ابن رشد تمادى فى إعادة استخدام النقديات التى كان الغزالى أول من رسم إطارها، ولكن بصورة أكثر تشددا وأشد عنفا. وفى واقع الأمر فإن ابن رشد الذى قدر له أن يلعب هذا الدور فى تاريخ العصور الوسطى اللاتينية، يبدو أنه على نقيض أسلافه المشارقة كان قليل التاثير على الفكر الإسلامى.
وكل مصنفات الكلام التى وضعت بعد ذلك تلخص وتناقض -دون أن تفتر لها همة- موقف الفلاسفة (لاسيما الفارابى وابن سينا) ومن ثم فقد حظيت كما لاحظنا بمقدماتها الفلسفية المسهبة. وينبغى هنا الاعتراف بأنه برغم أن "المحصل" للرازى و"شرح المواقف" للجرجانى يواصلان شجب الكثير من معتقدات الفلاسفة ودمغها بالزيف، فإن الملخصين اللذين يقدمانهما يتسمان بقوة التحليل ويهدفان إلى الموضوعية، بينما المناقضات المطروحة لا تعدو أحيانا أن تكون -خصوصا فى حالة "المحصل"- مجرد تأكيدات عامة. وتكاد الفلسفة المشرقية تكون هى المعنية دائما، ومن ثم فهى التى واصلت التأثير على تطور علم الكلام. ونجد كيانا مختلطا قد نشأ؛ وهو عبارة عن نوع من علم الكلام المشبع بالفلسفة، أو هو نوع من الفلسفة التى انتقلت إلى ميدان مسائل علم الكلام. . . وهذا لم يكن دائما فى صالح أى من هذين المبحثين. وفى الختام قد يعن لنا أن نشير إلى موقف "ابن تيمية" الذى كان شديد العداء لكل من الفلسفة والكلام؛ وموقف "ابن خلدون" الذى كان من الناحية العلمية يكرر فيما يتعلق بالفلسفة المزايا والانتقادات التى ذكرها الغزالى؛ ونشير
стр. 7288
أخيرا إلى "التهافت الثالث" وهو من تأليف التركى "خوجة زاده" فى القرن ٩ هـ/ ١٥ م، وقد استمد عنوانه من عنوان كتاب الغزالى وسعى فيه إلى مناقضة كتاب ابن رشد "تهافت التهافت".
(جـ) علم الكلام والمذاهب الفقهية:
يقدم علم الكلام نفسه باعتباره موضحا للعقيدة ومدافعا عنها؛ ومن هذا المنطلق نازل المعتزلة الزنادقة والحرفيين فى القرون الهجرية الأولى، ثم جاء الأشاعرة وتحدوا المعتزلة والحرفيين والفلاسفة. إلا أننا نجد الحنابلة وكذلك الظاهرية الخارجة على الاجماع يرفضون الاعتراف بهذا المنهج، وذلك لأن الحنبلية والظاهرية كليهما مذهب فقهى، الأمر الذى حدا بهما إلى رفض المحاجاة الجدلية التى اتبعها المتكلمون، وقد ارتأوا أن يضطلعوا هم بدور الدفاع عن العقيدة الذى زعم "الكلام" قيامه به. وعلى ذلك فلربما يجد المرء فى أعمال بعض المؤلفين من أمثال "ابن حزم" أو "ابن تيمية" الكثير من الشروح على صفات اللَّه، وأفعال البشر، والنبوة والأيمان، والتى تتضمن الكثير من الخوض فى الإهيات، كما هو الحال مع بعض مصنفات الأشاعرة المتأخرة والمُصَّحفة.
ومن جهة أخرى فإن المذاهب الفقهية الأخرى توصلت إلى تسوية سهلة مع علم الكلام ومناهجه وأساليبه فى المحاجاة. ونحن هنا نتعامل مع مواقف نابعة من توجهات فكرية مختلفة، ومع الصلة بين الكلام والفقه التى سبق للفارابى التأكيد عليها. ويتعين علينا ألا ننسى ذلك. ويمكن القول بأن المذهب الأشعرى تطور بمنتهى اليسر فى المناخ الشافعى، وأحيانا فى المناخ الحنفى، ثم فى المناخ المالكى آخر الأمر. كما أن ما عرف بالنزعة الماتريدية كان فى أوائل أيامه وثيق الصلة بالمذهب الحنفى إلى حد يمكن معه الحديث عن توجه "حنفى ماتريدى". وأخيرا فإن الترحيب الذى لقيه مذهب المعتزلة من الطوائف غير السنية -وبصفة خاصة الزيدية- كان أمرا على قدر كبير من الأهمية.
وعلى ذلك فحين نرغب فى تقييم مكانة علم الكلام فى الفكر الإسلامى، ينبغى عدم اعتباره مبحثا تطور بطريقة
стр. 7289
عصامية؛ فهو مرتبط بالعلوم الدينية الأخرى -بصفة خاصة "أصول الفقه"- فى وحدة ثقافية مرنة أملت لأكثر من مرة كل من المواقف التى اتخذتها المذاهب والمعارك التى تعين عليها خوضها.
(د) الموقف اليوم:
فشلت هجمات "ابن رشد" فى تهديد الشرعية التى حظى علم الكلام بالاعتراف بحوزه لها. لكن هجمات الحنابلة و"السلف الصالح" -من ناحية أخرى- أسفرت عن تركة من الشك والارتياب. ونجد بعض آثار ذلك قد امتدت إلى يومنا هذا، حتى إن تأثير السلف هو الذى يوحى بـ "العودة إلى الأصول" التى تنادى بها حركات الإصلاح الحديثة. وصحيح أن علم الكلام -على النحو الذى تمثل به فى أبرز علمائه- تبقى له مكانته كإنجاز جدير بالاحترام لأزهى قرون الثقافة الإسلامية، لكننا إذا استثنينا محاولة "محمد عبده" يتعذر علينا أن نشير إلى أى تجديد حى وحديث، ومن ثم فالأصح أن نتحدث عن تحول أو "ابتعاد") معين عن علم الكلام.
ويمكن على ما يبدو إبداء السببين التاليين: -
(١) لأمد طويل للغاية ظل تدريس هذا العلم الدينى فى الجوامع محصورا فى المصنفات الجامدة التى تفتقر للإبداع وتخلو من آية ميزة جوهرية لافتة للأنظار.
(٢) مادة الدفاع عن العقيدة تكون ذات معنى فقط متى كانت مرتبطة بالأمور المباشرة، أما وقد أملى محتوى تلك المصنفات من خلال مناقضات الخصوم (المعتزلة فى القرن ٣ هـ/ ٩ م والفلاسفة فى القرن ٤ هـ/ ١٠ م) الذين كانوا قد اختفوا من على مسرح الأحداث منذ فترة طويلة بينما مسائل اليوم الملحة يجرى تجاهلها؛ فإن الدفاع عن الدين ينبغى أن يبنى على موضوعات جديدة. . فهل تتواصل جهود الأفغانى ومحمد عبده فى هذا الاتجاه؟ إلا أن المثير للاهتمام شأنه شأن محاولاتهما ذاتها، أنهما قصرا للغاية فى بلوغ المستوى الفلسفى اللاهوتى Philosophico-theological standard الذى حققه كبار العلماء فى العصور السالفة؛ فالأفغانى ومحمد
стр. 7290
عبده كانا أولا وقبل كل شئ "مصلحين" و"رجلى فعل" لا "متكلمين".
ولا يسعنا أن نختم حديثنا إلا بإثارة سلسلة من الأسئلة: هل سيقدر لأى شئ أن يشغل منزلة علم الكلام بمزيد من المنظورات الواسعة وبحيث يخدم موقفا عمليا لا تأمليا؟ أو هل سنشهد تجديدا -فيما يتعلق بمكونات العقيدة الإسلامية- يجيب مرة أخرى على الأسئلة التى ثارت فى الماضى بخصوص اللَّه والإنسان وشروط نجاة البشر من الضلال، ويأخذ فى اعتباره هذه المرة متطلبات الاكتشافات العلمية والأفكار السائدة فى عالم اليوم؟
لكل ذلك فإن الدارس سيكون بحاجة إلى مضاعفة معرفته الموضوعية بكل من الأعمال الكبرى للعصر الكلاسيكى والمسائل المعاصرة.
ومن الملائم فى هذا المقام أن نؤكد على انتعاش الحظوة التى يتمتع بها اليوم الفكر المعتزلى؛ ليس على نحو مباشر من أجل دفاعه عن وحدانية وعدالة اللَّه، ولكن من أجل تأكيده على حرية الإنسان فى غمرة الحماس للإيمان بالإله الواحد الخالق والمهيمن، أما الفكر الأشعرى فيبدو أن متطلبات العقيدة لم تعد تستوجبه. فهل يا ترى سوف يحدث تركيب symthesis بين النزعات المختلفة لعلم الكلام تعمل من خلال مجموعة معدلة من الأدوات الفلسفية؟
ويبدو هنا أن الحاجة تدعو إلى دراسة نص القرآن الكريم وإلى المزيد من علم الإنسان anthropology المتطور للغاية؛ لا ليحل ذلك محل "الإلهيات"، بل ليفتح منظورات أوسع من أجل مناقشتها. . . فعلم الكلام قد حظى بماض مجيد، وأثمر اعمالا تستحق أوقر الإحترام من جانب المؤرخ. ولعل من المأمول أن ينهض ذات يوم "كلام" جديد مختلف كل الاختلاف عن القديم من حيث مناهجه وحججه ومداخلاته، لكى يؤدى دوره فى تشجيع الانتعاش الثقافى للعلوم الدينية الإسلامية.
المصادر: وردت فى متن المادة.
محمد غريب جوده [ل. جارديه L.Gardet]
стр. 7291
علم الهيئة
علم هيئة السماوات، أو علم الفلك، وله فى العربية العديد من الأسماء الأخرى، هو ذلك الفرع من المعرفة الذى يختص بدراسة التركيب الهندسى للكون، وتحديد القوانين التى تحكم الحركات الدورية للأجرام السماوية، وابتداع نماذج تصويرية لوصف تلك الحركات، واختزال المعلومات فى صورة جدولية تسمح للحاسب بتحديد مواقع الأجرام السماوية على النحو الذى تشاهد به من أى منطقة على سطح الأرض بكل دقة ويسر، وابتكار واستخدام الأدوات اللازمة لضمان أقصى دقة فى الرصد.
إن التركيب الهندسى للكون على النحو الذى أدركه به الفلكيون المسلمون بعد حوالى عام ٨٠٠ م يتطابق عموما مع التركيب الذى اقترحه بطلميوس فى كتابه "المَجَسْطى"؛ فالأرض مستقرة دون حركة بالقرب من مركز مجموعة من ثمانية أفلاك تحيط بها آخرها مرصعة بالنجوم الثابتة وهى تدور كل يوم من الشرق إلى الغرب، كما تتحرك أيضا فى الاتجاه العكسى، أو تتذبذب بحركة تعرف بـ "الارتعاش" وكرات الكواكب النجمية الخمس التى لا ينطبق مركزها المشترك على مركز الأرض -تدور بأسلوب يجعل مراكز حركتها المنتظمة غير متطابقة مع مراكزها الهندسية. وكان علم الفلك عند المسلمين معنيا بدرجة كبيرة بشرح تعقيدات هذا النظام وتهذيب القيم العددية التى من شأنها تحويله من نموذج "وصفى" إلى نموذج "كمى" لحركات الأجرام السماوية؛ كتب "الزيج" قائم على الجداول المبنية على الحركات المنتظمة لمختلف أجزاء النموذج الكونى وقيمها العددية المحددة.
لهذا اعتبر الفلكيون المسلمون بصفة عامة -وبناء على مؤلف المجسطى- أن النظام الكونى إنما هو تركيب رياضى بحت لا حاجة به إلى سورة فيزيائية مناظرة، لكن ابن الهيثم اعتبر النماذج الواردة فى المجسطى حقائق فيزيائية فى واقعها وكانت المشكلة التى واجهت الذين قبلوا هذا الرأى هى التوفيق بين هذه النماذج وبين الفيزياء الأرسطية،
стр. 7292
التى لا مجال فيها إلا لأجرام سماوية تتحرك حركة دائرية منتظمة فى دوائر متحدة المراكز مع مركز الأرض. وقد حاول فلاسفة الأندلس. (ابتداء بابن باجة ثم ابن طفيل وابن رشد والبطروجى من بعده) حل هذه المشكلة إما جزئيا عن طريق استبعاد أفلاك الدوران، أو كليا عن طريق إزالة كل من أفلاك الدوران والدوائر المتحدة المراكز من الأجزاء السماوية للكون، غير أن جهودهم فى ذلك لم تكن ذات آثار هامة على علم الفلك. ثم تنولت هذه المشكلة من منطلق أكثر واقعية فى مراغة وتبريز ودمشق فى أواخر القرن السابع هـ (الثالث عشر الميلادى) وأوائل القرن الثامن هـ (الرابع عشر الميلادى) وكان الهدف من وراء ذلك استبعاد معظم العناصر غير الأرسطية من النظام البطلميوسى (مراكز الحركة المنتظمة والنقطة المقابلة للقمر) لكى يتسنى شرح حركات الأجرام السماوية على وجه الخصوص باعتبارها اتحادات بين الحركات الدائرية المنتظمة.
كان علم الهيئة فى عصر ما قبل الإسلام وفى القرن الأول من ظهوره قاصرا على أسلوب بسيط للغاية لتحديد الوقت من الليل عن طريق منازل القمر، وتقدير تقريبى لمواقيت الفصول عن طريق حركات النجوم. لكن حدث فى القرنين الثانى والثالث الهجريين أن ترجمت الكثير من النصوص الفلكية إلى العربية من اللغات السنسكريتية والبهلوية واليونانية والسريانية ولقد ظل المترجمون العرب انتقائيين للغاية طوال النصف الأول أو نحو ذلك من فترة الترجمة هذه وقد تواصلت هذه النزعة الانتقائية وقويت لفترة زمنية طويلة فى مناطق معينة مثل الأندلس. لكن إدخال أساليب بطلميوس الدقيقة وبراهينه الهندسية فى أوائل القرن الثالث هـ أدت إلى نمو سريع فى علم الفلك الرصدى الذى استهدف فى جانب منه استقصاء أسباب التناقضات بين النظم اليونانية والإيرانية والهندية، واستهدف فى الجانب الآخر تحسين القيم العددية التى توصل إليها بطلميوس. وبتنامى الاعتراف بتفوق النظام البطلميوسى فى ديار الإسلام، ظفر كتاب المجسطى عند
стр. 7293
أغلب الفلكيين المسلمين بمكانة سامية لا يرقى إليها كتاب آخر. وقد اكتملت هذه العملية بظهور كتاب "الزيج الصابئ" للبتانى حوالى عام ٩٠٠ م وعلى الرغم من نزوع الأندلسيين إلى الفلك الهندى، وهحمات الأرسطيين وما حققته مدرسة مراغة من نجاحات، إلا أنه ظلت لبطلميوس المكانة السائدة حتى مقدم الفلك الغربى الحديث.
الترجمة من السنسكريتية:
كانت أول ترجمة لنص فلكى سنسكريتى إلى العربية على ما يبدو هى "زيج الأركند Zidj al-Arkand، (واللفظ "أركند" عبارة عن تحريف للفظ السنسكريتى أهرجنا " Ahargana") وقد تمت الترجمة بعد قليل من عام ١١٧ هـ/ ٧٣٥ م فى السند، وقد بنى على هذا الزيج زيجان آخران هما: "زيج الهزور al-Hazur" و"الزيج الجامع"، اللذان تم وضعهما فى قندهار فى القرن الثانى هـ/ الثامن م. ومن الجلى أن زيج الأركند قد استمد عناصره أساسا من كتاب "كاندا كادياكا Khandakhadyaka"، الذى وضعه "براهما جوبتا" البهيلامالى عام ٦٦٥ م.
وفى عام ٧٤٢ م ترجم زيج سنسكريتى آخر إلى العربية، وقد صيغ نظما محاكاة للنصوص الهندية وأطلق عليه اسم "زيج الهرقن" حيث من الواضح أن اللفظ "هرقن" عبارة عن تحريف آخر للفظ السنسكريتى "أهرجنا Ahargana".
إلا أن أهم ترجمة من السنسكريتية إلى العربية كانت ترجمة الـ "مهاسيدانتا Mahasiddhanta" التابعة لمدرسة البراهما، وقد تمت الترجمة عام ١٥٤ هـ/ ٧٧١ م ويعتقد أن المترجم هو "الفزارى" الذى مزج فى زيجة "السندهند الكبير" بين المعارف الإيرانية والهندية. وكما وضع الفزارى أيضا حوالى عام ٩٠ م "زيجا على سنى العرب" بناه على عمله الأول، ولاشك أن هذا الزيج كان أول مجموعة من الجداول الفلكية تستخدم التقويم العربى. وهناك عالم آخر من الجلى أنه تناول المهاسيدانتا" على نحو مستقل
стр. 7294
هو "يعقوب بن طارق" الذى وضع كتابا سماها "تركيب الأفلاك" عام ٧٧٧ أو ٧٧٨ م بالإضافة إلى زيج وكتاب العلل، وجميعها تعكس مزيجا من العناصر الهندية والإيرانية وأعمال الفَزارى واليعقوبى هذه تشكل أساس "تراث السِنْدهِنْد" الذى سنناقشه فيما بعد.
الترجمة من البهلوية:
الكتابات الساسانية فى الفلك مثلها مثل الكتابات الساسانية فى التنجيم (وكلتاهما عرفت أساسا من خلال ترجماتها العربية وصورها العربية المعدلة)، كانت عبارة عن تركيب متمازج بين مواد إغريقية وأخرى هندية، وكان مجسطى بطلميوس مترجما إلى البهلوية من قبل فى القرن الثالث م؛ وهناك نص تابع لمدرسة منتصف الليل الموجودة فى آرايَبْها كان موجودًا اعتبارًا من عام ٥٥٦ م، وآخر ينتمى لمدرسة البراهما تكْصَا كان معروفا فى وقت مبكر يرجع إلى عام ٤٥٠ م. و"الجداول الفلكية الملكية" أو "زيكى شاهرياران" الذى تم تهذيبه من أجل "أنو شروان" عام ٥٥٦ استخدمه بالفعل "ما شاء اللَّه" حوالى عام ٧٨٠ - ٨١٠ م ولكن يظهر أنه لم يترجم قط إلى العربية. والترجمة الأخيرة -والتى طبعت فى ظل يزدجرد الثالث- نقلت إلى العربية على يد واحد يقال له "التميمى" تحت عنوان "زيج الشاه"، وقد اعتمد عليها كل من الفزارى (وبصفة خاصة لما تحويه من معادلات كوكبية) وأبو معشر، وكانت مخطوطاتها ما تزال متداولة فى عصر البيرونى.
الترجمة من اليونانية والسريانية:
إن أهم نص إغريقى فى الفلك ترجم إلى العربية هو بالطبع "مجسطى بطلميوس"؛ وقد جرت الترجمات عن كل من النسخة الإغريقية الأصلية والنسخة السريانية. وطبقا لما ذكره الحجاج كان لهذه الترجمة أثر كبير فى السنى الأولى من القرن الثالث هـ/ التاسع م على الفلكيين الذين جمعهم المأمون؛ لا أن أهم ترجمة دقيقة هى
стр. 7295
تلك التى أنجزها إسحق بن حنين" وصوبها "ثابت بن قرة". وفى غضون القرن الثالث الهجرى والتاسع الميلادى نجد أن "الفروض" لبطلميوس و"الجداول الميسرة" لثيون Theon، وكذلك مجموعة الكتابات الفلكية الإغريقية الثانوية التى عرفت باسم "الفلك الصغير" (وعرفت فيما بعد -حينما أضحى العرف يقضى باستهلال دراسة الفلك بالاستيعاب التام لكتاب "العناصر" لإقليدس- باسم "الفلك الوسيط") قد ترجمت جميعها إلى العربية، كما نشر عدد من الرسائل فى الاسطرلاب بنيت على مصادر إغريقية وسريانية. وهذه المادة التى تأثرت كثيرا أو قليلا بالترجمات التى أنجزت من السنسكريتية والبهلوية (ولعل أروع التأثيرات هو تطوير المسلمين لحساب المثلثات عما كان لدى بطلميوس؛ وذلك بالإفادة من النظام الهندى الذى استخدم فقط دوال الجيب وجيب التمام وقاطع التمام) تشكل لب علم الفلك عند المسلمين بعد القرن التاسع للميلاد.
التراث البطلميوسى:
المصنفات العربية فى نظرية الكواكب وتركيب الكون -وضحنا سلفا- تعكس بطبيعة الحال النظام البطلميوسى، لكن بسبب ندرة الدراسات التفصيلية أضحى من الصعب الآن تقدير المدى الذى ذهبت إليه آية مجموعة بعينها من الجداول الفلكية (الزيج) فى الاعتماد على مادة هندية أو فارسية أو إغريقية. ومع ذلك، فمن الواضح أنه حتى فى أغلب الأزياج البطلميوسية سيجد المرء قيما عددية وطرقا حسابية أو عناصر أخرى مستمدة من السندهند أو من الشاه؛ وهذا يصدق على "زيج الممتحن" ليحيى ابن أبى المنصور، وفى الأزياج العديدة التى وضعها "حبش"؛ أما أبو معشر فى "زيجة الهزارات" فقد بذل جهدا ملموسا من أجل المزج بين النظم الثلاثة لكى يقيم الدليل على زعمه بأنها قد انحدرت جميعا من وحى فريد أوحى به فى زمن يسبق زمن الفيضان.
ومع ذلك نجد "الزلج الصابئ" للبتانى (الموضوع حوالى عام
стр. 7296
٢٨٧ هـ/ ٩٠٠ م) يكاد يكون بطلميوسيا بكامله، وهو من هذه الناحية ربما كان يعكس المناخ الهيلنستى الواضح الذى اتسمت به مدارس الفلك والتنجيم السريانية وبصفة خاصة المدارس الحرانية وقد تبنى "كوشيار بن لبان" القيم العددية التى توصل إليها البتانى، مع أن كوشيار كان بصفة عامة من تابعى "أبو معشر" فى أعماله التنجيمية، والمرء يشك فى أن هذا التأثير يمكن تتبعه إلى أزياجه. و"الزيج الكبير الحاكمى" الذى وضعه ابن يونس حوالى عام ٣٨٠ هـ/ ٩٩٠ م فى القاهرة ذو أهمية فائقة نظرا لما يحويه من معلومات تاريخية. كما يعتبر القانون المسعودى الذى وصفه للبيرونى (٤٢١ هـ = ١٠٣٠ م) الذى تتسم أعماله أيضا بأهمية كبيرة نظرا للمعلومات التاريخية التى تضمنها -يعكس كثيرا اهتمام مؤلفه بعلم الفلك الهندى. وأما "الزيج السنجارى" فقد وضعه الخازنى فى إيران حوالى ٥١٤ هـ/ ١١٢٠ م ترجمت خلاصته إلى اليونانية على يد "جريجورى خيونيادس Gregory Chioniades الذى ترجم أيضا "زيج العلائى" للفهاد)، وظل الخازنى -برغم اهتمامه بنظرية الدورات الهندية لأبى معشر- يواصل الحساب وفقا للتراث البطلميوسى.
تراث السندهند:
وضعت أسس هذا التراث فى مصنفات "الفزارى" ويعقوب بن طارق" التى امتزجت فيها كما رأينا عناصر ساسانية وإغريقية بأخرى هندية. وأقوى ممثلى هذا التراث أثرا هو "زيج السندهند" للخوارزمى الذى وضع حوالى عام ٢١٥ هـ/ ٨٣٠ م؛ والذى لم تبق من نصه الأصلى سوى نتف وإن كان لدينا ترجمة لاتينية للنص الذى راجعه "المجريطى" فى قرطبة حوالى ٣٩٠ هـ/ ١٠٠٠ م، والمترجم هو "أديلارد الباثى Adelard of Bath".
ولدينا شروح على زيج الخوارزمى كتبها "المنصور" حوالى عام ٢٦١ هـ/ ٨٧٥ م و"ابن المثنى" فى القرن الرابع الهجرى (وهذا الشرح بقى محفوظا
стр. 7297
فقط فى الترجمات اللاتينية والعبرية التى أنجزت فى الأندلس)، وهذا إلى جانب أجزاء من تعليق "الفرغانى" الذى وضعه حوالى عام ٢٣٥ هـ/ ٨٥٠ م وتفاصيل الحفاظ على زيج الخوارزمى هى دليل على الولع الأندلسى الشديد بالسندهند؛ ويعمق من هذا الانطباع حقيقة أن كتاب "نظم العقد" الذى وضعه "ابن الآدمى" حوالى ٣٠٨ هـ/ ٩٢٠ م -وهو أحد ممثلى تواث السندهند الرئيسيين فى المشرق- قد عرف أصلا من خلال قطعة نقلبها صاعد الأندلسى.
وقد تواصل هذا التراث فى الأندلس على يد "ابن السمح" تلميذ المجريطى؛ الذى بقى زيجه فى صورة مشتتة. ومن المحتمل أن زيج "ابن الصفار" قد فُقد بدوره، وإن كان هناك مخطوط بباريس ربما كان يحتويه. أما الزيج الأندلسى الرئيسى فهو "الجداول الطليطلية" (١) الذى وضعه رزق اللَّه حوالى عام ٤٧٦ هـ/ ١٠٨٠ م وهو مزيج بين مواد مأخوذة من الخوارزمى والبتانى، وكان له تأثير هائل فى غرب أوربا حتى نهاية القرن ١٥ م بين الفلكيين المسلمين (مثل ابن كماد، وابن البناء، . . إلخ) واليهود (مثل ابراهام بن عزرا، بروفاتيوس، . . إلخ) والمسيحيين (فى "جداول ألفونسين" وما أعقبها).
مدرسة مراغة:
كانت الأندلس كما رأينا مركزا ليس فقط لتراث السندهند؛ بل وللهجوم الأرسطى على بطلميوس أيضا، لكن الأثر الأعمق من الناحيهْ الفلكية كان للجهد المبذول فى مرصد مراغة (الذى أسسه "نصير الدين الطوسى" عام ٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م) تعديلا لنظرية بطلميوس، والذى تواصل بعد ذلك فى تبريز ودمشق. وفى مراغة نفسها حيث عاون الفلكيون الصينيون زملاءهم المسلمين، كانت مشكلة مراجعة فلك بطلميوس ينظر إليها باعتبارها أساسا "مشكلة استبدال مركز الحركة المنتظمة equant" لكل كوكب من أجل أن تصبح كل حركات الأجرام السماوية دائرية
стр. 7298
منتظمة. وكان "إزدواج الطوسى the Tusi Couple" الذى توصل إليه نصير الدين فى تذكرته قد وفر المقاربة الأساسية للحلول التى اقترحها فيما بعد تلميذه "قطب الدين الشيرازى" عامى ٦٨٠ هـ/ ١٢٨١ م و ٦٨٣ هـ/ ١٢٨٤ م، ومن بعده "ابن الشاطر" الدمشقى حوالى عام ٧٥٠ هـ/ ١٣٥٠ م، وإن كان كل منهما قد اقترح أعدادا وأبعادا وترتيبات لأفلاك الدوران مختلفة عن بعضها البعض. وكان ابن الشاطر دون غيره هو الذى توصل أخيرا إلى حل مقنع لأصعب كوكبين وهما عطارد والقمر؛ لكن علم الفلك الإسلامى توصل -بحلول منتصف القرن الثامن الهجرى (١٤ م) - إلى نمادج كوكبية تعتمد فقط على اتحادات بين الحركات الدائرية المنتظمة، مسقطا بذلك مراكز الحركة المنتظمة من نماذج الكواكب النجمية الخمسة، ومسقطا "ميكانيكية ذراع الدوران" و"النقطة المقابلة" من نموذج القمر.
وهذا الإنجاز الذى حققه ابن الشاطر يشترك فى الكثير من الملامح مع النمادج التى اقترحها "كوبرنيكس Kopericus" بعد ذلك بقرنين من الزمان، حتى إننا نجد إنمادجهما الخاصة بالقمر وعطارد متطابقة؛ فكلاهما يستخدم "ازدواج الطوسى"، وكلاهما يسقط مراكز الحركة المنتطمة بنفس الطريقة أساسا. ومن ثم فهناك القليل من الشك فى أن كوبرتيكس كان على علم بإنجازات ابن الشاطر، ومع ذلك تظل تفاصيل انتقالها غامضة. وصحيح أن مخطوطات الترجمات اليونانية التى أنجزها" جريجورى كيونيادس" لمختلف الأزياج العربية حوالى ١٣٠٠ م -عقب عودته إلى القسطنطينية بعد دراسته فى مرصد تبريز- كانت موجودة فى إيطاليا بحلول منتصف القرن ١٥ م، وأنها كانت تحتوى على أشكال توضيحية من الجلى أنها تشرح ازدواج الطوسى؛ لكنها لا تتضمن أية تفاصيل حول عمل (إنجاز) قطب الدين، كما أنها بالطبع كانت أبكر من أن تتأثر بابن الشاطر، ولابد أن كانت هناك بعض الأعمال الوسيطة.
المراصد المتأخرة:
إن مرصد مراغة -وكذلك الزيج الذى تمخض عنه وهو "زيجى إيلخانى"
стр. 7299
استعمل- كنموذج لجهود المسلمين المتأخرة فى علم الفلك، وهذا برغم أن التحويرات التى ادخلت على نظرية بطلميوس التى وصفناها حالا لم يعرف عنها أنها كانت ذات تأثير قوى على الفلك عند المسلمين بعد القرن الثامن هـ/ الرابع عشر م. وأشهر مرصد بنى على نمط مرصد مراغة هو المرصد الذى أسسه "أولغو بك" فى سمرقند عام ٨٢٣ هـ/ ١٤٢٠ م وفيه قام عدد من الفلكيين برئاسة "الكاشى" و"قاضى زاده" بإعداد الزيج المسمى "زيجى سلطانى" حوالى ٨٤٤ هـ (= ١٤٤٠ م) كما نشر الكاشى أيضا زيجا من وضعه هو يعرف "بزيجى خاقانى". وكل هذه الأزياج الثلاثة كانت بطلميوسية أساسا بالرغم من التحسينات التى أدخلت على القيم العددية وعلى تركيب بعض الجداول، وبالرغم من إضافة مادة عن التقويم الصينى - الأويغورى Chinese-Uyghur Calender إلى المعلومات الخاصة بالتقاويم الأخرى الشائعة فى كل الجداول الفلكية.
وآخر مرصد هام فى الإسلام بنى من أجل "تقى الدين" فى استانبول بين عامى ٩٨٣ هـ/ ١٥٧٥ م - ٩٨٥ هـ/ ١٥٧٧ م. وهع ذلك فالمراصد الخمسة التى بنيت على نمط مرصد سمرقند على يد "جاياسمها Djayasimha" مهراجا عنبر -فيما بين عامى ١٦٩٣ - ١٧٤٣ م فى"جايابورا" و"أوجييغى" و"دلهى" و"ماثورا" و"فاراناسى"، لهى جديرة بالذكر لكونها تمثل محاولة -وإن كانت غير ناجحة- لتحيل الفلك الهندى متفقا مع التراث البطلميوسى الإسلامى.
والتأثير الأعظم ثمارا للمراصد الإسلامية المتأخرة على جيران المسلمين هو ذلك الذى مارسته مراصد مراغة وسمرقند واستانبول على الفلك الأوربى، فالعديد من الآلات والأدوات وكذلك بعض الملامح التنظيمية لتلك المؤسسات قد ظهرت فى المراصد التى أسسها "تيكوبر Tycho Brahe" فى "أورانيبورج" عام ١٥٧٦ م و"سترنبورج" عام ١٥٨٤ م. ذلك أن تطور المرصد الفلكى، وإنجازات مدرسة مراغة، وخطى التقدم التى تحققت فى حساب المثلثات وفى تركيب الجداول، والمحاولات المتواصلة لتصحيح القيم
стр. 7300
العددية؛ تبرز جميعها باعتبارها أكثر منجزات علم الفلك روعة عند المسلمين.
محمد غريب جودة [د. بنجرى D. Pingree]
العلوية
والمقصود بهم الأشراف العلويون فى المغرب الأقصى، وقبل أن ينجح هؤلاء الأشراف العلويون فى بسط سيطرتهم على المغرب كانت البلاد تعانى من أزمات خطيرة سياسية واجتماعية ودينية. فقد تعاون نمو الصوفية والشريفية وتطور الجماعات الدينية لتمهيد الطريق لحركة المرابطين العظيمة وكذلك كراهية الأجانب التى تجلَّت بوضوح خلال القرن التاسع الهجرى (١٥ م) وهى الفترة التى اتخذ فيها غزو السواحل المغربية من قبل البرتغاليين والأسبان المسيحيين شكلًا جديدًا.
وأوشك مرابطو "الدلاء" على تأسيس منطقة صنهاجة وذلك بمساعدة البربر سكان جبال أطلس الذين بدأ بعضهم فى النزوح إلى سهول الأطلنطى.
وكانت المغرب فى أمسِّ الحاجة إلى الهدوء وإعادة التعمير والتنظيم وذلك بعد أعمال الفوضى التى سادَتْه.
وإذا كان العلويون لم يواجهوا الأسرة الحاكمة السابقة (أى الأشراف السعديين) إلا أنهم واجهوا الكثير من المشاكل المعتدة فى كافة الجوانب.
- تأسيس الأسرة:
قدم العلويون وهم من سلالة الحسن بن على بن أبى طالب من الجزيرة العربية (وبالتحديد من ينبع النخل) إلى تافيللت (أو تافلالت) فى أواخر القرن السابع الهجرى (١٣ م) وعاشوا فترة طويلة بعيدين عن التدخل فى الأمور السياسية، ولكن بعد فترة الاضطرابات التى عمت البلاد عقب سقوط الأسرة السعدية قام أهل تافيللت نتيجة لتهديدات كل من أبى الحسن السملالى ومرابطى الدلاء (أصحاب زاوية الدلاء) بتنصيب مولاى الشريف زعيمًا لهم.
وقد خلفه أثناء حياته وبالتحديد فى سنة ١٠٤٥ هـ/ ١٦٣٥ - ١٦٣٦ م ابنه مولاى محمد الذى ظل يحارب لمدة
стр. 7301
عشرين عامًا لكى يؤسس إمارة صغيرة فى شرق المغرب. وقد أكمل هذه المهمة من بعده أخوه وخليفته مولاى الرشيد الذى كان أكثر بصيرة وإصرارا، وكانت الفرصة مواتية له بسبب ما كانت تعانيه البلاد من فوضى فضلًا عن أن جماعة المرابطين الكبيرة كانت قد بدأت فى الاضمحلال.
وبدأ مولاى الشريف (بعد وفاة والده فى سنة ١٠٦٩ هـ/ ١٦٥٩ م وحتى هربه من أخيه مولاى محمد) يجرب حظه حيث استطاع أن يجمع جيشًا صغيرًا ونجح فى تأسيس دولة له فى شرق المغرب بمساندة عرب المعقل وبربر بنى يزناس ثم شرع فى توسيع أرجاء مملكته بالتدريج واتخذ من "تازا" حاضرة له. واستولى على فاس فى سنة ١٠٧٦ هـ/ ١٦٦٦ م ونصَّب نفسه سلطانًا وكرّس كل جهوده لإخضاع قوات المرابطين التى اقتسمت فيما بينها شواطى الأطلنطى بالمغرب وقد قام أولا بغزو شمال المغرب وبعد ذلك هزم الدلائيين ثم دخل مراكش فى سنة ١٠٧٩ هـ/ ١٦٦٩ م واحتل السوس لكن وافته منيته فى مراكش سنة ١٠٨٢ هـ/ ١٦٧٢ م دون أن يدعم ما حققه من إنجازات.
وهكذا تمكن الشريف الفلالى من الوصول إلى السلطة كنتيجة لمغامرة شخصية تأرجحت لفترة طويلة ما بين أعمال العصابات والحرب وبلغت ذروتها بغزو المغرب بسهوله وواحاته.
وقد نجح مولاى الرشيد نجاحًا يُعزى إلى المعاونة الصادقة التى قدمتها له بعض القبائل العربية ولسبب ما كانت تمر به البلاد من الضعف وفشل جماعة المرابطين الكبيرة فى إعادة النظام وسن القوانين ولكن البلاد كانت ما تزال فى حاجة إلى أن يوضع كل شئ فى مكانه.
وعلى الرغم من أن أزمة المرابطين قد انتهت فجأة إلا أن مشكلة العرب التى كانت دائمًا خطيرة ظهرت على قدم المساواة مع مشكلة البربر، وهو الأمر الذى كان سببًا رئيسيًا فى دفع صنهاجة أطلس إلى الشمال والغرب، كما أن مسألة تنظيم الجيش وإصلاح الحكومة وكذلك تثبيت مكانة المغرب على مسرح البحر المتوسط ظلت باقية.
стр. 7302
- مولاى إسماعيل (١٠٨٢ - ١١٣٩ هـ/ ١٦٧٢ - ١٧٢٧ م) وتقوية نفوذ الأسرة:
إن حالة الهدوء التى حققها الرشيد أثبتت عدم استمرارها وقد واجه أخوه وخليفته مولاى إسماعيل اثنين من المنافسين له على العرش كما كان عليه إخماد العديد من الثورات سواء فى المدن أو بين القبائل. وأجبر على حصار كل من فاس ومراكش اللتين فقدتا مكانتهما كحواضر ومن ثم انتقل هو وحكومته إلى مكناس.
وكان على مولاى إسماعيل أن يحل أولًا مشكلة الجيش فعمد فى البداية إلى المصدر القديم وهو الجيش العربى وأضاف إليه جيشًا من عرب المعقل فى الواحات وأطلق عليه اسم جيش الودايا كما أدخل فى الخدمة العسكرية أحفاد العبيد السود الذين جلبوا بكثرة على أيدى السعديين [وقد نزل هؤلاء العبيد فى موضع اسمه مشرع الرمل لتعليمهم الصناعات المختلفة] وهؤلاء هم عبيد البخارى ولكن لم يكن لهؤلاء السود أى قيمة عسكرية.
هذا ولم يكن مولاى إسماعيل منذ بداية حكمه ناجحًا فى المغامرات التى قام بها فى الجزائر وانتهى الأمر بعقد معاهدة سلام بينه وبين الأتراك حسب الشروط المعهودة (حيث اتفق معهم على أن يكون له حتى وادى تافنه).
ونجح مولاى إسماعيل فى استرداد المعمورة -المهدية- والعرائش من أيدى الأسبان كما أجلى البريطانيين عن طنجة وإن كانت كل من مزغن وسبتة ومليلة ظلت باقية فى أيدى المسيحيين.
وقد قضى مولاى إسماعيل أغلب فترة حكمه الطويل فى إخماد الثورات الداخلية التى كان يقوم بها المطالبون بالعرش أو بعض القبائل، وكان ذلك مجهودًا شاقًا وكانت وراء اندلاع تلك الثورات أسباب رئيسية منها حالة الفوضى التى أصابت البلاد لمدة طويلة والأعباء المالية التى فرضها الحاكم على الأراضى التى تم غزوها، وكانت أشد هذه الحملات صعوبة تلك التى وجهت إلى بربر صنهاجة.
стр. 7303
وعلى الرغم من أن مولاى إسماعيل قد استطاع أن يشيع السلام بعض الوقت فى وسط الأطلس عن طريق بعض هذه الحملات، إلا أنه لم ينجح مطلقًا فى فرض سيطرته على كافة المغرب.
وكانت العلاقات الدبلوماسية لمولاى إسماعيل مع أروبا سببًا فى إثارة التساؤلات حول المفاهيم المتناقضة، وعلى الرغم من الجهود التى بذلتها الأمم الأوربية إلا أن مشكلة الأسرى لم يتم تسويتها.
وقد أهملت التجارة الخارجية كما عزلت المغرب نفسها إلى حد كبير سواء عن أوربا أو عن الجزائر التركية.
أما فى الداخل فقد استطاع مولاى إسماعيل تدعيم مركز أسرته وأشاع السلام فى جزء من البلاد ومع ذلك فقد فشل فى تسوية أى من مشكلة العرب أو البربر، وبعد وفاته كان العبيد السود هم مصدر المتاعب والقلاقل.
هذا ولم يقم مولاى إسماعيل بمعالجة الفوضى المتأصلة فى البلاد كما لم يمهد للبلاد طريقا جديدا، ولا عجب فإنه عند وفاته كانت الفوضى فى البلاد أشد عن ذى قبل.
- عصر الفوضى والانحلال (١١٣٩ - ١١٧٠ هـ/ ١٧٢٧ - ١٧٥٧ م):
قام كل من العبيد والجيش وحتى قبائل البربر التى نزحت إلى السهول خلال فترة الثلاثين عامًا التى أعقبت وفاة مولاى إسماعيل بتعيين وعزل العديد من أبنائه وقد حكم خلال هذه المدة القصيرة سبعة حكام ومن بينهم كل من: أحمد الذهبى الذى حكم مرتين وعبد اللَّه الذى حكم أربع مرات وعلى وجه العموم كانت هذه الفترة من أحلك فترات التاريخ المغربى، حيث أضاعت الفوضى وأعمال النهب الكثير من الأراضى والمدن الكبيرة.
- إعادة التعمير فى عهد محمد بن عبد اللَّه (١١٧٠ - ١٢٠٤ هـ/ ١٧٥٧ - ١٧٩٠ م):
قام محمد بعد تعيينه سلطانًا وخليفة لوالده فى مراكش فى سنة ١١٧٠ هـ/ ١٧٥٧ م بالعديد من الإنجازات الهامة.
стр. 7304
ولم تكن لمحمد -مثل خلفائه أو أسلافه، المقدرة على إيجاد حلول جديدة أو على إعادة تنظيم البلاد كما فشل فى تسوية أى من المشاكل الرئيسية التى واجهته.
وقام محمد بنشر السلام والرفاهية على قدر ما سمحت به الامكانيات المحدودة المتاحة له. كما نظم جمع الضرائب وسك العملة وأسس جيشًا صغيرًا مما تبقى لديه من الجيش والعبيد وبعض العناصر من القبائل الموالية له.
وعلى الرغم من تحالف البربر معه إلا أنه لم يستطع أن يتبين تحركات قبائل صنهاجة فى السهول. ولذلك قطع الطريق بين فاس ومراكش.
ومن حسن حظه أنه قام باسترداد مزغن بعد إجلاء البرتغاليين عنها فى سنة ١١٨٢ هـ/ ١٧٦٩ م.
وقام بعد هزيمته مرتين فى سبتة ومليلة بعقد معاهدة سلام مع أسبانيا، وقد أدرك أنه لا غنى للمغرب عن التجارة الخارجية ولو على نطاق ضيق ولذلك عوّل على عقد معاهدات تجارية وصداقة مع القوى الأوربية الرئيسية كما حاول -ولكن دون جدوى- أن يستقر أغلب التجار والقناصل الأوربيين فى مدينة موجادور (ثغر الصويرة) الجديدة التى قام بتصميمها المعماريون الأوربيون وكان قد شرع فى بنائها عام ١١٧٩ هـ/ ١٧٦٥ م.
وانتهى حكم محمد بن عبد اللَّه على يد ابنه وولى عهده آل يزيد الذى أعلن التمرد (وسانده فى ذلك العبيد السود).
- السياسة المتحفظة للعلويين والتى مهدت الطريق للأزمة المغربية (١٢٠٤ - ١٣١١ هـ/ ١٧٩٠ - ١٨٩٤ م):
اتسمت فترة حكم آل يزيد القصيرة (١٢٠٤ - ١٢٠٦ هـ/ ١٧٩٠ - ١٧٩٢ م) بالصراع مع أسبانيا من جهة، والثورات الخطيرة فى جنوب المغرب من جهة ثانية.
وعقب وفاة هذا السلطان المتعصب والمتعطش للدماء قام أخوه سليمان بالتخلص من اثنين من منافسيه وأتاح للمغرب أن تنعم لفترة قصيرة بالهدوء.
هذا ولم تعان المغرب حتى أواخر القرن ١٩ م من أى أزمات فيما يخص
стр. 7305
مسألة اعتلاء العرش حيث كان ولى العهد الشرعى يعتلى العرش بدون أى صعوبة.
ومن السلاطين الموهوبين ذوى العقل الراجح الذين حكموا خلال هذه الفترة كل من: السلطان سليمان (١٢٠٦ - ١٢٣٨ هـ/ ١٧٩٢ - ١٨٨٢ م) والسلطان عبد الرحمن بن هشام (١٢٣٨ - ١٢٧٦ هـ/ ١٨٢٢ - ١٨٥٩ م) السلطان محمد بن عبد الرحمن (١٢٧٦ - ١٢٩٠ هـ/ ١٨٥٩ - ١٨٧٣ م) ومولاى الحسن (١٢٩٠ - ١٣١١ هـ/ ١٨٧٣ - ١٨٩٤ م) وعلى الرغم من أن سياستهم قد اتسمت بالمرونة إلا أنها لم تكن تقدمية.
وظلت المشاكل الداخلية، خلال هذه الفترة، باقية كما هى.
وكان الجيش ضعيفًا، وتم إخضاع العبيد ولكن الجيش، بالرغم من بلوغه مكان الصدارة، بقى غير منظم وغير ذى فائدة كما كانت القوات غير النظامية التى تشكلت من القبائل الموالية عشية الحملات تعد أفضل القوات وقتئذ.
وقد وجهت جهود السلاطين -وإن لم تكن ناجحة دائمًا- إلى فرض الضرائب على الأراضى الخاضعة لهم كما أنهم يئسوا من أى أمل فى تهدئة بلادهم التى اتسعت تدريجيًا.
وقد دأب سلاطين العلويين خلال القرن ١٩ م على قيادة الحملات من أجل إخماد الثورات المحلية وتأمين دفع الضرائب إلا أن تأثير ذلك كان محدودًا ومؤقتًا.
كما تم إحلال الطرق الدبلوماسية محل استخدام القوة وذلك لتأمين إخلاص القبائل التى كانت تعيش مستقلة بالفعل.
وقد حاول "المخزن" عن طريق كل هذه الوسائل أن يحفظ ماء وجهه وإن لم يكن ذلك داخليًا فعلى الأقل أمام أوربا.
وقد تحاشى الدخول فى أى مصادمات غير محمودة العواقب مع الجماعات القوية غير الخاضعة للسلطان والتى كانت بدورها غير قادرة على التواجد معًا ضد القوة المركزية.
ومع ذلك فإنه فى نهاية القرن ١٩ م استطاع مولاى الحسن أن يجتذب إليه
стр. 7306
القواد الأقوياء الذين ثبَّتوا أنفسهم فى جنوب المغرب. وكانت جهود السلاطين فى كل من الناحيتين العسكرية والسياسية محدودة الأفق ومضنية. وعلى الرغم من حسن استغلال الموارد المالية إلا أنها ظلت غير كافية كما أن قلة المبالغ المتاحة للمخزن جعلت من العسير القيام بأى أعمال لها صفة البقاء.
وظلت المغرب متعلقة بما كان سائدًا خلال العصور الوسطى ولذلك أصبح التدخل الأوربى أمرًا لا مفر منه. والواقع أنه لم يقرر مصير المغرب، التى تعد آخر بلاد البحر المتوسط والتى ظلت بمعزل عن العالم الحديث، قبل ذلك بسبب الصراعات بين القوى المختلفة فضلًا عن رغبة فرنسا فى السلام، وقد ساعد ذلك كله على بقاء الأوضاع كما هى عليه.
هذا ولم تكن المغرب على حذر حين دخلت فى حربين مع القوات الأوربية فقد ساند السلطان عبد الرحمن عبد القادر بن محيى الدين (عبد القادر الجزائرى) فى صراعه مع فرنسا وهو الأمر الذى كان من نتيجته هزيمة القوات المغربية فى وادى إيسلى (٢٨ جمادى الآخرة ١٢٦٠ هـ/ ١٥ يولية ١٨٤٤ م) وقام الأسطول الفرنسى بضرب كل من ميناءى طنجة وموجادور، ومن ثمّ عوّل السلطان على عقد معاهدة سلام مع الفرنسيين.
وعقب وفاته قام ابنه وخليفته المدعو "محمد" كنتيجة لأحداث الصراع على الحدود بإعلان الحرب على الأسبان، وبدأ الجيش الأسبانى زحفه من سبتة واحتل تطوان وتقدم نحو طنجة عندما بدأت تتدخل بريطانيا العظمى فى التفاوض حول السلام بين الفريقين.
هذا وقد دخلت الأسرة العلوية فى هاتين المغامرتين مدفوعة فى ذلك بعقدة كراهية الأجانب وتحمسها لفكرة الحرب المقدسة ولكنها خرجت منهما بدون أى إصابات.
وبالرغم من ذلك فقد ازداد التدخل الأوربى فى المغرب خلال عهد مولاى الحسن. وقد قرر مؤتمر مدريد الذى عقد فى عام ١٢٩٧ هـ/ ١٨٨٠ م قرارات خاصة بالتجارة والحماية كما اتسعت التجارة الأوربية بالموانى.
стр. 7307
وقد اتجهت جهود مولاى الحسن مباشرة نحو فرض سيطرته على الأراضى الخاضعة له فضلًا عن إطالة عمر الاستقلال الذى كانت تحوطه الأخطار.
وما كان لهذا الوضع غير المستقر والمتناقض أن يدوم طالما ظلت الأسرة العلوية محافظة على سياستها الدبلوماسية.
- الأزمة المغربية وإعلان الحماية الفرنسية (١٣١١ - ١٣٣٠ هـ/ ١٨٩٤ - ١٩١٢ م):
ازداد التفكك الداخلى بالمغرب خلال السنوات الأولى من القرن ٢٠ م وقد كان عبد العزيز فى الرابعة عشرة من عمره عندما عين خلفًا لوالده مولاى الحسن.
وكانت السلطة الفعلية حتى عام ١٩٠٠ م فى يد الوزير (با أحمد) والذى استمر يتابع كافة مظاهر فترة الحكم السابقة. وبالرغم من كافة النوايا الطيبة للسلطان ومحاولته الإصلاح فقد تفككت بلاد المخزن كما قام أبو حمراء، الذى لا يمت للأسرة الحاكمة بصلة، بتنصيب نفسه فى تازايل وتحدى الجيوش الشريفية (أى الأسرة العلوية).
وهكذا وجدت المغرب نفسها وبشكل غير إرادى تدخل المرحلة الدبلوماسية، وقد بلغ الاضطراب مداه حين تجاهلت البلاد الاتفاقيات التى توصل إليهما رؤساء الوزراء الأوربيين لحفظ السلام.
هذا وترجع جذور الأحداث الرئيسية لتلك الأزمة إلى التحركات العسكرية من قِبَل ألمانيا والتى كانت حريصة على عدم توسع النفوذ الفرنسى فى المغرب.
وكان الفصل الأخير من تلك الأحداث هو عقد مؤتمر الجزيرة الخضراء فى ٤ نوفمبر ١٩١١ م الذى أقر تسوية الخلافات واستقلال السلطان ووحدة دولته والمساواة الاقتصادية مع القوى الأوربية فضلًا عن تقرير بعض الامتيازات الخاصة بفرنسا.
وقد كان مقتل بعض المواطنين الفرنسيين والاضطرابات على الحدود الجزائرية هما الدافع وراء فرنسا لتهدئة الأمور فى منطقة "وجدة" وفى احتلال بعض المناطق الأخرى.
стр. 7308
كذلك فقد انتهت أزمة دبلوماسية جديدة باتفاق فرنسى - ألمانى فى سنة ١٩٠٩ م كما ازداد النشاط الفرنسى والأسبانى فى المغرب.
وخلال تلك الأحداث ظلت الأسرة العلوية بعيدة وغير مؤثرة وذلك بسبب انشغالها بالاضطرابات الداخلية من جهة وبالدفاع عن نفسها من جهة أخرى ومن ذلك أن مولاى عبد الحفيظ قد ثار ضد أخيه مولاى عبد العزيز فى مراكش وحل محله.
وأخيرًا فقد هددت أحداث أغادير، لفترة قصيرة، السلام فى أوربا وهو الأمر الذى أدى فى النهاية إلى عقد اتفاقية فرنسية - ألمانية جديدة حيث تم بمقتضاها تعويض الرايخ الألمانى بأراض فى إفريقية الاستوائية مما أدى إلى توقيع إعلان الحماية الفرنسية على المغرب (فى ١١ ربيع الآخر ١٣٣٠ هـ/ ٣٠ مارس ١٩١٢ م).
وهكذا تسنى للأسرة العلوية التى كانت على وشك الانهيار أن تسترد مكانتها وتدخل مرحلة جديدة تحت الحماية الفرنسية.
وقد أظهر مولاى عبد الحفيظ تحفظه الشديد بشأن الإصلاحات التى وردت فى اتفاقية إعلان الحماية ولذلك عزل فى سنة ١٩١٣ م وحل محله أخيه مولاى يوسف الذى خلفه فى سنة ١٩٢٦ م ابنه سيدى محمد الذى حل محله فى ذى الحجة ١٣٧٢ هـ/ أغسطس ١٩٥٣ م سيدى محمد بن مولاى عرفة ولم يلبث أن عاد السلطان سيدى محمد بن يوسف [محمد الخامس] من منفاه فى ١٦ نوفمبر ١٩٥٥ م) بعد أن قبلت فرنسا شروطه الخاصة باستقلال المغرب. وفى ٢ مارس ١٩٥٦ م صدر بباريس تصريح فرنسى - مغربى مشترك اعترفت فيه الحكومة الفرنسية باستقلال المغرب وسيادته. وفى ٧ أبريل ١٩٥٦ م صدر تصريح مماثل فى مدريد ينهى الحماية الأسبانية فى المنطقة الخليفية ووقع وزير خارجية المغرب أحمد بلا فريج فى ٢٨ مايو ١٩٥٦ م ووزير خارجية فرنسا كرستيان بينو اتفاقًا يمنح المغرب كل حقوق التمثيل السياسى كدولة مستقلة ذات سيادة).
د. محمد حمزة [هنرى تيراس H. Terrasse]
стр. 7309
على بن أبى طالب
ابن عم الرسول [ ﷺ ] وزوج ابنته، ورابع الخلفاء، وهو من أوائل من آمنوا برسالة محمد [ ﷺ ]، والجدل يدور بين الشيعة والسنة فيما إذا كان هو ثانى من آمنوا بعد خديجة أو الثالث بعد خديجة وأبى بكر، وكان فى ذلك الوقت فى نحو العاشرة أو الحادية عشرة على أقصى تقدير، وقد أخذه محمد [ ﷺ ] فى بيته ليخفف العبء عن أبيه أبى طالب الذى كان يعاني الفقر. وفى كتب السيرة أنه نام فى مكان الرسول [ ﷺ ] فى الليلة التى هاجر فيها الرسول [ ﷺ ] من مكة إلى المدينة حتى أن المتآمرين على قتل النبى [ ﷺ ] أصابتهم الدهشة عندما رأوا ابن عمه ينام فى موضعه. وبعد ذلك انضم على إلى الرسول [ ﷺ ] فى قباء، وبعد ذلك بعدة شهور تزوج ابنته فاطمة، وأثمر زواجهما الحسن والحسين؛ ولم يتزوج علىّ أية امرأة أخرى فى حياة فاطمة. واشترك على فى حياة الرسول [ ﷺ ] فى كل الغزوات تقريبًا، كحامل للراية فى كثير من الأحيان وكقائد فى حالتين فقط (فى فَدَك - ٦ هـ/ ٦٢٨ م وفى اليمن فى ١٠ هـ/ ٦٣٢ م). ودائما ما كان يظهر شجاعة أصبحت مضرب الأمثال، وقد قتل فى بدر عددا كبيرا من القرشيين، وفى خيبر استخدم بابا كبيرًا ثقيلا كدرع، كما كان انتصار المسلمين على اليهود يعود إلى حماسته وغيرته، وكان فى حُنين ٨ هـ/ ٦٣٠ م واحدا من الذين دافعوا ببسالة وقوة عن الرسول [ ﷺ ]، وبعد موت الرسول لم يشترك فى أية حملة عسكرية لأسباب غير معروفة، ويقال إن عمر قد منع القرشيين من الذهاب إلى الأمصار ولكن عثمان أزال جميع القيود على تحركاتهم، وربما لم يكن على يرغب فى ترك المدينة لحالته الصحية التى حالت بينه وبين القتال؛ بالرغم من أن أعمالا عظيمة عديدة نسبت إليه فى موقعة الجمل (٣٦ هـ/ ٦٥٦ م) وموقعة صفين (٣٧ هـ/ ٦٥٧ م) وكان عمره ستين عاما.
وقد قام بأعمال كثيرة أخرى للنبى [ ﷺ ] فكان واحدا من معاونيه، وكان الرسول [ ﷺ ] يكلفه بمهام يمكن أن
стр. 7310
نطلق عليها دبلوماسية، وقد حصل -فى مناسبتين- على تفويض بتحطيم الأصنام. ونفذ بيديه إعدام أعداء حكم عليهم الرسول [ ﷺ ] بالموت، كما أشرف -مع الزبير، على الانتقام من يهود بنى قريظة (٥ هـ/ ٦٢٧ م)، وفى عام ٩ هـ/ ٦٣١ م قرأ على الحجيج المجتمعين فى منى الآيات السبع الأولى من سورة "براءة". وفى أثناء اختيار أبى بكر، كخليفة لرسول اللَّه [ ﷺ ] ظل على وطلحة والزبير وعدد من الصحابة فى بيت الرسول [ ﷺ ] للإعداد لدفنه. وبالرغم من أن العباس -وقيل أبو سفيان أيضا- نصحه بأن يبقى على الخلافة فى أيدى الهاشميين إلا أنه لم يبذل أى جهد فى سبيل ذلك. وعندما أقر هؤلاء الذين امتنعوا عن الاعتراف بأبى بكر باختياره تدريجيا، بقى على رفضه لمدة ستة شهور، ولكن موقفه تعقد بسبب موضوع الوراثة، فقد أكدت فاطمة مطالبتها بالأراضى التى امتلكها والدها, الأمر الذى رفضه أبو بكر على أساس قول محمد [ ﷺ ] (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) - ونحن نشك فى أن عليا كان يأمل فى أن يخلف محمدًا [ ﷺ ]، فالقاعدة العامة عند العرب أن يختاروا رؤساءهم ممن قد اكتمل نموهم وكان علىّ فى عام ١١ هـ/ ٦٣٣ م لا يتعدى الثلاثين إلا قليلًا، ولم يبد أى ميل للمطالبة بأحقيته فى الخلافة. ولكن الشيعة بتفسيرهم حسب معتقداتهم بعض الكلمات التى يقال إن النبى [ ﷺ ] قالها فى حق على، يوْكدون دائما أن النبى [ ﷺ ] كان ينوى أن ينقل الخلافة إلى على، ولكن المؤكد على أية حال أن النبى [ ﷺ ] لم يعرب عن رغبته هذه فى أثناء مرضه الأخير.
ويقول الكتاب المسلمون إن عليًا كان مستشارا له قيمته لدى الخلفاء الذين سبقوه، ولكن المحتمل أنهم كانوا يسألونه المشورة حول المسائل الشرعية فى ضوء معرفته الوثيقة الكبيرة بالقرآن والسنة، ولذلك نشك فى تقبل عمر لمشورته فى القضايا السياسية، فبالنسبة "للديوان" المشهور -على الأقل- كان على يرى ما يخالف رأى الخليفة تماما، فعندما سأله عمر عن هذا الموضوع أوصى بتوزيع الموارد كلها دون الاحتفاظ بأى احتياطى
стр. 7311
(البلاذرى)، ولم يتقلد علىّ أى منصب فى عهد عمر (وعثمان) عسكريا كان أو سياسيا، باستثناء حكم المدينة بالنيابة فى أثناء رحلة عمر إلى فلسطين وسوريا (الطبرى)، وقد اختلف أيضا مع عثمان، بل إنه -ومعه طلحة والزبير- كثيرا ما اختلفوا مع عثمان رضى اللَّه عنه وخصوصا فى تطبيق الحدود، فقد أصر علىّ على ضرورة تطبيق الشرع الإلهى، وكان من بين هؤلاء الذين طالبوا بتوقيع العقوبة الشرعية على شرب الخمر على الوليد ابن عقبة، والى الكوفة، وتقول بعض الروايات إن عليا نفذ فيه الجلد بيديه. ثم إنه -مع عبد الرحمن بن عوف- وجه اللوم إلى عثمان لتأديته أربع ركعات فى عرفات ومنى بدل ركعتين. وحول المسائل السياسية إيضا كان يعتبر من خصوم عثمان. ومن أمثلة ذلك:
١ - عندما نفى أبو ذر الغفارى من المدينة -وكان يهاجم تجاوزات صاحب السلطة- ذهب على وبنوه لتوديعه بالرغم من اعتراض عثمان ونشأ عن ذلك نزاع عنيف مع عثمان.
٢ - عندما جاء المتمردون (الثوار) من مصر وبدأوا مفاوضات مع عثمان كان على وسيطا لهم أو واحدًا من وسطائهم.
٣ - عندما عاد هؤلاء المتمردون بعد ذلك إلى المدينة وحاصروا "بيت الخلافة" طلبوا من على أن يكون على رأسهم، وبالرغم من أنه رفض إلا أنه مع ذلك -فيما تذكر بعض الروايات- شجع المتمردين فى أثناء الحصار.
٤ - عندما تولى الخلافة كان أنصاره من بين هؤلاء الذين كانوا يعادون الحكومة فيما يتعلق بالمسائل الاقتصادية مثل الأشتر وصعصعة وغيرهم، والمعروف أنه عندما تولى الخلافة قام بتوزيع جميع المبالغ التى وجدها فى بيت المال فى المدينة والبصرة والكوفة، وكل المؤن والتموين المخزونة فى بيت الطعام.
وليس هناك ما يدل على أنه متطرف، بل على العكس من ذلك فقد كان يعادى السبئيّة أتباع عبد اللَّه بن سبأ، وعندما امتدحوه بما يتجاوز الحدود أمر بقتلهم. وقد عارض المبدأ الذى يدعو إلى امتداد حق البيت الهاشمى فى الخلافة إلى قبيلة محمد [ ﷺ ] كلها -ومن ثم أثار قريشا عليه
стр. 7312
وإن يكن هو من قريش ذاتها، ولكنه حظى بتأييد معظم الأنصار والعرب غير القرشيين فى الولايات والطبقات الفقيرة بشكل عام.
وعندما قتل عثمان، هرب الأمويون من المدينة وظلت المعارضة سيدة الموقف، ولأن عليا هو الشخص الذى يحظى باحترامهم فقد دعى إلى تولى الخلافة (فى ١٨ ذو الحجة ٣٥ هـ/ ١٧ يونيه ٦٥٦ م) وكان أنصاره على استعداد لاستخدام العنف فى مواجهة هؤلاء الذين رفضوا بيعته (ومن بينهم طلحة، والزبير)، وكان هناك البعض الذين لم يرضخوا، ومن ثم تركوا المدينة، مثل عبد اللَّه بن عمر، وسعد بن أبى وقاص، والمغيرة بن شعبة ومحمد بن سلمة الأنصارى وأسامة بن زيد، كذلك أعلن معاوية أن تولية على باطلة لأنها اعتمدت على الأقلية، وأجاب على بأن اختيار الخليفة حق للأنصار والمهاجرين ومقاتلى بدر الذين كانوا موجودين فى المدينة فى ذلك الوقت. والشئ المؤكد أن عليا سمح بأن يقوم بتوليته هؤلاء الذين يتهمون بقتل عثمان. وأقدم علىّ على إجراءات طلبتها المعارضة من عثمان فاستبعد الحكام الذين عينهم عثمان واستبدل بهم حكاما من حزبه، وأرضى الجماهير بالهبات التى وزعها بالعدل والمساواة. وقد أثار مقتل عثمان وما قيل من حماية علىّ لمن ارتكنوا هذا العمل ردود فعل قوية فى مكة والشام ومصر، واتهم معاوية (والى الشام وابن عم عثمان) باشتراك على مع القتلة ورفض أن يبايعه، وسرعان ما جمع على قواته لإجبار معاوية على الطاعة ولكن تمردا آخر أجبره على تأجيل زحفه إلى الشام. واحتفظ معاوية بسياسة الانتظار، فالذى حدث هو أن السيدة عائشة -رغم معارضتها من قبل لعثمان- نشطت فى دعايتها ضد الخليفة الجديد (على)، وبعد أربعة شهور انضم إليها طلحة والزبير، وعلم علىّ أن الثلاثة -ومعهم عدة مئات من الجند- يزحفون إلى العراق من طرق جانبية -فتعقبهم. ولكنه لم يلحق بهم واحتل الثوار البصرة، وذبحوا كثيرا من النفار، وأرسل علىّ أعوانه إلى أهل الكوفة ليقفوا بجانبه، وبعد أن جمع قوة
стр. 7313
مناسبة زحف إلى البصرة وقد استطاع الجانبان أن يصلا إلى تسوية يتخلى علىّ بمقتضاها عن النفَّار (على حين يضمن سلامتهم). ولكن لم تكن هذه هى النهاية التى كان يريد أن يصل إليها المتطرفون فى حزبه، فأثاروا شجارًا تطور إلى معركة عرفت باسم موقعة الجمل (١٥ جمادى الآخرة سنة ٣٦ هـ/ ٩ ديسمبر ٦٥٦ م) قتل فيها طلحة والزبير، وأصدر علىّ أوامره بأن تعود السيدة عائشة فى حراسة إلى المدينة.
وبعد هذا النجاح استشعر علىّ الأمل فى استعادة ولاء حاكم الشام ببدء مفاوضات معهم ولكن بلا جدوى. وطالب معاوية باستسلام قتلة عثمان -الذى قتل "مظلوما"- للولى أى لأقرب أقربائه، وأصر على عدم إعطاء علىّ البيعة، ومن ثم لجأ علىّ إلى الهجوم، وواجه كل من الجيشين الآخر فى صفين (وكان كل جيش يتألف من عشرات الآلاف من الرجال) وبعد مناوشات تخللتها هدنة فى محرم عام ٣٧ هـ/ يونية - يولية ٦٥٧ م، التحم الجيشان، وكانت هناك معارك لمدة أسبوع بين الفرسان والمشاة، أعقبها قتال عنيف عام ٣٧ هـ/ ٢٨ يولية ٦٥٧ م). وبدا أن نجم معاوية على وشك الأفول، حين نصحه عمرو بن العاص بأن يرفع جنوده المصاحف على أسنة الرماح، ولم يكن هذا يعنى الاستسلام، بل التحكيم للقرآن، وكان أن صيغت اتفاقية فى صفين (صفر عام ٣٧ هـ/ ٦٥٧ م)، يلتقى بمقتضاها طرفا التحكيم -أبو موسى الأشعرى عن علىّ وعمرو بن العاص عن معاوية- فى مكان وسط بين سوريا والعراق بحضور شهود يختارونهما، وذلك لاعلان قرارهما. وعادت الجيوش إلى قواعدها لانتظار قرار التحكيم ولكن بعض الأشخاص فى صفين احتجوا على التحكيم وهتفوا "لا حكم إلا للَّه"، وليس من حق الإنسان أن يقرر شيئا، وهناك نص قرآنى واضح فى ذلك وهو قوله ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الحجرات - ٩).
стр. 7314
ورأى المنشقون -وهم من حزب السيدة عائشة وطلحة والزبير- أن من واجبه أن يواصل القتال مع معاوية -ولكنه نجح فى التصالح معهم بتقديم بعض التنازلات، ولكنه بعد عودته إلى الكوفة من حروراء (بالقرب من الكوفة) حيث كانت المصالحة، أعلن أنه لن ينقض اتفاقية صفين، وعندما سرت الأنباء بأنه أرسل موسى إلى الاجتماع مع عمرو، ترك ما بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف رجل الكوفة سرًا، وترك مئات آخرون البصرة، وكانت نقطة اللقاء بين هؤلاء المنشقين -الذين أطلق عليهم اسم الخوارج- عند "النهروان" على القناة التى تحمل نفس الاسم وتتفرع من نهر دجلة.
وكان معاوية أول من وصل إلى مكان اجتماع لجنة التحكيم (رمضان ٣٧ هـ/ فبراير ٦٥٨ م) واعتذر علىّ بسبب المتاعب التى فجرها الخوارج ولم يفعل أكثر من أن بعث بأبى موسى ومعه مرافق، بالإضافة إلى ابن عمه ابن عباس كممثل له. ويقول البعض إن الاجتماع كان فى دومة الجندل وهى فى منتصف الطريق بين سوريا والعراق. وهناك ما يؤكد أن الاجتماع الأول كان فى دومة الجندل (الجوف الآن) والثانى فى أذرح فى شعبان عام ٣٨ هـ. وفى هذه الأثناء بايع أهل الشام معاوية (ذو القعدة عام ٣٧ هـ/ أبريل ٦٥٨ م) واعترض علىّ على الحكم الذى عرفته الأطراف، وإن يكن لم يعلن، إذ اتفق الحكمان على ألا يقولا شيئا، وعلى ذلك جمع قواته وخرج لمقابلة معاوية. وعند الأنبار اتجه إلى "النهروان"، معتقدا أنه من الضرورى أولا القضاء على مركز التمرد، وفى الشهر نفسه الذى انشغل فيه علىّ مع الخوارج، استولى معاوية على مصر (صفر عام ٣٨ هـ).
وحاول علىّ أن يستميل الخوارج إلى قواته بإعلانه أنه سيقاتل معاوية مرة أخرى ولكن محاولته باءت بالفشل واتهموه بأنه ارتكب عملا من أعمال الكفر؛ الأمر الذى رفضه بشدة، وبعد وعد بالأمان لهؤلاء الذين سوف يستسلمون -وكان هناك بعض منهم- هاجم المتمردين (٩ صفر ٣٨ هـ/ ١٧ يوليو ٦٥٨ م) وكانت مذبحة أكثر منها معركة، ويبدو أن عليا كان أول من
стр. 7315
أسف لذلك وتخلى عنه الكثيرون واضطر أن يعود إلى الكوفة ويوقف الحرب ضد معاوية.
وفى هذا الوقت اجتمع الحكمان، وبعض الأشخاص البارزين (باستثناء علىّ وربما ممثله أيضا) فى أذْرح فى شعبان عا م ٣٨ هـ/ يناير ٦٥٩ م، وتم إعلان قرار التحكيم (وتقول مصادر عديدة إن أبا موسى اعترف بأن عثمان قتل ظلما) وجرت مناقشة اختيار خليفة جديد. أيد عمرو بن العاص معاوية معارضا تفضيل أبى موسى لعبد اللَّه ابن عمر الذى رفض أن يتولى منصب الخلافة. وحينئذ اقترح أبو موسى خلع معاوية وعلىّ وإعادة عرض الاختيار على لجنة، وقد وافقه عمرو على ذلك، وأعاد أبو موسى الأشعرى تفضيله لابن عمر، وهنا أعلن عمرو بن العاص خلع علىّ وتنصيب معاوية، وقد وصف المؤرخون بعد ذلك هذا الإعلان بأنه خدعة غادرة وخيانة، وعلى أية حال لم يكن للمؤتمر غير النتائج السلبية ذلك لأن المشتركين تفرقوا دون أن يصلوا إلى قرار بشأن الخلافة. واستمر أنصار علىّ -الذين كانوا يتناقصون- يعتبرونه الخليفة، وفى عام ٣٩ هـ/ ٦٥٩ م، كان الموقف لا يزال مضطربا، وظل علىّ -الذى كان حبيس الكوفة- سلبيا حتى عندما كان معاوية يقوم ببعض الحملات فى قلب العراق، وفى الجزيرة العربية.
وفى خراسان والشرق، انتهى الحكم العربى، وفى عام ٤٠ هـ/ ٦٦٠ م، لم يكن لعلىّ أية سلطة فى المدينتين المقدستين، ولم يستطع أن يوقف هجوم معاوية على اليمن، وأخيرًا تمكن أحد الخوارج وهو عبد الرحمن بن ملجم المرادى، أن يضربه بسيف مسموم أمام باب مسجد الكوفة؛ وذلك انتقامًا للذين قتلوا فى النهروان، ومات علىّ بعد يومين وكان فى الثانية أو الثالثة والستين، وتقول إحدى الروايات إن عبد الرحمن بن ملجم كان واحدا من جماعة من المتطرفين اتفقوا على تخليص الإسلام من هؤلاء الثلاثة الذين تسببوا فى الحرب الأهلية، وكان المفروض أن يقتل معاوية وعمرو فى الوقت نفسه، وظل مكان دفنه غير
стр. 7316
معروف حتى كان عهد هارون الرشيد عندما أعلن عن قبره فى موقع على بعد بضعة أميال من الكوفة حيث أنشئت مدينة النجف هناك.
وقد كان علىّ قويًا متين البنية بدينًا، عريض المنكبين، ذا جسم مشعر، ولحية بيضاء طويلة تغطى صدره، ولم يكن اجتماعيًا، وكان له أربعة عشر ولدًا، وتسع عشرة بنتًا من تسع زوجات وعدد من الجوارى.
ومن بين أبنائه كان هناك ثلاثة فقط لعبوا دورا تاريخيًا هم الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وخمسة من هؤلاء جميعًا هم الذين خلفوا ذرية. ويعرف عن علىّ معرفته العميقة بالقرآن الذى كان واحدا من أفضل قرائه. وقد نسبت إليه الكثير من المواعظ والرسائل والأقوال الحكيمة جُمعت فى كتاب نهج البلاغة، وكانت مواهبه كخطيب غير عادية. ثم هناك الكثير الذى يدل على تقشفه، والتزامه الصارم بالقواعد الدينية، وبعده عن متاع الدنيا، وتقواه فيما يتعلق بالغنائم والثأر. ولاشك أنه اشتبك فى حروب مع المسلمين "العصاة" كواجب مفروض عليه حتى تقوى العقيدة وينتصر الهدى. فبعد أن انتصر فى موقعة الجمل، حاول أن يخفف من آلام المهزومين وعندما انتهت المعارك أبدى حزنه، وبكى على الموتى بل إنه صلى على أعدائه. وربما يرجع غموض سياسته تجاه الحروريين إلى الخوف من عصيان اللَّه. وبالرغم من أنهم أقنعوه أن التحكيم خطيئة، فإنه اعترف أيضًا بأن انتهاك معاهدة صفين خطيئة كذلك ومن ثم مضى بالتحكيم إلى غايته. وقد كانت الطاعة والتسليم بالشرع الإلهى هو مفتاح سلوكه. ولكن كانت تحكم آراءه صرامة شديدة حتى أن أعداءه وصفوه بالتشدد ولكنه لم يستطع بسبب تمسكه الشديد بالقواعد الدينية، أن يتكيف مع ضرورات المواقف التى كانت تختلف تماما عما كانت عليه أيام محمد [ ﷺ ] ولذلك كان أقل مرونة من معاوية. فقد كان برنامجه مفرطًا فى المثالية، ويمكن أن يكون قد اكتشف ذلك عندما أصبحت السلطة فى يده. وقد يفسر -هذا مع الأحداث الخارجية- ظروفه فى سنواته الأخيرة.
стр. 7317
المصادر:
(١) نصر بن مزاحم المنقرى، وقعة صفين، تحقيق عبد السلام محمد هارون - القاهرة ١٣٦٥ هـ.
(٢) محب الدين الطبرى، الرياض النضرة فى مناقب العشرة، القاهرة ١٣٢٧ هـ.
(٣) البلاذرى، أنساب الأشراف تحقق ديلافيدا.
(٤) H.Lammens: Etudes sur le Regne dun Lulife dun Lulife Omaiyore Mo'awrales Paris ١٩٠٨
(٥) محمد كفافى، ظهور الخوارج.
(٦) طه حسين، الفتنة الكبرى.
د. عبد الرحمن الشيخ [فاجليرى L. Veccia Vaglieri]
على باشا داماد
على باشا داماد (١٦٦٧ - ١٧١٦ م) الوزير العثمانى الكبير ولد قرب نيقية سنه ١٠٧٩ هـ (= ١٦٦٧ م) والتحق بمدرسة سيداليو أحمد الثانى وشغل وظائف مهمّة أظهر فيها من المقدرة والكفاءة ما جعل النجاح نصيبه مثل وظيفة الكاتب والركابدار والجندار والسلاح دار، وكان له نفوذ عظيم على السلطان أحمد الثالث الذى ولى العرش العثمانى سنة ١٧٠٣ م فجعله وزيرًا له وزوجه من ابنته فاطمة فى ربيع الأول ١١٢١ هـ (مايو ١٧٠٩ م) فصار له دخل كبير فى تولية الوزراء وفصلهم ومن هؤلاء كوبريللى زاده ونعمان باشا وبلطجى محمد باشا، وقد اتُّهم الوزير الكبير خوجة إبراهيم باشا بتدبيره مؤامرة لاغتيال داماد على باشا وأدين وحكم بإعدامه فأعدم، وحينذاك تولى الوزارة داماد على وذلك فى ربيع الثانى سنة ١١٢٥ هـ (= أبريل ١٧١٣ م) فكان أول عمل بادر إلى تنفيذه هو عقد الصلح مع روسيا وهو المعروف بصلح أدرنة الذى رسم الحد الفاصل بين البلدين وذلك فى الخامس من يونيو ١٧١٣ م، كما قام بشن حملة على بلاد المورة وكانت الأسباب الداعية إليها هى هجمات البنادقة على الجنود التركية وتمكن داماد على من احتلال نابلى دى رومانيا وأرجوس وكورون ومودون، كما احتل بعض البلدان فى
стр. 7318
كريت، وقام فى الوقت ذاته بإخماد الفتنة التى أشعلها عثمان أوغلو نصوح باشا فى سوريا، كما أخمد ثورتين أخريين إحداهما فى الأناضول والثانية فى مصر.
كذلك جهز حملة ضد كورفو ولكن قيام التحالف بين البندقية والنمسا (الذى جاء على غير انتظار من أحد) أفسد عليه خطته وأرغمه على إرسال قواته إلى بلجراد والتقى الجيشان النمساوى بقيادة الأمير يوجين والعثمانى عند مدينة (بيترواردن) فأصابت الداماد طلقة فى جبهته جرحته جرحا قاتلا فمات وذلك يوم ١٦ شعبان ١١٢٨ هـ (٥ أغسطس ١٧١٦ م)، وحينذاك أخذت القوات العثمانية فى التقهقر ومات الداماد ودفن فى حديقة جامع سليمان الأول فى بلجراد، فلما استولى القائد النمساوى "جنرال لاندولن" على هذه البلدة بعد ذلك الحادث بسبعين سنة أمر بنقل الضريح إلى غابة (هادرسدورف) بفينا. على أنه فى أثناء محاربة الداماد للنمسا كانت الجيوش التركية راسية على شاطئ كورفو، فلما سمعت بخبر مصرعه جلت عن الجزيرة وذلك فى يوليو/ أغسطس ١٧١٦ م. وكان داماد على باشا قائدا حربيا عظيما وسياسيًا بارعًا واشتهر بالحنكة السياسية، وقضى على كثير من المفاسد، ونظم قواعد الصرف فى الدولة ومنع ما كان شائعًا من الرشاوى والهدايا، وأعاد المفصولين ظلما إلى سابق ما كانوا عليه، وردّ عليهم أملاكهم التى كانت قد اغتصبت منهم، وشجع العلماء لاسيما المؤرخ "راشد" وأظهر اهتمامًا كبيرا بالعلوم والشعر وشيد مسجدا فى "سولوز" وجدد آخر فى "ايفن سراى".
المصادر:
(١) مصطفى باشا: نتائج الوقوعات.
(٢) التاريخ لطيار زاده عطا.
(٣) Van Hammer: Hist de l'Zzmpire Ottoman
نجلاء فتحى محروس [ر. منتران R.Mantran]
стр. 7319
على الرضا
ويعرف بأبى الحسن بن موسى بن جعفر ثامن أئمة الشيعة الاثنى عشرية. ولد بالمدينة سنة ١٤٨ هـ (٧٦٥ م) كما يقول الصفدى، وقال آخرون -ولعل قولهم أصح- إن مولده كان سنة ١٥١ هـ (٧٦٨ م) ولكن النوبختى وابن خلكان ومير خواند يذهبون للقول بأن مولده كان سنة ١٥٣ هـ (٧٧٠ م). وتوفى بطوس سنة ٢٠٣ هـ (٨١٨ م) وإذا كانت المصادر لا تتفق على سنة وفاته فإنها تختلف حول يوم وفاته والشهر الذى مات فيه، فهو نهاية صفر عند الطبرى والصفدى، وهو الحادى والعشرون من رمضان عند الصفدى أيضا، وهو الثالث عشر من ذى القعدة أو الخامس من ذى الحجة عند ابن خلكان.
وأبوه هو الإمام موسى الكاظم، وأما أمه فأم ولد نوبية يختلف الناس فى اسمها فهو "شهد" أو "نجية" عند النوبختى، وهى "سكينة" عند ابن خلكان، وهى خيزران عند ابن الجوزى.
ولم يعرف عن على الرضا أنه لعب دورا سياسيا بارزا فى معظم أيام حياته، بل اشتهر بالتقوى والعلم ورواية الأحاديث عن أبيه وعن عبد اللَّه بن أرطاة. وجلس للفتوى فى مسجد النبى [ ﷺ ] بالمدينة. أما أول ظهوره على مسرح الأحداث السياسية فكان سنة ٢٠١ هـ (٨١٦ م) حين استدعاه المأمون إلى "مرو" ولقّبه بالرضا. وتتفق المصادر على أن عليا الرضا لم يكترث بهذا اللقب وإنما قبله استجابة لإصرار الخليفة المأمون الذى أخذ البيعة لولى العهد الجديد من العباسيين والعلويين وكبار رجال الدولة، وفى طليعتهم العباس بن المأمون فلبس الرضا الخلعة الخضراء، كما أمر الخليفة يومذاك أن ترفع الرايات الخضر وأن يُلبس الخضار فى جميع أرجاء دولته بدلا من السواد الذى هو شعار العباسيين. وليس من المحتمل أن اللون الأخضر كان فى هذا التاريخ المبكر شعارا خاصا لبيت على، ولسنا نعرف على وجه الدقة أهمية تغيير اللون فذلك أمر غير ثابت. ويوجد لدينا
стр. 7320
النص الأصلى لهذا التقليد عند القلقشندى فى صبح الأعشى (جـ ٩، ص ٣٦٢ - ٣٦٦، وابن الجوزى: مرآة الزمان، مخطوط باريس رقم ٥٩٠٣)، ويتضح منه أن المأمون تجنب فى مهارة الإشارة إلى المشكلة الكبرى التى محورها دعاوى البيتين العباسى والعلوى، وإنما كان تعيينه عليا الرضا باعتباره أنسب الناس بناء على صفاته الشخصية، ولا تشير الوثيقة من قريب أو بعيد إلى من يخلف عليا الرضا.
ولقد أثار التعيين ردود فعل عنيفة متضاربة، فقد قام الولاة العباسيون المختلفون (باستثناء اسماعيل بن جعفر فى البصرة) بتنفيذ هذا القرار تنفيذا صادقا، وأخذوا يمين الطاعة لولى العهد الجديد وكان من الطبيعى أن يرحب الشيعة بهذا القرار الذى يقرر بصراحة ما يدَّعونه من حق فى الخلافة. أما فى العراق فقد ثار الأهالى حنقا على هذا القرار بالإضافة إلى انتقال العاصمة إلى مرو، وانضمت إليهم الحامية والأمراء العباسيون فاختاروا واحدا منهم خليفة بدلا من المأمون، وانصبَّت كراهية العراقيين على وجه الخصوص على أولاد سهل فنسبوا إليهم كل ما هم فيه من المصائب. والظاهر أن عليا الرضا العازف عن وضعه الجديد هو الذى بَيَّن للخليفة المعنى الحقيقى للثورة فى العراق، فلما أدرك المأمون أخيرا حقيقة الوضع أخذ يبدل شيئا فشيئًا فى سياسته، فخرج سنة ٢٠٣ م (٨١٨ م) قاصدا بغداد وفى صحبته كل من الفضل بن سهل وعلى الرضا، فاغتيل الأول فى "سرخس" ومات الثانى فى طوس بعد قليل من مرض ألمَّ به وإن قال المؤرخون الشيعة إنّ عليا بن هشام دس له السم فى رمانة أكلها فمات (اليعقوبى جـ ٢ ص ٥٥١) أو فى عصير رمان أعده له أحد سقاة القصر وناوله إياه الخليفة بنفسه وبيده كما جاء فى كتاب مقاتل الطالبيين، أما الطبرى فقد خلا تماما من كل ما يشير إلى أنه اغتيل، وقد أظهر المأمون حزنه عليه وصلى عليه، ودفن على الرضا إلى جوار ضريح هارون الرشيد وأطلق على المدينة التى بها قبره اسم "مشهد" بدلا من طوس، وتنسب المؤلفات الشيعية إلى على الرضا كثيرا من المعجزات.
د. حسن حبشى [ب. لويس B. Lewis]