(٣) فضائل القرآن جـ ٩.
(٤) مسلم: باب الصلاة، ٣٤ - ٤٤.
(٥) الطبرى: تفسير ١٣٢١، جـ ١، ٣٥ - ٦٦.
(٦) الزمخشرى: كشاف، القاهرة ١٣٧٣/ ١٩٥٣، جـ ١، ١ - ١٥.
(٧) A. Jeffery: A variant text of the Fatiha in MW, XXXIX (١٩٣٩), ١٥٨ - ٦٢
حسن شكرى [ر. باريه R. Paret]
الفارابى
أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان بن اوزلفه كان واحدًا من أبرز فلاسفة المسلمين وأشهرهم، واشتهر بلقب المعلم الثانى إذ المعلم الأول أرسطو.
حياته:
لا نعرف عن حياة الفارابى إلا القليل. فهو لم يكتب سيرته كما أن معاصريه لم يكتبوا عنه. وهو من أصل تركى، ولد فى تركستان بمدينة فاراب الواقعة على نهر سيحون، ويقال إنه توفى فى دمشق فى عام ٣٣٩ هـ/ ٩٥٠ م وقد بلغ الثمانين ونيف عليها وربما قدم -فى فترة باكرة من حياته- إلى بغداد مع والده الذى وصف بأنه قائد جيش وربما كان ينتمى إلى حرس الخليفة. واستقر هناك لعدة سنوات منعزلا ومنفردًا بنفسه ولم ينضم قط إلى بلاط الخليفة أو كتابه فلما كانت سنة ٣٣٠ هـ (= ٩٤٢ م) تلقى دعوة من سيف الدولة الحمدانى (الشيعى) للذهاب إلى حلب فقبل الدعوة لأسباب لا نعرفها، وعاش هناك فى بلاطه هو وفئة من رجال الأدب حتى آخر حياته -وكان أستاذه فى الفلسفة مسيحيا هو يوحنا هيلان النسطورى الذى يقول عنه الفارابى إنه ينتمى إلى مدرسة الإسكندرية فى الفلسفة اليونانية والتى ظلت قائمة بعض الوقت بعد فتح العرب لها- ونعلم أيضا عن الفارابى أنه كان على صلة وثيقة بأبى بشر متى بن يونس المترجم والشارح الكبير (ت ٣٢٩ هـ/ ٩٤٠ م). وهو أحد الشخصيات البارزة فى مدرسة بغداد الأرسطية المسيحية وأنه له تأثيرا بالغًا على يحيى بن عدى (ت ٣٦٢ هـ/ ٩٧٢ م).
стр. 7562
فكره
كان الفارابى يعتقد أن الفلسفة انتهى أمرها فى كل مكان إلا بلاد الإسلام. فقد وجدت فى هذه البلاد ملاذًا جديدا وحياة جديدة. ويرى أن العقل الإنسانى مقدَّم على ما سواه، ذلك أن الأديان -فى رأيه- تصطنع الرموز لكى تصل للجمهور العادى، أما الحقيقة الفلسفية فتختلف الرموز فيها عن أمة إلى أمة -وبهذا الرأى يكون الفارابى قد خطا خطوة أبعد من الكندى الذى جعل الفلسفة فى خدمة الحقيقة التى نزلت بالوحى.
ثم هو من جهة أخرى يرى أن الفلسفة اليونانية يمكنها أن تقدم تفسيرا صحيحا لكل القضايا المهمّة والمثارة فى المجتمع الإسلامى المعاصر -فالإلهيات اليونانية وهى الهيات طبيعية- تتحدث عن اللَّه بوصفه العلة الأولى للفيض (أى صدور الموجودات عن اللَّه) كما تتحدث عن الوحى بوصفه نتاج الكمال الأسمى للعقل الإنسانى. وتتحدث عن الطبيعة الحقة لعملية الخلق وعن العناية الإلهية على نحو ما تتبدى فى تدرج الموجودات فى العالم، ثم هى تتحدث عن الخلود الذى لا يحظى به الكائن البشرى. إن الفلسفة تقدم لنا الرأى السليم عن حرية الاختيار الأخلاقية وعن الحياة الخيرة والإنسان الكامل -أى الفيلسوف- ينبغى أن يكون السيد الحاكم للدولة فالفلسفة وحدها هى التى تمدنا بالطريق الصحيح نحو إصلاح الخلافة -والفارابى يرسم بخياله مدينة مثالية (فاضلة) وأمة مثالية (فاضلة) وعالما مثاليا (فاضلا).
وبوسعنا ذكر بعض خصائص فكر الفارابى، من ذلك أنه كان يعتقد -شأنه شأن الكثيرين من مفكرى اليونان فى العصر المتأخر فى اتفاق آراء أفلاطون وأرسطو- وأقام فكره على مبادئ أرسطو -كما قدمها الشراح اليونانيون المتأخرون- فى المنطق، والعلم الطبيعى، وعلم النفس، والميتافيزيقا، وإن كانت هذه الميتافيزيقا فى تطوير الفارابى لها -قد اتخذت سمة معتدلة عن الأفلاطونية الجديدة. أما فى العلم السياسى فقد آثر أن يتابع خطى أفلاطون فى الجمهورية والقوانين؛ لأن تحليل أفلاطون للدول غير المثالية
стр. 7563
والحلول التى يقدمها لحل المشكلات
السياسية تظل صالحة كما هى وتتماشى مع الظروف السياسية التى استجدت، ويرى الفارابى أن العلة الأولى تجمع بين الوصف الأفلاطونى أى الخالق الأبدى لعالم أزلى والوصف الأرسطى أى العقل الإلهى، وهو موجود مفارق أو متعال على كل الموجودات. وهناك نظرية هامة للفارابى عن الخيال والنبوة. فعلى الرغم من أن النبوة جزء لا يتجزأ عن كمال الإنسان فهى بمثابة عامل ساعد لملكته العاقلة ومحدودة بحدود ملكة التصوير الناقصة.
إن للفارابى تأثيرا بالغا على الفلاسفة المسلمين الذين جاءوا بعده -فلا مجال لإنكار تأثيره على كتاب القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى مثل إخوان الصفا، والمسعودى، ومسكويه وأبى الحسن الأميرى، ويبدو أن ابن سينا قد اطلع على مؤلفاته، كما تابعه ابن رشد فى أفكاره الرئيسية وقدره ابن ميمون حق قدره، وكان لأفكاره السياسية تأثير بالغ فيما بعد فى القرن الثالث عشر الميلادى، وما بعده. وقد اطلع الدارسون اللاتينيين على بعض مؤلفاته، كما ترجم بعضها إلى العبرية.
أعماله:
ينسب مؤلفو الفهارس العرب للفارابى أكثر من مائة مؤلف متفاوتة الأحجام، منها الأصيل ومنها المنتحل مثل "النصوص فى الحكمة" وهى فى الغالب من تأليف ابن سينا.
أ - من الأعمال الأصيلة "الشروح المدرسية الكبيرة" لعدد من دروس أرسطو -فهذه الشروح واصلت مسيرة التراث اليونانى فى فترته المتأخرة دون حدوث أى فجوة. ويبدو أن ابن باجة استفاد من هذه الشروح كما استفاد منها بصفة خاصة ابن رشد. وثمة شروح على كل الأجزاء المتبقية عن الأرجانون والخطابة.
و"الفيزيقا": (الذى قرأه الفارابى أكثر من أربعين مرة) وكذلك نجد مؤلفات صغيرة الحجم تعد بمثابة مقدمات:
أ - المنطق: "التوطئة فى المنطق" وهو مقدمة للمنطق.
ب - الفيزيقا: عن "الفراغ".
стр. 7564
جـ - الميتافيزيقا "حول مجال ميتافيزيقا أرسطو" فى الواحد والوحدة
د - الأخلاق والسياسة "البيِّنة على سبيل السعادة" فى الملة الفاضلة وهى رسالة هامة وإن لم تنشر بعد. وله رسائل أخرى فى الرد على خصوم أرسطو والرد على زكريا الرازى وابن الراوندى -وهناك مجموعة من الأعمال تلخص نتائج أبحاث الفارابى الفلسفية، تعنى بوضع الفلسفة فى مركز السيادة فى الفكر، والمجتمع الكامل (الفاضل) والملك الفيلسوف. وفهم هذه الأعمال يعد مفتاحا لفكر الفارابى، مثل:
١ - إحصاء العلوم ٢ - فى تحصيل السعادة ٣ - فى مبادئ آراء أهل المدينة الفاضلة ٤ - السياسة المدنية وهو احصاء لكل مبادئ الفلسفة على وضع الهدف السياسى نصب عينيه.
المصادر:
(١) C. Brockelmann: ١, ٢٣٢ ff. Geschichte, Leiden ١٩٤٣ - ٤٩
(٢) Leo Strauss: Farabi's Plato, in Ginsberg Jubilee Volume, New York ١٩٤٥
(٣) Idern: How Farabi read Plato's laws
(٤) E. I. J. Rosenthal: Political thought in medieval Islam, Cambridge, ١٩٦٢, ١٢٢ ff
(٥) سعيد زايد: الفارابى (نوابغ الفكر العربى، ص ٣١)، القاهرة ١٩٦٢.
سعيد عبد المحسن [ر. والتزر R. Walzer]
فارس الشدياق
فارس الشدياق كاتب ومؤلف معجمى وصحفى وشاعر لبنانى. ولد سنة ١٨٠٤ م وليس فى التى تليها كما يقول أحدهم فى كتاب له عنه وكما يقول أيضا يوسف ازبك، وكان مولده بعشقوط وليس ببيروت كما قال بروكلمان. وقد انتقل به أبواه سنة ١٨٠٩ م إلى الحدث حيث تلقى الابن تعليمه الأوَّلى بها ثم انتقل إلى كلية اللاهوت الكاثوليكية فى عين ورقة. وترتب على منازعة سياسية ووفاة أبيه أن احترف حرفة أخيه طنوس (١٧٩١ - ١٨٦١ م) وهى نسخ المخطوطات التى وجد منها كمية لا بأس بها فى مكتبة أبيه. ثم جرت بعد ذلك فى سنة
стр. 7565
١٨٣٠ م مأساة أثرت فى حياته وطبعه وسلوكه واتجاهاته كل التأثير ألا وهى مقتل أخيه أسعد (١٧٩٨ - ١٨٣٠) لتحوله إلى البروتستنتية مما حمل البطرك المارونى يوسف حبيش (المتوفى عام ١٨٤٥) على أن يسجنه ويعذبه حتى مات تحت التعذيب (انظر فى ذلك خبريات أسعد الشدياق عند بطرس البستانى) ويمكن أن نؤرخ تحول فارس إلى البروتستنتية فى نهاية ١٨٢٥ وإن كان دى طرازى فى كتابه الصحافة وكذلك ب. مسعد فى كتابه "فارس الشدياق" يزعمان أنه اعتنق هذا المذهب فى مالطة أى فيما بين ١٨٣٤ و ١٨٤٨ م ولكنه رأى مرفوض (انظر السياق ١/ ٧٧٣ - ٣٧٨) ونجد فى صفحة ١٣٠ - ١٣٣ ما يؤكد أنه اتصل بالبعثة الإنجيلية البروتستنتية قبل مغادرته لبنان إلى مصر التى ظل مقيما بها من ١٨٢٥ حتى ١٨٣٤ م وفيها كان أول زواج له من مارونية ولدت فى "الصولى" وأنجب منها ولديه "سليم" (١٨٢٦ - ١٩٠٦) و"فايز" (١٨٢٨ - ١٨٥٦ م). وتسنى له فى مصر أن يتصل بجماعة من كبار العلماء والأدباء مثل نصر اللَّه الطرابلسى (١٧٧٠ - ١٨٤٠ م) وشهاب الدين محمد بن إسماعيل المالكى (١٨٠٣ - ١٨٥٧ م) وقد أتاح له وجوده فى هذه البيئة الجو الملائم لدراسة العربية والمنطق واللاهوت وعلم الكلام، كما اختير محررا بصحيفة الحكومة الرسمية وهى الوقائع المصرية محل رفاعة الطهطاوى. ثم سأله رئيس الارسالية الإنجيلية البروتستنتية أن ينتقل إلى مالطة فانتقل إليها وأمضى فيها بضع سنوات (١٨٣٤ - ١٨٤٨) يعلم العربية وينسخ المصادر ويصحح المخطوطات. ولم يقطع هذه الحياة الجافة إلا مرتين فقط عاد فى أولاهما سرا إلى لبنان سنة ١٨٣٧ م وزار فى ثانيتهما انجلترا سنة ١٨٤٥ م، ثم دعى إلى لندن سنة ١٨٤٨ م ليساعد فى ترجمة الإنجيل وهنا طلق زوجته الأولى وتزوج إنجليزية وحصل على حق الحماية البريطانية ومات له حينئذ ثالث أولاده. ولما تمت ترجمة الإنجيل فى أقل من عشرين شهرا استقر فى باريس حيث نظم قصيدتين مدح فى واحدة منهما أحمد باشا باى تونس
стр. 7566
ومدح فى الثانية السلطان عبد الحميد سنة ١٨٥٤ م، وكان لهاتين القصيدتين أكبر الأثر فى تغيير مجرى حياته، حيث تلقى دعوة حارة لزيارة تونس (١٨٥٧ م) فاعتنق الإسلام، وتسمى أحمد تاركا لقبه "الشدياق" واقتدت به زوجته وابنه. ويقرر دى طرازى أنه لم يكن له دور فى تأسيس الرائد التونسى. على أن فارس الشدياق بلغ فى اسطنبول ذروة شهرته فقد حظى بعطف السلطان الذى كان قد بعث رسميا فى استدعائه وأحاطه بكل مظاهر التشريف وهنا أسس فارس الشدياق مجلة الجوائب الأسبوعية والتى ظلت تصدر من ٢ من يوليو ١٨٦١ حتى ١٨٨٤ م. وليس بحق ما يقرره شيخو ودى طرازى ودائرة البستانى من أن طبع الجوائب بدأ سنة ١٨٦٠ م، وكان صدورها تدشينا لعهد جديد فى الصحافة العربية ثم جاء إلى القاهرة سنة ١٨٨٦ م فلقى بها ترحيبا صادقا وأقام فترة قصيرة فيها وغادرها بعدها إلى اسطنبول (راجع جريدة الأهرام الصادرة يوم ٢٦ مايو ١٨٨٧ م) حيث مات بها بعد شهور قلائل يوم ٢٠ سبتمبر ١٨٨٧ م فى مصيفه فى "كاديكوى" وليس هناك ما يؤكد ما يدعيه البعض من أن أسرته عادت إلى الكاثوليكية، وعاد جثمانه إلى بيروت يوم الأربعاء خامس أكتوبر سنة ١٨٨٧ م ودفن فى الحازمية من ضواحى بيروت ويقتصر هنا -فيما يتعلق بمؤلفاته- على ذكر أهمها التى منها كتاب الساق على الساق فيما هو الفارياق "تناول فيه أيام العرب والعجم" وقد طبع هذا الكتاب لأول مرة بباريس ١٨٥٥ م، ويعتبر هذا الكتاب أهم مؤلفاته وواحدا من أبرز الكتب العربية التى ظهرت فى القرن التاسع عشر. ويلاحظ أن اسم "الفارياق" مشتق من المقطع الأول من اسمه الشخصى (فارس) أما المقطع الثانى فمشتق من اسم عائلته "الشدياق" وقد تضمنت هذه السيرة مزيجا كبيرا من ذكريات الطفولة والشباب وملاحظاته والنقد الاجتماعى والأخلاقى والدينى.
أما الكتاب الثانى فهو "الواسطة فى معرفة أحوال مالطة" الذى طبع فى الجوائب وهو مكتوب بأسلوب رحالة
стр. 7567
عرب العصور الوسطى. وقد ضمنه المؤلف ملاحظاته أثناء وجوده بمالطة وألم فيه بجغرافيتها وسكانها ومناخها وفنها ولا سيما الموسيقى والغناء والعمارة وما بها من الكنائس. وكان يرفق ذلك فى بعض الأحيان ببيانات احصائية ومقارنات.
أما كتابه الثالث فهو "كشف المخبأ - عن فنون أوروبا" وهو الجزء التالى لكتابه "الواسطة" ويتضمن ملاحظاته فى أوروبا وتعرض فيه لأحداث تاريخية ككلامه عن نابليون وجان دارك وغيرهم من المشهورين وضمنه أيضا آراءه عن مظاهر الحضارة فى لندن وباريس ونظم الحكومات المختلفة وآراءه عن الدين.
أما عن الشدياق اللغوى فنشير إلى محاوراته مع بعض البارزين أمثال يحيى الأسير (١٨١٥ - ١٨٩٠ م) والأحدب (١٨٢٦ - ١٨٩١) ونبيه اليازجى وابنه إبراهيم (١٨٢٧ - ١٩٠٦ م) وبطرس البستانى (١٨١٩ - ١٨٨٣ م) وأديب اسحق (١٨٥٦ - ١٨٨٦ م). ويشير فى المقدمة الطويلة التى وضعها للجاسوس على القاموس إلى ما يعتور المعاجم العربية من نقص ويبين ذلك النقص، ويوضح الأخطاء الرئيسية التى وقع فيها أصحاب هذه المعاجم ثم يورد نقدا لاذعا للفيروزبادى وللبستانى فى محاولته تقليد الفيروزبادى محلّلا الأربعة والعشرين مغمزا التى وجدها فى قاموس الفيروزبادى، وعلى الرغم من أهمية هذا الكتاب إلا أنه لم يجد الاهتمام اللائق به إذا ما قورن بما لقيه كتاب "سر الليال فى القلب والابدال" الذى طبع الجزء الأول منه سنة ١٨٨٤ م، أما الثانى فيظهر أنه لا يزال مخطوطا ويدرس المؤلف فى هذا الكتاب الأفعال والأسماء شائعة الاستعمال ويرتبها حسب نطقها وأصولها، ويوضح الفروق الجزئية التى تختص بها.
وللشدياق ديوان يحتوى على اثنين وعشرين ألف بيت يسير فيها على النمط التقليدى. أما كتابه "كنز الرغائب" الذى يقع فى سبعة مجلدات فقد جمع فيه خلاصة مطالعاته ورحلاته وترجماته وأخبار علاقاته الشخصية فهو بذلك مزيج من الأخلاقيات وعلم الاجتماع والسياسة والأدب والمحاورات
стр. 7568
الأدبية فقد صادف هذا اهتماما فى الدوائر الشرقية والأوروبية.
أما فى المجال الدينى فالظاهر أنه لم يكن ترضيه أية عقيدة فهو شاك ساخر واقعى مادى يجرى وراء الأمجاد والمبهجات، ومع ذلك فقد كان رجلا ثوريا وعلى الرغم من انضمامه إلى الحركة الإسلامية فقد أثنى الثناء العطر على مبادئ الثورة الفرنسية، ومع أنه ثار ضد الاقطاع وجميع أنواع الاستعباد وكان مؤيدا للمساواة بين الناس وتحرير المرأة وناقدًا سياسيا واجتماعيا إلا أنه عاش وكتب ما يتفق وأوامر السلطان أو الخديوى.
وعلى الرغم من كل هذا التناقض الوجدانى الثقافى والنظرة العامة للأمور إلا أننا لا نستطيع أن نتبين فى سهولة بعض الخصائص التى تميزت بها كتابات معاصريه، وكذلك صفات أدبية قدر لها أن تتفتح بعده فيما يتعلق بمشاكل الحياة اليومية فى قرنه، إلا أن الشدياق يعتبر مبدعا فى فن المقالة ومن أوائل دعاة الاصلاح التقدمى إن لم يكن أولهم، وليس من شك فى أن رجلا مثله جمع فى ذاته بين الرجل المحافظ والمراديكالى والرحالة واللغوى والعالم والصحفى إلا أنه يعتبر واحدا من أهم الشخصيات التى ظهرت فى مجال الأدب العربى فى القرن التاسع عشر.
المصادر:
(١) م. عبود: صقر لبنان، بيروت ١٩٥٠.
(٢) البستانى: دائرة المعارف، جـ ١٠، ١٨٩٨.
(٣) داغى: مصادر الدراسة الأدبية جـ ٢، بيروت ١٩٥٦.
(٤) ب. مسعد: فارس الشدياق، بيروت ١٩٣٤.
(٥) م. نجم: أحمد فارس الشدياق، رسالة ماجستير من الجامعة الأمريكية فى بيروت، ١٩٤٨.
(٦) D. A. J. Arberry: Fresh Light on Ahmed Faris al-Shidyaqa, in IC (١٩٢٥), ١٥٥ - ٦٨
د. حسن حبشى [أ. ج. كرم A. G. Karam]
стр. 7569
الفارسى
الفارسى هو أبو على الحسن بن على. كان من أبرز النحويين الذين ظهروا فى القرن الرابع للهجرة (العاشر الميلادى) ولد سنة ٢٨٨ هـ (= ٩٠٠ م) فى "فسا" أو "بسا" ودرس فى بغداد على يد ابن السراج الزجَّاج وغيره، ثم دخل بلاط سيف الدولة الحمدانى صاحب حلب وصحب المتنبى الشاعر ثم انتقل من تلقاء نفسه إلى خدمة عضد الدولة البويهى قبل قليل من غزو الأخير لبغداد سنة ٣١٩ هـ (= ٩٧٩ م) (انظر خبره فى الإرشاد لياقوت ٣/ ١١) ومات ببغداد سنة ٣٧٧ هـ (= ٩٨٧ م) وكثُرَ تلاميذه كثرة ملحوظة وكان فيهم ابن جنى الذى صحبه أربعين عاما ثم خلفه فى ميدانه كما صحبه ابن أخيه أبو الحسين الفارسى الذى أصبح شيخا لعبد القاهر الجرجانى، وقد اتهم الفارسى بميله للمعتزلة، والواقع أنه علق على تفاسير محمد الجباعى المعتزلى بكتاب اسمه "التتابع" الذى يعد الآن فى عداد الكتب المفقودة. ومن مؤلفاته الأخرى كتابه الكبير "الإيضاح" فى النحو والذى ألحق به ما يعرف بالتكملة. ويتجلى لنا ذيوع هذا الكتاب فى وقته من كثرة نسخ المخطوطة وبالتعليقات الخمسة التى لا تزال موجودة، وقد طبع جرجاس روزن جزءا كبيرا منه. ومن مؤلفات الفارسى الأخرى (وإن ضاع) كتابه الإيضاح الشعرى الذى ربما كان هو كتاب الشعر أو العضدى الذى توجد منه نسخة خطية فى مكتبة برلين. برقم ٦٤٦٥. وقد طبع "روديجر" بعضا منه فى هال سنة ١٨٧٠ م ومعه شرح أبيات الإيضاح الذى أشار إليه الفهرست. كما أن له تعليقات على كتاب معانى القرآن للزجاج وعنوانه "الاغفال" وله أيضا أبيات المعانى وتعليق على كتاب القراءات السبع لابن مجاهد وعنوانه "الحجة والاغفال وكتاب التذكرة وجواهر النحو" و"مختصر عوامل القصور" و"الممدود"، وأبيات الأعراب وتفسير للقرآن وعدد من المسائل ولسنا نعرف على وجه الدقة ماذا كانت طبيعة كتابه "نقد الهاذور".
стр. 7570
المصادر:
وردت فى المتن
ترجمة د. حسن حبشى [بروكلمان Brockelmann]
الفاروقى
الفاروقى. . هو الملا محمود بن محمد. . ولد عام ٩٩٣ هـ (١٥٨٥ م) فى "جاونبور" Giawnpur . . وقد تلقى تعليمه المبكر على يد جده، وأستاذ الملك محمد أفضل "الجاونيورى"، وعندما أنهى دراسته فى السابعة عشرة من عمره، بدأ فى إلقاء محاضرات للطلبة الذين توافدوا على "جاونبور" من جميع أنحاء الهند. وسرعان ما ذاعت شهرته الأدبية وثقافته العلمية. ووصلت إلى مسامع الإمبراطور "شاه جاهان" الذى طلب من "الملا" أن يزين بلاطه. وقبل الدعوة. . وعندما اقترب من "دلهى" كان الوزير سعد اللَّه خان فى استقباله. . واصطحبه إلى "دلهى" بكل التكريم اللائق به وأعطاه الإمبراطور منصبا. . وأمطره بالمنح الملكية. وقد كان واحدا من أبرز العلماء، لا فى الهند وحدها، بل فى العالم الإسلامى كله. وعندما ذهب مع الإمبراطور إلى لاهور، وقام بزيارة "شاه ميرلاهورى"، وجه إليه هذا القديس اللوم لأنه انشغل بالأمور الدنيوية ونصحه بترك خدمة السلطان. . وبناء على ذلك استقال من الخدمة الملكية وذهب إلى موطنه الأصلى حيث قضى أيامه الأخيرة فى إلقاء المحاضرات على الطلبة المسلمين بجانب تأليف الكتب ويمكن القول بأن محمود -كعالم بالفلسفة والبلاغة- كان واحدًا من أبرز المثقفين فى العالم الإسلامى، تقررت أعماله فى المناهج النهائية فى جميع الجامعات الهندية، كما أن شهادات الكفاءة تمنح فقط لهؤلاء الذين تفقهوا فى أعماله وقد مات عام ١٠٦٢ هـ - ١٦٥١ م
وقد ألف الأعمال التالية:
١ - "حاشية الآداب الباقية" وهو شرح لتعقيب عبد الباقى الصديقى، على بحث فى "الجدليات" تحت عنوان. . الرسالة الشريفية فى علم آداب المناظرة "تأليف سيد شريف الجرجانى"
٢ - "الفرائض فى شرح الفوائد" وهو شرح لكتاب "عبد الرحمن بن أحمد
стр. 7571
الـ Al-Idji عن البلاغة بعنوان "الفوائد الغياثية".
٣ - رسالة فى إثبات الهيولا -وهى بحث عن المادة الأولى "الهيولا".
٤ - "الشمس البازغة" وهو كتاب عن الفلسفة شرح لكتاب له بعنوان "الحكمة البالغة".
المصادر:
(١) ج. زيدان: تراجم مشاهير الشرق، جـ ٢، ص ١٩٣.
(٢) عباس العزاوى: تاريخ العراق بين احتلالين، جـ ٥، بغداد ١٩٥٥، ص ١١٩ - ١٤٠.
(٣) م. م. البصير: نهضة العراق الأدبية، بغداد ١٣٦٥/ ١٩٤٦، ٨٩ - ١١٣.
بهجت عبد الفتاح [شارل بيلا Ch. Pellat]
فاروقى
هو عبد الباقى الفاروقى -وهو شاعر عربى ولد فى الموصل فى عام ١٢٠٤ هـ (١٧٩٠ م) - يعتز بانتسابه إلى الخليفة عمر بن الخطاب ولذلك يحمل اسم "الفاروقى" و"العمرى" ولا نعرف إلا القليل عن حياته. . فقط نعرف أنه صحب ابن عمر قاسم باشا عندما أرسل الباب العالى هذا الأخير إلى بغداد للقضاء على سلطة المماليك هناك، وعندما فشلت هذه الحملة، ذهب مع الحملة التالية لنفس الغرض بقيادة "على رضا باشا" الذى نجح فى إنهاء حكم "داوود" باشا والمماليك، وبقى الفاروقى معه فى بغداد فى منصب "كتخدا" الولاية حتى وفاته فى عام ١٢٧٨ هـ (١٨٦٢ م). . وقد نشر "عثمان الموصلى" فى القاهرة عام ١٣١٦ هـ (١٨٩٦ م) أشعاره تحت عنوان "الترياق الفاروقى من منشآت الفاروقى وبجانب هذا الديوان، وضع ديوان آخر تحت عنوان "أهلّة الأفكار فى معانى الابتكار" وأيضا عملا عن سيرة حياته بعنوان "نزهة الدهر فى تراجم فضلاء العصر"
بهجت عبد الفتاح [شارل بيلا Ch. Pellat]
فاس
(١) التطور التاريخى للمدينة
مدينة فى شمال المغرب على خط طول ٤.٥٤ درجه غربا و ٣٤.٦/ شمالا.
стр. 7572
وتقع مدينة فاس فى أقصى الشمال الشرقى عن نفس الموضع الذى تنحدر عنده مياه الجزء الشرقى لهذا السهل إلى وادى "سبو" طريق وادى فاس ولذلك فهى تشغل الطرق السهلة الواصلة بين ساحل المغرب المطل على المحيط الأطلنطى ووسطه ويوجد، بالإضافة إلى ذلك، على بعد ٣٠ كم جنوب فاس واحد من أقل الطرق وعورة ويمر بوسط جبال أطلس إلى الجنوب عبر طريق "سفرو" كذلك فإن طرق الاتصال بين فاس وكل من ساحل البحر المتوسط أو مضيق جبل طارق على قدر كبير من السهولة ويمكن القول إن "فاس" تقع على نقطة تقاطع بين محورين كبيرين للاتصالات يحددها الخط الساحلى للبلاد أما المحور الأول فيمتد من الشمال إلى الجنوب بين البحر المتوسط أو مضيق جبل طارق أو تافيللت [تافلالت] إلى ما وراء بلاد الزنج أما المحور الثانى فيمتد من الغرب إلى الشرق بين ساحل الأطلنطى ووسط المغرب.
وزيادة على ذلك فإن موقع فاس يتميز بوفرة المياه حيث يوجد. النهر وروافده التى كان من السهل جعلها تجرى فى قنوات لخدمة سكان المدينة فضلا عن العديد من العيون التى تنبع من الضفاف شديدة الانحدار وخاصة فى الضفة اليسرى الواقعة داخل المدينة.
وتوجد قرب المدينة المحاجر التى توفر أحجار البناء والرمال والجير، وفى الوقت ذاته هناك الغابات بوسط الأطلس والتى تتوفر فيها أشجار البلوط والأَرْز والتى تستخرج منها أخشاب عالية الجودة.
وأخيرًا فإن الأراضى التى تمتد لمسافة كبيرة حول المدينة تعد صالحة لكافة أنواع الزراعة حيث تنمو الحبوب والكروم والزيتون وأنواع عديدة من أشجار الفاكهة ومن الممكن تربية الخراف والماعز والأبقار أيضا. وبالرغم من ذلك فإنه لم يكن يشغل هذا الموقع المتميز أى مدينة قبل نشأة المدينة الإسلامية.
هذا ولم يؤكد علم الآثار أسطورة الأسطورة الواردة فى أسطورة روض القرطاس لابن أبى زريح والتى تقول
стр. 7573
إنه كانت هناك مدينة موغلة فى القدم تشغل مكان فاس الحالية ومع ذلك فيمكن القول بأن مدينة فاس لم تظهر فى الوجود إلا فى أواخر القرن الثانى للهجرة ٢ هـ/٨ م بناءً على رغبة الأدارسة.
وقد اعتُقد لفترة طويلة، بناءً على زعم صاحب روض القرطاس والذى أيده العديد من المؤرخين الآخرين، أن إدريس بن إدريس قد شيد مدينة فاس فى غرة ربيع الأول عام ١٩٢ هـ/ ٤ يناير ٨٠٨ م ويعتقد أن الملك [الأمير] الشاب قد أنشأ هذه المدينة على الضفة اليمنى لوادى فاس وبعد ذلك بسنة قمرية أى فى ٢٢ ديسمبر ٨٠٨ م قام بإنشاء مدينة ثانية على الضفة اليسرى.
إن بناء هاتين المدينتين الذى ليس له أى تفسير قد حيّر (العلامة ليفى بروفنسال) الذى عكف على دراسة هذه المسألة وانتهى به الأمر أيضا إلى القول بأن هناك رواية غير شائعة ولكنها قديمة عن نشأة مدينة فاس والتى يعتقد أن إدريس بن عبد اللَّه والد إدريس بن إدريس هو الذى قام ببنائها على الضفة اليمنى فى سنة ١٧٢ هـ/ ٧٨٩ م وأطلق عليها اسم مدينة فاس ولكنه توفى قبل أن يتاح له تطويرها، ويعتقد أن ابنه قام بعد ذلك بعشرين عاما [أى فى سنة ١٩٢ هـ/ ٨٠٨ م] ببناء مدينة لنفسه على الضفة اليسرى وأطلق عليها اسم "العالمية" والحق إن تلك الرواية تبدو أقرب إلى الحقيقة.
وعلى أية حال فإنه من الموكد أن كلا من هاتين المدينتين كانتا منفصلتين لعدة قرون وكان الذى يفصل بينهما هو المجرى المائى لوادى فاس ومع ذلك فقد ظلت كل منهما تنافس الأخرى دائما وتعرقل تطورها مما أعاق نموهما معًا.
وقد عكرت خلافات الأسرة الحاكمة طيلة عهد الأدارسة، أى حتى مستهل القرن ٤ هـ/ ١٠ م، صفو الحياة لهذه المدينة المزدوجة وأصبحت المدينة بعد ذلك خلال الثلث الأول من نفس القرن [أى القرن ٤ هـ/ ١٠ م] أحد ركائز الصراع بين الأمويين فى الأندلس
стр. 7574
والفاطميين فى إفريقيه، وكان هذا الصراع غالبا ما يحدث فى شمال المغرب. وقد وقعت المدينة تحت سيطرة الأمويين فى الأندلس لمدة تربو على الثلاثين عاما فيما بين ٩٨٠ - ١٠١٢ م [٣٧٠ - ٤٠٣ هـ] وتمتعت المدينة خلال تلك المدة بالازدهار.
وعندما آذنت شمس الخلافة الأموية بقرطبة بالمغيب وقعت مدينة فاس تحت سيطرة أمراء زناتة الذين كانوا على خلاف مستمر فيما بينهم وقد قاموا بإشعال نار المنافسة القديمة بين المدينتين التوأم حتى قدوم المرابطين.
إن التاريخ المعروف لدخول المرابطين فاس بقيادة يوسف بن تاشفين هو ٤٦١ هـ/ ١٠٦٩ م ولكن يرى العلامة ليفى بروفنسال (فى بحث نشر له بعد وفاته وهو خاص بتأسيس مدينة مراكش) اعتمادًا على ما ذكره البكرى أنه يجب أن نتعامل بحذر مع هذا التاريخ حيث أن تأسيس مراكش وبالتالى دخول فاس لابد وأنه كان بعد هذا التاريخ بأعوام قلائل.
ومهما يكن من أمر فإن دخول المرابطين يعد علامة هامة فى تاريخ مدينة فاس حيث أمر يوسف بن تاشفين بتوحيد المدينتين وجعلهما مدينة واحدةً صارت القاعدة الحربية الرئيسية فى شمال المغرب وعلى ذلك يعتبر يوسف بن تاشفين المؤسس الثانى لفاس فهو الذى قضى على ازدواجية المدينة وهذه الازدواجية كانت السبب الأصلى لعدم تطورها لمدة طويلة من جهة كما حدد اتجاه تطورها فى المستقبل من جهة ثانية وذلك عن طريق بناء مدينتين جديدتين فى الغرب فضلا عن بناء قلعة هامة (وهذه القلعة لم يتبق منها أى أثر)، وقد ساعد بناء تلك القلعة على ظهور أحياء جديدة فيما بينها وبين الأحياء الأصلية كذلك كان المرابطون هم المسئولون عن ازدياد أهمية الجامع الرئيسى الواقع على الضفة اليسرى وهو جامع القرويين وقد بنى هذا الجامع، على ما يبدو، فى القرن ٤ هـ/ ١٠ م وكانت مساحته صغيرة ثم قام على بن يوسف المرابطى بهدمه باستثناء [الصومعة] التى لا تزال قائمة، وبنى فى موضعه جامعا
стр. 7575
كبير المساحة قام بزخرفته صنّاع أندلسيون كذلك من المحتمل أن يعود إلى عصر المرابطين ما تم من الأعمال الأساسية فى وادى فاس، التى يرجع الفضل إليها فى تزويد المدينة بنظام للمياه الجارية منذ العصور المبكرة.
وعلى ذلك يمكن القول بأن فاس قد عاشت لمدة ثلاثة أرباع القرن (٤٦٧ - ٥٤٠ هـ/ ١٠٧٥ - ١١٤٥ م) عصرًا من أزهى عصورها تحت حكم المرابطين ولكن للأسف ليس لدينا سوى القليل من المعلومات المفصلة عن تلك الفترة. إن دخول الموحدين يعد نقطة توقف قصيرة فى تاريخ فاس، وعندما قام عبد المؤمن بمهاجمتها فى سنة ٥٤٠ هـ/ ١١٤٥ م أثبتت [أى المدينة] إخلاصها للمرابطين فقاومت مقاومة عنيفة ولم يستطع الموحدون دخولها إلا بعد حصار شديد ومن ثم عوقبت المدينة بتدمير قصبة المرابطين وأسوار المدينة.
ولما كان الموحدون (مثلهم فى ذلك المرابطين) فى أشد الحاجة لمدينة فاس فقد نمت المدينة وازدهرت على نحو ما ذكر الإدريسى الذى وصفها بأنها مدينة فى غاية النمو والازدهار الاقتصادى.
وقد أمر الناصر رابع خلفاء الموحدين بعد هزيمته فى لاس نافاس دى تولوسا [موقعة العقاب] (١٢١٢ م - ٦٠٩ هـ) بإعادة بناء أسوار مدينة فاس. وإن التصميم العام وكذا جزء كبير من أساليب الإنشاء تؤرخ بهذا العصر، هذا وقد فتحت فى السور المحيط بها ثمانية أبواب ضخمة بواقع أربعة بكل جانب وقد بات من المؤكد أنه كانت توجد داخل هذه المساحة المسورة أماكن فضاء خالية وحدائق وبساتين.
وتغير بعد قرن من الزمان، حكام فاس التى أصبحت تحت سيطرة بنى مرين وعلى الرغم من سوء استقبال المدينة فى بادئ الأمر لحكامها الجدد إلا أنهم نجحوا فى الوصول بها إلى أقصى درجات الازدهار بصورة لم تشهدها من قبل.
ولم يأت بنو مرين مثل المرابطين والموحدين، من الجنوب ولكنهم جاءوا عن الشرق وكانت فاس أول مدينة
стр. 7576
كبيرة ينجحون فى دخولها ولذلك اتخذوها حاضرة لهم بدلا من مراكش التى تراجعت إلى مرتبة أدنى من مرتبتها هذه، ولهذا السبب احتفظت فاس بازدهار لعدة قرون.
وعاش البلاط الجديد [أى بنومرين] فى بادئ الأمر فى القصبة التى أعاد بناءها الموحدون فى نفس موضع قصبة المرابطين القديمة فى المنطقة التى تعرف الآن "بوجليد" وسرعان ما ضاق المكان بالمرينيين ولذلك قرر أبو يوسف المرينى (٦٥٤ - ٦٨٥ هـ/ ١٢٥٨ - ١٢٨٦ م) إنشاء مدينة ملكية وإدارية جديدة إلى القرب من المدينة القديمة ووضع أساسها فى الثالث من شوال ٦٧٤ هـ/ ٢١ مارس ١٢٧٦ م. وقد عرفت هذه المدينة فى بادئ الأمر بالمدينة البيضاء وإن كانت قد عرفت لوقت كبير ولا تزال تعرف باسم فاس الجديدة، وتتكون هذه المدينة بصفة أساسية من القصر ومبانى إدارية متنوعة والجامع ثم أضيفت إليها بالتدريج مبان أخرى كالمساجد الصغيرة والثكنات وبيوت العديدين من سادات بنى مرين وبعد ذلك وبالتحديد فى القرن التاسع للهجرة ١٥ م) أضيف حى خاص لسكنى اليهود. وقد أحيطت هذه المدينة الجديدة منذ بداية نشأتها بسور مزدوج تتخلله بوابات قليلة وقد دعمت هذه الأسوار فى القرن العاشر الهجرى ١٦ م بعدد من الأبراج البارزة لاستخدام المدافع.
وهكذا أصبحت فاس مرة أخرى مركزًا حضريًا مزدوجًا فمدينة الطبقة المتوسطة والتجارة عرفت باسم فاس بالى [أى فاس القديمة] وقد عرفت محليا باسم المدينة فحسب.
إن الوصف الذى زودنا به ليو الأفريقى [الحسن بن محمد الوزان الفاسى] لمدينة فاس فى مستهل القرن ١٠ هـ/ ١٦ م يعطى انطباعا بأن المدينة كانت تعج بالنشاط والسكان وقد كانت كثافة السكان عالية جدا لدرجة أنه استحدثت مساحات عديدة خارج الأسوار وشيدت بها بعض المبانى وخاصة فى الجانب الشمالى الغربى من المدينة القديمة ولم تكن فاس مدينة تجارية وصناعية فحسب وإنما كانت
стр. 7577
أيضًا مدينة الدين والعلم حيث ازدهرت حول جامع القرويين مدرسة فاس على حد قول بيرك.
وأخيرًا أصبحت المدينة مركزًا للفن ويرجع ذلك إلى قصور المرينيين التى شيدوها على التلال التى تطل على فاس من جهة الشمال فضلا عن المدارس التى بنيت خاصة فى القرن ٨ هـ/ ١٤ م على يد العديد من الأمراء حول كل من جامعى القرويين والأندلسيين فى الجزء الأعلى من المدينة القديمة وفاس الجديدة.
وقد زينت كل هذه المدارس تقريبًا بذوق فنى رفيع ومتنوع وهى بذلك تشكل واحدة من أروع الكسوات الزخرفية فى فاس.
ولقد استمر هذا الوضع المتميز لمدة ثلاثة قرون حظيت فاس خلالها بالازدهار السياسى والاقتصادى والفكرى بين سائر بلاد المغرب فضلا عن الأقاليم الغربية فيما يعرف الآن بالجزائر، كما كانت لها علاقات اقتصادية وثقافية مع أقاليم الصحراء الغربية حتى النيجر وفى عام ٨٧٠ - ٨٧١ هـ/ ١٤٦٥ م كانت المدينة مسرحا لمحاولة الأدارسة استعادة الحكم فأشعلوا النار فى المدينة، ويبدو أن الوطاسيين خلفاء المرينيين لم يضربوا بيد من حديد على المشتركين فى هذه المؤامرة على حد قول (ليو الافريقى) الذى أعطى وصفا للمدينة المزدهرة.
ورغم ذلك فقد بدأ الأشراف السعديون حكام مراكش منذ عام ٩٣١ هـ/ ١٥٢٤ م يمدون نفوذهم تدريجيا على بقية مراكش وبدأوا يهددون فاس منذ عام ٩٥٤ هـ/ ١٥٤٧ م واستطاعوا بفضل المؤامرات الداخلية السيطرة على المدينة فى ٢٨ ذى الحجة ٩٥٥ هـ/ ٢٨ يناير ١٥٤٩ م.
هذا ولم يكن تغير الأسرة الحاكمة فى صالح المدينة حيث اتخذوا [أى السعديون، وهم من أهل الجنوب]، مراكش حاضرة لهم وعلى ذلك أصبحت فاس مرة أخرى المدينة الثانية للدولة الشريفية [أى الأشراف السعديين].
ولم تتقبل المدينة فى بادئ الأمر هذا الوضع بارتياح ولكنها رحبت
стр. 7578
ورحبوا بأبى حسون، المطالب بعرش الوطاسيين، عندما استطاع أهلها طرد السعدى [محمد الشيخ] فى ٢ صفر ٩٦١ هـ ٧ يناير ١٥٥٤ م بمساعدة قوة تركية صغيرة صاحبته من الجزائر، ولكن تلك المغامرة لم يكتب لها النجاح طويلا حيث عاد السعدى على رأس جيشه فى شوال ٩٦٨ هـ/ سبتمبر ١٥٥٤ م واستطاع أن يجبر أبا حسون على تسريح حلفائه الأتراك وقد قتل أبو حسون فى المعركة تحت أسوار فاس ووقعت المدينة فى قبضة السعديين مرة أخرى.
هذا ولم يستمر السعديون فى الإساءة لمعارضيهم لفترة طويلة كما قاموا بتدعيم تحصينات المدينة ليحكموا سيطرتهم عليها فضلا عما قاموا به من أعمال التحسين والزخرفة بجامع القرويين.
وعندما توفى السلطان أحمد المنصور فى فاس ١٦ ربيع الأول ١٠١٢ هـ/ ٢٥ أغسطس ١٦٠٣ م شبّ الصراع بين أبنائه على العرش مما أدى إلى إشاعة حالة من الفوضى فى الغرب ظلت باقية لمدة تربو على ستين عامًا.
ووقعت فاس فى دائرة مفرغة من الضعف وتعرضت لعدة غزوات ومما زاد من سوء حظ المدينة أنها عانت كثيرًا من الخلافات الداخلية الشديدة وعاشت أحلك فترات تاريخها لمدة تربو على خمسين عامًا كانت فاس مدينة قد مسها الضعف عندما استولى عليها المطالب بعرش العلويين وهو مولاى الرشيد فى عام ١٠٧٦ هـ/ ١٦٦٦ م.
وبدأت جراح تلك المدينة تندمل وتدبّ فيها الحياة من جديد تحت حكم هذا الأمير النشيط الذى أولى أعمال المنافع العامة اهتماما كبيرًا (ومنها بناء جسر [قنطرة] فوق وادى سبو المتاخم لها وبناء قلعتين غريب المدينة القديمة وترميم جسر فوق وادى فاس واستحداث مدرسة جديدة تضاف إلى تلك المدارس التى بناها من قبله المرينيون).
وعندما قتل مولاى الرشيد فى سنة ١٠٨٢ هـ/ ١٦٧٢ م خلفه أخوه مولاى إسماعيل الذى كان حاكمًا متميزًا ومع ذلك كان لا يهتم بفاس ولذلك أنشأ حاضرة جديدة له فى مكناس واستمر
стр. 7579
فى سب وتحقير أهل فاس خلال فترة حكمه الطويلة التى بلغت نحوا من خمسة وخمسين عاما لدرجة أن تلك المدينة [أى فاس] أصبحت مهجورة.
وازدادت الأمور سوءًا عقب وفاة مولاى إسماعيل فى سنة ١١٣٩ هـ/ ١٧٢٧ م إذ دب الصراع على العرش بين العديد من أبنائه وأصاب المغرب -مثلما حدث فى القرن السابق- حالة من الفوضى كما وقعت فاس (مرة أخرى ولمدة ثلاثين عاما) فريسة لنزوات الحكام المؤقتين ومن بينهم مولاى عبد اللَّه الذى أساء معاملة أهلها كما تعرضت لعمليات السلب والنهب من قبل الجنود وخاصة جنود قبيلة الوداية.
ومرّت فاس بمرحلة من الهدوء فى عهد سيدى محمد الذى خلف والده (فيما بين ١١٧١ - ١٢٠٤ هـ/ ١٧٥٧ - ١٧٩٠ م) لكن لم يقدر لهذا الهدوء أن يستمر طويلا فقد بدأت الاضطرابات المهلكة لتكون نهاية حكم مولاى سليمان (١٢٠٧ - ١٢٣٠ هـ/ ١٧٩٢ - ١٨٢٤ م). واستعادت فاس مكانتها كحاضرة وتقاسمت هذه المكانة مع مراكش حتى بداية القرن ٢٠ م.
وعندما استطاع مولاى عبد العزيز أن يتخلص من وصاية وزيره با أحمد شرع فى انتهاج سياسة التحديث مما أثار ضده غالبية أهل المغرب.
وقد دخل عدد كبير من تجار فاس خلال النصف الثانى من القرن ١٩ م فى علاقات مع العديد من الدول الأوروبية والافريقية (مثل إنجلترا وأسبانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وغرب افريقيا الفرنسية) وبدأت المدينة تعرف طريقها تدريجيا إلى التجارة الدولية وبالإضافة إلى ذلك جاء عدد من الأوروبيين والأمريكيين (من جنود ودبلوماسيين وأطباء ورجال أعمال وغير ذلك) واستقروا فى المدينة.
وبدأ مصير فاس، مثل غيرها من بقية المدن الغربية، فى التحول يضاف إلى ذلك أن السلطان مولاى الحسن (١٢٩٠ - ١٣١١ هـ/ ١٨٧٣ - ١٨٩٤ م) بدأ فى الاهتمام بأعمال المرافق العامة الهامة فى المدينة وذلك حين لا يكون
стр. 7580
خارج البلد على رأس جيشه ومن ثم فقد قام ببناء مصنع صغير للأسلحة قرب قصره كما قام بتشييد أسوار كبيرة حتى تتصل المدينتان بعضهما ببعض وأعنى بهما مدينة فاس الجديدة والقديمة بعد انفصال دام زمنًا طويلًا يضاف إلى ذلك أنه شيد قصرًا جديدًا فى بوجلود على حافة المدينة.
وعانت فاس مرة أخرى منذ عام ١٩٠١ م بسب الأوضاع المتردية، حيث هددها فى سنة ١٩٠٣ م أحد المطالبين بالعرش وهو "بوحمرا" وعندما أرغم مولاى عبد العزيز فى عام ١٩٠٨ م على التنازل عن العرش ساقت فاس الحكم إلى أحد سلالة مؤسسها إدريس وهو الشريف محمد القطنى ولكنه فشل فى تنظيم الجيش ومن ثم لم يستطع أن يمنع سلطان مراكش المطالب بالعرش وهو مولاى عبد الحفيظ من دخول المدينة ومع ذلك ظلت القلاقل مستمرة وأصبح الحاكم الجديد مهددًا من قبل قبائل البربر التى تسكن وسط الأطلس مما اضطره فى النهاية إلى أن يستنجد بالجيش الفرنسى لمساعدته وذلك فى سنة ١٩١١ م وبالفعل جاءت كتيبة فرنسية بقيادة الجنرال موانييه وعسكرت تحت أسوار فاس وكانت هذه هى المرة الأولى التى يدخل فيها المدينة جيش أوروبى واستقرت هذه القوات فى جنوب فاس الجديدة، وفى ٣٠ مارس ١٩١٢ م أعلنت الحماية الفرنسية على المغرب ووقعت اتفاقية بذلك فى إحدى حجرات قصر "بوجلود" وحدث بعد ذلك بأيام قلائل أن ثارت القوات المغربية يوم ١٦ و ١٧ ابريل ١٩١٢ م ووقعت مذبحة راح ضحيتها عدد من الأوروبيين على حين قام فى الوقت ذاته بإنقاذ عدد آخر فيهم ثم قامت بعد قليل القبائل البربرية الثائرة بمحاصرة الجنرال "ليوتى" القائد المعتصم بالمغرب فى فاس، التى حررها الجنرال "جورد" فى نهاية مايو ومستهل يونيو ١٩١٢ م.
وهكذا أصبحت فاس منذ ذلك الوقت قادرة على أن تعيش فى سلام وأن تهيئ نفسها لنمط جديد من الحياة وسرعان ما بدأت تظهر مدينة أوروبية فوق مساحة مسطحة كبيرة بمنطقة دار الدبيغ والتى أطلق عليها الفرنسيون
стр. 7581
اسم المدينة الجديدة وأصبح قصر "بوجلود" قصرًا للجنرال المقيم كما سكن عدد من الأوروبيين منطقة بوجلود.
وبنيت، خلف أسوار المدينة التى ترجع إلى عهد مولاى الحسن، مبانٍ إدارية وفق طراز العصور الوسطى، وسرعان ما تماشى تجار مدينة فاس مع الأوضاع الاقتصادية الجديدة لبلدهم كما استقر الجديد منهم فى كازابلانكا [الدار البيضاء] وإن كانوا لم يقطعوا صلتهم بموطن أجدادهم.
كذلك تم وضع نظام للتعليم الحديث سار جنبًا إلى جنب مع نظام التعليم الدينى التقليدى.
ثم تقوقعت فاس على نفسها لسنوات عدّة ربما لما أحدثته سياسة التمدن من صدمة لها ولكنها سرعان ما اتخذت اتجاها معارضًا لنظام الحكم الجديد.
إن حرب الريف وما صادفهُ عبد الكريم (١٩٢٥ م) من نجاح الأمر أثار المخاوف من أعمال السلب والنهب وظهر حزب شعبى جديد كانت اتجاهاته السياسية معادية للحماية المفروضة على البلاد، وقاد شباب هذا الحزب الحركة العدائية ضد مشروع "الزهير" الذى كان يهدف إلى تمزيق الوحده المغربية عن طريق الفصل بين المغاربة وتقسيمهم إلى كتلتين متضادتين [العرب والبربر] فى منطقة العدل وكان قد صدر مرسوم هذا المشروع فى ١٦ مارس ١٩٣٠ م.
وكانت فاس عامى ١٩٣٧ م و ١٩٤٤ م وهى فترة الأزمات السياسية التى انتهت أخيرًا لإعلان استقلال البلاد (يوم ١١ يناير ١٩٤٤)، مسرحًا لمظاهرات هامه ومع ذلك فقد تحول مركز الثقل السياسى فى المغرب إلى الرباط والدار البيضاء وكان الدور الذى لعبته فاس دورًا ثانويًا فى مجريات الأحداث فيما بين عامى ١٩٥٣ - ١٩٥٦ م والتى أن إلى إعلان استقلال المغرب ولا تعدو فاس اليوم أن تكون عاصمة ولاية كما أنها تحتل المرتبة الثالثة فى المغرب بعد كل من الدار البيضاء ومراكش.
وتضم مدينة فاس، التى بلغ تعداد سكانها (حسب إحصاء ١٩٥٢ م).
стр. 7582
نحوًا من ١٧٩.٤٠٠ نسمة منهم ١٥.٨٠٠ من الأوروبيين، أربعة مراكز رئيسية وذلك على النحو التالى:
١ - المدينة ولا تظهر بها تقريبًا أية مساحات فضاء ولكن توجد أماكن معينة فى ضواحى المدينة لحركة المرور.
٢ - فاس الجديدة وهى تتكون من ثلاثة عناصر: أولًا مدينة صغيرة يسكنها العامة من "الصفان" الدنيا فى المجتمع الإسلامى يضاف إليها القصر والمناطق المحيطة به ثم حى اليهود أو كما يسمى بالمِلّاح.
٣ - المدينة الجديدة: ويعيش فيها الكثير من اليهود فضلًا عن بعض العائلات الإسلامية.
٤ - ثم مدينة إسلامية جديدة تقع عند الشمال الغربى للقصر وقد استحدثت منذ ١٩٥٠ وشيدت وفق طرز البناء الحديثة.
هذا ويربط فاس بالعالم الخارجى شبكة ممتازة من الطرق والسكة الحديدة التى تصل ساحل الأطلنطى وجبل طارق بوجده على الحدود الجزائرية فضلًا عن وجود مطار ذى أهمية بسيطة.
وتعتمد الحياة الاقتصادية فى فاس، مثلما كان عليه الحال فى الماضى، على علاقاتها بالمدن المجاورة، وقد ظلت الصناعة فيها تقليدية [أى تسير وفق الأسس الموروثة] مع محاولة القيام بعملية تحديث جزئى لها فضلًا عن أن تكيف الصناع مع الأوضاع الاقتصادية الحديثة يعد واحدًا من مشاكلها الرئيسية.
وعلى النقيض تمامًا توسعت الرقعة الزراعية التى أصبحت تشكل حزامًا عريضًا حول المدينة.
وعلى الرغم من أن فاس كانت حتى بداية هذا القرن [٢٠ م] هى مدينة رجال الأعمال الأولى فى المغرب إلا أنه قد حلت محلها مدينة الدار البيضاء.
وظلت فاس العاصمة الفكرية فى المغرب لمدة طويلة ويرجع ذلك إلى مركزها العظيم فى التعليم الموروث المتمثل فى جامع القرويين.
стр. 7583
ولكن يبدو أنه من الصعوبة بمكان أن تظل فاس محتفظة بأسبقيتها فى هذا المضمار فى المغرب الحديث لا سيما منذ أنشئت الجامعة المغربية الحديثة، بعد الاستقلال، بمدينة الرباط وبالرغم من ذلك فإن فاس ستظل مركزا هامًا لكل من العلوم التقليدية والحديثة فضلًا عن الحياة الفكرية بصفة عامة.
المصادر:
(١) ابن حوقل: صورة الأرض.
(٢) البكرى: المغرب فى وصف أفريقيا والمغرب.
(٣) والإدريسى: نزهة المشتاق، والجزنائى: زهر الأسس.
(٤) ابن فضل اللَّه العمرى: مسالك الأبصار.
(٥) ابن أبى زرع الفاسى: روض القرطاس.
(٦) ابن القاضى: جذوة الاقتباس.
(٧) ابن القطان: سلوة الأنفاس.
ترجمة د. محمد حمزة [ر. لى تورنو]
الآثار
- فى عصر الأدارسة:
أتاحت لنا بعض الروايات التاريخية المقتضبة تحديد المكان الذى كان يشغله كل من بْيتَى الصلاة [المقدم] اللذين كانا يشكلان أصل المسجدين الكبيرين فى المدينة وهما: مسجد فاطمة بحى [عدوة] القرويين وقد بنى سنة ٢٤٢ هـ/ ٨٥٧ م، ومسجد الأندلسيين فى الحى المعروف بعدوة الأندلسيين، وكان كل منهما يشغل مساحة متوسطة ذات أروقة [بلاطات] موازية لجدار القبلة كما أن الصحن [الفناء] مغروس بالأشجار أما المئذنة [الصومعة] فغير مرتفعة.
هذا وقد سقطت بعض الأحجار غير المصقولة [الدبش] من السور المحيط بالمدينة الموجود بعدوة القرويين، ولكن نظرًا لاختفاء كل أثر للأبواب أو الأبراج فمن الصعب أن تحدد بدقة الخطوط الرئيسية لهذا السور الأول.
ولم يتحول هذا البناء الذى أسسه إدريس الأول وإدريس الثانى إلى مدينة إلا بالتدريج وقد بُنيت به بضعة آثار خلال ذلك العصر.
стр. 7584
- فى عصر أمراء زناتة:
بدأت المدينة بعد فترة من الاضطرابات تُطِّور عددًا من أنشطتها الفنية تحت حكم أمراء زناتة الذين كانت أهواؤهم مع الأمويين فى قرطبة.
وعرف مسجد فاطمة بمسجد القرويين عقب الغزو الفاطمى للمدينة، وأصبح مسجد الأندلسيين هو الجامع الكبير لكل من العَدْوتين وذلك فى عام (٣٢١ هـ/ ٩٣٣ م). وتم خلال عهد أمراء مغراوة إعادة بناء المسجدين وتوسيعهما وظلت الأروقة [البلاطات] مثلما كانت عليه تسير موازية لجدار القبلة وهى تتكون من صفوف من البائكات الآجرية ذات العقود على هيئة حدوة الفرس.
ولا تزال المئذنتان [الصومعتان] اللتان بنيتا فى عام ٣٤٩ هـ/ ٩٥٦ م، باقيتين على حالهما، وقد أمر الخليفة الأموى عبد الرحمن الثالث [أى الناصر] ببناء مئذنة [صومعة] القرويين على نفقته الخاصة.
هذا ويشبه كل من هذين البرجين الحجريين طراز المآذن الأندلسية سواء من حيث نسبهما المعمارية أو تخطيطهما المربع الذى يضم سلما يدور حول نواة مركزية ومع ذلك فبهما بعض العناصر التى تنتمى إلى الطراز الإفريقى [أى المحلى].
ولم يكن للتواجد الأموى بالمغرب أى تأثير فى انتشار التأثيرات الفنية. فالمنبر القديم لمسجد الأندلسيين والذى يرجع إلى فترة تالية لترميم بيت الصلاة يحمل الدليل على التأثير الشرقى حيث أنه صنع فى عام ٣٦٩ هـ/ ٩٨٠ م، أى فى وقت سيطرة بلكين الزيرى على فاس وهو من الخشب المخروط والمحفور على الطراز الفاطمى البحت. وعندما قامت حملة أموية باسترداد المدينة عام ٣٧٥ هـ/ ٩٨٦ م قاموا على الفور بتدمير هذا المنبر الشيعى، ولكن بعد أن هدأت تلك الثورة الدينية بدأوا فى إصلاح هذا المنبر القديم واستمروا فى استخدامه، وقد تمت هذه الإصلاحات والإضافات وفق الطراز الأولى.
ويعد هذا المنبر (بعد منبر القيروان الذى يعد أقدم المنابر الإسلامية التى
стр. 7585
وصلت إلينا) الأثر الوحيد الباقى الذى يشهد على مرحلة الصراع بين الفاطميين والأمويين فى المغرب.
ولذلك بدأت فاس تستيقظ تدريجيًا متأثرة فى ذلك بالحياة الفنية السائدة فى القيروان ثم لم تلبث أن استقبلت هى أيضًا منذ منتصف القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى بعض التأثيرات الأندلسية.
- فى عصر المرابطين:
يمثل عصر المرابطين فترة حاسمة فى التاريخ المعمارى لمدينة فاس.
وعلى الرغم من أن أمراء صنهاجة اتخذوا من مراكش (المدينة التى أسسوها) عاصمة لهم إلا أنهم لم ينسوا مدينة الشمال الكبرى (أى مدينة فاس التى تعد عاصمة شمال المغرب) حيث قام يوسف بن تاشفين بتوحيد العدوتين [أى القرويين والأندلسيين] وجعلهما مدينة واحدةً وبنى فى أعلى نقطة فيها قصبة "بوجلود".
وسرعان ما أصبح يوسف بن تاشفين سيدا [أى أميرًا] على أسبانيا الإسلامية وقد وضع هؤلاء [أى مسلمو أسبانيا] كل خبراتهم الفنية فى خدمة الأمراء الأفارقة.
إن الفن الأسبانى المغربى الذى أصبح النمط السائد فى كل من فاس ومراكش قد محا التأثيرات الإفريقية التى عاشت فى ظلها المدينة حتى ذلك الوقت. وقد أصبحت فاس حاضرةً فنية نتيجة لتمسكها بالتقاليد الفنية التى استمرت حتى الآن.
واتخذ مسجد القرويين صورته ومساحته الحالية على يد الأمير على بن يوسف (ثانى أمراء المرابطين) الذى أمر بالزيادة فيه من جهة القبلة ومن جهة الصحن فضلًا عن إضافة بعض العناصر للأجزاء السابقة.
وقد أُنجزت هذه الأعمال فيما بين عامى (٥٢٩ - ٥٣٦ هـ) (١١٣٥ - ١١٤٢ م) وظل نظام الأروقة [البلاطات] الموازى لجدار القبلة كما هو ولكن أضيف رواق محورى [أى بلاطة وسطى عمودية] ويمتاز بأنه أكثر ارتفاعًا ويؤدى إلى المحراب فيما بين الأروقة القديمة والأروقة الجديدة لبيت
стр. 7586
الصلاة [المقدم] ويعلو هذا الرواق صف من القباب المقرنصة [المقربصة] الرائعة [يبلغ عددها ست قباب].
وقد كسى هذا الرواق بزخارف رائعة وملونة إلا أنها غطيت بالجص على يد الموحدين فى فترة غضبهم الدينى، وتم الكشف عن هذه الزخارف الرائعة، والتى تتكون بصفة أساسية من زخارف كتابية ونباتية، أثناء عملية الترميم الشامل للمبنى الذى أشرف عليه كاتب هذا المقال [يعنى هنرى تراس وكان ذلك فى عام ١٩٤٩ م].
إن فن المسلمين فى أسبانيا، الذى بلغ غاية الدقة فى القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر للميلاد) قد ظهر بكل تراثه الفنى وتكوينه الفخم وأناقته الشديدة فى هذا المسجد المغربى.
وما يزال مسجد القرويين يحتفظ بمنبره المصنوع من الخشب المحفور والمُطعّم وهذا المنبر الذى أمر بصنعه على بن يوسف ويعتبر ثانى المنابر المغربية بعد منبر الكتبية فى مراكش الذى صنع بأمر الحاكم [أى على بن يوسف]، كما أنه يُعدّ من أجمل المنابر الإسلامية قاطبة.
وختامًا فإن جامع فاس الكبير، الذى ظلت تفاصيله مجهولة فترة طويلة، أصبح خير شاهد على ما وصل إليه الفن الأسبانى المغربى فى عصر المرابطين.
- فى عصر الموحدين:
احتفظ الموحدون بمراكش عاصمة لهم ولذلك لم يهتموا بفاس فى البداية.
وقد أعيد بناء مسجد الأندلسيين باستثناء مئذنته [أى الصومعة] فى عهد محمد الناصر وغطى منبره القديم باستثناء الجلسة الخلفية بزخارف محفورة جديدة.
أما جامع القرويين فقد زود بثريا فخمة وحجرة للوضوء.
ولكن أعظم أعمال الموحدين تتمثل فى إعادة بناء سور المدينة الكبير الذى لا يزال يحيط إلى اليوم بفاس بالى [أى فاس القديمة كما يرجع إلى نفس هذا العصر كل من باب خيره [أى باب عجيزة] وباب المحروق [أى باب
стр. 7587
الشريعة] وإن كان قد تمت بهما بعض الإصلاحات أو التغييرات.
ومهما يكن من أمر فقد بلغت فاس خلال عصر الموحدين غاية الازدهار كما استمرت التأثيرات الأندلسية فى الانتشار دون منازع.
- فى عصر المرينيين:
أصبحت فاس عاصمة المغرب خلال عصر المرينيين وأسس أبو يوسف يعقوب فى عام ٦٧٤ هـ/ ١٢٧٦ م (أى بعد انتصاره بقليل على آخر الموحدين) فى الجهة الغربية من المدينة القديمة مدينة إدارية جديدة سماها بفاس الجديدة [وعرفت أيضًا بالمدينة البيضاء] وبنى فيها قصوره والجامع الكبير وعين حُراسه [أى الحُجاب وكان الحاجب فى البلاط المرينى يعرف بالمزوار وهو يرأس مجموعة الحرس السلطانى بباب السلطان والتى تسمى بالجنادرة] فضلًا عن كافة المرافق والخدمات [كالأسواق والجماعات والقناطر وغير ذلك].
وأحيطت فاس الجديدة بسور عظيم ذى أسوار داخلية وخارجية وفتحت به بوابات تذكارية لم يعد باقيًا منها، (مع بعض التغييرات الطفيفة) سوى ثلاث وهى: باب السمارين وباب البقاقين وباب المخزن.
وحلت المبانى الحديثة محل قصور المرينيين وإن كان لا يزال باقيًا بعض المخازن المقبية.
وبنيت فى فترة تالية بعض المساجد فى فاس الجديدة مثل مسجد الحمراء الذى يرجع بلا شك إلى عهد أبى سعيد (٧١٠ - ٧٣١ هـ/ ١٣١٠ - ١٧٣١ م) ومسجد لاله زهر (٧٥٩ هـ/ ١٣٥٧ م) الصغير الذى بناه أبو عنان وأخيرًا مسجد لاله غريبة (٨١٠ هـ/ ١٤٠٨ م) الذى لم يعد باقيًا منه سوى مئذنته [الصومعة] فحسب.
هذا ويعد كل من جامع الحمراء ومسجد لاله زهر من المبانى الرائعة ذات النسب المتقنة كما يتجلى فيهما الإسراف الشديد.
وأسس أبو سعيد فى عام ٧٢٠ هـ/ ١٣٢٠ م مدرسة تدهورت حالتها اليوم إلى الحضيض.
стр. 7588
هذا ولم ينس المرينيون فاس بالى [أى فاس القديمة] حيث بنوا فيها المساجد الصغيرة المتعددة مثل الشرابليين ومسجد أبى الحسن وعلى الرغم من إعادة بناء بيوت صلاتهما [أى المقدم] إلا أنهم ما زالوا محتفظين ببعض الأخشاب المحفورة التى ترجع إلى نفس هذه الفترة [أى العصر المرينى]، والأهم من ذلك كله مآذنهما الرشيقة.
وتتكون جميع المآذن المرينية سواء فى فاس الجديدة أو فاس القديمة من أبراج مربعة كسيت واجهاتها بالزخارف المتداخلة أو المتشابكة فضلًا عن الفسيفساء الخزفية والزليج وهى تعد نماذج مثالية للطراز الكلاسيكى [التقليدى] للمآذن الأسبانية المغربية.
كذلك تدين المدينة القديمة [فاس بالى] بالفضل إلى المرينيين الذين قاموا ببناء المدارس ذات الجمال الفائق خلال عصرهم وهى عبارة عن كليات للطلبة الدارسين تلتف حول صحون [أفنية] فخمة فضلًا عن قاعات الصلاة الموجودة فى الخلف.
وقام أبو يوسف يعقوب، مؤسس المدرسة، فى أوائل ٦٧٠ هـ/ ١٢٧١ م ببناء مدرسة الصفارين. أما كل من مدرسة الصهريج (٧٢٠ هـ/ ١٣٢١ م) ومدرسة السبعين (٧٢٣ هـ/ ١٣٢٣ م) ومدرسة العطارين (٧٤٣ هـ/ ١٣٤٦ م) فقد بنيت جميعها فى عهد "أبو سعيد".
وأسس أبو الحسن المدرسة المصباحية (٧٤٣ هـ/ ١٣٤٦ م) وأبو عنان المدرسة التى تحمل اسمه "أى المدرسة البوعنانية" وإن اختلفت هذه المدارس الجميلة فى مظهرها إلا أنها بنيت كلها فى هذه الفترة الأخيرة لازدهار الفن الأسبانى المغربى.
ويتجلى الذوق الفنى الرفيع فى الزخارف التى تحلّى هذه المدارس، وتمتاز هذه الزخارف بما هى عليه من الانسجام المنسق.
إن المدرسة البوعنانية، هى آخر المدارس من حيث تاريخ بنائها فضلًا عن أنها أكبرها جميعًا، كما أنها المدرسة الوحيدة المزودة بمنبر ومئذنة، وتعتبر هذه المدرسة النموذج الأكمل الأخير
стр. 7589
للفترة الكلاسيكية للفن الأسبانى المغربى فى المغرب.
هذا وقد قام بتصميم وزخرفة الآثار المرابطية والموحدية فنانون يعرفون (بالصناع أو العرفاء) جاءوا من أسبانيا [أى أنهم كانوا من مسلمى الأندلس] وهكذا، فإن فاس تحت حكم المرينيين لم تكتسب فقط شكلها كمدينتين متميزتين (أى فاس الجديدة وفاس القديمة) ولكنها اكتسبت أيضًا مظهرها المعمارى، ومنذ ذلك الوقت غدت، المدينة الثانية بعد غرناطة، أكثر مراكز الفن الأسبانى المغربى نشاطًا.
وبمجرد انتهاء أسبانيا المسلمة ظلت كل عمليات البناء والأساليب الصناعية [التقنيات] والأشكال الزخرفية الموروثة من القرن ٨ هـ/ ١٤ م مستخدمة فى فاس حتى الآن بكل دقة وإن كانت فى اضمحلال بطئ.
وعقب سقوط غرناطة فى عام ٨٩٦ هـ/ ١٤٩٢ م وانتشار فن النهضة فى أسبانيا أصبح الفن الأسبانى المغربى منذ القرن ١٠ هـ/ ١٦ م محصورًا فى المناطق الإفريقية.
- فى عصر السعديين:
دخل السعديون فى صراع طويل مع بنى وطاس (أى المرينيين) للسيطرة على فاس التى مرت بها حينذاك أوقاتًا عصيبة.
وعادت مراكش مرة ثانية عاصمة للمغرب وترك السلاطين حاضرة الشمال [أى فاس]. ولكن منذ أواخر القرن ٧ هـ/ ١٣ م أصبحت لفاس ورشها الخاصة التى ارتبطت بعلاقة وثيقة مع مثيلاتها فى غرناطة. وبنيت منذ بداية القرن ٨ هـ/ ١٤ م منازل رائعة فى كل من فاس الجديدة وفاس القديمة وقد كسيت هذه المنازل مثل المدارس بالأرضيات والواجهات ذات الفسيفساء الخزفية والجص والخشب المحفور، وانتشر هذا النمط الزخرفى أيضًا فى المساجد الصغيرة والقصور والبيوت الفخمة.
وقد لعب خشب الأَرز دورًا كبيرًا فى كل عمائر فاس سواء منها الأربطة الخشبية أو الأعتاب أو الكوابيل أو
стр. 7590
الأسقف أو القباب فضلًا عن إطارات الأبواب والفتحات والأفاريز والمداخل البارزة التى ترتكز على كوابيل ذات زخاف محفورة أو مرسومة.
والحق إن التوسع فى استخدام الخشب ووفرة الدعامات وندرة الأعمدة تعد السمات الوحيدة التى تميز الآثار المرينية عن عمائر بنى نصر [فى غرناطة] المعاصرة لها.
وقد وجدت العمائر المقبية فقط فى المخازن الكبيرة فى فاس الجديدة وأيضًا فى الحمامات التى صممت وفق التخطيطات البسيطة جدًا للحمامات الأندلسية.
وقام السعديون بتدعيم أسوار فاس الجديدة، التى ظلت مقرًا للحكومة، بالأبراج البارزة لاستخدام المدافع. وهناك عملان متشابهان حتى فى قوتهما وهما البرج الشمالى والبرج الجنوبى الذى يسيطر ويشرف على فاس القديمة.
كذلك أضيف إلى مسجد القرويين "جوسقان" يبرزان من الجوانب القصيرة للصحن.
وخلال فترة الفوضى التى أعقبت سقوط الأسرة السعدية مرت فاس بأوقات عصيبة ولذلك لم تُبْن فيها أى آثار خلال هذه الفترة.
- فى عصر العلويين:
أسرع مولاى الرشيد، مؤسس الأسرة، ببناء مدرسة جديدة بفاس القديمة وهى مدرسة الشراطين (١٠٨١ هـ/ ١٦٧٠ م) وقام خلفه مولاى إسماعيل بنقل عاصمته إلى مكناس، كما قام بإعادة بناء مدفن ومسجد مولاى إدريس.
ولم تلبث فاس أن أصبحت مرة أخرى منذ بداية القرن ١٨ م مقرًا للسلطان والحكومة المركزية، وقام جميع الحكام منذ عهد سيدى محمد بن عبد اللَّه بأعمال مختلفة فى قصور فاس الجديدة.
هذا وترجع أهم مجموعة من العمائر التى لا تزال باقية حتى الآن إلى عهد كل من مولاى عبد الرحمن (١٢٣٧ - ١٢٧٥ هـ/ ١٨٢٢ - ١٨٥٩ م) ومولاى الحسن (١٢٨٩ - ١٣١١ هـ/
стр. 7591
١٨٧٣ - ١٨٩٤ م)، وقد أعيد ترميم الأسوار عدة مرات، كما أعيد بناء أحد الأبواب الكبيرة، وهو باب الفتوح، تمامًا
على يدى مولاى سليمان.
وقام الحكام العلويون ببناء العديد من أماكن العبادة سواء المساجد الرئيسية الكبيرة أو أماكن الصلاة الصغيرة ومن أهمها كل من مسجد باب جيزة ومسجد الرصيف ومسجد السياج فى فاس بالى [أى فاس القديمة] ومسجد مولاى عبد اللَّه فى فاس الجديدة فضلًا عن بناء العديد من المساجد المحلية، وهى أماكن للصلاة خصصت للأولياء، ومقرًا للجماعات الدينية.
وصممت المساجد ذات المساحات الكبيرة وفق التقاليد المحلية فهى تتكون من أروقة [بلاطات] موازية لجدار القبلة والمآذن [الصوامع] على هيئة أبراج مربعة إلا أنها كانت غالبًا ما تخلو من الزخارف سواء المشكلة على هيئة شبكة من الزخارف المتداخلة أو المتشابكة أو الزخارف المنفذة على الخزف [إما أن تكون فسيفساء خزفية أو بلاطات خزفية الزليج أو الزليزلى كما يعرف عادة فى مصر]، أما الجدران التى كانت من الطوب، سواء المزجج أو غير المزجج فكانت مزخرفة بالبائكات الصماء البسيطة.
كذلك صممت بعض المدارس الباقية وفق الطراز التقليدى مثل مدرسة باب جيزة ومدرسة الواد.
وترجع غالبية منازل فاس الباقية إلى العصر العلوى ورغم ذلك فهى محتفظة بالتقاليد المرينية وتتكون معظم منازل المدينة القديمة [فاس بالى] من طابقين حول أفنية ضيقة، وعلى الرغم من أن الإضاءة والتهوية فى تلك المنازل ليست جيدة إلا أن بعضًا منها على درجة من الفخامة. هذا وتُكْسى دعامات الأفنية وأسفل الحوائط بحشوات من الفسيفساء الخزفية، أما الزخارف الجصية المحفورة فغالبًا ما تزخرف الأبواب وإطارات النوافذ والنفيس أعلى الفتحات، وفى بعض الأحيان الحوائط نفسها، ويفوج كل ذلك إفريز من خشب
стр. 7592
الأرز المصبوب فى قوالب أو المحفور، وقد صنعت الأسقف وأعمال النجارة الأخرى من خشب الأرز أيضًا ونفذت بعناية شديدة.
هذا وتوجد فى الضواحى البعيدة والأقل كثافة منازل أقل ارتفاعًا تحيط بأخفية واسعة وأحيانًا بالحدائق.
وقد بنيت الفنادق ذات الطوابق المتعددة والممرات على غرار دور الضيافة المرينية. والحق أن تلك الفنادق فى مدينة التجارة هذه [أى فاس] هى بمثابة عمائر رائعة فى أغلب الأحيان. وليس هناك أى جديد يذكر فى أعمال القرون الأخيرة بفاس سوى إخلاص واضح للتقاليد المعمارية والزخرفية العظيمة.
وعلاوة على ما سبق فإن وحدة الطراز الفنى التى حافظت عليها طوائف [نقابات] الصناع المعروفين والمحبين لأعمالهم قد أكسبت فاس بالى [أى فاس القديمة] وفاس الجديدة بصفة خاصة مظهرهما الرائع المتناسق المثير للدهشة.
كذلك فإن القوانين المنظمة للتراث الفنى قد نجحت فى احتفاظ فاس، فضلًا عن غيرها من المدن المغربية القديمة، بأصالتها وجمالها.
وختامًا فإن مدينة فاس قد احتفظت أكثر من أى مدينة أخرى، بالمناخ المعمارى والزخرفى للأندلس الإسلامية.
المصادر:
(١) H. Gaillard: une ville de L'lslam: Fes, Paris ١٩٠٥
(٢) G. Marcais: L'architecture musulmare d'Occident, Paris ١٩٥٠
(٣) H. Terrasse: L'art hispanomauresque des origines au XIII'siecle Paris ١٩٣٢
(٤) R. Le Tourneau: Ees avant Le Protectorat, Casablanca ١٩٤٩
د. محمد حمزة [هـ. تراس H. Terrasse]
стр. 7593
فاسق
وتعنى آثم ويوصف بها مرتكب الكبائر أما إذا اعتبرنا اللَّمم من بين الكبائر لكان كل المسلمين من الفاسقين، ولا يعتد بشهادة الفاسق. أما المسلم الورع فهو الشاهد (العدل) الذى يمكن تصديقه. والجمع عدول وهم أشخاص ذوو صفات خاصة وشهرة حسنة، يقومون بمهمة الشهود عند إبرام العقود (ومنها عقود الزواج).
ويكون الزواج عند الشافعية (وبعض الحنابلة) باطلًا، إذا كان أقرب الأقرباء (الولى) الذى يزوج العروس فاسقًا وقت إبرام عقد الزواج، ولهذا السبب جرى العرف فى بعض المناطق التى تعتنق المذهب الشافعى أن يسبق إبرام العقد بتوبة الولى، لأن الذى يقلع عن ذنوبه ويحيا بأسلوب أفضل ينظر إليه على أنه "عدل" مرة أخرى. انظر C.Snouck Hurgronje فى De lndische Gids، سنة ١٨٨٤، جـ ١، ص ٧٧٩.
المصادر:
(١) ارجع إلى المصادر الواردة فى المادة، وما ورد فى علم الكلام تحت عنوان الأحكام والأسماء (مثل: البقلانى الجوينى والجرجانى، والباجورى الخ. .)
(٢) A. J. Wensinck: The Muslim Creed, Cambridge ١٩٣٢, index S. V
(٣) H. Gardet: hes nons et les statuts in Stud. Isl. iii, Paris ١٩٥٦
حسن شكرى [ل. جارديه L. Gardet]
فاطمة
ابنة محمد ﷺ من زوجته خديجة بنت خويلد، وزوج على بن أبى طالب (كرم اللَّه وجهه)، وأم الحسن والحسين (رضى اللَّه عنهما) وقد حققت شهرة عظيمة تفوق شهرة سواها من بنات محمد [ ﷺ ] وقد حظيت بتقدير وتوقير عظيمين من المسلمين كافة، لأنها عاشت لصيقة بأبيها كما أنها عاشت فترة أطول من إخوتها، ورزق محمد [ ﷺ ] بأحفاد كُثُر منها كان منهم سلالة انتشرت فى مختلف أنحاء العالم الإسلامى، أما أبناء محمد [ ﷺ ] الذكور فماتوا صغارا، وأما بناته الأخريات، فاللائى أنجبن منهن ماتت ذريتهن
стр. 7594
وربما ترجع الشهرة التى حققتها فاطمة (رضى اللَّه عنها) إلى عظمة أبيها النبى، ولأهمية الدور التاريخى الذى قام به زوجها الإمام على وأبناؤها منه، وربما لما نسبه المسلمون إليها. -بمرور الوقت- من صفات وخلائق باهرة. ومن المألوف أن يضاف إلى اسمها صفة تشريفية فى العالم الإسلامى كله فيقال لها فاطمة الزهراء، ويتحدث عنها كل المسلمين بتجلة واحترام، إلا أن الشيعة على نحو خاص يحيطونها بهالة من القداسة وراحوا يعظمونها بعد موتها لعدة قرون؛ ففاطمة امرأة لا كالنساء، وإنما هى امرأة ارتبط اسمها باسم رسول اللَّه [ ﷺ ]، وظلت فى الظل لا تلقى اهتماما كثيرا فى سنوات الإسلام الأولى نظرا للأحداث العظيمة والمهمة التى شهدتها تلكم السنوات، وكان لابد -وقد انتهت هذه الأحداث- أن يشتعل الخيال حول فاطمة (رضى اللَّه عنها) فتتحول إلى ما يشبه الأسطورة، وما كان هذا ليسبب مشكلة لدى المؤمنين المسلمين، لكن الباحثين الغربيين -من ناحية أخرى- كان عليهم أن يعملوا بدأب ليكتشفوا جوهر فاطمة (رضى اللَّه عنها) بمناقشة ما أحاط بها من هالة وضباب ومبالغة. أحقا كانت فاطمة (رضى اللَّه عنها) تمتلك من المزايا والصفات ما جعلها أهلًا لهذه الشهرة التى طبقت الآفاق بعد وفاتها، أم أن هذه الشهرة نتجت عن ظروف متشابكة جعلت الناس يميلون لتوقيرها توقيرًا شديدا كامرأة؟ ! إن اثنين من المستشرقين البارزين هما الأب هنرى لامنس، ولويس ماسينون قدما لنا أحكاما متناقضة عن فاطمة (رضى اللَّه عنها)، فنحن نجد أن الأب هنرى لامنس فى كتابه (فاطمة وبنات محمد Fatima et les filles de Mahomet) يرسم لفاطمة (رضى اللَّه عنها) صورة من خلال أسلوبه المفعم حيوية يستفاد منها أنها كانت طَّيبة طِيبة لا تخلو من دهاء ويعطينا صورة غير مشرقة لابنة النبى [ ﷺ ] فهى امرأة غير جذابة، ذات ذكاء متوسط، مهملة تماما لا يقدرها أبوها النبى ﷺ إلا قليلا، ويعاملها زوجها (الإمام على) معاملة سيئة، مصابة بفقر الدم، تعانى المرض فى غالب أيامها
стр. 7595
نزاعة للبكاء، وربما تكون قد ماتت بداء السل *.
ومن أحاديث الرسول [ ﷺ ] فى هذا السياق "ما من مسلم له بنتان فيحسن إليهما، ما صحبتاه أو صحبهما إلا أدخلتاه الجنة" رواه ابن ماجة، "من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو بنتان أو أختان، فأحسن صحبتهن واتقى اللَّه فيهن، فله الجنة" رواه الترمذى وكيف يهمل محمد ابنته فاطمة مع ما عرف من تعلقها الشديد به وحبها له، وتروى كتب السيرة أن أبا جهل كان يلقى على الرسول [ ﷺ ] أقذارًا أثناء صلاته، وأن فاطمة (رضى اللَّه عنها) كانت هى التى تطهره وتغسل ما ألقى الكفار من نجاسات وتبكى وكان الرسول يقول لها: "لا تبكى يا بنية فإن اللَّه مانع أباك" ويلخص أحمد أمين فى كتابه فجر الإسلام من كتب السيرة ما يوضح بجلاء مدى تعلق الرسول [ ﷺ ] بابنته فاطمة حتى قيل موته بقليل ". . . وبلغت به شدة المرض حدا آلمه. . وكانت ابنته فاطمة تعوده كل يوم، وكان يحبها حبا يمتلئ به وجود الرجل للابنة الواحدة الباقية له من كل عقبة، لقد كانت إذا دخلت على النبى [ ﷺ ] قام لها وقبلها وأجلسها مجلسه، فلما بلغ منه المرض هذا المبلغ دخلت عليه فقبلته، فقال: مرحبا يا ابنتى. . ." القاهرة ١٩٦٨، ص ٥٠٠ - ٥٠١ أما قول لامنس أن عليًا كان يعامل فاطمة بخشونة وقسوة فالوقائع التاريخية بما فى ذلك الوارد منها فى هذا المقال تشير إلى تقدير على لفاطمة، وإن كان الأمر لا يخلو من خلافات زوجية سرعان ما تسوى.
ولا ندرى فى الحقيقة كيف استنتج لامنس أنها ماتت بالسل وأنها كانت مريضة دائما فما ورد فى هذا الصدد ليس هناك دليل يقينى عليه وقد تكفل مستشرقون آخرون بالرد على أقوال لامنس (كما سيتضح).
بل إن عددا من المستشرقين قد انتقد هذه الصورة التى رسمها لامنس لفاطمة الزهراء واعتبرها غير حقيقية. ومن هؤلاء ج. ليفى ديلافيدا G.levi Della vida فى Rivista degli Studi RSO
стр. 7596
Orientali. المجلد السادس (١٩١٣) ص ٥٣٦ - ٥٤٧، س. هـ. بيكر C.H Becker فى Grundsatzliches Zur Leben Muhammed - Farschung فى دورية الدراسات الإسلامية Islamstudien جـ ١، ص ٢٢٠ - ٢٢٧، ونشره بعنوان آخر هو Prinzipielles Zu lammens Sirastudien فى ISL مجلد ٤ (١٩١٣) ص ٢٦٣ - ٢٦٩.
أما ماسينون -من ناحية أخرى- فقد رسم لفاطمة (رضى اللَّه عنها) صورة طيبة إذ رفع فاطمة مكانًا عليا فجعل مكانتها بين المسلمين كمكانة العذراء مريم بين المسيحيين، وانتقد ما ذكره لامنس واتهمه بأنه راح يجتزئ الوقائع والأحداث التاريخية، دون أن يجمع كل الحقائق ويصفها فى سياق كامل واحد يكون قادرا على تقديم صورة صادقة وحية، فتلك هى الطريقة الوحيدة -فيما يقول ماسينون- التى تمكننا من فهم كيف أن أعمال فاطمة الحدسية قد تغلغلت فى نظريات الإسلام ومذاهبه وتكيفاته، بل واستخدمت كوسيلة للخداع، طوال التاريخ الإسلامى، ففاطمة (رضى اللَّه عنها) كما يتصورها ماسينون امرأة لم تحظ إمكاناتها الروحية بالتقدير الكافى أثناء حياتها -إنها امرأة انتقلت إليها بعض خصائص روح أبيها. إنها ربة بيت النبوة الذى هو خيمة الكرم والفضل.
إنها مُضَيِّفة عُتقاء النبى [ ﷺ ] والذين تحولوا للإسلام من غير العرب، لذا فهى تمثل بداية عالمية الإسلام، وحتى نتجنب أى إساءة فهم لأفكار ماسينون فإننا ننقل جملة بلغتها ونصها عند حديثه عن المباهلة، ففاطمة كما يراها:
" Vie Secre'te . . . Voilee bien au dela Jalouse de Ayisha, par une autre Jalousie, celle de Dieu. Vie de Comassion interieure de Lavmes, Prieres Pour les morts (aUhud) er dans les Cimetieres, Voeux de Jeune, choses de peu de poids Pour des theologiens Philosophes ou Camonistes Vie Qui les Survole et les Surplombe en Islam, Comme une menace, de plus en plus imminente, de la Grace de Dieu: du Voeu Secret de la faemme, Vierge ou Mere Qui hanscende tous les axiones et Serments des homme. L'hygperdulie des
стр. 7597
anes et douleur, en Islam Pour Fatina, n est Selon . . . "
إن هذا التفسير لشخصية فاطمة سيرضى -بدون شك- ذوى النزعات الصوفية والباطنية الذين يعيشون فى عالم من الوجد الدينى حيث يفضلون خوض التجارب الدينية غير العادية، بل إن هذا التفسير قد يرضى الدارسين المهتمين بالقضايا الدينية لأنه يقدم لنا توضيحا دينيا نفسيا (سيكولوجيا) لأصل تطور الأفكار الأسطورية المتعلقة بابنة النبى [ ﷺ ]، كما أن هذا التفسير يعد بمثابة جسر أو رابط بين الحقيقة التاريخية والأسطورة الشعبية، وهو ما فشل لامانس فى تقديمه لكننا لا يمكن أن نهرب من اعتراضات المؤرخين على منهج ماسينون التفسيرى هذا على اعتبار أنه قد أخضع الحقائق للعقائد التى تحَّلقت حول فاطمة والتى لم تظهر إلا مؤخرا.
وسيجد القارئ فى هذا المقال أننا رتبنا الحقائق ترتيبا زمنيا وأننا علقنا فى بعض الأحيان على ما أوردته المصادر والمراجع التى تناولت فاطمة، وهى مراجع تعود للقرنين الثانى والثالث للهجرة والنصف الأول من القرن الرابع للهجرة (الثامن والتاسع للميلاد والنصف الأول من القرن العاشر للميلاد) وقد رجعنا -على نحو خاص- للأنساب للبلاذرى ولابن سعد، ولكتب الحديث التى يعتبرها المسلمون السنّيون كتبًا صحاحًا (البخارى ومسلم والنسائى والترمذى وأبو داود وابن ماجه) لأن ابن هشام والمؤرخين الآخرين انشغلوا بأحداث أخرى فلم يسجلوا عن فاطمة إلا قليلا، أما المراجع المتأخرة كابن عبد البر فى (الاستيعاب) وابن الأثير فى (أسد الغابة) وابن حجر فى (الإصابة)، والحلبى فى (السيرة الحلبية) والدياربكرى فى (تاريخ الخميس) فقد كان هناك تجاهل -إلى حد كبير- لفاطمة (رضى اللَّه عنها) وفى هذا المقال ستذكر بعض الحقائق التى قد تبدو غير مهمة لكنها فى الواقع تمثل تطورا غير متوقع للعقائد المتحلقة حول فاطمة خاصة بين الشيعة، فعرس فاطمة أو جهاز عرسها أصبح -على سبيل المثال- موضوعا للمسرحيات الدينية الفارسية بالإضافة لطقوس (التعزية) أو (التعازى) المشهورة لديهم.
стр. 7598
فاطمة فى التاريخ
المولد وفترة الطفولة:
تاريخ ميلاد فاطمة (رضى اللَّه عنها) غير مؤكد، وإن كان التاريخ الأقرب احتمالا هو أنها ولدت فى عام إعادة بناء الكعبة المشرفة أى قبل بداية البعثة النبوية بخمس سنوات، وهذا يعنى أنها تزوجت عندما بلغت الثامنة عشرة من عمرها، ولم يكن من المألوف أن يتأخر زواج الفتاة العربية حتى هذا السن، لكن إذا أخرنا يوم مولدها لسنوات قلائل فإننا نواجه صعوبة أخرى، ذلك أن أُمها خديجة رضى اللَّه عنها تكون فى هذه الحالة -قد ولدتها وهى تربو على الخمسين من عمرها، وقد ناقش لامنس مسألة عمر فاطمة -بالتفصيل- فى كتابه الآنف ذكره، وثمة أمر آخر غير مؤكد بالنسبة لفاطمة رضى اللَّه عنها وهو ترتيبها بين أخواتها، وإن كانت بنات (محمد [ ﷺ ]) عادة ما يتم ترتيبهن على النحو التالى: زينب فرقية فأم كلثوم ففاطمة. أما عن طفولتها وحياتها فى مكة (المكرمة) فبين أيدينا واقعتين أولاهما أن فاطمة عندما اشتد بها الحزن لوفاة أمها خديجة طمأنها الرسول [ ﷺ ] بأن اللَّه قد بنى لها قصرا فى الجنة لا صخب فيه ولا نصب.
وثانيتهما أنها لعنت من أهان أباها وهو يصلى، وكان المعتدى الآثم هو عقبة بن أبى معيط.
الهجرة وخطبة فاطمة:
بعد الهجرة، نقل محمد [ ﷺ ] بنتيه فاطمة وأم كلثوم وزوجته سودة بنت زمعة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وقد كلف الرسول [ ﷺ ] ابنه بالتبنى (فى ذلك الوقت) زيد بن حارثة وأبا رافع بعد أن زودهما ببعيرين ومبلغا من المال، إلا أن هناك رواية للعباس مفادها أن انتقال بنتى النبى وزوجته آنفات الذكر إلى المدينة لم يتم بسهولة ودون مشاكل إذ إن الحويرث ابن نقيظ بن وهب قد نخس البعيرين فتسبب ذلك فى سقوطهن لذا، فإنه يُقال -إن النبى [ ﷺ ] قد أمر بقتله بعد فتح مكة (المكرمة). وفيما يتعلق بخطبة
стр. 7599
فاطمة (رضى اللَّه عنها) فإن المصادر تقدم لنا كثيرا من المعلومات، لكنها -كالعادة- لا يوافق بعضها بعضا بشكل تام. فقد طلب كل من أبى بكر وعمر (رضى اللَّه عنهما) يد فاطمة، لكن محمدا [ ﷺ ] لم يوافق على خطبتها لأى منهما قائلًا: إنه ينتظر اللحظة التى يحددها القدر، ولم يجسر على رضى اللَّه عنه على التقدم لخطبتها نظرا لفقره، لكن محمدا [ ﷺ ] يسر هذا الأمر بنفسه فذكره أنه -أى على- يمتلك درعا يكفى ثمنه كمهر لفاطمة، وأضاف على للدرع جملا وأشياء أخرى فبلغ ما دبره من المال حوالى أربعمائة وثمانين درهما، فاشترى بثلث المبلغ أو ثلثيه عطورا وجهز بيت الزوجية بالباقى، وعندما أخبر محمد ابنته فاطمة بوعده لعلى صمتت ولم تقل شيئا وفسر النبى سكوتها بالرضى والقبول، لكن بعض المصادر تذكر أنها اعترضت إلا أن الرسول [ ﷺ ] أقنعها بأنها إنما ستتزوج ابن عمه وأنه أكثر الناس فقها وحكمة وأنه كان من السابقين للإسلام.
زواج فاطمة:
تختلف المصادر فى سنة زواج فاطمة وفى الشهر الذى تم فيه هذا الزواج، فقد قيل إن ذلك تم فى السنة الأولى للهجرة، وقيل بل فى الثانية، أما الدخول الفعلى فتذكر بعض المصادر أنه تأخر بضعة أيام أو شهورا قليلة حتى عودة علىّ (كرم اللَّه وجهه) من غزوة بدر، وقد أخبر النبى [ ﷺ ] عليا بأن الاحتفال بهذه المناسبة أمر ضرورى فنحر على خروفا، وقدم الأنصار ذرة ورتبت زوجتا النبى [ ﷺ ]: عائشة وأم سلمة الدار واستعد الجميع لوليمة العرس، ويقال إن عليا فى ذلك الوقت كان فى الخامسة والعشرين من عمره، وإن فاطمة (رضى اللَّه عنها) كان عُمرها يتراوح بين الخامسة عشرة والحادية والعشرين، ويقال: إن النبى [ ﷺ ] أمر بماء فغسل فيه يديه أو غمس يديه فيه أو تفل فيه ونضح به صدرى علىّ وفاطمة ودعا لهما بالبركة.
الفقر فى بيت العروسين:
وفى ليلة العرس نام العروسان على فرو خروف وكان غطاؤهما قطعة
стр. 7600
قماش يمانية لا تكفى لتغطية الرأس والقدمين معا أما الحشية فمن جلد محشو بالليف. كان أثاث بيت الزوجية بائسا حقا: قربة من جلد الماعز ومنخل ومكنسة وآنية. وقدم محمد [ ﷺ ] للعروسين بعض الهدايا: خميلًا (أو خملة) وقربة وإبريقا وبعض عذوق (أفرع) من أعشاب عطرية ووسادة، ولم يكن لفاطمة خدم فكانت تطحن الحبوب بنفسها مما سبب لها قروحا فى جلدها، وكان علىّ يسحب الماء من الآبار ويروى أرض الناس ابتغاء اكتساب قليل من المال، وبسبب هذا العمل الشاق راح يشكو من ألم فى صدره (لقد شقوت حتى أسليت) وقال لفاطمة (قد جاء اللَّه بسبى للنبى [ ﷺ ] فاذهبى فاستخدمى -أى اطلبى خادما) قالت: أنا واللَّه قد طحنت حتى محلت يداى، فأتت النبى [ ﷺ ]، فقال: ما جاء بك؟ فقالت جئت أُسلِّم واستحت أن تطلب طلبها ورجعت، فذهب علىّ معها فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا واللَّه لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تتلوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيع وأنفق عليهم أثمانهم" لكن الرسول [ ﷺ ] ذهب إليهما بعد ذلك وقال: (ألا أخبركما بخير مما سألتمانى؟ فقالا: بلى، فقال: كلمات علمنيهن جبريل: تسبحان اللَّه دُبر كل صلاة عشرا، وتحمدان عشرا وتكبران عشرا، وإذا آويتما إلى فراشكما سبّحا ثلاثا وثلاثين وأحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين) قال علىّ: (فواللَّه ما تركتهن منذ علمنيهن) وعلى أية حال فبعد فتح خيبر تحسن الوضع فى بيت علىّ وفاطمة كما تحسن وضع عدد كبير من المسلمين لتلقيهم أنصبتهم مما تنتجه أرض خيبر من تمور حتى أن عائشة رضى اللَّه عنها حمدت ربها لأنه أصبح فى إمكانها أن تأكل تمرا حتى الشبع. وقد بنى علىّ بعد الزواج دارًا غير بعيدة عن دار النبى [ ﷺ ] لكن فاطمة كانت راغبة فى أن تكون دارها أقرب ما تكون لدار أبيها فقدم لهما الحارثة بن النعمان -وهو رجل من أهل المدينة- داره.
أولاد علىّ وفاطمة:
ولد الحسن فى السنة الثانية للهجرة (٦٢٤ م) (لكن فى هذه الحال لا يمكن