(شكل ٢٨) مسقط أفقى لجامع أحمد بن طولون
وبها يصل الارتفاع الكلى للجدران من مستوى أعتاب الأبواب إلى ١٣.٠٣ م.
ويلاحظ أن جميع أعتاب الأبواب فى غاية البساطة باستثناء أربعة أعتاب خشبية أصلية باقية يزخرف باطنها زخارف محفورة.
وبالإضافة إلى السبعة عشر بابًا الكبيرة والبابين الصغيرين التى تؤدى
стр. 7387
إلى داخل الجامع من الزيادة، توجد أربعة أبواب فى جدار القبلة يؤدى أحدها إلى حجرة خلف المحراب، وهذا هو الباب الذى ذكره المقريزى عند حديثه عن دار الإمارة فقال: "ولها باب من جدار الجامع يخرج منه إلى المقصورة بجوار المحراب والمنبر. .".
وكان هذا هو النظام المتبع خلال القرون الثلاثة الأولى للهجرة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام.
ويتوسط الجامع صحن مربع يبلغ طول ضلعه حوالى ٩٢ م ٢ يحيط به من كل جانب ثلاثة عشر عقدًا مدببًا، ويشغل الضلع القبلى للصحن الحرم (أى مقدم الجامع) وهو يتكون من خمس بائكات بكل منها سبعة عشر عقدًا. أما الرواق المقابل (أى رواق المؤخر فى الضلع البحرى للصحن) فيتكون من بائكتين وكذلك يتكون كل من الرواقين الجانبيين (أى المجنبتان بالضلعين الغربى والشرقى للصحن) من بائكتين أيضًا، وبكل بائكة ثلاثة عشر عقدًا فقط.
وترتكز جميع هذه العقود على دعامات يبلغ عرضها ٢.٤٦ م وطولها ١.٢٧ م، وقد وضعت فى أركانها الأربعة أعمدة مدمجة من الآجر. كذلك يلاحظ أنه وضعت ألواح خشبية معشقة حول قمم هذه الدعامات لتقويتها.
وقد اشتقت التيجان من التيجان الكورنثية المتأخرة إلا أنه قد حلت محل صفين من أوراق الاكانتس أوراق العنب المحورة وفق طراز سامرا، وبالنسبة لزخارف بواطن العقود فقوامها أشرطة جصية بقى منها بحالة جيدة حوالى عشرة أشرطة وتتكون زخارف جميع هذه الأشرطة من شريط أوسط عريض محصور بين إطارات ضيقة مزدوجة، وقوام زخرفة الشريط الأوسط فى كل مرة عبارة عن إطار هندسى مملوء بعناصر ورسوم متنوعة رائعة تنتمى فى أسلوبها إلى طراز سامرا الثانى (B). شكل (٣٩). وبالإضافة إلى ذلك يوجد شريط زخرفى مستمر يبلغ عرضه ٤٦ سم، ويلتف هذا الشريط حول العقود من كلا وجهيها الداخلى والخارجى ثم يدور حول الزوايا القائمة لأرجل العقود ثم يجرى أعلى الدعامات ثم يدور بعد ذلك فى زوايا قائمة مرة ثانية ليلتف حول العقد التالى. . وهكذا.
стр. 7388
ويعلو هذا الشريط الزخرفى الذى يلتف حول العقود إفريز زخرفى آخر فى الجص، ويجرى فوق هذا الإفريز الزخرفى بحوالى ٢٠ سم الشريط الكتانى الشهير المنفذ بالخط الكوفى المحفور فى الخشب أسفل السقف بحوالى ٣٠ سم ولا تزال أجزاء كثيرة منه باقية بحالة جيدة، وقد ثبت بالحسابات الدقيقة لهذا الشريط الكتانى الذى يمتد مسافة ٢ كم أنه كان يشتمل على جزء من سبعة عشر من القرآن الكريم. (أى مكتوبا عليه)
وتبدو النوافذ التى تشغل أعلى الجدران الأربعة خلف أروقة الجامع والسماء من ورائها مثل المخرمات (الدانتيلا) الدقيقة ولذلك فهى تعد واحدة من أجمل سمات الجامع. ويبلغ عددها ١٢٨ نافذة (والصواب ١٢٩) ويتكون كل منها من عقد مدبب ترتكز أرجله على زوج من الأعمدة القصيرة المدمجة ويتوج هذه الأعمدة تيجان جصية، ويلتف حول هذه العقود إطار من الزخارف الجصية ويدور هذا الإطار حول الزوايا القائمة لأرجل العقود ثم يمتد أفقيا ثم يلتف حول عقد النافذة التالية وهكذا، إلا أنه لسوء الحظ لم يبق من النوافذ ذات الزخارف المفرغة الأصلية سوى ثلاث أو أربع على الأكثر.
(شكل ٢٩) تفريغ لزخارف بواطن العقود
стр. 7389
وقد نفذت هذه الزخارف بصفة أساسية باستعمال الفرجار، وتتكون هذه الزخارف من دوائر متداخلة وقطاعات من دوائر، ونفذت زخارف نافذتين منهما بطريقة مشابهة لإحدى النوافذ الرخامية المفرغة بالجامع الأموى بدمشق أما الثالثة فقوامها شبكة من المثلثات المتساوية الأضلاع (شكل ٣٠).
ومنطقة انتقال القبة الخشبية التى تعلو المنطقة المربعة التى تتقدم المحراب ترجع بلا شك إلى أعمال السلطان لاجين ٦٩٦ هـ/ ١٢٩٦ م، أما القبة نفسها فترجع إلى فترة متأخرة. وأنا أشك بدرجة كبيرة فى أنه لم تكن توجد فى هذا المكان قبة أصلا [ويقصد فى العصر الطولونى].
وترجع المئذنة الحالية إلى أعمال لاجين أيضًا، ومن المحتمل أن المئذنة
(شكل ٣٠) تفريغ للزخارف المفرغة بإحدى نوافذ (قمريات) الجامع الأصلية
стр. 7390
الأصلية التى شاهدها المقدسى (فى الربع الأخير من القرن ٤ هـ/ ١٠ م) كانت نسخة طبق الأصل من ملوية سامرا.
ويذكر كل من ابن دقماق والمقريزى نقلًا عن القضاعى أن جامع ابن طولون بنى على طراز (على بناء) جامع سامرا، وهذا القول ليس صحيحًا بالتأكيد لأن تخطيطه على الأقل لا يشبه أى من جامعى سامرا باستثناء أن الجوامع الثلاثة محاطة بزيادة.
ويختلف الجامع الطولونى عن جامع سامرا فى عدد أروقته ٥ - ٢ - ٢ - ٢ بدلًا من ٩ - ٤ - ٤ - ٣، أما جامع أبى دلف بسامرا فأروقته تجرى عمودية على جدار القبلة بدلًا من موازاتها له. ويختلف الجامع الطولونى عن جامع سامرا أيضًا فى أن سقفه يرتكز على عقود بدلًا من ارتكازها مباشرة على الدعامات دون وساطة العقود فى جامع سامرا، وهذه الدعامات هى التى تذكرنا فقط بمثيلتها فى جامع سامرا ولكن دعامات سامرا مربعة وفى أركانها الأربعة أعمدة رخامية مدمجة أما دعامات ابن طولون فمستطيلة وأعمدة الأركان الأربعة من الآجر.
كذلك فإن واجهة الجامع لا تذكرنا بمثيلتها فى كل من جامعى سامرا حيث أنها غير محصنة مثلهما، والسمة الوحيدة فى واجهة جامع ابن طولون التى تذكرنا بسامرا هى صف الدوائر داخل مربعات أسفل الشرافات المتوجه للواجهة.
ونوافذ الجامع الطولونى لا تشبه مثيلتها بجامع سامرا فهذه الأخيرة -أى نوافذ جامع سامرا- أقل عددًا وذات عقود مفصصة من الداخل وتشبه المزاغل (فتحات مرامى السهام) من الخارج.
أما نوافذ الجامع الطولونى فتشبه مثيلتها بجامع عمرو ٢١٢ هـ/ ٨٢٧ م باستثناء عدم وجود الطبالى الخشبية العرضية والإفريز الخشبى ذى الزخارف المحفورة، وبتعبير آخر فإن واجهة الجامع الطولونى مشتقة من واجهة جامع عمرو ٢١٢ هـ/ ٨٢٧ م وتعتبر مصرية الطراز حيث لا توجد واجهة مثلها معروفة فى أى مكان آخر.
وبالنسبة للزخارف فإن هناك إجماعًا الآن على أنها مشتقة من زخارف سامرا، ولكن بينما استخدمت فى سامرا الطرز الثلاثة (A-B-C) كل طراز منها على حدة، نجد أنها فى جامع ابن طولون متحدة وممتزجة مع بعضها.
وبعد فإن زخارف الجامع الطولونى والمظاهر الأخرى المحددة تجعلنا نعتبره بناءً
стр. 7391
أجنبيًّا -أى عراقيا- غرس فى التربة المصرية ولا بد أن يكون قد استخدم فيه عدد كبير من الصناع العراقيين لعمل زخارفه فى الخشب والجص.
وتمثل زخارف الجامع الطولونى وكذلك زخارف دير السريان فى وادى النطرون أقصى مثالين باتجاه الغرب لفن الإمبراطورية العباسية.
وختامًا فإنه يمكن القول إنه خلال العصر العباسى حلت التأثيرات الساسانية الفارسية محل التأثيرات الهيلنستية فى الشام وقد أصابها تحوير شديد فى الفن والعمارة مما أدى إلى ميلاد فن جديد عرف بفن سامرا، وقد انتقل هذا التأثير إلى مصر فى عهد ابن طولون.
ويوجد اختلاف كبير فى عمارة القصور بين القصور الأموية والعباسية ويرجع جزء من هذه الاختلافات إلى تبين العباسيين للأفكار الفارسية فى الحكم والتى تؤله الملوك إلى حد بعيد، ولذلك تضمنت عمارة القصور العباسية قاعات العرش المتقنة المغطاة غالبا بالقباب والمخصصة للاستقبالات الخاصة والتى يتقدمها إيوان مقبى أو أربعة إيوانات متقابلة للاستقبالات العامة. والبيوت كانت مختلفة أيضًا لأنها تتبع طراز قصر شيرين وليس الطراز الشامى كما هو الحال فى المشتى وقصر الطوبة.
ومن السمات الميزة لذلك القصور المساحة الضخمة والتخطيط المحورى وقد بنيت كل هذه القصور بالآجر وبنى جزء كبير منها بالطوب اللبن المغطى بطبقة سميكة من الجص.
وظهر خلال ذلك العصر نوع جديد من العقود المدببة هو العقد المدبب ذو الأربعة مراكز، كذلك فإن أقدم أمثلة الحنايا الركنية (الاسكونشات) الباقية فى العمارة الإسلامية ترجع إلى هذا العصر أيضًا.
ومن الابتكارات المهمة التى استخدمت خلال ذلك العصر البلاطات الخزفية ذات البريق المعدنى، وقد أحضرت أقدم نماذجها من الطرق المؤدية إلى القيروان فى عام ٢٤٨ هـ/ ٨٦٢ م.
وغالبًا ما كانت الأشرطة الكتابية تنقش على أرضية زرقاء لإبرازها.
ولكن تأثير الفن العباسى الواسع الانتشار لم يصل إلى أسبانيا حيث كان الفن الأموى الذى أحضره إلى هناك اللاجئون الشاميون لا يزال حيًا.
المصادر: وردت فى صلب المادة.
د. محمد حمزة [كرسويل K.A.C.Creswel]
стр. 7392
عمران
هذا الاسم لرجلين من التاريخ العبرانى. ذكر اسم الأول فى الكتاب المقدس ولم يأت فى القرآن الكريم، أما الثانى فجاء بالعكس إذ ذكر اسمه فى القرآن الكريم ولم يأت فى الكتاب المقدس.
والأول هو عمران أبو موسى وهارون ﵉ وأختهما مريم، وهو ابن قاهت بن لاوى وفقًا لأنساب الكتاب المقدس (سفر الخروج، الإصحاح السادس، آية ٢٠). والأساطير التلمودية تشير إلى أن عمران كان له ثقله فى مصر. وفى رواية وردت عن الكسائى، أن عمران عين وزيرًا وحارسًا لفرعون، وترتب على هذا، وبتدبير إلهى محكم أن تربى موسى ﵇ فى قصر الطاغية ونجا من حكم الإعدام الذى أصدره فرعون على المواليد الذكور من بنى إسرائيل.
وعمران الثانى كما ورد فى القرآن الكريم (سورة آل عمران آيات ٣١ - ٣٥) سورة التحريم آية ١٢ هو أبو السيدة مريم العذراء أم المسيح عيسى ﵇.
المصادر:
بالإضافة إلى المصادر الواردة فى المادة انظر:
(١) الطبرى: التفسير، القاهرة، ١٣٢١ هـ/ ١٩٠٣ م، الجزء ١٦، ص ٥٠.
(٢) الثعلبى: عرائس المجالس، القاهرة ١٣٧١ هـ/ ١٩٥١ م، ص ١٠٢، ١١٩.
(٣) الكسائى: قصص الأنبياء، طبعة Zisenberg, ١٩٣ - ١٩٥، ٢٠١.
(٤) L. Grinzberg: The Legends of The Jews, li, ١٩١٠, ٢٥٨ - ٦٥, ٧, ١٩٢٥. ٣٩٠ - ٧
وائل البشير [ايزنبرج J.Eisenberg]
عمر بن الخطاب
هو الخليفة الراشد الثانى، الذى قام بدور كبير فى تأسيس الدولة الإسلامية بعد وفاة أبى بكر الصديق،
стр. 7393
وقد وضع الوضّاعون فى سيرته أمورا غير حقيقية، لكن البحوث التاريخية المتأنية تقدم لنا كثيرا من الحقائق الأساسية عنه مما يمكننا من فهم شخصيته. لقد عادى عمر بن الخطاب الإسلام معاداة شديدة فى بداية الأمر، لكنه -بعد أن أسلم- تحول إلى الطرف النقيض فراح يدافع عن الإسلام بالشدة نفسها التى كان يعاديه بها من قبل.
وربما أثَّرت هذه الحقيقة فى الروايات المتعلقة بإسلامه وهو ما تقدمه لنا على أن ذلك تم فجأة عندما استمع عمر رضى اللَّه عنه -مصادفة- لبعض آيات من القرآن الكريم كانت تُتْلى فى بيت أخته فاطمة التى كانت قد أسلمت مع زوجها سعيد بن زيد، ونتج عن هذه الحادثة -التى تبدو عرضية- وهى إسلام عمر أن أصبح الإسلام بفضل عمر بعد ذلك ظاهرة عالمية لقد أسلم عمر -فيما تقول الروايات- وهو فى السادسة والعشرين من عمره، وكان ذلك قبل الهجرة بسنوات أربع، وربما لا يكون هذا هو عمره وقت إسلامه لكن المؤكد أنه كان فى ريعان شبابه، وكانت نصرته للإسلام ومؤازرته له ذات نفع كبير بسبب شخصيته القوية أكثر منها بسبب عشيرته، فهو ابن نفيل العدوى من بنى عدى بن كعب وهم من قريش الظواهر الذين لم يلعبوا دورا سياسيا بارزا فى مكة التى يسودها التجار والتى كانت التجارة هى عصب الحياة فيها، ومع أن الروايات تذكر أن إسلامه قد أعز الإسلام قبل الهجرة إلا أن دوره غير واضح فى ترتيب أمور الهجرة، ولم يتبلور دوره إلا فى المدينة المنورة حيث غدا بمثابة مستشار وقام بدور كبير فى تنظيم الدولة الدينية الناشئة، وظهر عمر كمستشار أكثر من ظهوره كجندى مقاتل، ورغم شهوده غزوة بدر وأُحد وغيرهما فلم تنسب الروايات إليه بطولات فذة أو أعمالا غير عادية كتلك التى نسبتها لعلى رضى اللَّه عنه وغيره من الصحابة، وقد نزل القرآن الكريم مؤيدا رأى عمر (أو مبادراته التشريعية) كالأمر بحجاب أمهات المؤمنين (الأحزاب، آية ٥٣) وما يلفت النظر أن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه ارتبط برباط من الصداقة العميقة مع أبى بكر الصديق فى المدينة المنوّرة، صداقة لم يتخللها أى نوع من الغيرة، رغم أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم
стр. 7394
كان متزوجًا من ابنة عمر رضى اللَّه عنه (حفصة) ومن ابنة أبى بكر رضى اللَّه عنه (عائشة)، بل إن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه كان له دور مهم فى تأييد أبى بكر الصديق فى تولى الخلافة بعد وفاة الرسول ﷺ ، كما ارتبط عمر بصداقة متينة أيضا مع أبى عبيدة بن الجراح الذى توفى بعد ذلك سنة ١٨ هـ/ ٦٣٩ م، وقد انتقلت الخلافة إلى عمر بن الخطاب بعد وفاة أبى بكر وبدا هذا طبيعيا، فقد كان لابن الخطاب دور مهم فى أثناء حياة الرسول ﷺ وخليفته أبى بكر. وهنا يثور سؤال: هل عَهَدَ أبو بكر لعمر بن الخطاب بالخلافة من بعده؟ هذه مسألة ثار حولها نقاش بين علماء المسلمين، وعلى آية حال فقد تلقى عمر البيعة من كبار الصحابة وعامة المسلمين، بعد أن كان أمر توليه الخلافة قد استقر بالفعل، وواصل ابن الخطاب حركة الفتوحات الكبرى، وفى عهده لم يستطع بنو أمية أن يسيطروا على دفة الأمور، فقد كان ابن الخطاب محنكا حازما ولم يكن يسمح لأىٍّ مهما كان بتشكيل مركز من مراكز القوى، أو يؤسس دائرة نفوذ لنفسه، فقد عزل خالد بن الوليد بعد أن حقق أروع انتصار فى تاريخ الإسلام، مما يدل على عبقرية عمر السياسية ومدى قوة شخصيته، وقد عامل عمرو بن العاص بحذر وكياسة فسمح له بفتح مصر، لكنه جعل إلى جواره الصحابى الكبير الزبير ليكون رقيبا عليه، وكان حريصا على عدم تعيين كبار الصحابة (ولم يكن الزبير استثناء من القاعدة) خوفا من ازدياد نفوذهم مما يهدد بانقسام الدولة الإسلامية. ولقد كان ذلك من أمارات عبقريته السياسية. ولقد وضع عمر بن الخطاب أساس كل التنظيمات التى سارت عليها الدولة الإسلامية بعد ذلك: التنظيمات الخاصة بأهل الذمة، والدواوين، وبيت المال، وسجلات المقاتلين، ومبادئ التقاضى ونظام القضاء، كما وضع التاريخ الهجرى (١) وفضل عمر أن يسمَّى أمير المؤمنين وقيل إنه اتخذ هذا
стр. 7395
اللقب سنة ١٩ للهجرة. وتظهر لنا الروايات أن شخصية عمر كانت مرهوبة، ومحترمة، ويبدو أن عمر كان ينوى تعيين أبى عبيدة خلفا له، لكن ابا عبيدة مات، ولم يفكر عمر فى تعيين اسم من يخلفه حتى فوجئ بطعنة أبى لؤلؤة العبد المسيحى (١) الذى يمتلكه المغيرة بن شعبة والى البصرة، وقد اختلف الباحثون فى دوافع أبى لؤلؤة فقيل قتله لوطأة الأعباء المالية المفروضة عليه وعلى أمثاله (٢) لكن قتل عبيد اللَّه بن عمر بن الخطاب فى معركة صفين سنة ٣٧ هـ قد يفسَّر كدليل لإثبات هذا الشك. مع أن الحقائق التاريخية لا تؤيد -فى الواقع- مثل هذا التفسير، فدوافع أبى لؤلؤة شخصية.
ومع عظمة عمر بن الخطاب، وكونه -بحق المؤسس الثانى للدولة الإسلامية، إلا أنه ترك بعض المشكلات التى كان يتعين على عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه الذى خلفه، مواجهتها، ولم يكن عثمان رغم تدينه وصلاحه وتقواه يمتلك العبقرية الإدارية نفسها التى لعمر رضى اللَّه عنه.
وبينما ينسب التراث السنى إلى عمر كل فضيلة من فضائل الإسلام، فإن بعض الشيعة لا يخفون كراهيتهم له لحجبه حق على رضى اللَّه عنه فى الخلافة، ورغم احتفاء الصوفية بتقشفه وزهده فإنه لا يحتل فى التراث الصوفى الغيبى مساحة كبيرة.
المصادر:
(١) L. Caetani: Annali del l'Islam Milan, ١٩٠٩ - ١٩١٢
(٢) كتب الحديث.
د. عبد الرحمن الشيخ [ليفى دلافيدا G.Levi Della Vida]
تعليق
أوردنا ما ذكره الكاتب من تحليلات لكن المراجع العربية تجمع على الحقائق التالية:
стр. 7396
- بويع بالخلافة بعد وفاة أبى بكر بعهدٍ منه.
- فى أيامه تم فتح الشام والعراق والقدس والمدائن ومصر والجزيرة حتى قيل انتصب فى مدة خلافته اثنا عشر ألف منبر.
- ولّاه أبو بكر القضاء فكان أول قاض فى الإسلام ولم يأته مدّة ولايته للقضاء متخاصمان.
- قطع العطاء عن المؤلّفة قلوبهم بعد أن قوى الإسلام.
- أخضع أراضى البلاد المفتوحة عنوة للخراج ولم يقسمها بين الغانمين.
- أول من دوّن الدواوين لإحصاء الأعطيات وتوزيع المرتبات لأصحابها وفقا لسوابقهم فى الإسلام.
- روى الزهرى أن عمر كان إذا نزل به الأمر المعضل استشار الشبّان يبتغى حدّة عقولهم.
- اتخذ بيت مال للمسلمين.
- ردّ سبايا أهل الردّة إلى عشائرهم.
- ضرب فى الخمر ثمانين جلدة وحرّم زواج المتعة ونهى عن بيع أمّهات الأولاد.
- اتخذ دار الدقيق يُعين بما فيها المنقطع.
- أرّخ بالهجرة.
- اغتاله أبو لؤلؤة الفارسى غلام المغيرة بن شعبه -وكانت مدة خلافته عشر سنين وستة أشهر.
د. عبد الرحمن الشيخ
عمر بن عبد العزيز
هو عمر بن عبد العزيز بن مروان ابن الحكم، وكنيته أبو حفص الأشج. خليفة أموى، ولد فى المدينة المنوّرة سنة ٦٣ هـ/ ٦٨٢ - ٦٨٣ م، وكان والده عبد العزيز واليا على مصر لسنوات عدّة. أما أمه فهى أم عاصم بنت عمر بن الخطاب "رضى اللَّه عنه".
وقد أرسله والده من مصر إلى المدينة المنوّرة ليتلقى تعليمه وظل بها حتى وفاة والده سنة ٨٥ هـ/ ٧٠٤ م فأخذه عمه الخليفة الأموى عبد الملك إلى
стр. 7397
دمشق وزوجه من ابنته فاطمة، وفى ربيع الأول سنة ٨٧ هـ/ فبراير - مارس ٧٠٦ م عينه الوليد بن عبد الملك واليا على الحجاز، فاستقر فى المدينة المنوّرة مرة أخرى، وسرعان ما شكل مجلس شورى مخالفا بذلك سنن الولاة الذين لم يشكلوا مثل هذا المجلس بل لقد كلف عمر مجلسه هذا -وكان مكونا من عشرة من المشهود لهم بالعلم والتقوى- بمراقبة معاونيه. وكانت فترة حكمه خيرا على رعاياه إذ كان يراعى مصالحهم دائما، لكن الحجاج بن يوسف الثقفى والى العراق لم يكن سعيدا بطريقة عمر بن عبد العزيز المعتدلة فى الحكم فقد هجر عدد كبير من العراقيين العراق لاجئين إلى المدينة المنورة تخلّصا من عنت الحجاج، فتم استدعاء عمر بن عبد العزيز سنة ٩٣ هـ/ ٧١١ - ٧١٢ م دون إغضابه، وبعد موت سليمان بن عبد العزيز فى دابق بأرض قنسرين فى صفر سنة ٩٩ هـ اتضح أنه عين عمر بن عبد العزيز خليفة له، ذلك أن الفقيه المعروف رجاء بن حيوة بن جدول الكندى -وكان واعظا بليغا موثرا- جمع أفراد البيت الأموى فى المسجد وطلب منهم إعطاء البيعة لمن حدده سليمان بن عبد الملك، ولم يذكر اسمه، فلما قدموا البيعة أعلن لهم وفاة الخليفة واسم عمر بن عبد العزيز الخليفة الجديد، ولكن ولدى سليمان: يزيد وهشام لا يفضلان عمر بن العزيز، لذا لم يكن غريبا أن يعترض هشام فى بداية الأمر على هذا التعيين لكنه -على أية حال- سرعان ما تراجع عن اعتراضه، وولى عمر بن عبد العزيز الخلافة دون اعتراضات خطيرة.
وكان عمر بن عبد العزيز نسيجًا وحده يختلف عن الخلفاء الذين سبقوه والذين لحقوه، فقد دفعته تقواه بأن يكون على وعى كامل بأن اللَّه يراه وبالتالى كان يعى تماما واجباته كحاكم ومسئوليته عن رعاياه. وفى فترة خلافته عاش حياة متقشِّفة تتسم بالبساطة الشديدة رغم أنه كان -قبل توليه الخلافة- يعيش حياة مترفة
стр. 7398
كسائر أمراء بنى أميّة. لذا فقد قل فى بلاطه أثناء خلافته الشعراء المدَّاحون والوصافون لمباهج الدنيا. ولم تشهد فترة خلافة عمر بن عبد العزيز التى لم تدم أكثر من عامين ونصف العام أحداثا عسكرية كبيرة، فقد رُفع الحصار المضروب على القسطنطينية فى عهده وإن كان من غير المؤكد ما إذا كان هو الذى أمر برفع الحصار أم أن ذلك تم فى أواخر أيام سلفه، وفى عهده سمح لأهل طورنده بالعراق أن يهجروا مدينتهم وأن يقيموا فى ملطية، وفى أقصى الغرب الإسلامى عبرت الجيوش الإسلامية جبال البرنس وغزت جنوب فرنسا وعادت بغنائم كثيرة، كما استولى المسلمون على ناربونه Narbonne وحصنوها، وإن كان من غير المؤكد أن ذلك تم فى عهد عمر بن عبد العزيز، وكان عمر يشعر بلا شك بضرورة الجهاد لنشر الإسلام، لكنه أيضا أرسل كثيرا من الدعاة لنشر الإسلام بالطرق السلمية، وقد نجح هذا الأسلوب السلمى بين البربر حتى أنه لم يبق -فيما يقال- بربرى واحد لم يعتنق الإسلام فى عهد واليه على المغرب إسماعيل بن عبد اللَّه، وعلى النحو نفسه استطاع واليه عمرو بن مسلم الباهلى إقناع أمراء السند بدخول الإسلام ووعدهم بالمساواة الكاملة مع المسلمين. لكنهم -على آية حال- ارتدوا ثانية فى عهد هشام. وقد ركز عمر بن عبد العزيز اهتمامه على الأمور الداخلية فقد نحّى يزيد بن المهلَّب والى خراسان غير الجدير بالثقة وعين مكانه الجَرَّاح ابن عبد اللَّه الحكمى، وفى حالات أخرى كان عمر بن العزيز لا يوكل المناصب المهمة إلا للأشخاص الأكفاء الجديرين بالثقة، ومنع لعن الإمام على رضى اللَّه عنه وآله على المنابر وكان معاوية بن أبى سفيان قد أدخل هذه البدعة، ويقال إنه عندما كان صغير السن طلب من أبيه الذى كان واليا على مصر منع سب على رضى اللَّه عنه وآله على المنابر إلا أن أبا ذكّره بأن ذلك قد يقوى دعوى مطالبة آل على بالخلافة مما يضعف موقف الأسرة الأموية، كما ملّك عمر
стр. 7399
واحة فدك لورثة فاطمة الزهراء، وكانت فيما يقال ملكا خاصا لمحمد ﷺ لكنها اعتبرت بعد وفاته ملكا للدولة الإسلامية باعتبار أن الأنبياء لا يورثون وما تركوه صدقة، وأعاد لآل طلحة ممتلكاتهم فى مكة المكرمة وكان عبد الملك قد نزعها منهم، ومنع جباية ما فوق العشر فى اليمن، وكانت هذه الزيادة قد فرضها والى اليمن محمد بن يوسف أخو الحجاج. وبوجه عام فقد أزال ابن عبد العزيز كل ما كان يعتقد أنه مظالم ارتكبها سابقوه. وكان متسامحا مع أصحاب الديانات الأخرى دون أن يخرق مبدأ من مبادئ الإسلام فقد احتفظ اليهود والنصارى بأماكن عبادتهم دون السماح ببناء أخرى جديدة، وكان الوليد قد هدم باسيليقا يوحنا المعمدان فى دمشق وضم موضعها للمسجد الأموى، ولما تولى عمر اشتكى إليه النصارى فأمر عمر الوالى بإعادة الموضع إليهم، لكن ذلك كان غير متوافق مع رغبة أهل دمشق، فوافق عمر على إعطاء النصارى كنيسة القديس توما Thowa التى كان يمتلكها المسلمون بالفعل بسبب كون الغوطة كانت قد فتحت عنوة زمن الفتح الإسلامى، فأعطاها لهم عمر مقابل تنازلهم الكامل عن كنيسة القديس يوحنا المعمدان وتعهدهم بعدم المطالبة بها مستقبلا. وكان عمر ابن العزيز حريصا على عدم تحميل رعاياه من مسلمين ومسيحيين أعباء مالية لا يطيقونها، فقد أعاد عمر مبلغ الجزية الذى كان مفروضا فى أيلة وقبرص إلى ما كان عليه وفقا للاتفاق الذى عقده المسلمون الفاتحون، وكان الخلفاء الأمويون قبل عمر قد زادوه. وبالنسبة لنصارى نجران كان الرسول ﷺ قد أمنهم على أرضهم مقابل دفع ٢.٠٠٠ حُلّه كل عام (كل حلة بأربعين درهما)، وقد خفض عثمان رضى اللَّه عنه منها مائتى حلة، وخفَّض معاوية (وقيل ابنه يزيد) مائتى حلة أخرى بسبب نقصان عددهم إما بسبب الموت أو بسبب التحوّل للإسلام. لكن عندما ثار عبد الرحمن بن محمد بن
стр. 7400
الأشعث ضد الحجاج رفع هذا الأخير ما يتحتم على النجرانيين دفعه إلى ألف وثمانمائة حلة لأنه شك فى كونهم قد عقدوا اتفاقا سريا مع الثائرين مع أن عددهم -أى نصارى نجران- كان قد تقلص إلى ٤.٠٠٠ بعد أن كانوا ٤٠.٠٠٠ وعندما تقدموا بالشكوى إلى عمر بن عبد العزيز خفض المفروض عليهم إلى العشر، فكان عليهم دفع ٢٠٠ حلة بدلا من ٤٠٠٠، أى أصبح إجمالى ما يدفعوه سنويا هو ٨٠٠٠ درهم (باعتبار الحلة بأربعين درهما).
لقد كانت التنظيمات الإدارية العظيمة التى وضع أسسها عمر بن الخطاب فى حاجة إلى تطوير جديد يلائمها مع الزمن فكانت أهم إصلاحات عمر بن عبد العزيز هى إجراءاته المهمة لإصلاح النظم المالية. لقد كانت خزانة الدولة فى عهد عمر بن عبد العزيز تعانى من نقص مستمر بسبب كثرة المتحولين للإسلام، وكثرة الذين هجروا أراضيهم الزراعية واستقروا فى المدن فعانت الزراعة من التدهور من جرَّاء ذلك. وكان الحجاج قد واجه هذه المشكلة بفرض الخراج حتى على المسلمين من ملّاك الأراضى وكانوا قبل ذلك لا يدفعونه كما منع الحجاج الهجرة إلى المدن، ولم تحظ إجراءات الحجاج بالرضا لكنه لم يُعر ذلك اهتماما، ولكن عمر بن عبد العزيز صمّم على عدم التحصيل من المسلمين، وأكثر من هذا فقد كان من رأيه أن الأرض المفتوحة ما هى إلا ملكية عامة للمسلمين وبالتالى لا يجوز تقسيمها أو بيعها، ولا شك أن رأيه هذا كان متفقا مع رأى فقهاء المدينة. وفى سنة ١٠٠ هـ/ ٧١٨ - ٧١٩ م منع المسلمين من شراء الأرض التى فُرض عليها الخراج، لكنه لم يطبِّق هذا المنع بأثر رجعى، كما رفع عمر بن عبد العزيز كل العراقيل التى كان الحجاج قد وضعها أمام الراغبين فى هجرة المهتدين الجدد للإسلام إلى المدن، وأكثر من هذا فقد دفع للموالى فى خراسان الذين حاربوا إلى جانب المسلمين أجرا كما أعفاهم من الجزية وجعلهم بهذا كالمسلمين سواء بسواء.
وقد خلت فترة حكم عمر بن عبد العزيز من الاضطرابات التى كان
стр. 7401
يثيرها الخوارج، لكن قوى أخرى كانت تعمل فى السر لإسقاط الدولة الأموية.
ومات عمر بن عبد العزيز بعد أن عانى من المرض عشرين يوما -فى رجب سنة ١٠١ هـ/ فبراير ٧٢٠ م ودفن بالقرب من حلب، وخلفه ابن عمه يزيد بن عبد الملك، واعتبر عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الراشد الخامس (خامس الراشدين) واحترمت كل الأطراف المتصارعة ذكراه حتى أن العباسيين أشادوا بذكره ولم ينبشوا قبره بعد نجاح الحركة العباسية.
المصادر:
(١) ابن سعد: الطبقات الكبرى.
(٢) ابن الجوزى: مناقب عمر بن عبد العزيز.
(٣) ابن شاكر الكتبى: فوات الوفيات.
(٤) ابن الأثير: الكامل فى التاريخ.
(٥) البلاذرى: فتوح البلدان.
[ك. ف. تسترستين K.V.Zettersteen]
د. عبد الرحمن الشيخ
عمرو بن العاص
عمرو بن العاص السهمى أحد صحابة الرسول [ ﷺ ] وهو قرشى المولد، أسلم فى عام ٨ هـ/ ٦٢٩ - ٦٣٠ م ومنذ ذلك الحين لعب دورًا فى التاريخ الإسلامى.
ولابد أنه كان فى أواسط عمره حين أسلم لأنه كان قد جاوز التسعين عند وفاته عام ٤٢ هـ/ ٦٦٣ م، وكان عمرو معدودًا من أدهى الساسة فى عصره وهذا رأى لا نستطيع إلا أن نقر به، ولقد تنبأ أهل البصيرة من المكيين أن فشل حصار المدينة يعتبر نقطة تحول فى مستقبل الإسلام، ومن ثم فلا عجب أن يتحول للإسلام رجال مثل خالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة وعمرو بن العاص قبل فتح مكة.
ويقال إن إسلامه تم فى الحبشة بتأثير من نجاشيها المسيحى، ولقد قام محمد [ ﷺ ] فى الحال بالاستفادة من العون الجديد، وبعد عدد قليل من الحملات الصغيرة قام بإرسال عمرو إلى عمان [بضم العين وفتح الميم المخففة] حيث فاوض حاكميها الأخوين
стр. 7402
وهما جَيْفر وعباد ابنى الجلندى [وكان ذلك فى العام التاسع الهجرى] فدخلا الإسلام، ولكنه [أى عمرو] لم يتمكن من رؤية الرسول [ ﷺ ] مرة أخرى حيث وصله نبأ وفاته وهو فى عمان وكان ذلك سببا لعودته للمدينة، ولكنه لم يبق بها لفترة طويلة.
وفى عام ١٢ هـ/ ٦٣٣ م أرسله أبو بكر [رضى اللَّه عنه] على رأس جيش إلى فلسطين وإن كانت أنباء ذلك الفتح تبدو إلى حد ما مضطربة ولكن من المؤكد أن عمرو بن العاص قد لعب دورًا بارزًا فى تلك المهمة.
ويعتبر إخضاع هذا القطر الواقع غرب الأردن من إنجازاته، كما أنه كان موجودًا أيضًا فى معركتى أجنادين واليرموك وكذلك عند فتح دمشق.
وترجع شهرة عمرو الحقيقية إلى قيامه بفتح مصر، وعلى ضوء ما ورد فى بعض المصادر يتضح أنه قاد قواته على مسئوليته الشخصية ومع ذلك فمن الأرجح أن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه قد تم إخطاره بذلك الأمر أو أن ذلك الأمر قد تم بناء على أوامره.
ومن المؤكد أنه أرسلت إليه [أى لعمرو] فى الحال الإمدادات بقيادة الزبير، على أن ما يجب الاكتفاء بذكره هنا هو أنه فى صيف عام ١٩ هـ/ ٦٤٠ م تمت هزيمة الروم فى هليوبوليس [عين شمس] كما استولى العرب فى السنة التالية ٢٠ هـ/ ٦٤١ م على حصن بابليون ثم كان وقوع الإسكندرية فى قبضتهم عام ٢١ هـ/ ٦٤٢ م.
هذا ولم يكن فتح مصر هو أحد أعمال العبقرى عمرو بن العاص فقط ولكنه أيضا عين واليا عليها وقام بتنظيم إدارتها وقضائها والضرائب. كما أسس مدينة الفسطاط التى عرفت فيما بعد بمصر ثم أطلق عليها اسم القاهرة فى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى).
ولقد شعر عمرو بالإهانة عندما قام الخليفة عثمان [رضى اللَّه عنه] بعد فترة قليلة من توليه الخلافة بعزله عن ولاية مصر وتولية عبد اللَّه بن سعد مكانه فاعتزل الحياة العامة مما أكد شعوره بالإهانة.
стр. 7403
وعندما تغيرت الظروف المحيطة بعثمان كان عمرو أحكم من أن ينضم إلى أعدائه [أى عثمان] ولكنه قام فى الخفاء بتأليب على وطلحة والزبير ضده.
ولقد أخذ يترقب تطور الأحداث بقلق شديد، ولكته لم يظهر على مسرح الأحداث حتى موقعة الجمل حيث لم يتبق من المتنازعين سوى على ومعاوية وقد انضم عمرو إلى جانب معاوية.
وتولى عمرو فى وقعة صفين قيادة الفرسان الشاميين وعندما تحولت دفة الحرب لصالح على لجأ إلى حيلة ذكية وهى رفعه المصاحف على أسنة الرماح، ولقد نجحت هذه الحيلة وإن لم تتضح نهاية المعركة، ومن ثم تم الاتفاق على عقد جلسة للتحكيم بين أبى موسى الأشعرى وعمرو بن العاص.
وقبل حلول يوم التحكيم قام عمرو بإسداء خدمة جليلة لمعاوية وهى أنه احتل مصر باسمه [أى معاوية]، ولم يكن عزل والى مصر من قبل علىّ -وهو الشاب محمد بن أبى بكر- بالمهمة الشاقة حيث هزمه عمرو (فى أوائل عام ٣٨ هـ/ ٦٥٨ م) ووضع بذلك نهاية لحياته.
وفى شهر شعبان من ذات العام توجه عمرو إلى أذرُح [مكان وسط بين أهل الشام والعراق] حيث يقام التحكيم.
وهنا يقدم عمرو أيضا البرهان على عبقريته السياسية فقد نجح فى إقناع أبى موسى الأشعرى بخلع كل من على ومعاوية وهكذا فقد علىّ لقبه كخليفة وفى ذات الوقت لم يخسر معاوية أى شئ لأنه كان يحارب فقط من أجل دم عثمان.
ولقد ظل عمرو بن العاص واليا على مصر حتى وافته منيته عام ٤٢ هـ/ ٦٦٣ م.
وفى ١٥ رمضان عام ٤٠ هـ/ ٢٢ يناير ٦٦١ م نجا عمرو بن العاص من محاولة اغتياله على يد أحد الخوارج الذين كانوا قد اتفقوا على قتل كل من علىّ ومعاوية وعمرو، وكان عمرو قد أصيب فى هذا اليوم بوعكة اضطر معها لترك إمامة الصلاة لخارجة بن حذافة الذى أصيب بطعنة قاتلة ولذلك قيل "أردت عمرا وأراد اللَّه خارجة".
стр. 7404
المصادر:
(١) ابن حجر العسقلانى: الإصابة.
(٢) ابن الأثير: أُسد الغابة فى معرفة الصحابة.
(٣) البلاذرى: فتوح البلدان.
(٤) ابن سعد: الطبقات الكبرى.
(٥) الطبرى: تاريخ الرسل والملوك.
(٦) بتلر: فتح العرب لمصر.
د. محمد حمزة [فنسنك A.J.Wensink]
عمار بن ياسر
هو عمار بن ياسر بن عامر بن مالك أبو اليقظان أحد صحابة الرسول [ ﷺ ] وأحد أتباع على [رضى اللَّه عنه].
كان والده أحد موالى أبى حذيفة المخزومى وقد تزوج بإحدى جاريات مولاه واسمها سمية التى أعتقت، ولكن ياسر وأسرته ظلوا فى خدمة أبى حذيفة.
وقد كانوا من المسلمين الأوائل وقاسوا أشد العذاب وقيل إن عمارًا هاجر إلى الحبشة وبعد الهجرة عاد إلى المدينة وقد شارك فى المعارك الأولى وحارب فى بدر وأحد وعلى وجه العموم فإنه شارك فى كل حروب النبى [ ﷺ ]، وقد فقد عمار إحدى أذنيه فى وقعة اليمامة زمن أبى بكر وفى عام ٢١ هـ/ ٦٤١ م استعمله عمر بن الخطاب واليا على الكوفة وشارك فى فتح خوزستان.
وكان عمار منذ البداية أحد أتباع علىّ [رضى اللَّه عنه] ومنذ عام ٥٣ هـ/ ٦٥٦ م فصاعدا أولاه على ثقته الشديدة، وقبل موقعة الجمل ساعد عمار فى استمالة أهل الكوفة إلى جانب علىّ، كما أنه كان واحدا من الذين صحبوا السيدة عائشة [رضى اللَّه عنها] زوجة الرسول [ ﷺ ] إلى البصرة.
ومات فى صفين عام ٣٧ هـ/ ٦٥٧ م وقد تقدمت به السن وصار كهلا، وقد ظل قبره موجودًا قرب صفين لمدة بضعة قرون، وكان عمار على دراية كبيرة بأحاديث الرسول [ ﷺ ] واشتهر بتقواه وبتمسكه بالإسلام.
стр. 7405
وبعد ذلك قام المؤرخون الكارهون لبنى أمية بتمجيده وإعلاء قدره فوضعوا أحاديث ترفع من شأنه وقالوا إن بعض آيات القرآن تشير إليه.
كما أن هناك حديثا ينسب إلى الرسول [ ﷺ ] وفيه يتنبأ الرسول [ ﷺ ] بوفاة عمار على يدى الفئة الباغية والذين سيكون مصيرهم جهنم.
وكان لعمار ولد يدعى محمدا وكان مشهورًا أيضا بحفظه الحديث، كما كانت له أيضا ابنة تدعى أم الحكم.
المصادر:
(١) ابن سعد: الطبقات
(٢) ابن قتيبة: المعارف
(٣) النواوى: تهذيب
(٤) ابن حجر: الإصابة
د. محمد حمزة [ركندورف H.Reckondorf]
عمان
هى عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية، ويرجع الموقع الذى تشغله اليوم إلى عصور ما قبل التاريخ.
ومما لا شك فيه أن رابية القلعة التى تعرف الآن بجبل القلعة كان موقع المدينة القديمة. ولم يتبق من هذه المدينة القديمة سوى آثار قليلة منها بعض المقابر على جانبى الجبل وكذلك قطاع صغير من سور المدينة يرجع إلى العصر الحديدى ربما إلى القرن التاسع أو الثامن قبل الميلاد، ولقد حاول الإسرائيليون الأول (حوالى عام ١٣٠٠ ق. م) أن تكون لهم السيطرة على المدينة أو على الإقليم فلم يفلحوا حتى جاء داود [﵇] فهجم على المدينة فى القرن ١١ ق. م ووقعت أحداث قصة أوريا الحيثى والذى أصبح اسمه مرتبطا بهذا الموقع حتى القرن ٤ هـ/ ١٠ م.
ولقد استعادت عمان استقلالها على يد سليمان [﵇]، وخلال القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد وقعت المدينة مثل باقى المدن فى القطر فى قبضة الأشوريين ولكنها نالت استقلالها فى عهد البابليين.
وعندما قام بطليموس فيلادليفوس (٢٨٥ - ٢٢٧ ق. م) بغزو المدينة أسماها
стр. 7406
فيلادلفيا وهو الاسم الذى عرفت به خلال العصرين الرومانى والبيزنطى.
وقد استولى عليها الملك السلوقى انتيوخس الثالث حوالى عام ٢١٨ ق. م، وفى القرن الأول قبل الميلاد انضمت عمان إلى مجموعة "ديكابوليس" واحتلها الأنباط لفترة قصيرة [حوالى ٣٠ عاما] ولكن هيرود الكبير قام بطردهم منها فى حوالى عام ٣٠ ق. م، ثم استرجعها الرومان من هيرود وأعادوا بناءها على غرار المدن الرومانية المزودة بالمسارح والمعابد والميادين العامة والحمامات الكبيرة وكذلك شارع رئيسى ذو أعمدة. هذا وما تزال بعض تلك الآثار باقية.
وفى العصر البيزنطى أصبحت عمان مقرا لإبرشية فيلادلفيا والبتراء، وقد كانت واحدة من ثلاث مدن كهنوتية فلسطينية باسم بصرى وما يزال هذا اللقب يطلق على الكاهن الكاثوليكى اليونانى.
ويستدل من الحفائر التى أجريت بالقلعة فى موقع المتحف الحالى على أن المدينة قد ازدهرت عندما فتحها القائد العربى يزيد بن أبى سفيان عام ١٤ هـ/ ٦٣٥ م والذى حدث عقب سقوط دمشق مباشرة.
وتوجد فى القلعة على الأقل بعض البيوت الخاصة الجميلة التى ترجع إلى العصر الأموى، ولهذه البيوت أهمية أثرية ليس فقط لكونها قصورًا مكتشفة للخلفاء الأمويين ولكن لأنها تعتبر أول شاهد على كيفية حياة الرجل العادى فى ذلك العصر.
كذلك يوجد فى القلعة أيضا مبنى مربع يرجع إلى عصر الغساسنة أو العصر الأموى.
وقد بدأت عمان مثلها فى ذلك مثل باقى مدن الأردن فى الاضمحلال بعد انتقال مركز الخلافة من دمشق إلى بغداد، فابن الفقيه يذكر أن عمان تتبع دمشق، ثم جاء المقدسى فذكر لنا وصفا مفصلا للمدينة بعد ذلك بثمانين سنة كما أنه وضع المدينة ضمن كورة فلسطين وذكر أن "رستاقها البلقاء" (المقدسى - ص ١٤٩).
وفى عام ٦٢٢ هـ/ ١٢٢٥ م أشار ياقوت إلى عمان على أنها مدينة
стр. 7407
وربط المدينة بأسطورة لوط [﵇] وبناته، وما يزال [أى ياقوت] يعتبرها إحدى المدن المزدهرة فى فلسطين وأنها "كانت قصبة أرض البلقاء" (معجم البلدان - جـ ٤ - ص ١٥١).
ولكن الدمشقى الذى كتب كتابه فى حوالى ٦٩٩ هـ/ ١٣٠٠ م أشار إلى أنها تتبع ولاية الكرك واقتصر على ذكر بعض خرائبها. ثم جاء أبو الفدا بعد ذلك بحوالى ٢٠ عاما فقال إنها مدينة موغلة فى القدم وقد خربت قبل الإسلام.
ومن العسير أن نتعرف على هذا السقوط المفاجئ الذى أصاب المدينة إذ لم تحدث قط أى كوارث طبيعية أو تاريخية حدثت خلال تلك الفترة.
وبعد ذلك لم يرد ذكر لهذه المدينة فى كتابات المؤرخين وعندما بدأ الرحالة الغربيون الأوائل فى زيارة شرق الأردن فى أوائل القرن التاسع عشر لم تكن عمان سوى قرية صغيرة جدًا.
وفى عام ١٢٩٥ هـ/ ١٨٧٨ م زوّدتها السلطات التركية بحامية شركسية. ومع ذلك بقيت المدينة لعدة سنوات عبارة عن بضعة منازل.
وقد بدأت الاكتشافات الحقيقية للمدينة وضواحيها على يد الميجور كوندر ومجموعته فى عام ١٨٨١ م حيث تم العثور على بقايا مسجد ذى منارة مربعة، وربما كان هو المسجد الذى ذكره المقدسى، وقد كان المسجد والمنارة موجودين عندما قام بتلر بمسح شامل ١٩٠٧ م ولكنه اعتبر السور الرئيسى من العصر الرومانى أو البيزنطى، وليس من المعروف على وجه التحديد الوقت الذى دمر فيه هذا السور، ولكن من المحتمل أن ذلك حدث عقب الحرب العالمية الأولى مباشرة.
وفى عام ١٣٤٠ هـ/ ١٩٢١ م جعلها عبد اللَّه بن الحسين عاصمة شرق الأردن وأخذت المدينة فى الازدهار منذ ذلك الحين، ثم بلغت أوج ازدهارها عقب الحرب العالمية الثانية مباشرة حيث تضاعف حجم المدينة بنسبة ٥٠ % على الأقل. وعمان الآن هى العاصمة والمركز الإدارى للمملكة على كلا جانبى الأردن وتضم القصر الملكى ومبانى البرلمان وكذلك مكاتب الوزارات المختلفة.
стр. 7408
ولقد تم بناء بعض المبانى الحكومية الفخمة ومن بينها المتحف والمدارس ولكن الكثير من الآثار قد اندثر خلال الأيام الأولى لإنشاء المدينة الحديثة.
المصادر:
١ - البلاذرى: فتوح البلدان.
٢ - مرمرجى: بلدانيات فلسطين العربية.
٣ - الزركلى: عامان فى عمان (القاهرة ١٩٢٥).
د. محمد حمزة [لانكستر هاردنج G.Lankester Harding]
عمود
يرتبط استخدام العمود والتاج فى الفن الإسلامى وبصفة خاصة فى العمارة الدينية بتبنى المعماريين تصميم المساجد ذات الأروقة [البلاطات] المتعددة حول صحن [فناء] أوسط.
ويبدو أن العمود مثله فى ذلك مثل هذا النمط من المساجد والأروقة منقول عن التراث الهيلنستى [أى التراث اليونانى الممتزج بالتراث الشرقى] خاصة وأن الأعمدة المستخدمة فى المساجد الأولى فى كل من بلاد الشام ومصر وأفريقية وأسبانيا كانت من نفس المواد المستخدمة [أى أنها كانت مأخوذة من العمائر القديمة السابقة].
وعلى كل حال بدأت بعد فترة من التقليد الصادق للنماذج السابقة الأنماط الإسلامية المميزة فى الظهور وكانت ذات تصميم أكثر بساطة حيث لم يعد بدن العمود قليل التحديب كما أصبح القطر متساويًا مع طول العمود وصار تخطيط المسقط الأفقى للعمود إما دائريا أو متعدد الأضلاع.
وكذلك أصبحت التيجان ذات أشكال متعددة ونستطيع أن نرتبها فى مجموعتين رئيسيتين كلتيهما مشتقة من التاج الكورنثى ولكن يظهر فيهما بوضوح التطور المحلى، وتتكون المجموعة الأولى من التيجان الكأسية أو الناقوسية الشكل والتى ربما تكون متأثرة بتاج زهرة اللوتس فى مصر القديمة، وقد ظهر هذا النوع من التيجان
стр. 7409
فى القرن ٣ هـ/ ٩ م فى الآثار العباسية فى كل من مدينتى سامرا والرقة ثم لم يلبث أن انتقل هذا التاج، مع عناصر أخرى كثيرة، إلى العمارة الطولونية فى أواخر القرن ٣ هـ/ ٩ م ثم استمر ظهوره فى مصر خلال عصرى المماليك البرجية [الصواب البحرية أى الدولة المملوكية الأولى ٦٤٨ - ٧٨٤ هـ/ ١٢٥٠ - ١٣٨٢ م] والجراكسة [أى الدولة المملوكية الثانية وهى التى تعرف أيضا بالبرجية ٧٨٤ - ٩٢٣ هـ/ ١٣٨٢ - ١٥١٧ م]
كذلك صممت قواعد الأعمدة على نفس الشكل [أى الشكل الكأسى أو الناقوسى] إلا أنه وضع عكسيا [أى مقلوبا] وقد وجدت هذه التيجان ذات الشكل الكأسى أيضا فى بلاد فارس حيث لا يسمح الآجر والبلاطات المستخدمة فى العمائر هناك إلا بوجود عدد قليل من الأعمدة الحقيقية، وتتوج هذه التيجان الأعمدة المقلدة الصغيرة فى المحاريب الخزفية، ويبدو أن التصميم العام للمجموعة الثانية من تيجان الأعمدة إنما هو صورة مبسطة من التيجان الكورنثية حيث تم تقليل عدد النقوش البارزة الكثيرة التى تميز هذه التيجان الكورنثية، وقد تنوعت هذه التيجان تنوعا محليا كبيرًا وانتشرت بصفة خاصة فى الغرب الإسلامى.
وتوجد فى القيروان [بتونس] من القرن ٣ هـ/ ٩ م تيجان صغيرة على غرار النماذج القبطية ذات الأوراق الأربع الملساء المتصلة من أسفل والمقوسة لأعلى عند نقطة مثل الخطاف، ومنها اشتقت فى نفس المنطقة التيجان الفاطمية خلال القرنين ٤ - ٥ هـ/ ١٠ - ١١ م والتى تتميز بالتصميمات النباتية المتتابعة التى تعلو أبدانًا ذات زخارف حلزونية أو نقوش كتابية على شكل لفائف [حلزونات]. وأيضا التيجان التونسية من القرن ٧ هـ/ ١٣ م فصاعدا.
وترجع إلى نفس هذه الفترة تقريبًا الآثار الأموية فى أسبانيا وقد زينت بتيجان تعد نسخة من النموذجين الكلاسيكيين وهما: الكورنثى والمركب، وهو إما مستدير كما هو الحال فى
стр. 7410
جامع قرطبة، أو مملوء بالأخاديد العميقة كما هو الحال فى مدينة الزهراء (منتصف القرن ٤ هـ/ ١٠ م).
وقد كانت هذه التيجان بمثابة النماذج الأصلية لعدد من التيجان المتنوعة الرائعة فى كل من قصر الجعفرية بسرقسطة (القرن ٥ هـ/ ١١ م) وفى مساجد الموحدين فى تنمل [أو تنملل] فى المغرب الأقصى ومراكش (القرن ٦ هـ/ ١٢ م).
وفى القرن ٧ هـ/ ١٣ م ظهر التاج الأسبانى المغربى وهو الذى يجمع بين الشكل الأسطوانى فى جزئه الأسفل والمتوازى فى جزئه الأعلى والذى يعد فى الواقع تطورًا للتاج الكورنثى.
ويمكن أن نجد أنماطًا متنوعة فى مساجد شمال إفريقيا ومدارسها وفى قصر الحمراء بغرناطة والذى توجد به أيضا بعض التيجان المقرنصه والتى ربما كانت تقليدًا لنماذج فارسية الأصل.
د. محمد حمزة [لوكهارت Lockhart]
عنترة
عنترة تعنى البطل، وهذه الكلمة من المحتمل أنها مشتقة من الجذر (ع. ت. ر) وهى تعبر عن فكرة العنف. وقد تسمّى عدد من شعراء الجاهلية بهذا الاسم (عنترة)، والشاعر عنترة عاش فى القرن السادس للميلاد وينتمى إلى قبيلة عبس فى قلب الجزيرة العربية، كما أن الإشارة القصيرة للأصفهانى فى كتاب الأغانى تشير إلى أنه من القرن الرابع الهجرى (القرن العاشر الميلادى) كان الحكام يميلون إلى رفض المبالغات الشعبية والتى كونت بطولة عنترة فى قصته. لقد ولد عنترة لأب عربى وأم زنجية، وعاش فى طفولته حياة العبودية فكان يرعى الغنم فى الوقت الذى كان هناك صراع بين عبس والقبائل العربية المجاورة، ثم أخذ فرصته لكى يمارس شجاعته فى حرب داحس والغبراء وخاصة بين عبس وذبيان، ولبسالته أخذ يتفوق على أقرانه، ومن المحتمل أن يكون عنترة قد أعتق نتيجة لأعماله البطولية، وفى ذلك
стр. 7411
الزمن تورط عنترة فى غارة ضد طيئ وهكذا ارتدت الأسطورة هذا الإطار الظاهر وهو المطالبة بالمساواة بين البشر. لقد أثبت عنترة وقدم الدليل الدامغ على أن الشخص المختلط الدماء فى عصر ما قبل الإسلام يمكن أن يحقق ما يحققه الدم العربى النقى. إن الخيال والتزويق يمكن ملاحظتهما فى عدد محدود من الموضوعات:
- تحقيق شجاعة البطل أو فروسيته وبسالته -حبه وهيامه لابنة عمه عبلة.
- قوته فى التغلب على الاستعلاء والازدراء ومحاولة أن يكون جديرا بتعاطف غلاظ القلوب المتحجرة.
إن هذه التطورات تولدت أخيرًا فى الحوار الموجود فى ملحمة عنترة الشهيرة وكما هو معروف فإن المقطوعات والأشعار تكون الأساس المتين لعناصر النزعة الأسطورية أو الاتجاه الخرافى.
والمعروف أنه من بداية القرن الثالث الهجرى (القرن التاسع الميلادى) كانت هذه الأعمال الشعرية فى متناول الدارسين فى البصرة ومعروفة للأصمعى الذى حققه وعلق عليه الأسبانى الأعلم الشنتمرى Al-Alam Al Shantamari وهناك سبعة وعشرون قصيدة ومقطوعة واحدة منها القصيدة الميمية التى ظهرت ضمن مقتطفات أدبية مختارة من المعلقة المنسبوبة لعنترة، وعلى العموم فهذه الأصول المتأخرة ظهرت كخليط غير متناسق. كما أن الدارسين أو الملفقين قد اعتادوا غالبًا أن ينسبوا لعنترة أية قصيدة جاء فيها اسم عبلة حيث إن الشاعر يعلن عن نفسه باسم عبلة ويكشف فروسيته وبطولاته مع حصانه، وهكذا فإن الكثير من العناصر المنسوبة لعنترة مشكوك فيها.
المصادر:
(١) ابن سلام: طبقات الشعراء.
(٢) ابن قتيبة: الشعر والشعراء.
(٣) الأغانى جـ ٨.
(٤) شيخو: شعراء النصرانية، بيروت ١٨٩٠. والذى أعاد تقديم الديوان بعد تحقيقه وتهذيبه.
(٥) مقال فى التاريخ العربى Caussin de. Derceval Essai sur L'histoire des Arabes, Paris ١٨٤٧, ii.٤٤١ ff, ٥١٤ - ٢١
стр. 7412
sai sur l'histoire des Arabes, Paris ١٨٤٧, ii. ٤٤١ ff,٥١٤ - ٢١
(٦) عنترة، المعلقة.
(٧) شعر عنتر غير الإسلامى، ديرنبورج.
د. إبراهيم شعلان [بلاشير R.Blahere]
العواصم
لفظ يطلق على جزء من منطقة الحدود التى تمتد بين الامبراطورية البيزنطية ودولة الخلافة فى الشمال والشمال الشرقى لبلاد الشام.
وكانت النقاط القوية المتقدمة فى تلك المنطقة تدعى الثغور بينما كانت النقاط القوية فى المؤخرة تدعى العواصم (مفردها عاصمة) وتعنى حرفيا الحاميات.
ولم يقم العرب بعد نجاحهم السريع فى سوريا والعراق بأية محاولة لمد فتوحاتهم واكتفوا بالقيام بغارات فى الأراضى البيزنطية من ناحية جبل اللكام الهائل وجبال طوروس.
وفى عهد كل من عمر وعثمان كانت النقاط الأمامية القوية للمسلمين، والتى عرفت فيما بعد بالعواصم، تقع بين أنطاكية ومنبج بينما كانت تلك النقاط التى عرفت بالثغور تقع فى أراضى قفر فى المنطقة الشاسعة الممتدة بين شمال أنطاكية وحلب حتى طرسوس وطوروس حيث قام هرقل بإخلاء المدن من سكانها عند انسحابه من سوريا وحيث قام البيزنطيون بترك نقاط الحراسة تسمى بالمسالح مزوّدة بقوات محلية غير نظامية يطلق عليها اسم المردة وربما كانوا من الجراجمة النصارى الذين كانوا يتخذون جانب البيزنطيين تارة وجانب العرب تارة أخرى وكانوا يمدونهم أيضا بالمسالح والجواسيس ولقد أطلق العرب اسم الضواحى أو ضواحى الروم على المنطقة التى اجتاحها المسلمون عدة مرات.
وقد ظل هذا التعبير مستخدما خلال العصر العباسى كما ورد فى أشعار أبى تمام والبحترى.
وقد بدأ الأمويون يثبتون أقدامهم فى هذه المنطقة ويحتلون النقاط
стр. 7413
الاستراتيجية الرئيسية حيث التقاء الطرق أو عند مداخل ممرات الجبال.
وحسب ما ذكره ثيوفانس [المؤرخ اليونانى] فإن انسحاب المردة جاء نتيجة لعقد هدنة بين عبد الملك بن مروان وجستنيان الثانى وبذلك تركت المنطقة كلها بدون أى دفاع مما جعلها مصدر خطر على الامبراطورية البيزنطية وقد اعتمدت هذه المنطقة المتقدمة فى البداية على جند حمص ولكن منذ عهد يزيد بن معاوية استقلت وجعل لها جند خاص بها وهو جند قنسرين.
وفى عام ١٧٠ هـ/ ٧٨٦ م أفرد هارون الرشيد "قنسرين بكورها فصير ذلك جندا واحدا وأفرد منبج ودلوك ورعبان وقورس وانطاكية وتيزين وسماها العواصم، لأن المسلمين يعتصمون بها فتعصمهم وتمنعهم إذا انصرفوا من غزوهم وخرجوا من الثغر" (البلاذرى فتوح - ق ١ - ص ١٥٦).
وزودنا ابن شداد بتفسير آخر وهو أن تلك التسمية ترجع إلى أن أهل الثغور كانوا يحتمون بها عندما يتهددهم خطر الأعداء.
ويضيف القلقشندى تفسيرًا آخر فيذكر أنها سميت بذلك "لعصمتها ما دونها فى بلاد الإسلام من العدو إذا كانت متاخمة لبلاد الكفر" جـ ٤ - ص ١٣٠. ويعتقد القلقشندى أن الثغور والعواصم إنما هُما اسمان لمسمى واحد وهذا ليس بصحيح لأن الاثنين كانا مختلفين بعضهما عن بعض تمام الاختلاف منذ فترة مبكرة، ولكن منذ إنشاء هذه الكورة، والتى وليها عبد الملك ابن صالح العباسى فى سنة ١٧٢ هـ/ ٧٨٩ م وجعل مدينة العواصم منبج، فقد شملت كل مدن الثغور ولذلك فمن المحتمل أن يكون التعبيران [أى العواصم والثغور] قد استخدما لنفس الغرض ويذكر الطبرى، أن هارون الرشيد قد عزل الثغور كلها من الجزيرة وقنسرين وجعلها حيزا واحدا وسماها العواصم.
وغالبا ما كانت تتوحد العواصم والثغور تحت إمرة قيادة واحدة فكانت تارة مع جند قنسرين وتارة أخرى تصبح الثغور كورة مستقلة.
стр. 7414
هذا ولم يتفق الجغرافيون على عدد من المواقع التى شكلت جزءًا من العواصم فابن خرداذبه ضم إليها أيضا الجومة وبوقا وبالس ورصافة هشام، أما عند ابن حوقل فهى: بالس وسنجه وسميساط وجسر منبج، وأضاف ابن شداد أيضا بغراس دربساك، وارتاح، وكيسوم، وتل قباسين أما ياقوت فيضيف مواقع أخرى، وكانت أنطاكية هى عاصمة العواصم فى القرن ٤ هـ/ ١٠ م.
وكانت منطقة العواصم كما هو الحال فى الثغور مسرحا للحروب الدامية بين البيزنطيين والعرب.
وقد أعيد غزو العواصم على يد "نقفور مؤكاس الذى أجبر إمارة حلب أن تسلم له جميع الجزء الغربى والشمالى للمنطقة وفى ضوء ذلك فإن كلمة العواصم أصبحت مجرد تعبير جغرافى استمر استخدامه من قبل الجغرافيين العرب فى عصر الحروب الصليبية والمماليك، وليس لدينا سوى القليل من المعلومات عن الموقف الاقتصادى لتلك المنطقة التى يبدو أنها ازدهرت خلال العصر العباسى ويذكر ابن خرداذبه أن "خراج قنسرين والعواصم أربع كان فئة ألف دينار". (المسالك والممالك - ص ٧٣)
بينما يذكر قدامة أنه "ثلثمائة ألف وستون ألف دينار" (الخراج وصناعة الكتابة - ص ١٨٤)
وكان السكان أخلاطا كثيرة فبالإضافة إلى السكان الأصليين من المسيحيين أو الجراجمة فى جبل اللكام هاجرت أو انتقلت إلى هناك عناصر أخرى كثيرة من القبائل العربية لا سيما قيس التى استقرت هناك وكلاب التى امتدت حتى دلوك فضلا عن عناصر أجنبية جاءت من الهند عن طريق العراق مثل السيابجة الذين أحضرهم معاوية إلى أنطاكية والزط الذين انتقلوا إلى المنطقة نفسها [أى أنطاكية] بأمر معاوية ومن بعده الوليد بن عبد الملك.
ومن المعروف أن من أسباب استقرار الزط فى هذه المنطقة (كما فى قاليقلا بأمر يزيد الثانى والمعتصم)
стр. 7415
أنهم كانوا يقومون بتربية ورعى جاموس الماء مما ساعد فى تنظيف مناطق المستنقعات فى أنطاكية وقاليقلا من السباع التى كانت تعيش هناك. (البلاذرى - ق ١ - ١٩٨ - ١٩٩).
المصادر:
(١) البلاذرى، فتوح البلدان، ليدن ١٨٦٦، ص ١٣٢ - ١٤٤.
(٢) الاصطخرى، المسالك والممالك، ليدن ١٨٧٠، (الطبعة الثانية ١٩٢٧) ص ٥٦، ٦٢.
(٣) ابن حوقل، صورة الأرض، ليدن ١٩٣٨ - ١٩٣٩، ص ١٠٨، ١١٩.
د. محمد حمزة [م. كانار M.Canard]
عيد
توردها المعاجم العربية تحت مادة (عَ وَدَ).
"عَود" بمعنى الرجوع وهى فى الأصل مستعارة من الآرامية، وهناك كلمة شبيهة تحمل المعنى نفسه فى السريانية.
ويحتفل المسلمون خلال السنة الهجرية الواحدة بعيدين رسميين هما عيد الفطر يوم أول شوال ولمدة ثلاثة أيام وعيد الأضحى يوم العاشر من ذى الحجة ولمدة أربعة أيام.
ويتميز العيدان بصلاة العيد التى تؤدى فى كل منهما مرة واحدة فى أول يوم، وهى سنَّة، وتصلى جماعة.
وصلاة العيد تختلف عن الصلاة المكتوبة فى الكثير من التفاصيل، وتتكون من ركعتين اثنتين وبها عدة تكبيرات، ولا يؤذن لها، كما ليس لها إقامة، وعند إعلان بدء الصلاة ينادى "الصلاة جامعة". والموعد المحدد لأداء صلاة العيد هى الفترة من شروق الشمس وحتى لحظة وصولها كبد السماء.
وعادة يرتدى المسلمون خلال أيام العيد ملابس جديدة أو على الأقل
стр. 7416
يرتدون أفضل ما لديهم، ويتزاورون ويهنئ بعضهم بعضا ويتبادلون الهدايا. كما يزورون المقابر للترحم على الأموات، ويمكثون هناك عدة ساعات قد تصل فى بعض الأحيان إلى اليوم بأكمله.
المصادر:
(١) " Salat el Aid" The books of filch in the chapter
(٢) Juynoll: Handbuch
(٣) E. W. Hane: Manners and customs of the Modern Egyptians
(٤) M. d'Ohssoh: Tableau General de I'Einpire Othoman
(٥) J. Chelhod: Le Sacrifice, chez les Arabes, Paris ١٩٥٥, Chaps. ٣ and ٤
وائل البشير [ميتفوخ M.Mittwoch]
عيد الأضحى
(عيد القربان - عيد النمر - العيد الكبير)
يحتفل به فى يوم العاشر من ذى الحجة من كل عام هجرى لمدة أربعة أيام ويقدم فيه الحجاج الضحية قربانًا للَّه تعالى فى وادى "منى" أول أيام التشريق الثلاث.
والتضحية فى هذا اليوم بوصفها سنة مؤكدة لا تقتصر على الحجاج فحسب بل على جميع المسلمين، كما أنها تعد واجبًا للوفاء بالنذر.
وعلى كل مسلم حر قادر على شراء ضحية أن يضحى بكبش (واحد عن كل فرد) أو من الإبل والماشية (واحد عن كل عشرة أفراد) ويجب أن تكون الأضحية فى عمر مناسب وأن تكون خالية من العاهات والأمراض المعدية
وتبدأ فترة الأضحية مع صلاة العيد وحتى غروب شمس ثالث أيام التشريق وتتبع الخطوات التالية:
١ - التسمية
٢ - الصلاة على النبى
٣ - التوجه نحو القبلة
стр. 7417
٤ - التكبير ثلاث مرات قبل وبعد التسمية.
٥ - الدعاء للَّه الكريم أن يتقبل.
وعلى المضحى أن يزكى بثلثى الأضحية، وله أن يحتفظ بالثلث أما إذا كانت الأضحية وفاء لنذر، فعندئذ تذهب الأضحية بأكملها وفاء للنذر ولا يحتفظ المضحى بشئ لنفسه أو لأهله.
وعلى خلاف جميع المسلمين الذين يحتفلون بعيد الأضحى بمناسبة فداء اسماعيل بن إبراهيم ﵉ يحتفل الدروز بعيد الأضحى بمناسبة قربان قابيل وهابيل ولدى آدم ﵇.
المصادر:
انظر مصادر مادة (عيد).
وائل البشير [ميتفوخ M.Mittwoch]
عيد الفطر (العيد الصغير)
يحتفل به يوم أول شوال من كل عام هجرى ولمدة ثلاثة أيام، وعلى المسلم الذى لم يؤد زكاة الفطر قبل نهاية فترة الصيام أن يؤديها قبل موعد صلاة العيد. وعلى الرغم أن عيد الفطر يسمى العيد الصغير إلا أن فرحة استقباله تفوق فرحة استقبال عيد الأضحى لحلوله بعد انتهاء فترة الصيام الشاقة فى شهر رمضان.
المصادر:
انظر مصادر مادة (عيد).
وائل البشير [ميتفوخ M.Mittwoch]
عيدروس
وكثير ما تفسر خطأ فيقال إدريس وأصلها اللغوى مبهم- وهى أسرة من السادة الأشراف والصوفيين العلماء فى جنوب الجزيرة العربية والهند وأندونيسيا، وتنتمى هذه الأسرة إلى السقاف الذى هو فرع من "باعلوى"، ولا تزال تلعب دورًا مهما فى حضرموت وقد أورد وستنفيلد نقلًا عن المجئ تفاصيل حول أكثر من ثلاثين شخصية بارزة من هذه الأسرة حتى
стр. 7418
القرن الحادى عشر الهجرى (السابع عشر الميلادى) وفى القرن التاسع عشر كان هناك خمسة مناصب عيدروسية فى حزم "وبور" وسليلة وتبى والرملة، كذلك فإن هناك عددا كبيرا من الشخصيات فى هذه الأسرة أشتهرت بالنشاط الأدبى منهم.
(١) الشيخ عبد اللَّه بن أبى بكر (السكران) ابن عبد الرحمن السكاف (٨١١ - ٨٦٥) من تريم وقد أطلق عليه والده اسم "العيدروس" وأخذ الحرفة من عمه عمر المحضار وخلفه بعد موته فى منصب "نقيب باعلوى" واشتهر فى هذا الوقت بشدة الزهد والورع وأخذ يدرس التفسير والحديث والفقه ومن مؤلفاته الكبريت الأحمر، ومناقب شيخه، سعد بن على، ورسائل عمر بن عبد الرحمن صاحب الحمراء (انظر السخاوى: الضوء اللامع ٥/ ١٦).
(٢) ابنه أبو بكر بن عبد اللَّه العيدروس (٨٥١ - ٩١٤ هـ) ولد فى تريم ومات فيها ومن مؤلفاته الجزء اللطيف فى علم التحكيم الشريف، وديوان الموشح، وينسب إليه عادة شرب القهوة فى بلاد العرب (انظر ابن العماد شذرات الذهب ٨/ ٣٩).
(٣) الشيخ عبد اللَّه بن الشيخ عبد اللَّه (٩١٩ - ٩٩٠ هـ) ولد فى أحمد آباد (هوجرات بالهند) ودرس بمكة وزبيد والشحر ثم انتقل إلى الهند وانخرط فى خدمة الوزير عماد الدين ومن مؤلفاته: العقد النبوى والسر المصطفوى، وكتاب الفوز والبشرى وقصيدة تحفة المريد، وديوان شعر.
(٤) عبد القادر بن الشيخ الهندى، محيى الدين بن أحمد أباد الصوفى وله عدة كتب عن التصوف، ومن مؤلفاته الفتوحات القدسية فى الخرقة العيدروسية وكتاب تعريف الأحياء بفضائل الأحباء.
(٥) شيخ بن عبد اللَّه بن شيخ (٩٩٣ - ١٠٤١) ولد دولت آباد، ورحل إلى الهند سنة ١٠٢٥ ثم مضى إلى
стр. 7419
"الدكن" ورحب به السلطان برهان نظام شاه ووزيره ملك عنبر، وكتب كتابًا عن التصوف سماه "السلسلة".
(٦) عبد اللَّه بن شيخ (١٠١٧ - ١٠٧٣ هـ)، زار مكة، والمدينة مرتين ثم مضى إلى "سورات" بالهند ثم عاد إلى بلاد العرب فأقام بالشحر حتى مات حيث لا يزال ضريحه ومسجده موضع تقديس ومزارًا للحاج.
(٧) على بن عبد اللَّه بن شيخ ويعرف بزين العارفين (٩٨٤ - ١٠٤١ هـ) وليس له من المؤلفات سوى مجموعة "رسائل".
(٨) جعفر الصادق بن على زين العابدين (٩٩٧ - ١٠٦٤ هـ) درس بالجزيرة العربية ثم انتقل إلى الدكن وتقدم فى بلاط الوزير الأكبر ملك عنبر وترجم عن الفارسية إلى العربية كتاب تحفة الأصفياء بترجمة سفينة الأولياء.
(٩) جعفر بن مصطفى بن على ومن مؤلفاته كشف الوهم عما غمض من الفهم.
(١٠) عبد الرحمن بن مصطفى بن شيخ (١١٣٥ - ١١٩٢ هـ) اشتهر بالرحلة فزار سورات والجزيرة العربية والطائف واستقر بالقاهرة كما زار دمشق.
(١١) حسن بن أبى بكر المتوفى فى باتاهيا ١٧٩٨ وقبره يعتبر أكبر مزار يحج إليه أتباعه من جزر الأرخبيل الهندية.
المصادر:
(١) عبد اللَّه السقاف، تاريخ الشعراء الحضرميين.
(٢) نجم الدين الغزى، الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة.
(٣) R. B. Serjeant: Materials For Saudi Arabian (BoAs.history ١٩٥٠)
стр. 7420
عيذاب
ميناء على الساحل الأفريقى للبحر الأحمر، ولا تزال أطلاله موجودة على هضبة مستوية لا مياه فيها، على بعد اثنى عشر ميلا شمالى حلايب -وهى تذكر فيما وصلنا من القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) على أنها ميناء يستخدمه الحجاج الذاهبون إلى مكة والتجار القادمون من اليمن، وتتصل بوادى النيل بطرق القوافل من أسوان (خمسة عشر يوما) وقوص (سبعة عشر يوما). وقد كانت عيذاب فى الأصل قرية صغيرة من الأكواخ، ولكن أخذت أهميتها فى الازدياد منذ القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) نتيجة لزيادة التجارة المصرية مع اليمن. وازدهرت على وجه الخصوص فى عهد تجار الكارم، حيث وصفها ابن بطوطة (فى عام ٧٢٥ هـ/ ١٣٢٥ م بأنها مدينة كبيرة معظم سكانها مسلمون من قبائل بوجا Budjah والتى كثيرا ما اصطدمت أسرتها الحاكمة التى تسمى بالعربية الحدربى أو الحضربى مع أعمال مصر حول حصتهم فى عائدات الميناء والإشراف عليه وقد أمر السلطان المملوكى "برسباى" (٨٢٥ - ٨٤٢ هـ - ١٤٢٢ - ١٤٣٨ م) بتخريبها ردا على ما جرى من سلب قافلة كانت فى طريقها إلى مكة وحل محلها ميناء سواكن.
المصادر:
(١) القلقشندى، صبح الأعشى.
(٢) ابن جبير الرحلات.
بهجت عبد الفتاح [هـ. أ. ر. جب H. A. R. Gibb]
عيسى ﵇
هو الاسم الذى أطلقه القرآن (الكريم) على المسيح (يسوع). وقد ورد ذكره فى القرآن (الكريم) فى ثلاث وتسعين آية تضمَّنتها خمس عشرة سورة، وتُعد هذه الآيات هى الأساس الذى تقوم عليه العقيدة الإسلامية فيما يتعلق بطبيعة المسيح ورسالته. إلَّا أنَّ كثيرًا من الإضافات التى دخلت التراث الإسلامى عن طفولة المسيح تَعُود فى أصلها للأبوكريفا apocryphal gospels، والتى تعنى الكتب غير المعترف بها أو
стр. 7421
المشكوك فى صحتها والتى كان هناك جدل حول إضافتها للتوراة (١)، وقد أدت هذه الإضافات إلى تقريب وجهات النظر بين المسيحية والإسلام حول طبيعة المسيح ورسالته.
أصل كلمة عيسى:
يرى بعض الكتاب الغربيين مثل مرَّاكى a Marracci ولانداور Landauer ونولدكه Noldeke أنَّ اليهود هم الذين زيّنوا لمحمد [ ﷺ ] إطلاق اسم عيسى على المسيح، وأنه فعل ذلك بحسن نيّة (٢).
والحقيقة أن اليهود -كراهية منهم للمسيح- قد أطلقوا عليه اسم إساو Esau على اعتبار أن روح إساو هذا قد حَلَّتْ به. وقد أيد لامنس Lammens هذا الرأى، بينما يرى آخرون مثل ديرنبورج Derenbourg وفرانكل Frankel وفولر Voller ونستله Nestle أن كلمة (يسوع) مشتقة من السريانية يشوع التى أخذت بدورها من الكلمة العبريَّة يشواع. وأخيرًا فإن بعض الباحثين يرون أنَّ اسم (عيسى) الوارد فى القرآن الكريم قد ورد ذكره فى النقوش السابقة على الإسلام، وهو المنْحى الذى رفضه بشدّة الباحث ريكمانس Ryckmans.
أسماء المسيح فى القرآن الكريم:
ورد ذكر المسيح ﵇ فى القرآن الكريم إحدى عشرة مرة، وأشير إليه بالنبى فى سورة مريم (آية ٣٠) وبالرسول فى سورة النساء (آية ١٥٧ و ١٧١) وسورة المائدة (آية ٧٥)، وبابن مريم ثلاثًا وثلاثين مرة منها ست عشرة مرة (عيسى ابن مريم) وسبع عشرة مرة بابن مريم فقط أو مشفوعًا بلقب آخر، بينما لم يظهر اسم ابن مريم فى الأناجيل إلَّا مرة واحدة ويرى بعض الباحثين المسيحيين أن هذا الاسم (ابن مريم) دخل عن طريق الكنيسة الأثيوبية بعد عودة المجموعة الثانية من المهاجرين؛ وقد ظهر هذا
стр. 7422
الاسم (ابن مريم) فى الإنجيل المكتوب بالعربية خمس مرات فى سياق طفولة المسيح، كما ورد خمس عشرة مرة فى النص السريانى للإنجيل. كما ورد المسيح ﵇ فى القرآن الكريم باعتباره من المقرَّبين فى سورة آل عمران آية ٤٥ وهى كلمة يمكن شرحها فى ضوء حقيقة صعوده أو رفعه إلى السماء. كما أطلق عليه وصف وجيه فى السورة ذاتها (آل عمران - آية ٤٥) وقد شرح البيضاوى معنى وجاهته فى الدنيا بأنه نبى، ومعنى وجاهته فى الآخرة باعتباره شفيعًا، ومبارك فى سورة مريم، آية ٣١ وشرح البيضاوى الكلمة فقال إنه جالب للبركة. وقول الحق فى سورة مريم، آية ٣٤، وعبد اللَّه.
البشارة والحمل والميلاد:
يحتوى القرآن الكريم على عناصر بعينها تعكس ما ورد فى الأناجيل على نحوٍ أو آخر، بل إن بعض المؤلفين مثل ب. هايك P. Hayek يذهب إلى أبعد من هذا فيقرِّر أنه إذا استثنينا العقيدة المسيحية القائلة بأن مريم هى أم الرَّب وهى الفكرة التى يرفضها المسلمون، فإن كل العقائد المسيحية الأخرى التى تقرها الكنيسة تجد ما يؤيدها فى القرآن الكريم، كفكرة الحمل الطاهر لمريم العذراء، ودخوله المعبد والبشارة بالمسيح والرفع للسماء وعيد الميلاد.
فالأناجيل تشير إلى انسحاب مريم داخل المعبد حيث زارها روح اللَّه، والمعنى نفسه فى القرآن الكريم فى الآيتين ١٦ و ١٧ فى سورة مريم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ وتشير المأثورات إلى أن المقصود هنا بروح اللَّه المرسل هو جبريل ﵇ الذى بشرها بالميلاد الإعجازى للمسيح ﵇ ووجه الإعجاز أن مريم كانت عذراء وهبت عُذريتها للَّه كما ورد فى الآية ٩١ فى سورة الأنبياء ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا
стр. 7423
وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ والآية ١٢ من سورة التحريم ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ وقد أخبرها جبريل (روح اللَّه) أنها ستلد رغم عذريتها لأن اللَّه يريد أن يجعل وليدها (آية) ورحمة منه، ومن ثم كان أمر اللَّه مقضيا ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ - سورة مريم، آية ٢٢.
ويبدو أن القرآن الكريم لا يفْصل بين البشارة والحمل، فوفقا لما ورد فى إنجيل لوقا (الإصحاح الأول - الآيات من ٢٦ إلى ٣٨) يتضح أن هناك فصلًا واضحًا بين ملاك الرب الذى بشرها والروح القدس الذى تمَّ الحمل عن طريقه، ويبدو أن القرآن (الكريم) يوحّد بين الفكرتين: فكرة البشارة وفكرة الحمل.
رسالة المسيح:
المسيح عيسى ابن مريم نبى ورسول، وهو ككل الأنبياء والرسل حُمِّل رسالة عليه أن يبلّغها للناس، فما من أُمَّة إلَّا خَلَا فيها رسول. [. . . .] (*) جعل اللَّه مريَم وابنها آية، وهيّأ لهما ملجأ آمنًا ذكر المفسّرون أنه فى القدس أو دمشق، كما ظهرت آيات (معجزات) على يد السيد المسيح نفسه فقد تكلم فى المهد صبيا وجعل من الطين كهيئة الطير فنفخ فيه فصار طيرًا حقيقيا بإذن اللَّه، وقد ورد ذكر ذلك أيضًا فى الأناجيل الأبوكريفية (غير الرسمية) مثل إنجيل توما Thomas وإنجيل طفولة المسيح باللغة العربية والكتاب الأرمنى عن طفولة المسيح. وتعطى الأحمدية تفسيرًا رمزيا لهذه المعجزة، فهى ترمز -من وجهة نظرهم- لخلاص الأرواح، وأبرأ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن اللَّه وأنزل مائدة من السماء بناء على طلب الحواريين (أو الرسل فى المصطلح المسيحى) لتكون لهم عيدًا وآية على صدقه، وما ذكره القرآن الكريم بهذا الصدد يذكرنا بما ورد فى الأناجيل عن العشاء الأخير أو برؤيا بطرس فى أعمال الرسل (الفصل العاشر، بدءًا من الفقرة ٩)، وفى الوقت نفسه يمكن أن يكون ما ورد فى القرآن الكريم عن
стр. 7424
المائدة التى نزلت من السماء مرتبطًا بمعجزة الخبز والسمكتين كما وردت فى إنجيل متى، الإصحاح الرابع عشر، الآية ١٧ وما بعدها. والإصحاح الخامس عشر، الآية ٣٢ وما بعدها.
يسوع المسيح:
لا بد أن نعرف بعض المصطلحات التى تم إطلاقها على المسيح ﵇ والتى تحمل قيمة كبيرة فى المسيحية، ونعنى بذلك مصطلحى المسيح وعبد اللَّه. وبالنسبة للمصطلح الأول (المسيح) فإنه لم يطلق على عيسى ابن مريم إلَّا بعد فترة طويلة من الإعداد النفسى تمهد للمسيح المنتظر، وهذا الأمر غير مذكور فى القرآن الكريم الذى أطلق عليه اسم المسيح منذ ولادته، ويسوع المسيح فى القرآن الكريم مجرد نبى فى سلسلة الأنبياء التى تنتهى بمحمد ﷺ ، وهو ككل الأنبياء رجل عادى، فالقرآن الكريم يدحض بشدة أى اعتقاد فى يسوع المسيح كابن للَّه، ففى سورة التوبة، آية ٣٠ وآية ٣١ نجد ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
والكلمة (المسيح) ذات أصل يهودى انتقلت للعربية عن طريق السريانية ويبدو أنها كانت معروفة قبل الإسلام فى شمال شبه الجزيرة العربية وجنوبها. فالكلمة العبرية مَشْيَح Mashiah كانت تطلق على الملوك والشيوخ وعلى المخلِّص المنتظر على نحو خاص. وقد ترجمتها اللجنة السبعونية إلى اليونانية بالكلمة كريستوس Christos، ويرى الزمخشرى والبيضاوى أنها كلمة أجنبية دخلت العربية، ويذكر الفيروزآبادى صاحب لسان العرب خمسين معنى للكلمة، أما فى القرآن الكريم فالكلمة لم تستخدم إلا للدلالة على المسيح عيسى ابن مريم.
ويرجع المؤلفون العرب كلمة المسيح إلى جذرين لغويين أولهما فى الفعل (مَ
стр. 7425
سَ ح) ومن ثم كان عيسى مسيحًا لأنه "مُسح" بالبركة والرحمة أو لأن جناح جبريل ﵇ قد حماه عند ولادته من عضّة الشيطان أو لأنه كان قد دهِن بالأدم كسائر الناس أو لأنه كان يمسح عين الأعمى فيرتد بصيرًا أو لأنه كان يمسح بالزيت المقدّس (المبارك) أما الجذر الثانى الذى يمكن أن تكون الكلمة قد اشتقت منه فهو (سَ احَ) فالمسيح بالنسبة للمسلمين الصوفية إمام السائحين.
المسيحُ عبدُ اللَّه:
الكلمة عبد تعنى أنه مخلوق والإنسان ليس عبدًا للَّه فحسب بل إنه ملكه، وهذا واضح فى العهد القديم فى كلمة عبد وفى العهد القديم ٣٢/ ١، ٣٢/ ١٣، وفى الأغنية الرابعة لعبد يهوا وفى العهد الجديد، وفى القرآن (الكريم) نجد أنه حتى الملائكة يعتبرون عبيدًا للَّه، ويجب ألَّا نغفل عن أن القرآن (الكريم) لا ينظر للمسيح إلا على أنه مجرد مخلوق ويدحض كل اعتقاد فى ألوهية عيسى. إنه إنسان.
المسيح ﵇ ومحمد ﷺ :
يقول المفسرون المسلمون معتمدين على ما ورد فى الآية السادسة من سورة الصف ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
إن المسيح ﵇ قد بشَّر برسول يأتى من بعده اسمه أحمد، وهذا الاسم الأخير يشير إلى محمد لأن الاسمين (أحمد ومحمد) من جذر لغوى واحد (ح م د) وفى إنجيل يوحنا يعلن السيد المسيح عن إرسال بَرَقْليط Paraclete وتكتب أحيانا البَارقليط (نص الآية فى الإنجيل المذكور: إن كُنتم تحبّوننى فاعملوا بوصاياى وسوفَ أطلب من الآب أن يعطيكم مُعينًا آخر يبقى معكم إلى الأبد وهو روحُ الحق الذى لا يقدر العالم أن يتقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه. . ." يوحنا ١٤/ ١٦).