بفائدة عملية. ومن مؤلفاته فى هذا الموضوع كتاب "فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة" وهو نقد موجه ضد فرقة الباطنية، أما كتاب "إلجام العوام عن علم الكلام" -وهو فيما يبدو آخر مؤلفاته- فهو بمثابة تحذير من مخاطر دراسة علم الكلام لمن كان تحصيله العلمى ضئيلا.
و- الممارسة الصوفية: أهم كتب الغزالى من حيث المحتوى وأكبرها حجما "إحياء علوم الدين" فى أربعة مجلدات يعالج فيه أربعة أبواب "العبادات" و"العادات" و"المهلكات" و"المنجيات" وكل باب استغرق عشرة كتب. ومن ثم فهو يعتبر مرشدا كاملا للمسلم التقى فى كل ما يتعلق بالحياة الدينية، سواء العبادات أو السلوك اليومى أو نقاء السريرة والتقدم على طريق التصوف الذى من شأنه أن يحقق "بداية الهداية" كما يعد كتاب "الأربعين" ملخصا "للإحياء". أما كتابه "كيمياء السعادة" فهو فى الأصل موجز "للإحياء" ولكن باللغة الفارسية.
ى- النظرة الصوفية: فى هذا المجال تكثر حالات الانتحال أى الكتب المشكوك فى نسبتها للغزالى، إلا أن كتابه "مشكاة الأنوار" يعد من كتبه غير المشكوك فيها إلا الفصل الأخير منه. وكتاب "الرسالة الدينية" يتحدث عن معرفة الأمور الإلهية وطبيعة هذه المعرفة حيث يصل إليها المرء بالذوق أى بالحس ونسبته للغزالى مشكوك فيها نظرا لتشابهه مع كتاب لابن عربى ولاحتوائه على أفكار مستمدة من الأفلاطونية الجديدة. وهناك كتب عديدة للغزالى فى هذا المجال أهمها كتاب "منهاج العابدين" وهو يهم دارسى التصوف حتى لو ثبت أنه منتحل فهو يكشف عن التفكير الصوفى فى عصر الغزالى.
أثر الغزالى:
أ- كان لنقده لفرقة الباطنية أثره فى التقليل من جاذبية هذه الفرقة لدى جمهور المسلمين.
ب- بعد توجيه سهام نقده للفلاسفة لم تظهر أسماء كبيرة فى الحركة الفلسفية فى الشرق الإسلامى، وإن كان من غير الواضح إلى أى حد
стр. 7492
ساهم الغزالى فى تدهور الفلسفة، إذ أن كتابه "تهافت الفلاسفة" ظل رائجا فى الغرب الإسلامى مما يعنى أن ثمة أسبابا أخرى لها أهميتها قد عملت على تدهور الفلسفة.
جـ - أدت دراسات الغزالى الفلسفية إلى إدماج عدة فروع منها -وبصفة خاصة المنطق- فى علم الكلام. وبمرور الوقت أخذ علماء الكلام يولون المزيد من الوقت والمساحة للأولويات الفلسفية.
د- أدت "الخانقاة" (التى أسسها فى طوس وعاش فيها مع مريديه) خدمات جليلة للمسلمين من مختلف مستوياتهم التعليمية.
المصادر:
(١) P. BAUYGES: ESsai de chrondosie des oeunes de al-Ghezali ed. M. Al lard., Beirut ١٩٥٩
(٢) D.B. Macdonald: The life of al-Ghazzali in JAOS. (١٨٩٩). ٧١'١٣٢. Mar garet Smith, Al-Ghazali the mystic. London ١٩٤٤
(٣) EW. Mantgomery walt: Muslim intellectual, Edinbwgh ١٩٦٣
(٤) W.R. WGardne: An account of AlGazali's life and words. Mahas ١٩١٩
(٥) S.M. Zwemer: A Moslem seeher apter God Lodon ١٩٢٠
(٦) Brochelmann J. ٥٣٥ - ٤٦. SI, ٧٤٤ - ٥٦ Bouyges, Chranlgre- An ZDMG, XCiii ٣٩٥ - ٤٠٨, Fr. Mecer (English tr. by F.R.C. Bagley, Chezali's Book of Counrel for Kings London ١٩٥٣
(٧) W. Montgomery watt: The faith and Pradtic of AIGhezali-London ١٩٥٣
(٨) G. H Bousquer: Ih'ya au vivification des suenes de la foi, analyse et index Paris ١٩٥٥
(٩) M. Asim Palacios: la espisitualicad de Algazed y su sentido critiona, Madrid ١٩٣٥ etc
(١٠) J. Obermann: Der Philaaspharische und religirere Subkektivismes Ghezalis, Vicenna and Leipzrig ١٩٢١
(١١) A. J. Wensinch: la Peure de Ghazali Paris ١٩٤٠. farid Jabre: La notion de la Ma'sifa chez Ghazuli, ١٩٥٨
стр. 7493
(١٢) M. Smith: al-Ghazuli the Mvstic Rogu Arnaldey, Contraverses theologiques chezz Ibn Hazm de Gordoue et Ghazali in les Mardis de Dar el-Salam, Sommaire ١٩٥٣, Paris ١٩٥٦, ٢٠٧ - ٤٨
سعيد عبد المحسن [مونتجمرى وات W. Montgomary Walt]
الغزل
تسمى أغنية الحبِّ أو قصيدةُ الحب غَزَلا، وفى لسان العرب لابن منظور الغزلُ حديثُ الفتيان والفتيات، والغزلُ أيضًا اللَّهو مع النساء، وغازل الفتى فتاته أسمعها حلو الكلام. وكلمة الغزل عربية وانتقلت منها إلى الفارسية والتركية والأوردية، وأصبح لها فى هذه اللغات معان خاصة.
والأصل اللغوى للكلمة هو مادة (غَزَل) ففى ابن منظور (غزلت المرأة القطن والكتان وغيرهما تغزله غزلا وكذلك اغتزلته وهى تغزل بالمِغْزل. . الخ لكنه ليست هناك -فى الواقع علاقة بين هذا المعنى الأخير ومعنى ملاطفة النساء بقصائد الحب وأغانى العشق، كما ليست هناك علاقة بينه وبين أغانى النساء وهن يَغْزِلْن، وقد ذهب إلى هذا الرأى الخاطئ تيبيولوس Tibullus فى بحث نشر فى باريس سنة ١٩٣١.
وارتبط الغزل أحيانا باللَّهْو كما فى بعض أشعار الأخطل وسُراقة (يلهو إلى غَزَل الشباب)، كما ارتبطت الكلمةُ بأغانى الحب التى تناجى الحبيبَ كما فى أشعار الوضّاح، وبدءا الغزل نقيضا للخَوْف من الموت. وبدءا من القرن الثالث الهجرى (التاسع للميلاد) انصرف مصطلح الغزل لمعناه العام الذى أوردناه فى صدر هذا المقال وأصبحت صيغة المفاضلة (أَغْزَل) تستخدم للمفاضلة بين قصائد الغزل والشعراء الغزليين (هذه القصيدة أغزل من تلك، هذا الشاعر أغزل من ذاك).
كما استخدمت صيغة المبالغة فكان يقال (هذا شاعرٌ غَزِل -بفتح الغين وكسر الزاى) وذلك منذ القرن الثالث للهجرة وقد فرَّق قدامة بين الغزل والتغزُّل وأصبح الغزل مختلف شيئا ما عن النسيب.
والأفكار المرتبطة بالغزل هى نفسها الأفكار المرتبطة بالتشبيب من الفعل
стр. 7494
شبَّب ويستخدم التشبيب كمرادف للغزل والنسيب إلّا أنَّ هذا المصطلح الأخير -فيما يقول ابن دُرَيد- هو الأكثر استخداما.
والتشبيب يقينا مشتق من الفعل شبَّبَ (شبَّ يشبُّ شبابًا وشبيبة. . والشبيبة خلاف الشيب. .)، ومع أن مصطلح النسيب هو الأكثر استخدامًا إلا أنَّ أصله اللغوى غامض لكنَّ ذلك لا يمنعنا من إيجاد صلة بينه وبين النَّصب، وفى لسان العرب (النَّصب أن يسير القوم يومهم وهو سير ليِّن، ومنه قول الشاعر:
كأن راكبها يهْوى بمنخرقٍ ... من الجنوبِ إذا ما ركْبُها نَصَبُوا
والنَّصب نوع من تفجّع راكب الجمل يشبه الحداء.
الغزل فى الشعر العربى:
لا يمكن أن تكون قصيدة الغزل العربية موضوعا لدراسة تاريخية ونقدية إلّا منذ الربع الأخير من القرن السادس الميلادى من خلال ما وصلنا من قصائد امرئ القيس وطرفة وغيرهما، وتشير الأدلة إلى أن كثيرا من شعر الغزل قبل هذه الفترة -مثله مثل الحداء- كان مرتجلا وابن لحظته لذا لم يصلنا منه شئ. لكن متى وأين وفى ظل أية ظروف ظهر تقليد بدء القصيدة العربية باستهلال غزلى، ذلك التقليد الذى أصبح عرفًا فى القرن السابع للميلاد وأطلق عليه اسم النَّسيب؟ إن إجابتنا عن هذا السؤال المتشعب لا تعدو أن تكون تخمينا، وربما كان سبب هذا التقليد أن القصيدة قد تحولت من مجرد شكل إلى حركة غنائية مفعمة بالتعبير عن الذات بشكل صارخ كما يتجلى ذلك فى الفخر والتعبير المشبع بالغرور، ففى هذا الجو النفسى دخل النَّسيب ليكون جزءا من القصيدة يعبر فيه الشاعر عن شهواته ووجده فى آن معا، والحقيقة أننا نجد عند الطوارق الشئ نفسه مقترنا بالفخر، فليس الأمر إذن قاصرًا على العرب، ويبدو أن إدراج النسيب فى قصائد بدْو وسط شبه الجزيرة العربية وشرقها كان فى المرحلة الأولى بتأثير شعراء من سهوب الفرات وهو ما يقول به الباحثون العراقيون إلّا أنَّ هناك
стр. 7495
افتراضا أن ذلك يُعزى إلى شعراء بعينهم كابن حزم وامرئ القيس. وثمة دلالات تجعلنا نكتشف تأثيرات لمناطق أخرى قريبة قربا وثيقا من أسلوب الحياة البدوية كتيماء ومكة (المكرمة) والطائف.
ودراسة القصائد الغزلية التى تطورت فى الحجاز حوالى سنة ٥٠ هـ/ ٦٧٠ م وأواخر الربع الأول من القرن الثانى الهجرى (الثامن الميلادى) يحول دون تمامها أن جزءا كبيرا من هذا الشعر قد اختفى وبعضه منحول أو لحقه تنقيح فى وقت لاحق كما فى حالة قصائد كثيِّر ونصيْب، حتى فى حالة ديوان مهم كديوان عمر ابن أبى ربيعة تُثار قضايا مهمة
وقد ظلت الصلة بين الشعر والموسيقى حيَّة دائمًا وتجلَّى ذلك فى استخدام شعراء الحجاز لبحور من الشعر غير معروفة لشعراء الصحراء كبحور الخفيف والهزج والرمل كما كانت ألفاظهم أقل حوشية وغرابة من شعراء الصحراء، وهذا لا يمنع من أن شعراء الحجاز نحوا نحو شعراء الصحراء بحديثهم عن الأطلال والرحيل ولوعة الفراق.
ويشكل الشعر العذرى مرحلة مهمة فى تطور الشعر الغزلى لكن هناك صعوبة فى معرفة بداية هذه المرحلة ففى النصوص الشعرية الغزلية المنسوبة للشعراء الحجازيين يجد القارئ كثيرا من المشاعر الرقيقة والأحاسيس السامية ويمكن للمرء أن يعزو ظهور هذا النوع العذرى إلى تأثيرات أتت من خارج بلاد العرب البدائية وقد يكون ذلك من العراق أو نتيجة اتصال بين مراكز حضرية فى كليهما. حقيقة أنه عندما حدث فى الربع الأول من القرن الثانى للهجرة (الثامن للميلاد) أن غادر المدينة (المنورة) مؤلفو الأشعار المغّناة ليستقروا فى العراق حاملين معهم تلك الروح التى أدت لانتعاش الحركة الأدبية فى الحجاز دون أن يكونوا هم مبدعوها، فإن كل ما حدث -نتيجة هذه الهجرة- أن تحركت مشاعر العامة من أهل العراق نظرا لما كانوا يسمعونه من حكايات عن الشعراء الغزليين فى مكة والمدينة. ومنذ نهاية
стр. 7496
القرن الثانى للهجرة (الثامن للميلاد) ظهر فى بغداد أدب ذو طابع رومانسى إلى حد كبير، بالإضافة للأدب ذى الطابع التقليدى، وقد أورد لنا ابن النديم فى كتابه الفهرست عددا من المؤلفين الذين نحوا هذا المنحى مثل ابن الكلبى والمدائنى أو الهيثم بن عَدِىّ وقد استشهد أبو الفرج الأصفهانى فى كتابه الأغانى بكتاباتهم وقد أظهرت استشهاداته تلك أن الشعراء المحبِّين يقاسون أحيانا من تغيُّر حقيقى يعترى أبدانهم وأرواحهم ليصبحوا -مثل جميل- عشاقا حقيقيّين، لذا فنحن لا نستطيع من خلال الأعمال الشعرية التى صحت نسبتها أو التى نسبت خطأ لغير مبدعيها إلّا أن نقول إنها تعكس الحالة النفسية لهؤلاء الأبطال العاشقين الذين يظهرون فى القصص أو تراجم العاشقين، أيمكن لمجموعة قبلية بعينها فى غريب شبه الجزيرة العربية أن تشيع فى تراثها الشعبى منذ القرن الأول للهجرة (السابع للميلاد) أو حتى قبل ذلك قصص حب تتحلّق حول شخوص أسطوريين أو خرافيين على نحو أو آخر؟ إن هذا ممكن جدًا فقبيلة عُذرة الصغيرة التى كانت فى القرن الأول للهجرة (السابع للميلاد) تمتد مضاربها من واحة تَيْماء إلى وادى القرى تفخر بأنها أنجبت واحدا من هؤلاء الأبطال ذلك هو الشاعر المشهور جميل. وعلى آية، فلم تكن قبيلة عذرة وحدها التى ادعت مثل هذا الادعاء، فقد فخرت قبيلة نهد التى تمتد مضاربها فى المنطقة نفسها بأنه قد ولد فيها السيد ابن عَجْلان الذى أصبح أخيرا بطلا لقصة حب زاخرة بالأعمال البطولية وبسبب رغبة كل قبيلة فى التفرد والمفاخرة فقد ابتدعت أبطالا من النوع نفسه مثل عامر بن صَعْصعة، والمجنون الذى حقق شهرة كبيرة بسبب ولعه وهيامه بليلى.
وقد لعب بشار بن برد المولود حوالى ٩٥ هـ/ ٧١٤ م والمتوفى حوالى ١٦٧ هـ/ ٧٨٤ م دورا مهما فى نشر مجالات شعرية بعينها فى البصرة، ففى ديوانه غير المكتمل يسهل ملاحظة مخاطبته لعبدة وغيرها من نسوة البصرة حيث يبدو حبه يائسًا لا أمل فيه، وقد كان مجتمع البصرة زمن
стр. 7497
بشار مجتمعا متحرر الفكر متسامحا بل منغمسًا فى المسرات والمتع مما زاد التعطش لمسرات أكثر نقاء وأبعد عن الفحش، ولقد عانى بشار خيبة الأمل مثل معاصره الكوفى مطيع بن إياس (المتوفى سنة ١٧٠ هـ/ ٧٨٧ م) ويعزى هذا الهروب من حياة الفحش والانغماس فى اللذة المادية إلى شاعر آخر من البصرة أيضا هو العباس بن الأحنف (الذى ولد حوالى ١٣٣ هـ/ ٧٥٠ م ومات حوالى ١٩٣ هـ/ ٨٠٨ م) وتحتل أشعار هذا الشاعر مكانًا فريدًا فى تاريخ الشعر العربى فهى أشعار حب عذرى حقا.
وكان ظهور أبى نواس (ولد بين ١٣٠/ ١٤٥ هـ - ٧٤٧/ ٧٦٢ م وتوفى فى بغداد حوالى ٢٠٠ هـ/ ٨١٥ م) علامة تمثل مرحلة جديدة فى تطور شعر الغزل، وكان أبو نواس ابنا لأم إيرانية وأب نصف عربى، إلّا أن الوجد الروحى والشفافية التى تمثلت فى شعر العباس بن الأحنف وبشار أقل وضوحا فى شعر أبى نواس وربما كان لبيئته البغدادية أثر فى هذا.
لقد شهد القرن الثالث للهجرة (التاسع للميلاد) تأثيرا متعاظما للأفلاطونية الجديدة فتأثرت العقائد بالفلسفة وظهر ذلك فى كتاب الموشّى للوشاء وكتابات محمد بن داود ألأصفهانى وقد انعكست هذه الأفكار حتى فى أشعار الكلاسيكية الجديدة فى المشرق الإسلامى متمثلة فى أبى تمام والبحترى والمتنبى، ولقد خف الطابع البدوى كثيرًا فى أشعار هؤلاء.
وقدم لنا الشاعر القرطبى ابن زيدون (المولود منه ٣٩٤ هـ/ ١٠٠٣ م والمتوفى فى أشبيلية ٤٦٣ هـ/ ١٧٠١ م) أشعارا غزلية ذات طعم خاص باستخدام ألفاظ جديدة عذبة وصور بيانية أكثر سلاسة. وقدمت الأندلس شكلا جديدا عُرف بالموشحات وإنتقل هذا الفن إلى الشرق الإسلامى حيث كان لابن سناء الملك فى مصر وصلى الدين الحلّى فى العراق دور بارز فى هذا المضمار.
وفى العصر الحديث نشهد فى الشرق الأوسط جهودا لإحداث ثورة شعرية بتأثير من السريالية والرمزية وهى جهود تستحق الاهتمام لكن
стр. 7498
الوقت ما زال مبكرًا للحكم عما إذا كانت ستترك تأثيرا عميقا فى الغزل العربى أم لا.
المصادر:
لدراسة الشعراء حتى نهاية القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى انظر كتاب الأغانى (القاهرة ١٩٢٢, فى ١٦ جزءًا مطبوعًا) وابن قتيبة، الشعر والشعراء، ليدن ١٩٠٠.
(١) العماد الأصفهانى: خريدات القصر (طبعة ش. فيصل، دمشق ١٣٧٥ هـ/ ١٩٥٥ م و ١٣٧٨ هـ/ ١٩٥٩ م).
(٢) ديوان عمر بن أبى ربيعة (طبعة عبد الحميد، القاهرة ١٣٧١ هـ/ ١٩٥٢ م).
(٣) ديوان كثير (طبعة بيريه فى جزأين، الجزائر ١٩٢٨ - ١٩٣٠ م).
(٤) ديوان جميل (طبعة نصار، القاهرة، غير مؤرخ).
عبد الرحمن الشيخ [بلاشير R. Blachere]
الغزل فى الأدب الفارسى
الغزل واحد من أكثر الموضوعات الأدبية تناولا فى القصائد الغنائية الفارسية الجديدة، والقصيدة الغنائية فى شكلها الحالى تتكون من أبيات قليلة لا تقل عادة عن خمسة ولا تزيد عن اثنى عشر بيتا تجرى جميعها على قافية واحدة (وغالبا ما تصحب برديف) ويسمى البيت الأول (المطلع) وفيه يتفق المصراعان فى القافية أما البيت الأخير فيسمّى (مقطع) ويحتوى على اسم مستعار أو كنية للمؤلف ويسمى (تخلص)، وغالبًا ما تتناول قصيدة الغزل الحب والربيع والخمر كل ذلك معا وبشكل مترابط ويرجع بعض الباحثين قصائد الغزل الفارسية إلى النسيب أو التشبيب فى القصيدة العربية، ويرجعه آخرون إلى الأغانى الشعبية الفارسية، ويعتبر السعدى (القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر للميلاد) هو الممثل للحد الفاصل بين الغزل الفنى والغزل العام (المبتذل). لقد اشتقت الآداب الفارسية من الأدب العربى أوزان الشعر وشكله وبدا ذلك واضحًا فى الدول المستقلة الفارسية فى خراسان وتطور على أيدى شعراء فرس يجيدون اللغة العربية، ويمكن القول أيضًا إنه مثلما تأثر الأدب
стр. 7499
الفارسى بالأدب العربى فإن الأدباء والشعراء العرب قد استقوا من الأدب الفارسى أفكارا كثيرة.
وقد مرَّ الغزل الفارسى بمراحل خمس: الأولى هى مرحلة النشأة الأولى وكانت غامضة فليس لدينا منها إلّا نمادج يسيرة لا تختلف عن النسيب العربى ومن شعراء هذه المرحلة روداجى ودقيقى (فى القرنين الثالث والرابع الهجريين/ التاسع والعاشر الميلاديين) أما المرحلة الثانية فيمكن أن نطلق عليها اسم مرحلة التكوين (من القرن الرابع إلى القرن السابع الهجرى) ففى هذه المرحلة اكتسب الشعر روحا صوفية أو مسحة تأملية، نابعة من تجربة الشاعر كما ظهر أيضا الغزل الإباحى.
أما المرحلة الثالثة (من القرن السابع إلى القرن العاشر للهجرة) فيمكن وصفها بأنها المرحلة الكلاسيكية إذ اتخذت القصيدة الغزلية شكلها المحدد الذى نعرفه شكلا ومضمونا. ويعتبر سعدى وحافظ من أبرز شعراء هذه المرحلة.
أما المرحلة الرابعة فيمكن أن نطلق عليها مرحلة التأثر بالأدب الهندى (من القرن العاشر إلى القرن الثانى عشر للهجرة/ من القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر للميلاد) فدخل الرمز إلى قصائد الغزل الكلاسيكية وأصبح للقصيدة أبعاد فلسفية فحل لفظ (معبود) محل (معشوق)، وأشهر شعراء هذه المرحلة هو (صائب) أما المرحلة الخامسة والأخيرة فأضحى الشعراء فيها يميلون إلى إحياء القيم الكلاسيكية بل وما قبل الكلاسيكية، مع إدخال رموز الآفلاطونية الجديدة وروحها.
المصادر:
انظر المقالات الواردة باسم غزل فى لغتنامة لدهخوا، طهران، جـ ١، ص ٢٠٧ - ٢١٠ وغزل لاتيص فى Islam Ansiklop
(١) M. Garcin de Tassy: Histoire de la Litterature Nindouie et hindoustanie Paris ١٨٧٠ (٣ Vols.)
(٢) R. B. Soksena: A History of Urdu Literature, Allahabad ١٩٢٧
د. عبد الرحمن الشيخ [بوسانى A. Bausani]
стр. 7500
الغزنويون
اسم يُطلق على الأسرة الحاكمة ذات الأصول التركية التى أسَّسها سَبُكْتَكين، وقد استمر حكم الغزنويين من عاصمتهم غَزْنة أكثر من مائتي عام من ٣٩٧ هـ إلى ٥٨٣ هـ (٩٧٧ - ١١٨٧ م) وكان سلطانها يشمل شرق إيران وما يُعرف الآن بأفغانستان ثم فى أجزاء من البنجاب، وظل حكامها لفترة طويلة يُلقّب الواحد منهم بلقب أمير رغم أن المؤرخين يطلقون عليهم سلاطين منذ كانت لهم دولة، ومن خلال العملات المسكوكة نعرف أن إبراهيم وهو الحاكم الغزنوى الثانى عشر كان أول من اتخذ لقب سلطان.
ومنذ الوقت الذى دعَّم فيه البتكين مركزه فى غزنة (٣٤٤ هـ/ ٩٥٥ - ٩٥٦ م) وحقق لنفسه قدرا كبيرا من الاستقلال عن السامانيين، ظلت المناطق المحيطة بهذه المدينة (غزنة) فى أيدى الحكام الترك. وفى سنة ٣٩٧ هـ/ ٩٧٧ - ٩٧٨ م استحوذ سبكتكين على السلطة وظل يحكم حتى وافته منيته سنة ٣٨٧ هـ/ ٩٩٧ م وكان سبكتكين معترفا بالسيادة السامانية كما تشير لذلك العملات العائدة لهذا العصر، ووجه سبكتكين وجهه شطر الأباطرة الهنادكة فى البنجاب خاصة أسرة شاهو الحاكمة التى كان على رأسها جيبال وألحق به الهزيمة سنة ٩٧٩ و ٩٨٨. وكانت امبراطورية سبكتكين تضم بالإضافة لذلك بالوشستان الشمالية وغور وزابولستان وتوخارستان (باكتريا) وهكذا استطاع سبكتكين الحاكم القوى الطموح الذى يعتنق المذهب السنّى أن يضع أدسس امبراطورية -دامت فيما بعد- فى المناطق الهندية الأفغانية.
واستطاع محمود الغزنوى -الذى اختلف مع أبيه فترة ثم تضامن معه فى أخريات حياته- أن يفتح البنجاب ففتح بذلك للإسلام مجالا رحبا فى الهند مما أدى إلى إنشاء دولة باكستان بعد ذلك، وكان محمود قد استطاع تنحية أخيه إسماعيل عن الحكم رغم أن أباه كان قد عيَّنه كخلف له. وليس من شك فى أن محمود الغزنوى هو أكثر الحكام الغزنويين أهمية. وكانت الثقافة
стр. 7501
الغزنوية تنحو بشدة نحوًا فارسيا، أما من الناحية السياسية فقد كان وضع محمود الغزنوى جيدا منذ توليه الحكم فقد كان السامانيون قد فقدوا نفوذهم وبالتالى فقد كان محمود قادرًا على الاتفاق مع القرخانيين المنتصرين على أن يكون نهر جيحون هو الحد الفاصل بين المملكتين وكان محمود الغزنوى سنّيا كأبيه فاستبدل بالارتباطات بالسامانيين ولاء للخليفة العباسى القادر، وكان هذا الولاء شكليا أو اسميا بطبيعة الحال، وبالإضافة لتوسعات محمود فى البنجاب فقد توسع أيضا على حساب بنى بويه وأقصى نفوذهم عن خوارزم. وكانت امبراطوريته عند وفاته فى ٢٣ ربيع الثانى ٤٢١ هـ (٣٠ ابريل ١٠٣٠) تضم البنجاب وأجزاء من السند (بالإضافة إلى سلسلة الدول الهندوكية فى وادى الجانج التى اعترفت بسيادته).
وبلوشستان الشمالية (حول قصدار) وأفغانستان بما فيها غزنة وكذلك جرشستان وغور وسيستان وخراسان وبلاد فارس حتى حبال وتوخارستان وبعض المناطق الحدودية على نهر جيحون. وخلف محمد أباه لكن أخاه "مسعود" كان يحظى بتأييد الجيش فسرعان ما اعتلى سُدَّة الحكم وكان مقاتلا شديد البأس وإن كانت تنقصه حنكة أبيه السياسية، وقد واصل مسعود فتوحات أبيه فى الهند، واستعاد كرمان من بنى بويه لفترة قصيرة (٤٢٤ هـ/ ١٠٣٥ م).
وكان موقف مسعود العسكرى أضعف من موقف أبيه ففى الوقت الذى تولى فيه الحكم كان السلاجقة قد بدأوا يعبرون نهر جيحون وشيئا فشيئا استولوا على خراسان، ولم تجد مقاومة مسعود كثيرا فقد كان جانب كبير من جيشه مشغولًا فى البنجاب وكانت قواته مؤلفة من عناصر متباينة: فُرس من أعراق مختلفة وهنود، ولم يكن الترك وهم رجاله المخلصون ممثلين فى قواته كثيرا. وفى ٨ رمضان ٤٣١ هـ/ ٢٣ مايو ١٠٤٠ م ألحق السلاجقة بقوات مسعود هزيمة ساحقة فى سهوب دندان قان ففقد إثر هذه الهزيمة ممتلكاته الفارسية. وتعرض مسعود
стр. 7502
لمؤامرة أثناء مسيره للهند ولاقى حتفه مقتولا فى السجن فى سنة ٤٣٣ هـ/ ١٠٤١ م. ونجح مودود بن مسعود أن يصل سريعا من بلخ -حيث كان أبوه قد عينه قائدا لمواجهة السلاجقة- إلى كابل وبذلك أحبط محاولة أخيه محمد للاستيلاء على الحكم وقتله، وظل مودود يواصل جهوده غير المثمرة لوقف تقدم السلاجقة فى فارس الذين هددوا غزنة صسها سنة ٤٣٦ - ٤٣٧ هـ/ ١٠٤٤ - ١٠٤٦ م. لكن القائد الغزنوى باسيتيكن نجح فى إبعادهم فساعد بذلك فى إنقاذ موطن الغزنويين. وكان مودود على وشك أن يخوض معركة بنفسه ضد السلاجقة لاستعادة سيستان لكن المنيّة عاجلته فى ٢٠ رجب ٤٤٠ هـ/ ١٨ ديسمبر ١٠٤٨ م بعد مرض قصير فى غزنة. لقد فقد الغزنويون الآن بشكل نهائى جانبا من فارس ومما ساعد فى إضعافهم ذلك الصراع الشديد على خلافة مودود، وولت الحاشية والوزراء مسعودًا الثانى ابن مودود الحكم وهو طفل فى السادسة من عمره، وخلفه فى أول شعبان ٤٤٠ هـ/ ٩ يونيو ١٠٤٩ أخو مودود وهو على بن مسعود الأول إلّا أن عبد الرشيد بن محمود أطاح به فى العام نفسه، ومع أن عبد الرشيد استطاع أن يعيش فى سلام مع جيرانه إلّا أنه فشل فى تحقيق الاستقرار الداخلى، فقد اتخذ أصحاب المقام الرفيع فى دولته موقفا من علاقته الخاصة مع المملوك تومان الذى كان يتصرف بعنجهية وكأنه عبد الرشيد نفسه، فقام طغرل -وكان مملوكا لمسعود الأول- باغتيال عبد الرشيد ونحّى السلالة الغزنوية عن الحكم، لكنه قتل بدوره فى ١٧ ذى القعدة ٤٣٣ هـ/ ٢١ مارس ١٠٥٢ م.
وبتولى فرُّوخُزاد بن مسعود الأول عادت السلالة السلطانية إلى توارث الحكم، واستطاع فرّوخزاد أن يتمرد على السلاجقة الذين كانوا -فى الوقت نفسه- يتقدمون فى اتجاه بغداد والأناضول. وتوفى فرُّوخزاد بالكوليرا فى صفر ٤٥١ هـ/ مارس ١٠٥٩ م وعقد خليفته إبراهيم بن مسعود الأول معاهدة صداقة مع السلاجقة فتخلى لهم عن خطّلان وشاغانيان وقباديان،
стр. 7503
على أن يكفوا عن التوسع شرقا وهكذا أثبت إبراهيم أنه حاكم دبلوماسى إذ أتاح لنفسه فرصة التوسع فى الهند (٤٦٥ - ٤٦٨ هـ/ ١٠٧٢ - ١٠٧٦ م) فأكد السيطرة الغزنوية فى البنجاب واتخذ لقب سلطان على مسكوكاته وعهد بمهمة مواصلة الفتوح لابنه سيف الدولة محمود وعينه حاكما على لاهور فاستولى على أجرا Agra وحصون قوية أخرى إلا أن الابن حاول الاستيلاء على الحكم من أبيه فسجنه مع أعوانه سنة ٤٨١ هـ/ ١٠٨٨ م، وتوفى إبراهيم فى ٥ شوال سنة ٢ أغسطس ١٠٩٩ م بعد أن استمر فى الحكم أربعين عاما وهى أطول فترة حكم بالنسبة لكل من حكم فى هذه الأسرة.
وخلفه مسعود الثالث الذى شرع مباشرة فى مهاجمة كاناوح Kanawdj فرضخ له الحكام الهنادكة واحضرهم إلى غزنة مكبلين فى الأغلال وواصل سياسة توثيق الأواصر مع السلاجقة إلى أن توفى فى السادسة والخمسين من عمره فى شوال ٥٠٨ هـ ١ فبراير - مارس سنة ١١١٥ م.
وبموته نشبت الحرب بين الإخوة وانتهى الأمر بتولى ثلاثة من أبنائه العرش على التوالى: شيرزاد الذى اضطر للهرب إلى طبرستان أمام قوات أخيه، ومالك أرسلان الذى فشل فى إحكام السيطرة على غزنة، ثم بهران شاه الذى أجبر مالك أرسلان على الهرب إلى الهند، واعترف بهرام شاه بسيادة السلاجقة وتجلى ذلك فى الإتاوة الكبيرة التى كان يدفعها لهم، وساعد السلاجقة بهرام شاه فى صد هجوم قام به من الهند أخوه مالك أرسلان وفشل الهجوم وتم القبض على أرسلان الذى تم إعدامه فى جمادى الآخرة ٥١٢ هـ/ سبتمبر - أكتوبر ١١١٨ م لكن أخا بهرام شاه واسمه علاء الدين حسين دخل فى نزاع معه وأجبره على الفرار إلى الهند، وقبض السلاجقة على علاء الدين، ووافت المنية بهرام شاه فى غزنة بعد عودته من الهند سنة ٥٥٢ هـ/ فبراير - مارس ١١٥٧ م. لقد تقلص ملك الغزنويين الآن ففى عهد خسرو شاه ابن بهرام شاه لم يكن ملكهم يتعدى غزنة وكابل وزابولستان بصرف النظر عن البنجاب.
стр. 7504
فقد استولى الغوريون على المناطق المتطرفة، كما استولوا أيضا على تيجيناباد بعد صدام مع خسرو شاه فى منتصف سنة ٥٥٢ هـ/ ١١٥٧ م. وتوفى خسرو شاه سنة ٥٥٥ هـ/ ١١٦٠ م وخلفه ابنه خسرو مالك الذى شهد عهده ضياع ما بقى من الإمبراطورية الغزنوية شيئا فشيئا بل إنه فقد غزنة نفسها سنة ٥٥٨ هـ/ ١١٦٣ م وكل الأراضى الأفغانية، إذ استولى الغُز عليها جميعًا، لكن خسرو مالك ظل محتفظا بلاهور وبيشاور وملتان والسند، لكن شهاب الدين -بحجة مواجهته للقرامطة المحليين- استولى منه على ملتان سنة ٤٧١ هـ/ ١١٧٥ - ١١٧٦ م, وسقطت أمام بيشاور سنة ٥٧٥ هـ/ ١١٧٩ - ١١٨٠ م، وأجبر -أخيرا- خسرو مالك فى لاهور على دفع إتاوة كبيرة وأخذ منه ابنه كرهينة، وأدى تعاون قبيلة خوخار الهندية مع خسرو مالك إلى تأخر الغوريين فى القضاء نهائيا على الملك الغزنوى إذ اضطر الغوريون لمحاصرة لاهور عدة مرات قبل أن يستسلم خسرو مالك فى جمادى الأولى والآخرة سنة ٥٨٣ هـ/ ١١٨٧ م. ولاقى خسرو شاه حتفه فى السجن فى قلعة جارشستان فى غورستان سنة ٥٨٥ هـ/ ١١٩٠ م وبموته انتهى ملك الغزنويين، وفى الوقت نفسه بدأ الغوريون يعانون من تهديدات شاهات خوارزم.
المصادر:
بالإضافة إلى مصادر التاريخ الإسلامية (مثل ميرفون وفرشتا إلخ. .) انظر عطبى وبيهقى وجوزجانى وابن الأثير وحمد اللَّه مستوفى قزوينى فى تاريخ لغزيدة.
وبالنسبة للدراسات انظر:
(١) M. Nozim: The Life and times of Sultan Mahmud of ghazha, Cambridge with map ١٩٣١
(٢) Y.A.Hashimi: Political, Caltural and administrive History under the later Ghaznawids, Hamburg ١٩٥٦ (theis), map, bibliography
د. عبد الرحمن الشيخ [ب. سبيلر B. Spuler]
стр. 7505
الفنون فى العهد الغزنوى وآثاره الباقية:
لقد ازدهرت العمارة والفنون بازدهار الدوله الغزنوية وساعد على هذا ثراء النماذج المُحْتَذاه وتفاعلها مع مراكز شرق إيران التى كانت -لفترة طويلة- مركز تمازج والتقاء بين التيارات الفنية الإسلامية ونظيراتها الأجنبية. ومن المؤكد أن هذا الازدهار ما هو إلا استمرار للتجارب السامانية الباكرة فى خراسان أو بلاد ما وراء النهر والتى اختلطت فى مرحلتها الأخيرة بالفنون السلجوقية التى حققت شهرة تخطت حدود الإمبراطورية السلجوقية، لكن الأسلوب الفنى الذى طوره الغزنويون منذ عهد محمود بن سبكتكين ومن أتى بعده لا يقل أهمية من حيث الإبداع مما يدفعنا للاحتفاء به والتركيز على أهميته وطابعه المميّز الجدير بالاقتداء فى هذه المرحلة المتأخرة من تطور الفنون الإسلامية ممثلة فى أعمال فنية تم إنجازها فى غزنة وبست وبلخ وهراة ونيسبابور. ومما يؤسف له أنّ مواقع العواصم الغزنوية القديمة قد درست وهو ما حدث أيضا لكثير من الأعمال الفنية ولم تحفظ لنا سجلات الحوليين ما يكفى لإشباع نهمنا فى هذا المضمار.
ولقد زادت معارفنا بشكل كبير عن البقايا الأثرية الغزنوية التى ظلت حتى الآن لكن عملا شاملا لا يضمها معا. ومن الآثار الغزنوية الباقية مآذن غزنة والقلاع الحصينة فى بست، وكلها فى أفغانستان الحالية وما تبقى من ضريح أرسلان جاذب فى سانجبسط الذى تم وصفه منذ فترة. ولا زالت بقايا المآذن بشكلها الموشورى قائمة بما عليها من زخارف وكتابات لكن إرجاعها إلى العصر الغزنوى المتأخر (مسعود الثالث وبهرام شاه) لم يتم إلا حديثا إذ كان الرخالة يشيرون إليها -خطأ- باعتبارها أبراج نحمر أقامها فاتحو الهند.
وقد نشرت البعثة الأثرية الفرنسية فى أفغانستان تقريرا مبدئيا عن بقايا لاشكارى بازار فى موقع معسكر محمود فى ضواحى بست والتى كانت
стр. 7506
أيضا محل إقامة مفضل لمسعود الأول. وطريقة التشييد هنا توحى بتأثرها بطراز بناء قصور العباسيين فى العراق.
ومن البقايا الأثرية المهمة تلك الألواح من الرخام التى تضم كتابات وزخارف والمجلوبة من المقابر العائدة للعصر الغزنوى وقد اكتشف بعضها منذ أربعين عاما وكشفت البعثة الإيطالية عن قطع أخرى منها، وقد تأثرت الكتابات والزخارف فى هذه الألواح بالأسلوب العربى (أرابيسك) كما يمكننا أن نلمح فيها تأثيرات هندية وأخرى من وسط آسيا. ومن الآثار المهمة أيضًا بقايا المحاريب والمصنوعات الحرفية البارعة وأعمال البرونز التى يضم متحف كابل جانبا منها.
المصادر:
(١) A. U. Pope: A survey of Persian Art. Oxford ١٩٣٩
(٢) E. Diez: Persian. Islamische Boukunstin Churasan. Gotha ١٩٢٣
د. عبد الرحمن الشيخ [سوردال - ثومين J. Sourdel -Thomine]
غزة
مدينة فى جنوب فلسطين كانت منذ العصور القديمة مركزا زراعيا وملتقى للقوافل، تبعد عن البحر الأبيض مسافة أربعة كيلو مترات على الطريق المؤدِّى من فلسطين إلى سوريا وملتقى طرق القوافل القادمة من شبه الجزيرة العربية وكانت عزّه (بالعين) القديمة إحدى عواصم الفلسطينيين القدماء Philistines وأسماها الإغريق جَزَا Gaza وكانت مدينة هيلينستية مزدهرة ثم مدينة رومانية، وفى الفترة البيزنطية كانت جزءا من ولاية فلسطين، وتحولت للمسيحية فى القرن الخامس للميلاد وأصبحت مقرا لإحدى الأسقفيات (الأبرشيات) وحققت شهرة فى مجال الأدب والخطابة، وفى بداية القرن السابع للميلاد كانت توصف بأنها مدينة ثرية يلقى الغرباء فيها ترحابا. وكان تجار مكة يزورونها بانتظام إذ إنها كانت إحدى محطات قوافل قريش فى رحلاتها للشام، ويقال إن هاشما جد الرسول [ ﷺ ] قد مات هناك لذا فمن مفاخر أهل غزة أنهم يطلقون على
стр. 7507
مدينتهم اسم (مدينة هاشم) وقد هزمت قوة أرسلها أبو بكر الصديق (رضى اللَّه عنه) القائد البيزنطى لغزة فى موضع غير بعيد عن المدينة يسمى داثن وأحيانا تادُن، إلا أن المدينة نفسها لم تسقط -وفقا لمصادر موثقة- إلّا على يد عمرو بن العاص الذى عامل السكان معاملة حسنة لكنه ذبح أفراد الحامية العسكرية، ومن ثم اعتبرهم العالم المسيحى شهداء.
ولا تشير المصادر كثيرا لغزة فيما بين القرن الأول والثالث للهجرة (السابع والتاسع للميلاد) غير أننا نعلم أنها شهدت صراعا فى أواخر القرن الثانى الهجرى (الثامن الميلادى) بين القبائل العربية التى كانت قد استقرت فى سوريا وفلسطين، وفى سنة ١٥٠ هـ/ ٧٦٧ م ولد فيها الإمام الشافعى (رضى اللَّه عنه).
وفى القرن الرابع للهجرة (العاشر للميلاد) عندما كانت تحت حكم الفاطميين وصفها الجغرافيون بأنها كانت مدينة مهمة يزينها مسجد ضخم جميل.
وعندما احتلها الصليبيون وجدوها أطلالا خربة فبدأوا فى إعادة بنائها سنة ٥٤٤ هـ/ ١١٤٩ م وأقاموا بها قلعة ساعدتهم على الاستيلاء على عسقلان سنة ٥٤٨ هـ/ ١١٥٣ م. إلّا أن صلاح الدين الأيوبى هاجمها سنة ٥٦٥ هـ/ ١١٧٠ م واستولى على الجانب الأدنى من المدينة لكنه لم يسقط القلعة واستعادها بعد ذلك ريتشارد قلب الأسد وكانت موضوعا لمفاوضات بين المسلمين والصليبيين انتهت بتسليمها للمسلمين وفقا لشروط معاهدة عقدت سنة ٦٤٢ هـ/ ١٢٤٤ م وشهدت غزة بعد ذلك هزيمتين مريرتين حاقتا بالصليبيين. وسقطت غزة فى أيدى قوات هولاكو وكانت أقصى حد وصلوا إليه فى اتجاههم غربا وجنوبا بغرب.
وأصبحت غزة فى العهد المملوكى هى المدينة الرئيسية فى الشام بل وكانت مستقلة عن دمشق فى فترات، وكانت غزة فى هذه الفترة المملوكية تحظى بازدهار وثراء كما امتدت امتدادا كبيرا وأكد الجغرافيون الذين زاروها
стр. 7508
فى هذه الفترة ازدهارها الاقتصادى وكثرة المجارى المائية بها وأرجعوا ذلك فى جانب كبير منه إلى مهارة تجارها. وقد شيد المسجد الجامع بها على أساسات كنيسة القديس يوحنا فى بداية القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر للميلاد).
وظل هذا المسجد قائما حتى الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ - ١٩١٨).
وأدّى وصول العثمانيين سنة ٩٢٢ هـ/ ١٥١٦ إلى معاناة غزة لكثير من المتاعب إذ خدع سكانها بتقارير غير صحيحة عن انتصارات للمماليك فظنوا أنهم قادرون على ذبح الحامية التركية الجديدة، فانتقم العثمانيون بإعدام عدد منهم، وعلى أية حال، فقد استعادت المدينة ازدهارها، وتشير السجلات العثمانية إلى زيادة فى عدد السكان من أقل من ١٠٠٠ أسرة سنة ٩٣٢ هـ/ ١٥٢٥ - ١٥٢٦ م إلى ما يزيد على ٢٠٠٠ أسرة سنة ٩٥٥ هـ/ ١٥٤٨ - ١٥٤٩ م، وإن كان التقدير الإحصائى لسنة ٩٦٣/ ٩٦٤ هـ (١٥٥٥/ ١٥٥٥٧ م) يشير إلى تدن طفيف فى عدد الأسر. وكانت غالبية السكان مسلمين مع أقليات مسيحية ويهودية ومجموعة صغيرة من السَّامريين (أبناء السامرة) وتشير السجلات العثمانية أيضا إلى تراجع أعداد ما كان يعرف بجند الحلقة. كما كان بغزة أحياء للأكراد والتركمان. وفى أواخر القرن الحادى عشر الهجرى (السابع عشر الميلادى) نعمت غزة بفترة رخاء لم تشهدها من قبل تحت حكم أسرة من الباشاوات أشهرهم حسين باشا، الذى نجح فى وضع حد لغارات البدو وكان يحتفظ بعلاقات طيبة مع المسيحيين المحليين والأوربيين.
وفى القرن الثامن عشر سببت الاضطرابات التى كان يثيرها البدو متاعب لغزة، ووجدت السلطات العثمانية بعض الصعوبة فى التصدّى لهم، وبانتصار نابليون سنة ١٧٩٩ سرعان ما خرج البدو من غزّة.
وفى القرن التاسع عشر كانت غزة إما مرتبطة بمصر أو بالحكام العثمانيين مباشرة وبنهاية الحرب العالمية الأولى كانت تكوّن جزءًا من فلسطين تحت الوصاية البريطانية.
стр. 7509
وفى نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين كانت غزة تنعم بحياة هادئة مما أثر فى ازدياد عدد السكان ففى لسنة ١٨٨٢ كان عدد السكان ١٦.٠٠٠ نسمة ارتفع سنة ١٩٠٦ إلى ٤٠.٠٠٠ نسمة (منهم ٧٥٠ مسيحيا ومائة وخمسون يهوديا) وعلى أية حال ففى لسنة ١٩٣٢ انخفض عدد السكان إلى حوالى ١٧.٠٠٠ منهم قلة قليلة من اليونان الأورثوذكس الذين يحتفظون بكنيسة ترجع للقرن الثانى عشر للميلاد بها قبر القديس بورفيرى أسقف غزة فى القرن الخامس للميلاد. ومنذ الحرب العالمية الأولى بدأ المسلمون يتجمعون للصلاة فى موضع بالقرب من أطلال المسجد العظيم -يبجلون أيضًا مقام نبى هاشم الذى يعود للقرن السادس الهجرى/ الثانى عشر للميلاد (١).
وأسلوب الحياة فى غزة قريب من أسلوب الحياة فى مصر.
المصادر:
(١) البلاذرى: فتوح البلدان.
(٢) اليعقوبى: البلدان.
(٣) ابن حوقل: صورة الأرض.
(٤) كتابات المقدسى والإدريسى.
(٥) الهروى: كتاب الزيارات، دمشق، ١٩٥٢.
[د. عبد الرحمن الشيخ]
+ غزة: مدينة تقع جنوب فلسطين وتبعد عن البحر بنحو أربعة كيلومترات وقد اشتهرت منذ القدم بأنها مركز زراعى ومحطة لالتقاء القوافل القادمة من بلاد العرب. ولما كانت غزة مدينة من مدن الحدود فكثيرا ما تناولها التغيير من حين إلى حين، فمن "عزة" (بالعين) التى كانت إحدى عواصم الفلسطينيين ثم صار اسمها "جزة" وهو اسم يونانى ثم صارت جزءا من أرض يهوذا فى العصر الرومانى ثم صارت فى العصر البيزنطى جزءا من الأراضى الفلسطينية الأصلية، ودخلتها المسيحية فى القرن الخامس وأصبحت
стр. 7510
مقر بطركية. ووصفت فى بداية القرن السابع بالبلد الغنى وملتقى الزوار الأجانب وقد اعتاد التجار المكيون زيارتها بانتظام حتى ليقال إن هاشمًا أحد أجداد الرسول [ ﷺ ] مات بها فى إحدى زياراته التجارية لها ولذلك شرفت بتسميتها مدينة هاشما. وبجوار مدينة غزة مكان يسمى "بدائن" وأحيانا تادون ويقال إن جيش المسلمين الذى أرسله الخليفة أبو بكر ألحق الهزيمة بحاكم غزة الرومانى فى هذا الموضع، ولكن أصدق الروايات تؤكد أن الذى فتحها إنما هو عمرو بن العاص، ويندر ورود ذكر لمدينة غزة فى أى نصوص دونت فيما بين القرنين الأول والثالث الهجريين (السابع والتاسع الميلاديين) ولكن كل ما نعرفه عنها أنها كانت مرتعا لصراع دار بين القبائل العربية التى استقرت فى سوريا وفلسطين وذلك فى القرن الثانى الهجرى، ومن المعروف أيضا أن الفقيه الإمام الشافعى ولد هناك فى عام (= ١٥٠ هـ ٧٦٧ م) وقد وصف الجغرافيون غزة وهى تحت حكم الفاطميين بأنها مدينة هامة بجامعها الكبير وتمتد حتى تصل إلى تخوم عبر الصحراء ثم تبعد عن البحر مسافة ميل واحد ويحيبابها البساتين الفسيحة والأشجار والكروم.
وكانت أطلالًا وقت أن احتلها الصليبيون الذين شرعوا فى إعادة بنائها عام ٥٤٤ هـ/ ١١٤٩ م ولما تولى بالدوين الثالث حكم القدس منح القلعة الجديدة للداووية (فرسان الهيكل) وقد ساعد هذا المعقل الصليبيين فى الاستيلاء على عسقلان فى عام ٥٤٨ هـ/ ١١٥٣ م، وبعد عدة سنوات أعنى عام ٥٦٥ هـ (= ١١٧٠ م) هاجم صلاح الدين المدينة لكنه لم يفلح فى الاستيلاء على القلعة فاستولى على المدن الصغيرة المتناثرة حولها, ولكن كبير فرسان الداووية سلمها له أخيرا بعد سقوط بيت المقدس فى يد صلاح إلا أن ريتشارد قلب الأسد استعادها مرة أخرى وظلت المدينة موضع أخذ ورد أثناء المفاوضات التى جرت بين الصليبيين والمسلمين وأعيدت للمسلمين بمقتضى معاهدة عام ٦٢٦ هـ/ ١٢٢٩ م.
стр. 7511
لكن سرعان ما صارت مسرحا هُزم فيه الصليبيون مرتين فى عامى ٦٣٦ هـ, ٦٤٢ هـ (= ١٢٣٩, ١٢٤٤ م)، ثم أصبحت قبل الغزو المغولى مجال تنازع بين الأيوبيين فى الشام والأيوبيين فى مصر قبل أن يتم لهولاكو احتلالها فكانت بذلك الاحتلال أَخر نقطة وصل إليها فى زحفه.
ولما جاء العصر المملوكى أصبحت غزة المدينة الكبرى لإقليم يتبع معظمه ولاية دمشق، وكانت البلدة حينذاك شديدة الثراء عظيمة الاتساع، وإن كانت فى بعض الأحيان مستقلة وإذا أخذنا بما يقوله الجغرافيون والرحالة المعاصرون فإنهم يجمعون على رخائها الاقتصادى الذى يعود بعضه إلى ثراء الإقليم المحيط بها لكثرة ريّه بالمياه الجوفية.
واشتهرت غزة فى عهد المماليك بالعنب والتين وعرف عنها الثراء وكان مجتمعها يتألف من ثلاث مجموعات هم التجار والفلاحون والمشتغلون بتربية الماشية والأغنام، وأدى وصول العثمانيين فى عام ٩٢٢/ ١٥١٦ م إلى نكبة حلت بغزة إذ جاءها نبأ كاذب بنصر أحرزه المماليك فظنوا إذ ذاك أنهم قادرون على الفتك بالحامية العثمانية الجديدة فكان الانتقام منهم فظيعا ولقى الكثيرون منهم حتفهم قتلا.
وقد سكن غزة أغلبية من المسلمين والمسيحيين وأقلية من اليهود ومجموعة ضئيلة من السامريين وتمتعت غزة بفترة من الرخاء فى عهد عائلة تعرف بعائلة الباشاوات (١٠٧٠ هـ/ ١٦٦٠ م) نجحت فى الحد من غارات البدو المستمرة على المدينة وفى الحفاظ على العلاقات الطيبة مع المسيحيين والأوروبيين.
وكان القرن الثامن عشر قرن تمردات من جانب البدو الذين وجدت السلطات العثمانية بعض الصعوبة فى كبح جماحهم.
وفى القرن التاسع عشر سرى على غزة ما سرى على فلسطين حيث خضعت للسيطرة العثمانية بحكم صلتها بمصر، ثم أصبحت بعد حرب
стр. 7512
١٩١٤ - ١٩١٨ جزءا من فلسطين تحت الانتداب البريطانى.
وقد زاد عدد سكان غزة زيادة ملحوظة بفضل فترة السلم التى تمتعت بها عند نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فصاروا أربعين ألف نسمة فى ستة ١٩٠٦ م بعد أن كانوا ستة عشر ألف فى سنة ١٨٨٢ منهم ٧٥٠ من المسيحيين، و ١٦٠ من اليهود إلا أن العدد قل إلى ١٧.٠٠٠ نسمة كانت منهم أقلية أرثوذكسية يونانية لهم كنيستهم التى ترجع إلى القرن الثانى عشر والملحق بها قبر شهيد غزة المسيحى فى القرن الخامس الميلادى ويتجمع المسلمون للصلاة عند ضريح يعرفونه بضريح النبى هاشم وعلى الرغم من انتهاء عصر القوافل إلا أن غزة ظلت تتمتع زمنًا طويلًا بسوق رائجة حافلة بشتى أنواع البضائع.
المصادر:
(١) M. A. Meyer: History of the city of Gaza, New York ١٩٠٧
(٢) F. M. Abel: Geographie de la Palestine ii Paris ١٩٥١, ١٥٤ - ٧
(٣) البلاذرى: فتوح البلدان، طبعة de goeje، ليدن ١٨٦٦.
(٤) المقدسى: أحسن التقاسيم، طبعة de goeje، ليدن ١٨٧٧.
أمل رواش [سوردال D. Sourdel]
غزولى
هو علاء الدين على بن عبد اللَّه البهائى الدمشقى، وهو كاتب عربى يرجع أصله إلى البربر (توفى عام ٨١٥ هـ/ ١٤١٢ م)، وضع كتاب "مطالع البدور فى منازل السرور"، وهو مختارات على غرار كتب الأدب، ولكنه فى محتواه -كما يقول الكاتب بحق فى المقدمة- يتميز عن كثير من هذه الكتابات، وهو يتحدث عن البيت وأقسامه المختلفة، وجميع مباهج الحياة والرياضة والكماليات المطلوبة لتحقيقها -وهو يحلّى هذه الموضوعات جميعا بالنوادر والأشعار التى ينتقيها من أعمال الشعراء المتأخرين، ولكنه يقدّم فى الوقت ذاته مادة ثرية جدا لا يمكن أن تبلى جدّتها وهى ترتبط بتاريخ
стр. 7513
حضارة الشعوب المسلمة. وقد طبع الكتاب فى القاهرة فى مجلدين فى عام ١٢٩٩ - ١٣٠٠.
المصادر:
وردت فى صلب المادة
بهجت عبد الفتاح [س. بروكلمان C. Brockelmann]
غسان (غساسنة)
فرع من مجموعة قبائل الأزد الكبيرة التى هاجرت من جنوب الجزيرة العربية، وارتحلت فى شبه الجزيرة إلى أن استقرت أخيرا فى داخل نطاق الإمبراطورية الرومانية فى عام ٤٩٠ م. وقبلت بالمسيحية ووافقت على أن تدفع الجزية.
وبعد فترة تعايش قصيرة كدافعين للجزية، استطاعوا أن يتغلبوا على هذه الجماعة الأخيرة (قبائل صالح) وحلت محلها كحلفاء عرب جدد لبيزنطة وكان ذلك فى عام ٥٠٢ - ٥٠٣ م. وقد نظمت علاقاتهم مع الإمبراطورية معاهدة كانوا يتلقون طبقا لها إعانات سنوية، يقدمون فى مقابلها فرقا محمولة (مزودة بما تحتاجه القوات) للجيش البيزنطى. وكان يطلق على رؤسائهم فى الأقاليم المختلفة أسماء رومانية تعنى رؤساء العشائر، كما كانوا يوضعون فى مصاف الكبار والمتميزين -بل إن زعيمهم الذى كان مقعده فى جابية فى إقليم الجزيرة العربية حصل على أعلى تكريم وأعظم الألقاب حتى أنه كان يضع على رأسه التاج كملك تابع، ورغم هذه الاتجاهات التى تشربوها من الرومان فى كثير من النواحى ورغم ارتباطهم العاطفى بفكرة "الطبيعة الواحدة" للمسيح، فقد ظل الغساسنة عربا فى أعماقهم، وقد زار بعض الشعراء من شبه الجزيرة مثل حسان بن ثابت والنابغة زاروا بلاطهم وأنشأوا فيهم قصائد المديح التى تشى بحياتهم من الداخل، والتى تعتبر وثائق لتاريخهم لثلاثة عقود.
وقد أدى الغساسنة، سياسيا وعسكريا أعظم المهام لبيزنطة: (أ) فقد زودوا جيشى المشرق بالفوق ذات الكفاءة العالية والقدرة على التحرك، وذلك فى حرب "الروم" ضد الفرس
стр. 7514
التى كانت أبرز الإسهامات السياسية والعسكرية فى عهد الحارث بن حبلة فى الفترة من عام ٥٢٩ م إلى عام ٥٦٩ م، وقبل أن تؤدى الخلافات مع أباطرة الرومان جوستين الثانى، وتبيربوس Tiberins وموريس إلى الحد من جهودهم العسكرية وإحباطها. وقد اشترك الحارث على نحو منتظم فى الحربين اللتين خاضهما الرومان ضد الفرس فى عصر جوستنيان (٥٢٧ - ٥٦٥ م)، وحارب ببراعة فى "كالينيكوم" Callinicum (٥٣١ م) وفى حملة بيليزاريوس Belisurius الأشورية (٥٤١ م). (ب) تواصلت الحرب بنجاح مع اللخميين. وقد انتصر الحارث بمفرده على منذر اللخمى فى يم حليمة Yamm Haliam فى عام ٥٥٤ م بالقرب من قنسرين وانتصر ابنه على قابوس فى عين أوباغ Ayn Ubagh فى عام ٥٧٠ م واستولى على الحيرة وأحرقها -وقد كان تفوق الغساسنة العسكرى على اللخميين خلاصا لبيزنطة من أخطر مشكلة عربية تواجهها (جـ) استطاع الغساسنة من قاعدتهم الرئيسية فى الجزيرة العربية وفلسطين أن يضيقوا الخناق على البدو الرجل، والقيام بحملات عسكرية ضد اليهود فى الحجاز. وقد تضمن الجانب العربى لمهمتهم حماية المصالح التجارية والسياسية لبيزنطة على طول طريق التوابل، وقد انعكست أهميتهم فى هذا الجانب فى الاشتراك فى البعثة الدبلوماسية إلى أبرهة الحاكم الحبشى لـ Arabia Felix.
وقد كان الغساسنة عنصرا حاسما فى تاريخ الإيمان بالطبيعة الواحدة للمسيح فى سوريا، فقد أدت جهود ملكهم الحارث بن حبلة إلى إحياء الكنيسة التى تأخذ بهذه العقيدة (الإيمان بالطبيعة الواحدة للمسيح) بعد أن كانت غير معترف بها فى عصر الإمبراطور الخلقيدونى (١) جوستين الأول فيما بين ٥١٨ - ٥٢٧ م.
стр. 7515
وفى عام ٥٤٠ م تقريبًا وبمساعدة الإمبراطورة تيودورا، حصل الحارث على رسامة اثنين من الأساقفة الذين يعتقدون فى الطبيعة الواحدة للمسيح وهما اتيودوراس Thendnnic والأسقف الشهير جاكوب (يعقوب) برادايوس Jacob Baradaeus والذى سميت باسمه كنيسة الطبيعة الواحدة للمسيح فى سوريا فأصبحت تسمى بالكنيسة "اليعقوبية" -وقد عملت الجهود المضنية لهذين الرجلين على إعادة النشاط لهذه الكنيسة مرة أخرى. واستمر ملوك الغساسنة، الحارث وابنه منذر فى حماية هذه الكنيسة لا من عداء الخلقيدونيين فحسب بل أيضا من الحركات الانقسامية فى الداخل "هرطقة التثليث" التى قال بها إيوجينيوس Eugenius وكونون Conon، والخلاف الذى نشب بين جالوب برادايوس وبين بول الأسود، وكذلك الصراع على كرسى البطريركية بين أساقفة أنطاكية والاسكندرية -ولكن الغساسنة لم يهملوا أبدا شبه الجزيرة العربية فقد كان نشاطهم التبشيرى- وخصوصا فى نجران ذا أثر مهم فى نشر المسيحية فى تلك الأجزاء الجنوبية. وبالرغم من أن تأييدهم القوى لحركة الطبيعة الواحدة للمسيح قد كدرت علاقاتهم بالأباطرة الارثوذكس، وأدت إلى سقوط ملكهم منذر (٥٦٩ - ٥٨٢ م)، وولده نعمان، إلا أن تاريخ هؤلاء القادة العسكريين قد اختار من خلال هذه الحركة هذا الصفاء الروحى الذى جعل منها أنضج تعبير عن الثقافة العربية المسيحية.
وقد قام الغساسنة بإسهامات مهمة فى تمدن سوريا وفى حياتها المعمارية فى القرن السادس فأنشأوا أعدادًا من المدن مثل جلق، وكذلك الأشغال العامة مثل الصراع فى الرصافة (سيرجيوبوليس Sergio polis) - كما بنوا الكنائس والأديرة- وسبقوا الأمويين عندما شيدوا فى الصحراء وبالقرب منها مساكن فخمة كانت فى بعض الأحيان منشآت عسكرية.
ولم تكن العلاقات بين بيزنطة والغساسنة طيبة بسبب نزعة الاستقلالية وبسبب تأييد الغساسنة لحركة الطبيعة الواحدة للمسيح. . وفى
стр. 7516
عام ٥٨٠ م اعتقل الإمبراطور تيبربوس، منذر وجئ به إلى القسطنطينية. وفى عام ٥٨٢ - ٥٨٣ م أوقع الإمبراطور موريس العقوبة نفسها على ابنه نعمان -وقد أدى هذا إلى ضعف زعامة الغساسنة- ولكن الغزو الفارسى فى عام ٦١٣ - ٦١٤ م هو الذى كان الضربة القاضية للغساسنة، الذين ظهروا مع ذلك من جديد يخدمون فى جيش هرقل ومثلهم جبلة بن الأيهم فى معركة اليرموك الحاسمة عام ٥٣٦ م.
وكان الفتح الإسلامى لسوريا فقضى على الغساسنة تماما وذهب بعضهم إلى بيزنطة واستقروا فى الأناضول وأسلم آخرون واندمجوا فى الجماعة العربية الجديدة -وظل الباقون على ديانتهم المسيحية ومكثوا فى سوريا.
المصادر:
المصادر اليونانية:
(١) Evagrius: Ecclesiastical Historyed. Bizdel and Parmentier, ٢١٦, ٢٢٣
المصادر السريانية:
(١) Michael the Syrian: Chrouique French trans. by J. B. Chabot, ii, ٢٥٤ - ٨, ٢٨٥, ٣٥٨ - ٩, ٣٤٤, ٣٤٥, ٣٤٩ - ٥١, ٣٦٤ - ٧١
المصادر العربية:
(١) حسان بن ثابت: ديوان طبعة: GMS Hirschfeld قصائد ١٣, ٧٩, ٨٦, ٩٢، ١٢٥, ١٣٨, ١٥٥, ١٦٠.
(٢) النابغة فى The Diwans of the Six Ancient Arabic Poets, ecl. W. Ahlwardt. Poens ١, ٢, ١١, ١٣, ١٨, ٢٠, ٢١, ٢٥, ٢٧
بهجت عبد الفتاح [عرفان شاهد Irfan Shahid]
غسل
تعنى كلمة الغسل غَسْل الجسم كله بما فى ذلك الشعر بماء طهور، بعد النّية. ويدخل فى معنى الغُسل الوضوء الذى هو فرض لابد أن يؤديه المسلم قبل أداء الصلوات (المترجم: فإن تعذّر وجود الماء استعيض عن الوضوء بالتيمّم)، لكن الوضوء وحده لا يكفى
стр. 7517
(وكذلك التيمم) فى حالة ما إذا جامع الإنسان زوجته أو إحدى حليلاته (بالحاء المهملة) لأنه فى هذه الحال يكون قد أصبح جُنُبا (بضم الجيم والنون) أى فى جنابة فلا يصح للجُنب صلاة إلا بعد الاغتسال الكامل الذى عرّفناه فى صدر هذا المقال، أما إذا كان هناك مانع من مرض فيمكن للجُنب أن يكتفى بالوضوء العادى. ويتحتَّم الغُسْل أيضا بعد انقضاء الطَّمث (الحيض) أما نزول الدم لسبب آخر فلا يقتضى التطهر بالغسل الكامل. وإذا حاضت المرأة أو طمثت وجب على زوجها تجنب مجامعتها فإذا طهرت (أى زال الحيض فيها) وجب عليها الغسل ولا يجوز لزوجها مجامعتها إلّا بعد الاغتسال، ولا يجوز للجنب ترتيل القرآن أو دخول المسجد إلّا بعد الغسل (المترجم: هناك خلاف فى ذلك، وإن كان مس المصحف وأداء الصلاة من الممنوعات المؤكدة) والنسوة الحائضات واللائى فى حالة وضع يمكنهن قراءة القرآن، لكن أداءهن للصلوات غير مطلوب، وثمة خلاف فى تفاصيل الغسل بين مذاهب السنة يمكن متابعتها فى كتب الفقه الكثيرة وبالإضافة للغسل الذى يعد فرضا لازما، هناك غُسل سُنّة كالغسل لصلاة الجمعة وللعيدين وأثناء الحج قبل دخول مكة (المكرمة) وقد عدّد الإمام الشافعى اثنتى عشرة مناسبة جعل الغسل فيها سُنة عن الرسول [ ﷺ ] أما الشيعة فلديهم ما لا يقل عن ثمان وعشرين مناسبة للغسل معظمها مرتبط بتاريخ التشيّع، ووفقا لرأى بعض علماء الشيعة فإن الغسل فرض واجب إذا لمس المرء طفلًا حديث الولادة وإذا نظر إلى شخص مشنوق (على حبل المشنقة).
أما غسل الميت فهناك خلاف بيّن أتباع المذهب المالكى إن كان فرضا أم سُنّة، مع أن هذا الغسل غالبا ما يقوم به مغسّلون اختصاصيون ولابد -عموما- من تغطية عورة المتوفى أثناء تغسيله إلا إذا كانت الزوجة هى التى تغّسل زوجها فلا مانع فى هذه الحال أن ترى عورته، ولا تغسّل جثث الشهداء الذين سقطوا فى ساحة المعركة، ويهمنا أن نشير إلى ما يحدث
стр. 7518
فعلًا فى العالم الإسلامى بصرف النظر عما تورده كتب الفقه، ولما كان الوضوء مرتبطا بالصلاة فإن إهمال فروض الصلاة (وهو ما يحدث بين النساء خاصة فى شمال أفريقيا) يؤدى إلى إهمال الوضوء، ويلاحظ فى بعض المناطق فى مراكش -حيث توجد علاقة مع النسوة اليهوديات -لابد أن تغتسل المرأة عدة مرات بمياه تم جلبها من سبعة مجارٍ مائية مختلفة.
المصادر:
(١) محمد الجزيرى: الفقه على المذاهب الأربعة جزءا، ص ٧٨، القاهرة ١٣٥٥.
(٢) G. H. Bousquet: Ha Purete rituelle enlslam, in RHR, cxxxviii (١٩٥٠), ٥٣ - ٧١
د. عبد الرحمن الشيخ [بوسكويه G. H. Bousquet]
غطفان
اسم يطلق على مجموعة من القبائل فى شمال الجزيرة العربية تنتمى إلى قيس عيلان، وينحدرون حسب تسلسل الأنساب -من غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان. وتقع أرضهم بين الحجاز وجبال شمر، فى ذلك الجزء من نجد الذى ينتهى عند وادى الرمة- وقد عاشت فى هذه المنطقة من الغرب إلى الشرق قبائلهم الرئيسية وهى "بنو أشجع" و"ذبيان" (وقبائلها الفرعية فزارة و"مرة" وثعلبة) وعبس و"الأنبار" فى منطقة القصيم. ومن هذه القبائل برزت بنو عبس (بن بغيض بن ريث بن غطفان) فى عام ٥٥٠ م، عندما سيطر زعيمهم زهير بن جذيمة ليس على الغطفانيين وحدهم فحسب بل أيضا على هوازن وهى الجماعة الأخرى المهمة من جماعات قيس عيلان. وبعد مقتل زهير على يد خالد بن جعفر من بنى عامر بن صعصعة تضاءلت سلطة عبسى وكان النزاع الذى شب بين قيس بن زهير بن جذيمة وبين حذيفة ابن بدر شيخ بنى فزارة ابن ذبيان بن بغيد بن ريث بن غطفان قد أدى إلى ما عرف بحرب داحس بين عبس وذبيان تلك الحرب التى لم يبق أحد من غطفان كلها تقريبًا إلا وقد حمل السلاح ضد عبس
стр. 7519
وأجبروها على ترك مراعيها، وبعد كثير من الترحال والتجوال وجدوا مأوى لهم عند بنى عامر بن صعصعة. وفى عام ٥٨٠ تقريبًا هزمت الجماعتان فى معركة شعب جبلة وانحل عقد التحالف الذى كان يضم نفيما وذبيان وأسدًا وقبائل أخرى ثم ما لبث السلام أن عاد بين عبس وذبيان بسبب المساعى الحميدة من اثنين من رؤساء بنى مرة هما ابن عوف بن سعد بن ذبيان المعروف بالحارث بن عوف والآخر هو هرم بن سنان، وقد امتدحهما زهير بن أبى سلمى فى معلقته -وبعد هذه المصالحة اتحدت عبس وذبيان بنى عامر بن صعصعة وكثير ما انضمت إليهما قبائل غطفان الأخرى كما حدث فى موقعة الرَّقَم كما عقدت غطفان فى الوقت نفسه تقريبًا تحالفا مع جيرانها "طئ" و"أسد" وقد كانت هناك أيضا معارك بين غطفان وهوازن وسليم حتى جاء الإسلام فأنهى هذه الصراعات. وقد كانت غطفان مثل كل البدو تقريبًا تعادى محمد [ ﷺ ] والإسلام وفى ذلك الوقت كان "عيينة ابن حصن الفزارى من بين بيت بدر الشهير- الشخصية القيادية بين قبائل غطفان وقد حاول أهل مكة كسب تأييده، على حين كان محمد [ ﷺ ] حريصا على أن يحيط كل التحركات المعادية (مثلما حدث فى حملة الكدر) ضد سليم وغطفان وبعد طرد بنى النضير من المدينة إلى خيبر، تحالف اليهود مع أهل مكة وكسبا تأييد غطفان وسليم. وقد اشتركت فرقة من بنى فزارة وربما بنى مرة أيضا بقيادة عيينة فى عام ٥ هـ/ ٦٢٧ م فى حصار المدينة (فيما عرف باسم غزوة الخندق) ولكن عندما فشلت هذه المحاولة، عقد بنو الأشجع -الذين كانوا من بين قبائل غطفان كلها يعيشون قريبا جدا من المدينة معاهدة مع محمد [ ﷺ ]، وتيقن عيينه أنه من الأفضل أن يحجم عن المعارضة السافرة. . وقد كان عيينه فى معسكر محمد [ ﷺ ] أثناء فتح مكة فى العام الثامن للهجرة (٦٣٠ م)، وصحبه فى غزوة حنين التى جاءت بعد ذلك وكافاة النبى [ ﷺ ] بشكل خاص فى الجِعرّانة فاختصه بمائة من الإبل عند توزيع الغنائم على حين أعطى عباس ابن مروان السلمى أربعة رؤوس فقط
стр. 7520
فأحسّ عباس بالمرارة رغم استبسال بنى سليم فى القتال يومذاك وفى العام التاسع من الهجرة (٦٣١ م) ذهب وقد من فزارة وفزة برئاسة خارجة بن حصن والحارث بن عوف، إلى المدينة ليعلنا اعتناق قبيلتيهما للدين الجديد، ولكن حدث فتنة فى الردة التى أعقبت وفاة محمد [ ﷺ ] مباشرة، أن اشهرت غطفان وبنو اسد السلاح. وهاجمت عصبة منهم بقيادة خارجة بن حصن أبا بكر فى معسكره القريب من ذى القصة ولكن المسلمين ردوها على أعقابها. وبعد ذلك هزم خالد بن الوليد بنى أسد الذين كانوا بزعامة طليحة وجماعة من فزارة بقيادة عيينه بن حصن فى موقعة "بزاخة" وقضوا على آخر مقاومة من جانب خارجة بن حصن فى الغَمْرة فى أراضى فزارة، وترتب على هذه الهزيمة أن فقدت فزارة جزءا كبيرا من مراعيها، وجئ بعيينه بن حصن أسيرا إلى المدينة، ولكن أبا بكر عفا عنه وأصبحت ابنته أم البنين زوجة لعثمان بن عفان.
وقد اشترك مقاتلو غطفان فى حروب الغزو، واستقر بعضها فى البلاد التى فُتحت حديثا. فالجيش الشامى الذى أرسل إلى المدينة بعد موت معاوية مباشرة فى عام ٦٠ هـ/ ٦٨٠ م كان بقيادة مسلم بن عقبة المرّى وفى الكوفة نجد أفرادا ينتمون إلى الأسر الكب يرة من بنى فزارة مثل منظور بن زبان صهر الحسن بن على ومحمد بن طلحة بن عبيد اللَّه الحجج، وعبد اللَّه بن بن الزبير ومندر بن الزبير. وقد تزوجت هند بنت أسماء بنت خارجة بن حصن من عبد اللَّه بن زياد ثم من بشر بن مروان وأخيرا من الحجاج.
وقد كان طبيعيا فى الصراع بين عرب الشمال (مصر) وعرب الجنوب (كلب) أن تتعاطف غطفان مع عرب الشمال وقد حاربوا فى مرج راهط (٦٥ هـ/ ٦٨٤ م) بقيادة الضحّاك بن قيس الفزارى، ضد بنى كلب ويبدو أن القراربين فى الكوفة قد أيدوا ظُفَر بن الحارث الكلبى بن عامر وعمير بن حباب السلمى فى حربهم ضد حميد بن حُريث الكلبى -وعندما قتل حميد بعضا من بنى فزارة فى أرضهم فى الجزيرة العربية، انتقمت فزاره فى معركة "بنات
стр. 7521
قين" بالسَّماوة) (٧٤ هـ/ ٦٩٣ م) - وكان من حظ فزارة أن كانت ولادة بنت العباس، وهى واحدة من زوجات عبد الملك بن مروان، وأم الخليفتين الوليد وسليمان من سلالة زهير بن رواجه الفزارى. وعندما كان عمر بن هبيرة الفزارى واليا على الشرق فى الفترة من عام ١٠٢ هـ/ ٧٢١ م، إلى عام ١٠٥ هـ/ ٧٢٥ م إستعادت قبائل قيس كلها مكانتها مرة أخرى وبعد سقوط الأمبراطورية الأموية. لم نسمع إلا القليل عن غطفان.
وقد جاء ذكر "فزارة وأشجع" وثعلبة مرتبطا بثورة قبائل البدو فى عام ٢٣٠ هـ/ ٨٤٤ م، والتى أخمدها بُغا الكبير، ولكن غالية غطفان كانت قد تركت الجزيرة العربية واحتلت قبائل طئ أراضيها كما لم تكن هناك أية جماعات من غطفان بين عرب الشمال (قيس) الذين استقروا فى مصر فى عام ١٠٧ هـ/ ٧٢٥ - ٧٢٦ م بأمر من هشام بن عبد الملك. وبعد ذلك بفترة طويلة نجد عشائر وعائلات فى مصر وليبيا والمغرب فى أسبانيا تدعّى أنها من سلالة غطفان.
ومن بين شعراء المعلقات اثنان ينتميان إلى غطفان هما عنترة بن شداد العبسى، والنابغة الذبيانى. . وهناك شعراء آخرون من غطفان أيضا أقل من هذين شهرة وهم غروة بن الورد والحطيئة العبسى والحَاضرة و"الشماخ" من ثعلبة بن سعد؛ وكذلك ابن ميادة من بنى مرة بن عوف؛ وابن داره من بنى عبد العزى الذين يعرفون عادة ببنى المحوّلة ذلك لأن النبى [ ﷺ ] أمر بتغيير اسم سلفهم إلى "عبد اللَّه" عويف القوافى من فزارة.
وليس هناك إلا القليل الذى نعرفه عن عقيدة الغطفانيين الوثنية -فقد كانوا- مثل القبائل الأخرى يعبدون وثنا يسمونه "الأقيصر" وكان لهم أيضا بيت العزى فى "بوس" الذى أخطأ الكتاب المسلمون فجعلوه منافسًا للكعبة فى مكة -وقد دمره زهير بن جناب الكلبى فى النصف الأول من القرن السادس الميلادى ثم كان هناك خالد بن سنان العبسى الذى يعزى إلى النبى [ ﷺ ] قوله عنه "إنه كان نبيًا أهلكه ناسه".
стр. 7522
كما أن أصل اسم غطفان غير معروف وهناك بجانب غطفان قيس بن عيلان الشهيرة عشائر تحمل نفس الاسم منها جهينة وجذام، وإباد وقد كان عطفان بن أنيف الكلبى من شعراء القرن الأول للهجرة (السابع الميلادى) وكان من بين كُتّاب مروان بن الحكم رجل يكنى بأبى غطفان.
المصادر:
انظر المصادر الواردة فى المادة بالإضافة إلى المصادر العربية الأخرى مثل: ابن سعد، الطبرى.
نقائض جرير والفرزدق.
المفضليات وكتاب الأغانى للأصفهانى.
بهجت عبد الفتاح [ج. و. فوك J. W.Fuck]
غفارى
أحمد بن محمد مؤرخ فارسى سليل أسرة ترجع أصولها إلى مدينة "ساوة" ثم استقرت فى مدينة "قزوين"، وانحدرت من الإمام الشافعى نجم الدين عبد الغفار المتوفى فى سنة ٦٦٥ هـ (١٢٦٦ م)، وهو مؤلف كتاب "الحاوى الصغير"، وتعزى إليه نسب غفارى. وقد تولى خمسة أفراد من أسلافه منصب القاضى. وقد توفى أبوه فى سنة ٩٣٢ هـ (١٥٢٦ م) الذى نظم الشعر باسم مستعار هو "وصالى"، كما تولى أخوه المنصب نفسه فى مدينة الرّىّ. وحيث أنه عاش فى مدينة "قزوين"، وحمل لقب "قاض" فمن المحتمل أنه تولى المنصب نفسه فى مدينته الأم. ويقال إنه تقاعد فى نهاية حياته من الوظائف الرسمية، وعمل فى خدمة الأمراء. وقام برحلة من مدينة قزوين إلى مدينة قاشان بصحبة الأمير تقى الدين محمد، حفيد الأمير جمال الدين محمد صدر، والشاعر نذيرى التبريزى. والتقى فى هذه الرحلة بالشاعر العظيم محتشم القاشانى، وفى نهاية حياته أدى فريضة الحج، ومات فى أثناء عودته ببلدة دَيْبُل (بالسند) فى سنة ٩٥٧ هـ (١٥٦٧ م). وعلى الرغم من أنه شاعر، بيد أنه ألف كتابين كبيرين فى التاريخ, هما: "نجارستان" وهو مجموعة نوادر وملح تاريخية جمعت من أحسن الأعمال المعروفة،
стр. 7523
رتبها وفق التسلسل الزمنى، وقد أتمها فى سنة ٩٥٩ هـ (١٥٥٢ م)، وأهداها إلى الشاه الصفوى "طهماسب"؛ وكتاب "نسخ - ئى جهان - آرا"، وهو تاريخ السلالات الحاكمة منذ البداية حتى سنة ٩٧٢ هـ (١٥٦٤ م)، وأهداه إلى هذا الحاكم نفسه.
المصادر:
(١) Sam Mirza Safawi: Tuhfa-yi Sami, Tehran ١٣١٤/ ١٩٣٦, ٧٢ - ٤
(٢) منتخب التواريخ عبد القادر بن ملوك شاه البدونى، جزء ٣، كلكتا ١٨٦٠, ص ١٨٥ - ١٨٦.
حسن شكرى [س. نفيسى S. Naficy]
غفران
مصدر غَفَرَ، ويشير إلى إسمين من أسماء اللَّه الحسنى "الغفور" أى كثير المغفرة والستر للذنوب، و"الغَفَّار" وهو أبلغ من الغفور لأنه وضع للتكثير، ومعناه أنه يغفر الذنب أبدا. وعلى هذا النحو: يكون فعل الإنسان هو الصفح عن الاساءة، ويكون فعل اللَّه بصفة جوهرية، هو الصفح عن الذنوب والآثام. ومصطلح "غفران" من مجموع المفردات المستخدمة فى "علم الكلام" ومثال ذلك البحث عن "الوعد والوعيد" وسورة التوبة، ومن مجموع المفردات المستخدمة فى "التصوف" ومثال ذلك "مقام التوبة". وله مترادفات شائعة منها: العفو، أى التوكيد على محو السيئات والتجاوز عن المعاصى، وترك المؤاخذة على الذنب والتجافى عنه، وازالة الذنوب بالكلية ومحوها من ديوان الكرام الكاتبين. -وقد حللت شرائط المغفرة الإلهية وطرائقها فى مادة "التوبة".
حسن شكرى [ل. كارديه L. Gardet]
غلاة
هم المتطرفون أو الذين يغالون فى المسائل الدينية -وقد أطلقها دارسو البدع على هؤلاء الشيعة الذين تبالغ مبادؤهم الإمامية "الاثنا عشرية" فى توقير الأئمة- ولكن هذا المصطلح فى الواقع قد شمل كل الشيعة الأوائل وكذلك أطلق على كل جماعات الشيعة
стр. 7524
المتأخرين باستثناء الزيديين والأثنى عشريين التقليديين؛ والإسماعيليين فى بعض الأحيان.
وقد كان أول الغلاة، عبد اللَّه بن سبأ، الذى تتمثل مغالاته فى أفكاره إن عليا وإن كان قد مات، إلا أنه تكهن بعودته (الرجعة)، كما ذكر الأئمة المتأخرون ذلك عن الإمام الثانى عشر. . وعلى أية حال فإن فكرة غياب (أو غيبة) إمام سوف يعود ويقيم العدل باسم المهدى أو القيم قد ظهرت أولا بيت الغلاة. . وهناك مواقف أخرى اعتبرها الكتّاب الأوائل من الغلو (أو المغالاة) مثل "سب" (إدانة) أبى بكر وعمر على أساس أنهما مغتصبا حق علىّ وكذلك فكرة أن الإمام الحق هو الذى يعصمه اللَّه (سبحانه) من أى نوع من الخطأ. وقد اهتم الغلاة على وجه الخصوص بتحديد طبيعة شخص الإمام، ومن ثم ينسب إليهم مواقف متباينة حول هذا الموضوع فهم يقولون:
- إن الإمام وحى النبى أو المنفذ لوصيته.
- إن الإمام له قدرة تنبؤية (النبوءة) بالرغم من أنه تال لمحمد [ ﷺ ].
- إن الإمام (مثله مثل محمد [ ﷺ ]) يستشعر وميضا من النور الإلهى. ورثه عن آدم من خلال مجموعة من الأنبياء.
- أو أن الإمام يمثل الألوهية ذاتها، ربما كإله أصغر على الأرض أو بحلول الروح الإلهية فيه.
وبالقدر نفسه تقريبًا كانوا يهتمون بتحديد طبيعة المؤمن الحق. . وقد تصور البعض أن المخلصين الصادقين يتلقون قدرا من الوحى أو الإلهام الذى ينزل على الأنبياء. وقد حدث فى الفترة التى ظهر فيها أبو الخطاب -وهو صديق جعفر الصادق- ومن قيادات المغالين أن فكر كثيرون فى الروح بمفاهيم روحية خالصة مستقلة عن أى جسد ومن ثم توقع البعض بعثا روحيا خالصا، وتبنى الكثيرون فكرة التناسخ بل وفكرة المسخ فى الأجساد دون البشرية -ولذلك- وتمشيا مع التقليل من قيمة الجسد، اعتبر الكثيرون أن الشرع الذى يقوم على الشعائر
стр. 7525
والطقوس ليس ملزما لهؤلاء الذين توصلوا إلى حقائق أعمق أى هؤلاء الذين عرفوا الإمام. . وبشكل عام فإن الاتهامات توجه إليهم لأنهم يعتبرون كل قواعد الأخلاقيات التقليدية غير قائمة وفى الوقت نفسه يلام بعضهم لأنهم يدخلون قواعد جديدة مثل فكرة النباتية (أى العيش على النباتات من خضر وفواكه) وهناك من بين الغلاة -وعلى الأخص المغيرة بن سعيد و"أبو منصور العجلى- من فكر فى طبيعة اللَّه (سبحانه) ذاته، وفى عبارات "تجسيمية" (أى خلع الصفات البشرية على اللَّه ﷻ مأخوذة من نصوص القرآن.
ويمكن أن نرد الكثير من هذا التفكير إلى قوة دفع الإسلام ذاته، وإلى علم القرآن ومعارفه -فتوقع استمرار النبوءة والأمل فى ترنيم إنسانى يقوم بتوجيه من اللَّه سبحانه بتنظيم العالم فى عدل وإنصاف، يمثل تفسيرا للإسلام، بديلا لإسلام القيادة فى مكة والمدينة ومع ذلك فهناك بعض التفاصيل التى تعكس المفاهيم العربية قبل الإسلام، ذلك لأن كثيرين من قيادات الغلاة الأوائل كانوا من عرب القبائل. . فالتقديس الذى يخلع على "المختار" وكذلك بعض مفاهيم رجعة الأبطال، ذات أصول عربية قديمة. . وأخيرا فإن كثيرين من زعماء الغلاة المتأخرين كانوا من الموالى المتأثرين بالمسيحية واليهودية والغنوصية والزرادشتية، وقد جاءوا معهم بهذه المفاهيم القديمة. ومن المحتمل أن تكون أكثر أفكارهم حول الروح من هذه التعاليم الأولى التى ظهرت فى الشرق الأوسط.
ويبدو -فى الأجيال الأولى- أن الغلاة كانوا مجرد فرق دينية فى الحركات الشعبية المختلفة. ولكن بمقدم القرن الثانى بدأ بعضهم نشاطا سياسيا مستقلا ضد النظام القائم (ولكن قد تكون الحكومة هى التى بادرت بمحاولة القمع فى بعض الانتفاضات مثل تلك التى قام بها بيان بن سمعان)، على حين ساعدت أفكارهم أيضًا على تبرير تشكيل تسلسل موروث للإمامة، يسود
стр. 7526
الاعتقاد فيه بأن مطالبا ما بالإمامة يكون أماما سواء سعى إلى حكم الأمة الإسلامية أو لم يسع. والحق أن المفكرين الغلاة أحاطوا بأنساب كل من محمد بن الحنفية ومحمد بكير وجعفر الصادق -والتقاليد الإمامية تعتبر كل مؤيدى أى مطالب بالإمامة من نسل محمد بن الحنفية من الغلاة تحت مسمى الكيسانية- وقد استمر بعض هؤلاء الكيسانيين العباسيين كأئمة ذوى سلطة فوق الطبيعة وذلك طيلة عدة أجيال. ويبدو أن بعض الغلاة لم يسمحوا للإمامة أن تخرج فحسب من العلويين بل من الأسرة الهاشمية أيضا، وذلك عندما يظهر شخص آخر تكون له القيادة المقدسة وأخيرا فإنه يبدو أن أفكار غلاة الشيعة قد أثرت فى بعض الحركات الطائفية الزرادشتية وخصوصا عن طريق توقير أبى مسلم.
ومع القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) خرجت من بين الغلاة نظم باطنية تفسر القرآن رمزيا. ويبدو أن هذه النظم قد تأثرت بالفلسفة اليونانية -وقد اختلف الغلاة حول توكيدهم على سيادة مبدأ أو آخر. . فالميمية تمجد الميم أو محمد [ ﷺ ] الذى يجسد كنبى مبدأ الحق المعلن والحقيقة الموضوعية؛ أما العينية فتمجد العين أو على الذى يجسد كإمام مبدأ المعنى الداخلى -وهناك مبدأ ثالث تمثله السين أو سلمان الفارسى، البوابة (الباب) الذى يصل منه الإنسان إلى الحقيقة. وقد لعب عديد من هذه الجماعات بعض الدور فى سنوات انهيار الخلافة العباسية عندما تولى أحد المتعصبين وهو شلمفانى Shalmaghani مركزا أساسيا رفيعا.
وقد جرى استيعاب ما خلفه الغلاة فى حركات الإمامية والإسماعليية وتم تنظيمه باستبعاد الأفكار التى تتضمن آية حلول وسط لوحدانية اللَّه (سبحانه). . وهكذا رفض الذين عاشوا بعدهم فكرة الحلول، مع فكرة أن الإمام يمكن أن يكون إلها أو نبيا. ولكن حتى هذه الأفكار ظلت موجودة فى داخل الدوائر الإمامية والإسماعيلية وفى طوائف مثل النصيرية -وفى القرون التى تلت ذلك ظهرت حركات غامضة
стр. 7527
استخدمت الكثير من أفكار الغلاة مثل النزارية والدروز من داخل الاسماعليية و"أصل الحق" الذى رأوا فى علىّ إلهًا. . وبالمثل فإن الصفويين الأول فسروا التشيّع بطريقة تعتبرها الإمامية التقليدية غلوا -وقد دخلت الكثير منها فى البحر الواسع للصوفية بعد أن تحولت إلى معرفة رمزية معقدة.
المصادر:
(١) J. Wellhausen: Die religios Politische Oppositionsparteien, Abh. G.W. Gott Phil. Nist. Kl. n.f. v no ٢, ١٩٠١
(٢) Marshall G. S. Hodgson: How did the early shia become sectarion? in JAOS, IXXXV, ١٩٥٥
بهجت عبد الفتاح [م. ج. س. هودجسون M.g.s.Hodgson]
غلزى
غلزى (بفتح الغين أو كسرها) أو غلجِى قبيلة كبيرة فى غريب بلاد الأفغان ولها بطون عديدة خاصة بين قندهار وغزنة. وثمة كتابات كثيرة عن أصل هذه القبيلة إلّا أنه يمكن القول أنهم خليط من العناصر التركية والهفتاليت Hephthalite والاسم غلزى يعنى بلغة الباشتو ابن الغَل والتى تعنى بدورها ابن اللص ووفقا للأساطير المدرجة فى Makhza-i Afghani فإن الغلزيين منحدرون من ماتو Mato ابنة بتان Bitan (أو باتنى Batni) الذى كان ابنا لقيس، وقد اتخذ الباتان اسمهم من هذا الجد (بتان أوباتنى) وكان لماتو شأن مع شاه حسين الأمير الغورى (من الغور) اللاجئ وولد غَلْزى الجد الأعلى للقبيلة نتيجة هذا الزواج.
وربما كان الاسم غلزى مشتقا من خَلَج Khaladj وهو اسم قبيلة تركية (من المجموعة التركية أذربيجان وتركمان وقرغيز. . الخ) أو من العناصر الهيفثاليتيه (؟ ) التى عاشت فى منطقة غزنة فى القرن الرابع للهجرة (العاشر للميلاد).
وقد كان القادة المؤسسون للأسرة الحاكمة الخَلْجيَّة فى الهند من هذه القبيلة، وقد ورد فى جهان -نامه-
стр. 7528
وهو نص جغرافى يعود للسنوات الأولى من القرن السابع للهجرة (الثالث عشر للميلاد) ما يشير إلى اختلاط العناصر التركية بالأفغانية.
وقد حارب بابر الخلجيين بالقرب من غزنة، ويمكننا أن نفترض أن هذه هى المرّة الأولى التى يُشار فيها للغَلْزيين الذين ظهروا بوضوح على مسرح الأحداث فى القرن الحادى عشر للهجرة (السابع عشر للميلاد) عندما تحركوا فى منطقة قندهار وشغلوا منطقة كان قد تخلّى عنها أفراد قبيلة "أبدالى" الذين نقلهم شاه عباس الأول إلى هراة.
وفى سنة ١٧٠٧ م ثار ميرويس Ways زعيم غلزيى قندهار سنة ١٧١٥ م وخلفه ابنه محمود بعد فترة صراع لم تطل، واستولى محمود هذا على كرمان سنة ١٧٢٠ م، وعلى العاصمة الصفوية أصفهان سنة ١٧٢٢ م، وحكم الغلزيون بلاد فارس حتى سنة ١٧٣٠ م. وتلاشت قوى الغلزيين بانتصارات نادر شاه، وأصبح الدرَّانيون (أو الأبدليون) تحت زعامة أحمد شاه هم القبيلة الرئيسية فى أفغانستان.
وساعد الغلزيون شاه شجا على الاستيلاء على كابُل سنة ١٢١٨ هـ/ ١٨٠٣ م وارتبط الزعماء القبليون الغلزيون بأواصر التزاوج والمصاهرة مع القبيلة الدرّانية الحاكمة. وفى سنة ١٨٨٠ م هزمت قوة بريطانية بقيادة ستيوارت كانت فى طريقها من قندهار إلى كابل قوة من الغلزيين عند أحمد خلْ. وفى سنة ١٨٨٦ م أثار الغلزيون ضد عبد الرحمن حاكم أفغانستان.
ويتركز الغلزيون الآن فى شرق غزنة وجنوبها الشرقى رغم أن جماعات منهم مستقرة فى شمال أفغانستان بالقرب من "ميمنة" وكذلك فى بَدَخشان. وهم ينقسمون إلى مجموعتين رئيسيتين تران وبرهان. ويبلغ تعداد الغلزويين حوالى مليونين؛ ثلاثة أرباعهم فى أفغانستان والباقى فى باكستان.
стр. 7529
المصادر:
(١) V. Minorsky: The Turkish Dialect of Khalaj in Bsos, x (١٩٤٠), ٤١٧
(٢) D. Wilber: Afghanistan, New York ١٩٦٣
د. عبد الرحمن الشيخ [ر. ن. فرى R.N. Frye]
غناء
الغناء من غنى يغنى، وقد جعل إخوان الصفا (القرن ٤ هـ, ١٠ ميلادى) الموسيقى مرادفا للغناء، كما جعلوا المغنى مرادف للموسيقار ولا شك أن الأغنية تطورت وتشكلت من خلال الفولكلور.
ومن الوجهة الموسيقية لا يوجد فرق بين الإنشاد البسيط للفقير المتصوف والغناء غير الفنى للسقاء (بائع الماء) أو بين الأداء المحكم للمؤذن والأعمال الملحنة المتقنة التى يؤديها المغنى المحترف ويصنف الغناء فى بعض البلدان طبقا للبناء الموسيقى الذى يصب فيه سواء كان هذا البناء تقليديا أو شعبيا وتصنف فى بلاد أخرى وفقًا لنوع البيت الشعرى المغنى.
وتنقسم الأغنية فى مراكش إلى أغنية فولكورية أو شعبية تسمى (قريحة) وأغنية فنية تسمى (آلة) أو (صنعة). أما فى الجزائر فتنقسم إلى كلام الهزل وكلام الجد وفى الجاهلية نرى المعنى المزدوج للكلمة اللاتينية Carmen (تعويذة - أغنية) فى لَحَنَ وشَعَرَ اللتين يشتق منهما المصدران لحْن وشعْر ويعطى الفعلان ظلالا من كلمة (الفهم) وفيما يبدو أن "الحداء" كان فيما سبق تعويذة ضد جنى الصحراء.
ولا يقتصر الحداء على راكبى الجمال فحسب ويلاحظ أن الأغنية الحرفية كانت فى متناول الجميع ولم تكن قصرًا على فئة دون أخرى وقد انتشرت فى الغناء العربى القديم.
ولم يكن ترديد الأغانى الحرفية يؤثر فى إضفاء الحيوية على حركة العمل فحسب، بل امتد إلى التنظيم والالتزام به.
стр. 7530
ويقول ابن جنى (ت. ٣٩٢ هـ - ١٠٠٢ م) إن ساحب الماء يستمر فى عمله ما دام "الرجز" مستمرا وكذلك يفعل أصحاب الحرف الأخرى كالسقائين والبحارة، ويجزم المسعودى أن الحداء نبع من بكاء النساء وقد تشمل أغنيات الأفراح والأطفال والهدهدة [المترجم: من المعروف أن النوح يعبر عن الحزن وأن النصب يعبر عن التعب، لذا تبدو هذه الفكرة غريبة].
والحق أنه ليس لدينا علم الأبيات والموسيقى فى هذه الأغنيات الفولكلورية المبكرة على الرغم من وجود أسماء لبعض المغنين. ويؤكد كل من الجوهرى (ت. ٣٩٦ هـ - ١٠٠٦ م) وابن سِيده (ت. ٤٥٨ هـ - ١٠٦٦ م) أن النصب كان خاصًا بالعرب، ولكن لم يزد عن كونه حداء محسنا ويقول الغزالى (ت ٥٠٥ هـ - ١١١١ م) أن أساسا الوزن فى الحداء والنصب هو العروض الشعرى المعتاد.
ويرى بروكلمان Brokelman أن الكثير من الشعر قبل الإسلام كان يغنى، ولم يكن مجرد تخمين ما قاله سانت جايارد St. guyard ولاندبرج Landberg أن العروض العربى يقوم على أسس موسيقية.
ويعد اللحن والوزن هما الأساس الرئيسى، كما هو الحال فى "الملحون" فى مراكش، والإطار اللحنى للأغنية الفولكلورية بسيط، فالعبارة الموسيقية المنفردة هى الخط العام (القاعدة) وتتكرر مع كل بيت أو حتى كل مصراع. والسلم الموسيقى عامة رباعى أو خماسى رغم أن الأغنية الحرفية لا تحتاج لأكثر من نغمتين، والتحسينات المضافة للحن بواسطة نغمات منسقة -هى التى تبرز مقدرة المغنى والمحترف- ونادرًا ما يظهر هذا فى الأغانى الفولكلورية، والغناء ثلاثة أنواع -الغناء- الفردى والغناء الجماعى (الكورس) والترنيمة التجاوبية. ويستخدم الشعر الموزون وغير الموزون على السواء. وفى الحالة الأولى تسمى نشيدًا أو إنشادًا أو أنشودة والأخيرة تسمى ترتيلًا.
ولا شك أن الأغنية الفنية نشأت مع القينات فى القبائل والخمارات والأسر