الاعتقاد فيه بأن مطالبا ما بالإمامة يكون أماما سواء سعى إلى حكم الأمة الإسلامية أو لم يسع. والحق أن المفكرين الغلاة أحاطوا بأنساب كل من محمد بن الحنفية ومحمد بكير وجعفر الصادق -والتقاليد الإمامية تعتبر كل مؤيدى أى مطالب بالإمامة من نسل محمد بن الحنفية من الغلاة تحت مسمى الكيسانية- وقد استمر بعض هؤلاء الكيسانيين العباسيين كأئمة ذوى سلطة فوق الطبيعة وذلك طيلة عدة أجيال. ويبدو أن بعض الغلاة لم يسمحوا للإمامة أن تخرج فحسب من العلويين بل من الأسرة الهاشمية أيضا، وذلك عندما يظهر شخص آخر تكون له القيادة المقدسة وأخيرا فإنه يبدو أن أفكار غلاة الشيعة قد أثرت فى بعض الحركات الطائفية الزرادشتية وخصوصا عن طريق توقير أبى مسلم.
ومع القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) خرجت من بين الغلاة نظم باطنية تفسر القرآن رمزيا. ويبدو أن هذه النظم قد تأثرت بالفلسفة اليونانية -وقد اختلف الغلاة حول توكيدهم على سيادة مبدأ أو آخر. . فالميمية تمجد الميم أو محمد [ ﷺ ] الذى يجسد كنبى مبدأ الحق المعلن والحقيقة الموضوعية؛ أما العينية فتمجد العين أو على الذى يجسد كإمام مبدأ المعنى الداخلى -وهناك مبدأ ثالث تمثله السين أو سلمان الفارسى، البوابة (الباب) الذى يصل منه الإنسان إلى الحقيقة. وقد لعب عديد من هذه الجماعات بعض الدور فى سنوات انهيار الخلافة العباسية عندما تولى أحد المتعصبين وهو شلمفانى Shalmaghani مركزا أساسيا رفيعا.
وقد جرى استيعاب ما خلفه الغلاة فى حركات الإمامية والإسماعليية وتم تنظيمه باستبعاد الأفكار التى تتضمن آية حلول وسط لوحدانية اللَّه (سبحانه). . وهكذا رفض الذين عاشوا بعدهم فكرة الحلول، مع فكرة أن الإمام يمكن أن يكون إلها أو نبيا. ولكن حتى هذه الأفكار ظلت موجودة فى داخل الدوائر الإمامية والإسماعيلية وفى طوائف مثل النصيرية -وفى القرون التى تلت ذلك ظهرت حركات غامضة
стр. 7527
استخدمت الكثير من أفكار الغلاة مثل النزارية والدروز من داخل الاسماعليية و"أصل الحق" الذى رأوا فى علىّ إلهًا. . وبالمثل فإن الصفويين الأول فسروا التشيّع بطريقة تعتبرها الإمامية التقليدية غلوا -وقد دخلت الكثير منها فى البحر الواسع للصوفية بعد أن تحولت إلى معرفة رمزية معقدة.
المصادر:
(١) J. Wellhausen: Die religios Politische Oppositionsparteien, Abh. G.W. Gott Phil. Nist. Kl. n.f. v no ٢, ١٩٠١
(٢) Marshall G. S. Hodgson: How did the early shia become sectarion? in JAOS, IXXXV, ١٩٥٥
بهجت عبد الفتاح [م. ج. س. هودجسون M.g.s.Hodgson]
غلزى
غلزى (بفتح الغين أو كسرها) أو غلجِى قبيلة كبيرة فى غريب بلاد الأفغان ولها بطون عديدة خاصة بين قندهار وغزنة. وثمة كتابات كثيرة عن أصل هذه القبيلة إلّا أنه يمكن القول أنهم خليط من العناصر التركية والهفتاليت Hephthalite والاسم غلزى يعنى بلغة الباشتو ابن الغَل والتى تعنى بدورها ابن اللص ووفقا للأساطير المدرجة فى Makhza-i Afghani فإن الغلزيين منحدرون من ماتو Mato ابنة بتان Bitan (أو باتنى Batni) الذى كان ابنا لقيس، وقد اتخذ الباتان اسمهم من هذا الجد (بتان أوباتنى) وكان لماتو شأن مع شاه حسين الأمير الغورى (من الغور) اللاجئ وولد غَلْزى الجد الأعلى للقبيلة نتيجة هذا الزواج.
وربما كان الاسم غلزى مشتقا من خَلَج Khaladj وهو اسم قبيلة تركية (من المجموعة التركية أذربيجان وتركمان وقرغيز. . الخ) أو من العناصر الهيفثاليتيه (؟ ) التى عاشت فى منطقة غزنة فى القرن الرابع للهجرة (العاشر للميلاد).
وقد كان القادة المؤسسون للأسرة الحاكمة الخَلْجيَّة فى الهند من هذه القبيلة، وقد ورد فى جهان -نامه-
стр. 7528
وهو نص جغرافى يعود للسنوات الأولى من القرن السابع للهجرة (الثالث عشر للميلاد) ما يشير إلى اختلاط العناصر التركية بالأفغانية.
وقد حارب بابر الخلجيين بالقرب من غزنة، ويمكننا أن نفترض أن هذه هى المرّة الأولى التى يُشار فيها للغَلْزيين الذين ظهروا بوضوح على مسرح الأحداث فى القرن الحادى عشر للهجرة (السابع عشر للميلاد) عندما تحركوا فى منطقة قندهار وشغلوا منطقة كان قد تخلّى عنها أفراد قبيلة "أبدالى" الذين نقلهم شاه عباس الأول إلى هراة.
وفى سنة ١٧٠٧ م ثار ميرويس Ways زعيم غلزيى قندهار سنة ١٧١٥ م وخلفه ابنه محمود بعد فترة صراع لم تطل، واستولى محمود هذا على كرمان سنة ١٧٢٠ م، وعلى العاصمة الصفوية أصفهان سنة ١٧٢٢ م، وحكم الغلزيون بلاد فارس حتى سنة ١٧٣٠ م. وتلاشت قوى الغلزيين بانتصارات نادر شاه، وأصبح الدرَّانيون (أو الأبدليون) تحت زعامة أحمد شاه هم القبيلة الرئيسية فى أفغانستان.
وساعد الغلزيون شاه شجا على الاستيلاء على كابُل سنة ١٢١٨ هـ/ ١٨٠٣ م وارتبط الزعماء القبليون الغلزيون بأواصر التزاوج والمصاهرة مع القبيلة الدرّانية الحاكمة. وفى سنة ١٨٨٠ م هزمت قوة بريطانية بقيادة ستيوارت كانت فى طريقها من قندهار إلى كابل قوة من الغلزيين عند أحمد خلْ. وفى سنة ١٨٨٦ م أثار الغلزيون ضد عبد الرحمن حاكم أفغانستان.
ويتركز الغلزيون الآن فى شرق غزنة وجنوبها الشرقى رغم أن جماعات منهم مستقرة فى شمال أفغانستان بالقرب من "ميمنة" وكذلك فى بَدَخشان. وهم ينقسمون إلى مجموعتين رئيسيتين تران وبرهان. ويبلغ تعداد الغلزويين حوالى مليونين؛ ثلاثة أرباعهم فى أفغانستان والباقى فى باكستان.
стр. 7529
المصادر:
(١) V. Minorsky: The Turkish Dialect of Khalaj in Bsos, x (١٩٤٠), ٤١٧
(٢) D. Wilber: Afghanistan, New York ١٩٦٣
د. عبد الرحمن الشيخ [ر. ن. فرى R.N. Frye]
غناء
الغناء من غنى يغنى، وقد جعل إخوان الصفا (القرن ٤ هـ, ١٠ ميلادى) الموسيقى مرادفا للغناء، كما جعلوا المغنى مرادف للموسيقار ولا شك أن الأغنية تطورت وتشكلت من خلال الفولكلور.
ومن الوجهة الموسيقية لا يوجد فرق بين الإنشاد البسيط للفقير المتصوف والغناء غير الفنى للسقاء (بائع الماء) أو بين الأداء المحكم للمؤذن والأعمال الملحنة المتقنة التى يؤديها المغنى المحترف ويصنف الغناء فى بعض البلدان طبقا للبناء الموسيقى الذى يصب فيه سواء كان هذا البناء تقليديا أو شعبيا وتصنف فى بلاد أخرى وفقًا لنوع البيت الشعرى المغنى.
وتنقسم الأغنية فى مراكش إلى أغنية فولكورية أو شعبية تسمى (قريحة) وأغنية فنية تسمى (آلة) أو (صنعة). أما فى الجزائر فتنقسم إلى كلام الهزل وكلام الجد وفى الجاهلية نرى المعنى المزدوج للكلمة اللاتينية Carmen (تعويذة - أغنية) فى لَحَنَ وشَعَرَ اللتين يشتق منهما المصدران لحْن وشعْر ويعطى الفعلان ظلالا من كلمة (الفهم) وفيما يبدو أن "الحداء" كان فيما سبق تعويذة ضد جنى الصحراء.
ولا يقتصر الحداء على راكبى الجمال فحسب ويلاحظ أن الأغنية الحرفية كانت فى متناول الجميع ولم تكن قصرًا على فئة دون أخرى وقد انتشرت فى الغناء العربى القديم.
ولم يكن ترديد الأغانى الحرفية يؤثر فى إضفاء الحيوية على حركة العمل فحسب، بل امتد إلى التنظيم والالتزام به.
стр. 7530
ويقول ابن جنى (ت. ٣٩٢ هـ - ١٠٠٢ م) إن ساحب الماء يستمر فى عمله ما دام "الرجز" مستمرا وكذلك يفعل أصحاب الحرف الأخرى كالسقائين والبحارة، ويجزم المسعودى أن الحداء نبع من بكاء النساء وقد تشمل أغنيات الأفراح والأطفال والهدهدة [المترجم: من المعروف أن النوح يعبر عن الحزن وأن النصب يعبر عن التعب، لذا تبدو هذه الفكرة غريبة].
والحق أنه ليس لدينا علم الأبيات والموسيقى فى هذه الأغنيات الفولكلورية المبكرة على الرغم من وجود أسماء لبعض المغنين. ويؤكد كل من الجوهرى (ت. ٣٩٦ هـ - ١٠٠٦ م) وابن سِيده (ت. ٤٥٨ هـ - ١٠٦٦ م) أن النصب كان خاصًا بالعرب، ولكن لم يزد عن كونه حداء محسنا ويقول الغزالى (ت ٥٠٥ هـ - ١١١١ م) أن أساسا الوزن فى الحداء والنصب هو العروض الشعرى المعتاد.
ويرى بروكلمان Brokelman أن الكثير من الشعر قبل الإسلام كان يغنى، ولم يكن مجرد تخمين ما قاله سانت جايارد St. guyard ولاندبرج Landberg أن العروض العربى يقوم على أسس موسيقية.
ويعد اللحن والوزن هما الأساس الرئيسى، كما هو الحال فى "الملحون" فى مراكش، والإطار اللحنى للأغنية الفولكلورية بسيط، فالعبارة الموسيقية المنفردة هى الخط العام (القاعدة) وتتكرر مع كل بيت أو حتى كل مصراع. والسلم الموسيقى عامة رباعى أو خماسى رغم أن الأغنية الحرفية لا تحتاج لأكثر من نغمتين، والتحسينات المضافة للحن بواسطة نغمات منسقة -هى التى تبرز مقدرة المغنى والمحترف- ونادرًا ما يظهر هذا فى الأغانى الفولكلورية، والغناء ثلاثة أنواع -الغناء- الفردى والغناء الجماعى (الكورس) والترنيمة التجاوبية. ويستخدم الشعر الموزون وغير الموزون على السواء. وفى الحالة الأولى تسمى نشيدًا أو إنشادًا أو أنشودة والأخيرة تسمى ترتيلًا.
ولا شك أن الأغنية الفنية نشأت مع القينات فى القبائل والخمارات والأسر
стр. 7531
الخاصة، ومصطلح "مسمعات" الوارد عند الأعشى ميمون يحتمل أن يكون قد ظهر بعد الإسلام.
والتاريخ يذكر هؤلاء الفتيات المغنيات عند حديثه عن قدماء العماليق (انظر الطبرى جـ ١، ص ٢٣١, المسعودى المروج جـ ٣، ص ٢٩٦) ومن المؤكد أن "القنيتو Kinitu" كان معروفًا فى آشور.
وفى بداية الإسلام، لم يكن هناك أى معارضة للغناء، حتى أن رسول اللَّه [ ﷺ ] كان يشارك بنفسه فى الغناء أثناء حفر الخندق فى مكة (١) ومع ذلك، وردت أخبار أن الخلفاء الراشدين الأربعة عارضوا الإنغماس فى الاستماع إلى الغناء أو أى لون من ألوان الموسيقى، وترتب على ذلك أن الاتجاه الدينى المتشدد فى العراق حرمها بينما أجازها المعتدلون فى المدينة. واكتظت المكتبة الإسلامية بالمؤلفات والكتابات بين مؤيد ومعارض للاستماع. وظهرت روايات صحيحة ناقشت الاختلاف بين "ترتيل" القرآن الكريم والغناء، كما ذكر ابن خلدون ورغم ذلك أشار ابن قتيبة أن قواعد الترتيل والغناء مماثلة.
وإلى جانب القينة ظهر الموسيقيون والمحترفون، وسجل التاريخ أن طويس (١٠ هـ/ ٦٣٢ م - ٩٢ هـ/ ٧١١ م) وعزة الميلاء اللذين قدما لونًا جديدًا فى الغناء عرف بالغناء المتقن أو الغناء الرقيق. وبالرجوع لابن الكلبى نرى الغناء ثلاثة أنواع.
(١) النصب وهو غناء الركبان والقيان.
(٢) السناد وبها ترجيعات وهى مليئة بالنغمات.
(٣) الهزج وهو الغناء الخفيف.
ومع ذلك ظهر عنصر جديد هو الايقاع والذى كان متميزًا عن العروض وكان خارجيًا لأنه كان مصحوبا بالتصفيق أو بآلة للصَّفق كالقضيب أو الدف أو الغربال. وكافة الأصوات الواردة فى كتاب الأغانى فى أشكال القصيدة أو القطعة. وقد صنع يونس
стр. 7532
الكاتب (ت. ح ١٤٨ هـ/ ٧١٥ م) العديد من مجموعات الأغانى، وكذلك ابن جامع (ت. ١٨٧ هـ/ ٨٠٣ م) ويحيى بن مكى (ت. ٢٠٥ هـ/ ٨٢٠ م) واسحق الموصلى (ت. ٢٣٦ هـ/ ٨٠٥ م) وحسن ابن موسى النصيبى (ت. ح ٢٤٦ هـ/ ٨٦٠ م) وابن بانه أو ابن بنائه (ت. ٢٧٨ هـ/ ٨٩١ م) والوزير المغربى (ت ٤١٧ هـ/ ١٠٢٦ م)
وظهرت بعد ذلك ألوان غنائية شعبية جديدة مثل الموشح والزجل والموال والبليق والكانكان.
وقد ظهرت الموشحة أول مرة بمكان ما بالأندلس، ومن المؤسف أنه لم تحفظ نغمة واحدة لها، وكل ما نعرفه عن تلك الأغنيات جاء فى كتاب الأغانى للأصفهانى عن صيغة النغمة المسماة بالأصبع وصيغة الايقاع المسماة بالضرب.
كان صفى الدين عبد المؤمن (ت ٦٩٣ هـ/ ١٢٩٤ م) أول من حدثنا عن تدوينات أقرب ما تكون إلى علامات موسيقية للأغنية بينما كان عبد القادر ابن غيبى (ت ٨٣٧ هـ/ ١٤٣٥ م) أول فارسى يستخدم التدوين أو العلامات الموسيقية فى أغنية.
وقد لوحظ وجود ثلاثة أنواع من الغناء خلال القرنين (الثامن والتاسع للهجرة الرابع عشر والخامس عشر للميلاد) هى النشيد والبسيط والنوبة بتسكين الواو وهو غناء مصحوب بالآلات أشبه بلحن أوركسترالى. أما النشيد فيتكون من جزأين، الأول لحن لبيتين بلا ايقاع يسمى "نشر النغمات" والثانى لحن لبيتين مصحوب بإيقاع ويسمى "نظم النغمات" أما البسيط فكان قطعة ملحنة من إحدى الايقاعات الثقيلة.
والغناء فى الشرق الإسلامى بأكمله أساسه لحنى صرف [يسير على خط لحنى واحد] ولا يوجد فى الغناء عند المسلمين - الهارمونى أو التوافق الموسيقى، والقطاع الأكبر من الشرق الإسلامى يتصور الموسيقى فى خط أفقى بينما تراها أوروبا فى خط رأسى.
وكافة الألحان شكلية. وفى أيام الأصفهانى مؤلف كتاب الأغانى لم يكن
стр. 7533
يوجد أكثر من ثمانى صيغ موسيقية، ولكن مع الطفرة التى حدثت فى الثقافة الإيرانية صار هناك ثمانى عشرة صيغة، هذه الصيغ كانت تسمى "أصابع" ولكن فيما بعد سميت "نغمات" أو "مقامات" أو "طباع".
ثم كان -ولا زال- هناك حركات أو أشكال فى اللحن، بعضها عتيقة وحيث أن كل بيت فى أغنية مكتمل فى ذاته، أى إنها تحوى فكرة محكمة، فهى تتكون من نفس الفقرة اللحنية. ولكن بعد ابن محرز (ت. ح ٩٦ هـ/ ٧١٥) أصبح البيت الثانى يلحن على خط مختلف. وهذه العوامل لا تبعث الملل والرتابة لأن المغنى ينوع أداءه للحسن عن طريق الزوائد والتحسين أو الزواق. ويؤدى المغنى هذه الزوائد أو التحسين أو الزواق بتقديم بعض المقاطع مثل آه أو يا أو لا عندما لا تفى "ياليل" أو "ترى طار" الأكثر شيوعًا ووفاءً بالغرض وهذه الكلمات تأتى فى مواضع متنوعة من الأغنية، فقد تأتى فى قلب كلمة أو فى أخر الجملة أو فى نهاية مصراع أو بيت أو أغنية وفى الوضع الأخير تسمى "شغل". وبالطبع فإن الفنيات اَنفة الذكر لا توجد فى الأغنية الفولكلورية أو الحرفية.
المصادر:
(١) General. Ribera: La musica de les cantigas, Madrid ١٩٢٢, translated into English as Music in Ancient Arabia and Spain by E. Hague and M. Leffingwell Stanford, California ١٩٢٩
(٢) أحمد الشبراوى: روضة أهل الفكاهة، القاهرة ١٣١٧ هـ.
(٣) أحمد بن محمد بن على الحجازى: روضة الأدب، فصل ٦، القاهرة.
(٤) محمد الحداد. صديقة المنادمة، باب ٢٩، القاهرة.
(٥) محمد بن محمد سعد المصرى: تحفة أهل الفكاهة باب ٩، القاهرة ١٣٠٧ هـ.
(٦) H. G. Farmer: History of Arabian Music, London ١٩٢٩
стр. 7534
(٧) جورجى إبراهيم الدمشقى: نزهة الطلب، القاهرة ١٣١٠ هـ.
(٨) عبد الرازق الحسينى: الأغانى الشعوبية بغداد ١٣٤٨ هـ.
(٩) عبد الكريم العلاف: الطرب عند العرب، بغداد ١٣٦٤ هـ.
وائل البشير [هنرى ج. فارمر Henery G. Farmer]
الغوريون
الغوريون اسم يطلق على أسرة إيرانية شرقية ظهر نفوذها واستفحلت قوتها فى القرن السادس الهجرى وأوائل القرن التالى له (ق ١٢ و ١٣ الميلاديين) وموطنها فى إقليم غور فيما يعرف الآن بوسط أفغانستان، وعاصمتها "فيروزكوه" ويحب أهلها أن يردّوا أصولهم الأولى إلى ماض إيرانى مجيد ذكره مؤرخهم الجُزجانى فى القرن السابع الهجرى فأوْصَل هذا الأصل إلى بطل أسطورى سمّاه "ازددهاك" الذى تزعم الروايات أن ذريته استقرت فى "غور" وتقول الأخبار إن جدهم "شَنْسَب" اعتنق الإسلام على يد الإمام على الذى عهد إليه بحكم "غور" وأن ولده "فولاد" انضم إلى أبى مسلم الخراسانى وكان عونًا للعباسيين. كما أن هناك رواية أخرى تقول إن هارون الرشيد استقبل فى بلاطه الأمير "بنجى" بن نهاران الشنسبانى واستعمله على إمارة "غور" ولقّبه بقسيم أمير المؤمنين، وجعله "شيث" بهلوانا (أى أمير الجيوش). وتهدف كل هذه الأخبار الملفّقة إلى تمجيد أسرة برزت من المجهول، على أنه يمكن أن نقول إن الشنسبانيين (من الناحية العْرقية) كانوا كبقية الغوريين من أصل إيرانى شرقى.
وليس لدينا معلومات مؤكدة عن اللغة التى كانوا يتكلمون بها إلا أنها كانت فى مستهل القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) تختلف اختلافا كليا عن اللغة الفارسية المستعملة فى بلاط الغزنويين. ومن الممكن أن تكون اللغة الغورية فى أقدم صورها ضربا من اللغة الايرانية الجنوبية الشرقية.
стр. 7535
كذلك لا نعرف شيئا مؤكدًا عن الشنسبانيين حتى العصر الغزنوى، أعنى حتى القرن الخامس الهجرى. ففى مستهل هذا القرن اعتنق الغوريون الإسلام، ويشير كتاب حدود العالم (فى سنة ٣٧٢ هـ) إلى شخص اسمه "غور شاه" "كان تابعًا لأمراء "جوزجان" فى شمال غور، ولكن ليس لدينا ما يؤكد أنه كان "شنسبانيًا". ولقد ظلت غور أيام امبراطورية السلطان محمود الغزنوى (٣٣٨ - ٤٢١ = ٩٩٨ - ١٠٣٠ م) مقاطعة مستقلة، وقد بعث السلطان إليها خلال حكمه ثلاث حملات. وفى سنة ٤٠١ هـ (= ١٠١١ م) أرسل حملة هاجمت الزعيم الشنسبائى محمود بن سورى وأمسكته فى حصنه وتم خلعه وتولى مكانه ولده "أبو على" الذى كان ضالعًا مع الغزنويين ثم صار تابعا للسلطان وبقى رهط من المسلمين يعلمون الناس مبادئ الدين وأصوله، راجع: Nazim Life Times of Sultan Mahmoud of Gazna Cambridge, ١٩٣١), pp. ٧٠ - ٧٢, ٢٢, ٢٣, (٢٧, ٢٨) ونستطيع من هذا البيان ومن الأخبار الواردة فى "جرجانى" أن نؤكد أن الشنسبانيين كانوا حكاما إقليميين صغارا لمنطقة منديس ولقلعتها التى تقع عند سفح جبل "زرى مرج" أحد جبال غور الكبيرة ويظهر أن لفظ "غور" فى هذه الفترة بالذات كان يقصد به إقليم منديس "منديش" أى الركن الشمالى الشرقى من إقليم غور المعروف عند الجغرافيين المسلمين الأوائل وكان هناك بضعة زعماء قلائل فى إقليم غور، كما يمدنا البيهقى ببيان مفصل عن حملة سنة ٤١١ هـ = ١٠٢٠ م) الغزنوية التى كانت بقيادة مسعود بن محمود والتى زحفت من هرات واستولت على قلعة "جرواس" وأخضعت الزعيم المحلى "ورميش بات"، ونستدل من ورود هذا الاسم بعد ذلك بوقت طويل فى أسرة شيث على أن إقليم "جروس" الواقع فى الركن الشمالى الغربى من غور كان مركز تجمع خصوم "الشنسبانيين" يضاف إلى ذلك ما يورده البيهقى من ذكر أسماء زعماء آخرين فى غور. .
تحت حكم الغزنويين والسلاجقة:
حين يراد اسم أبى على بن محمد يقرن بالمدح والثناء على أيام حكمه وذلك
стр. 7536
لتشجيعه الإسلام الذى كان قد دخل البلاد حديثا، فقد أكثر من بناء المساجد وتشييد المدارس وأكثر من حبس الأوقاف عليها، لكن حدثت فتنة داخلية فى "منديش" أيام حكومة مسعود الغزنوى (٤٢١ - ٤٣٢ هـ = ١٠٣٠ - ١٠٤١ م) وقام عباس بن شيث فخلع عمه أبا على بن محمد وصرف همته لتقوية الحصون الموجودة وإقامة القلاع التى أصبحت سمة تتحلى بها "غور" غير أن استبداده حمل الزعماء الغوريين الكارهين له والناقمين عليه إلى استدعاء إبراهيم بن مسعود الذى استجاب لاستغاثتهم به وزحف على "غور" وخلع عباس بن شيث ووضع مكانه ولده محمد بن عباس بن شيث الذى خلفه هو الآخر ابنه قطب الدين حسن (الذى كان شنسبانى يحظى بلقب تشريفى).
كان الشنسبانيون خلال النصف الثانى من القرن الخامس الهجرى يبذلون جهدهم لزيادة رقعة ممتلكاتهم فيما وراء "منديش" والأراضى المجاورة. ويتكلم الجُزجانى عن الاضطرابات الاقطاعية التى استمرت داخل "غور" منذ ذلك الحين حتى وقت لاحق. وحدث فى أثناء فتنة فى "وجيرستان" غربى غزنة أن قتل قطب الدين حسين فتولى الحكم ولده عز الدين حسين (٤٩٣ - ٥٤٠ هـ = ١١٠٠ - ١١٤٦ م) ويسميه الجُزجانى بأبى السلاطين لأن أربعة من أولاده الكثيرين تولوا الحكم واحدًا بعد واحد. ومنذ تلك الآونة تصبح "غور" منطقة حاجزة بين كل من الامبراطورية الغزنوية التى تضاءلت بعد منتصف القرن الخامس الهجرى وبين شمالى الهند ودولة السلاجقة القوية لا سيما وأن اقليم خراسان السلجوقى أصبح بعد سنة ٤٩٠ هـ (= ١٠٩٧ م) تحت حكم سنجر بن ملك شاه القوى، وترتب على تدهور الغزنويين بعد موت إبراهيم سنة ٤٩٢ هـ (= ١٠٩٩ م) أن أصبحت غور تدور فى فلك النفوذ السلجوقى، وقام مسعود الثالث بن إبراهيم الغزنوى فى بداية الأمر بتثبيت عز الدين حسين. لكن خرج سنجر فى سنة ٥٠١ هـ (= ١١٠٧ م) على رأس حملة أغار بها على غور وألقى القبض على عز الدين فأخذ الغوريون منذ تلك
стр. 7537
الآونة يوثقون علاقاتهم بسلجوق ويبعثون إليه بهداياهم من سلاح ودروع ونوع من الكلاب المحلية الشرسة.
ولما مات عز الدين تولى ولده سيف الدين سورى مكانه زعيما فى غور وكبيرا للبيت الشنسبانى وقسم البلاد إقطاعيات بين إخوته، وكان ذلك انعكاسا للشعور السياسى بين الغوريين وتطبيقا للطابع القبلى، واستبقى سيف الدين قلعة "استيا" عاصمة له، وأقطع (ورشاد) أو "ورشار" لقطب الدين محمد الذى أسس بها مدينة "فيروزكوه" وقلعتها ولقب نفسه بملك الجبال.
أما نصر الدين محمد فقد أخذ "مادين"، وأخذ بهاء الدين سام "سنجا" وهى الموضع الرئيسى فى "منديش" أخذ فخر الدين مسعود "كشى" الواقعة على نهر "هرى رود". ويبدو من هذا العمل أن فكرة وجود أسرة موحدة لم تكن متبلورة إذ سرعان ما تنازع قطب الدين مع إخوته وفر إلى بلاط بهرام شاه فى غزنة ولكنه مات بها مسموما، ويقول الجُزجانى إنه كان من جراء هذا الفعل أن دبت الكراهية العميقة والبغضاء بين الأسرتين الغزنوية والغورية، وقام سيف الدين سورى للثأر والقصاص مما جرى فزحف على غزنة وأخرج منها السلطان ولكن إلى حين، كما أنه لم يستطع الاستيلاء على المدينة بسبب ما واجهه من التأييد الشعبى وميل الأهالى للغزنويين. ولما عاد بهرام شاه جرت معركة وقع فيها سيف الدين فى الأسر ثم قتله آسروه قتلة شنيعة.
وتولى بهاء الدين حكم غور سنة ٥٤٤ هـ (١١٤٩ م) وما كاد يفرغ من تحصين "فيروزكوه" حتى تهيأ للزحف على غزنة بيد أن الموت عاجله فى تلك السنة فى بعض الطريق، وترك خلفه علاء الدين حسين ليحكم "غور" ويجمع مقاليد السلطة العليا فى يده، ولم يكن يشغل بال علاء الدين سوى فكرة الثأر لاخوته الراحلين والعمل على إضعاف قوة الغزنويين فى أفغانستان كلما وجد إلى ذلك سبيلا، وكان يدعوه إلى ذلك أن سيطرة الغزنويين على الطرق المارة
стр. 7538
عبر أفغانستان الشرقية (من كابول إلى غزنة وبست) كانت تقف حائلا فى وجه أى توسع قد يقوم به الغوريون هناك.
وجمع بهرام شاه قواته فى إقليم "تجينا باد" (التى تعرف الآن باسم قندهار) وزحف على علاء الدين بعسكره ودخل "زامين دوار" حيث جرت بين الجانبين معركة) ضارية تمكن فيها المشاة الغوريون بدرعهم الواقية والتى هى أشبه ما تكون بالسور أمام عدوهم، أقول تمكن المشاة الغوريون من أن يتغلبوا على فيلة الغزنويين ففر بهرام شاه إلى غزنة حيث لحقته الهزيمة مرة ثانية وحينذاك لجأ إلى الهند. أما علاء الدين فقد دخل المدينة وتلى ذلك عاصفة هوجاء مخيفة من النهب والتدمير لم تبق ولم تذر وجعلت الناس تطلق على غورى لقب "جهان سوز" أى السفاح العالمى، وذلك سنة ٥٤٥ هـ (= ١١٥٠ م) ونبشت قبور جميع السلاطين الغزنويين عدا ثلاثة وأخرجت هياكلهم فأحرقوها.
وحدث فى طريق العودة أن عرج المنتصر على "بست" مركز الغزنويين ونهبها وفعل بها من الأفعال الوحشية ما فعله بسابقتها. ولم يقم علاء الدين فى هذه اللحظة بأية محاولة لضم إقليم غزنة فى افغانستان الشرقية إذ يظهر أنه كان يطمع فى الحصول على مركز يكون فيه أكبر من مجرد زعيم غورى وإذا أخذنا بما يقوله ابن الأثير فإن علاء الدين نهج نهج السلاجقة والغزنويين إذ لقب نفسه بالسلطان المعظم واتخذ الغاشية تظلل رأسه. ويلاحظ أن الغوريين كانوا قبل ذلك قانعين بلقب "ملك أو أمير" لكن ليس من شك فى أن انتصار علاء الدين فى غزنة بث فيه الجرأة على أن يقدم على الخلاص من تبعيته للسلاجقة، فعمد فى سنة ٥٤٧ هـ (= ١١٥٢ م) إلى الكف عن دفع الجزية إلى سنجار، كما حاول معاونة حركة تمرد فى هرات ضد السلاجقة، وتقدم بجيشه من فيروزكوه إلى "هرى رود" ولكنه التقى عند "ناب" بقوات سنجار التى أنزلت به هزيمة ساحقة بعد أن فرت قوات "أغز" وقوات "خَلجَ" الموجودة فى الجيش الغورى إلى أبناء جلدتها فى جيش سنجار وألقى القبض
стр. 7539
على علاء الدين ذاته وأقام فى الأسر فترة من الوقت فى خراسان. وقد أمضى السنوات الأخيرة من حياته حتى وافته منيته سنة ٥٥٦ هـ (= ١١٦١ م) لا يشغل باله سوى أمرين أحدهما العمل على دعم أركان عرشه فى غور ضد أعضاء أسرته المنافسين له، وأما الآخر فقيامه ببعض الفتوحات لتوسيع رقعة ملكه.
الغوريون قوة استعمارية: تشير سياسة علاء الدين التوسعية فى السنوات الأخيرة من عمره إلى أن الغوريين أخذوا يخرجون إلى ما وراء حدود جبالهم فى غور، وسرعان ما أصبحوا قوة كبيرة ذات ثقل فى العالم الإسلامى الشرقى. والواقع أنه كان هناك شئ من الفراغ فى القوة فى ذلك الوقت إذ كانت الامبراطورية الغزنوية آخذة فى التدهور والانحطاط، وأدى انتشار الفوضى فى خراسان إلى فتح الطريق أمام التوسع الغورى فى الناحية الغربية لكن اتساع الامبراطورية فى عهد علاء الدين أدى إلى تقسيمها فيما بعد إلى ثلاثة أقسام، وأصبح كل قسم منها تحت إمرة "شنسبانى" مستقل عن الآخر. وقد ظل هذا التقسيم السمة البارزة حتى سقوط الغوريين النهائى. أما الفرع الأكبر فقد اتخذ من "فيروزكوه" مقرا له ليحكم الغور، وانصرف هذا الفرع من الأسرة إلى التوسع غربا فى خراسان. ولما تم الاستيلاء نهائيا على غزنة عام ٥٦٩ هـ (= ١١٧٣/ ٤ م) تأسس فرع آخر بها واتخذ منها مركزا للتوسع فى الهند وانتهى الأمر أخيرا بأن أقر علاء الدين فى بلدة باميان بعد فتحها، أخاه فخر الدين مسعود الذى كان يحكم طُخارستان وبدَخْشَان و"شُغْنان" حتى ضفاف سيحون، فلما مات فخر الدين عام ٥٥٨ هـ (= ١١٦٣ م) خلفه ولده شمس الدين محمد الذى يقال إنه مد سلطانه على جيحون، كما لقّبه غياث الدين محمد فى "فيرزكوه" بالسلطان [ولما مات علاء الدين حسين خلفه فى فيروزكوه ابنه سيف الدين محمد الذى اتخذ سياسة القهر العنيف حيال الاسماعيلية الذين تغلغلوا فى "غور"
стр. 7540
ونشروا دعوتهم بها إلا أن سيف الدين هذا لم تطل أيامه فى الحكم فلم تزد عن عامين (٥٥٦ - ٥٥٨ هـ = ١١٦١ - ١١٦٣ م) إلا أن فترة حكمه هذه شهدت قيام منازعة إقطاعية بين الشنسبانيين وخصومهم الشيثانيين، وغدر السلطان بقائده ورمش بن شيث فاغتاله فقام أخو المقتول (وقد أصبح يتولى وظيفة السبهسلار) وانتقم لأخيه فلما أن وقع سيف الدين فى يده فى ساحة القتال ذبحه. وقد حاول الجُزجانى تفسير هذه المنازعات القبلية الأسرية فأرجعها إلى ما كان بين الأسرتين من منافسات تعود إلى زمن العباسيين.
ولقد بلغت الامبراطورية الغورية أقصى اتساعها وغاية قوتها زمن الأخوين شمس الدين محمد الغورى (الذى عرف فيما بعد بغياث الدين) والذى حكم من ٥٥٨ - ٥٩٩ (= ١١٦٣ - ١٢٠٣ م) وزمن شهاب الدين الذى عرف بمعز الدين محمد صاحب غزنة (٥٦٩ - ٦٠٢ هـ/ ١١٧٣ - ١٢٠٦ م). ومجمل القول فيهما إن أولهما صرف همته كلها للتوسع غربا وللقضاء على مطامع شاهات خوارزم الذين كانوا يتطلعون إلى الاستيلاء على خراسان. أما ثانيهما فقد تابع حركة غزو الغزنويين فى شمالى الهند، وظل غياث الدين محتفظا بعلاقات الود مع الخلفاء العباسيين وكثرت السفارات المتبادلة بين فيروزكوه وبغداد. ولقد ساهم الجُزجانى فى واحدة منها وانخرط السلطان فى نظام الفتوة الذى أسسه الناصر.
وانضم غياث الدين إلى معز الدين فى فيرزكوه وراح الاثنان يعملان يدا واحدة للقضاء على التحالف الذى تم بين فخر الدين (صاحب باميان الذى كان يتطلع فى نهم لأن تكون له السلطة فى غور) وبين (تاج الدين يلدز) و (علاء الدين قماج) حاكمى هرات وبلخ التركيين وهزمهما فى "راغى زر" فى وادى "هرى رود" فلما تمت الهزيمة عليها تقدم غياث الدين بعسكره وضم أرضهما إلى دولته وسرعان ما اعترف به تاج الدين حرب واعتبر نفسه تابعا له. كما أن الغُزْ الذين فى كرمان (كانوا قد اجتاحوا الولاية بعد الاطاحة
стр. 7541
بسلاجقة كرمان) بعثوا برسل من جانبهم إلى "فيروزكوه" وحدث بعد أن ترك خسرو ملك (وهو آخر الغزنويين) مدينة غرنة ومضى إلى لاهور بعد أن قام المغامرون الغز فاحتلوا عاصمته السابقة مدة اثنى عشر عاما حتى قام غياث الدين سنة ٥٦٩ هـ (= ١١٧٣ م) وطردهم منها واقام معز الدين فى غزنة وتلقب بالسلطان معز الدين كما استولى على هرات سنة ٥٧١ هـ (= ١١٧٥ م) وانتزعها من يد واليها التركى بهاء الدين طغرل فظلت فى يده فترة من الزمن.
ولقد استغل الغوريون المنازعات الداخلية التى كانت بين أفراد أسرة الشاهات الخوارزميين وحدث فى سنة ٥٦٨ هـ (= ١١٧٢ م) أن خلع علاء الدين تكش أخاه السلطان شاه فاستغاث الأخير بالقراخطاى، واغتصب فى الوقت ذاته إحدى الولايات فى خراسان، وحينذاك تنازع هو والغوريون حول امتلاك "هرات" وبادغيس لكن غياث الدين استدعى العسكر من باميان وسستان ومن معز الدين فى غزنة وتمكن فى سنة ٥٨٦ هـ (= ١١٩٠ م) أن ينزل الهزيمة بسلطان شاه قرب مرو ووقع السلطان أسيرًا فى أيدى الغوريين.
أما فى افغانستان الشمالية فقد احتل بهاء الدين الغورى مدينة بلخ فى ٥٩٤ هـ (= ١١٩٨ م) مغتنما فرصة موت واليها التركى الذى كان تابعًا اقطاعيا للقراخطاى.
كما شبت فى السنة نفسها حرب شاملة فى خراسان بين الغوريين من ناحية وبين خوارزم شاه وسادته من جهة أخرى وكان الذى يشجع الغوريين على هذا القتال خليفة بغداد الذى رأى فى تقدم الخوارزميين فى غربى فارس ما يهدده، وتمكن القراخطاى فى هذا الصراع من غزو جوزجان، كما أخذ تكش يهدد هرات لكن لقى الاثنان هزيمة منكرة على أيدى الغوريين فلما مات تكش سنة ٥٩٦ هـ (= ١٢٠٠ م) استولى غياث الدين على معظم مدن خراسان وزحف شطر الغرب وتوغل حتى بلغ "بسطام" فى "قُومِس" واستعمل على خراسان أميرًا من أهل
стр. 7542
الغور اسمه ضياء الدين محمد وتلى ذلك موت غياث الدين بهرات سنة ٥٩٩ هـ (= ١٢٠٢ - ٣ م) وكان المرض قد اشتد به فى أخريات أيامه وأعجزه أى عمل كما أن معز الدين كان قد أضرب عن متابعة حملاته على الهند وشرع الانصراف شطر الغرب.
ويسير معز الدين بعد موت أخيه على النهج المألوف فى الأسرة الشنسبانية من حيث توزيع ولايات الامبراطورية المختلفة كهبات وإقطاعات للملوك الغوريين، فإذا كان قد احتفظ لنفسه بغزنة وجعلها عاصمة له فإنه أقام ضياء الدين فى فيروزكوه. وكان علاء الدين محمد يتأهب لاسترداد خراسان نظرا لكراهية أهلها للحكم الغورى فى الوقت الذى كان فيه -تبعا لما يقوله الجوينى- يصادر لجنده القمح الذى كان مخصصا لمشهد الامام الرضا بطوس وقد استطاع معز الدين فى سنة ٦٠١ هـ (= ١٢٠٤ م) أن يرد الشاه عن هرات ويخرجه منها بل وإن يطارده إلى خوارزم ومع ذلك فإن غرق الإقليم الخوارزمى بمياه الفيضان أوقف الجند عن التقدم واستطاع القراخطائيون حلفاء الخوارزميين أن يقضوا القضاء المبرم على جيش معز الدين فى ناحية يدعونها أندخوى "وهى واقعة على جيجون وإن استطاع السلطان النجاة بنفسه ولكن ضاعت كل خراسان فيما عدا هرات، وما كاد هذا العام ينصرم حتى اغتيل السلطان فى وادى السند إذ وثب عليه جاسوس اسماعيلى حين كان فى طريق عودته من حملة تأديبية ضد "الخوكر" سكان البنجاب.
نهاية الغوريين: لم يكد يمر عقد من الزمان حتى على موت معز الدين حتى كانت امبراطورية الغوريين قد تمزقت أوصالها إذا انتقلت لفترة قصيرة إلى أيدى شاهات خوارزم قيبل مجئ المغول وإلحاقهم النكبة بالعالم الإسلامى الشرقى. وكانت الجيوش الغورية تتألف من خليط من أهالى غور، ومشاة من الأفغان والغلمان الأتراك الذين كانوا قوام جماعة
стр. 7543
الفرسان، وقد استطاع معز الدين ببراعته أن يستبقى هذه الطوائف المختلفة على وفاق فيما بينها لكن حدث الانشقاق والشقاق بعد موته إذ مالت القوات الغورية إلى أن يخلفه فى السلطنة واحد من الفرع الباميانى وتحققت رغبة هذا الفريق فتولى بهاء الدين سام، ثم خلفه بعد موته عام ٦٠٢ هـ (= ١٢٠٥ م) ولداه علاء الدين وجلال الدين. أما الغلمان الأتراك فكانوا يميلون لابن أخيه غياث الدين محمود الذى استطاع فى النهاية أن يتغلب على ضياء الدين حاكم غور، مرشح طائفة الكرَّامية المحليين، وحدث فى الأقسام الشرقية الامبراطورية أن قام القائد التركى تاج الدين يلدز واستولى على غزنة وتملكها، فلم توات الشجاعة غياث الدين محمود على مغادرة "فيروزكوه" والتحرك لقتال يلدز، بل أنه اضطر سنة ٦٠٣ هـ (= ١٢٠٦ م) إلى استدعاء خوارزم شاه والاستنجاد به لطرد يلدز ولتأكيد حقه فى غزنة.
هكذا أصبحت نهاية الأسرة دانية وأصبح آخر السلاطين فى "فيروزكوه" (وأولهم غياث الدين محمود ثم خلفه على التوالى بعد سنة ٦٠٩ هـ/ ١٢١٢ م بهاء الدين سام وعلاء الدين اتسز وعلاء الدين محمد) أقول أصبح هؤلاء السلاطين ألعوبة فى يد الشاه الذى قام أخيرا فى ٦٢١ هـ (١٢١٥ م) بخلع آخر السلاطين فى فيروزكوه. وهكذا تم استئصال شأفة الفرع الباميانى، وإخراج يلذر من غزنة، ولذلك اضحت الآن جميع الأملاك الغورية تحت سيطرة الحكام الخوارزميين باستثناء ما كان موجودا منها فى الهند.
وعلى هذه الصورة انتهت الحقبة التى يمكن تسميتها بالحقبة الغورية فى التاريخ الإسلامى المشرقى، هى حقبة رائعة فى بابها، استطاع الغوريون خلالها أن يصنعوا من "غور" لأول مرة فى تاريخها مركز امبراطورية عظيمة.
الثقافة الغورية: لقد طبعت الامبراطورية الغورية على شدة التمسك بالسنة مما أدى إلى قيام سيف الدين
стр. 7544
محمد باضطهاد أتباع المذهب الاسماعيلى فى غور، الأَمْرَ الذى أكسب غياث الدين محمد تأييد العباسيين المعنوى له ولأتباعه الغوريين فى شمالى الهند، فكان هذا كسبا للغوريين امتازوا به على يد شاهات خوازرم الذين انهارت مكانتهم فى نظر أهل السنة لموقفهم المعادى للخلافة ولميولهم القوية إلى الشيعة، على الأقل فى عهد علاء الدين محمد. ولقد كان لمبادئ الطائفة الكرامية شئ من السيادة فى غور فى مطلع العهد الغورى، واشتد كل من غياث الدين محمد ومعز الدين محمد فى تأييد المذهب الشافعى فى الفقه. ونهج الغوريون نهج الغزنويين فى رعاية الفنون. حتى إن علاء الدين عند تخريبه غزنة حرص أشد الحرص على جمع مؤلفات كبار الشعراء الغزنويين، وقد ضاع للأسف أكثر الشعر الغورى. بيد أنه كان من حسن الطالع أن بقيت بعض أعمال فخر الدين مبارك شاه وفخرى المدبر، المكتوبة بالفارسية. كما أن المجموعة المكتشفة حديثا والمسماة بخزينة الأسرار تتضمن شعرا بشتيا من العصر الغورى.
وإذا كان الغوريون قد حافظوا على ادب العصر الغزنوى فقد حافظوا أيضا على تراث هذه الحقبة فى مجال الفن والعمارة ونستدل على ذلك مما تبقى منها. ونهضت غزنة مرة ثانية بعد أن دمرها الغوريون وازدهرت أيام معز الدين. وكان غياث الدين محمد من البناة العظام ومن كبار مشجعى الفنون ومعمرى المساجد ومؤسسى المدارس والخانات فى خراسان، وفوق ذلك كله نجد الآن منارة جامع فيروزكوه رمزا لفن العمارة الغورى. هذا بالإضافة إلى غيرها من الأمثلة الحية فى هرات وغيرها.
المصادر:
المصدر الرئيسى الأول هو "طبقاتى ناصرى" لجزجانى، كان معتبرا تاريخا للعالم إلا أنه فى الواقع تاريخ خاص للأسرة الغورية. ويمكن أن نضيف إلى هذا الكتاب كتب ابن الأثير والجوينى.
стр. 7545
أما عن التواريخ المحلية فيمكن مراجعة "روضات الجنات" فى أوصاف مدينة هرات" (تحقيق محمد كاظم إمام وهو فى مجلدين وقد طبع فى طهران سنة ١٣٣٨ و ١٣٣٩ هـ, ويشتمل على مادة كبيرة عن هرات زمن الحكم الغورى.
(١) C. E. Bosworth: The Early Islamic in History of Ghur Central Asiatic Journal, vi (١٩٦١), ١١٦ - ٣٣
(٢) Sir Wolseley Haig in Camb. Hist. of india iii, Turks and Afghans, ch. ٣
د. حسن حبشى [س. أ. بوسورث C. E. Bosworth]
الغول
كلمة غول تشتمل على معنيين مختلفين: أحدهما: القدرة على التشكل بعدة أشكال والثانى: الهجوم الغادر المفاجئ. وأخيرا فإن الغول لديه موهبة خارقة فى تغيير أشكاله باستمرار والظهور للمسافرين بأشكال غاية فى الغرابة. والكلمة أيضا تعنى سوء الحظ الذى يحدث على غير توقع للإنسان (انظر التعريفات للجرجانى، هورتن Theol, des Islams ٣٣٥) وهذه الكلمة استخدمها كعب بن زهير فى بردته فى البيت الثامن (انظر بر. باست R. Basset Banat Sa'ad ١٠٢) بما يشير إلى تغيير الطبع وعدم الثبات.
ومقدرة الغول على تغيير شكله ولونه قد أصبحت كالمثل السائر فى انتشاره وفى بعض الأحيان يعطى معنى خيتاعور Khaytaur الأصول القديمة تشير إلى أن الغول كائن ذكرى يسلك سلوكا أنثويا أما العرب فقد مالوا إلى اعتبارها أنثى، والأصول الحديثة أدخلتها فى السحر والشعوذة كالجن الشيطانى.
ويفضل بعض العلماء إطلاق كلمة غول على الذكر أما الأنثى فتسمى سعلاة (جمعها سعالى) بينما آخرون يرون أن القطرب Kutrub هو الذكر (انظر الدميرى S.V. Kutrub) وأخيرا فإن هؤلاء المؤلفين لم يبتعدوا عن الاعتقاد أن الغول والسعلاة هما كائن واحد، أما الجاحظ (الحيوان) وتبعه
стр. 7546
القزوينى (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات) وأيضا الدميرى (حياة الحيوان) فقد أكدوا أن السعلاة تتميز عن الغول بحقيقة أنها لا تغير شكلها فقد اعتبرت بين الجان كما اعتبرت ساحرة. ونجد البعض يعتقد بزواج مثمر مع السعلاة ونجد أيضًا خرافة الحيوان الذكر الذى كان من عادته أن يخضع الرجال لنزواته حتى الموت إذا تكاثرت الديدان فى إست الضحية، وأكثر من ذلك هناك مثل يقول "اللواط من عدار" " Alwat min Undar" وهو ما بقى وترسب فى اليمن وتهامة وحتى فى مصر العليا (الصعيد) (الجاحظ، الحيوان، المسعودى، مروج الذهب).
ولم يذكر القرآن الكريم شيئا عن هذه التعبيرات ولكن النبى [ ﷺ ] أشار إلى الاعتقادات الشعبية فى موضوع الغيلان Ghilan وطبقا للحديث فقد أنكر وجودهم ولكن بعض العلماء اعتبر أنه أنكر -فقط- قدرتهم على تغيير أشكالهم. وعلى كل وطبقا لحديث آخر فقد نصح المصلين بتكرار الدعاء كوسيلة لاتقاء أفعالهم الشريرة.
ولهذا السبب فإننى لأتعجب أن هذا الاعتقاد قد ظل حيا (موجودا) فى الإسلام حتى أن القزوينى وبعده الدميرى لم يترددا فى التأكيد على انتشاره وخاصة فى الأدغال الكثيفة والمستنقعات وأنهم كانوا يمسكون الشخص ويلعبون معه لعبه "القط والفأر".
على أية حال فالمعتزلة وخاصة الجاحظ وأيضا الزمخشرى فى تفسيره القرآن أوضحوا أن هذه الخرافة غير موجودة أصلا، فالجاحظ أرجع ذلك إلى أن الشعراء ضمن مبالغتهم قد استندوا على الخرافة. كما أن الرواة قد أطلقوا العنان لحريتهم اعتمادا على انتشار الروايات مثل روايات تأبط شرا الذى كان يتباهى بعلاقته الحميمة مع السعلاة أو الغيلان الذين قابلهم فى الصحراء (الأغانى للأصفهانى) أما المسعودى فى مروج الذهب فقد خصص فصل كاملا للغيلان ولم
стр. 7547
يستطع أن ينفى وجودهم اعتمادا على أن عمر بن الخطاب نفسه فيما يُروى قد قال إنه قد راى واحدًا منها وقتله ورفاقه أيضا.
ولقد سجل القزوينى الفكرة الفلسفية التى تقول إن الغول عبارة عن مسخ حيوانى غريب ذى طبيعة ناقصة شرد عن الحيوانات لينشد الحماية فى الصحراء المنيعة المترامية الأطراف، ويقال أيضا إن هذه الموجودات من ذرية كوكبة من أبطال الميثولوجيا الإغريقية (حامل رأس الغول Hamil Ras Al-Ghul).
وفى أراضى البربر -ومنذ العصور القديمة- يؤمنون بوجود غيلان ومخلوقات خرافية أخرى ظهرت فى قصص كثيرة لبس ثوبا اسلاميا.
وفى اللغة الشعبية يستخدم الغول (غوله، قطرب لألهما Kutrub . . الخ) غالبا ليشير إلى آكل لحوم البشر رجلا كان أو عفريتا، وهم يذكرون هذا الغول لتخويف الأبناء المتمردين. وقد ظهر الغول فى كثير من القصص الذى انتقل إلى فرنسا وانجلترا ويدل على نوع من مصاصى الدماء التى تنبش القبور ليلا لالتهام الجثث.
المصادر:
(١) فلهاوسن، رست Wellhausen Reste ١٣٧ ff
(٢) ر. باست R. Basset بانت سعاد، الجزائر ١٩١٠ ص ١٠٢.
(٣) شرح ألف وواحد حكاية خرافية جـ ١ ص ٨٠ - ٨٤، ١٥٣.
(٤) ابن أبى الحديد، شرح نهج البلاغة جـ ٤، ص ٤٤٤.
(٥) حكايات فارسية: ج مالكوم J.Malcolm
(٦) حكايات مصرية: باى سبيتا Spitta Bey وتشمل خرافات عربية عن الغول.
(٧) حكايات من شمال أفريقيا: ج دسبارمنت J. Desparmet حكايات شعبية عن الغيلان من البليدة باريس ١٩٠٩ ص ١٠، هـ. باست H. Basset مدخل إلى
стр. 7548
La-litt للبربر - الجزائر ١٩٢٠ ص ١٢٩ - ١٣٥
(٨) حكايات تركية: كونوس Kunos، الفولكلور التركى. فهرس S. vv.
(٩) وعن الغول الذى يسبب داء الكلب انظر ر. بيرتون. R. Burton الحج ١٨ جزء.
(١٠) والصعرانة مقتبسة عن اللغة الحبشية. انظر نولدكة Noldeke
إبراهيم شعلان (د. ب. ماكدونالد - Macdonland [بلات Ch. Pellat])
غياث الدين طغلق الأول (غازى ملك)
هو مؤسس أسرة طغلق وحاكم الهند فى الفترة من عام ٧٢٠ إلى عام ٧٢٥ هـ (١٣٢٠ - ١٣٢٥ م) -وهو تركى الأصل- وقد هاجر من خراسان وعمل فى خدمة الخلجيين وفى عام ٧٠٥ هـ/ ١٣٠٥ عين حاكما لمنطقة "ديباليور" فى اقليم البنجاب وقد استطاع -لكونه كان أمينا للحدود ومراقبا لها- أن يضيق الخناق على المغول طيلة خمس عشرة سنة، بالقيام بغارات سنوية ضدهم فى مناطق كابول وغزنة.
وقد كانت هذه المكانة التى اكتسبها رصيدا له عندما ثار على "خسرو خان" وهو قائد خلجى ينحدر من طائفة هندوسية وضيعة المستوى والمنزلة فأقدم بوحشية على قتل قطب الدين مبارك آخر حاكم خلجى (٧١٦ - ٧٢٠ هـ/ ١٣١٦ - ١٣٢٠ م) كذلك فتك بكل الأمراء الخلجيين، واستولى على العرش وارتد عن الإسلام وبدأ عصرا من الإرهاب والرعب فى "دهلى". وتوجه غازى مالك إلى ستة حكام يدعوهم للجهاد فى غرب الهند فانضم إليه واحد منهم ورفض اثنان فقتلتهما جنودهما على حين أعادت قواته المتمردة قبل ذلك إلى السلطة حاكما وعد بأن يقدم المساعدة -لذلك كانت ثورة طغلق من عمل ضباط الصف والجنود فى جيش المسلمين وليس الصفوة الحاكمة المسلمة، وقد جعلت هذه الانتصارات الحاسمة التى انتهت بالقبض على خسروخان وإعدامه، من
стр. 7549
غازى ملك سندًا للسلطة بلا منازع وقد أجمع الأشراف والنبلاء على أن يعتلى العرش كمدافع عن نفوذ الإسلام ومستعيد لقوته فى الهند فى مواجهة التحدى المزدوج من تهديد المغول وأعمال الهدم والتخريب من جانب الهندوس.
ومن ثم اتخذ لقب غياث الدين ويمتدحه المؤرخون المسلمون المعاصرون ويعدّونه منقذ الإسلام فى الهند. . ويقول البارنى أنه السلطان المثالى الذى جمع بين الأعمال البطولية وبين الفضائل الشخصية مثل كبح النفس والفقه والتقوى.
وقد كانت أول مشكلة تعترضه -من الناحية الإدارية هى انعاش اقتصاد الدولة بعد الاضطرابات والفوضى المالية التى كانت عليها زمن خسروخان وكان عليه أن يصادر أموال أسلافه المتهورين واضطر للجوء إلى إجراءات غير مألوفة بالاستيلاء على الأراضى التى اقطعوها وعلى مرتبات رجال الجيش- وقد كانت سياسته فيما يتعلق بالضرائب -والتى أثرت أساسا على طبقات المزارعين وملاك الأراضى الهندوس تمضى فى طريق وسط فهى تنكر عليهم تكديس الثروات الأمر الذى قد يؤدى إلى قيام الناس بالثورة وفى الوقت نفسه يُيَسّر لهم أمر معاشهم حتى يتمكنوا من مواصلة الزراعة- وفيما بين عامى ٧٢٢ و ٧٢٣ هجرية (١٣٢٢ - ١٣٢٣ م) تدعمت السلطة وتوسعت على يد ابنه "جاونا خان" والذى يعرف أيضا باسم (ألغ خان)، والذى صار فيما بعد يعرف بالسلطان (محمد بن طغلق) الذى أعاد إخضاع الطوائف والجماعات المتمردة فى وارانجال وضم مملكة "مَعْبَرْ" الهندوسية وقام بغزو "جاجناجار" كما شن بعض الغزوات داخل إمارة أوريسا الهندوسية المستقلة وقال غياث الدين حملة للقضاء على الحرب الأهلية فى إقليم البنغال الذى ضمّ جزءا منه إلى سلطته وأبقى الجزء الآخر فى أيدى
стр. 7550
حاكم تابع هو "نصر الدين" وهكذا استطاع فى السنوات الخمس لحكمه أن يدعم السلطة ويمد حدودها إلى ما وراء الحدود الخلجية.
ولكن حدث وهو عائد من البنغال فى عام ٧٢٥ هـ/ ١٣٢٥ م أن سقط عليه فى أثناء عرض للفيلة سقف سرادق خشبى أقيم على عجل بأمر من ولده جونا خان الذى اتهمه ابن بطوطه و"عصامى" بتدبير قتله ولكن بعض مؤرخى العصر مثل برانى و"يحيى بن أحمد سرهندى" لم يوجهوا مثل هذه الاتهامات.
وإن ما يراه سير وولزلى هيج من أن لنظام الدين "أوليا" يدًا فى هذا الحدث ينقصه ما يؤكده.
المصادر:
(١) الأصمعى: فتوح السلاطين طبعة A. S. Usha، مدراس ١٩٤٨، ص ٣٧٥ - ٤٢١.
(٢) أمير خسرو: طغلق نامة طبعة Hashimi Faridabadi، أورانجباد ١٩٣٣.
(٣) عبد القادر البداءونى: منتخب التواريخ، كلكتا ١٨٦٨ جـ ١، ص ٢٢١ - ٢٢٥.
(٤) ابن بطوطة: رحلات ابن بطوطة ترجمة فرنسية: Defremery and Sanguinetti، جزء ٣، باريس ١٨٥٣ - ١٨٥٨.
بهجت عبد الفتاح [عزيز أحمد Aziz Ahmed]
الغيب
للكلمة معنيان أصليان: أحدهما "غاب عنى"، أى بعد، و"غاب فى"، أى توارى أو خفى، وقد تعنى فى الاستخدام الجارى "الغياب" وذلك خلاف الشهود التى تعنى الحضور وهو مصطلح صوفى ولكن الأكثر شيوعا أن كلمة "غيب" تعنى ذلك الذى لا تدركه الحواس ولا يكون فى متناول العقل أى إنه جزء من الحكمة الإلهية،
стр. 7551
وهذا هو المعنى الاصطلاحى للكلمة. فكأنها تعنى "السر" وهذا هو المعنى الذى وردت به فى القرآن الكريم، . . . ﴿إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ. . .﴾ (سورة يونس - ٢٠)، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ. . .﴾ (الأنعام - ٥٩). فليس بوسع أحد معرفته أو إدراكه، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. . .﴾ (الجن - ٢٦). والإيمان بالغيب والإيمان بما أنزل على الرسول من أركان الإيمان ومن سمات المؤمنين. وقد يكشف اللَّه عن جزء من "السر الإلهى" -كما هو الحال فى القرآن- وقد لا يكشف، ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ. . .﴾ (آل عمران - ٤٤). وقد أطلق فخر الدين الرازى على تفسيره للقرآن اسم "مفاتيح الغيب". وهناك ما يسمى بعالم الغيب أى ما وراء الحواس فى مقابل "عالم الشهادة" أو "عالم الملك" أى العالم الذى تدركه الحواس.
ثمة استخدامات أخرى ورد فيها مصطلح "الغيب"
أ- الإمام عند الشيعة له علم بالغيب (أى العلم الصحيح).
ب - تحت نفس العنوان "مفاتيح الغيب" عالج أحمد الزرقاوى موضوع السحر والرجم بالغيب.
جـ - يستخدمه ابن عربى بمعنى "المعرفة الصوفية" كما أن الصوفية يفسرون الغيب على أنه ليشمل العوالم الثلاثة: الجبروت والملكوت واللاهوت.
وإذن فإن مصطلح "الغيب" قد يفهم بمعانى ثلاث:
(١) معنى دينى أى أمر اللَّه الذى يكشف القرآن عن جزء منه.
(٢) العالم غير المرئى حيث يحاول أهل السحر والتنجيم النفاذ إليه ولكنهم بذلك يرتكبون معصية.
(٣) عند الصوفية هو عالم ما وراء الحس والعقل المنطقى.
المصادر: وردت فى صلب المادة.
سعيد عبد المحسن [د. ب. ماكدونالد (ل. جرانديه) [D.B. Macdonald (L. Grandet)
стр. 7552
ف
стр. 7553
الفأل
الفأل والطيرة والزجر/ وتعنى كلها معنى واحدا، والفأل مصطلح تتميز به العربية ويرادفه نحاثم فى العبرية ونحشه فى السريانية وهو يظهر فى أشكال مختلفة بدءا من العطة، وبعض السمات والميزات فى الأشخاص والأشياء والتى نواجهها كل يوم ونلتقى بها، إلى تأويل أسماء الأشخاص والأشياء التى ترد تلقائيا على سمع الإنسان وبصره وعقله. وحول هذه النقطة الأخيرة نجد أن السيرة والحديث، والحوليات الإسلامية تقدم الدلائل الوفيرة التى تصور اتجاه العقل العربى لاستنباط الطالع من الحركات الجسدية جميعا، ومن كل أنواع الواقعات التى تحدث مصادفة، ومن كل أنواع الكلمات والعبارات المسموعة وكذلك من السلوكيات جميعا. وهنا يقول "دوتيه" Doutte إن العادات (التصرفات) الحميدة الطيبة قد نشأت من الفأل على أنه يجب أن نضيف إلى هذا الأثر الغالب الذى أحدثه لطف التعبير وسوء التعبير عند الجماعات السامية كلها ولا سيما العرب.
وهذا الاتجاه فى التفكير العربى يوضح نفسه بجلاء فى سلوك وممارسات وتوصيات النبى [ ﷺ ] فالسيرة حافلة بما يدل على أن النبى [ ﷺ ] كان يستبشر أو ينفر من بعض أسماء القبائل والمناطق التى يجتازها فى غزواته (المراجع: ومع هذا فقد قال "ليس منا من رَّدته الطَّيرة") -وأكثر من ذلك فقد أدخل تغييرات كثيرة على
стр. 7554
الأسماء بهدف محو أى أثر للوثنية العربية من المصطلحات الإسلامية وأيضا استبعاد أية أسماء غير مناسبة والتى تصدم آذان أتباعه والتى لابد أن يسمعها تتردد من حوله، وبذلك يزيل أية تأثيرات كريهة مشئومة يمكن أن تثيرها معانى هذه الأسماء ولهذا السبب أقدم على تغيير القليل إلى الكثير، "والعاصى" إلى "المطيع" كما أنه ﷺ أطلق اسم طيبة على ما أصبحت المدينة بعد ذلك، بدلا من يثرب التى يتضمن أصلها فكرة الافتراء (تشويه السمعة) وغير اسم "زيد الخيل" إلى "زيد الخير" وأطلق اسم سليمان على "سليمان بن طرَد الذى كان يدعى يسار، وغير اسم حزم إلى سهل وهكذا. . وقد حاكى النبى [ ﷺ ] فى هذا الاتجاه صحابته وعلى الأخص عمر بن الخطاب، كذلك كان المظهر -بجانب الأسماء- مما يستبشر أو ينفر منه فقد كتب النبى [ ﷺ ] إلى عماله يطلب إليهم إذا هم أرسلوا إليه رسولًا أن يكون جميل الاسم سمح الوجه، ولقد كان الوضع الاجتماعى للفرد فى شمال افريقية يثير التفاؤل أو التشاؤم فعندما يلتقى الإنسان بشريف ما فهذا فأل طيب، أما إذا التقى بيهودى أو بحداد فإن الموقف يختلف. وقد يكون لأسرة كاملة أثرها المشئوم (مثل أسرة بَصبصْ التى جلبت مشورتها الشؤم للتغالبة) وثمة أسماء معينة تعتبر نذير شؤم فلا تستحب مصاحبتها.
ولهذا السبب كان اختيار الآباء لأسماء أطفالهم والسادة لأسماء عبيدهم شيئا مهما -واتبع العرب فى هذا قاعدة محددة- فقد سأل أحدهم بدويا، لماذا يطلق على أطفاله أقبح الأسماء مثل كلب وذئب، وعلى عبيده أحسن الأسماء مثل مرزوق ورباح؟ فردّ بأن "أسماء أولاده موجهة إلى أعدائه، أما أسماء عبيده فله هو ذاته". يقصد أن يقول إن الأطفال درع ضد العدو وسهام فى صدورهم، ولهذا السبب أطلقوا عليهم هذا النوع من الأسماء وهنا نشير إلى أن الجاحظ فى الحيوان قد عرض للدوافع المتعددة وراء اختيار العرب للأسماء.
واتسعت عملية التأويل هذه فجاوزت أسماء الأشخاص إلى أسماء
стр. 7555
الأحجار الكريمة والفاكهة والزهور بل والأغانى فالذهب يعنى الرحيل، "والجزع" [وهو العقيق اليمانى] يعنى الحزن والكآبة والليمون (الأُتْرجَّة) يعنى النفاق ذلك لأن القشرة الخارجية لا تتماثل مع الداخل؛ "والسفرجل" يعنى الرحلة لأن الاسم يتضمن كلمة "سفر" و"السوسن" يجلب المحنة لأن الاسم يتضمن كلمة "سوء" والمحنة التى تستمر طيلة عام من كلمة سنة (فالمفرد سوسنة) -أما الريحان فهو بشير ونذير فى الوقت نفسه لأن اسمه يحتوى على كلمة "روح"، ومن جهة أخرى له مذاق مر بالرغم من أنه يسر العين والأنف، أما بالنسبة للأحاسيس الداخلية المسبقة بالشر والتى تثيرها ما تتضمنه العبارة أو الأغنية، فالأمثلة كثيرة عليها فى تاريخ العرب (ويمكن أن تدرج هذه الحقائق كلها تحت كلمة طيرة).
ويقول "حاجى خليفة" فى كشف الظنون إن الفأل تصديق لنيات الإنسان ومن هنا يكون تشجيعا له على أن ينفذها على حين أن الطيرة هى على العكس عدم التصديق ومن ثم فهى عائق أمام تنفيذ النيات أو تأجيل هذا التنفيذ إلى وقت لاحق، وهذه المقابلة التى استقرت فى النهاية بين مفهومين يكمل كل منهما الآخر قد تطورت على ما يبدو من اتجاه ينسب إلى أحاديث النبى [ ﷺ ] فيما يتعلق بهذا التنوع السائد للفأل. فالطيرة فى الواقع تعبير يرجع إلى أصل رعوى وبدوى، لذلك كانت الجزيرة العربية منطقة ملائمة جدا لتطوره كما قال شيشرون وبمقارنة المعطيات المختصرة المبهمة فى الكتابات الإسلامية، بما خلفته الثقافة السامية أصبح من الممكن التحقق من السمة الدينية للطيرة كما كانت تمارس فى الجاهلية.
ويبدو أنه من هذا المنطلق كان عداء النبى [ ﷺ ] للطيرة، حتى وهو يمارس الفأل ويوصى به، ولكن هناك بعض الأمثلة التى توضح أن الطيرة يمكن أن تكون طالعا طيبا فقد رسم عبيد اللَّه بن زياد كلبا وكبشا وأسدا فى مدخل منزله وقال عنها "كلب نابح، وكبش مقاتل وأسد غاضب" ورأى فيها طالعا طيبا ونستفيد من كتاب الحيوان
стр. 7556
للجاحظ ما ذكره من أنهم كانوا يتطيرون وتكرر ذلك بعده، ويقول الكاتب نفسه أيضا كان الرجال المحترمون يحملون أسماء الحمار والكلب والثور، ولم يتردد العرب فى استخدامها، إذ رأوا فيها طالعا حسنا: وهناك حديث يعطى الطيرة معنى أوسع وهو "أصدق الطيرة الفأل" وبنفس الطريقة نجد أمثلة تعطى للفأل معنى الطالع الشرير.
وهذا التضارب فى الأقوال يكشف عن وجود أساس بدائى لم تغمره تماما موجة التطهر القوية التى سادت الجزيرة العربية فى القرنين الأولين للهجرة.
والواضح من كل ما سبق أن الطيرة بهذه الطريقة قد تطورت بعد أن كانت فى الأصل لا تتعدى ملاحظة وتأويل طلعات وصياح ونشاطات بعض الطيور التى تستخدم فى العرافة (الكهانة).
وقد انبثقت عن هذا كتابات كثيرة -بل أدب كامل- وخصوصا فى الشعر والأمثال التى تقنع الإنسان بالعدول عن اتباع الأفكار التى تثيرها الطيرة فى نفسه، والتى يتعرض لها كل الناس. ويؤثر عن النبى [ ﷺ ] أنه قال ما معناه إن هناك ثلاثة أخطار يمكن للمرء أن يهرب منها وهى الطيرة والشك والغيرة. قال رسول اللَّه [ ﷺ ] (لا شؤم وقد يكون اليُمن فى الدار والمرأة والفرس) ابن ماجه، نكاح، ٥٥، وقال أيضًا (سوء الخلق شؤم) أبو داود، أدب، ١٢٤، أحمد ابن حنبل، وقال أيضًا (ما بى إلّا كراهية أن يتشاءم الناس) مسلم، باب الصلاة، أما ما جاء فى الشعر حول هذا الموضوع فهو كثير جدا - (وخصوصا البحترى فى الحماسة).
ويبدو أن المعنى البدائى للطيرة قد ظل حيا فى "الزجر" الذى يستخدم كثيرا كمرادف للطيرة بالرغم من أن هذا المصطلح فى الأصل يدل على أسلوب يتصل بالطيرة. فإذا كانت الطيرة تكمن فى ملاحظة الطيران التلقائى والصيحات التلقائية للطيور وتفسيرها أو تأويلها، فإن الزجر -على العكس من ذلك- يشتمل على الباحث
стр. 7557
المعتمد لهذا الطيران وهذه الصيحات. وبغض النظر عن معنى "زجر" (الإثارة، ومطاردة الأفراد بالصيحات أو دفع الطيور للطيران أو قراءة الطالع أو ممارسة الكهانة) فإن العادات العربية لا تزال تحتفظ بما يدل على ممارسة "الزجر".
ولكن وكما حدث للفأل والطيرة -سرعان ما بدأ الزجر يفقد معناه البدائى وكذلك سماته المميزة، وأصبح يرمز إلى طالع النحس أو الكهانة بشكل عام- والحق أن هناك فى بعض الأحيان نوعا من الزجر يختلط بالكهانة وهذا يؤدى بنا لأن نقول إن الزجر كان -كما كان فى آشور وبابل- حقًا مقصورًا على العراف الذى كان يجمع وعلى الأخص فى الجزيرة العربية -بين وظائف عدة ويتصرف كحارس على القوانين فى مجتمع بدوى يفتقد النقاط البؤرية الضرورية لتثبيت هذه القوانين وتأمينها.
وهكذا نجد فى كتابات الجاحظ أن الزجر يتضمن تفسير هديل الحمام، وصيحات الطيور، والظهور المفاجئ لأى حيوان يسير من اليمين إلى الشمال أو من الشمال إلى اليمين، وحفيف أوراق الشجر، وتنهيدة الريح وأشياء أخرى مماثلة مبشرة أو منذرة.
ويشار إلى "الزجر" على أنه "عيافة" وهو ما ينطبق على اجراءات متعددة من الكهانة أما بالنسبة للطيور التى يعتبر طيرانها وصيحاتها موضوع الفأل أو الطير أو الزجر، فهى متنوعة أما الطائر الذى يُكثر العرب من الإشارة إليه فى موضوع الكهانة فهو الغراب ومع ذلك فإن هذه الأمور الثلاثة لا تقتصر على الطيور. وذلك لأن أى حيوان يمكن أن يستخدم فى الطالع.
وإن وجهة الطائر فى طيرانه أو خطوات الحيوان على الأرض، لتلعب دورا مهما جدا فى تطبيق هذه الإجراءات الثلاثة. وهناك مصطلحات فنية تحدد الاتجاهات المختلفة: فالسائح هو الذى يطير من اليمين إلى الشمال؛ والبارح هو الذى يطير من الشمال إلى اليمين والجابح وهو الذى يأتى من الأمام، والقائد أو الخفيف وهو الذى
стр. 7558
يأتى من الخلف. والشمال كقاعدة عامة -هو ما يشير إلى الشر أو النحس؛ لذلك كان العرب يحبون السائح ويكرهون البارح- وباستخدام العبارات اللطيفة عن شئ بغيض نجد أن العرب يطلقون على الشمال كلمة "اليسار" وعلى اليد الشمال لفظ "اليسرى".
وفى مجالات أخرى أيضا تلعب العبارات اللطيفة وغير اللطيفة دورا مهما فى الفأل. فالرغبة فى سماع كلمات سعيدة طيبة من أفواه الآخرين والخوف من سماع عبارات غير طيبة موجودة فى الإسلام فى كل العصور، فى كل البلدان -وهناك مجموعة كاملة المفردات تستخدم للابتعاد عن العبارات ذات المعانى التى ترمز إلى الشؤم. ومن ثم سمى الأعمى "بالبصير" ووصف الجدرى بأنه "مبارك" وكذلك الزهرى والطاعون والعتة. . ويقول الجاحظ أنه [. . . . . . .] (*)
المصادر:
(١) ابن قتيبة: عيون الأنباء القاهرة، جـ ٢، ص ١٤٤ - ١٥١.
(٢) المسعودى: مروج الذهب، جـ[. . . .] (*) ص ٣٣٤، باريس ١٨٦١ - ١٨٧٧.
(٣) الجاحظ: الحيوان.
(٤) نويرى: نهايات العرب جـ ٣، القاهرة ص ١٣٤.
(٥) E. Daulte: Magie et religion ٣٦٣ ff
بهجت عبد الفتاح [ت. فهد T. Fahd]
مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب
رقم الإيداع بدار الكتب ١٠١٢٨/ ١٩٩٦
ISBN ٩٧٧ - ٠١ - ٤٩٧٦ - X
стр. 7559
موجز دائرة المعارف الإسلامية
«فاتحة - القادرية»
[الجزء الخامس والعشرين]
стр. 7560
فاتحة
(أول سورة فى القرآن الحكيم وأيسرها). ويعنى اسمها أنها (فاتحة القرآن الكريم) ولهذه السورة القصيرة التى هى سبع آيات، عدة سمات خاصة بها، فهى فى أول الكتاب العظيم، بينما كل قصار السور فى آخره، وهى فى صيغة دعاء، وسائر السور فى صيغة نصح وإرشاد، أو لوم وتوبيخ، وتعقب تلاوتها بكلمة "آمين" التى لا تعقب تلاوة سائر السور.
وفى سورة الحجر، الآية ٨٧ تلميح إلى سورة الفاتحة فى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (أى سبع آيات) ينبغى أن تكرر دائمًا مثلما يكرر القرآن، وهى مثان، لأنها تثنى فى كل صلاة، وتحتل موقعًا خاصًا مع الإشارة إلى تقسيم القرآن الموحى به وقتذاك.
وفى تلك الفترة، حين نزلت سورة الحجر، وهى سورة مكية، كانت سورة الفاتحة هى الدعاء المحبب إلى جماعة المؤمنين قليلة العدد بعض الشئ.
وقد قيل إن هذه السورة هى أقدم سور القرآن أو واحدة من أقدم سوره. وقد فند نولدكه Noeldeke الرأى القائل أن بها تعبيرات لا توجد فى سور الفترة الأولى، وبخاصة بعض صفات اللَّه مثل "الرحمن الرحيم" التى تظهر لأول مرة. ومع ذلك، فإن سورة الفاتحة قديمة نسبيًا، ويجب أن توضع فى نهاية الفترة المكية الأولى. وأول آياتها "الحمد للَّه رب العالمين"، وتتكرر فى آخر سورة الصافات (الآية ١٨٢)، والتى تنتمى إلى الفترة الثانية أيضا وتشير كلمات "المغضوب عليهم" أى الذين غضب اللَّه عليهم، و"الضالين" أى الذين يذنبون، فى الآية السابعة من سورة الفاتحة إلى كل من اليهود والنصارى على التوالى [المترجم: لا تجمع التفاسير على ذلك].
والفاتحة جزء لا يتجزأ من صلوات المسلمين الخمس وقراءتها فرض عند الشافعى، بينما يقول أبو حنيفة إنها أمر لازم شرعًا. وقد كتب علماء ورعون كثيرون عن فضائل هذه السورة.
المصادر:
(١) البخارى: اجارة، جـ ١٦.
(٢) تفسير القرآن جـ ١.
стр. 7561
(٣) فضائل القرآن جـ ٩.
(٤) مسلم: باب الصلاة، ٣٤ - ٤٤.
(٥) الطبرى: تفسير ١٣٢١، جـ ١، ٣٥ - ٦٦.
(٦) الزمخشرى: كشاف، القاهرة ١٣٧٣/ ١٩٥٣، جـ ١، ١ - ١٥.
(٧) A. Jeffery: A variant text of the Fatiha in MW, XXXIX (١٩٣٩), ١٥٨ - ٦٢
حسن شكرى [ر. باريه R. Paret]
الفارابى
أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان بن اوزلفه كان واحدًا من أبرز فلاسفة المسلمين وأشهرهم، واشتهر بلقب المعلم الثانى إذ المعلم الأول أرسطو.
حياته:
لا نعرف عن حياة الفارابى إلا القليل. فهو لم يكتب سيرته كما أن معاصريه لم يكتبوا عنه. وهو من أصل تركى، ولد فى تركستان بمدينة فاراب الواقعة على نهر سيحون، ويقال إنه توفى فى دمشق فى عام ٣٣٩ هـ/ ٩٥٠ م وقد بلغ الثمانين ونيف عليها وربما قدم -فى فترة باكرة من حياته- إلى بغداد مع والده الذى وصف بأنه قائد جيش وربما كان ينتمى إلى حرس الخليفة. واستقر هناك لعدة سنوات منعزلا ومنفردًا بنفسه ولم ينضم قط إلى بلاط الخليفة أو كتابه فلما كانت سنة ٣٣٠ هـ (= ٩٤٢ م) تلقى دعوة من سيف الدولة الحمدانى (الشيعى) للذهاب إلى حلب فقبل الدعوة لأسباب لا نعرفها، وعاش هناك فى بلاطه هو وفئة من رجال الأدب حتى آخر حياته -وكان أستاذه فى الفلسفة مسيحيا هو يوحنا هيلان النسطورى الذى يقول عنه الفارابى إنه ينتمى إلى مدرسة الإسكندرية فى الفلسفة اليونانية والتى ظلت قائمة بعض الوقت بعد فتح العرب لها- ونعلم أيضا عن الفارابى أنه كان على صلة وثيقة بأبى بشر متى بن يونس المترجم والشارح الكبير (ت ٣٢٩ هـ/ ٩٤٠ م). وهو أحد الشخصيات البارزة فى مدرسة بغداد الأرسطية المسيحية وأنه له تأثيرا بالغًا على يحيى بن عدى (ت ٣٦٢ هـ/ ٩٧٢ م).
стр. 7562
فكره
كان الفارابى يعتقد أن الفلسفة انتهى أمرها فى كل مكان إلا بلاد الإسلام. فقد وجدت فى هذه البلاد ملاذًا جديدا وحياة جديدة. ويرى أن العقل الإنسانى مقدَّم على ما سواه، ذلك أن الأديان -فى رأيه- تصطنع الرموز لكى تصل للجمهور العادى، أما الحقيقة الفلسفية فتختلف الرموز فيها عن أمة إلى أمة -وبهذا الرأى يكون الفارابى قد خطا خطوة أبعد من الكندى الذى جعل الفلسفة فى خدمة الحقيقة التى نزلت بالوحى.
ثم هو من جهة أخرى يرى أن الفلسفة اليونانية يمكنها أن تقدم تفسيرا صحيحا لكل القضايا المهمّة والمثارة فى المجتمع الإسلامى المعاصر -فالإلهيات اليونانية وهى الهيات طبيعية- تتحدث عن اللَّه بوصفه العلة الأولى للفيض (أى صدور الموجودات عن اللَّه) كما تتحدث عن الوحى بوصفه نتاج الكمال الأسمى للعقل الإنسانى. وتتحدث عن الطبيعة الحقة لعملية الخلق وعن العناية الإلهية على نحو ما تتبدى فى تدرج الموجودات فى العالم، ثم هى تتحدث عن الخلود الذى لا يحظى به الكائن البشرى. إن الفلسفة تقدم لنا الرأى السليم عن حرية الاختيار الأخلاقية وعن الحياة الخيرة والإنسان الكامل -أى الفيلسوف- ينبغى أن يكون السيد الحاكم للدولة فالفلسفة وحدها هى التى تمدنا بالطريق الصحيح نحو إصلاح الخلافة -والفارابى يرسم بخياله مدينة مثالية (فاضلة) وأمة مثالية (فاضلة) وعالما مثاليا (فاضلا).
وبوسعنا ذكر بعض خصائص فكر الفارابى، من ذلك أنه كان يعتقد -شأنه شأن الكثيرين من مفكرى اليونان فى العصر المتأخر فى اتفاق آراء أفلاطون وأرسطو- وأقام فكره على مبادئ أرسطو -كما قدمها الشراح اليونانيون المتأخرون- فى المنطق، والعلم الطبيعى، وعلم النفس، والميتافيزيقا، وإن كانت هذه الميتافيزيقا فى تطوير الفارابى لها -قد اتخذت سمة معتدلة عن الأفلاطونية الجديدة. أما فى العلم السياسى فقد آثر أن يتابع خطى أفلاطون فى الجمهورية والقوانين؛ لأن تحليل أفلاطون للدول غير المثالية
стр. 7563
والحلول التى يقدمها لحل المشكلات
السياسية تظل صالحة كما هى وتتماشى مع الظروف السياسية التى استجدت، ويرى الفارابى أن العلة الأولى تجمع بين الوصف الأفلاطونى أى الخالق الأبدى لعالم أزلى والوصف الأرسطى أى العقل الإلهى، وهو موجود مفارق أو متعال على كل الموجودات. وهناك نظرية هامة للفارابى عن الخيال والنبوة. فعلى الرغم من أن النبوة جزء لا يتجزأ عن كمال الإنسان فهى بمثابة عامل ساعد لملكته العاقلة ومحدودة بحدود ملكة التصوير الناقصة.
إن للفارابى تأثيرا بالغا على الفلاسفة المسلمين الذين جاءوا بعده -فلا مجال لإنكار تأثيره على كتاب القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى مثل إخوان الصفا، والمسعودى، ومسكويه وأبى الحسن الأميرى، ويبدو أن ابن سينا قد اطلع على مؤلفاته، كما تابعه ابن رشد فى أفكاره الرئيسية وقدره ابن ميمون حق قدره، وكان لأفكاره السياسية تأثير بالغ فيما بعد فى القرن الثالث عشر الميلادى، وما بعده. وقد اطلع الدارسون اللاتينيين على بعض مؤلفاته، كما ترجم بعضها إلى العبرية.
أعماله:
ينسب مؤلفو الفهارس العرب للفارابى أكثر من مائة مؤلف متفاوتة الأحجام، منها الأصيل ومنها المنتحل مثل "النصوص فى الحكمة" وهى فى الغالب من تأليف ابن سينا.
أ - من الأعمال الأصيلة "الشروح المدرسية الكبيرة" لعدد من دروس أرسطو -فهذه الشروح واصلت مسيرة التراث اليونانى فى فترته المتأخرة دون حدوث أى فجوة. ويبدو أن ابن باجة استفاد من هذه الشروح كما استفاد منها بصفة خاصة ابن رشد. وثمة شروح على كل الأجزاء المتبقية عن الأرجانون والخطابة.
و"الفيزيقا": (الذى قرأه الفارابى أكثر من أربعين مرة) وكذلك نجد مؤلفات صغيرة الحجم تعد بمثابة مقدمات:
أ - المنطق: "التوطئة فى المنطق" وهو مقدمة للمنطق.
ب - الفيزيقا: عن "الفراغ".
стр. 7564
جـ - الميتافيزيقا "حول مجال ميتافيزيقا أرسطو" فى الواحد والوحدة
د - الأخلاق والسياسة "البيِّنة على سبيل السعادة" فى الملة الفاضلة وهى رسالة هامة وإن لم تنشر بعد. وله رسائل أخرى فى الرد على خصوم أرسطو والرد على زكريا الرازى وابن الراوندى -وهناك مجموعة من الأعمال تلخص نتائج أبحاث الفارابى الفلسفية، تعنى بوضع الفلسفة فى مركز السيادة فى الفكر، والمجتمع الكامل (الفاضل) والملك الفيلسوف. وفهم هذه الأعمال يعد مفتاحا لفكر الفارابى، مثل:
١ - إحصاء العلوم ٢ - فى تحصيل السعادة ٣ - فى مبادئ آراء أهل المدينة الفاضلة ٤ - السياسة المدنية وهو احصاء لكل مبادئ الفلسفة على وضع الهدف السياسى نصب عينيه.
المصادر:
(١) C. Brockelmann: ١, ٢٣٢ ff. Geschichte, Leiden ١٩٤٣ - ٤٩
(٢) Leo Strauss: Farabi's Plato, in Ginsberg Jubilee Volume, New York ١٩٤٥
(٣) Idern: How Farabi read Plato's laws
(٤) E. I. J. Rosenthal: Political thought in medieval Islam, Cambridge, ١٩٦٢, ١٢٢ ff
(٥) سعيد زايد: الفارابى (نوابغ الفكر العربى، ص ٣١)، القاهرة ١٩٦٢.
سعيد عبد المحسن [ر. والتزر R. Walzer]
فارس الشدياق
فارس الشدياق كاتب ومؤلف معجمى وصحفى وشاعر لبنانى. ولد سنة ١٨٠٤ م وليس فى التى تليها كما يقول أحدهم فى كتاب له عنه وكما يقول أيضا يوسف ازبك، وكان مولده بعشقوط وليس ببيروت كما قال بروكلمان. وقد انتقل به أبواه سنة ١٨٠٩ م إلى الحدث حيث تلقى الابن تعليمه الأوَّلى بها ثم انتقل إلى كلية اللاهوت الكاثوليكية فى عين ورقة. وترتب على منازعة سياسية ووفاة أبيه أن احترف حرفة أخيه طنوس (١٧٩١ - ١٨٦١ م) وهى نسخ المخطوطات التى وجد منها كمية لا بأس بها فى مكتبة أبيه. ثم جرت بعد ذلك فى سنة
стр. 7565
١٨٣٠ م مأساة أثرت فى حياته وطبعه وسلوكه واتجاهاته كل التأثير ألا وهى مقتل أخيه أسعد (١٧٩٨ - ١٨٣٠) لتحوله إلى البروتستنتية مما حمل البطرك المارونى يوسف حبيش (المتوفى عام ١٨٤٥) على أن يسجنه ويعذبه حتى مات تحت التعذيب (انظر فى ذلك خبريات أسعد الشدياق عند بطرس البستانى) ويمكن أن نؤرخ تحول فارس إلى البروتستنتية فى نهاية ١٨٢٥ وإن كان دى طرازى فى كتابه الصحافة وكذلك ب. مسعد فى كتابه "فارس الشدياق" يزعمان أنه اعتنق هذا المذهب فى مالطة أى فيما بين ١٨٣٤ و ١٨٤٨ م ولكنه رأى مرفوض (انظر السياق ١/ ٧٧٣ - ٣٧٨) ونجد فى صفحة ١٣٠ - ١٣٣ ما يؤكد أنه اتصل بالبعثة الإنجيلية البروتستنتية قبل مغادرته لبنان إلى مصر التى ظل مقيما بها من ١٨٢٥ حتى ١٨٣٤ م وفيها كان أول زواج له من مارونية ولدت فى "الصولى" وأنجب منها ولديه "سليم" (١٨٢٦ - ١٩٠٦) و"فايز" (١٨٢٨ - ١٨٥٦ م). وتسنى له فى مصر أن يتصل بجماعة من كبار العلماء والأدباء مثل نصر اللَّه الطرابلسى (١٧٧٠ - ١٨٤٠ م) وشهاب الدين محمد بن إسماعيل المالكى (١٨٠٣ - ١٨٥٧ م) وقد أتاح له وجوده فى هذه البيئة الجو الملائم لدراسة العربية والمنطق واللاهوت وعلم الكلام، كما اختير محررا بصحيفة الحكومة الرسمية وهى الوقائع المصرية محل رفاعة الطهطاوى. ثم سأله رئيس الارسالية الإنجيلية البروتستنتية أن ينتقل إلى مالطة فانتقل إليها وأمضى فيها بضع سنوات (١٨٣٤ - ١٨٤٨) يعلم العربية وينسخ المصادر ويصحح المخطوطات. ولم يقطع هذه الحياة الجافة إلا مرتين فقط عاد فى أولاهما سرا إلى لبنان سنة ١٨٣٧ م وزار فى ثانيتهما انجلترا سنة ١٨٤٥ م، ثم دعى إلى لندن سنة ١٨٤٨ م ليساعد فى ترجمة الإنجيل وهنا طلق زوجته الأولى وتزوج إنجليزية وحصل على حق الحماية البريطانية ومات له حينئذ ثالث أولاده. ولما تمت ترجمة الإنجيل فى أقل من عشرين شهرا استقر فى باريس حيث نظم قصيدتين مدح فى واحدة منهما أحمد باشا باى تونس