Полный текст (10 087 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.
стр. 7456
يثيروا ثائرة أهل السنة الذين كانوا فى السلطة آنذاك. والذين قديون أن فيما قاله الرسول [ ﷺ ] إنما أراد أن يوحى إلى سامعيه أن يعدوا عليا فى المكانة الرفيعة التى هو أهل لها. وقد يكون من المؤكد وقوع هذا الأمر فقد أوجز الإشارة إليه اليعقوبى الذى كان هواه مع العلويين. وقد وردت الإشارة إلى هذا الحديث فى سنن ابن حنبل وفى العديد من المخطوطات.
مصادر:
(١) اليعقوبى: البلدان, BGA جـ ٧، ص ٣١٤.
(٢) ياقوت: معجم البلدان لينسك ١٨٦٣ - ١٨٧٣ جزء ٢, ص ٣٠٥ - ٤٧١.
أمل رواش [فاجليرى L. Veccia Vaglieri]
الغذاء
تشير الكلمة فى اللغة العربية إلى كل ما يؤكل ويساعد على النمو ويضمن الصحة والجسم السليم ويعتبر اللبن عند عرب الجزيرة العربية الغذاء الرئيسى وقد ذكر فى القرآن باعتباره "سائغًا للمشاربين" فى قوله تعالى ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ وأكثر ما يشربون منه لبن الجمال والماعز والأغنام، ويمكن مزجه بالماء، أما اللبن الرائب وهو ما يسمونه بالحازر فينصرفون عنه لا يَقربُونه. ومن منتجات الألبان "السمن" الذى عافه الرومان الذين كانوا مع ايلوس جالوس حين رأوا العرب يستعملونه بدلًا من الزيت، ومنه "الجبن"، ولم يكونوا يعقرون الجمال إلا عند الضرورة القصوى, وعلى العموم فقد كان من النادر أن يأكلوا اللحم، ومن هنا كان اللحم عظيم التقدير غالبا، وأغلب ما يأكلون منه لحم الضأن ولحوم الدواجن، وكان النبى ﷺ يؤثر الكتف (راجع صحيح البخارى وابن حنبل وابن سعد).
ويعرف عن أهل المدينة المنورة إيثارهم الدهن وخاصة لحم الإلية ودهن سنام الجمل.
стр. 7457
ويعد البلح من المأكولات الأساسية لدى العرب سواء ما كان منه جافا (التمر) أو طريا (الرطب) أو معجونا (العجوة) أو ما كان منه "بُسْرًا".
أما الخبز فلم يكن مبذولًا، حتى أن الرسول [ ﷺ ] لم يقدمه إلّا يوم زواجه بزينب، وكان "الرغيف من الخبز" يؤكل مع الإدام، وكان أهل الحضر المستقرون يتناولون بعض الخضروات والبقول التى كان النبى [ ﷺ ] يحب منها "الهندِباءِ" والقثاء، والقرع، أما الكرَّات فكان مكروها ولكنه لم يكن "محرما وكذلك الثوم والبصل. وكان العرب يأكلون الزيتون وقد وردت الإشارة إليه فى القرآن الكريم، وجمار النخل، ومن مأكولاتهم أيضًا الزبيب والتفاح وإن كانا نادرين، والجراد والقنفذ والزبيب.
ويأكل العرب اللحم مشويا ومطبوخا ومجففا (القديد)، وهم لا يعرفون الموقد ويستخدمون ما يسمى "بالتنور"، وهى كلمة آرامية الأصل واسمها العربى الأولى هو "الطابونة" التى ربما يقصد بها "الفجوة" توضع فيها النار لتمنع عنها الرياح.
ويعد الثريد (خبز مُفتت فى مرقه اللحم والخضر) والحَيْص (وهو خليط من التمر والزبد واللبن) أشهر أكلتين عند الرسول [ ﷺ ] وفى أثناء الخروج لحرب الفتوحات كان الجنود يتناولون "السويق" وهى وجبة من الشعير المجفف يضاف إليها الماء أو الدهن المستخلص من ذيول الخراف.
أما فى المآتم فيتناول العرب "الخزير" أو "الخزيرة" وهى عصيدة مصنوعة من الردّة واللحم المطهو فى الماء.
والعرب فى شمال غريب الجزيرة العربية لا يأكلون قلوب الطيور خشية أن يصبحوا على شاكلتها إذ من المعروف عن الطيور سمة الجبن.
أما النذر فهو نوع من التقشف المؤقت وذلك بالامتناع عن تناول السمن واللبن واللحم والخمر أو الكف تماما عن الأكل لفترة محددة.
ويحرم الإسلام الخمر إلا أن العادة جرت على تناول شراب العنب المخمر فى مكة فى الجاهلية فى نهاية موسم الحج. ويُعنى عرب شبة الجزيرة
стр. 7458
العربية بالصيد عناية كبيرة فيصطادون الغزال والنعام والوعول وأحيانا الحمر لأكل لحومها، كما يصطادون السمك من البرك الواقعة على أطراف الصحراء ويجففونها.
ومع ظهور الإسلام وتبين الحلال من الحرام فى الطعام نهى عن الإسراف فى تناول الطعام، كما لا يحب التقتير فيه، وقد ذكر لفظ "كلوا" فى القرآن ثلاثين مرة، وحرم أكل الدم والميتة ولحم الخنزير كما حرم على الحجاج أكل الطرائد، وظلت طرائق وأنواع الأكل فى أقطار الدولة العربية التى أصبحت بعد عام ٧٥ هـ (= ١٣٢) إمبراطورية إسلامية على ما هى عليه إلا أن ضم بلاد جديدة أدى إلى تبادل منتجات تختص بها أقطار دون الأخرى.
ويعد الأرز أهم المحاصيل التى تزرع فى العالم الإسلامى، وهو غذاء الفقراء حيث يصنع منه الخبز أحيانا، إلا أنه لم يحظ أبدا بأهمية القمح كما هو الحال فى الهند والشرق الأقصى.
أما قصب السكر فقد انتقل لإيران من الهند وعرفه المسلمون بعد الفتوحات الإسلامية حيث انتشر فى كل بلدان البحر المتوسط، إلا أن العسل أرخص ثمنا منه ويستبدله الفقراء بسكر العنب والخروب. وعرفت الحضارة الإسلامية أساليب خزن الأغذية وحفظها نَقْلًا عن حضارات الشرق القديم الكلاسيكية، فحفظوا الحبوب من العفن والتسوس بوضعها فى مخازن خاصة، كما يعد تجفيف الفاكهة وخاصة العنب أهم الوصفات وأرخصها ثمنا وأوسعها انتشارًا, كما يحفظونها فى آنية محكمة الغلق تدفن أحيانًا فى الأرض، كما يجففون الكمأة الصحراوية والفستق والبندق. وعند تجفيف اللحم (وهو ما يعرف بالقديد لابد أن يغطى بالدهن (واستخدموا الملح والخل إضافة إلى البهارات الأخرى لمنع انتشار العفن وهى طريقة التخليل.
أما إعداد وطهى الطعام فقد كان من مهام الزوجات اللائى يطحن القمح فى منازلهن ثم يُرسل العجين إلى ما يُدعى "بالفران" أما الفطائر فيصنعها حرفيون منهم الهرايسيون الذين يصنعون
стр. 7459
الهريسة، والكبابجى (الكباب)، والكبودى (الكبد). ويقول الزوار الأوربيون للقاهرة فى العصور الوسطى أنهم رأوا ما بين ١٠.٠٠٠ و ١٢.٠٠٠ بائع فى الشوارع وأن العرب المسلمين نادرا ما يطهون بالمنازل.
وجرت العادة على استقدام مشاهير الطهاة إلى دول عدة، فالخليفة الطاهر أحضر لبغداد طاهيا خراسانيا، كما عملت السيدات المصريات طاهيات فى بلدان عديدة ونائية، كما عرف عن بعض المناطق أنواع من الكعك فهناك مثلا الأخميمية والأسيوطية والحلوى المكية، بل إن الأطباق الشهيرة لكل دولة تكون مدعاة لإثارة الحماسة الوطنية فاشتهرت أطباق الطعمية والفول المدمس والملوخية فى كل أنحاء العالم، بل إن المهاجرين يقدمون أطباقهم الوطنية التقليدية فى أماكنهم الجديدة، بل ونجد طبيعة الطعام تتحكم فى رفض البدويات الزواج من قاطنى المدن لأنهم يكرهون طعامهن وخاصة الخضر.
كما عرفت المأكولات الإيرانية بل واشتهرت فى العصر العباسى وتأثر العرب بالذوق التركى فى ظل الحكم العثمانى وبالذوق الأوربى بعد الحملات الصليبية.
المصادر:
انظر المصادر الواردة فى المادة.
أمل رواش [رودنسون M. Rodinson]
غراب
الكلمات العربية المشتقة من مادّة "غ، ر، ب" من الكثرة بحيث لا يتسنى تتبع أصولها؛ ومن المحتمل أنها اشتقت من أصول مختلفة، وكلمة "غراب" تقترب كثيرا من الكلمة اللاتينية "كوْرَفس Corvus" إلى حد يدعونا للظن بأنها أكثر من مجرد مصادفة، ومن جهة أخرى ففقهاء العربية يعتبرون كلمة "غراب" كلمة مستقلة الأصل طالما قد اشتقت منها كلمات مثل "غُربة" و"اغتراب".
ويدعم تلك النظرية أن الغراب يعد فى "عرافة الطيور Ornithomancy" طائر الشؤم؛ فهو مرادف للفراق ووقوع الَبليّة، والشعراء يغالون أحيانا فى استخدام تعبير "غراب البَيْن" الذى يشير بالتحديد إلى "الزاغ الجيفى"
стр. 7460
ويستمد أصله -كتعبير- من حقيقة أن الغربان تنقاد بالغريزة إلى المخيمات التى يستعد شاغلوها للرحيل وتأخذ فى النعيق إعلانا عن أن "البَيْنْ" وشيك الحدوث. ومَرْأى الغرابُ منفّر فى حد ذاته، الأمر الذى حدا بالعرب القدماء إلى اعتباره، "طائر شؤم" وإلى عكوفهم على ملاحظة وتفسير كيفية طيرانه ونعيقه فى إطار ما عُرف بـ "الطَيرة".
وفى مجال الأدب قورنت رسالة فى "عرافة الطيور" تُعْزَى للجاحظ مع اثنين من النصوص الأشورية - البابلية، ووجد أن النص العربى لا يمكن أن يكون ناتجا عن استقصاء أُجرى بين ظهرانى البدو، مما يوحى بأنه محاولة متأخرة للتوفيق بين عناصر مختلفة الأصول، ومن الغريب مع ذلك أن الجاحظ كان أحد الكُتّاب القلائل الذين أعتبروا الإيمان بالتطير من نعيق الغراب وطيرانه مجرد خرافة (الحيوان جـ ٣).
وفى الدين الإسلامى استخدمت كلمة "غُراب" فى القرآن (المائدة: ٣١) للإشارة إلى الغراب الذى أرسله اللَّه ليبين لقابيل كيف يدفن جثة أخيه هابيل. ومع أن المناطقة يرون فى ذلك إبداء لحظوة ذلك الطائر عند اللَّه؛ فإنهم لا يفلحون فى إخفاء تحاملهم الشديد عليه من جراء قصة "غراب نوح"، الذى أرسله نوح ﵇ للاستطلاع لكنه عثر على جثة ولم يعد.
وقد عرف العرب العديد من سلالات الغربان؛ بما فيها من سلالة يمكن أن تتعلم الكلام، ولاحظوا علاقات الغربان العدائية مع الماشية والحمير والبوم. كما إن عادة الغربان فى الحط على ظهور الجمال لكى تدس مناقيرها فى الخراريج المتكومة عليها تضاعف من كراهية البدو لتلك الطيور التى لم يعرفوا عنها إلا القليل على أية حال طالما أن البعض منهم كانوا يؤكدون أنها تتكاثر عن طريقَ نقْر الإناث بمناقيرها!
والغراب من بين الحيوانات التى يجب قتلها, ولحمه محرم؛ ومع ذلك فقد اعتُقد فى امتلاكه لخصائص طبية معينة، فدمه المجفف عُدَّ دواء للبواسير. ومنقار الغراب حين يحمله امرؤ يحميه من الحسد، لكن الغراب فى الرؤيا نذير شؤم بالطبع.
стр. 7461
المصادر:
(١) الجاحظ: الحيوان جزء ٢، ص ٣١٣, جزء ٣، ص ٤٠٩ - ٤٦٤.
(٢) الدميرى: حياة الحيوان (مادة غراب).
(٣) القزوينى: عجائب المخلوقات (مادة غراب).
محمد غريب [بيلاة Ch. Pellat]
الغرابية
هى فرقة من غلاة الشيعة يعتقد أصحابها أن عليا ومحمدا [ ﷺ ] كانا متشابهين جدا فى الملامح الجسدية حتى ليختلط الأمر على من يراهما، وهما بذلك مثل الغراب بالنسبة لأخيه الغراب (وهو تعبير يضرب على سبيل المثال لإظهار التشابه الشديد) ومن ثم فإن جبريل ﵇ عندما كلفه اللَّه بأن يهبط بالوحى على علىّ، هبط به خطأ [والعياذ باللَّه] على محمد [ ﷺ ]. وهم يقولون إن عليا هو الذى اجتباه اللَّه (سبحانه تعالى) ليكون نبيًا وأن محمدا [ ﷺ ] أصبح كذلك بطريق الخطأ. ويقول ابن حزم أن البعض يعتقد أن جبريل أخطأ بحسن نية -ويقول آخرون إنه انحرف وأخطأ عن عمد وأمطروه باللعنات لأنه مرتد، ويقول البغدادى إن المتشيعين لهذه الطائفة يحيى كل منهم الآخر بأن يلعن جبريل (والعياذ باللَّه) وقد جاء فى بيان الأديان (لأبى المعالى) أن اسم الغرابية جاء من اعتقادهم بأن عليا كان فى الجنة على هيئة غراب، ويذكر ابن قتيبة (فى كتابه المعارف) أن هذه واحدة من الطوائف القليلة التى ينسب أصلها إلى شخص.
ويقال إن أتباع هذه الطائفة قاموا فى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) بثورة كبيرة فى "قم" معترضين على قرار للقاضى أبى سعيد الإصطخرى (المتوفى عام ٣٢٨ هـ/ ٩٤٠ م) بتقسيم الميراث مناصفة (بالتساوى) بين ابنة المتوفى وعمه. وطالبت الطائفة بأن يذهب الإرث كله إلى الابنة وأن يستبعد العم. . والسبب
стр. 7462
فى ذلك هو اعتقادهم بأن خلافة محمد [ ﷺ ] تكون شرعية فقط فى نسل ابنته فاطمة فحسب وليس فى نسل عمه عباس.
المصادر:
(١) ابن حزم: فصل، القاهرة جزء ٤، ص ١٨٣ - ١٨٤. (ترجمة انجليزية I. Friedlander تحت عنوان: The Heterodoxies of the Shiites according to ibn Hazm
(٢) البغدادى: الفَرق بين الفِرق، القاهرة، ص ٢٣٧ - ٢٣٨.
(٣) أبو المعالى: بيان الأديان، طبعة C. Schefer، جزء ٢، باريس ١٨٨٥، ص ١٥٨.
(٤) الخوارزمى: مفاتيح العلوم، القاهرة ١٣٤٢، ص ٢٢.
بهجت عبد الفتاح [جولدتسهير I. Goldziher]
غرناطة
١ - المدينة:
أسست غرناطة فى موضع مدينة رومانية صغيرة تعرف باسم اليبيرى Illiberis بُنيت فى الموضع الذى بُنى فيه فى القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) مقر بنى زيرى المعروف بالقصبة القديمة.
وعلى الرغم من أنه قد اكتشفت بضعة آثار ترجع إلى عصور الرومان والقوط والغربيين إلا أن تاريخ آثار غرناطة لا يمكن أن يكتب إلا بدءًا من العصر الإسلامى فصاعدا.
هذا ولم تكن غرناطة فى البداية مدينة هامة فى الإقليم [أى كورة ألبيرة] حيث كانت مدينة ألبيرة الواقعة على سفح جبل يحمل نفس الاسم [هو المعروف الآن بجبل سيرا البيرة] وهى حاضرة الكورة وقد اكتشفت بها بقايا آثار ترجع إلى عصر الخلافة [الأموية بالأندلس] وتمتاز بأنها ذات زخارف محفورة وملونة ومع ذلك فإن آثار غرناطة ستصبح منذ القرن ٤ هـ/
стр. 7463
١٠ م وماتلاه ذات أهمية كبيرة فقد بنيت وفق الأساليب السائدة فى أسبانيا [أى الأندلس] خلال عصر الخلافة، فالمئذنة المستخدمة الآن كقاعدة لبرج أجراس كنيسة سان خوسى تشبه كل مآذن ذلك العصر، كذلك لا يزال جزء من سور هذه المدينة باقيا بحالة جيدة فضلا عن قنطرة نهر شنيل ولذلك يمكن القول: بأن الفن الاسبانى المغربى الذى غرس فى قرطبة قد ازدهر فى غرناطة فى القرن الرابع الهجرى -[العاشر الميلادى] مما يثبت أنها قد اكتسبت وقتئذ أهمية وثراءً.
هذا ويرجع الفضل إلى بنى زيرى خلال عصر ملوك الطوائف أن أصبحت غرناطة مدينة زاهية، فقد قام الأميران حبوس (٤٠٩ - ٤٢٩ هـ/ ١٠١٩ - ١٠٣٨ م) وباديس (٤٢٩ - ٤٦٥ هـ/ ١٠٣٨ - ١٠٧٣ م) بتحصين عاصمتها [أى غرناطة] بسور منيع يحيط بها ما زال باقيا داخل المدينة فيما بين باب ألبيرة والباب الجديد، وهو سور عال من الحجارة القوية المتماسكة تتخلله أبراج كثيرة الأضلاع غير منتظمة الشكل أو أبراج نصف دائرية.
ويوجد فى هذا الجزء من السور بابان يعرف أحدهما بباب موناييتا [باب البنيدر قديما] والآخر بالباب الجديد أو عقد لاس بيساس [عقد الموازين وكان اسمه قديما باب قشتر أو باب سيدة]. وقد بنيت عقود هذين البابين بالحجر أو الآجر وتعلو هذه العقود أعتاب من الآجر وعقود عاتقة [لتخفيف الحمل] وتضم هذه الأبواب وبخاصة باب موناييتا دهاليز منكسرة مقبية [الباشورة] تعد أقدم النماذج الباقية المعروفة فى أسبانيا.
ولم يعد الآن وجود لبابين من أبواب المدينة هما باب الرملة وباب مورور, كما أنه لم يتبق من ذلك العصر أيضًا سوى بقايا عقد كانت تقوم عليه قنطرة نهر حدرة [وهى تعريب للكلمة الأسبانية دى أورو أى الذهبى] التى تعرف اليوم بقنطرة القاضى، ويقوم بجوار هذا العقد برج سداسى الشكل، والواقع أن هذا العقد [وهو مزود بشق مزدوج] كان يؤلف مغلاق النطاق المسور للمدينة عبر النهر مع شبكة ترتفع فى حالة الفيضان [ومنها اشتق
стр. 7464
اسم باب الشبكة المفتوح فى الكتف المقابل للعقد، وهو الذى يفضى بالمرء إلى المدينة] وقد اندثر قصر بنى زيرى الذى كان يشغل الجزء العلوى للقصبة القديمة [وكان يعرف ببيت الديك] ولم يبق منه سوى صهريج ذى أربعة أروقة قصبية وأجزاء كثيرة من السور أعيد أستخدامها فى مبان تالية.
ومن الآثار الباقية بالمدينة نفسها حمام واحد هو المعروف بالحمام الصغير وهو يتكون من حجرة للاستراحة وخلع الملابس [تعرف عادة بالمسلخ أو المشلح] ويتوسط هذه الحجرة حوض [فسقية] ويلى هذه الحجرة ثلاث حجرات مقبية موازية لبعضها:
الأولى هى الحجرة الباردة، والثانية الحجرة الدافئة، والحجرة الساخنة. وقد بنيت جدران الحمام من الحجارة القوية الشديدة الصلابة، أما العقود والأقبية فمن الآجر.
والحق أن هذا الحمام يعد النموذج المتكامل للحمامات الأسبانية المغربية وقد ظل تخطيطه مثالا نسج على منواله فى القرون التالية، كما عثر فى غرناطة على أجزاء قليلة من الزخارف فضلا عن بعض تيجان الأعمدة.
ويحتفظ معهد "فالنسيا دون خوان" بمدريد بقطعة فريدة من الرخام المنحوت تشبه صينية التوابل، وقد قسمت إلى عدة أقسام مزخرفة بالكتابات الكوفية.
ولم يطرأ تغيير كبير على غرناطة خلال عصرى المرابطين والموحدين، ومن الممكن القول بأن التحصينات القائمة فى غرب الحمراء والتى تعرف الآن بأبراج البرميخاس ترجع إلى القرن الخامس الهجرى (١١ م)، ويحتفظ المتحف الأثرى بمدريد ببضعة قطع من أعمال الخشب ذى الزخارف المحفورة وأجزاء من أعمال الجص من مورور ويمكن إرجاعها إلى عصر المرابطين وقد صنعت بدقة فائقة. هذا وقد أصبحت غرناطة منذ أن استقر بها محمد بن الأحمر سنة ٦٣٥ هـ/ ١٢٣٨ م عاصمة آخر الدول الإسلامية الحاكمة فى أسبانيا، وقد ظلت كذلك حتى سقطت تلك الدولة على يد الملكين
стр. 7465
الكاثوليكيين سنة ٨٩٧ هـ/ ١٤٩٢ م.
وقد تعرض بنو نصر لعدة مؤثرات فنية سواء إسلامية أو مسيحية، وهو الأمر الذى كان من نتيجته أن أصبح فنهم يمثل المرحلة الأخيرة التى بلغ فيها الفن الإسلامى فى أسبانيا ذروة الازدهار.
وقد نشطت حركة البناء والتعمير فى غرناطة فى نهاية القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) وكذلك القرن التالى له (٨ هـ/ ١٤ م) سواء فى العمارة أو الزخرفة، بينما ندرت إقامة أمثال هذه العمائر الهامة فى القرن ٩ هـ/ ١٥ م وفقدت زخارف الآثار المختلفة ذاتيتها ودقتها الفائقة.
وبالنسبة لسور المدينة فقد امتد إلى الشمال ليشمل حى البيازين، وما يزال جزء منه باقيا بأبراجه المستطيلة المتعددة الأضلاع، وكذلك أبراجه البرانية. أما العمائر الدينية فقد زالت ولم يبق أى أثر لها فى غرناطة فأصبح موضع جامع البيازين الآن كنيسة سان سلفادور والتى تحتفظ ببعض بقايا من صحن الجامع.
ونحن نعرف من وصف قديم [أى لأحد المؤرخين أو الرحالة] أن الحرم [أى مقدم الجامع] كان رائعا ويشتمل على تسعة أروقة [بلاطات] ترتكز عقود بائكاتها على ستة وثمانين عمودا رخاميا.
وقد استخدمت مئذنة مسجد آخر يرجع إلى القرن ٧ هـ/ ١٣ م كبرج أجراس فى كنيسة "سان خوان دى لوس ريس" وهى عبارة عن برج مربع يشبه فى طرازه المعمارى وزخارفه مآذن المرينيين فى فاس، إلا أنه يخلو من التكسيات الخزفية [الزليج أو القاشانى].
أما مدارس غرناطة فلم يبق منها سوى إيوان القبلة فى مدرسة يرجع تاريخ بنائها إلى عام ٧٥٠ هـ/ ١٣٤٩ م وبعض بقايا الواجهة التى نقلت إلى المتحف.
وأخيرا يوجد خارج المدينة القديمة دير سان سبستيان وكان يشغل موضعه فى الأصل مبنى إسلامى صغير، من المحتمل أنه مبنى جنائزى، وهو مربع الشكل تعلوه قبة تكسوها
стр. 7466
تضليعات كثيرة رائعة. أما بالنسبة للعمائر المدنية فلم يتبق من حمامات غرناطة الكثيرة سوى حمام واحد يقع فى شارع كاليه ريال وهو مصمم وفق الطراز التقليدى حيث يشتمل على حجرة الاستراحة وخلع الملابس، تتلوها ثلاث حجرات مقبية موازية لبعضها. ويعلو حجرة خلع الملابس صالة [قاعة] فى الطابق الأول.
وقد خُرِّب البيمارستان بيد أنه احتفظ بتخطيطه وهو عبارة عن فناء أوسط تحيط به أروقة من بائكات ذات عقود مدببة فى الطابق الأرضى وأعتاب خشبية فى الطابق الأول، وكانت حجراته تفتح على الممرات التى تتقدمها. كذلك امتازت واجهته بالتماثل والانسجام سواء من حيث زخارفها الفنية أو من حيث اشتمالها على النص التأسيسى للبيمارستان، ويوجد فى الطابق الأول نوافذ مفردة أو مزدوجة.
ولم يتبق من فنادق غرناطة المتعددة سوى فندق واحد هو المعروف بفندق أو مخزن الفحم، وهو عبارة عن فناء يشبه فى نظامه مثيله فى البيمارستان حيث تحيط به البائكات فى طابقين. وعلى وجه العموم فإن عمارة هذا الفندق تشبه ما نراه فى فنادق المرينيين فى فاس سواء من حيث مدخله التذكارى ذى الزخارف الفنية أو فى عقوده ونوافذه المزدوجه. وأعتابه وأسقفه أو غير ذلك.
وعلى الرغم من اختفاء كل المبانى العامة التى كانت بغرناطة تقريبًا إلا أنه ما يزال باقيا أجزاء من خمسة دور رائعة امتدت يد الترميم إلى بعضها ومنها الدير المعروف بدير "سانتا إيسابيلا" الملكى وكان يشغل موضعه فى الأصل دار الحرة وهى عبارة عن فناء تتكون جوانبه القصيرة من ثلاثة عقود فى كل من الطابقين الأرضى والأول، فضلا عن قاعات كبيرة مزودة بدخلات مجوفة فى نهايتها. ويمكن أن
стр. 7467
نشاهد بقايا دار أخرى فى دير سانتا كاتالينا وهو عبارة عن فناء ما زال محتفظا بشكله الأصلى والذى يشبه مثيله فى دار الحرة والزخرفة ملونة بصفة أساسية.
كذلك توجد داران أخريتان بسيطتان للغاية يرجع تاريخهما إلى منتصف القرن التاسع الهجرى/ ١٥ م، وقد استمر هذا النظام فى الدور المورسكية فى القرن العاشر للهجرة/ ١٦ م.
ومن المبانى السكنية أيضًا قصر شنيل الذى رمم كثيرًا.
وتوجد بقايا برج ذى حجرة مربعة مزودة بدخلتين مجوفتين بكل منهما حوض ويمكن إرجاعه (بناءً على زخارفه الجصية) إلى القرن ٨ هـ/ ١٤ م.
وتعكس هذه الدور الخاصة بعمارتها وزخارفها وحدة الفن فى غرناطة.
٢ - الحمراء
- الحمراء قبل القرن ٧ هـ - ١٣ م:
ظهر اسم الحمراء فى نهاية القرن ٣ هـ/ ٩ م وكان يطلق على حصن صغير لجأ إليه العرب الفارون امام الفلاحين الثائرين [المولدين] الذين طوردوا أثناء الفتن التى شبت خاول عهد الأمير عبد اللَّه الأموى [٢٧٥ - ٣٠٠ هـ/ ٨٨٨ - ٩١٢ م. وقد حدثت هذه الواقعة ٢٧٦ هـ/ ٨٨٩ م وسميت بوقعة المدينة].
وكان هذا الحصين مبنيا فى طرف هضبة السبيكة الغربى، وقد امتدت مبانى الحمراء فى عهد بنى نصر لتغطى الهضبة كلها.
ومما لا شك فيه أن هذا الحصين الذى بنى فى نهاية القرن ٣ هـ/ ٩ م قد هجر فى أواخر عصر الخلافة [الأموية بالأندلس] ثم أعيد بناؤه خلال النصف الأول من القرن ٥ هـ/ ١١ م وزيد فيه
стр. 7468
فاتسعت أرجاؤه بلاشك على يد الوزير اليهودى صمويل ابن نجرلو فيما بين عامى ٤٤٣ - ٤٤٧ هـ/ ١٠٥٢ - ١٠٥٦ م، ثم قام الأمير عبد اللَّه أحد أمراء بنى زيرى بتحسينه متأثرا فى ذلك بنظام حصن بليوس المسيحى الذى استولى عليه.
وقد ذكر هذا الحصن عدة مرات فى أثناء الصراع بين الأمراء الأسبان والمرابطين والموحدين، وكانت مساحته صغيرة والدليل على ذلك أن جند ابن حموشق اضطروا لأن يعسكروا خارج أسواره، وتدل بعض الأسوار الممتدة المبنية بالدبش وبعض بقايا الأبراج الركنية المبنية بالآجر والأحجار المسطحة المجاورة لسور الحمراء الآن على أن الحصن الذى بنى قبل عصر بنى نصر كان فى غاية البساطة.
وعندما دخل محمد بن الأحمر غرناطة فى رمضان ٦٣٥ هـ/ مايو ١٢٣٨ م أقام فى قصبة بنى زيرى فى المدينة نفسها وبادر فى لحظته فأمر ببناء قصر الحمراء الحالى وبدأ العمل فيه بعد أشهر قلائل.
هذا ويختلف المبنى الجديد اختلافا بينا عن الحصين الأصلى [أى القديم] سواء فى أغراضه أو فى سعته. فالحمراء ليس مجرد حصن وقصر بل هو أكثر من ذلك: إنه مدينة ملكية ومقر الحكومة مثله فى ذلك مثل مدينة الزهراء ومدينة الزاهرة وقصبة الموحدين فى مراكش. وكانت توجد فى مقابل الحى التجارى للمدينة قصبة أخرى تم زيادة مساحتها لتسع حاجات الحكومة النصرية فقد احتوت بالإضافة إلى القصور الملكية على المصالح الحكومية كالمكاتب ودار الضرب وثكنات الحرس وكبار الموظفين وكل ما يحتاج إليه الخدم والأتباع وما يحتاجه أهل المدنية من المصانع والحوانيت والمسجد الكبير والحمامات، وكان المنظر الطبيعى الذى يضم المدينة والقصر
стр. 7469
كامل الروعة إذ تطل جميعًا على نهر حدره عند التقائه بنهر شنيل [وهو أحد روافد الوادى الكبير] وتل السبيكة وعند هذا النشز الرائع تنتهى جبال سيرانفادا [وتعنى جبال الجليد أو الثلج]، وهى عبارة عن هضبة ضيقة تمتد أربعمائة وسبعين متر، طولًا، ومائتين وعشرين عرضًا كما ذكر تورس بلباس.
بدأ العمل ببناء قنطرة لنقل الماء من الجبال وكانت المياه متوافرة فى كل مكان بالمدينة وفى قصور بنى نصر، ومن المحتمل أن المساحة الخارجية المسورة والقصور الأولى لم ينته العمل بها حتى عهد محمد الثانى ٦٧١ - ٧٠١ هـ/ ١٢٧٣ - ١٣٠٢ م ومنذ ذلك الوقت أصبحت قاعدة بنى نصر-[أى حتى سقطت دولتهم فى - ٨٩٧ هـ/ ١٤٩٢ م].
وتعتبر الحمراء قبل أى شئ حصْنا منيعا وتحوطها الأسوار العالية المدعمة بأبراج قوية، وهى تعد من أجمل وأروع ما عرف فى العمارة الحربية، والحمراء كحصن يستحق العناية والدراسة، والفناء الكبير الذى تضمه الساحة فى الداخل والذى ينحدر على كلا الجانبين كان مقسما إلى ثلاثة أجزاء: فإلى الغرب يقع مُجمع من التحصينات المترابطة المتماسكة وأعنى بذلك القصبة، كما تقع فى أعلى جزء منه القصور الرئيسية، أما المدينة نفسها فتقع على السفوح المنحدرة التى تمتد جهة الشرق.
الحصن
فى نهاية التل المواجه لفحص غرناطة تقع القصبة مكونة نوعا من النطاق المحصن المستقل تماما عن بقية الحمراء.
وهى تشتمل على مساحة كبيرة للاستعراضات أقيمت فيها بعد ذلك دور صغيرة ويحيط بهذه المساحة سور منيع مثلث الشكل له جدران عالية تكتنفها الأبراج وتدعمها ثلاثة أبراج
стр. 7470
مقبية منيعة [ربما يقصد بذلك ما يعرف فى مصطلح الغرب الإسلامى بالأبراج البرانية]، وإلى الشرق منها يوجد سور خارجى آخر، ولهذا الحصين بوابته الخاصة التى تفضى إلى الخارج. ويتكون السور الذى يحيط بالحمراء والذى تكمله القصبة فى جهة الغرب من جدار واحد بنى بالحجارة القوية المتماسكة وهذا السور فى غاية الارتفاع ويدعمه ثلاثة وعشرون برجا كبيرا عاليا وتضم الطوابق العليا لبعض الأبراج قاعات أو بيوتا صغيرة ملحقة بالقصور.
وقد بنى هذا السور بأمر كل من محمد الأول ومحمد الثانى.
وبنيت فى القرن ٨ هـ/ ١٤ م خلال عهد يوسف الأول (٧٣٣ - ٧٥٥ هـ/ ١٣٣٣ - ١٣٥٤ م) أبراج ممارش ونتشوكة [المطرقة] والقنديل والأبواب التذكارية الثلاثة الكبيرة، وهى باب العدل [باب الشريعة] وباب الطباق السبع وباب السلاح، أما برج المتزين فقد كمل بناؤه فى عهد السلطان محمد الخامس ولذلك فإن هذا السور قد اكتسب مظهره الحالى بعد منتصف القرن ٨ هـ/ ١٨ م بقليل، وقد اكتفى سلاطين بنى نصر المتأخرون أمام تهديدات الملوك المسيحين ببناء قواعد [منصات] المدافع عند أسفل البوابات الثلاثة الكبيرة.
هذا وتفتح ثلاثة من أبواب الحمراء وهى: العدل [الشريعة] والطباق السبع والشرفات [الآسنة أو القمم المسننة] على الخارج أما باب السلاح الذى يحيط بالقصبة فهو وحده الذى يصل الحمراء بالمدينة، وتشكل أبواب الحمراء ذات النسب المعمارية الضخمة كتلا عميقة من المبانى تضم مدخلين أو ثلاثة من المداخل المنكسرة [الباشورة] المقبية وغالبا ما تتقاطع عبر رحبة مفتوحة، وقد بنيت هذه الأبواب بالحجارة القوية المتماسكة وواجهاتها وعقودها من
стр. 7471
الآجر وأحيانا تزخرف بالقاشانى [البلاطات الخزفية وتعرف فى الغرب الإسلامى بالزليج]، ونظرًا لأهميتها فهى تعد من أروع نماذج العمارة الحربية.
ورغم أن باب الشارع خال من الأبراج إلا أنه يشكل فى حد ذاته برجا عاليا، فتح به عقد، ويتميز هذا الباب بمظهره القوى الرائع.
أما الأبواب الأخرى فلا تختلف كثيرا عن الأبواب الكبيرة للموحدين والمرينيين فى مراكش وبصفة خاصة عندما تكون محاطة ببرجين.
وللأسوار الشاهقة الارتفاع والعلو ممشى للحرس له دروة متوجة بالشرافات الهرمية الشكل، ولا يخفى أن توزيع الأبراج فى الأسوار غير متساوٍ تماما فهى مقامة على مسافات مختلفة إذ تبلغ المسافة بين البرج والآخر قرابة خمسين مترًا. وغالبا ما تكون الأبراج العالية للسور كبيرة لتضم فى قمتها أحد قاعات القصر أو بيتًا صغيرًا مزودًا بصحن [فناء]، ومن ذلك قاعة العرش أو قاعة السفراء التى تشغل الطابق العلوى لبرج مربع ضخم.
هذا وتشرف كل هذه القاعات والمنازل السكنية من خاول نوافذ عديدة على المنظر الجميل لكل من المدينة [أى غرناطة] وفحصها.
والمعروف أن تلك المجموعة الرائعة من التحصينات التى بناها سلاطين بنى نصر لم تهاجم على الإطلاق، فقد كانت الغارات المسيحية المتعددة التى تصل إلى غرناطة تقف أمام أسوارها دون أن تتعرض للهجمات العنيفة أو للحصار القوى حتى الحصار الأخير الذى أدى إلى سقوط غرناطة وتسليمها إلى الملكين الكاثوليكيين فى غرة ربيع الأول ٨٩٧ هـ/ الموافق ٣ يناير ١٤٩٢ م، وفى أعقاب التسليم دخل فرديناند وإيزابيللا إلى الحمراء فى السادس من يناير [أى بعد أربعة أيام].
стр. 7472
ويمكن القول بأن أسوار الحمراء و القصور قد سلمت جميعها من الخراب والتدمير إلى حد كبير أثناء الانهيار المتتابع للمملكة وسقوط الأسرة.
القصور:
إن قصور الحمراء، مثلها فى ذلك مثل كل القصور المغربية الأسبانية، قد رتبت فى مجموعات من المبانى حول أفنية مركزية، وعلى ذلك فإن العنصر الأساسى ليس هو جسم المبنى نفسه وإنما الفناء المركزى سواء كانت مساحته كبيرة أم صغيرة وتحيط به الظلات [السقائف] وتفتح على الفناء حجرات [المعيشة والحكم].
وهذه المجموعات من المبانى تكون غالبا ذات محاور مختلفة ويتصل بمضها ببعض بواسطة ممرات أو حجرات متصلة.
وقد هدمت قصور القرن السابع الهجرى/ (١٣ م) فى القرن الثامن الهجرى (١٤ م) لتقوم فى مكانها حجرات القصور الحالية.
وقد خربت المجموعة الأولى من المبانى التى كانت تقع فى الغرب منذ زمن طويل، وقد كشفت الحفائر الأثرية النقاب عنها حديثًا وهى عبارة عن فناء مربع تفتح عليه بعض حجرات صغيرة ومسجد صغير، وكان يتبع هذا المنزل البسيط ساحة كبيرة تعرف بساحة متشوكة [أى المطرقة] وتوجد إلى الشمال منها ظلة [سقيفة] تؤدى إلى قاعة تعلو أحد أبراج السور.
وتتألف القصور الحالية من مجموعتين بنيتا حول فنائين لهما محاور رئيسية عمودية وتضم المجموعة الأولى بهو قمارش ويتقدمه عمر ثم المشور ثم بهو صغير [بهو البركة أو بهو الريحان] وقد بنيت هذه المجموعة بأمر السلطان يوسف الأول (٧٣٣ - ٧٥٥ هـ/ ١٣٣٣ - ١٣٥٤ م) والمجموعة الثانية وهى مجموعة بهو السباع التى بنيت بأمر السلطان محمد الخامس (٧٥٥ - ٧٥٩ هـ/ ١٣٥٤ - ١٣٥٨ م ثم من ٧٦٩ - ٧٩٤ هـ/ ١٣٦٨ - ١٣٩٢ م) فضلا عن بعض الحمامات القديمة، ومسجد يصل
стр. 7473
بين هاتين المجموعتين، وقد بنى هذا المسجد فى القرن ٨ هـ/ ١٤ م.
وتوجد مقبرة الأسرة وتعرف بالروضة إلى الجنوب من بهو السباع وقد أمكن التعرف على تخطيطها بفضل الحفائر الأثرية.
ويحيط بكل من الفنائين الكبيرين ظلات [سقائف] أو مبانٍ فى الجوانب الأربعة، ويشتمل الطابق الأرضى دائما على قاعات الاستقبال، أما حجرات المعيشة فنسبها المعمارية أقل وتشغل الطابق الأول.
وعلى ذلك يمكن القول بأن كل مجموعة من مجموعات هذا القصر تشكل عالما صغيرا محصنا حول فنائه المركزى، ولكن الأجزاء العلوية التى فتحت بها الرحاب والممرات التى تعلوها المناظر الرائعة فذات أشكال مختلفة بهيجة.
أما بخصوص التكوين المعمارى فإنه يلاحظ أن تخطيط هذا القصر ليس له محور معلوم أو نظام معين كما أنه لا يتكون من عدة طوابق يعلو بعضها البعض كما يتبادر إلى الذهن ولكنه فريد فى تخطيطه وتصميمه إذ أنه يتألف من مجموعات من القاعات والابهاء رصت بجانب بعضها البعض دون الالتزام بقاعدة ثابتة أو تخطيط منتظم واضح، وربما كان ذلك راجعا إلى طبيعة الأرض الجبلية التى شيد القصر عليها، والتى فرضت على العرفاء [أى المهندسين] عدم الالتزام بالتماثل واتباع الأصول الهندسية المعروفة، ولكنهم استطاعوا أن يتغلبوا على هذه الظروف الطبيعية بل استغلوها أحسن استغلال, وجعلوا للقصر أجنحة متفرعة بصورة لم تؤثر على جمال إخراج المبانى ودقة تنسيقها مع العناية الفائقة بتزيينها وزخرفتها، ومن جهة أخرى فإن من أهم مميزات هذا القصر، أيضا استغلال العرفاء للأبراج التى تتخلل الأسوار الشمالية بصفة خاصة القريبة والبعيدة من أجنحة القصر وقد استغلوها لزيادة عدد قاعاته فزخرفت هذه القاعات وأصبحت من أجمل وأروع مبانى القصر كما هو الحال فى برج قمارش وبرج الأسيرة وبرج الأميرات وغيرها من الأبراج.
стр. 7474
ومن أهم وأكبر أبهاء قصر الحمراء بهو الريحان أو بهو البركة وهو البهو الذى يتقدم برج قمارش وقد اكتسب اسمه من البركة الكبيرة التى تتوسطه والتى تحيط بها أشجار الريحان وعلى جانبيه الشمالى والجنوبى رواقان يطل كل منهما على البركة بسبعة عقود ترتكز على أعمدة رخامية رشيقة أكثرها اتساعا وارتفاعا "العقد الأوسط"، ويؤدى الباب الذى يتوسط الرواق الشمالى إلى قاعة قمارش التى تشغل أسفل البرج وهى من أعظم وأفخم قاعات القصر حتى أنه يقال: إنه كان يوجد بها عرش مؤسسها السلطان يوسف الأول أبى الحجاج، وإنه كان يجتمع فيها برجال الدولة وسفراء الدول الأخرى، ولذلك أطلق عليها قاعة السفراء.
وفى الطرف الشرقى يوجد أشهر أبهاء الحمراء وهو البهو المعروف ببهو السباع، وقد اشتق اسمه من الفوارة الكبيرة التى تتوسطه والتى يوجد أسفلها إثنا عشر سبعًا من الرخام تمج المياه من أفواهها، كما يجرى الماء من فوقها وحولها بشكل يثير الإعجاب، ويزيد من جمال هذا البهو وروعة تنسيقه الأروقة الأربعة المحيطة به والتى ترتكز عقود بائكاتها على أعمدة رخامية رشيقة منفردة تارة ومزدوجة تارة أخرى ونصادف هذه الروائع أينما حللنا بأى قاعة من قاعات القصر، فإذا دلفنا مثلا إلى قاعة الأختين [نسبة إلى لوحتين كبيرتين من الرخام متماثلتين] القائمة فى منتصف الجدار الشمالى لبهو السباع فإنها تشعرنا بفخامة البناء وثراء الزخرفة إلى أقصى حد إذ يتدلى من السقف فى كل مكان حلية بهية من المقرنصات ذات الدلايات أحيانا وكأنها أوكار فى الأشجار تتساقط كالأغصان على عمد صغيرة رشيقة ملتصقة بالجدران.
ويقابل قاعة الأختين قاعة أخرى تعرف بقاعة بنى سراج ويتوسطها حوض من الرخام به آثار بقع حمراء [يقال: إنها من دماء بنى سراج بعد أن قضى عليهم بنو نصر]
وتعلو القاعة قبة رائعة الجمال من المقرنصات الدقيقة. ومن القاعات
стр. 7475
الأخرى قاعة الملوك وتعرف أيضا بقاعة العدل، أما البرطل فهو يرجع إلى اعمال يوسف الأول، ويقصد بالبرطل فى الأندلس الظلة التى تقوم على مدخل هذا القصر الواقعة بين برج الحريم ومصلى صغير، وتتألف هذه الظلة من خمسة عقود أوسطها أكثرها ارتفاعا، ويطل البرطل على بركة تزودها فوارة أسفل العقد بالماء، ووراء هذا البرطل وفى ركن منه قاعة مربعة تشبه البرج يمكن الصعود منها إلى طابق علوى، ويمتاز البرطل بتصاويره الجدارية وهى عبارة عن مناظر صيد وفرق جنود بملابسهم وسلاحهم فضلا عن الزخارف الهندسية الجميلة.
أما عن زخارف قصر الحمراء فيعجز عنها الوصف حيث تمثل المرحلة الأخيرة التى بلغ فيها الفن الإسلامى فى أسبانيا ذروة تطوره الفنى الذى كان وما يزال وسيظل مثار إعجاب العالم بأسره، وقد نفذت هذه الزخارف على مختلف المواد وقوامها الزخارف النباتية الدقيقة [التوريق أو الأرابيسك] والزخارف الهندسية البسيطة والمركبة والمتداخلة فضلا عن المقرنصات الدقيقة التى تبدو فى كثير من الأحيان كخلايا النحل ويضاف إلى ذلك التصاوير الجدارية بقصر البرطل والنقوش الكتابية المتعددة، وهكذا فإن المرء بقصر الحمراء يتمتع بحياة من الترف فى نطاق طبيعى لا مثيل لجماله وكأن المجال الذى يحيط به يتجاوب وهذا التمتع، ونجح عرفاء بنى نصر فى إحداث تأثير جمالى يصحب فن توزيع الخمائل والجنان، ومزج المنظر الطبيعى بالعمارة، فالحمراء تجلو لنا أروع أمثلة هذا الفن بل هى واحة خضراء فى إقليم قاحل جاف تحرقه الشمس ولا تدع غابة الحمراء التى تحيط بالقصر السلطانى وكثافة الفروع أى مجال لنفاذ أشعة الشمس، كما أن هذه النسمات المنعشة التى تهز الأشجار فترطب الوجوه المحترقة والمياه التى تنساب بين الصخور، والطيور التى تغرد على الأشجار وبين الأغصان والأفنان. . كل ذلك يجعل من قصر الحمراء قصرا أسطوريا أو جنة اللَّه فى أرضه، ويحمل المرء على أن يحيى فى عالم خيالى لا يفكر فيه إلا فى القصور
стр. 7476
التى كانت تعيش فيها أميرات ساحرات.
أما قصر جنة التعريف فيقع فى شمال شرقى قصر الحمراء فوق ربوة مستقلة، وهو يشرف على الحمراء وتدخل إليه من مدخل بسيط يؤدى إلى ساحة كبيرة فى صدرها مدخل ذو ثلاثة عقود عربية جميلة الزخارف، أما الطابق العلوى فقد أمرت بإنشائه الملكة إيزابيلا، وهو يتكون من رواقين طويلين ومن جناحين متقابلين فى الشمال والجنوب ذات سقوف مضلعة ويضم الجناح الشمالى متحفًا يحوى عدة صور تاريخية لبعض ملوك قشتالة والملكين الكاثوليكَّيينْ فرديناند وإيزابيلا.
ويزدان قصر جنة التعريف بالعديد من الزخارف النباتية والهندسية فضلا عن النقوش الكتابية.
ويبدو أن قصر جنة التعريف كان مصيفا أو متنزها لسلاطين بنى نصر يقصدونه للاستجمام والاستمتاع بجمال موقعه، ويلجأون إليه لتمضية أوقات الفراغ والمتعة.
إن آية فن الحدائق عند المسلمين هى حدائق جنة التعريف فهى شئ رائع من أشجار الحور والأزهار والورود من كل صنف ولون وشجر الريحان، ووسط هذا وذاك تقوم برك الماء والفوارات.
وختاما فإن قصر الحمراء يمثل درة الفن فى أسبانيا الإسلامية فى مرحلة أزدهاره الأخيرة.
المصادر:
(١) H. Terrasse: Islam l'Espagne, Paris, ١٩٥٨, ٢٠٢ - ٣٢
(٢) K.A.C. Creswell: A bibliography of the architecture, arts and crafts of Islam, London ١٩٦١, ٣٥١ - ٦٣
د. محمد حمزة [هنرى تيراس H. Tarrasse]
غرناطة
هى عاصمة مملكة غرناطة ولم تدخل دائرة الشهرة فى التاريخ الأسبانى إلا فى مستهل القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) حين أدرك فرع من بنى زيرى الصنهاجيين (أصحاب قلعة بنى حمود فيما بعد) أن قوتهم موشكة على الانهيار، ومن ثم
стр. 7477
أعلنوا تأييدهم لعبد الملك المظفر بن منصور بن أبى عامر أول وزير لهشام الثانى فوجدوا الترحيب الكبير فركبوا البحر مع طائفة كبيرة من عشيرتهم وأنصارهم وعلى رأسهم زاوى بن زيرى وسرعان ما أصبحوا أهم كتائب الجيش البربرى الذى جمعه العامريون، فلما مات عبد الرحمن شانجول نقلوا ولاءهم لزعيم حزب البربر فى الأندلس وهو "سليمان المستعين"، فكان لهذا التأييد الفضل الأكبر فى اعتلائه كرسى الخلافة، فلما أخذ سليمان فى مكافأة أتباعه أقطع هؤلاء إقليم ألبيرة وأعنى بذلك أراضى سهل "شينيل" الفتية مع نواح أخرى، وكانت عاصمتها مدينة "ألفيرا" القديمة التى ما لبثت غرناطة أن حلت محلها، وكانت غرناطة مجاورة لها وكان أغلب سكانها من اليهود.
ويجمع جغرافيو الأندلس ومؤرخوها على جمال غرناطة وخصب تربة سهولها ولعل مرآها الجميل أثار فى نفوس الزيريين ما يترجم عنه آخر أمير منهم وهو عبد اللَّه الذى أثنى على واديها الجميل فقد أعجبته قنواته المائية وأشجاره وتلاله، وهذا هو الذى جعل بنى زيرى يجمعون العزم على إقامة مدينة لهم هناك فبادر كل أندلسى وبربرى إلى تشييد دار له بها، وسرعان ما أصبحت "ألفيرا" خرابا.
وليس من شك فى أنه خلال العصر الرومانى وفى زمن الإمبراطور "أوجستوس" كانت كورة "ألفيرا" تقوم على سلسلة الجبال المسماة بهذا الاسم أيضا، وقد تم العثور إلى جوارها على أطلال رومانية ومسيحية بل وعربية، وليس بين أيدينا تفاصيل عن فتح البربر لها فى القرن الخامس، أو عما حدث من تدمير فى إقليم غرناطة حين اقتحمها "ليوفيلد و" على رأس جيشه. لكن لما جاء المسلمون ترك موسى بن نصير لولده عبد العزيز مهمة إخضاع شرقى الأندلس والاقليم الساحلى المطل على البحر المتوسط، واستطاع فى أثناء زحفه أن يحتل مالقة وألبيرة، كما أن أبا الخطار الحسام بن ضرار -حين صارت إليه الولاية سنة (١٣٥ هـ = ٧٤٣ م) - عهد باقليم ألبيرة غرناطة إلى جند دمشق الذين ساعد شيوخهم
стр. 7478
الأمويون الأمير عبد الرحمن الداخل على النزول إلى الساحل، ولقد شهدت كورة ألبيرة (أيام الأمير عبد اللَّه) سلسلة من الصراعات الدامية بين المولدين الموالين للحكومة المركزية من جانب وبين العرب الذين كانوا بقيادة سوار بن حمدون من جانب آخر، والذين استطاعوا التخلص مما هم فيه من محاصرة، وأرغموا الأندلسيين على الفرار فى الواقعة المعروفة بوقعة المدينة، فانخرط المهزومون فى خدمة ابن حفصون الذى تقدم شطر ألبيرة ليتابع القتال فى سهل شينيل، فأصبح يستولى على البيرة تارة ويفقدها تارة أخرى حتى ضاعت منه نهائيا أثناء حكم عبد الرحمن الثالث.
وكان إقليم كورة ألبيرة يتبع من الناحيتين الإدارية والحربية -خلال العصور الوسطى- ولاية غرناطة الحالية، وكانت توجد قبل دخول الإسلام أسقفية البيرة التى عقد فيها مجمع دينى بين عامى ٣٠٩ - ٣١٢ هـ. فلما جاء المسلمون الأوائل اتخذوا بيوتهم فى "اللبيريس" التى صحَّفوها إلى "ألبيرة" وآثر الولاة الإقليميون الصغار الانتقال إلى الناحية الجديدة التى أسسوها إلى جوار العاصمة القديمة، وهكذا استحدثت عاصمة جديدة. لكن الإقليم ما زال يعرف بكورة "ألبيرة" وانتشر هذا الاسم وحل محل كلمة "كاستيلا" شأنه فى ذلك شأن حلول كلمة غرناطة محل "الليبيريس" ولم تكن غرناطة هذه تعدو فى القرن الثالث أن تكون قرية كبيرة مسورة على الشاطئ الأيمن لنهر "دارو" عند التقائه بشينيل، وكانت تعيش فى هذه الناحية أقلية إسلامية، تليها فى الكثرة جالية مسيحية، أما الأغلبية فكانت من اليهود حتى لقد كانت غرناطة تعرف فى بعض الأحيان بغرناطة اليهود.
وكان يوجد فى مواجهة هذا المكان سور صخرى يشرف على شاطئ "دارو" الأيسر وبه قلعة قديمة تعرف بالحمراء لغلبة اللون الأحمر عليها، وكانت "الهمبرا" ذات الشهرة التاريخية مركز ملوك بنى نصر.
стр. 7479
ويمكن تلخيص الأحداث الرئيسية التى أثرت تأثيرا مباشرا على مدينة غرناطة زمن أسرة بنى زيرى فى أن حصارها على يد الخليفة المرتضى (بتحريض من الفتى المنذر والفتى خيران) إلا أنهما غدرا به وحاولا طرد الزيريين مما اضطره للفرار مهزوما هزيمة نكراء، وحدث بعد ذلك قيام الأسرة أيام الأميرين حبوس وباديس وبالمعونة الفعالة من جانب الوزيرين اليهوديين صمويل وولده يوسف بن نجرلو أن أصبحت غرناطة مسرحا لمذبحة مستنكرة كان من ضحاياها الوزير يوسف وعدد كبير من أبناء ملته، مما حدى بالأمير باديس (وقد هرم وأحس بالخطر يهدد حكمه) إلى بذل الأموال الطائلة لتحصين غرناطة القصبة القديمة حتى تصير مكانا لا يمكن اقتحامه أبدا، ناظرا إلى أنه لو حدث أن الولايات المجاورة له أو حتى رعاياه الثائرون اضطروه للفرار فإنه يستطيع حينذاك الاعتصام بغرناطة هذه فيفعل ما فعله من قبل جده زاوى من الإبحار إلى افريقية. ولا نملك إلا أن نشير إلى أن آخر أمير زيرى -وهو عبد اللَّه حفيد باديس الذى ولى الحكم وهو لا يزال طفلا- قاسى حياة مريرة مليئة بالمؤامرات والثورات والحروب مع جيرانه المسلمين والنصارى على السواء، ثم ابتلى أخيرا بعداوة المرابطين فاستعد لمقاومتهم حربيا بتقوية القلاع وتموينها بالسلاح وربط القصبة بالأسوار المتصل بعضها ببعض، وعلى الرغم من ذلك كله فإنه ما كاد يوسف ابن تاشفين -أمير المرابطين- يقف أمام غرناطة حتى خف إليه أبو عبد اللَّه (لما طبع عليه من الجُبن ونزولا على مشورة أصه ووزرائه) وفتح له أبواب البلد وأسلمه كل ما فى قصره من الثروة والمال. وهكذا انتقلت غرناطة إلى حكم الولاة المرابطين سنة ٤٨٣ هـ/ ١٠٩٠ م حتى سنة ٥٥١ هـ = ١١٦٦ م أى إلى أن آلت إلى الموحدين، فكان أول وال مرابطى عليها هو أبو محمد عبد العزيز
стр. 7480
وتلاه الأمير يحيى بن واسينو قريب يوسف الذى عاد إلى شبه الجزيرة لآخر مرة سنة ٤٩٦ هـ/ ١١٠٣ م للحفاظ على مركز ابنه علىّ الذى كان قد نودى به واليا على مراكش قبل عام من هذا التاريخ, وسار إلى الساحل عبر غرناطة (وواليها وقتئذ هو أبو الحسن بن الحجاج) فهاجمه، "أدفونش السادس" فى مدينة سالم فرد عليه بهجمة من طليطلة وطلبيرة، ولكنه هزم وقتل فى المعركة.
أما الوالى الذى خلفه فهو محمد بن الحجاج الذى جاء على رأس قوات غرناطة لمساعدة الأمير "سير" وإلى أشبيلية الذى كانت بلاده تواجه تهديدات الفونسو السادس، لكنه اضطر للارتداد عند "المقاطع" المجاورة لاشبيلية متكبدا كثيرا من الخسائر الفادحة، فلما كان العام التالى (٤٩٩ هـ = ١١٠٥ م) نجد أن الحاكم هو أبو بكر بن إبراهيم اللمتونى الذى وقف فى وجه المناداة بعلى بن يوسف عند وفاة يوسف بن تاشفين (٥٠٠ هـ = ١١٠٦ م)، لكن انصراف الغرناطيين عن مساعدته أفضى إلى أسره وإرساله إلى مراكش، وحينذاك مضى على بن يوسف بصحبة أخيه الأكبر طاهر بن تميم إلى الأندلس مباشرة للقضاء على الفتن المضطرمة فى قرطبة، وتولى تميم حكومة غرناطة فبادر فى الحال إلى الخروج على رأس عسكره والتحم فى قتال مع شانجة الصغير بن الفونسو السادس الذى لقى مصرعه فى هذه المعركة، لكن لم يكن معنى ذلك صفاء الأمور لتميم فقد تم خلعه فى هذه السنة ذاتها كما انتصر الأمير "مزدلى ابن سلنكان" ابن أخى على بن يوسف على عبد اللَّه بن فاطمة والى غرناطة، واستطاع رغم تقهقره سنة ٥٠٦ هـ = ١١١٢ م أن يستولى فى السنة التالية على بعض الأماكن وامتدت يده بالتخريب إلى بعض المواقع مثل "بجيناس" و"كابيتياس ومجان" وتغلب على القائد "رودريجو انزارس"، لكن لم يقدر لنجاحه هذا أن يستمر طويلا فقد دارت الدائرة فى شوال
стр. 7481
٥٠٨ هـ على "علىّ" حليف يوسف بن تاشفين وخليفته وقتل، فنهض ابنه بحكم غرناطة، وبينما كان تميم فى غرناطة مرة أخرى قام ألفونس الأول المعروف بالمقاتل بحملة عبر بها بلاد الأندلس وظهر أمام غرناطة مرتين دون أن يحاول محاصرتها لكنه استطاع أن ينزل الهزيمة بتميم فى "أرانزويل" وانتهى الأمر بخلعه وتولية "أبى عمر" حفيد يوسف بن تاشفين والى فاس من قبل فالتحم بألفونسو أثناء ارتداده، ثم صدرت الأوامر إلى ولاة اشبيلية وغرناطة وقرطبة وألمرية لترميم أسوار مدنهم وقلاعهم، وبذل "اينالو" والى غرناطة الجديد جهودا مضنية لتنفيذ هذه المشورة رغم الثورة فى جبيل واستيلاء الثوار على مواد بنائه التى كانت حول باب الرملة وباب ألبيرة وهلاك أرواح كثيرة، فخلعه على فى جمادى ٥٢٢ هـ (مايو ١١٢٨ م) وأمره بالذهاب إلى مراكش لمواجهة ما رمى به من التهم النكراء من علوج غرناطة، وحوكم عليه بالسجن تكفيرا عن أخطائه. وتدلنا هذه الحادثة على أن جميع المولدين قد أرغموا على الهجرة إلى مراكش.
واستولى الحاكم الجديد أبو حفص ابن يوسف على إحدى القلاع، ولكنه خلع بعد أربعة أشهر، وحل محله أحد أبناء على وهو المعروف بتاشفين، وكان سئ الطالع فقد ظل يحارب القشتاليين عشر سنوات حروبا عنيفة لم يقدر له فيها النجاح، ولما ولى حكومة قرطبة سنة ٥٢٦ هـ (١١٣٢ م) أناب عنه فى ولاية غرناطة أبا محمد الزبير بن عمر المعروف فى الحوليات النصرانية باسم Azuel الذى انتهت حملاته البطولية نهاية مأساوية سنة ٥٣٨ هـ (١١٤٣ م) فقد تمت هزيمته ومقتله على يد القائد الطليطلى "مينيو الفونسو".
لقد كان على بن أبى بكر بن على بن فاطمة آخر حكام مراكش فقد مات فى ثورة "ابن أضحى" الذى سلم غرناطة لسيف الدولة المعروف فى المراجع النصرانية باسم Zafadola وهو آخر سلالة بنى هود أصحاب سرقسطة والذى استسلم لألفونسو السابع.
стр. 7482
ولقد تحصن المرابطون فى "القصبة" القديمة واستبسلوا فى صد هجمات سيف الدولة وأرغموه على الارتداد بعد أن قتلوا ابنه عماد الدولة إذ باغتوه بالهجوم، ولما أخرج الغرناطيون عليا بن أضحى الذى ارتد إلى حصن المنكب اعترفوا بسيادة مرابطى القصبة عليهم، ولقد ظلوا محافظين على مكانتهم حتى سنة ٥٥١ هـ (= ١١٥٦ م) بقيادة ميمون بن بدر قائد ابن غانية، إلا أن أعمال حكام قرطبة واشبيلية الموحدين زادت من إحساسهم بعزلتهم وتضاؤل عددهم فكاتبوا مراكش فى طلب الصلح فأجيبوا إليه، وجاءت الأوامر إلى عبد اللَّه بن سليمان قائد اسطول سبتة إلى العدوتين وهو السيد أبو عثمان بالابحار إلى الجزيرة الخضراء ومنها إلى غرناطة فأسلم "ميمون بن بدر" المدينة وانتقل بجميع مرابطى غرناطة إلى مراكش وسكنوها.
واستعد حاكم غرناطة الجديد للرسو برا على ساحل المرية التى كانت فى يد القشتاليين، على حين قام أسطول "سبتة" بمحاصرتها بحرا، ونجح فى احتلالها مرة ثانية، وحينذاك أسرع الفونسو السابع وحليفه "ابن مردنيش" لمعاونتها ولكنهما لم يستطيعا الاحاطة بها، ومن ثم حاول مباغته غرناطة التى كانت حاميتها غائبة عنها فى المرية، غير أن الوزير أبا جعفر أحمد بن عطية والسيد يوسف بن عبد المؤمن (وقد توقعا استسلام المرية) استطاعا أن يسبقاه إلى غرناطة ونجحا فى الدفاع عنها مما أدى إلى إنقاذ بعض النواحى. ومات الفونسو السابع يوم ٢١ اغسطس ١١٥٧ وحينذاك نعمت غرناطة بفترة من السلام لمدة خمس سنوات إذ قام "ابن همشكا" سنة ٥٥٧ هـ (١١٦٢ م) بالهجوم عليها لغضبه لضياع قرمونة من يده، وعاونه فى هذا الهجوم سكانها اليهود والمولدون، فتحصنت حامية القصبة القديمة، وطلبت نجدات من "ابن مردنيش" فجاءها بمن معه من الجند والمرتزقة النصارى بقيادة "ألفا روديز" حفيد "ألفار فانييز". وكان صاحب غرناطة السيد أبو عثمان غائبا حينذاك فى مراكش فأسرع لنجدة البلد، ولما صار فى سهل غرناطة استصحب معه
стр. 7483
قوات من اشبيلية إلا أنه منى بالهزيمة فى موضع يسمونه "مرج الرقد" الذى يبعد عن المدينة بأربعة أميال ففر إلى مالقه، فعاد عبد المؤمن مع طائفة من المحاربين وجعل عليهم فى الظاهر ولده ووريثه "يوسف". أما القيادة فكانت فى الواقع فى يد "يوسف بن سليمان" البطل المحارب الذى تسلق بالليل مكانا صخريا مشرفا على "شينيل" وباغت عسكر العدو فى الفجر وانتصر نصرا عظيما وفك حصار حاميتها، ودان له جميع سكان الوادى الذين كانوا قد أعلنوا خضوعهم لابن همشكا. فلما كانت سنة ٥٦٣ هـ (١١٦٨ م) وفى اللحظة التى اعترف فيها الغرناطيون بيوسف الأول "أميرا للمؤمنين" قام واليها فهزم بقربها كتيبة من المرتزقة النصارى الذين كانوا فى خدمة ابن مردنيش، وكانت هذه الكتيبة قد توغلت فى الداخل حتى بلغت "رندة" فلما عاد يوسف من حملته الفاشلة فى خريف ٥٦٨ هـ (١١٧٢ م) مر بغرناطة وولى عليها أخاه أبا سعيد عثمان الذى كان يصحبه فى هذه الحملة، ولم يحدث شئ هام أيام حكم الأمراء الموحدين التالين حتى زمن عبد المؤمن الذى أعلن وهو فى اشبيلية قبل سفره إلى مراكش أنه مهاجم محمد بن يوسف بن هود الجذامى الممثل لثورة المسلمين الأسبان. ولقد تمكن ابن هود (أثناء غياب المأمون) من السيطرة على معظم الأندلس كما اعترف بالخليفة العباسى المستنصر الذى جاء رسوله سنة ٦٣٢ هـ (١٢٣٣ م) إليه فرحب به أعظم ترحيب، وخلع على ابن هود لقب "أمير الأندلس" كلها، غير أن ابن هود لقى مصرعه اغتيالا فى ألمرية سنة ٥٣٥ هـ (١٢٣٧ م) فقام خصمه ابن الأحمر فى ارغونة واستولى على غرناطة سنة ٦٣٦ هـ (١٢٣٨ م) وأقام دوله بنى نصر. وكانت إحدى مهامه الأولى النظر الدقيق فى أمر المدينة فوضع أساس "القصر" وجهز آلات الحفر ووضع الأساس، ولم يمر العام حتى كان قد تم إنشاء كثير من التحصينات، وأجرى المياه من النهر، وأقام السدود، ولكنه
стр. 7484
أمر فى بداية البناء بقتل جابى الضرائب "أبى محمد بن عروس" وغيره من الجباة فقد طلب منهم من الأموال ما يسد رغبته للصرف على مشروعه. ولما مات الخليفة الموحدى الراشد سنة ٦٤٠ هـ (١٢٤٢ م) أعلن طاعته لأمير تونس أبى زكريا الحفصى الذى تسلم منه مبالغ مالية كبيرة كان العزم أن يصرفها المسلمون الأسبان فى الجهاد، لكن ابن الأحمر صرفها فيما أراد هو على توسيع مساجد المدينة، وأرغم القاضى محمد بن عياش أن يُقسم أن هذا المال من الحاكم التونسى لم يكن مرصودا لشئ معين ولكنه يصرف حسب الحاجة.
المصادر:
(١) ابن الخطيب: أعمال الأعلام، ص ١٣٩، ٢٦٠ - ٢٧٠.
(٢) Levi-Provencal: Esp. Mus., Leiden, Paris ١٩٥٠ - ٥٣, vol i, ٣٤٢, ii, ٣٣٠
(٣) R. Dozy: Hist. des Musulmans d'Espagne iii, ٧٠, ١٤٣
د، حسن حبشى [ميراندا A. Huici Miranda]
غريب
معناه الحرفى "غير المألوف"، وهو مصطلح فى فقه اللغة، وفى علم الحديث. وهو يعنى كمصطلح فى فقه اللغة: "العبارات النادرة، وغير المألوفة" (وبالتالى تكون غامضة تحتاج إلى تفسير) ويستخدم فى معناهما اللفظان ("وحشى" و"حوشى"). ومصطلح "غريب" يأتى كثيرا فى عناوين الكتب التى تتناول التعبيرات غير المألوفة عادة فى القرآن الكريم، وفى الحديث النبوى الشريف ويبدو أن الكتب التى تحمل عناوين "غريب القرآن" و"غريب الحديث" كانت قد وجدت فى فترة زمنية متقدمة ترجع إلى القرن الثانى الهجرى. ويوجد مصطلح "غريب" أيضًا فى أعمال خاصة بالنظرية الأدبية (حيث يحمل المعنى المدحى غير الفنى "غير مألوف", "أصيل"). وثمة أخبار قصصية تبين أن بعض النقاد الأمويين والعباسيين الأوائل قد عابوا على بعض الشعراء المعاصرين لهم استخدامهم لغة غير مألوفة، ومن هؤلاء الشعراء على سبيل المثال: الطرماح، والكميت، وابن
стр. 7485
مناذر؛ لأن هذه اللغة غير المألوفة، لم تكن جزءا من مجموع المفردات الأصلية لهؤلاء الشعراء، ولكنها نجمت من ميل إلى استخدام المهجور من الألفاظ. ويتبع معظم العلماء العمدة فى النظرية الأدبية الخط نفسه حيال معجم الشاعر، ولا يقرون إلا بصحة التعبيرات المعروفة فى عصر الشاعر نفسه، ويدينون بالمثل استخدام "غريب" الألفاظ فى النثر والخطابة. ولكن ابن الأثير الذى يتناول هذا الموضوع باستفاضة يرى أنه يمكن استخدام تعبيرات غير مألوفة فى الشعر طالما أنها لا تؤذى الأذن.
المصادر:
(١) الجاحظ: البيان, القاهرة سنة ١٩٤٨، جـ ١, ص ٣٧٨ - ٨٠.
(٢) قدامة بن جعفر: نقد الشعر، ليدن سنة ١٩٥٦، ص ١٠٠ - ٣.
(٣) الآمدى: الموازنة، استانبول سنة ١٢٨٧ هـ, ص ١٢٠ - ١, ١٩٠ - ١.
(٤) المرزبانى: الموشَّح، ص ١٩١ - ٢, ٢٠٨ - ٩, ٢٩٥ - ٦, ٣١٠ - ١, ٣٦٩ - ٧٠, ٣٧٦.
(٥) أبو هلال العسكرى: كتاب الصناعتين، القاهرة سنة ١٩٥٢، ص ٣, ٦١.
(٦) ابن رشيق: العمدة، القاهرة سنة ١٣٢٥ هـ، جـ ٢، ص ٢٠٥ - ٦.
(٧) الخفاجى: سر الفصاحة القاهرة سنة ١٩٥٣، ص ٦٩ - ٧٧.
(٨) ابن الأثير: الجامع الكبير، بغداد سنة ١٩٥٦، ص ٤١ - ٩، والمؤلف نفسه: المثل السائر، القاهرة سنة ١٩٣٩, جـ ١، ص ١٥٥ - ٧٨.
(٩) J. Fueck: العربية، برلين سنة ١٩٥٠ (الترجمة الفرنسية، باريس سنة ١٩٥٥)، الفهرس.
(١٠) Von Grunebaum: Kritik und Dichtkunst, فيسبادن سنة ١٩٥٥، الفهرس.
(١١) أمجد طرابلسى: La Critique poetique des Arabes, دمشق سنة ١٩٥٦، ص ١٦٧ - ٧٠.
حسن شكرى [س. أبونيبكر S. A.Bonebakker]
стр. 7486
الغريض
لقب لأبى زيد أو أبى مروان عبد الملك المغنى الذى ذاع صيته فى العصر الأموى وكان ابنا مدجنا لعبد بربرى وجارية من جوارى الأخوات الثلاث "عبلات" المكيات اللائى اشتهرن فى مكة بمراثيهن، وقد قامت إحداهن واسمها "ثريا" وهى التى امتدحها عمر ابن أبى ربيعة وغنى لها فقدمت أبا زيد (الغريض) إلى المغنى الشهير ابن "سريج" إلا أنه سرعان ما فاق أستاذه وبزّه مما جعل ابن سريج على أن يهجر هذا الفن. ثم ذاع صيته بانتقاله إلى بيت "سكينة بنت الحسن" كما غنى فى بلاط الخليفة الوليد الأول، وحدث فى إحدى المرات -وقد غنى الاثنان أمام سكينة أبياتا لعبد اللَّه العَرْجى فقالت سكينة إنها لا تدرى أيهما يبز الآخر فى حسن الغناء. وشيّهَتْما بعقدين أحدهما من اللؤلؤ والآخر من الياقوت، ولما أمر وإلى مكة نافع بن علقمة بمنع الخمر والموسيقى فرَّ الغريض إلى اليمن التى يقال إنه مات بها حوالى سنة ٩٨ هـ رغم أن هناك رواية أخرى يظهر فيها غريض فى بلاط يزيد الثانى سنة (١٠١ - ١٠٥ هـ) ويقال إن الجن كانت تلهمه الغناء فيه ما شاء الإبداع، وكان نجاحه فى شعر الرّمل والهزج مدعاة لابن سريج أن يقلّده فيهما وينهج نهجه، كذلك بدع الغريض فى اللعب بالعود والدفّ والنفخ بالمزمار، وقد عدّه إسحاق الموصلى رابع أربعة من أعظم المغنيين فى الإسلام حتى إنه وضع فيه كتابا سماه "كتاب الغريض" الذى يبين عظيم قدْره فى أيام الإسلام الأولى.
المصادر:
(١) الجاحظ: الحيوان، جزء ١ ص ٣٠٢، جزء ٤، ص ٢٠٨.
(٢) المسعودى: مروج الذهب، باريس، ١٨٦١ - ١٨٧٧, جزء ٣، ص ٣٢٧.
(٣) الأغانى: طبعة Brunnow, ليدن ١٨٨٣.
(٤) ابن عبد ربه: العقد الفريد، القاهرة, ١٨٨٧ - ١٨٨٨، الجزء ٣، ص ١٨٧.
أمل رواش [هـ. ج فارمر H. G. Farmer]
стр. 7487
الغزال
بالزاى المفتوحة المخففة هو يحيى بن الحكم البكر من أهل جيان بالأندلس نعت بالغزال فى شبابه لرقته وحسن طلعته، واشتهر فى بلاط الحكم الأول الذى كان إذا عاد من حملاته المستمرة عقد حوله ندوات شعرية يشارك هو فيها، وكان الغزال فى الخمسين من عمره حين سطع نجمه فى بلاط الأمير عبد الرحمن الثانى حين اتخذه واحدا من شعرائه المقربين إليه. وكان مما زاد فى رفعة مكانة الأمير السفارة التى أوفدتها إليه توفيليوس امبراطورة بيزنطة، فلما عادت إلى بلادها صحبها سفيران مسلمان كان أحدهما الغزال وثانيهما يحيى المعروف بصاحب المنقلة، يحملان اقتراح مولاهما بعقد معاهدة ضد العباسيين فى الشرق وحلفائهم أغالبة أفريقية الذين امتد نشاطهم فى حوض البحر الأبيض المتوسط حتى هاجموا صقلية. وبعد أن فرغ الغزال من أداء رسالة الأمير عبد الرحمن وتسليم هداياه إلى توفيليوس ظل بالبلاط البيزنطى فترة استطاع فيها بحنكته وذكائه أن يتوصل للوقوف بين يدي الإمبراطورة "تيودورا" وولى عهدها ميخائيل، وأعجب الإمبراطورة ما عليه الغزال من ظرف فوصلته ببعض الحلى والمجوهرات الثمينة هدية منها لبناته.
وكان الغزال شاعرا حاضر البديهة يخشاه الناس لهجوه المقذع الذى يتسم بالصراحة، حتى صار كثير الجريان على ألسنة العامة. ولما عاد الغزال من بلاط القسطنطينية عاد محملا بالهدايا وعدة أشجار من أشجار التين، وكان زرياب قد أدخل يومذاك الأندلس لعب الشطرنج فانصرف عنه الغزال، حتى لقد نهى قريبًا له عن لعبه وذمه إليه ووصفه من "عمل الشيطان".
وقد أدت بعثة الغزال الدبلوماسية وهجوم الفيكنج على الأندلس إلى ظهور أسطورة ذاعت فى القرن الثانى عشر أو الثالث عشر وروج لها ابن دحية الأندلسى ومفادها: أن عبد الرحمن -وقد أرضته سفارة الغزال وصاحبه إلى بيزنطة- عهد إليهما من جديد بسفارة إلى البلاد الشمالية لمنع ملك الفينكنج من معاوية الهجوم على الأندلس،
стр. 7488
ونجحت السفارة فيما ذهبت من أجله وعادت بعد رحلسة استغرقت تسعة أشهر تعرضت فيها لأخطار كثيرة فى مياه الأطلسى. والواقع أن القصة خيالية فى معظم أحداثها وكذلك دخل الخيال قصة الذهاب إلى بيزنطة فدخلها الجانب الأسطورى الذى شوه الحقيقة التاريخية.
المصادر:
بالإضافة إلى المصادر الواردة فى المادة انظر:
(١) القزوينى: عجائب المخلوقات (مادة ظبى).
(٢) الدميرى: حياة الحيوان (مادة ظبى وغزال).
(٣) ابن سيدة: المخصص، الجزء ٨، ص ٢١ - ٤٢ (مادة ظبى).
د. حسن حبشى [فيريه F. Vire]
الغزالى
أبو حامد محمد محمد الطوسى (٤٥٠ هـ/ ١٠٥٨ م - ٥٠٥ هـ/ ١١١١ م) كان متكلما بارزا وفقيها ومفكرا أصيلا وصوفيا ومصلحا
أثير كثيرٌ من الجدل حول اسمه هل هو "الغزالى" بتخفيف الزاى المفتوحة أم بتشديدها مع الفتح؟ وإن كان الأول أخف فى النطق.
حياته: ولد فى طوس من أعمال خراسان بالقرب من مدينة مشهد الحديثة عام ٤٥٠ هـ/ ١٠٥٨ م، تلقى العلم فيها هو وأخوه أحمد ثم انتقل هو إلى جرجان ثم نيسابور حيث تتلمذ على يد الجوينى إمام الحرمين حتى إذا مات الجوينى درس على أيدى كثير من العلماء وإن كان أكثرهم مجهولين، ثم انتقل إلى بغداد ليلقى دروسه بها، وفى عام ٤٨٨ هـ/ ١٠٩٥ م ألم به مرض منعه من التدريس وانتابه الشك لفترة من الزمن. ثم ترك بغداد للذهاب إلى الحج كما يقول لا سيما وأنه كان يعتقد أن الفساد كان متفشيا بين علماء الدين فى ذلك الحين. ثم عاد فى عام ٤٤٩ هـ/ ١١٠٦ م إلى التدريس فى مجال الفلسفة. ويقال إنه ذهب إلى دمشق وبيت المقدس ثم إلى المدينة ومكة لتأدية الحج. وقد عاش الغزالى تلك الفترة كالصوفى الفقير معتزلا
стр. 7489
الناس يمارس التأمل والتدريبات الروحية وفى تلك الفترة أيضا وضع أهم مؤلفاته وهو إحياء علوم الدين ثم سلك بعدئذ سلك الصوفية ورأى أن التصوف هو الطريق الأسمى للإنسان. وتوفى فى جمادى الآخرة - ديسمبر عام ٥٠٥ هـ/ ١١١١ م.
أعماله واتجاهاته الفكرية:
أ - يواجه الباحث فى فكر الغزالى صعوبة بالغة . إذ على الرغم من كثرة ما ترك من مؤلفات إلا أنه مما لا شك فيه أن كثيرا من الكتب مدسوسة عليه. فهناك قائمة تحوى ٤٠٤ عنوانا بعضها لا توجد له نسخ بين أيدينا، وبعضها الآخر ظهر بعناوين عدة. ومعظم الأعمال المنحولة والمنسوبة له تحمل نظرات صوفية أو فلسفية متقدمة تختلف عن الأفكار التى نعهدها فى كتبه المسلّم بصحتها. وصعوبة أخرى تواجه دارس الغزالى تتمثل فى ثراء فكره، وقد نبه ابن طفيل فى "حى بن يقظان" إلى وجود تناقضات فى كتاباته، كما نبه أيضا إلى أنه يكتب على مستويين أحدهما موجه إلى العامة والآخر إلى الخاصة، أى أن له نظرات باطنة لا يفصح عنها لكل عابر غير أنه ليس هناك ما يبرر الاعتقاد بوجود تناقضات فى كتاباته استنادا إلى وجود مستويين فى الكتابة كل منهما موجه إلى جمهور مختلف. كما أنه من المستبعد افتراض أن الغزالى اتخذ وجهة نظر صوفية ذات صبغة فلسفية فى أواخر حياته لأن كتاب "إلجام العوام" -وهو كتاب أنجزه قبل وفاته بعدة أيام- ينطوى على أفكار شبيهة بتلك التى وردت فى كتاب "الإحياء"، لذلك فإن أسلم طريقة لدراسة الغزالى هى التركيز على أعماله الرئيسية.
ب- الجانب الشخصى: قبل وفاة الغزالى بعامين كتب "المنقذ من الضلال" وهو بمثابة وصف لتطور أفكاره الدينية ولكنه لا يعد سيرة ذاتية بالمعنى الدقيق. فأحداثه غير مرتبة ترتيبا تاريخيا بل هى مجمل عام لحياته. وبه رد على ما واجه كتابه من نقد لأفكاره وتصرفاته. وثمة كتاب صغير يسمى "الإملاء" كتبه للرد على من انتقد كتابه "الإحياء".
стр. 7490
جـ- الفقه: اقتصرت كتاباته الأولى على مجال الفقه، ومنها كتاباه "البسيط" و"الوسيط" وقد كتب "الوجيز" فيه ٤٩٥ هـ/ ١١٠١ م. أما "المستصفى" فقد كتبه أيام إقامته فى نيسابور ويدور حول أصول الفقه.
د- الفلسفة والمنطق: بعد فترة الشك التى مر بها الغزالى عكف على دراسة الفلسفة دراسة متأنية وخصوصا الأفلاطونية الجديدة كما وردت عند الفارابى وابن سينا. وعلى الرغم من أنه كان يهدف فى نهاية الأمر إلى بيان أن هذه الفلسفات تتعارض مع الإسلام السنى إلا أنه فى كتابه "مقاصد الفلسفة" قدم عرضا خالصا للفلسفة دون نقدها. وكان له صداه الطيب فى الأندلس فى القرنين الثانى عشر والثالث عشر، وأعقب ذلك كتابه "تهافت الفلاسفة" عام ٤٨٨ هـ/ ١٠٩٥ م ذكر فيه عشرين مسألة تتعارض فيها أقوال الفلاسفة مع معتقدات أهل السنة وقد ركز الغزالى فى هذا الكتاب على بيان تناقض الفلاسفة دون أن يقدم وجهة نظر منسقة خاصة به. ولكن الغزالى كان معجبا بصفة خاصة بالمنطق وبصفة أخص بالقياس الأرسطى فكتب كتابيه "معيار العلم" و"محك النظر"، أما كتابه "القسطاس المستقيم" فقد كتبه ليبين فائدة استخدام المنطق فى المسائل الدينية.
هـ - علم الكلام: أهم كتبه فى هذا المجال "الاقتصاد فى الاعتقاد" ويرجح أنه كتبه قبل قليل من مغادرته بغداد أو بعد قليل، ويرى ابن خلدون بحق أن الغزالى يعد بهذا الكتاب مؤسس اتجاه جديد فى علم الكلام، نظرا لاستخدامه المنطق الأرسطى وبصفة خاصة القياس. وقد تحدث الغزالى عن هذا الكتاب فى كتابه "الأربعين" واصفا إياه بأنه يمهد الطريق للوصول إلى المعرفة على الطريقة الصوفية على خلاف كتب المتكلمين التقليدية، وهذا يعزز الاعتقاد بأن الغزالى ظل أشعريا فى الأمور الاعتقادية إذ كان يرى أن المناقشة العقلية للأمور الدينية ينبغى أن تنحصر فى حدود معينة لا تتعداها لا سيما وأن هذه المناقشات العقلية لا تعود على أحد
стр. 7491
بفائدة عملية. ومن مؤلفاته فى هذا الموضوع كتاب "فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة" وهو نقد موجه ضد فرقة الباطنية، أما كتاب "إلجام العوام عن علم الكلام" -وهو فيما يبدو آخر مؤلفاته- فهو بمثابة تحذير من مخاطر دراسة علم الكلام لمن كان تحصيله العلمى ضئيلا.
و- الممارسة الصوفية: أهم كتب الغزالى من حيث المحتوى وأكبرها حجما "إحياء علوم الدين" فى أربعة مجلدات يعالج فيه أربعة أبواب "العبادات" و"العادات" و"المهلكات" و"المنجيات" وكل باب استغرق عشرة كتب. ومن ثم فهو يعتبر مرشدا كاملا للمسلم التقى فى كل ما يتعلق بالحياة الدينية، سواء العبادات أو السلوك اليومى أو نقاء السريرة والتقدم على طريق التصوف الذى من شأنه أن يحقق "بداية الهداية" كما يعد كتاب "الأربعين" ملخصا "للإحياء". أما كتابه "كيمياء السعادة" فهو فى الأصل موجز "للإحياء" ولكن باللغة الفارسية.
ى- النظرة الصوفية: فى هذا المجال تكثر حالات الانتحال أى الكتب المشكوك فى نسبتها للغزالى، إلا أن كتابه "مشكاة الأنوار" يعد من كتبه غير المشكوك فيها إلا الفصل الأخير منه. وكتاب "الرسالة الدينية" يتحدث عن معرفة الأمور الإلهية وطبيعة هذه المعرفة حيث يصل إليها المرء بالذوق أى بالحس ونسبته للغزالى مشكوك فيها نظرا لتشابهه مع كتاب لابن عربى ولاحتوائه على أفكار مستمدة من الأفلاطونية الجديدة. وهناك كتب عديدة للغزالى فى هذا المجال أهمها كتاب "منهاج العابدين" وهو يهم دارسى التصوف حتى لو ثبت أنه منتحل فهو يكشف عن التفكير الصوفى فى عصر الغزالى.
أثر الغزالى:
أ- كان لنقده لفرقة الباطنية أثره فى التقليل من جاذبية هذه الفرقة لدى جمهور المسلمين.
ب- بعد توجيه سهام نقده للفلاسفة لم تظهر أسماء كبيرة فى الحركة الفلسفية فى الشرق الإسلامى، وإن كان من غير الواضح إلى أى حد
стр. 7492
ساهم الغزالى فى تدهور الفلسفة، إذ أن كتابه "تهافت الفلاسفة" ظل رائجا فى الغرب الإسلامى مما يعنى أن ثمة أسبابا أخرى لها أهميتها قد عملت على تدهور الفلسفة.
جـ - أدت دراسات الغزالى الفلسفية إلى إدماج عدة فروع منها -وبصفة خاصة المنطق- فى علم الكلام. وبمرور الوقت أخذ علماء الكلام يولون المزيد من الوقت والمساحة للأولويات الفلسفية.
د- أدت "الخانقاة" (التى أسسها فى طوس وعاش فيها مع مريديه) خدمات جليلة للمسلمين من مختلف مستوياتهم التعليمية.
المصادر:
(١) P. BAUYGES: ESsai de chrondosie des oeunes de al-Ghezali ed. M. Al lard., Beirut ١٩٥٩
(٢) D.B. Macdonald: The life of al-Ghazzali in JAOS. (١٨٩٩). ٧١'١٣٢. Mar garet Smith, Al-Ghazali the mystic. London ١٩٤٤
(٣) EW. Mantgomery walt: Muslim intellectual, Edinbwgh ١٩٦٣
(٤) W.R. WGardne: An account of AlGazali's life and words. Mahas ١٩١٩
(٥) S.M. Zwemer: A Moslem seeher apter God Lodon ١٩٢٠
(٦) Brochelmann J. ٥٣٥ - ٤٦. SI, ٧٤٤ - ٥٦ Bouyges, Chranlgre- An ZDMG, XCiii ٣٩٥ - ٤٠٨, Fr. Mecer (English tr. by F.R.C. Bagley, Chezali's Book of Counrel for Kings London ١٩٥٣
(٧) W. Montgomery watt: The faith and Pradtic of AIGhezali-London ١٩٥٣
(٨) G. H Bousquer: Ih'ya au vivification des suenes de la foi, analyse et index Paris ١٩٥٥
(٩) M. Asim Palacios: la espisitualicad de Algazed y su sentido critiona, Madrid ١٩٣٥ etc
(١٠) J. Obermann: Der Philaaspharische und religirere Subkektivismes Ghezalis, Vicenna and Leipzrig ١٩٢١
(١١) A. J. Wensinch: la Peure de Ghazali Paris ١٩٤٠. farid Jabre: La notion de la Ma'sifa chez Ghazuli, ١٩٥٨
стр. 7493
(١٢) M. Smith: al-Ghazuli the Mvstic Rogu Arnaldey, Contraverses theologiques chezz Ibn Hazm de Gordoue et Ghazali in les Mardis de Dar el-Salam, Sommaire ١٩٥٣, Paris ١٩٥٦, ٢٠٧ - ٤٨
سعيد عبد المحسن [مونتجمرى وات W. Montgomary Walt]
الغزل
تسمى أغنية الحبِّ أو قصيدةُ الحب غَزَلا، وفى لسان العرب لابن منظور الغزلُ حديثُ الفتيان والفتيات، والغزلُ أيضًا اللَّهو مع النساء، وغازل الفتى فتاته أسمعها حلو الكلام. وكلمة الغزل عربية وانتقلت منها إلى الفارسية والتركية والأوردية، وأصبح لها فى هذه اللغات معان خاصة.
والأصل اللغوى للكلمة هو مادة (غَزَل) ففى ابن منظور (غزلت المرأة القطن والكتان وغيرهما تغزله غزلا وكذلك اغتزلته وهى تغزل بالمِغْزل. . الخ لكنه ليست هناك -فى الواقع علاقة بين هذا المعنى الأخير ومعنى ملاطفة النساء بقصائد الحب وأغانى العشق، كما ليست هناك علاقة بينه وبين أغانى النساء وهن يَغْزِلْن، وقد ذهب إلى هذا الرأى الخاطئ تيبيولوس Tibullus فى بحث نشر فى باريس سنة ١٩٣١.
وارتبط الغزل أحيانا باللَّهْو كما فى بعض أشعار الأخطل وسُراقة (يلهو إلى غَزَل الشباب)، كما ارتبطت الكلمةُ بأغانى الحب التى تناجى الحبيبَ كما فى أشعار الوضّاح، وبدءا الغزل نقيضا للخَوْف من الموت. وبدءا من القرن الثالث الهجرى (التاسع للميلاد) انصرف مصطلح الغزل لمعناه العام الذى أوردناه فى صدر هذا المقال وأصبحت صيغة المفاضلة (أَغْزَل) تستخدم للمفاضلة بين قصائد الغزل والشعراء الغزليين (هذه القصيدة أغزل من تلك، هذا الشاعر أغزل من ذاك).
كما استخدمت صيغة المبالغة فكان يقال (هذا شاعرٌ غَزِل -بفتح الغين وكسر الزاى) وذلك منذ القرن الثالث للهجرة وقد فرَّق قدامة بين الغزل والتغزُّل وأصبح الغزل مختلف شيئا ما عن النسيب.
والأفكار المرتبطة بالغزل هى نفسها الأفكار المرتبطة بالتشبيب من الفعل
стр. 7494
شبَّب ويستخدم التشبيب كمرادف للغزل والنسيب إلّا أنَّ هذا المصطلح الأخير -فيما يقول ابن دُرَيد- هو الأكثر استخداما.
والتشبيب يقينا مشتق من الفعل شبَّبَ (شبَّ يشبُّ شبابًا وشبيبة. . والشبيبة خلاف الشيب. .)، ومع أن مصطلح النسيب هو الأكثر استخدامًا إلا أنَّ أصله اللغوى غامض لكنَّ ذلك لا يمنعنا من إيجاد صلة بينه وبين النَّصب، وفى لسان العرب (النَّصب أن يسير القوم يومهم وهو سير ليِّن، ومنه قول الشاعر:
كأن راكبها يهْوى بمنخرقٍ ... من الجنوبِ إذا ما ركْبُها نَصَبُوا
والنَّصب نوع من تفجّع راكب الجمل يشبه الحداء.
الغزل فى الشعر العربى:
لا يمكن أن تكون قصيدة الغزل العربية موضوعا لدراسة تاريخية ونقدية إلّا منذ الربع الأخير من القرن السادس الميلادى من خلال ما وصلنا من قصائد امرئ القيس وطرفة وغيرهما، وتشير الأدلة إلى أن كثيرا من شعر الغزل قبل هذه الفترة -مثله مثل الحداء- كان مرتجلا وابن لحظته لذا لم يصلنا منه شئ. لكن متى وأين وفى ظل أية ظروف ظهر تقليد بدء القصيدة العربية باستهلال غزلى، ذلك التقليد الذى أصبح عرفًا فى القرن السابع للميلاد وأطلق عليه اسم النَّسيب؟ إن إجابتنا عن هذا السؤال المتشعب لا تعدو أن تكون تخمينا، وربما كان سبب هذا التقليد أن القصيدة قد تحولت من مجرد شكل إلى حركة غنائية مفعمة بالتعبير عن الذات بشكل صارخ كما يتجلى ذلك فى الفخر والتعبير المشبع بالغرور، ففى هذا الجو النفسى دخل النَّسيب ليكون جزءا من القصيدة يعبر فيه الشاعر عن شهواته ووجده فى آن معا، والحقيقة أننا نجد عند الطوارق الشئ نفسه مقترنا بالفخر، فليس الأمر إذن قاصرًا على العرب، ويبدو أن إدراج النسيب فى قصائد بدْو وسط شبه الجزيرة العربية وشرقها كان فى المرحلة الأولى بتأثير شعراء من سهوب الفرات وهو ما يقول به الباحثون العراقيون إلّا أنَّ هناك
стр. 7495
افتراضا أن ذلك يُعزى إلى شعراء بعينهم كابن حزم وامرئ القيس. وثمة دلالات تجعلنا نكتشف تأثيرات لمناطق أخرى قريبة قربا وثيقا من أسلوب الحياة البدوية كتيماء ومكة (المكرمة) والطائف.
ودراسة القصائد الغزلية التى تطورت فى الحجاز حوالى سنة ٥٠ هـ/ ٦٧٠ م وأواخر الربع الأول من القرن الثانى الهجرى (الثامن الميلادى) يحول دون تمامها أن جزءا كبيرا من هذا الشعر قد اختفى وبعضه منحول أو لحقه تنقيح فى وقت لاحق كما فى حالة قصائد كثيِّر ونصيْب، حتى فى حالة ديوان مهم كديوان عمر ابن أبى ربيعة تُثار قضايا مهمة
وقد ظلت الصلة بين الشعر والموسيقى حيَّة دائمًا وتجلَّى ذلك فى استخدام شعراء الحجاز لبحور من الشعر غير معروفة لشعراء الصحراء كبحور الخفيف والهزج والرمل كما كانت ألفاظهم أقل حوشية وغرابة من شعراء الصحراء، وهذا لا يمنع من أن شعراء الحجاز نحوا نحو شعراء الصحراء بحديثهم عن الأطلال والرحيل ولوعة الفراق.
ويشكل الشعر العذرى مرحلة مهمة فى تطور الشعر الغزلى لكن هناك صعوبة فى معرفة بداية هذه المرحلة ففى النصوص الشعرية الغزلية المنسوبة للشعراء الحجازيين يجد القارئ كثيرا من المشاعر الرقيقة والأحاسيس السامية ويمكن للمرء أن يعزو ظهور هذا النوع العذرى إلى تأثيرات أتت من خارج بلاد العرب البدائية وقد يكون ذلك من العراق أو نتيجة اتصال بين مراكز حضرية فى كليهما. حقيقة أنه عندما حدث فى الربع الأول من القرن الثانى للهجرة (الثامن للميلاد) أن غادر المدينة (المنورة) مؤلفو الأشعار المغّناة ليستقروا فى العراق حاملين معهم تلك الروح التى أدت لانتعاش الحركة الأدبية فى الحجاز دون أن يكونوا هم مبدعوها، فإن كل ما حدث -نتيجة هذه الهجرة- أن تحركت مشاعر العامة من أهل العراق نظرا لما كانوا يسمعونه من حكايات عن الشعراء الغزليين فى مكة والمدينة. ومنذ نهاية
следующие страницы →