المشكوك فى صحتها والتى كان هناك جدل حول إضافتها للتوراة (١)، وقد أدت هذه الإضافات إلى تقريب وجهات النظر بين المسيحية والإسلام حول طبيعة المسيح ورسالته.
أصل كلمة عيسى:
يرى بعض الكتاب الغربيين مثل مرَّاكى a Marracci ولانداور Landauer ونولدكه Noldeke أنَّ اليهود هم الذين زيّنوا لمحمد [ ﷺ ] إطلاق اسم عيسى على المسيح، وأنه فعل ذلك بحسن نيّة (٢).
والحقيقة أن اليهود -كراهية منهم للمسيح- قد أطلقوا عليه اسم إساو Esau على اعتبار أن روح إساو هذا قد حَلَّتْ به. وقد أيد لامنس Lammens هذا الرأى، بينما يرى آخرون مثل ديرنبورج Derenbourg وفرانكل Frankel وفولر Voller ونستله Nestle أن كلمة (يسوع) مشتقة من السريانية يشوع التى أخذت بدورها من الكلمة العبريَّة يشواع. وأخيرًا فإن بعض الباحثين يرون أنَّ اسم (عيسى) الوارد فى القرآن الكريم قد ورد ذكره فى النقوش السابقة على الإسلام، وهو المنْحى الذى رفضه بشدّة الباحث ريكمانس Ryckmans.
أسماء المسيح فى القرآن الكريم:
ورد ذكر المسيح ﵇ فى القرآن الكريم إحدى عشرة مرة، وأشير إليه بالنبى فى سورة مريم (آية ٣٠) وبالرسول فى سورة النساء (آية ١٥٧ و ١٧١) وسورة المائدة (آية ٧٥)، وبابن مريم ثلاثًا وثلاثين مرة منها ست عشرة مرة (عيسى ابن مريم) وسبع عشرة مرة بابن مريم فقط أو مشفوعًا بلقب آخر، بينما لم يظهر اسم ابن مريم فى الأناجيل إلَّا مرة واحدة ويرى بعض الباحثين المسيحيين أن هذا الاسم (ابن مريم) دخل عن طريق الكنيسة الأثيوبية بعد عودة المجموعة الثانية من المهاجرين؛ وقد ظهر هذا
стр. 7422
الاسم (ابن مريم) فى الإنجيل المكتوب بالعربية خمس مرات فى سياق طفولة المسيح، كما ورد خمس عشرة مرة فى النص السريانى للإنجيل. كما ورد المسيح ﵇ فى القرآن الكريم باعتباره من المقرَّبين فى سورة آل عمران آية ٤٥ وهى كلمة يمكن شرحها فى ضوء حقيقة صعوده أو رفعه إلى السماء. كما أطلق عليه وصف وجيه فى السورة ذاتها (آل عمران - آية ٤٥) وقد شرح البيضاوى معنى وجاهته فى الدنيا بأنه نبى، ومعنى وجاهته فى الآخرة باعتباره شفيعًا، ومبارك فى سورة مريم، آية ٣١ وشرح البيضاوى الكلمة فقال إنه جالب للبركة. وقول الحق فى سورة مريم، آية ٣٤، وعبد اللَّه.
البشارة والحمل والميلاد:
يحتوى القرآن الكريم على عناصر بعينها تعكس ما ورد فى الأناجيل على نحوٍ أو آخر، بل إن بعض المؤلفين مثل ب. هايك P. Hayek يذهب إلى أبعد من هذا فيقرِّر أنه إذا استثنينا العقيدة المسيحية القائلة بأن مريم هى أم الرَّب وهى الفكرة التى يرفضها المسلمون، فإن كل العقائد المسيحية الأخرى التى تقرها الكنيسة تجد ما يؤيدها فى القرآن الكريم، كفكرة الحمل الطاهر لمريم العذراء، ودخوله المعبد والبشارة بالمسيح والرفع للسماء وعيد الميلاد.
فالأناجيل تشير إلى انسحاب مريم داخل المعبد حيث زارها روح اللَّه، والمعنى نفسه فى القرآن الكريم فى الآيتين ١٦ و ١٧ فى سورة مريم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ وتشير المأثورات إلى أن المقصود هنا بروح اللَّه المرسل هو جبريل ﵇ الذى بشرها بالميلاد الإعجازى للمسيح ﵇ ووجه الإعجاز أن مريم كانت عذراء وهبت عُذريتها للَّه كما ورد فى الآية ٩١ فى سورة الأنبياء ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا
стр. 7423
وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ والآية ١٢ من سورة التحريم ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ وقد أخبرها جبريل (روح اللَّه) أنها ستلد رغم عذريتها لأن اللَّه يريد أن يجعل وليدها (آية) ورحمة منه، ومن ثم كان أمر اللَّه مقضيا ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ - سورة مريم، آية ٢٢.
ويبدو أن القرآن الكريم لا يفْصل بين البشارة والحمل، فوفقا لما ورد فى إنجيل لوقا (الإصحاح الأول - الآيات من ٢٦ إلى ٣٨) يتضح أن هناك فصلًا واضحًا بين ملاك الرب الذى بشرها والروح القدس الذى تمَّ الحمل عن طريقه، ويبدو أن القرآن (الكريم) يوحّد بين الفكرتين: فكرة البشارة وفكرة الحمل.
رسالة المسيح:
المسيح عيسى ابن مريم نبى ورسول، وهو ككل الأنبياء والرسل حُمِّل رسالة عليه أن يبلّغها للناس، فما من أُمَّة إلَّا خَلَا فيها رسول. [. . . .] (*) جعل اللَّه مريَم وابنها آية، وهيّأ لهما ملجأ آمنًا ذكر المفسّرون أنه فى القدس أو دمشق، كما ظهرت آيات (معجزات) على يد السيد المسيح نفسه فقد تكلم فى المهد صبيا وجعل من الطين كهيئة الطير فنفخ فيه فصار طيرًا حقيقيا بإذن اللَّه، وقد ورد ذكر ذلك أيضًا فى الأناجيل الأبوكريفية (غير الرسمية) مثل إنجيل توما Thomas وإنجيل طفولة المسيح باللغة العربية والكتاب الأرمنى عن طفولة المسيح. وتعطى الأحمدية تفسيرًا رمزيا لهذه المعجزة، فهى ترمز -من وجهة نظرهم- لخلاص الأرواح، وأبرأ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن اللَّه وأنزل مائدة من السماء بناء على طلب الحواريين (أو الرسل فى المصطلح المسيحى) لتكون لهم عيدًا وآية على صدقه، وما ذكره القرآن الكريم بهذا الصدد يذكرنا بما ورد فى الأناجيل عن العشاء الأخير أو برؤيا بطرس فى أعمال الرسل (الفصل العاشر، بدءًا من الفقرة ٩)، وفى الوقت نفسه يمكن أن يكون ما ورد فى القرآن الكريم عن
стр. 7424
المائدة التى نزلت من السماء مرتبطًا بمعجزة الخبز والسمكتين كما وردت فى إنجيل متى، الإصحاح الرابع عشر، الآية ١٧ وما بعدها. والإصحاح الخامس عشر، الآية ٣٢ وما بعدها.
يسوع المسيح:
لا بد أن نعرف بعض المصطلحات التى تم إطلاقها على المسيح ﵇ والتى تحمل قيمة كبيرة فى المسيحية، ونعنى بذلك مصطلحى المسيح وعبد اللَّه. وبالنسبة للمصطلح الأول (المسيح) فإنه لم يطلق على عيسى ابن مريم إلَّا بعد فترة طويلة من الإعداد النفسى تمهد للمسيح المنتظر، وهذا الأمر غير مذكور فى القرآن الكريم الذى أطلق عليه اسم المسيح منذ ولادته، ويسوع المسيح فى القرآن الكريم مجرد نبى فى سلسلة الأنبياء التى تنتهى بمحمد ﷺ ، وهو ككل الأنبياء رجل عادى، فالقرآن الكريم يدحض بشدة أى اعتقاد فى يسوع المسيح كابن للَّه، ففى سورة التوبة، آية ٣٠ وآية ٣١ نجد ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
والكلمة (المسيح) ذات أصل يهودى انتقلت للعربية عن طريق السريانية ويبدو أنها كانت معروفة قبل الإسلام فى شمال شبه الجزيرة العربية وجنوبها. فالكلمة العبرية مَشْيَح Mashiah كانت تطلق على الملوك والشيوخ وعلى المخلِّص المنتظر على نحو خاص. وقد ترجمتها اللجنة السبعونية إلى اليونانية بالكلمة كريستوس Christos، ويرى الزمخشرى والبيضاوى أنها كلمة أجنبية دخلت العربية، ويذكر الفيروزآبادى صاحب لسان العرب خمسين معنى للكلمة، أما فى القرآن الكريم فالكلمة لم تستخدم إلا للدلالة على المسيح عيسى ابن مريم.
ويرجع المؤلفون العرب كلمة المسيح إلى جذرين لغويين أولهما فى الفعل (مَ
стр. 7425
سَ ح) ومن ثم كان عيسى مسيحًا لأنه "مُسح" بالبركة والرحمة أو لأن جناح جبريل ﵇ قد حماه عند ولادته من عضّة الشيطان أو لأنه كان قد دهِن بالأدم كسائر الناس أو لأنه كان يمسح عين الأعمى فيرتد بصيرًا أو لأنه كان يمسح بالزيت المقدّس (المبارك) أما الجذر الثانى الذى يمكن أن تكون الكلمة قد اشتقت منه فهو (سَ احَ) فالمسيح بالنسبة للمسلمين الصوفية إمام السائحين.
المسيحُ عبدُ اللَّه:
الكلمة عبد تعنى أنه مخلوق والإنسان ليس عبدًا للَّه فحسب بل إنه ملكه، وهذا واضح فى العهد القديم فى كلمة عبد وفى العهد القديم ٣٢/ ١، ٣٢/ ١٣، وفى الأغنية الرابعة لعبد يهوا وفى العهد الجديد، وفى القرآن (الكريم) نجد أنه حتى الملائكة يعتبرون عبيدًا للَّه، ويجب ألَّا نغفل عن أن القرآن (الكريم) لا ينظر للمسيح إلا على أنه مجرد مخلوق ويدحض كل اعتقاد فى ألوهية عيسى. إنه إنسان.
المسيح ﵇ ومحمد ﷺ :
يقول المفسرون المسلمون معتمدين على ما ورد فى الآية السادسة من سورة الصف ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
إن المسيح ﵇ قد بشَّر برسول يأتى من بعده اسمه أحمد، وهذا الاسم الأخير يشير إلى محمد لأن الاسمين (أحمد ومحمد) من جذر لغوى واحد (ح م د) وفى إنجيل يوحنا يعلن السيد المسيح عن إرسال بَرَقْليط Paraclete وتكتب أحيانا البَارقليط (نص الآية فى الإنجيل المذكور: إن كُنتم تحبّوننى فاعملوا بوصاياى وسوفَ أطلب من الآب أن يعطيكم مُعينًا آخر يبقى معكم إلى الأبد وهو روحُ الحق الذى لا يقدر العالم أن يتقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه. . ." يوحنا ١٤/ ١٦).
стр. 7426
وقد نقلت الأناجيل الأولى هذا المصطلح (بارقليط) دون ترجمة لذا فقد كتبت Parakletos فَارقليط Faraklit.
المسيح وكلمة اللَّه:
هناك أربعة تأويلات أخذ بها المسلمون فيما يتعلق بكلمة اللَّه للمسيح أولها أن المسيح تلقى كلمة اللَّه لحظة ولادته ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ مريم، آية ٢٩، وآية ٣٠. وثانيها أن المسيح النبى مثل كلمة اللَّه وبشّر به من سبقه من الرسل، وثالثها أن المسيح كلمة اللَّه لأنه نطق بكلمات اللَّه التى أوحاها إليه، ورابعها أن المسيح كلمة اللَّه لأنه -فى ذاته- بشارات بالخير.
المسيح وروح اللَّه:
أشار القرآن (الكريم) إلى أن المسيح ﵇ كان مؤيّدًا، من الروح القُدُس بمجرد ولادته ثم خلال وأثناء نشأته بين اليهود.
المسيح وعقيدة التثليث:
رغم أن القرآن الكريم أشار للمسيح على أنه من "المقرَّبين" فمعنى هذا أنه يشارك الملائكة فى هذا القرب إلا أن ذلك لا يمنع أن يكون الملائكة والمسيح، كلهم من مخلوقات اللَّه، فوحدانية اللَّه مقررة فى القرآن الكريم: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ آل عمران آية ٥٢ إلى ٥٥. وربما كانت هذه الآيات ردًا على نصارى نجران. فالقرآن يرفض عقيدة التثليث تمامًا.
المسيح ومسألة الصَّلْب:
عند مناقشة مسألة صلب المسيح يظهر سؤالان:
стр. 7427
- أصُلب المسيح حقًا ومات على الصليب؟ .
- وإذا لم يكن الأمر كذلك فهل مات ميتة طبيعية؟
وبالنسبة للسؤال الأول فإن القرآن الكريم يقرر أنه لم يُصلب وأن الذين رأوا ذلك (شبّه لهم) لأن اللَّه قد رفعه إليه وفسّر البعض (شبّه لهم) باعتبار أن اللَّه ألقى شبهه على غيره فظنوه هو المسيح ولم يكن الأمر كما ظنوا، وبعض الفلاسفة والاسماعيلية يفسرون (شبه لهم) تفسيرًا آخر إذ يقولون إن اليهود كانوا يقصدون القضاء على المسيح تمامًا ولكنهم تمكنوا فقط من جسده (ناسوته) ولم يستطيعوا أبدًا أن يقضوا على (لاهوته) الذى ظل حيًا، لكن هذا التفسير لم يَلْق قبولًا عامًا، ويمكن القول إن مسألة الصلب تلقى إنكارًا عامًا من المسلمين.
أما فيما يتعلق بالسؤال الثانى المتعلق بموت المسيح ورفعه فإن التأمّل فى الآية ٣٣ من سورة مريم ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ والآية ٤٧ من سورة آل عمران ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ. . .﴾ والآية ٤٢ فى سورة الزمر ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ بالإضافة إلى الآيات ١٥٥ - ١٥٨ من سورة النساء والتى تعد مفتاحًا لفهم الآيات الأخرى فى السور الأخرى ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ فهذه الآيات تبين المعتقد الإسلامى فيما يتعلق بمسألة الصَّلب، فالبعث المشار إليه فى
стр. 7428
آية سورة مريم الآنف ذكرها يعنى البعث العام بعد نهاية العالم إلّا أن للمسيح ﵇ بعثًا خاصًا ذلك أنه لم يمت على الصليب. وثمة روايات متأخرة تقرر أن المسيح عندما يعود فى آخر الزمان سيموت موتًا طبيعيًا، ومن ثم يُبعث. وكلمة توفى عادة ما تكون مقترنة بالموت، لكنها استخدمت فى مواضع قرآنية أخرى ذكرناها آنفًا بمعنى استدعاء اللَّه لأرواح النائمين وإعادتها إليهم عند استيقاظهم، وقد استخدم القرآن (الكريم) ألفاظًا تحتمل أن يكون المسيح قد رفع إلى السماء وهو حى.
عودة المسيح:
تعتبر الآية رقم ٦١ فى سورة الزخرف ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ هى الدليل القرآنى الوحيد على عودة المسيح، فالمعنى المقبول من غالبية المسلمين هى أن المسيح ﵇ هو المقصود فى النص (وإنه لَعلْم للساعة) بمعنى أن نزوله دليل على اقتَراب الساعة، وثمة قراءة أخرى (وإنه لَعَلَمٌ) بفتح العين واللام أى هو دليل أو علامة على الساعة، وثمة قراءة ثالثة وهى قراءة أُبَى "وإنه لذكْرٌ" بمعنى أنه يذكّر بالساعة (ويحذر الناس وينبّههم) وثمة فهم رابع مؤداه أن الضمير فى (وإنه) يعود للقرآن الكريم.
وثمة مرويات كثيرة عن عودة المسيح إذ يقال إنه سيذهب إلى الرواق الشرقى فى دمشق وهناك من يقول بل سيذهب إلى جبل اسمه عفيق فى الديار المقدسة، وسيكون فى يده رمح يطعن به المسيخ الدجال ثم يذهب للقدس وقت صلاة الفجر وسيجد الإمام يؤم المصلين، وسيحاول الإمام أن يتنحى عن الإمامة للسيد المسيح، إلا إنه سيرفض وسيصلى خلف الإمام اقتداء بسنة الرسول محمد [ ﷺ ] ثم إنه سيقتل كل الخنازير وسيكسر الصليب. . وبعد ذلك لن يكون هناك إلا مجتمع واحد هو مجتمع الإسلام. وسيقيم المسيح ﵇ العدل وسيعم السلام بين البشر بل وبين الحيوانات، وسيحكم المسيح أربعين عامًا ثم يموت حيث سيدفن فى المدينة
стр. 7429
(المنورة) إلى جوار محمد فى قبر شاغر بين قبرى أبى بكر وعمر.
وأحيانًا تختلط عقيدة عودة المسيح بفكرة المهدى المنتظر. وأخيرًا فإن الأحمدية يعتقدون أن المسيح بعد موته الظاهر على الصليب بعث من جديد وهاجر إلى الهند وإلى كشمير ليبشّر بالإنجيل هناك، وأنه عاش هناك حتى بلغ مائة وعشرين عامًا، ودفن فى سَرينَاجَار Srinagar, ويعتقدون أن المهدَى تجسيد لثلاثة: المسيح ﵇ ومحمد ﷺ وكريشنا Krishna.
المسيح ويوم الحساب:
عندما عُرِج بمحمد ﷺ إلى السماء التقى بإبراهيم وموسى والمسيح ولما سأل عن السَّاعة أخبره المسيح ﵇ أنه هو نفسه -أى المسيح- سيكون دلالة عليها. لكن المسيح ﵇ رغم كوْنه (عِلْم للسَّاعَة) لا يعرف وقت قيامها بالضبط إذ لا يعرف وقتها إلا اللَّه.
المسيح والمتصوَّفة:
لقد كانت الموضوعات المتعلقة بالمسيح والتى تناولناها فيما سبق مجالًا لتأمل النسّاك والمتصوّفة فنسجوا حول شخصية المسيح كثيرًا من المرويات والتأملات التى تناولت فقره واعتزاله العالم وتعاليمه ومعجزاته، ومن كتب الصوفية التى تناولت ذلك حلية الأولياء لابن نُعَيمْ، وروض الرَّياحين لليافعى وقوت القلوب للمكى وكتاب النوادر للتّرمذى، كما تناولها بتفصيل أكثر الغزالى فى كتابه إحياء علوم الدين وكتابيه المكاشفَات، والدرّة الفاخرة. بل لقد تناول هذه الأمور المتعلقة بالمسيح مؤلفون لا تشكل الأمور الدينية محور كتاباتهم مثل الدّميرى فى كتابه حياة الحيوان، وابن عبد ربّه فى كتابه العِقْد الفريد ومنذ خمسين عاما قام أسين بالاكيوز Asin Palacios بجمع كل النصوص المتعلقة بالمسيح فى كتابات الغزالى وترجمها ونشرها تحت عنوان: Logia et agrapha Domini jesu فى Patrologia oriontalis مجلد ١٣ (١٩١٩ م) ومجلد ١٩ (١٩٢٦ م) وقام الأب ميشيل هايك
стр. 7430
Hayek بجمع النصوص المتعلقة بالمسيح وترجمها وبوبها بشكل كامل ونشرها بعنوان le Christ del'islam فى باريس سنة ١٩٥٩ م، والنص العربى لهذا الكتاب نشر فى بيروت سنة ١٩٦١ م بعنوان (المسيح فى الإسلام) وعندما اتصل الصوفية -أخيرًا- بالأناجيل استقوا منها ما يؤكد أفكارهم المتعلقة بالتنسّك والزهد، بل لقد ذهب ابن عربى (المتوفى ٦٣٨ هـ/ ١٢٤٠ م) إلى أبعد من ذلك فذكر أن المسيح هو الذى يستحق بأن يوصف بأنه خاتم القداسة العامة لخلاص معتقده (أمانته) وأنه سيعود بالتأكيد ليحكم العالم بشريعة محمد ﷺ .
الجدل الإسلامى المسيحى حول المسيح:
أدت عقيدة التجسّد والفداء (تخليص البشرية من الخطيئة) التى يعتقدها المسيحيون إلى جدل حاد بين العلماء المسلمين واللاهوتيين المسيحيين. لكن كتابين صدرا فى القاهرة يظهر من خلالهما اتجاه جديد اقترب فيه المسلمون من قضية المسيح ﵇ والكتابان هما عبقرية المسيح لعباس محمود العقاد الذى صدر سنة ١٩٥٢ م وقرية ظالمة للدكتور كامل حسين وقد صدر سنة ١٩٥٤ م. أما كتاب العقاد الذى حقق انتشارًا كبيرًا فقد اقترب من المسيح بكل الاحترام وتناول المسيح كما ورد بالفعل فى الأناجيل وليس كما ورد فى القرآن (الكريم) فحسب، ودافع عن حقيقة الوجود التاريخى للمسيح كما دافع عن الأناجيل باعتبارها المصادر الوحيدة لمعلوماتنا عن المسيح لكن العقاد تعض لنقد من المسيحيين لطريقة تناوله لموت المسيح وفترة الآلام التى سبقته. أما الكتاب الثانى فهو تأملات أكثر من كونه سيرة للمسيح ولم يؤيد المؤلف صلب المسيح ولكنه أيضًا لم يرفضه وإنما ردد قول القرآن الكريم (بل رفعه اللَّه إليه) وهو قول يمكن أن يلقى تفسيرًا مقبولًا لدى المسيحيين.
المصادر:
لقد أشرنا لعدد كبير من الكتب فى ثنايا المقال، وفى مادة إنجيل يطالع القارئ فى قائمة المراجع كتابات Ahrens و Blachere (ترجمة القرآن) و Fritsch و Goldziher و Henninger و Horovitz
стр. 7431
و Jomier و Masson و Schleinschneider و Tor Andrae . . الخ أما هنا فسندرج الكتب المتعلقة بنظرة القرآن للعقيدة المسيحية فيما يتصل بالمسيح.
(١) C. F. Gerock: Versuch einer Darstellung der Christologie des Koran, Hamburg and Gotha ١٨٣٩
(٢) M. Manneval: La christologie du Coran, Toulouse ١٨٦٧ (a thesis based on the above book
(٣) G. Rosch: Die Jesusmythen des Islam, in Theologische Studien and Kritiken, ١٨٧٦, ٤٠٩ - ٥٤
(٤) E. Sayous: Jesus-Christ d'apres Mahomet, Paris-Leipzing ١٨٨٠
(٥) E. Blochet: Le Messianisme dans l'heterodoxie musulmane. Paris, ١٩٠٣
(٦) F. W. von Herbert: The Moslem tradition of Jesus' second visit on earth in Hibbert J. vii, (١٩٠٩), ٢٧ - ٤٨
(٧) C. H. A. Field: Christ in Mohammedan tradition, in MW, i, (١٩١١), ٦٨ - ٧٣
(٨) S. M. Zwemer: The Moslem Christ, An essay in the life, character and teachings of Jesus Christ according to the Koran and orthodox tradition, Edinburgh-London ١٩١٢
(٩) Muhammad Din: The Crucifixion in the Koran, MW, xiv (١٩٢٤) ٢٣ - ٩
(١٠) E. J. Jenkinson: Jesus in Moslem Tradition, ibid., xviii, (١٩٢٨), ٢٦٣ - ٩
(١١) E. J. Robson: Christ in Islam ١٩٢٩
(١٢) H. Gregoire: Mahomet et le monophysisme, in Melanges Charles Diehl, Paris ١٩٣٠, i, ١٠٧ - ١٩; L. Massignon
(١٣) Le Christ dans les Evangiles selon Ghazali, in REl, ١٩٣٢, ٥٢٣ - ٣٦
(١٤) Th. Monod: Le Christ des Musulmans, in Le Monde nonchretien, Cahiers de Foi et Vie no. ٥, December ١٩٣٣, ٧ - ٢٦
(١٥) E. F. F. Bishop: The Son of Mary, in MW, xxiv (١٩٣٤)(١٦) Ign. di Matteo: La divinitd diCristo e la dottrina della Trinita in Maometto e nei polemisti musulmani, Romepont, Ist. Bibl. ١٩٣٨
(١٧) Ghazali Refutation excellente de la divinite de Jesus-Christ d'apres les
стр. 7432
Evangiles, ed. and tr. by R. Chidiac, Paris ١٩٣٩
(١٨) J. Robson: Muhammadan teachings about Jesus, in MW, xxix (١٩٣٩), ٣٧ - ٥٤
(١٩) F. V. Winett: References to Jesus in Pre-islamic Arabic inscriptions in MW, xxxi (١٩٤١), ٣٤١ - ٥٣
(٢٠) J. Robson: Stories of Jesus, ibid, cl (١٩٥٠)(٢١) E. Littmann: Jesus in a preislamic inscription, ibid, xl (١٩٥٠)(٢٢) J. Abd El-Jalil: Marie et l'Islam, Paris (١٩٥٠)(٢٣) W. M. Watt: His name is Ahmad, in MW, xlii (١٩٥٣)(٢٤) F. L. Bakker: Jesus en de Islam The Hague (١٩٥٥)(٢٥) E. F. F. Bishop: The Qumran Scroll and the Qur'an, in MW, xlviii (١٩٥٨)(٢٦) G. Fares: Le Christ et l'Islam contemporain, in Mediterranee, carrefour dereligions, ٣١ - ٥٢ (Cahier no. ٢٨ of Recherches et debats du centre catholique des intellectuels francais, September ١٩٥٩)
(٢٧) K. Cragg: Introduction to histranslation of Kamil Husayn, City of Wrong
(٢٨) Djambatan-Amsterdam ١٩٥٩: M. Hayek, Le Christ de l'Islam, Paris ١٩٥٩ (٢ nd Arabic edition, Beirut ١٩٦١)
(٢٩) "Abd al-Tafahum: The Qur'an and the Holy Communion, in MW xlix (١٩٥٩)(٣٠) Ishaq al-Husayni: Christ in the Qur'an in modern arabic literature, Tokyo ١٩٦٠
(٣١) H. Michaud: Jesus selon le Coran, Cahiers Theologiques ٤٦, Neuchatel ١٩٦٠
(٣٢) M. Hayek L'origine des termes "Isa, al-Masih (Jesus-Christ) dans le Coran, in l'Orient chretien, vii (١٩٦٢), ٢٢٣ - ٥٤ and ٣٦٥ - ٨٢
(٣٣) Geoffrey Parrinder: Jesus in the Qur' an, London ١٩٦٥
(٣٤) Ali Merad le Christ selom le Coran, in R.O.M.M., v (١٩٦٨/ ١ - ٢), ٧٩ - ٩٣
د. عبد الرحمن الشيخ [قناواتى G. C. Anawati]
стр. 7433
عين
تشير الكلمة فى الأصل إلى عضو الإبصار، وفى علم دلالات الألفاظ تشير كلمة عيان إلى أثر الرؤية ومجالها فى الأشياء المرئية. وذكر الخوارزمى فى كتابه مفاتيح العلوم نقلا عن كتاب المقولات لأرسطو الذى ترجمه ابن المقفع أن لفظة عين تدل على شئ محسوس محدد مثل حصان بعينه أو رجل بعينه. وذكر ابن سينا فى كتابه "النجاة" نقلا عن كتاب المعانى لأرسطو أن كل الكلمات المنطوقة إنما هى رموز لما تضمره الروح من صور ومفاهيم تعد دلالات على الموجودات فى العالم الخارجى.
وقد قبل الفلاسفة المسلمون تصنيف الرواقيين لأنواع الموجودات إلى قسمين: أشياء فى العالم الخارجى قالوا إنها "فى العين"، وأخرى قالوا إنها "فى الذهن".
وتستخدم كلمة عيان مرادفة لكلمة شخص وهى تعبر عن كينونة الشئ المفرد المحسوس ويسمى فى النحو فعل عيان. وقد سمى الفلاسفة الصفة الكلية للشئ ماهية أو ذات والقصد جوهره.
ويرى الفلاسفة والصوفيون من معتنقى الأفلاطونية الحديثة أن الكليات توجد بصفة أزلية فى العقل الكلى وهذه الأفكار الأزلية دعاها المتصوفون بالعيان الثابتة وأطلق عليها آخرون الحقائق والمعانى بينما سماها بعض المعتزلة عيان أو حالات.
والعين فى العربية أيضًا هى المنبع أو المصدر، ويستخدمها المتصوفون فى الإشارة إلى جوهر الوجود الإلهى المطلق
المراجع
Bibliography: see ANNIYYA; for the mystical use of the term see R. A.Nicholson, Studies in Islamic Mysticism (s
أمل رواش [فان دن بيرج Van. Den. Bergh]
عين (بالمعنى الطبى)
العَيْنْ فى المصطلحات الطبية العربية لا تشير فقط إلى "المُقْلَة" أو "كُرة العين"، بل تشير أيضًا إلى كل أعضاء جهاز الرؤية أو "جميع آلات البَصَرْ" (*)
стр. 7434
لقد شكلت دراسة العين البشرية -بالنسبة للأطباء ولأولئك الذين تناولوا هذا الموضوع بالكتابة فى العالم الإسلامى- واحدا من أبرز فروع علومهم وهذا الفرع من المعرفة المناظر لمبحث Ophthalmology الغربى فى العصر الحالى قد عرف بأسماء عدة فى فترات تاريخية مختلفة؛ منها "الكُحْل" ذلك العقار ومستحضر التجميل ذو المكانة السامية فى الشرق، والذى استخدم استخداما واسعا كتعبير عن "علم وفن صيانة العيون"؛ ومنها "الكَحالة" المشتق من، "الكحل" والذى استُخْدمَ بنفس المعنى الواسع؛ ومنها "طب الأَعْيُن" أو "طب العيون" وهو تعبير ما زال ساريا؛ ومنها "الطب الرَمَدى" و"علم الرمد". ومصطلح الرمد الذى يشير أصلًا إلى مرض يصيب العين (التهاب المُلْتَحمة Conjuctivitis) صار الآن شاملا لكل أنواع أمراض العين.
ومن وجهة نظر تاريخ الطب نجد هذا الفرع يعكس تطور الطب العربى ككل، وهناك مرحلتان متميزتان فى هذا الصدد: مرحلة التَشَكُّل الأولى وفيها قام أرباب العلم فى الشرق -وجلهم من المسيحيين- بترجمة علم طب العيون واستخدامه على ما هو عليه؛ وثانيا مرحلة التطوير، وفيها قام آخرون بتنظيم تلك المادة والارتقاء بها وتعزيزها بإسهاماتهم الأصيلة. ومن الفئة الأولى يتعين علينا ذكر "يوحنا بن ماسويه" الجَنْديسابورى مؤلف كتاب "دَغَلْ العين"، و"حُنيْن بن إسحاق" الحيرى (٢٦٤ - ٢٦٧ هـ/ ٨٠٩ - ٨٧٧ م) الذى يُعْزَى إليه كتاب "العشر المقالات فى العين". ومن الفئة الثانية "علىّ بن عيسى" المسيحى البغدادى الذى عاش فى النصف الأول من القرن ٥ هـ/ ١١ م وهو مؤلف الكتاب الشهير "تَذْكرة الكَحّالين"، وكذلك معاصره العظيَم "عَمَار بن على" المسلم الموصلى الذى مارس الطب فى القاهرة، وهو مؤلف "كتاب المنتخب فى علاج أرماد العين". ويتعين اعتبار أعمال هؤلاء المؤلفين الأربعة بمثابة أحجار الزاوية فى صَرح طب العيون العربى.
ولتقديم فكرة عن أصالة الفكر العربى فى هذا المجال يكفينا أن نتذكر علاقات السبب والتأثير -التى كان على ابن عيسى أول من أدركها- بين التراكوما ("جَرَب العين" أو بمصطلحات اليوم: "الرمد الحبيبى" أو "التراكوما" أو "التراخوما") وحالات التهاب
стр. 7435
الملتحمة الحادة التى تسبقها، وكذلك العلاقة بين "السبيل Cornee Pannus" وحاله "انقلاب الشعر entropion trichiacic التى تعقبه، وكذلك فى عملية إزالة المياه البيضاء Cataract (الماء، أو الماء النازل فى العين) علينا أن نتذكر أن عملية شفط العدسة البللورية الرخوة؛ تلك العملية المدهشة التى أجراها الموصلى وأُخِذَ بها فى الغرب بعد ذلك بثمانية قرون وتواصل الأخذ بها إلى يومنا هذا. وهناك إسهامات أخرى فى هذا المجال يمكن التماسها فى الرسائل الطبية العامة مثل كتاب "القانون" لابن سينا الذى نجد فيه مثلا أول وصف "تشريحى" للعضلات المحركة للعين وللغدد الدمعية. كذلك الحال فى مصنفات المؤلفين من غير الأطباء مثل الرسالة الشهيرة فى البصريات "كتاب المناظر" للحسن بن الهيثم البصرى (المتوفى ٤٣١ هـ/ ١٠٣٩ م)؛ ففيها نجد هذا العالم العظيم يطرح نظريته العقلانية الخاصة بعملية الرؤية vision داحضا فكرة "رُوح البصر" التى ورثها العرب عن الإغريق. ولا يمكن أيضًا أن نتغاضى عن الكثير من الأعمال الأدنى شأنا فى طب العيون التى راحت تظهر بوتيرة عالية فى كل مكان من البلاد الإسلامية والتى كان بعضها فى صورة محاورات (انظر "كتاب المسائل فى العين" لحنين) أو حتى فى صورة نظم (انظر "منظومة فى الكُحل". VatBorg ٨٧/ ٣ والمؤلف مجهول) وأخيرا يتعين علينا ألا ننسى أنه كان هناك أطباء عيون ظفروا بشهرة عظيمة، ودون أن تكون لنا دراية بعد بأى من أعمالهم فى هذا المجال فإذا هو الحال مثلا مع "إسحاق الإسرائيلى" (القرن ٣ هـ/ ٩ م) الذى مارس الطب فى القاهرة قبل انتقاله إلى القيروان ليصبح واحدا من أكثر أساتذة العصور الوسطى ومؤلفيها فى الطب العام باعا فى العلم.
المراجع:
(١) Hirschberg: Geschichte der Augenheeilrunde bei den Arabern, Leipzig I ٩٠٨
(٢) M. Meyerhof: The Book of the Ten Treatises on the Eye oscribed to Hunain ibn Ishaq, Cairo ١٩٢٨, and the whole of his valuable series of studies and original memorandn
محمد غريب جودة [ت. سارنلى T. Sarnelli]
стр. 7436
غ
стр. 7437
غائب
تعنى فى القانون عادة الشخص الذى لا يكون حاضرا فى لحظة بعينها فى المكان الذى يجب أن يكون موجودا فيه. ويطبق المصطلح أيضًا فى بعض لحالات الخاصة (انظر ما يلى) على لشخص الموجود فى مكان بعيد عن المحكمة التى كان سيرفع دعواه أمامها، أو على ذلك الشخص الذى لا يحضر أمام المحكمة التى استدعى لها. ولو أضيف إلى هذه الفكرة الأولى فكرة الارتياب فى وجود شخص ما عندئذ لا يستخدم مصطلح "غائب" ولكن مصطلح "مفقود"، مع أن حالة المفقود قد تسمى "غيبة" أحيانا، ويضاف إليها نعت "منقطع" (والغياب لا يقطع بمعلومات عن وجود الشخص). وقد تنشئ هذه الحالة من الأمور نتائج قضائية كبيرة أو قليلة الأهمية طبقا للظروف. ولو امتد الغياب فترة زمنية يكون فيها أشخاص من الجيل نفسه موتى، حينئذ يعلن القاضى أن هذا الشخص ميت: تذهب ممتلكاته إلى ورثته، وتنحل عرى زيجته أو زيجاته. وحتى هذا الزمن، يستمر وكيل المفقود فى إدارة ممتلكاته، إذا كان قد عين له وكيلا، وفى حالة عدم تعيينه لوكيل يديرها -أى ممتلكاته- وصى يعينه القاضى، ويظل ميراثه معلقا، وزواجه أو زيجاته قائمة.
وتنشئ الغيبة بمعناها العادى والعام نتائج قضائية عديدة، وبخاصة ما يلى:
بالنسبة للزواج، فإن غياب الزوج
стр. 7438
الذى يتجاوز فترة زمنية معينة -أعنى: أربع سنوات، وأربعة أشهر وعشرة أيام، طبقا لرأى أغلبية الفقهاء، يجيز للزوجة أن تطلب الطلاق الشرعى، إذا لم تكن تحصل على نفقة بانتظام.
والغيبة سبب أيضا فى تعليق تقادم موعد رفع الدعوى وأية إجراءات قانونية أخرى. والشرط هنا بالنسبة للمدعى أن يرفع إليه دعواه مسيرة ثلاثة (سيرًا على الأقدام). ويجب أن يكون هذا الغياب مستمرًا (وفى هذه الحالة أيضًا يسمى غيبة منقطعة)، حتى أنه خلال الفترة التى يكون التقادم متوقفًا فيها، يستطيع المدعى أن يأتى مرة أخرى إلى حيث يرفع دعواه، ولا يكون لفترة غيابه أى أثر بعد.
وعدم حضور الخصم فى المحاكمة لا يجيز للقاضى أن يبت فى الدعوى بناء على تخلفه, وهو إجراء غير معترف به من حيث المبدأ، مع أنه يمكن استخدام وسائل عديدة لإجبار الخصم على الحضور، شريطة ألا يكون موجودًا فى مكان يبعد مسافة شاسعة. على أنه فى معظم المرحلة الحالية للشريعة الإسلامية, كما هى ممثلة فى مجموعة القوانين العثمانية للنصف الثانى من القرن التاسع عشر، يكون الحكم مع تخلف أحد أطراف المتداعين له حجيته.
وفى القانون العام، بالنسبة لبعض الدول (الدولة المملوكية على سبيل المثال)، فإنه حين يكون السلطان نفسه غائبًا عن حاضرة ملكه، غالبًا ما يعين ما يعرف باللاتينية " a locum tenens" (حاكم محلى) يسمى "نائب الغيبة". (معناه الحرفى، "البديل فى الغيبة").
وفى العبادة تعنى، صلاة الغائب، الصلاة التى تقام لميت لا يمكن إحضار جثته.
المصادر:
(١) مجلة (القانون المدنى العثمانى) المواد ١٦٦٣ وما بعدها، ١٨٨٣ وما بعدها.
(٢) E.Tyan Histoire de l'organisation judiciaire en pays d'Islam، باريس،
стр. 7439
جـ ٢، ص ١٧٧
(٣) الطبعة الثانية ليدن، ص ٣٦٩ وما بعدها؛ والمؤلف نفسه: La Procedure du "defaut" en droit musulman فى St. ١ sl، سنة ١٩٥٧, ص ١١٥ وما بعدها
(٤) Supplement، Dozy ص ٦٠
(٥) قانون الأسرة العثمانى لسنة ١٩١٧
(٦) كل كتب الفقه تحت رأس موضوع "مفقود".
حسن شكرى [إتيان E. Tyan]
غات
بمعنى قصر الصحراء بين الطوارق بلدة على الحدود بين فزان فى ليبيا والصحراء الجزائرية، وهى تدين بوجودها لكثرة المياه الجوفية وقربها من سطح الأرض ولموقعها على طريق الدرب عبر الصحراء، الذى يبدأ من "كانو" وغدامس، ويؤدى إلى جنوب تونس عن طريق غدامس وإلى طرابلس أما عن طريق غدامس أو فزان، متجنبا جبال تاسيبلى.
وقد كانت هذه المنطقة مأهولة فى الزمن القديم وثمة حفريات كثيرة تدل على ذلك، رغم أن عمرها لا يزيد على سبعمائة عام، وقد جاء ذكرها لأول مرة فى أعمال ابن بطوطة فى القرن الثامن الهجرى الرابع عشر الميلادى، وقد اعتمد رخاؤها على استمرار التجارة وتعاقبها عبر الصحراء والتى نستقى معلوماتها المؤكدة عن بعض رحالة القرن التاسع عشر وعلى الأخص محمد الأوتسمان الحشايشى M. al-otsman al Hachaicli وهو يقول إذا كانت غات هى باريس الطوارق أجر Ajjer فإن معظم تجار "غات" التى هى مارسيليا الصحراء هم من غدامس ومن طرابلس -وكان الطوراق يؤجرون جمالهم للتجار ولكن الجزء المهم من التجارة عبر الصحراء كان عن طريق خزان وقد اختفت هذه التجارة شيئًا فشيئا فى السنوات الأولى من "غات" القرن- وقد ظلت غات لسنوات طويلة مستقلة يحكمها أمغر amgher, وبلدية منتجة
стр. 7440
ولكن فى ظل حماية الطوارق وفى عام ١٨٧٥ م أقام أتراك طرابلس حامية هناك، ونصبوا "قائمقام" وظلوا سادتها حتى عام ١٩١٤ م، وقد احتلت لأول مرة من الإيطاليين الذين غزوا ليبيا، وذلك من إبريل حتى ديسمبر ١٩١٤, ومرة ثانية من فبراير ١٩٣٠ م حتى يناير ١٩٤٣، واستولى عليها حينئذ الجيش الفرنسى فى جنوب الجزائر فى الوقت الذى وصلت فيه حملة جنرال "ليكليرك" إلى فزان وانضمت إلى منطقة جانت Djanet قلعة شارمى، وقد تركت القوات الفرنسية غات بعد المعاهدة الفرنسية اللعينة فى العاشر من أغسطس ١٩٥٥ م، واتصلت غات مرة أخرى وارتبطت بفزان -وهى مركز لألف من البدو- وهناك بعض الآبار والينابيع تنتج زراعة أحدى وعشرين ألفا من أشجار النخيل وبعض أشجار الفاكهة وحبوب الشتاء (مثل القمح والشعير) وحبوب الصيف (مثل السرقوم "ذرة والدخن") - والبدو يربون الماعز وبعض الأغنام والجمال وحيدة السنام (الجمال العربية) أما طبقة الحرفيين فهى تنهار بشكل سريع -وتقتصر التجارة اليوم على المعاملات المتواضعة بين البدو والسكان المقيمين، واستيراد بعض السلع المصنوعة من فزان- ولكن إذا أسفرت بحوث البترول فى الشمال والشرق من "غات" عن شئ ذى قيمة، فإن هذا سوف يغير بسرعة الاقتصاد المتواضع لهذه البلدة-
المصادر:
(١) D. Denham, H. Clapperton and w. Oudrey: Narratives of travels and discoveries in northern and central Africa, London
(٢) J. Richardson: Travels in the great desert of sahara, London
(٣) H. Barth: Reisen and Entdeckungen in nord - und centeral Afrika, Gotha
بهجت عبد الفتاح [ج. دسبوا J. Despois]
الغاضرى
بطل مجموعة من المِلَحْ فى القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) على ما يحتمل عنوانها "كتاب الغاضرى
стр. 7441
(الفهرست، ص ٤٣٥). ويقال إنه كان طفلًا لقيطًا, وأصبح من ظرفاء المدينة، وأكبر منافسى "أشعب"، وربما يظن أن الحسن بن زيد؛ والى المدينة من سنة ١٥٠ - ١٥٠ هـ = ٧٦٧ - ٧٧٢ م، الذى يظهر اسمه فى إحدى ملح الغاضرى، كان شخصية تاريخية، ولكن لأن بنى غاضرة لهم شهرة كظرفاء، ربما يكون قوام المجموعة مجهولة المؤلف التى يشير إليها ابن النديم، حكايات منسوبة إلى أفراد كثيرين من هذه الجماعة، ووجدت كتراث شائع بينهم.
المصادر:
(١) الجاحظ: الحيوان, , جـ ٥, ص ٢٤١ - ٣؛ المؤلف نفسه، البخلاء، تحقيق الحاجرى، ص ١٩٢, ٣٦٥
(٢) ابن قتيبة: عيون الأخبار، جـ ٢، ص ٥٢
(٣) القالى: الأمالى؛ جـ ٢، ص ٢٤٢
(٤) الأغانى، جـ ٥، ص ١٣٢, جـ ١٧، ص ١٠١
(٥) الحصرى: زهر الآداب، ص ١٦٠ - ١؛ المؤلف نفسه، جمع، ص ٦٩، ١٥٢
(٦) الآبى: نثر الدرر، مخطوط دار الكتب، جـ ٢، ص ٢٠٨
(٧) الآمدى: مؤتلف، ص ١٦١
حسن شكرى [بلا Ch. Pellat]
الغافقى
محمد بن قَسُّوم بن أسلم عالم أسبانى عربى وطبيب عيون من القرن السادس الهجرى = الثانى عشر الميلادى. لا تذكر الحوليات التاريخية العربية أى شئ عن سيرته، ونحن لا نعلم شيئا عن حياته. ويفترض أنه ولد فى قرطبة، وأنه زاول الطب فى هذه المدينة زمنا طويلا. ويرى وستنفيلد أن أباه هو أبو جعفر أحمد بن محمد الغافقى الطبيب الشهير وعالم الأقرباذين، ومؤلف "كتاب الأدوية المفردة".
ولم يبق من أعمال محمد الغافقى سوى "كتاب المرشد فى الكحل" الذى توجد نسخة وحيدة منه فى مكتبة
стр. 7442
الأسكوريال (برقم ٨٣٥). ويعد هذا الكتاب خلاصة معرفة العرب كلها فى المشرق والمغرب الإسلامى عن علم الرمد فى عصر مؤلفه. وهو مقسم إلى ستة أقسام، يتناول القسم الخامس منها طب وسلامة العيون "جزئيًا" ويتناولهما القسم السادس "كليًا".
ومع أن "كتاب المرشد" يعد النص الرمدى العمدة فى المغرب الإسلامى، بيد أن البعض يرونه مجرد تصنيف مستفيض ليس به إسهامات أصيلة، وأن الجزء الذى يعنى طبيب العيون لا يشغل سوى مساحة محدودة بالمقارنة إلى المساحة المخصصة فيه للطب العام، وأنه يفتقر إلى الإحساس بالتناسب (Hitschberg). ولكن الحكم عليه من وجهة نظر معرفة العصر الحالى، يتبين أنه مضبوط فى خطة عمله وترتيب مادته، وأنه بنظرة حدس خاطفة لمفهوم علم أمراض العين الحديث، يمكن أن يكون مرتبطًا ومتبعًا لذلك الكائن العضوى الكامل من حيث النتيجة.
المصادر:
(١) L. Leclerc: Histoire de la medecine arabe، باريس سنة ١٨٧٦، جـ ٢.
(٢) F. Wuestenfeld: Geschichte der arabischen Aerzt und Naturforscher جوتنجن سنة ١٨٤٠
(٣) Hirschberg: Die arabischen Lehrbueher der Augenheil Kunde، برلين سنة ١٩٠٥
(٤) M. Meyerhof: L' Ophtalmologie de Mohammad al-Ghafiq'l, برشلونة سنة ١٩٢٣
(٥) P. Pansier: Breve Conspecto de La Oftalmologia arabe (ترجمة، وتحقيق، وتعليقات: J. M. Milltfs ValIicrosa, برشلونة سنة ١٩٥٦.
حسن شكرى [ت. سرنيلى T. Sarnelli]
غالب بن صعصعة
ابن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم وهو تميمى بارز فى قومه. . أشتهر بالكرم، كما أنه والد الفرزدق الشاعر المعروف -ويقترن اسم غالب بأسماء طلحة بن قيس بن عاصم وعُمَيْر بن السليل الشيبانى وهما من زعماء القبائل فى عهد معاوية وكان هو أكثرهم كرما.
стр. 7443
ويقال أنه قام بزيارة على بن أبى طالب وقدم إليه ابنه الفرزدق، فأوصاه على بأن يعلم ابنه القرآن -وقد جاء فى الأغانى إن هذه الزيارة تمت فى البصرة بعد موقعة الجمل، ويقول البغدادى فى كتابه خزانة الأدب أن غالبًا كان حينئذ شيخا عجوزا وكان الفرزدق فى بواكير شبابه.
وقد اكتسب غالب شهرته بكرمه، ويعتبره محمد بن حبيب واحدًا من أشهر من عرفوا فى الجاهلية بالكرم والسخاء. ولكن -كما يؤكد الجاحظ- كان واحدًا من أكرم الرجال فى العصر الإسلامى. ولا يقل كرما عن رجال الجاهلية رغم أن الرأى العام يفضل هؤلاء الآخرين. ويقال إنه كان كثير العطايا والهبات لا يسألهم شيئا حتى ولا من يكونون. وقصة خصومته زمن عثمان مع "سُحَيمٌ بن وثيل الرّياحى حول نحر الإبل ترد فى كثير من النصوص كما أن الفرزدق أشار إليهما مفاخرا فى شعره، ولكن جريرًا أشار إليه فى استهجان وازدراء. وثمة قصة وردت فى النقائض تقول إنه وزع فى الناس بمكة أربعين ألف درهم وقد اعتدى عليه ذكوان بن عامر الفقيمى فى نزاع شب بين أتباع الأخير وأحد خدم غالب الذى حاول مِنع الفقيميين من الشرب من بئر لغالب فى القبيبات، وينكر المشاجعى إنه مات نتيجة هذا التعدى، ويقول إنه مات فى مستهل حكم معاوية ودفن عند كاظمة.
وقد رثاه ولده الفرزدق فى شعر كثير له، وأصبح قبره ملجأ المحتاجين والمضطهدين الذين ينشدون المساعدة التى يجدونها عند الفرزدق، الذى كثيرا ما يسميه فى قصائده بذى القبر أو صاحب الجدث. راجع عنه المبرد للكامل ورسائل البلغاء لابن قتيبة والاشتقاق لابن دريد والأغانى وذيل الأمالى للقالى والأصابة لابن حجر والخزانة للبغدادى.
المصادر:
بالإضافة إلى المصادر الواردة فى المادة انظر:
(١) البلاذرى: انساب الأشراف، القدس ١٩٣٦ - ١٩٣٨.
стр. 7444
(٢) المرزبانى: المعجم، ص ٤٨٦.
(٣) ابن قتيبه: كتاب الشعر والشعراء، ليدن ١٩٠٠
بهجت عبد الفتاح [كستر M. J. Kister]
غامد
غامد قبيلة عربية فى غرب المملكة العربية السعودية، كما أن غامد اسم لإمارة (مديرية أو محافظة)، ويقال إن قبيلة غامد تنحدر من غامد بن عبد اللَّه من قحطان، الذى هاجر من اليمن واتجه شمالا حيث استقر فى منطقة تعرف الآن باسم بلاد غامد فى مرتفعات جنوب الحجاز عند خط عرض ٢٠ شمالا وخط طول ٤١.٤٥ شرقا تقريبًا، وقد انقسمت القبيلة إلى عدد كبير من البطون معظمها قد غدا متوطنا مستقرا، والقليل منها الذى لا زال على البداوة ويطلق عليهم اسم آل صيَّاح، وهم يتجولون على طول الحواف، الشمالية والشرقية للمنطقة المستقرة أو المتوطنة (المقصود منطقة بلاد غامد) ويمتلكون بساتين قليلة فى العقيق وعلى طول وادى رَنْيا.
ومنطقة غامد منطقة كثيفة السكان وتتميز بالخصوبة والازدهار، وتسمح كمية المطر الهاطلة بالزراعة بدون رى، ويزرع أهلها الفاكهة والقمح والشعير والبقول والتِّتِن (الطباق)، وغالبية منازل قراها مشيّدة بالحجارة الجرانيتية التى قطعت من محاجر محلّية. وقد شيد أهل البلاد ما لا يحصى من الأبراج الدفاعية والحصون من الجرانيت لأن خصوبة المنطقة والنزاعات القبلية الحادة وغارات البدو -الذين كانوا فى حالة صدام مع السكان المزارعين- استدعت وجود هذه المبانى ذات الطابع الدفاعى. وتعد هذه الأبراج من الخصائص المميزة لمنطقة بلاد غامد وإن كان كثير منها -الآن- مخربًّا بالفعل.
وقبل الحرب العالمية الأولى كان الغوامد موالين للأتراك أو لشريف مكة، وكان المركز الإدارى لبلاد غامد فى قرية الظفر (نسبة إلى آل الظفر وهم بطن من غامد) وبعد تكوين المملكة العربية السعودية أصبحت بلاد غامد
стр. 7445
وزهران الواقعة إلى الشمال منها وحدة إدارية واحدة. ويقع مقر الإمارة الآن على بعد حوالى خمسة عشر ميلا إلى الجنوب من الظفر فى بَلْجُرشى (أو بَلْجُراشى) وهو اسم يشير إلى أربع وعشرين قرية صغيرة متناثرة فى واد عريض (يرتفع ١٩٦٠ مترًا فوق سطحَ البحر) ويطلق على أربع من هذه القرى الصغيرة (وهى العواذا والصلمية والرقبة والغازى) اسم دار السوق لأنها متقاربة وتشكل مركزا إداريا وتسويقيا.
المصادر:
(١) فؤاد حمزة، قلب جزيرة العرب، مكة, ١٩٣٣.
(٢) عمر رضا كحالة، معجم قبائل العرب، دمشق, ١٩٤٩.
(٣) M. F.Von Oppenheim: Die Beduinen, ii, Leipzig, ١٩٤٣
(٤) Admiralty: A handbook of Arabia, London, ١٩١٦ - ٧
د. عبد الرحمن الشيخ [ف. س. فيدال Wiedall]
غانا
ربما يعود انتشار الإسلام للمرة الأولى فى المنطقة التى تعرف الآن باسم جمهورية غانا (مستعمرة ساحل الذهب البريطانية سابقا) إلى أواخر القرن الثامن للهجرة (الرابع عشر للميلاد) وذلك عندما مد الديولا Dyula المسلمون -خاصة جماعات السُّوننكى والمالكنى الماهرة فى التجارة- نشاطهم من منطقة مالى إلى المراكز المختلفة للإنتاج الاقتصادى الأولى (مركز انتاج الواد الأولية) وأنشأ الديولا المسلمون لأنفسهم مستوطنات صغيرة على طول طرق التجارة المؤدية من مناجم الذهب فى الشمال إلى الأسواق الأعظم شأنا على نهر النيجر والتى تمثل النهاية الجنوبية لطرق القوافل عبر الصحراء الكبرى.
وكانت بجو Begho عند الحدود الغربية لغانا بالقرب من نسوركور Nsorkor الحالية هى مركز الديولا الذى حاز أهمية منذ وقت باكر إذ اتجه إليها فيما بعد عدد كبير من جماعات المسلمين فى كل من ساحل العاج وغانا
стр. 7446
وذلك قبل انهيارها الذى يرجح أنه كان فى بواكير القرن الثامن عشر. لقد كانت "بجو" قبل انهيارها إحدى المراكز الرئيسية لنشاط المسلمين فى منطقة نهر الفولتا.
وكذلك كانت مدينة وا wa فى شمال غانا التى كانت مقرا أمير المؤمنين الدوالا منسا. الذى يقال إنه أمير المؤمنين الثانى والأربعون.
وأتى التأثير الإسلامى الثانى إلى غانا من الشمال الشرقى، فالتجار المسلمون من دول الحَوْصة (الهوسا) الذين كانوا نشطين فى تجارة الكولا قد مدوا نشاطهم إلى غانا منذ منتصف القرن التاسع للهجرة (الخامس عشر للميلاد) وفقا لما هو وارد فى حوليات كانو، وبازدياد هذه التجارة وتوسعها فى القرن الثامن عشر كون الحَوصْة مستقرات مهمة فى سالاجا Salaga ويندى Yendi وغيرهما.
ولم يبدأ الإسلام فى الانتشار خارج تجمعات الحَوْصة والديولا قبل أواخر القرن العاشر للهجرة (السادس عشر الميلادى)، ففى حوالى هذا التاريخ استطاع الشيخ إسماعيل حاكم بجو وابنه محمد الأبيض أن يحولوا الارستقراطية الحاكمة فى جنجا Gonja - وهم هن المالكنى - بمبارا malinke - Bambara إلى الإسلام، وكانوا (أى المالكنى - بمبارا) هم القوة الصاعدة فى شمال غانا. وللك هى الفترة التى شهدت قيام عمر الشيخ (توفى حوالى ٩٤٩ هـ/ ١٥٥٢ - ١٥٥٣ م) بنشر الطريقة القادرية فى غريب أفريقيا (السودان الغربى).
وبعد تحول الجونجا إلى الإسلام ظل الإسلام لا يحقق تقدما ملحوظا فى غانا طوال قرن ونصف إلا أنه فى السنوات الأولى من القرن الثامن عشر اعتنق حاكم الداجومبا Dagomba الإسلام وأصبح اسمه محمد زنجينا Zanjina، وفى التاريخ نفسه تقريبًا تحول أيضا للإسلام زعيم دولة مامبروسى Mamprusi أتابيا Atabia (توفى ١١٥٤ هـ/ ١٧٤١ - ١٧٤٢ م). لقد كان لكل من الدول الثلاث الرئيسية فى شمال غانا -إذن- حاكم مسلم فى
стр. 7447
بواكير القرن الثامن عشر، وهذه الدول هى: جنجا Gonja وداجومبا Dagomba ومامبروسى إلّا أن أحدا منهم لم يُطور دولته إلى إمامة على نسق إمامتى فوتاتورو Futa-Toro وفوتا جالون Futajalon فى القرن الثامن عشر.
وفى أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر توغلت مجتمعات المسلمين أكثر صَوْب الجنوب، ففى كوماسى Kumasi عاصمة امبراطورية الأشانتى Ashant كان للمسلمين وجود فى مجلس الملك، وكانوا يتولون القضاء وسيطروا على قطاعات مهمة من اقتصاد دولة الأشانتى بالاتفاق مع ملكها الذى كان واعيا لتنامى روح الثورة لدى طبقة التجار من الأشانتى.
وتركت حركة عثمان دان فوديو الإسلامية الاصلاحية فى مطلع القرن التاسع عشر والتى أدت إلى تكوين إمارات الفولاتى فى شمال نيجيريا -تركت بعض التأثير على مجتمعات المسلمين فى شمال شرق غانا مثلما حدث فى يندى Yendi عاصمة الداجومبا، لكنْ رُبما كان لتركيز حركة عثمان بن فودى على عدم التعاون مع الحكام الوثنيين أثر فى تعويق انتشار الإسلام فى التوغل أكثر فأكثر نحو الجنوب. وفى النصف الثانى من القرن نفسه هبت موجة من التحول للإسلام فى الشمال الغربى، ويبدو أنها كانت نتيجة جهاد الحاج محمد كارنتو M.Karantac (فيما عرف بجمهورية الفولتا بعد ذلك) والذى كانت كتائبه تضم عناصر من الداجارى ديولا Gegari - Dyula من وا Wa.
وفى أواخر القرن خضعت منطقة وا Wa والجونجا الغربية لفترة غير طويلة لامبراطورية الماندنكا Mandinka بزعامة سامورى تورى Tore، بينما كان الزاباريما Zabarima وقوات محلية من ألفا كازارى Alfa Kazare والباباتو Babatu والهاماريا Hamaria, يكوّنون نواة دولة إسلامية وسط بحر من الجرونشى Grunshi الوثنيين. وقد فشل التحالف بين قوات سامورى المسلمة والباباتو وقوات مختار بن الحاج محمد كارانتو، بل والتحالف مع قوات
стр. 7448
الأشانتى غير المسلمة فى مواجهة القوات البريطانية والفرنسية. ومع بداية هذا القرن الحالى قهرتهم القوات الاستعمارية: جماعةً إثر جماعة.
ولا توجد مدينة غانية الآن إلّا وفيها قطاع يسكنه المسلمون.
ولا يوجد إحصاء بعدد المسلمين فى غانا إلّا أنهم لا يقلون عن ١٠ % من السكان وربما أكثر، وغالبهم فى العاصمة أكرا التى قد تضم حوالى ٧٥.٠٠٠ مسلم من بين إجمالى عدد سكانها البالغ ٣٣٨.٠٠٠، وفى كوماسى يبلغ عددهم حوالى ٦٠.٠٠٠ من بين إجمالى عدد سكانها البالغ ٢٢١.٠٠٠، ويتباين تقدير نسبة عدد السكان فى شمال غانا تباينا شديدا، ما بين ١٥ % إلى ٥٠ %، وكثير من هذه التقديرات يعتمد على وجهة نظر الجماعات المسلمة.
وليست هناك دراسة مفصلة -حتى الآن- عن التنظيمات الإسلامية فى غانا. وللطريقتين القادرية والتجانية وجود قوى فى غانا إلى حوالى سنة ٩٦٠ هـ/ ١٥٥٠ م رغم أنها لم تنتشر على نطاق واسع إلّا فى بواكير القرن التاسع عشر، وكان ذلك -إلى حد كبير- بفضل دعاة من الحَوْصة (الهوسا)، وانتشرت التيجانية على نطاق واسع -وكان ذلك غالبا على حساب القادرية- فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر ولا يزال نجمها فى صعود. وربما يعود أصل الوِرْد التجّانى فى غانا فى جانب منه إلى الحاج عمر من سيجو Sego والذى وافته منيته سنة ١٨٦٤ لكن لحقته بالتأكيد إضافات من منطقة سنغامبيا (السنغال وغمبيا) ومن العائدين من الحج. ومنذ سنة ١٩٢١ أصبح للأحمدية نشاط ملحوظ خاصة فى سالتبند saltpond فى الجنوب وفى كوماس ووا Wa. وفى سنة ١٩٦٣ بلغ المنضمون إليها ما بين ثلاثين وأربعين ألفا، وفقا لما يقوله أتباعها. وللمسلمين فى غانا مجلس إسلامى وهو جناح من حزب ميثاق الشعوب الغانية الحاكم. وتم تأسيس جمعية المسلمين Muslim Association سنة ١٩٣٢ كمنظمة ثقافية وتعليمية، وفى سنة ١٩٥٦ أصبح حزب الجمعية الإسلامية معارضا لحزب ميثاق الشعوب الغانية لكن هذا الحزب (حزب الجمعية الإسلامية) وقد
стр. 7449
تم حله فى أواخر سنة ١٩٥٧.
ويعد كتاب غُنحا عملا تاريخيا مهما جمعه مؤلفون من الجونجا Gonga فى منتصف القرن الثامن عشر، ولدى معهد الدراسات الإفريقية التابع لجامعة غانا مجموعات متنامية من المخطوطات العربية الغانية بالإضافة لبعض المخطوطات بلغة الحوصة (الهوسا) والداجبين Dagbane المامبرول Mamprule والجوان Guan.
ويوجد فى شمال غانا حوالى ثلاثين مسجدا قديما منها مساجد جامعة (تعقد فيها صلاة الجمعة وكثير من المبانى فى شمال غريب غانا تحمل بوضوح ملامح الطراز الإسلامى السودانى.
المصادر:
(١) ابن حوقل: ترجمة de Slane فى JA ١٨٤٢، ص ٢٤٠.
(٢) الادريسى: ترجمته de goeje ص ٩
(٣) D. F. Mccall: The Traditions of the Foundings of Sijilnasa and ghana
وهى ترجمة لـ Hist. of Soc: of Ghana (١, ١٩) ١/V
(٤) J. Spencer Trimingham: A History of Islam in West Afrca, Oxford ١٩٦٢
د. عبد الرحمن الشيخ [كورنافين R. Cornevin]
غانة
مدينة من مدن السودان النيجيرى (السودان الغربى) فى العصور الوسطى، وقد تلاشت الآن من الوجود، وكان موقعها يماثل موقع مدينة كمبى صالح الحالية (١٥.٤٠ شمالا و ٨ غربا) إلى الشمال من باماكو بحوالى ٢٠٠ ميل/ ٣٣٠ كيلو متر وإلى غريب الشمال الغربى من نارا Nara بحوالى ٩٥ كم/ ٦٠ ميل، وإلى جنوب الجنوب الشرقى من تمبدرا Timbedra بحوالى ٧٠ كم / ٤٤ ميلا وتتبع كمبى صالح قسم عيون العتروس وهو أحد الأقسام الفرعية التابعة لتمبدرا فى جمهورية موريتانيا الإسلامية، وكانت غانة عاصمة لأول مملكة زنجية فى السودان النيجيرى
стр. 7450
(غرب أفريقيا). وكان الفزارى (قبل ١٨٤ هـ/ ٨٠٠ م) هو أول من تحدث عنها باعتبارها أرض الذهب، وذكرها -أيضًا اليعقوبى (٢٥٦ هـ/ ٨٧٠ م) كما ذكرها -على نحو خاص- ابن الفقيه الهمذانى الذى توفى حوالى ٢٩٠ هـ/ ٩٠٣ م والذى أورد عنها فى كتاب البلدان بعض التفاصيل الطريفة منها أن الذهب ينمو فى رمالها كما ينمو الجزر، وأن أهلها يعيشون على الذرة واللوبياء ويسمون الذرة بالدُّخن. أما أول من روى لنا عنها رواية شاهد عيان فهو ابن حوقل الذى كتب سنة ٣٦٦ هـ/ ٩٧٧ م كتاب "المسالك والممالك" وقال إن ملكها هو أغنى ملوك الأرض، وقد ذكر السَّعدى (المتوفى حوالى ١٠٦٥ هـ/ ١٦٥٥ م) أربعة وأربعين أميرا من عناصر بيضاء لا يعلم أصلها حكموا غانة منهم ٢٢ قبل الهجرة و ٢٢ بعدها، لكن ديلافوس Delafosse ذكر اعتمادا على المرويات التقليدية أن عددهم بالفعل هو أربعة وأربعون أميرا بعضهم قبل الهجرة، وأن السعدى أخطأ فترجم الكلمة التى تعنى (عدد) بكلمة (نصف)، ولا نعرف شيئًا عن هذه الفترة سوى أن السُّوننكى -وهم عناصر زنجية- قد عاشوا مع هؤلاء الأمراء البيض وإن كان مونى R.Mauny يشكك فى أمر هؤلاء الأمراء البيض فى هذه الفترة، وهو الأمر الذى كان الإدريسى ٥٤٩ هـ/ ١١٥٤ م أول من أثبته، ففى حوالى ١٧٤ هـ/ ٧٩٠ م طرد الملك الزنجى كايا ماغان سِسى Kaya Maghan Cisse أول ملك زنجى لغانة العناصر البيضاء فتراجعت إلى تاجانت Tagant وجورجول Gorgol وفوتا Futa. والواقع أننا لا نعرف فى غالب الأمر عن هذه المملكة شيئًا حتى الغزو البربرى الأول لها فى القرن الثالث للهجرة التاسع للميلاد، الذى أورد ابن أبى زرع فى كتابه "روض القرطاس"، وأورده كذلك ابن خلدون، وقد أدى الغزو البربرى إلى الحاق مملكة أوداغست Audaghost بمملكة غانة، وفى سنة ٣٨٠ هـ/ ٩٩٠ م عين ملك غانة حاكما زنجيا لأوداغست ليؤكد أن الرسوم على قوافلها يدفعها البربر التابعون له.
стр. 7451
وظلت غانة طوال نصف قرن هى اقوى مالك السودان الغربى، وقد أورد لنا البكرى (٤٦٠ هـ/ ١٠٦٧ - ١٠٦٨ م) معلومات طيبة عن هذه المملكة فذكر أن العاصمة تتكون من قسمين (مدينتين) أحدهما يسكنه المسلمون حيث القضاة والفقهاء، وكان به اثنا عشر مسجدا بها الأئمة والمؤذنون والمرتلون، وتعقد صلاة الجمعة فى المسجد الجامع بانتظام. أما القسم الثانى فعلى بعد ستة أميال وبه مقر الملك الذى يتكون من قلعة وعدد من الأكواخ وقد أحيط كل ذلك بسور، وغير بعيد عن مقر الملك مسجد يؤدى فيه المسلمون الذين يزورون الأمير صلواتهم، والمنازل هنا مشيدة بالحجارة وأخشاب أشجار الصمغ، ويطلق على القسم الذى به مقر الملك هذا اسم "غابة" نظرا لقربه من غاية شاسعة بها أكواخ السحرة ورعاة الأرباب المحليين، وبها أيضًا مقابر الملوك والسجون، ومع أن الناس هنا. وثنيون مثل حاكمهم إلّا أنهم فى الحقيقة -يعاملون المسلمين باحترام كبير، فالمترجمون منهم ومعظم وزراء الملك والقائم على خزينة البلاد منهم أيضا, وللمسلمين -وفقا لما يقوله البكرى- مزايا خاصة فى اللباس، ولا يسجد المسلمون للملك وإنما يكتفون بتحيته بالتصفيق له.
ولعبت غانة دورا تجاريا فى الغاية من الأهمية إذ كانت القوافل المغربية تصلها حاملة البضائع لا سيما الملح ونوع من الأخشاب يستخدم فى معالجة جلود القرب لتجعل المياه صالحة للشرب فترة طويلة، وكانت تأتيها القوافل أيضا من الصحراء الكبرى محملة بالملح، على أن الذهب كان هو السلعة الرئيسية وكان يجلب من مناجم ونجارا Wangara (إلى الأعلى من حوض السنغال وفالم Faleme) وكان يتم تبادله عن طريق المقايضة الصامتة. أما عن قوة جيش غانة فيقدرها البكرى كالتالى ٢٠٠.٠٠٠ مقاتل منهم ٤٠.٠٠٠ رام بالسهام، وهذا تقدير مبالغ فيه.
وقد استولى المرابطون على أوداجست فى عهد يحيى بن عمر المرابطى (٤٤٦ هـ/ ١٠٥٤ م)،
стр. 7452
واستولى أبو بكر بن عمر على غانة سنة ١٠٧٦ م فأجبر أهلها على التحول للإسلام، لكن غانة استعادت استقلالها بعد موته (٤٨٠ هـ/ ١٠٨٧ م) وفى ١٢٠٣ م استولى سوما نجوروكانتى Sumanguru Kante حاكم سُوسو على غانة وأقام بها حامية عسكرية وثنية فهاجر المسلحون إلى والاتا Walata التى حلت محل غانة كمركز لتجارة القوافل والتعليم الإسلامى، كما هاجروا أيضا إلى دينى Dienne، وفى سنة ١٢٤٠ م استولى سونجاتا كيتا Soundjata Keita على غانة التى كانت مخرّبة تماما.
لقد كانت عظمة تاريخ غانة كمملكة زنجية هى التى حديث بالدكتور نكروما زعيم ساحل الذهب إلى أن يطلق اسم غانا على منطقة ساحل الذهب بعد الحصول على الاستقلال سنة ١٩٥٧، لكن غانا الدولة القائمة فى غرب أفريقيا ليست هى بالضبط غانة ذات التاريخ الإسلامى العميق التى أشرنا لها فى هذا المقال.
المصادر:
(١) ابن حوقل، ترجمة de Slane، فى Journal Asiatique ١٨٤٢, ٢٤٠
(٢) البكرى ترجمة de Slane ص ٣٨١.
(٣) ابن خلدون، عن البربر، ترجمة de Slane جـ ٢، ص ١١٠.
(٤) ياقوت، جـ ٣، ص ٣٧٠ (تحرير فشتنفلد)
(٥) E. Fegnan: Afriqu septentrionale de Xile siecle de notre Era (Kit. al - Istibsar) PP. ١٩٥ - ١٩٩ - ٢٠٤
(٦) H. Barth: Reisen, Vol IV P. ٦٠٠
(٧) Cooley: Negroland of the Arabs, London, ١٨٤١. Chapter ١
(٨) M . . Delafosse: Haut senegal et Niger, first series, Tome II I'Historie (Paris, ١٩١٢) chap.II
(٩) M. Hartmann,: Zur Geschichte des westichen Sudanin, Berlin, ١٩١٢
د. عبد الرحمن الشيخ [ج. يفر G. Yver]
غانية، بنو
عائلة تنتمى لبربر صنهاجة الذين حاولوا استعادة حكم المرابطين فى شمال أفريقيا زمن الموحدّين.
стр. 7453
وغانية كانت أميرة مرابطية زوّجها سلطان الدولة المرابطية يوسف بن تاشفين لعلى بن يوسف الذى أنجب منها ولدين هما يحيى ومحمد، وقد حارب يحيى ضد "الفونسو" المعروف بالساقى ملك أرغونة وانتصر عليه، وكان يحكم مرسية وبلنسيته، ونجح فى الحفاظ على قرطبة ضد حملات الفونسو التى دامت ثلاثة عشر عاما، إلا أنه اضطر للاستسلام بعد أن أعاد الملك المسيحى الكرة.
كان الموحدون فى هذه اللحظة بالذات قد أرسوا على شواطئ أسبانيا (٥٤١/ ١٤٦ م). وكان يحيى بن غانية واحدًا من آخر المدافعين عن أملاك المرابطين، ومات فى غرناطة سنة ٥٤٣ هـ/ ١١٤٨ م، على بن يوسف قد نادى فى سنة ٥٢٠ هـ (١١٢٦ م) بمحمد أخى يحيى بن غانية واليًا على جزر البليار، فلما سقطت دولة المرابطين جاء الكثيرون من أفرادها للانضمام إليه فأعلن نفسه حاكما مستقلا وكان ذلك بداية عهد أسرة جديدة.
وقد انتقلت السلطة إلى يدي اسحق بن محمد (٥٦٠ هـ) فى أعقاب ثورة قام بها رجال القصر، وقد أثرت المملكة المرابطية الصغيرة بالقرصنة على حساب المسيحيين وامتلأت الجزر باللاجئين إليها والسجناء، ثم مات اسحق سنه ٥٧٩ هـ حملة من حملات القرصنة فخلعه أكبر أبنائه واسمه محمد ولكنه اضطر للخضوع لتهديدات أبى يعقوب الموحدى الذى أرغمه على الاعتراف بسلطانه عليه، ولما ثار أهل ميورقة أن ثورتهم إلى تقوية ساعد على أخى محمد، وقد اضطر على تحت إلحاح المرابطين الفارين المحيطين به للخروج لقتال الموحدين فى المغرب ونجح فيما خرج من أجله. وقد كسب على بن غانية مساعدة كثيرين من العرب الرجل من بنى هلال من رياح وأثبج وحذام، ثم زحف فاحتل الجزائر ومُزَاية كما احتل فى طريق عودته قلعة بنى حماد وحاصر قسطنطينة ولما علم خليفة الموحدين يعقوب المنصور بنجاح المرابطين بادر فأرسل كتيبة استردت المدن المسلوبة وطردت يحيى بن غانية وحينذاك اضطر على لرفع الحصار عن قسطنطينة وفرّ إلى الصحراء ومضى إلى جبال أوراس وبلغ بلاد الجريد
стр. 7454
جنوب تونس التى صارت مركز عملياته الحربية، ونجح بمساعدة عرب تلك الناحية فى الاستيلاء على قفصة ونادى بنفسه حاكما وأعلن خضوعه للخليفة العباسى الذى وعده بتجديد المساعدة له، ثم مضى بعدئذ إلى طرابس حيث قابل الأرمنى قراقوش مولى ابن أخى السلطان صلاح الدين الأيوبى.
كان الاستيلاء على الهدية وتونس هدف الحملة، ولما علم على بن غانية بوصول الخليفة المنصور على رأس جيش من الموحدين ارتدّ إلى "الجريد" فتبعه ستة آلاف من الموحّدين على ظهور خيولهم فهزمهم هزيمة ساحقة فى سهل العُمْرة (٥٨٢ هـ)، وجرت مناوشات بين الجانبين وانتهى الأمر بهروب ابن أبى غانية وقراقوش إلى الصحراء، ثم مات على بن أبى غانية سنة ٥٨٤ هـ فانتقلت مقاليد السلطة إلى أخيه يحيى الذى ظل ما يقرب من خمسين عاما وهو يكيل الضربات لقوة الموحدين، وحدث تصدع فى الصفوف، وقد ساعد عرب سليم يحيى بن غانية فاستطاع الاستيلاء على المهدية من يد رجل اسمه ابن عبد الكريم الرجراجى، وأطل الخوارج برؤسهم ولكن ذلك لم يزعجه. على أن يحيى بن غانية دارت عليه الدائرة وهرب إلى "ودَّان"، واضطربت الأمور بين المتحاربين اضطرابًا تشابكت فيه الأحداث بصورة لا تدع للإنسان مجالًا.
وعلى وجه العموم فقد فشلت محاولة إعادة المرابطين فشلا ذريعًا. على أن العواقب الوخيمة لتلك الأحداث يمكن أن نستنبط منها ما يلى:
(١) أن اتارة مطامع العرب فى الحصول على الغنائم والنهب وحملات بنى غانية أطالت من الغزو الذى بدأه الهلاليون وتابعهم فيه بنو سليم.
(٢) أن بنى غانية مَدّوا النفوذ العربى إلى المغرب الأوسط الذى اختفى منه المراكز التى ترجع إلى المدن ولم يبق هناك سوى تلمسان التى أخذت تلعب دورها كعاصمة لمملكة جديدة.
стр. 7455
(٣) إذا كانت محاولة المرابطين قد انتهت بالفشل فلا أقل من أنها عجلت بسقوط دولة الموحدين.
(٤) تطورت الأحوال لصالح تلمسان فى إفريقية حيث قام حكم ثابت الأراكان.
المصادر:
(١) ابن خلدون: المقدمة ترجمة de Slane، باريس ١٨٦٣ - ١٨٦٨، وطبعة ١٩٣٤ - ١٩٣٨.
(٢) ابن الأثير: الكامل، ليدن ١٨٥١ - ١٨٧٦.
(٣) ابن دينار: المؤنس فى أخبار أفريقيا وتونس، تونس ١٣٥٠ - ١٩٣١.
أمل رواش [ج. ماركيز G. Marcais]
غديرخم
اسم يطلق على عين ماء تقع فى منطقة تسمى بهذا الاسم بين مكة والمدينة على بعد ثلاثة أميال من الجحفة وتأتى مياهه لتصب فى وادى خم ولم يعد لاسم خم وجود الآن. ولما كانت الناحية تروى من مياه الأمطار فقد كثرت بها الأحراش والنباتات الشوكية التى تنمو بغزارة حول الغدير وحول المسجد الذى شيد هناك وتتميز المنطقة بمناخ شديد الحرارة وغير صحى وكان سكانها من قبائل خزاعة وكنانة ولكنهم نزحوا عنها فيما بعد.
وغديرخم مشهور فى التاريخ الإسلامى بسبب عبارة أو بضع عبارات نطق بها الرسول [ ﷺ ] وذلك أنه عند عودته من حجة الوداع فى ١٨ ذى الحجة سنة ١٠ هـ (١٦ مارس ٦٣٢ م) توقف عند غدير قم حيث خطب فى الحجيج آخذا بعيرَ علىّ وتساءل أليس هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم ومدح عليًا قائلا اللهم والى من والاه وعادى من عاداه، من كنت مولاه فعلى مولاه وبذلك أوصى به. ولم نذكر هذه الواقعة بعض كتب السيرة النبوية التى تحدثنا بدقائق حياة الرسول [ ﷺ ] كالطبرى وابن سعد، وحتى إذا ذكر فإنه لا يذكر فيها حديث الرسول عن على حتى لا
стр. 7456
يثيروا ثائرة أهل السنة الذين كانوا فى السلطة آنذاك. والذين قديون أن فيما قاله الرسول [ ﷺ ] إنما أراد أن يوحى إلى سامعيه أن يعدوا عليا فى المكانة الرفيعة التى هو أهل لها. وقد يكون من المؤكد وقوع هذا الأمر فقد أوجز الإشارة إليه اليعقوبى الذى كان هواه مع العلويين. وقد وردت الإشارة إلى هذا الحديث فى سنن ابن حنبل وفى العديد من المخطوطات.
مصادر:
(١) اليعقوبى: البلدان, BGA جـ ٧، ص ٣١٤.
(٢) ياقوت: معجم البلدان لينسك ١٨٦٣ - ١٨٧٣ جزء ٢, ص ٣٠٥ - ٤٧١.
أمل رواش [فاجليرى L. Veccia Vaglieri]
الغذاء
تشير الكلمة فى اللغة العربية إلى كل ما يؤكل ويساعد على النمو ويضمن الصحة والجسم السليم ويعتبر اللبن عند عرب الجزيرة العربية الغذاء الرئيسى وقد ذكر فى القرآن باعتباره "سائغًا للمشاربين" فى قوله تعالى ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ وأكثر ما يشربون منه لبن الجمال والماعز والأغنام، ويمكن مزجه بالماء، أما اللبن الرائب وهو ما يسمونه بالحازر فينصرفون عنه لا يَقربُونه. ومن منتجات الألبان "السمن" الذى عافه الرومان الذين كانوا مع ايلوس جالوس حين رأوا العرب يستعملونه بدلًا من الزيت، ومنه "الجبن"، ولم يكونوا يعقرون الجمال إلا عند الضرورة القصوى, وعلى العموم فقد كان من النادر أن يأكلوا اللحم، ومن هنا كان اللحم عظيم التقدير غالبا، وأغلب ما يأكلون منه لحم الضأن ولحوم الدواجن، وكان النبى ﷺ يؤثر الكتف (راجع صحيح البخارى وابن حنبل وابن سعد).
ويعرف عن أهل المدينة المنورة إيثارهم الدهن وخاصة لحم الإلية ودهن سنام الجمل.
стр. 7457
ويعد البلح من المأكولات الأساسية لدى العرب سواء ما كان منه جافا (التمر) أو طريا (الرطب) أو معجونا (العجوة) أو ما كان منه "بُسْرًا".
أما الخبز فلم يكن مبذولًا، حتى أن الرسول [ ﷺ ] لم يقدمه إلّا يوم زواجه بزينب، وكان "الرغيف من الخبز" يؤكل مع الإدام، وكان أهل الحضر المستقرون يتناولون بعض الخضروات والبقول التى كان النبى [ ﷺ ] يحب منها "الهندِباءِ" والقثاء، والقرع، أما الكرَّات فكان مكروها ولكنه لم يكن "محرما وكذلك الثوم والبصل. وكان العرب يأكلون الزيتون وقد وردت الإشارة إليه فى القرآن الكريم، وجمار النخل، ومن مأكولاتهم أيضًا الزبيب والتفاح وإن كانا نادرين، والجراد والقنفذ والزبيب.
ويأكل العرب اللحم مشويا ومطبوخا ومجففا (القديد)، وهم لا يعرفون الموقد ويستخدمون ما يسمى "بالتنور"، وهى كلمة آرامية الأصل واسمها العربى الأولى هو "الطابونة" التى ربما يقصد بها "الفجوة" توضع فيها النار لتمنع عنها الرياح.
ويعد الثريد (خبز مُفتت فى مرقه اللحم والخضر) والحَيْص (وهو خليط من التمر والزبد واللبن) أشهر أكلتين عند الرسول [ ﷺ ] وفى أثناء الخروج لحرب الفتوحات كان الجنود يتناولون "السويق" وهى وجبة من الشعير المجفف يضاف إليها الماء أو الدهن المستخلص من ذيول الخراف.
أما فى المآتم فيتناول العرب "الخزير" أو "الخزيرة" وهى عصيدة مصنوعة من الردّة واللحم المطهو فى الماء.
والعرب فى شمال غريب الجزيرة العربية لا يأكلون قلوب الطيور خشية أن يصبحوا على شاكلتها إذ من المعروف عن الطيور سمة الجبن.
أما النذر فهو نوع من التقشف المؤقت وذلك بالامتناع عن تناول السمن واللبن واللحم والخمر أو الكف تماما عن الأكل لفترة محددة.
ويحرم الإسلام الخمر إلا أن العادة جرت على تناول شراب العنب المخمر فى مكة فى الجاهلية فى نهاية موسم الحج. ويُعنى عرب شبة الجزيرة
стр. 7458
العربية بالصيد عناية كبيرة فيصطادون الغزال والنعام والوعول وأحيانا الحمر لأكل لحومها، كما يصطادون السمك من البرك الواقعة على أطراف الصحراء ويجففونها.
ومع ظهور الإسلام وتبين الحلال من الحرام فى الطعام نهى عن الإسراف فى تناول الطعام، كما لا يحب التقتير فيه، وقد ذكر لفظ "كلوا" فى القرآن ثلاثين مرة، وحرم أكل الدم والميتة ولحم الخنزير كما حرم على الحجاج أكل الطرائد، وظلت طرائق وأنواع الأكل فى أقطار الدولة العربية التى أصبحت بعد عام ٧٥ هـ (= ١٣٢) إمبراطورية إسلامية على ما هى عليه إلا أن ضم بلاد جديدة أدى إلى تبادل منتجات تختص بها أقطار دون الأخرى.
ويعد الأرز أهم المحاصيل التى تزرع فى العالم الإسلامى، وهو غذاء الفقراء حيث يصنع منه الخبز أحيانا، إلا أنه لم يحظ أبدا بأهمية القمح كما هو الحال فى الهند والشرق الأقصى.
أما قصب السكر فقد انتقل لإيران من الهند وعرفه المسلمون بعد الفتوحات الإسلامية حيث انتشر فى كل بلدان البحر المتوسط، إلا أن العسل أرخص ثمنا منه ويستبدله الفقراء بسكر العنب والخروب. وعرفت الحضارة الإسلامية أساليب خزن الأغذية وحفظها نَقْلًا عن حضارات الشرق القديم الكلاسيكية، فحفظوا الحبوب من العفن والتسوس بوضعها فى مخازن خاصة، كما يعد تجفيف الفاكهة وخاصة العنب أهم الوصفات وأرخصها ثمنا وأوسعها انتشارًا, كما يحفظونها فى آنية محكمة الغلق تدفن أحيانًا فى الأرض، كما يجففون الكمأة الصحراوية والفستق والبندق. وعند تجفيف اللحم (وهو ما يعرف بالقديد لابد أن يغطى بالدهن (واستخدموا الملح والخل إضافة إلى البهارات الأخرى لمنع انتشار العفن وهى طريقة التخليل.
أما إعداد وطهى الطعام فقد كان من مهام الزوجات اللائى يطحن القمح فى منازلهن ثم يُرسل العجين إلى ما يُدعى "بالفران" أما الفطائر فيصنعها حرفيون منهم الهرايسيون الذين يصنعون
стр. 7459
الهريسة، والكبابجى (الكباب)، والكبودى (الكبد). ويقول الزوار الأوربيون للقاهرة فى العصور الوسطى أنهم رأوا ما بين ١٠.٠٠٠ و ١٢.٠٠٠ بائع فى الشوارع وأن العرب المسلمين نادرا ما يطهون بالمنازل.
وجرت العادة على استقدام مشاهير الطهاة إلى دول عدة، فالخليفة الطاهر أحضر لبغداد طاهيا خراسانيا، كما عملت السيدات المصريات طاهيات فى بلدان عديدة ونائية، كما عرف عن بعض المناطق أنواع من الكعك فهناك مثلا الأخميمية والأسيوطية والحلوى المكية، بل إن الأطباق الشهيرة لكل دولة تكون مدعاة لإثارة الحماسة الوطنية فاشتهرت أطباق الطعمية والفول المدمس والملوخية فى كل أنحاء العالم، بل إن المهاجرين يقدمون أطباقهم الوطنية التقليدية فى أماكنهم الجديدة، بل ونجد طبيعة الطعام تتحكم فى رفض البدويات الزواج من قاطنى المدن لأنهم يكرهون طعامهن وخاصة الخضر.
كما عرفت المأكولات الإيرانية بل واشتهرت فى العصر العباسى وتأثر العرب بالذوق التركى فى ظل الحكم العثمانى وبالذوق الأوربى بعد الحملات الصليبية.
المصادر:
انظر المصادر الواردة فى المادة.
أمل رواش [رودنسون M. Rodinson]
غراب
الكلمات العربية المشتقة من مادّة "غ، ر، ب" من الكثرة بحيث لا يتسنى تتبع أصولها؛ ومن المحتمل أنها اشتقت من أصول مختلفة، وكلمة "غراب" تقترب كثيرا من الكلمة اللاتينية "كوْرَفس Corvus" إلى حد يدعونا للظن بأنها أكثر من مجرد مصادفة، ومن جهة أخرى ففقهاء العربية يعتبرون كلمة "غراب" كلمة مستقلة الأصل طالما قد اشتقت منها كلمات مثل "غُربة" و"اغتراب".
ويدعم تلك النظرية أن الغراب يعد فى "عرافة الطيور Ornithomancy" طائر الشؤم؛ فهو مرادف للفراق ووقوع الَبليّة، والشعراء يغالون أحيانا فى استخدام تعبير "غراب البَيْن" الذى يشير بالتحديد إلى "الزاغ الجيفى"
стр. 7460
ويستمد أصله -كتعبير- من حقيقة أن الغربان تنقاد بالغريزة إلى المخيمات التى يستعد شاغلوها للرحيل وتأخذ فى النعيق إعلانا عن أن "البَيْنْ" وشيك الحدوث. ومَرْأى الغرابُ منفّر فى حد ذاته، الأمر الذى حدا بالعرب القدماء إلى اعتباره، "طائر شؤم" وإلى عكوفهم على ملاحظة وتفسير كيفية طيرانه ونعيقه فى إطار ما عُرف بـ "الطَيرة".
وفى مجال الأدب قورنت رسالة فى "عرافة الطيور" تُعْزَى للجاحظ مع اثنين من النصوص الأشورية - البابلية، ووجد أن النص العربى لا يمكن أن يكون ناتجا عن استقصاء أُجرى بين ظهرانى البدو، مما يوحى بأنه محاولة متأخرة للتوفيق بين عناصر مختلفة الأصول، ومن الغريب مع ذلك أن الجاحظ كان أحد الكُتّاب القلائل الذين أعتبروا الإيمان بالتطير من نعيق الغراب وطيرانه مجرد خرافة (الحيوان جـ ٣).
وفى الدين الإسلامى استخدمت كلمة "غُراب" فى القرآن (المائدة: ٣١) للإشارة إلى الغراب الذى أرسله اللَّه ليبين لقابيل كيف يدفن جثة أخيه هابيل. ومع أن المناطقة يرون فى ذلك إبداء لحظوة ذلك الطائر عند اللَّه؛ فإنهم لا يفلحون فى إخفاء تحاملهم الشديد عليه من جراء قصة "غراب نوح"، الذى أرسله نوح ﵇ للاستطلاع لكنه عثر على جثة ولم يعد.
وقد عرف العرب العديد من سلالات الغربان؛ بما فيها من سلالة يمكن أن تتعلم الكلام، ولاحظوا علاقات الغربان العدائية مع الماشية والحمير والبوم. كما إن عادة الغربان فى الحط على ظهور الجمال لكى تدس مناقيرها فى الخراريج المتكومة عليها تضاعف من كراهية البدو لتلك الطيور التى لم يعرفوا عنها إلا القليل على أية حال طالما أن البعض منهم كانوا يؤكدون أنها تتكاثر عن طريقَ نقْر الإناث بمناقيرها!
والغراب من بين الحيوانات التى يجب قتلها, ولحمه محرم؛ ومع ذلك فقد اعتُقد فى امتلاكه لخصائص طبية معينة، فدمه المجفف عُدَّ دواء للبواسير. ومنقار الغراب حين يحمله امرؤ يحميه من الحسد، لكن الغراب فى الرؤيا نذير شؤم بالطبع.