← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.

стр. 7596

Orientali. المجلد السادس (١٩١٣) ص ٥٣٦ - ٥٤٧، س. هـ. بيكر C.H Becker فى Grundsatzliches Zur Leben Muhammed - Farschung فى دورية الدراسات الإسلامية Islamstudien جـ ١، ص ٢٢٠ - ٢٢٧، ونشره بعنوان آخر هو Prinzipielles Zu lammens Sirastudien فى ISL مجلد ٤ (١٩١٣) ص ٢٦٣ - ٢٦٩. أما ماسينون -من ناحية أخرى- فقد رسم لفاطمة (رضى اللَّه عنها) صورة طيبة إذ رفع فاطمة مكانًا عليا فجعل مكانتها بين المسلمين كمكانة العذراء مريم بين المسيحيين، وانتقد ما ذكره لامنس واتهمه بأنه راح يجتزئ الوقائع والأحداث التاريخية، دون أن يجمع كل الحقائق ويصفها فى سياق كامل واحد يكون قادرا على تقديم صورة صادقة وحية، فتلك هى الطريقة الوحيدة -فيما يقول ماسينون- التى تمكننا من فهم كيف أن أعمال فاطمة الحدسية قد تغلغلت فى نظريات الإسلام ومذاهبه وتكيفاته، بل واستخدمت كوسيلة للخداع، طوال التاريخ الإسلامى، ففاطمة (رضى اللَّه عنها) كما يتصورها ماسينون امرأة لم تحظ إمكاناتها الروحية بالتقدير الكافى أثناء حياتها -إنها امرأة انتقلت إليها بعض خصائص روح أبيها. إنها ربة بيت النبوة الذى هو خيمة الكرم والفضل. إنها مُضَيِّفة عُتقاء النبى [ ﷺ ] والذين تحولوا للإسلام من غير العرب، لذا فهى تمثل بداية عالمية الإسلام، وحتى نتجنب أى إساءة فهم لأفكار ماسينون فإننا ننقل جملة بلغتها ونصها عند حديثه عن المباهلة، ففاطمة كما يراها: " Vie Secre'te . . . Voilee bien au dela Jalouse de Ayisha, par une autre Jalousie, celle de Dieu. Vie de Comassion interieure de Lavmes, Prieres Pour les morts (aUhud) er dans les Cimetieres, Voeux de Jeune, choses de peu de poids Pour des theologiens Philosophes ou Camonistes Vie Qui les Survole et les Surplombe en Islam, Comme une menace, de plus en plus imminente, de la Grace de Dieu: du Voeu Secret de la faemme, Vierge ou Mere Qui hanscende tous les axiones et Serments des homme. L'hygperdulie des

стр. 7597

anes et douleur, en Islam Pour Fatina, n est Selon . . . " إن هذا التفسير لشخصية فاطمة سيرضى -بدون شك- ذوى النزعات الصوفية والباطنية الذين يعيشون فى عالم من الوجد الدينى حيث يفضلون خوض التجارب الدينية غير العادية، بل إن هذا التفسير قد يرضى الدارسين المهتمين بالقضايا الدينية لأنه يقدم لنا توضيحا دينيا نفسيا (سيكولوجيا) لأصل تطور الأفكار الأسطورية المتعلقة بابنة النبى [ ﷺ ]، كما أن هذا التفسير يعد بمثابة جسر أو رابط بين الحقيقة التاريخية والأسطورة الشعبية، وهو ما فشل لامانس فى تقديمه لكننا لا يمكن أن نهرب من اعتراضات المؤرخين على منهج ماسينون التفسيرى هذا على اعتبار أنه قد أخضع الحقائق للعقائد التى تحَّلقت حول فاطمة والتى لم تظهر إلا مؤخرا. وسيجد القارئ فى هذا المقال أننا رتبنا الحقائق ترتيبا زمنيا وأننا علقنا فى بعض الأحيان على ما أوردته المصادر والمراجع التى تناولت فاطمة، وهى مراجع تعود للقرنين الثانى والثالث للهجرة والنصف الأول من القرن الرابع للهجرة (الثامن والتاسع للميلاد والنصف الأول من القرن العاشر للميلاد) وقد رجعنا -على نحو خاص- للأنساب للبلاذرى ولابن سعد، ولكتب الحديث التى يعتبرها المسلمون السنّيون كتبًا صحاحًا (البخارى ومسلم والنسائى والترمذى وأبو داود وابن ماجه) لأن ابن هشام والمؤرخين الآخرين انشغلوا بأحداث أخرى فلم يسجلوا عن فاطمة إلا قليلا، أما المراجع المتأخرة كابن عبد البر فى (الاستيعاب) وابن الأثير فى (أسد الغابة) وابن حجر فى (الإصابة)، والحلبى فى (السيرة الحلبية) والدياربكرى فى (تاريخ الخميس) فقد كان هناك تجاهل -إلى حد كبير- لفاطمة (رضى اللَّه عنها) وفى هذا المقال ستذكر بعض الحقائق التى قد تبدو غير مهمة لكنها فى الواقع تمثل تطورا غير متوقع للعقائد المتحلقة حول فاطمة خاصة بين الشيعة، فعرس فاطمة أو جهاز عرسها أصبح -على سبيل المثال- موضوعا للمسرحيات الدينية الفارسية بالإضافة لطقوس (التعزية) أو (التعازى) المشهورة لديهم.

стр. 7598

فاطمة فى التاريخ المولد وفترة الطفولة: تاريخ ميلاد فاطمة (رضى اللَّه عنها) غير مؤكد، وإن كان التاريخ الأقرب احتمالا هو أنها ولدت فى عام إعادة بناء الكعبة المشرفة أى قبل بداية البعثة النبوية بخمس سنوات، وهذا يعنى أنها تزوجت عندما بلغت الثامنة عشرة من عمرها، ولم يكن من المألوف أن يتأخر زواج الفتاة العربية حتى هذا السن، لكن إذا أخرنا يوم مولدها لسنوات قلائل فإننا نواجه صعوبة أخرى، ذلك أن أُمها خديجة رضى اللَّه عنها تكون فى هذه الحالة -قد ولدتها وهى تربو على الخمسين من عمرها، وقد ناقش لامنس مسألة عمر فاطمة -بالتفصيل- فى كتابه الآنف ذكره، وثمة أمر آخر غير مؤكد بالنسبة لفاطمة رضى اللَّه عنها وهو ترتيبها بين أخواتها، وإن كانت بنات (محمد [ ﷺ ]) عادة ما يتم ترتيبهن على النحو التالى: زينب فرقية فأم كلثوم ففاطمة. أما عن طفولتها وحياتها فى مكة (المكرمة) فبين أيدينا واقعتين أولاهما أن فاطمة عندما اشتد بها الحزن لوفاة أمها خديجة طمأنها الرسول [ ﷺ ] بأن اللَّه قد بنى لها قصرا فى الجنة لا صخب فيه ولا نصب. وثانيتهما أنها لعنت من أهان أباها وهو يصلى، وكان المعتدى الآثم هو عقبة بن أبى معيط. الهجرة وخطبة فاطمة: بعد الهجرة، نقل محمد [ ﷺ ] بنتيه فاطمة وأم كلثوم وزوجته سودة بنت زمعة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وقد كلف الرسول [ ﷺ ] ابنه بالتبنى (فى ذلك الوقت) زيد بن حارثة وأبا رافع بعد أن زودهما ببعيرين ومبلغا من المال، إلا أن هناك رواية للعباس مفادها أن انتقال بنتى النبى وزوجته آنفات الذكر إلى المدينة لم يتم بسهولة ودون مشاكل إذ إن الحويرث ابن نقيظ بن وهب قد نخس البعيرين فتسبب ذلك فى سقوطهن لذا، فإنه يُقال -إن النبى [ ﷺ ] قد أمر بقتله بعد فتح مكة (المكرمة). وفيما يتعلق بخطبة

стр. 7599

فاطمة (رضى اللَّه عنها) فإن المصادر تقدم لنا كثيرا من المعلومات، لكنها -كالعادة- لا يوافق بعضها بعضا بشكل تام. فقد طلب كل من أبى بكر وعمر (رضى اللَّه عنهما) يد فاطمة، لكن محمدا [ ﷺ ] لم يوافق على خطبتها لأى منهما قائلًا: إنه ينتظر اللحظة التى يحددها القدر، ولم يجسر على رضى اللَّه عنه على التقدم لخطبتها نظرا لفقره، لكن محمدا [ ﷺ ] يسر هذا الأمر بنفسه فذكره أنه -أى على- يمتلك درعا يكفى ثمنه كمهر لفاطمة، وأضاف على للدرع جملا وأشياء أخرى فبلغ ما دبره من المال حوالى أربعمائة وثمانين درهما، فاشترى بثلث المبلغ أو ثلثيه عطورا وجهز بيت الزوجية بالباقى، وعندما أخبر محمد ابنته فاطمة بوعده لعلى صمتت ولم تقل شيئا وفسر النبى سكوتها بالرضى والقبول، لكن بعض المصادر تذكر أنها اعترضت إلا أن الرسول [ ﷺ ] أقنعها بأنها إنما ستتزوج ابن عمه وأنه أكثر الناس فقها وحكمة وأنه كان من السابقين للإسلام. زواج فاطمة: تختلف المصادر فى سنة زواج فاطمة وفى الشهر الذى تم فيه هذا الزواج، فقد قيل إن ذلك تم فى السنة الأولى للهجرة، وقيل بل فى الثانية، أما الدخول الفعلى فتذكر بعض المصادر أنه تأخر بضعة أيام أو شهورا قليلة حتى عودة علىّ (كرم اللَّه وجهه) من غزوة بدر، وقد أخبر النبى [ ﷺ ] عليا بأن الاحتفال بهذه المناسبة أمر ضرورى فنحر على خروفا، وقدم الأنصار ذرة ورتبت زوجتا النبى [ ﷺ ]: عائشة وأم سلمة الدار واستعد الجميع لوليمة العرس، ويقال إن عليا فى ذلك الوقت كان فى الخامسة والعشرين من عمره، وإن فاطمة (رضى اللَّه عنها) كان عُمرها يتراوح بين الخامسة عشرة والحادية والعشرين، ويقال: إن النبى [ ﷺ ] أمر بماء فغسل فيه يديه أو غمس يديه فيه أو تفل فيه ونضح به صدرى علىّ وفاطمة ودعا لهما بالبركة. الفقر فى بيت العروسين: وفى ليلة العرس نام العروسان على فرو خروف وكان غطاؤهما قطعة

стр. 7600

قماش يمانية لا تكفى لتغطية الرأس والقدمين معا أما الحشية فمن جلد محشو بالليف. كان أثاث بيت الزوجية بائسا حقا: قربة من جلد الماعز ومنخل ومكنسة وآنية. وقدم محمد [ ﷺ ] للعروسين بعض الهدايا: خميلًا (أو خملة) وقربة وإبريقا وبعض عذوق (أفرع) من أعشاب عطرية ووسادة، ولم يكن لفاطمة خدم فكانت تطحن الحبوب بنفسها مما سبب لها قروحا فى جلدها، وكان علىّ يسحب الماء من الآبار ويروى أرض الناس ابتغاء اكتساب قليل من المال، وبسبب هذا العمل الشاق راح يشكو من ألم فى صدره (لقد شقوت حتى أسليت) وقال لفاطمة (قد جاء اللَّه بسبى للنبى [ ﷺ ] فاذهبى فاستخدمى -أى اطلبى خادما) قالت: أنا واللَّه قد طحنت حتى محلت يداى، فأتت النبى [ ﷺ ]، فقال: ما جاء بك؟ فقالت جئت أُسلِّم واستحت أن تطلب طلبها ورجعت، فذهب علىّ معها فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا واللَّه لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تتلوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيع وأنفق عليهم أثمانهم" لكن الرسول [ ﷺ ] ذهب إليهما بعد ذلك وقال: (ألا أخبركما بخير مما سألتمانى؟ فقالا: بلى، فقال: كلمات علمنيهن جبريل: تسبحان اللَّه دُبر كل صلاة عشرا، وتحمدان عشرا وتكبران عشرا، وإذا آويتما إلى فراشكما سبّحا ثلاثا وثلاثين وأحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين) قال علىّ: (فواللَّه ما تركتهن منذ علمنيهن) وعلى أية حال فبعد فتح خيبر تحسن الوضع فى بيت علىّ وفاطمة كما تحسن وضع عدد كبير من المسلمين لتلقيهم أنصبتهم مما تنتجه أرض خيبر من تمور حتى أن عائشة رضى اللَّه عنها حمدت ربها لأنه أصبح فى إمكانها أن تأكل تمرا حتى الشبع. وقد بنى علىّ بعد الزواج دارًا غير بعيدة عن دار النبى [ ﷺ ] لكن فاطمة كانت راغبة فى أن تكون دارها أقرب ما تكون لدار أبيها فقدم لهما الحارثة بن النعمان -وهو رجل من أهل المدينة- داره. أولاد علىّ وفاطمة: ولد الحسن فى السنة الثانية للهجرة (٦٢٤ م) (لكن فى هذه الحال لا يمكن

стр. 7601

أن تكون الدخلة أى المباشرة الفعلية للزواج قد تمت بعد موقعة بدر) أو فى شهر رمضان فى السنة الثالثة للهجرة (٦٢٥ م)، أما الحسين فتم الحمل به بعد خمسين يوما من مولد الحسن، وولد سنة ٤ هـ (٦٢٦ م) فى أوائل شهر شعبان، وبالإضافة للحسن والحسين فإن هناك مولودًا ثالثا هو مُحَسِّن أو مُحْسن وقد مات عند ولادته أو ولد ميتا، وأَنجبت فاطمة بنتين سمتهما على اسم أختيها: أم كلثوم وزينب. الخلافات الزوجية: لم يكن علىّ وفاطمة يعيشان فى وفاق دائم، وكان علىّ (كرم اللَّه وجهه) يعامل فاطمة بالغلظة فكانت تشكوه لأبيها، وكان البشر يعلو وجه الرسول [ ﷺ ] عندما يوفق بينهما. لكن حدثت مشكلة ذات خطر حقيقى عندما عرض بنو هشام بن المغيرة (من قريش) على علىّ بن أبى طالب (كرم اللَّه وجهه) أن يتزوج منهم فلم يمانع علىّ لكن محمدًا ﷺ رفض قائلا: إن فاطمة (بضعة منى) وأن ما يؤذيها يؤذيه (عن الأحاديث فى هذا الموضوع راجع الترمذى) وكذلك اعترض النبى [ ﷺ ] على محاولة على الزواج من ابنة أبى جهل على أساس أن ابنة نبى اللَّه وابنة عدو اللَّه (أبى جهل) لا تعيشان فى بيت واحد، وفى هذه المرة كرر النبى أيضا قوله: (إنها بضعة منى) وذكر النبى ما يفيد أن عليا إن أراد أن يتزوج من ابنة أبى جهل فعليه أن يطلق فاطمة أولا أحمد بن حنبل: مسند أحمد، القاهرة، ١٣١٣، جـ ٤، ص ٣٢٦، البخارى، جـ ٢، ص ٤٤٠) وقد ذهب بعض المؤلفين استخلاصا من هذه الواقعة أن تلك إحدى (خصائص) فاطمة ابنة النبى [ ﷺ ]. وقد كنى النبى [ ﷺ ] علىّ بن أبى طالب بأبى تراب، لأن عليا كان إذا اختلف مع زوجته فاطمة كظم غيظه وترك البيت حتى لا يرد عليها ردا غليظا، ووضع التراب على رأسه، فلما رآه محمد ﷺ يفعل ذلك اسماه أبا تراب *.

стр. 7602

بعض الأحداث التاريخية التى كانت فاطمة طرفًا فيها أثناء حياة الرسول [ ﷺ -]: ١ - بعد معركة أحد اهتمت فاطمة بجروح النبى فطببتها، كما كلفها النبى [ ﷺ ] وكذلك زوجها بتنظيف سيفيهما مما علق بهما من دماء، وقد اعتادت بعد ذلك أن تذهب لمكان هذه المعركة لتدعو للشهداء. ٢ - طلب منها أبو سفيان، وكذلك من زوجها على أن يتشفعا له عند محمد [ ﷺ ]، بعد أن أدرك -أى "أبو سفيان"- أن محمدا سيفتح مكة لا محالة، وكان هذا الطلب وجيش الرسول محيط بمكة (المكرمة). ٣ - تلقت نصيبها من نتاج خيبر، وكذلك علىّ، وكان نصيب كل منهما منفصلًا عن الآخر. ٤ - ذهبت لمكة (المكرمة) بعد الفتح فطلب منها أبو سفيان أن تهبه حمايتها (أن تجيره) لكنها رفضت، ونهت طفلها عن فعل ذلك لأن النبى [ ﷺ ] رفض أن يجيره أحد (١).

стр. 7603

٥ - قامت فاطمة وزوجها وأبناؤها بدور مهم فى (المباهلة) ذلك الحدث الذى أصبح له صدى عظيم بين الشيعة. أهل البيت خمسة منهم فاطمة: الآية الكريمة رقم ٣٣ من سورة الأحزاب تنص فى جانب منها ﴿. . . إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ويتضمن صدر الآية نفسها والآية التى قبلها تعليمات لزوجات النبى ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. . .﴾ ونفهم من هذا أن الخطاب لجمع الإناث، ومع هذا فإن الضمير فى قوله تعالى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ. . .﴾ يشمل الإناث والذكور، إنه لأهل البيت رجالا ونساء، لذا فقد قيل: إن هذه التعليمات أو التوجيهات مقتصرة على زوجات النبى [ ﷺ ] فحسب، وتعبير أهل البيت يعنى أسرة النبى [ ﷺ ] فقط، فالمزايا التى وهبها اللَّه لهذه الأسرة - (فى البداية كانت مزايا روحية خالصة لكن بعد ذلك لم تعد هذه المزايا روحية أو معنوية فحسب) - جعلت -وهذا أمر طبيعى- كل أقارب محمد [ ﷺ ] يدعون الانتساب لأهل البيت، واتسع مفهوم القرابة لمحمد [ ﷺ ] فلم يعد قاصرًا على الأقارب

стр. 7604

اللصيقين (قرابة الدرجة الأولى أو الثانية) وإنما امتد إلى فروع الأسرة والامتدادات المباشرة وغير المباشرة، بل وامتدت لتدعيها جماعات من المجتمع كالأنصار مثلا، والحقيقة أنها امتدت لتشمل المجتمع كله. لكن هناك رواية روتها عدة مصادر مؤداها أن محمدا ﷺ كان يشتمل ببرده (يضم تحت عباءته) فى ظروف مختلفة (مثلما حدث يوم المباهلة) حفيديه الحسن والحسين وابنته فاطمة وصهره على بن أبى طالب، لذا فهؤلاء الخمسة أطلق عليهم أهل الكساء بمعنى الذين ضمهم الكساء (بُردة النبى أو عباءته) وقد بذلت جهود لضم زوجات النبى [ ﷺ ] اللائى تزوجهن بعد ذلك ليكن ضمن أهل الكساء أى ليشملهن هذا المصطلح إلا أن هؤلاء الخمسة ظلوا بشكل عام هم أهل الكساء، ويقول الشيعة بدون استثناء وكذلك السنة قبل ظهور حركة التشيع لعلى: إن أهل الكساء تعنى أهل البيت. وقد ارتبطت الآيتان القرآنيتان الواردتان فى صدر هذا المقال بعلى (كرم اللَّه وجهه) وفاطمة (رضى اللَّه عنها) إذ يروى أن محمدًا [ ﷺ ] كان يستيقظ مبكرا لصلاة الصبح ويدق على بيت على وفاطمة مذكرا إياهما بميقات الصلاة تاليا الآية الكريمة ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ. .﴾ فاطمة أثناء مرض النبى [ ﷺ -]: حزنت فاطمة لمرض والدها حزنا شديدا فقد كانت تحبه حبا جما، وأراد محمد [ ﷺ ] أن يخفف من حزنها فأسر إليها بكلمات فتبسمت، فيما تروى السيدة عائشة، وبعد وفاة النبى [ ﷺ ] سألت السيدة عائشة فاطمة عما كان يقوله الرسول [ ﷺ ] لها، وما الذى جعلها تبتسم فقالت فاطمة إن الرسول [ ﷺ ] قد أخبرها أن جبريل ﵇ كان يأتيه فى كل عام مرة لكنه فى هذا العام قد أتاه مرتين، واستنتج الرسول [ ﷺ ] من ذلك أن أجله قد قرب وأخبرها الرسول [ ﷺ ] أنها ستكون أول من يلحق به من أهل بيته، فبكت فاطمة لكن محمدا [ ﷺ ] أخبرها أنها ستكون سيدة نساء أهل الجنة، فتبسمت، وكما سنرى فإن هذه القصة

стр. 7605

ذات أهمية فى التطورات التى حدثت فى عقائد الشيعة. فاطمة بعد وفاة محمد [ ﷺ -]: وجدت فاطمة نفسها طرفا فى بعض الأحداث التى أعقبت وفاة أبيها [ ﷺ ]، فبعد بيعة أبى بكر (رضى اللَّه عنه) توجه إلى بيت فاطمة حيث تجمع عدد من الأنصار ومؤيدى على (رضى اللَّه عنه). وقد أراد الخليفة الجديد (أبو بكر) أن يحصل على بيعة هؤلاء المنشقين لكن عليا ذهب إليه شاهرا سيفه فهدأ عمر بن الخطاب من ثائرته ونزع سلاحه وصاحت فاطمة (رضى اللَّه عنها) مهددة بكشف شعرها، فاضطر أبو بكر ومن معه للانسحاب وقد أورد هذه الرواية اليعقوبى، جـ ٢ ص ١٤١، وثمة رواية أخرى مؤداها أن فاطمة قد رأت فى يد عمر بن الخطاب جمرة نار فسألته إن كان يعتزم إحراق دارها (الأنساب للبلاذرى، جـ ١، ص ٥٨٦) وفى كتاب (الإمامة والسياسية). وهو كتاب منسوب خطأ لابن قتيبة نجد تفاصيل أكثر خطورة فقد ورد فى هذا الكتاب أن عمر بن الخطاب جمع الحطب وهدد بإحراق البيت بمن فيه، فسأله سائل: حتى لو كانت فاطمة بالبيت؟ فأجاب بالإيجاب على حد رواية الكتاب. عندئذ خرج كل من فى البيت وقدم البيعة إلا عليا، واعترضت فاطمة على أساس أن أبا بكر وأنصاره قد تركوا رفاة نبى اللَّه وانشغلت هى وزوجها بتجهيزها للدفن، ثم راحوا يدبرون أمر من يخلف الرسول [ ﷺ ] دون مراعاة لحقوق أهله، وعندما حاول أنصار أبى بكر إجبار على على البيعة شكا لربه ما عاناه من ظلم أبى بكر وعمر له بعد موت رسول اللَّه [ ﷺ ]، وقد رفضت فاطمة السماح لأبى بكر وعمر بدخول بيتها عندما عادا إليها مرة ثانية ولما سمح لهما على بالدخول أشاحت فاطمة بوجهها حتى لا تنظر إليهما. وإذا كان ما ورد فى هذا الكتاب صحيحا فإن فاطمة قد لعبت دورا أساسيا فى هذه الفترة إذ يقال: إنها ركبت حصانا وذهبت مع على للقاء أنصار زوجها الذين قالوا لهما إنهما قد تأخرا فى الوصول فقد بايعوا أبا بكر بالفعل، وقد يكون فى هذه الروايات بعض المبالغة أو بعض التفاصيل الزائدة إلا أنه لابد من

стр. 7606

أصل لها، وهذه الروايات توضح الدور السياسى الوحيد الذى قامت به فاطمة، كما تبين هذه الروايات سر كراهية الشيعة الشديدة لعمر (رضى اللَّه عنه) اعتمادا على سوء معاملته لابنة النبى [ ﷺ ] سواء أكان ما نسب إلى عمر صحيحا أم مدسوسا عليه، وإنما يهمنا فى هذا الضوء أن نقدم الروايات التى تفسر الأحداث (١). مطالبة فاطمة بميراثها من أبيها: بعد موت محمد [ ﷺ ] طلبت فاطمة من أبى بكر (رضى اللَّه عنه) أن يمكنها مما كان يمتلكه أبوها، وليس من الواضح ما إذا كانت هذه الممتلكات تشتمل على ما قدمه المخيرق اليهودى (الذى تحول إلى الإسلام) للرسول [ ﷺ ] فى المدينة من أرض بنى النضير، وربما لم يكن هناك نزاع حول هذه الأرض، إنما كان النزاع حول فدك وحول نصيبها فى أرض خيبر، وقد واجه أبو بكر مطالب فاطمة برفض قاطع مؤكدا أنه سمع النبى [ ﷺ ] يقول: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة) وليس من المعروف ما إذا كانت دعوى الوراثة هذه كانت من فاطمة وحدها أم من فاطمة والعباس، ولم يكن هذا النزاع بين أبى بكر وفاطمة مقبولا -فى أى وقت من الأوقات- من المسلمين، فقيل: إن فاطمة كانت تطالب بفدك لتوزيع ريعها على الفقراء (وتضيف المصادر الشيعية إلى الفقراء الموالى) وقيل إن الرسول [ ﷺ ] كان قد وهب فاطمة "فدك" أثناء حياته، ولم يغفر الشيعة لأبى بكر موقفه من ابنة النبى [ ﷺ ]، وظل الشيعة لعدة قرون يناقشون أحقية فاطمة فى "فدك". مرض فاطمة وموتها: ما لبث المرض أن ألم بفاطمة بعد وفاة أبيها، وتقول بعض المصادر: إنه

стр. 7607

قد تم الصلح بينها وبين أبى بكر فى فترة مرضها فقد طلب زيارتها لعيادتها فى مرضها فوافقت، ولكن معظم المصادر تؤكد أنها ظلت غاضبة منه حتى وافتها منيتها، وثمة رواية تتكرر كثيرا عن اللحظات الأخيرة فى حياتها مؤداها أنها استعدت للموت فغسلت نفسها وكفنت بدنها بعباءات خشنة، وطلبت من أسماء بنت عُميس أرملة جعفر بن أبى طالب التى ساعدتها فى الغسل وفى تكفين نفسها -إن صح التعبير- ألا يكشف أحد عن بدنها بعد موتها، ثم انطرحت فوق سرير نظيف فى وسط الغرفة وراحت تنتظر نهايتها، ولأن فاطمة كانت تشكو من عادة تغطية الموتى بطريقة تكشف عن أشكالهم، فقد جهزت لها أسماء بنت عميس نعشا (تابوتا) مصنوعا على نسق التوابيت الحبشية -من خشب وجريد نخل أخضر، فسعدت فاطمة بهذا التابوت، لكن هذه الصورة التى تظهر فاطمة سعيدة هادئة راضية وهى تستقبل الموت، تتناقض مع روايات أخرى، فوفقا لما ذكره اليعقوبى فإنها وبخت بعنف كل من عادها من زوجات الرسول ونساء قريش، وأوصت أسماء بنت عميس بمنع عائشة (رضى اللَّه عنها) من الدخول، ويقال إن عليا نفسه هو الذى غسلها بعد موتها، ويقال: إنها هى نفسها التى رجته قبل أن تموت أن يؤدى بنفسه هذه المهمة، ومن الصعب أن نتعرف على الصحيح من بين كل هذه الروايات. ولاقت فاطمة ربها فى العام الحادى عشر للهجرة لكن شهر وفاتها غير متفق عليه وإن كان القول الشائع أنها ماتت بعد الرسول بستة أشهر، وكتم خبر موتها وجرى دفنها ليلا، ووفقا لمعظم الروايات فإن أبا بكر وعمر لم يحاطا علما بخبر موتها لكن هناك بعض الروايات تذهب إلى أن أبا بكر صلى صلاة الجنازة عند قبرها، وتجمع معظم المصادر على أنها دفنت فى البقيع، لكن بعض المصادر تذكر أنها دفنت بالقرب من مسجد يقال له مسجد رقية فى زاوية دار عقيل (أخى على)، وذكرت مصادر أخرى أن موضع دفنها غير معروف، وأكد المسعودى فى مروج الذهب أنه كان هناك قبر يحمل كتابة

стр. 7608

تفيد أن فاطمة وثلاثة علويين آخرين قد دفنوا فيه، إلا أن المسعودى هو وحده الذى أشار لذلك، أما المقدسى فقد أدرج قبر فاطمة ضمن القبور التى ليس هناك اتفاق على موضعها، وهناك احتمال أنها دفنت فى الحجرة. والشيعة -الآن- يقدمون التوقير والاحترام لفاطمة (سيدة النساء) فى مواضع ثلاثة: منزلها، ومقبرة البقيع، والروضة فى المسجد النبوى إلى جوار قبر الرسول [ ﷺ ]. صفات فاطمة: كان لفاطمة (رضى اللَّه عنها) كنية غريبة هى (أم أبيها)، والتفسيرات التى دارت حول هذه الكنية تجعلنا نظن أن انتشارها كان بين الشيعة أساسا، ومن الواضح أن هذه الكنية لم تظهر إلا فى المراجع المتأخرة مثل أسد الغابة، وتقول مصادر -الشيعة الإمامى إنها سميت بأم أبيها لأنها علمت عن طريق الوحى أن اسم آخر واحد من سلالتها سيكون اسمه محمَّدا كاسم أبيها، وثمة تفسير آخر سنورده عند الحديث عن أسماء فاطمة. وقد لفت المستشرق ماسينون الأنظار إلى وجود صلة بين عقيدة المسيحيين فى مريم باعتبارها (أم الرب) وعقيدة بعض المسلمين فى فاطمة (أم أبيها) فالكنيتان متناظرتان (١). ومن المؤكد أن فاطمة لم تكن جميلة لأن المصادر سكتت عن منظرها بينما تحدثت عن جمال أختها رقية، واكتفت -أى المصادر- بأن ذكرت أن مشيتها كانت تشبه مشية أبيها (٢).

стр. 7609

ولا يمكن وصفها بأنها امرأة واهنة مريضة كما ذهب لامنس اعتمادا على حديثين (شريفين) لابد أنهما قيلا فى ظروف خاصة، فهناك حقائق أخرى تفيد عكس ما ذكره لامنس فقد كانت ولودا أنجبت خمسا، كما كانت تقوم بأعمال بيتها بنفسها وقامت برحلتين إلى مكة. كل ذلك يشير إلى أنها كانت صحيحة البدن. وتشير كل الوقائع إلى أنها كانت امرأة صبورة دءوبة تعمل بجد وأنها كانت تجد متعة فى مساعدة الآخرين، وكانت تقوم بدور المتحدث بلسان زوجات النبى [ ﷺ ] عندما شكون من تفضيله عائشة عليهن وأدت فاطمة ما طلب منها خاصة أنها لم تكن تميل لعائشة (رضى اللَّه عنها) كثيرا لكن الرسول [ ﷺ ] عندما سألها إن كانت تحب من يحب أجابت بالإيجاب. . . فاطمة فى الأساطير لا توجد دراسات متكاملة عن هذا الموضوع، ومن ثم فقد ألزمنا أنفسنا بالاعتماد على ثلاثة أعمال شيعية باكرة خصص كل منها فصولا لابنة النبى [ ﷺ ]، ومؤلفو هذه الأعمال هم: ١ - ابن رستم الطبرى الذى عاش -وفقا لما ذكره محرر كتابه (دلائل الإمامة) - فى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى). ٢ - الحسين بن عبد الوهاب الذى بدأ فى كتابة كتابه فى سنة ٤٤٨ هـ/ ١٠٥٦ - ١٠٥٧ م، وهو الكتاب الذى اعتمدنا عليه فى نقل بعض القصص عن فاطمة تختلف اختلافا بينا عما ذكرته المصادر الأخرى، وكان كتابه هذا مصدرا من مصادر المجلسى فى كتابه بحار الأنوار، والبحرانى فى كتابه مدينة المعاجز. ٣ - ابن شهراشوب المتوفى سنة ٥٨٨ هـ/ ١١٩٢ م الذى ألف ثلاثة كتب يعتبر كتاب مناقب آل أبى طالب أوفاها وأكثرها تفصيلا. الأساطير المتعلقة بحمل خديجة بها: لم تكن قريشى راضية عن زواج خديجة من محمد [ ﷺ ] الفقير، لكن محمدا [ ﷺ ] أخبر خديجة أن جبريل ﵇ أخبره أنها ستضع ابنة

стр. 7610

طاهرة مباركة وأنها ستنجب الأئمة الذين سيحكمون العالم، وقد تحدثت فاطمة مع أمها خديجة وهى -أى فاطمة- لا تزال فى رحمها، وعندما رفضت نسوة قريش مساعدة خديجة فى الولادة هبطت من الجنة أربع نسوة لمساعدة خديجة وهن سارة وآسيا ومريم وصفوراء ابنة شعيب وزوجة موسى، وحملت عشر حوريات آنية وإبريقا فيهما ماء من نهر الكوثر وهو نهر الجنة وساعدت الحورية الأولى هؤلاء النسوة القادمات من الجنة فغسلن الطفلة الوليدة ولففنها فى قماش معطر من تيل وباركنها وذريتها أيضا، وجعلنها -وذريتها- طاهرة مطهرة، ولاحظت خديجة (رضى اللَّه عنها) التى أرضعتها أنها كانت تنمو فى شهر قدر ما ينمو غيرها من الأطفال فى سنة، ونطقت فاطمة فى المهد إذْ حيت النسوة اللائى أتين لمساعدة أمها بأسمائهن. وغمر السماوات والأرض نورسنى لحظة ميلاد فاطمة، لذا فقد سميت بالزهراء، وبعد ميلاد فاطمة مباشرة اعتنقت فاطمة الإسلام وصدقت بإمامة على ورتلت القرآن، وتنبأت بما سيحدث من أحداث. الأساطير المتعلقة بخطبتها (*): رغب عبد الرحمن بن عوف فى الزواج من فاطمة وقدم مهرا ضخما (مائة بعير محملة بالأقمشة القبطية وعشرة آلاف دينار) فتقدم عثمان بن عفان بمهر له القيمة نفسها وعزز طلبه بقوله إنه أسبق فى الإسلام من عبد الرحمن، وغضب النبى [ ﷺ ] لتنافسهما (عبد الرحمن وعثمان) فى إظهار الثراء فألقى إلى عبد الرحمن بحصى سرعان ما تحول إلى جواهر وأحجار نفيسة، تساوى الجوهرة الواحدة منها ما يعادل كل ثروة عبد الرحمن، ونزل جبريل من السماء ليعلن أنه لا زوج لفاطمة سوى علىّ لأن اللَّه قد أمر الملك رضوان بتزيين الفراديس (جمع فردوس) الأربعة، كما أمر ملكا آخر ببناء منبر من نور.

стр. 7611

الأساطير المتعلقة بزواج على وفاطمة: انتقدت النسوة القرشيات زواج فاطمة من على فهو رجل فقير لكن محمدا [ ﷺ ] كان قد قدر أن تكون فاطمة لعلى لأنه علم من جبريل (أو عن طريق ملك اسمه محمود) أن هذه هى إرادة اللَّه ومشيئته، بل وعلم أن الزواج قد تم بالفعل فى السماء، حيث قام اللَّه سبحانه بدور (ولى) العروس، وقام جبريل بدور الخاطب، وشهد الملائكة على هذا الزواج وكان المهر المقدم لفاطمة هو نصف الأرض (أو خمسها أو ربعها) بالإضافة للجنة وجهنم (ومن هنا فإن فاطمة قادرة على إدخال مؤيدها الجنة والزج بأعدائها فى جهنم). وقد كان مهرها فى الدنيا (على الأرض) حوالى ٥٠٠ درهم فقط حتى لا يغالى الناس فى المهور، وثمة إشارة لنحلة من على تتكون من خمس الأرض وثلثى الفردوس وأربعة أنهار هى: دجلة والفرات والنيل وجيحون، وقد كست شجرة طبا (سدرة المنتهى) بأمر من اللَّه نفسها بالجواهر واللآلئ والأحجار الثمينة والملابس ونثرت كل ذلك بكميات هائلة، وراحت حوريات الجنة يجمعن كل هذا وسيحتفظن به إلى يوم القيامة لأن كل هذه الملابس والجواهر هى نثار فاطمة، ووفقا لبعض الروايات فإن سدرة المنتهى أسقطت من أفرعها رسائل من نور جمعها الملائكة؛ لأنها دلائل أمان مؤيدى العلويين، ولما علم محمد [ ﷺ ] بكل ذلك دعا إليه عمار بن ياسر وسلمان الفارسى والعباس وأخبر عليًا فى حضورهم بإرادة اللَّه، فباع على درعه لدحية. وقد تم الزواج فى السماء قبل أن يتم فى الأرض بأربعين يوما (أو فى ليلة الإسراء). أساطير حفل الزفاف: أثناء حفل الزفاف على الأرض صاح جبريل فى السماء (اللَّه أكبر) فسمعه محمد [ ﷺ ] فصاح بدوره (اللَّه أكبر) وردد الصحابة (اللَّه أكبر) فكان هذا أول تكبير فى الإسلام وبذلك أصبح سنة. وهناك تفسير أكثر غرابة من ذلك للتكبير إذ أركب محمد [ ﷺ ] فاطمة

стр. 7612

على بغلته التى يسحبها سلمان ويحثها الرسول [ ﷺ ] على المسير، وفجأة ظهر اضطراب شديد فى الطريق. . آه لقد حضر جبريل وميكائيل، وكل واحد منهما على رأس سبعين ألف ملك لحضور زفاف فاطمة وعلى وراحوا يرددون مع محمد [ ﷺ ] اللَّه أكبر. أساطير الهدايا: أحضر جبريل لمحمد [ ﷺ ] قرنفلا وسنبلة قمح من الفردوس وقال إن اللَّه قد أمره بتزيين الفردوس ابتهاجا بعرس فاطمة وعلى، وطلب الرسول من على أن ينظر للسماء فرأى عذارى عليهن حلل ثمينة قد جلبن هدايا من السماء. إنهن -أى العذارى- سيكن خدم فاطمة فى الفردوس. ولما عاد عمار جالبا معه العطور التى أمره الرسول [ ﷺ ] بشرائها لفاطمة قالت فاطمة إن الملك رضوان قد أرسل لها من الجنّة عطرا حملته حوريات تحمل كل واحدة منهن فى يدها اليمنى فاكهة، وفى يدها اليسرى بعض الرياحين، وهذه الهدايا مخصصة لأهل البيت وكل من يؤيدهم. وتلقت فاطمة -مثلها فى ذلك مثل مريم التى كان يأتيها الرزق وهى قائمة تصلى فى المحراب- رمانا وعنبا وتفاحا وسفرجلا. . . إلخ، كما أكلت بالإضافة لهذا مالا عين رأت ولا أذن سمعت منذ هبط آدم ومعه حواء على هذه البسيطة. وذات يوم دخل محمد [ ﷺ ] بيت فاطمة وهى قائمة تصلى فرأى خلفها مرجلا يخرج منه بخار فقال لها ما هذا يا فاطمة فقالت: إنه العناية الإلهية، وذات يوم دعا على سلمان لبيته لأن فاطمة تلقت هدايا من السماء تريد أن تشركه فيها، وقد أحضرت حوريات ثلاث هذه الهدايا من السماء وتعزية من اللَّه سبحانه لها لبكائها حزنا على موت أبيها، أما أسماء الحوريات فهى: - ذرّة؛ لأنها خلقت لتكون من نصيب أبى ذر. - مقدادة؛ لأنها خلقت لتكون من نصيب المقداد. - سلمى؛ لأنها خلقت لتكون من نصيب سلمان وكانت الهدية عبارة عن

стр. 7613

طبق من التمر الأبيض المبرد له رائحة عطرة، فطلب سلمان أن يأخذ منه خمسا يستعيض بها عن المسك. لقد كان هذا التمر بلا نوى، وقد خلقه اللَّه لفاطمة بين عرشه (عرش الرحمن) سبب الدعوات التى ترددها فاطمة والتى علمها محمد [ ﷺ ] إياها. وقد رغبت فاطمة فى أن يكون عندها سوار، وطلبت ذلك من ربها فى صلاتها بالليل، فسمعت صوتا غامضا يخبرها أن السوار تحت السجادة. وفى منامها رأت فاطمة قصورا مشيدة لها فى الفردوس ولاحظت أن السوار الذى أعد لها صنع من قائمة واحد من الأسرة فى هذه القصور فأصبح السرير بثلاثة قوائم فقط، وفى اليوم التالى أخبرها الرسول [ ﷺ ] أن آل عبد المطلب لابد لهم أن يهتموا بالآخرة لا بالدنيا، وأمرها أن تضع الخاتم تحت سجادتها كما كان، ورأت فاطمة فى منامها بعد ذلك أن السرير الذى رأته فى منام سابق بقوائم ثلاثة قد أصبح الآن مكتملًا -أى أصبح له أربعة قوائم. وبعد موت النبى [ ﷺ ] تلقت فاطمة من السماء كتابًا له غلاف من الزبرجد وصفحات من لؤلؤ أبيض، وكان الكتاب يضم بين دفتيه أخبار كل ما سيحدث فى العالم حتى يوم القيامة، ولم يكن فيه شئ من القرآن المعروف. وقد لخصت لنا بعض المصادر محتويات هذا الكتاب: أنه يتناول عدد الملائكة والأنبياء. . الخ، وأسماء الأماكن على الأرض وإحصاءات بعدد المؤمنين ومجريات الأحداث فى غضون خمسين ألف عام. . إلخ. وقد نزل هذا الكتاب على فاطمة وهى تصلى فانتظرتها الملائكة حتى أكملت صلاتها ودعاءها ثم سلمّوها هذا الكتاب الذى قرأته فاطمة فخضع لها كل إنس وجان وطير وحيوان وأنبياء وملائكة، وانتقل هذا الكتاب منها لعلى ثم للأئمة واحدًا إثر واحد. أساطير الخصائص الجسدية: لم تعان فاطمة مما تعانى منه النساء من حيض ونفاس، وكان حملها لا يستغرق أكثر من تسع ساعات، وكانت تلد من فخذها الأيسر بينما ولدت مريم من فخذها الأيمن.

стр. 7614

أساطير المعجزات: كان حجر الرَّحى فى بيت فاطمة يدور دون أن يديره أحد، وكان جبريل يهز مهد وليدها، وقدمت زوجة زيد بن حارثة إحدى عباءات فاطمة كرهن ليهودى فشعَّت هذه العباءة نورا فاعتنق هذا اليهودى وثمانون آخرون معه الدين الإسلامى بسبب هذه المعجزة. . . وعندما كانت فاطمة تبكى لموت أبيها واساها جبريل بنفسه، واستمرت المعجزات تُروى منسوبة لفاطمة حتى بعد موتها. أقوال عن فاطمة: يُقال: إن فاطمة ستكون أول من يدخل الجنة بعد قيام الساعة وسيغض كل من حضر طرفه وهى تعبر الصرَّاط تحيطها سبعون حورية وستكون فى الفردوس تحت قبة من نور تركب جملا رائعا قوائمه من زمرّد وعيناه من ياقوت. . الخ ويقود جبريل هذا الجمل إلى عرش الرحمن لتشكو إليه ممن تسببا فى مقتل الحسن والحسين طالبة أن يقتص لها سبحانه، فيقول لها سبحانه: "يا حبيبة يا بنت الحبيب اطلبى ما تشائين فسأهبه لك" فتطلب فاطمة أن يدخل كل من أيدوها الجنّة، وسيكون لفاطمة خاصيّة تختص بها فى الجنة فستكون هى الزوجة الوحيدة لعلى حيث لا ضرة لها بينما سيختار أهل الجنة الآخرون ما يشاءون من حوريات. أسطورة التفاحة السماوية: تعود هذه الأسطورة لما رواه الغلابى المتوفى ٢٩٨ هـ/ ٩١٠ م ومؤداها أن محمدا ﷺ عندما كان يقترب ليحتضن فاطمة دون سواها من أخواتها- قال: إن جبريل كان قد أتاه وقدم له تفاحة من الجنة فلما أكلها استحالت إلى ماء سرى فى عضوه التناسلى فقذف به فى خديجة فحملت بفاطمة، لذا فقد كان الرسول يشم فى فاطمة ريح الجنة. وثمة رواية أخرى مؤداها أن محمدًا [ ﷺ ] أكل هذه التفاحة المقدسة وكذلك تمرا مقدسا أثناء رحلة المعراج. . ثم تستمر الحكاية، وثمة رواية أخرى

стр. 7615

تفسر كنية فاطمة (أم أبيها) وهى أن اللَّه بدأ بخلق نور فاطمة ووضعه فى شجرة فى الجنة التى أشعَّت نور محمد [ ﷺ ] فلما صعد محمد [ ﷺ ] للجنة فى رحلة المعراج أمره اللَّه باقتطاف ثمرة من هذه الشجرة فانتقل إليه نور فاطمة فوضعه فى رحم خديجة فولدت فاطمة، ومن هنا فهى (أم أبيها). أسطورة نور فاطمة: تروى الأسطورة حديثا مكذوبا (موضوعا) عن رسول اللَّه [ ﷺ ] مؤداه أن اللَّه خلق محمدا وعليا من نور، وانتقل نورهما إلى أهل البيت وذريتيهما، ثم من نور محمد [ ﷺ ] وعلى كان نور العرش، ومن نور ذريتهما خلق اللَّه نور الشمس والقمر، وعلم أهل البيت الملائكة كيف يكبرِّون ويهللون ويحمدون (علموهم التكبير والتهليل والتحميد) ثم قال اللَّه: بعزتى وجلالى إننى سأخلق، فخلق نور فاطمة كالمصباح، وبنور فاطمة أضاءت السماوات، لذا سميت فاطمة بالزهراء. وهذه القصة تعتبر ذات أهمية خاصة لأنها تدخل فى بعض عقائد الإسماعيلية. أسماء فاطمة: فطم العود فطمًا أى قطعه وفطم الصبى فهو فطيم أى فصله عن الرضاع، وفطام الصبى فصاله عن أمه (اللسان) وقيل إن فاطمة سميت بهذا الاسم لأنها وذريتها فصلت عن الشر أو أبعدت عن جهنم أو لأنها مبرأة من الشرك. وتورد المصادر الشيعية أسماء فاطمة كالتالى: فاطمة، الصدِّيقة، الرَّاضية، المباركة، المحدَّثة (بتشديد الدال وفتحها) وقد سميت المحدَّثة لأن الملك تحدَّث إليها على نحو ما تحدث لمريم العذراء والزهراء، والطاهرة، والرضية، والراضية، والذكية. ووفقا لمصدر شيعى آخر فإن أسماءها على الأرض هى: فاطم، فاطر، الزهراء، البتول، الحَصَان، الحوراء، السيدة، الصديقة، مريم الكبرى. وقد ذكر ابن بابويا المتوفى سنة ٣٨١ هـ ٩٩١ م ستة عشر

стр. 7616

اسما أرضيا وثلاثة أسماء سماوية لفاطمة، وقد ألحق ابن شهرا شوب بهذه الأسماء قائمة بتسعة وستين اسما آخر، ويلاحظ أن الاسم (فاطر) يعنى الخالق وبصرف النظر عن أنه أتى فى صيغة المذكر فإنه -أى هذا الاسم- يستخدم لتعظيم فاطمة عند الإسماعيلية وبعض المذاهب كالنُّصيرية، واعتبار فاطمة (فاطر) أى خالق يفسر لنا كنية (أم أبيها). الإشارات لفاطمة فى القرآن الكريم فى رأى بعض الشيعة: ولقد استغلت بعض طوائف الشيعة القرآن الكريم لتعظيم فاطمة، ونحن مدينون للمفسرين الشيعة فى الاستدلال على الآيات التى قيل: إنها تشير لعلى وفاطمة، فهم يقولون: إن القرآن الكريم إذا أشار للمرأة بشكل عام ودون ذكر اسمها فالمقصود هى فاطمة. إنه المعنى الباطنى للآية، ومثال ذلك ما ورد فى سورة آل عمران آية ١٩٤ وما بعدها ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾. . فالمقصود بالذكر فى هذه الآيات وفقا للمعنى الباطنى هو (على) والمقصود بالأنثى وفقا للمعنى الباطنى أيضا هو (فاطمة) وذلك فى فترة الهجرة أو فى أثنائها. ويفهم الشيعة الباطنيون أيضًا الآية الثالثة من سورة الليل وما بعدها ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ فهم يرون أن المقصود بخلق الذكر هنا هو خلق على، والمقصود بخلق الأنثى هو خلق فاطمة. لقد أشار القرآن الكريم إلى اثنتى عشرة امرأة دون ذكر أسمائهن، منهن على سبيل المثال حواء وسارة وامرأة فرعون. . إلخ، وعلى هذا النحو قالوا إن القرآن الكريم أشار لفاطمة فى سورة الرحمن آية ١٩ وما بعدها ﴿مَرَجَ

стр. 7617

الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ فالتفسير الباطنى للبحرين هو على وفاطمة فهو بحر العلم وهى بحر النبوة، والبرزخ بينهما الذى تسبب فى عدم بغيهما بعد الخصام هو رسول اللَّه [ ﷺ ] الذى منعهما من التعلق بعرض الدنيا، أما اللؤلؤ والمرجان فالمقصود بهما الحسن والحسين، وكما أن لكل امرأة وردت فى القرآن الكريم خاصية خاصة، فإن فاطمة اختصت بالعصمة بسبب واقعة المباهلة الواردة فى سورة آل عمران آية ٦١ ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾. فاطمة فى التعزية (مناسبات الأحزان) نعرف من خلال نصوص التعزيات التى جمعها إنريكو شيروللى Enrico Cerulli لمكتبة الفاتيكان (قام د. روسى Rossi وأ. بومباتشى Bombeci بنشر كشاف بها). نصوصا مختلفة تدور حول الحياة الأسطورية لفاطمة (فاطمة فى القصائد الشعبية) فى مواقف مختلفة: جهاز عرسها، عملها الشاق، سلب فدك منها، موقف عمر بن الخطاب منها ومن على، زيارة أبى بكر لها فى مرضها الأخير، الرمانة التى وصلتها من الفردوس، وصولها لمعسكر الحسين فى العاشر من محرم، وقيام المذبحة فى اليوم التالى ورؤيتها جسد ابنها مسجى. . وفى مقدمة الكتاب المشار إليه فى بداية هذه الفقرة إشارات لمجموعات فارسية أخرى ذات طابع مأساوى تدور كلها عن حياة فاطمة (رضى اللَّه عنها). فاطمة فى العبادات المعاصرة: كان لتعاطف الشيعة الشديد مع فاطمة أثر فى إقامتهم عدة أعياد ومناسبات دينية مرتبطة بفاطمة، فثمة عيد رسمى بمناسبة المباهلة يعقد فى ٢١ و ٢٤ أو ٢٥ من شهر ذى الحجة، لكن هناك مناسبات أخرى غير رسمية

стр. 7618

يجرى الاحتفال بها كالاحتفال بمولدها فى العشرين من رمضان، وتقديم السم للحسن واستشهاد الحسين. . وثمة أمر جدير بالملاحظة فى عقائد الشيعة وهو أنهم يؤمنون بأن الخمسة (أهل البيت كما عرفناهم آنفا) يحضرون دوما فى المواقف الصعبة التى تمر بالناس ويسمعون دعاءهم. فاطمة فى عقائد الاسماعيلية: دراسة عقائد الاسماعيلية المتعلقة بفاطمة أكثر صعوبة من دراستها بين الشيعة الإمامية لأن عقائد الاسماعيلية تحوطها السرية والغموض كما أنهم -أى الاسماعيلية- ينقسمون إلى فرق مختلفة، ولأن عقائدهم لم تجمع حتى الآن فى دراسة واحدة منهجية. إلا أنه يمكننا استخلاص بعض المعلومات عن عقائدهم من كتابات المستشرق ماسينون ومن كتابات إيفانوف وكوربين. ومن الضرورى أن نبدأ ببعض الملاحظات العامة: - بين الشيعة الإمامية هناك رباط واضح بين فاطمة كحقيقة تاريخية وفاطمة كما وردت فى الأساطير فهم يعتمدون على الأحاديث النبوية سواء الوارد منها فى مجموعاتهم أو فى مجموعات السنة (البخارى، مسلم. . . الخ). أما عند الاسماعيلية فإن الحقيقة التاريخية تكاد تضيع بسبب المبالغات الشديدة فى قوة فاطمة وتأثيرها غير المحدود. وبين الاسماعيلية وبعض المذاهب الإسلامية الشاذة تظهر عقائد أخرى لا نستطيع متابعتها فى مصادر الشيعة الإمامية، كعقيدة الربط بين فاطمة والمسجد الأقصى، والربط بينها وبين أهل الكهف أو بينها وبين صخرة موسى التى انبثق منها الماء، وعقيدة أنها تحمل من أذنها وتلد من سرتها. . الخ - ونجد فى عقائد الاسماعيلية عن فاطمة شبها أكثر وضوحا بالعقائد المسيحية عن مريم، كما أن الاسماعيلية يميلون لتمثيل فاطمة فى أيقونة (تصويرها وهى متوجة فى السماء وعلى رأسها تاج وفى يدها سيف وفى أذنيها قرطان) وصور المسيحيون مريم وهى تحمل طفلها وحول رأسها هالة

стр. 7619

من نور. ومن ثم فهناك تشابه بين نظرة الاسماعيلية لفاطمة، ونظرة المسيحيين لمريم. ورغم أن كتاب (أم الكتاب) وهو الكتاب المقدس لاسماعيلية آسيا الوسطى قد تم نشره وقام إيفانوف Ivanow بدراسته وتحليله سنة ١٩٣٠ م فقد اتضح أن الاسماعيلية الآخرين -فى غالبهم لا يعرفون عنه شيئًا. ومع ذلك فإننا سنذكر شيئا من محتواه هنا فنظرته للخلق لا تختلف كثيرا عما ذكره حسين بن عبد الوهاب الذى أشرنا إليه فى هذا المبحث، ونظرته للَّه أنه (شخص نورانى) وجد قبل الخلق وأن له سمعا وبصرًا وحاسة للشم والتذوق وأداة للحديث (الكلام) وقد تمثلت هذه الحواس فى صور أرضية وأصبحت هى محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين. خاتمة المقال: عند تناولنا فاطمة فى التراث الأسطورى تركنا بعض الفجوات لم نستطع ملأها، لذا فإننا نشير هنا للمنهج الذى يجب اتباعه لإعداد دراسة أكثر تفصيلا فى المستقبل. لابد من جمع كل ما يتعلق بفاطمة فى مجموعات الأحاديث المعتمدة لدى الشيعة (مثل مجموعة الكلينى) وفى كتاب أخبار فاطمة التى جمعها أغا بوزورج فى كتابه الذريعة، وإذا كانت هذه الكتب التى جمعها أغا لم تعد موجودة -أو بعضها- فيمكن جمع ما ورد مقتبسًا منها ومنقولًا عنها من الكتب التى ألفت بعد ذلك. ومن الضرورى جمع ما يتعلق بعقائد الصفويين من كتب المجلس، كما أنه من الضرورى جمع ما يتعلق بعقائد الإسماعيلية. وأخيرًا جمع ما يتعلق بعقائد الفاطميين من القاضى النعمان أو غيره من المؤلفين، ومن الضرورى الرجوع للمطبوعات الفارسية القديمة (طباعة على الحجر) لمعرفة مدى التطور الحادث فى هذه العقائد، ولابد من دراسة الحكايات الصوفية وربطها بالموضوع، ومدى ارتباط عقائد ما قبل الإسلام والعقائد التى كانت سائدة فى البلاد المفتوحة قبل تحولها للإسلام.

стр. 7620

المصادر: (١) ابن هشام، السيرة، جـ ١، القاهرة ١٩٣٧. (٢) ابن سعد: الطبقات، جـ ٨ طبعة ليدن ١٩٠٥، ١٩٤٠. (٣) البلاذرى: الأنساب جزء ١ طبعة محمد حميد اللَّه، القاهرة ١٩٥٩، ص ١٢٥، ٢٦٩، ٣٢٤، ٣٩٠، ٤٠٠، ٤٠٢، ٤٠٣، ٤٠٤، ٤٠٥، ٤١٤، ٤١٥، ٥١٩، ٥٨٣، ٥٨٦. (٤) الطبرى: تاريخ الرسل والملوك، ليدن ١٧٨٩ - ١٩٠١ جزء ١، ص ١١٢٨، ١١٤٠، ١٢٧٢، ١٢٧٣، ١٣٦٧، ١٤٢٦، ١٤٣١، ١٦٢٣، ١٧٥١، ١٨٢٥، ١٨٦٩، ٣٤٧٠، جزء ٣، ص ٢٣٠٢، ٢٤٢٣، ٢٤٣٤، ٢٤٣٦، ٢٤٤٠، ٢٤٦٣. (٥) اليعقوبى: البلدان، ليدن ١٨٩٢. جزء ٢، ص ١٩، ٣٥، ٤٢، ٩١، ١٢٨، ١٤١، ١٤٢. (٦) ابن قتيبة: الإمامة والسياسة طبعة رافعى، القاهرة ١٣٣٢/ ١٩٠٤، ص ٢٠ - ٢٤. كتب الشيعة الإمامية: - الكلينى، محمد بن يعقوب، الكافى فى علم الدين، طهران, ١٣١٣/ ١٨٩٥. - ابن رستم الطبرى: دلائل الإمامة، النجف، ١٣٦٩/ ١٩٤٩. - حسين بن عبد الوهاب: عيون المعجزات، النجف، ١٣٦٩/ ١٩٥٠. - ابن شهرا شوب، مناقب آل أبى طالب، النجف، ١٩٥٦. - محمد باقر مجلسى: بحر الأنوار، طهران ١٣٠٥. - محسن فيض القاشانى: الوافى طهران، ١٣٧٦/ ١٩٥٧ م. فيما يتعلق بالتراتيل الدينية المتعلقة بفاطمة لدى الشيعة الإمامية انظر: - الشيخ عباس الكومى، كليات مفاتيح الجنان، طهران، ١٣١٦. من أعمال الاسماعيلية: - القاضى النعمان، دعائم الإسلام القاهرة، ١٩٥١ م. د. عبد الرحمن الشيخ [ل. فيشيا فاجليرى L. Veccia]

стр. 7621

الفاطميون الفاطميون هم الأسرة الحاكمة فى شمال أفريقيا -وبعد ذلك فى مصر- فى الفترة من ٢٩٧ هـ (٩٠٩ م) حتى ٥٦٧ هـ (١١٧١ م). وخلفاؤهم: - عبيد اللَّه المهدى، من ٢٩٧ هـ إلى ٣٢٢ هـ (٩٠٩ - ٩٣٤ م). - القائم، من ٣٢٢ هـ إلى ٣٣٤ هـ (٩٣٤ - ٩٤٦ م). - المنصور، من ٣٣٤ إلى ٣٤١ هـ (٩٤٦ - ٩٥٣ م). - المعز، من ٣٤١ هـ إلى ٣٦٥ هـ (٩٥٣ - ٩٧٥ م). - العزيز، ٣٦٥ إلى ٣٨٦ هـ (٩٧٥ - ٩٩٦ م). - الحاكم، من ٣٨٦ هـ إلى ٤١١ هـ (٩٩٦ - ١٠٢١ م). - الظاهر، من ٤١١ - ٤٢٧ هـ (١٠٢١ - ١٠٣٦ م) - المستنصر، من ٤٢٧ إلى ٤٨٧ هـ (١٠٣٦ - ١٠٩٤ م). - المستعلى، من ٤٨٧ إلى ٤٩٥ هـ (١٠٩٤ - ١١٠١ م). - الآمر، من ٤٩٥ - ٥٢٥ هـ (١١٠١ - ١١٣٠ م). - الحافظ، من ٥٢٥ إلى ٥٤٤ هـ (١١٣٠ - ١١٤٩ م). - الظافر، من ٥٤٤ إلى ٥٤٩ هـ (١١٤٩ - ١١٥٤ م). - الفائز، من ٥٤٩ إلى ٥٢٥ هـ (١١٥٤ - ١١٦٠ م). - العاضد، من ٥٥٥ إلى ٥٦٧ هـ (١١٦٠ - ١١٧١ م). والفاطميون نسبة إلى فاطمة لأن الخلفاء الفاطميين يُرجعون أصولهم إلى على (كرم اللَّه وجهه) وفاطمة الزهراء ابنة النبى [ ﷺ ] وهناك من يرجعهم إلى فاطمة أخرى هى فاطمة بنت الحسين (رضى اللَّه عنه) التى روت عدة أحاديث عن النبى [ ﷺ ] التى تنبّأت بالمهدى ولعبت دورا فى وضع هذا الاسم، وقد أشار لهذا المستشرق ل. ماسينون L. Massignan فى مقاله فاطمة بنت الحسين، وأصل الفاطميين نشر فى Intern. Orientalisten Kongresses, Munich, ١٩٥٧, P.٣٦٨).

стр. 7622

ولابد أن نذكر أيضا أن أم على كانت هاشمية اسمها فاطمة بنت أسد (انظر ابن حجر، الإصابة، القاهرة، ١٩٢٨ م جـ ٤، ص ٣٨٠) وأن هذا يعتبر بين أهل الحق مرتبطًا بأسطورة متعلقة بسلمان الفارسى الذى لعب دورًا بارزًا فى التراث المتعلق بفاطمة. ووفقا لما ذكره إيفانوف فى مبحثه عن تراث الاسماعيلية المتعلق بظهور الفاطميين (نشر فى بومباى ١٩٤٢ م) فإن اسم الفاطميين كان هو الاسم الذى أطلق على الاسماعيلية فى بداية الأمر، وكان هذا الاسم -فيما يقول الطبرى- قد اتخذه بدو بنى الاصبغ فى بادية الشام تحت زعامة القرمطى الاسماعيلى يحيى بن زكرويه. لكن ماسينون يذكرنا بأن اسم الفاطميين يوجد بالفعل فى أشعار بشّار بن برد فى سياق معين يحمل معنى الانتقاص ويجب تلمس أصول الحركة الفاطمية التى أوصلت الفاطميين إلى السلطة فى شمال أفريقيا بزعامة عبيد اللَّه المهدى فى أصول عقائد الشيعة الاسماعيلية التى تمثل -فى الوقت نفسه أبعادا سياسية وفلسفية ودينية واجتماعية والتى يتوقع معتنقوها ظهور المهدى المنتظر من سلالة النبى [ ﷺ ] من خلال على وفاطمة مرورا بفرع إسماعيل بن جعفر الصادق. نَسَبُ الفَاطميين: يعود الفاطميون بأصولهم إلى إسماعيل ومع هذا فإن أصل الفاطميين ظل حتى اليوم يلفه الغموض، لأنهم ظلوا لفترة لا يعلنون أنسابهم بشكل رسمى، كما أنهم تعمّدوا أن يجعلوا أسماء أئمتهم من محمد بن إسماعيل حتى عبيد اللَّه المهدى مخفيّة فى الفترة التى اتخذوا فيها مبدأ سَتْر الإمام (فترة الأئمة المستورين). وقد أنكر أعداء الفاطميين نسبهم إلى على بن أبى طالب وأعلنوا أنهم أدعياء. بل لقد وصف بعضهم عبيد اللَّه المهدى بأنه ابن يهودى، وفقا للعادة العربية القديمة بخلع أصول يهودية على كل من يكرهونه. أما النسب التقليدى للفاطميين فيقول إن عبيد اللَّه كان ابنا للحسين بن أحمد ابن عبد اللَّه بن محمد بن إسماعيل بن

стр. 7623

جعفر الصادق. أما نسبه كما يقول أعداء الفاطميين فهو عبد اللَّه بن الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد اللَّه ابن ميمون القدَّاح، وأن الاسم الحقيقى لعبيد اللَّه كان سعدا، وأنه لم يتخذ اسم (عبيد اللَّه) أو (عبد اللَّه) إلا فى شمال أفريقيا ومن ثم ادّعى أنه من سلالة علوية وأنه المهدى. ويمكن للقارئ أن يطالع نسب الفاطميين بمختلف أشكاله سواء من وجهة نظر أعداء الفاطميين أو من وجهة نظر الاسماعيلية، وما يُثار حوله من قضايا معقدة لم يصل الباحثون فيها إلى نتائج مرضية -فى الأعمال الآتية: كتابات دى ساسى (١٨٣٨ م)، وبيكر، ودى خويه عن القرامطة وأصول الفاطميين لمامور كما نوقشت مسألة نسب الفاطميين فى أعمال -أكثر حداثة عند: ايفانوف فى ثلاثة أبحاث صدرت عام ١٩٤٠، ١٩٤٢، ١٩٤٦ م على التوالى وبرنارد لويس عن أصول الاسماعيلية. ومن الأعمال التى صدرت حديثا حول هذا الموضوع: - حسين الحمدانى، عن أنساب الخلفاء الفاطميين، القاهرة، ١٩٥٨ م، بالإضافة إلى كتابات مادلونج. وليس فى مقدورنا فى هذا المقال سوى أن نلقى نظرة على القضايا التى ناقشتها هذه الأعمال والصعوبات التى تواجهنا فى دراسة أصل الفاطميين واضعين فى اعتبارنا الاختلافات الكثيرة التى تزخر بها المصادر، وكذلك الاختلافات الشديدة فى وجهات نظر المؤلفين الذين تناولوا هذا الموضوع حتى بين الكتاب الاسماعيليين أنفسهم الذين يجب أن نضع كتاباتهم فى الاعتبار بما فيها من تباين شديد فى المعالجة، فقد تناولت كتبهم هذه المسألة بطريقة بسيطة شعبية أحيانا وبطريقة مُمعنَة فى الغموض موجهة للخاصة منهم أحيانا أخرى، وفى هذا الصدد فإننا نواجه قليلًا من الصعوبات، ففى المصادر الإسماعيلية نجد أن سلسلة الأئمة قبل عبيْد اللَّه ليست دائما واحدة إذ يوجد خلاف فى أسمائهم كما بين ذلك ايفانوف، وحتى اسم والد عبيد اللَّه غير متفق عليه بين هذه المصادر فثمة رواية واحدة تذكر أنه عبيد اللَّه بن أحمد وليس عبيد اللَّه بن حسين، بل إن عبيد اللَّه يظهر أحيانا باعتباره هو على بن

стр. 7624

الحسين، لكننا نجد -من ناحية أخرى- أن عليا بن الحسين الذى يعتبر هو الإمام الرابع المستور لا يظهر فى قوائم الأئمة التى ذكرناها آنفا. فهل كان حسين، والد عبيد اللَّه إماما معتمدًا فى سلسلة الأئمة، أم كان الإمام لا يعدو كونه محمد بن أحمد عم عبيد اللَّه؟ ففى تلك الحال لا يكون العم قادرا على توريث الإمامة (أو نقلها) لعبيد اللَّه لأن الإمامة -وفقا لأصول عقائدهم- لا تنتقل إلّا من الأب لابنه فيما عدا حالة الحسن والحسين، كما أن محمد بن أحمد الآنف ذكره يسمّى أيضا بأبى على الحاكم وكنيته أبو الشَّلَغْلَغْ أو أبو الشَّلعْلَعْ كما يسمى سَعِيد الخيْر، وتقدمه المصادر باعتباره أيضا والدًا لعبيْد اللَّه، وإذا كان عبيد اللَّه يسمّى أيضا سعيدا، فإنه يتضح لنا كيف أن هذه الأسماء المختلفة تعد مصدرا هائلًا للاضطراب الذى يشكل عائقا بين الباحث وبين الوصول للحقيقة (راجع فى ذلك مادلونج وايفانوف وداى ساسى ودى خويه). بل إن عبيد اللَّه نفسه قد قدم لنا نسبه بصورة مغايرة لما قدمه التراث المتعلق بأنساب الفاطميين والذى ذكرناه آنفا. ففى خطاب أرسله إلى الاسماعيليين فى اليمن ذكر أنه ليس من سلالة إسماعيل بن جعفر وإنما من سلالة ابن آخر لجعفر هو عبد اللَّه. بل ويقرر أبو محسن (وهو شريف لا مَنَاص من معاداته للفاطميين) أن مبعوث حمدان قرمط ذكر أن عبيدْ اللَّه من سلالة ميمون بن القِّداح. وثمة أمر آخر غير مؤكد فيما يتعلق بعلاقة القرابة بين عبيد اللَّه والخليفة الفاطمى الثانى محمد أبى القاسم القائم بأمر اللَّه، فمصطلح "القائم" يعنى وفقا للتراث الفاطمى "المهدى المنتظر" الذى يتحتم أن يحمل اسم الرسول [ ﷺ ] ونعنى به محمدا، فمصطلح "المهدى" يعنى "القائم" والكلمتان تستخدمان لتحمل إحداهما محل الأخرى. حقيقة إن عبيد اللَّه اتخذ لقب "المهدى" لكن أكان حقا -فى قرارة نفسه- يعتبر نفسه المهدى المنتظر، مع أنه يفتقد الشروط المطلوبة؟ فقد يكون القائم ليس ابنا لعبيد اللَّه مع أن هذا الأخير كان يعتبره -من الناحية الرسمية- ابنا له. ووفقًا لما ذكره خطاب بن الحسن من رجال القرن

стр. 7625

السادس للهجرة (الثانى عشر للميلاد) فى كتابه (غاية الموالد) فإنه -أى القائم- كان ابنا للإمام الرابع المستور على المذكور آنفا كما يقول ايفانوف ومادلونج وقد كان تصرف عبيد اللَّه إزاء القائم عند دخول رقادة يشير إلى أنه يعتبره المهدى المنتظر فقد عامله بتوقير شديد ورفع مقامه عن مقامه هو شخصيا. وتثور شكوك أخرى مشابهة حول تفاصيل متعلقة بشخصية القائم (انظر: سيرة جعفر الحاجب، ص ٣٠٤). وعلى أية ح حال فإننا نجد صعوبة فى الوصول إلى حقيقة واضحة محدَّدة فى هذا الموضوع. وثمة صعوبة أخرى نشأت عن التناقض بين النَّسب الرسمى، والنسب الذى يربط الفاطميين بميمون القدَّاح، فحتى فى عهد المُعِز الخليفة الفاطمى الرَّابع جرت محاولة فى بعض الدوائر الاسماعيلية لربط سلسلتى النسب بعضهما ببعض باعتبار عبد اللَّه بن ميمون القدّاح هو نفسه عبد اللَّه بن محمد بن إسماعيل بن جعفر، وقد اعتبر هؤلاء هراطقة لأنهم أدخلوا فى السلالة الفاطمية عناصر غير علوية (انظر ايفانوف فى مجلة P. ١٤٠. S. M. Stern, Heterodox Ismailism BSOAS، مجلد ١٧، سنه ١٩٥٥، ص ١٢ وما بعدها) وقد قام برنارد لويس بحل هذا التناقض الظاهرى اعتمادا على النظرة الروحية (أو التفسير الباطنى) وذلك استنادا إلى براهين استقاها من كتابات الدروز والاسماعيلية وبين كيف أنه من الممكن اعتبار القدَّاحين أئمة فاطميين. فبين الاسماعيلية هناك نوعان من النسب: النسب الظاهر، والنَّسب الباطن (ويمكننا أن نستدعى للذاكرة هنا ما ذكره عبيد اللَّه فى خطابه لاسماعيلية اليمن من أن عمه محمد بن أحمد مدرج بين الأئمة)، وأنه هو نفسه كان يدعى عبد اللَّه بن محمد لأنه كان (فى الباطن) ابنا لمحمد بن أحمد هذا الذى نقل الإمامة إليه (انظر ما ذكره حسين همدانى ومادلونج). وبصرف النظر عن أن الأئمة الحقيقيين ينحدرون من نسل على وفاطمة ويسمّون بالمُسْتَقَرين (بضم الميم وتسكين السين وفتح التاء

стр. 7626

والقاف) وتعنى الأئمة الدائمين، فإن هناك -كما يقول لويس- أئمة من نوع آخر يعرف الواحد منهم بالمُسْتَوْدَع (بضم الميم وتسكين السين) والمقصود بهم الأئمة الذين يحمون الإمامة ويسترونها وهؤلاء الأئمة "المستودعون" يعملون بحق التفويض مما يسمح لهم بالدخول ضمن الأئمة الحقيقين (المستقرين). فميمون القدَّاح الذى كان قد تولى عن جعفر الصادق أمر العناية بحفيده محمد بن إسماعيل قال إن ابنه عبد اللَّه هو ابن من الباطن (ابن روحى) لمحمد بن إسماعيل وبالتالى فهو يرث منه الإمامة. وعلى هذا فإن ذرية الأئمة القداحين (الذين هم من سلالة القدَّاح) قد وجدوا جنبا إلى جنب مع سلالة الأئمة العلويين (الذين هم من نسل على وفاطمة) وكان آخر إمام من القدَّاحين هو عبيد اللَّه سعيد وهو إمام (مستودع) للإمام القائم الذى هو الإمام العلوى (المستَقَر) وعلى هذا ففى شخص القائم عادت الإمامة للأسرة العلوية. وبالنسبة لكل القضايا التى لم نستطع معالجتها هنا يمكن الرجوع للدراسة المفصّلة والموثقة التى أعدها مادلونج Madelung عن الإمامة فى عقائد الاسماعيلية الباكرة والتى سنعود إليها عند مناقشة السياسة الدينية للفاطميين. ومن وجهة النظر التاريخية والتى تهمنا بشكل مباشر فى هذه المسألة عن نسب الفاطميين، نجد أن العباسيين -وهذا طبيعى- ينكرون الأصل العلوى لمنافسيهم الفاطميين لما يمنحه لهم هذا الانتساب من مكانه رفيعة، وقد كشف لنا الصولى أنه فى بغداد -على أيامه- كان يقال إن سيّد المغرب ينحدر من نسل عتيق صاحب شرطة زياد بن أبيه، ومع ذلك لم تظهر إلّا فى فترة لاحقة وثيقتان رسميتان وقعهما قضاة وعلويون، أما إحدى الوثيقتين فيرجع تاريخها إلى سنة ٤٠٢ هـ/ ١٠١١ م والأخرى إلى سنة ٤٤٤ هـ/ ١٠٥٢ م وهما تنكران أنهم كانوا من أصول علوية (انظر: ابن الجوزى، المنتظم، جـ ٧، ص ٢٥٥، ابن الأثير، حوادث ٤٠٢ و ٤٤٤, ابن خلدون، ترجمة دى سلين جـ ١، ٣٩، والمقريزى، ألفاظ الحنفا، القاهرة، ٥٨ وما بعدها، أبو المحاسن، القاهرة، جـ ٤، ص ٢٢٩, جـ ٥، ص ٥٣).

стр. 7627

ولا يميل المؤرخون السنة بشكل عام للفاطميين، فلا نكاد نجد بينهم -فيما عدا المقريزى وابن خلدون- من يقر بصحّة نسبهم العلوى. وأكثر من هذا، فإن الحجة التى ساقها كل من المقريزى وابن خلدون هى أن عبيد اللَّه ما كان ليتعرض لمضايقة العباسيين إذا لم يكونوا مقتنعين بأن نسب الفاطميين العلوى لا يلقى قبولا، وسواء كان الفاطميون ينتسبون لعلى أم لا فإنهم قدموا أفكارا كانت تهدد السلطة العباسية التى كان لابد لها من أن تتعرض لهم بالمواجهة. وبينما يشير مؤيدو الفاطميين لهم بالدولة العلوية، نجد أن المؤرخين السنة يشيرون إليهم باسم العُبَيْديين والدولة العبْيدية ويسميهم ابن حماد باسم ملوك بنى عُبَيْد، ويحدثنا أبو المحاسن عن المُعز العبيْدى. . . وهكذا. تأسيس الدَّولة: وأيًّا مِنْ كان عبيد اللَّه سعيد هذا فقد وضع أسس الدولة الفاطمية فى الشمال الأفريقى. وقد عاش عبيد اللَّه فى سلمية (بالشام) التى كانت مركزا للدعوة الإسماعيلية ومهَد الدعاة الطريق له. وكان ابن حَوْشب منصور داعية اليمن الذى مكن لنفسه فيها قد أرسل دعاة إلى شمال أفريقيا، كان آخرهم وأهمهم هو أبو عبد اللَّه الشيعى. وعندما قرر عبيْد اللَّه أن يغادر سلمية -سواء كان ذلك هربا من مطاردة العباسيين له أو نتيجة مؤامرة غامضة حيكت له فى داخل الحركة الإسماعيلية ذاتها (حركة الإخوة القرامطة الثلاثة كما ذكرها إيفانوف) كان عليه أن يتجه إلى اليمن أو إلى شمال أفريقيا حيث كان الداعية أبو عبد اللَّه الشيعى يعمل بنشاط ونجاح بين قبيلة كتامة البربرية منذ سنة ٢٨٠ هـ/ ٨٩٣ هـ. وتحرك عبيد اللَّه فى البداية إلى الرَّملة فى فلسطين ومنها إلى مصر التى ربما يكون قد وصلها فى سنة ٢٩١ هـ/ ٩٣٠ م، وعندما تعرض لمضايقات الوالى العباسى توقع أتباعه أن يتخذ طريقه لليمن لكنه قرر أن يذهب للشمال الأفريقى حيث شغل أبو عبد اللَّه الشيعى بإضعاف الحكم

стр. 7628

الأغلبى فتوجه إلى سجلماسة التى امره أميرها بأن يكون رهينة البيت إن لم يكن قد سجنه فعلا، واستطاع أبو عبد اللَّه الشيعى أن يجعل من نفسه سيدا للحاضرة الأغلبية رقادة وأن يطرد زيادة اللَّه فى رجب سنة ٢٩٦ هـ (مارس ٩٠٩ م) وأقبل بعد ذلك ليبحث عن عبيد اللَّه ويصحبه فى موكب النصر ٢٩ ربيع الثانى ٢٩٧ هـ/ ١٥ يناير ٩١٠ م فى رقادة حيث أعلن رسميا أنه المهدى وانه أمير المؤمنين (بالإضافة لكتابات المؤرخين انظر سيرة جعفر الحاجب أحد المؤمنين بمهدية أبى عبيد اللَّه). الفترة الأفريقية للخلافة الفاطمية: مارس الخلفاء الفاطميون الأربعة الأول سلطانهم فى شمال افريقيا وهم عبيد اللَّه المهدى والقائم والمنصور والمعز، وهذا الأخير ظلَّ فى شمال أفريقيا حتى سنة ٣٦٢ هـ/ ٩٧٣ م حيث غادرها إلى مصر التى كان قائده جوهر قد فتحها. وقد واجه الفاطميون خلال فترتهم الأفريقية كثيرا من الصعاب، ففى شمال أفريقيا نجح الفاطميون فى إحداث شقاق بين السنّة الذين اعتنق غالبهم مذهب الإمام مالك وبين الخوارج الذين كانوا إما اباضية أو صفرية. وكان فى المغرب مجموعتان بربريتان تصارع كل منهما الأخرى هى زناتة فى الغرب، وصنهاجة (التى تضم كتامة) فى الشرق، وقد كان وجود هاتين المجموعتين المتنافستين عاملًا آخر من عوامل عدم الاستقرار. كما أدى وجود دولتين (أسرتين حاكمتين) من اصول مشرقية فى الوسط والغرب وهما دولة الرُّستميين الخوارج وحاضرتهم تاهرت، ودولة العلويين الأدارسة وحاضرتهم فاس -إلى استحالة محافظة الدولة الفاطمية على استقلالها. وكان أمويو الأندلس يمتلكون أجزاء من المغب أقرب ما تكون إلى شبه جزيرة أيبيريا. وأخيرا، فإننا إذا علمنا أنه منذ البداية كان سادة أفريقيا الجدد يضعون فى اعتبارهم أنها مجرد قاعدة للانطلاق شرقا للقضاء على الخلافة العباسية وأن إتمام هذا العمل كان يفرض عليهم إعداد جيش قوى ثم أسطول، وأنه -بالإضافة لهذا- كان

стр. 7629

عليهم أن يتدخلوا فى أمور صقلية -اتضح لنا أن التحديات التى كان على الفاطميين مواجهتها قد أصبحت الآن واضحة ظاهرة. ورغبة من الخلفاء الفاطميين فى حلّ كل المشاكل التى فرضها الواقع عليهم لم يكن أمامهم سوى الاعتماد على عدد محدود من المؤيدين بصرف النظر عن قبيلة كتامة التى لم تكن سهلة القياد فى بعض الأحيان، بالإضافة إلى مهارتهم السياسية ونشاطهم. ولقد نجح الخلفاء الفاطميون فعلا فى ظل هذه الظروف، وكان هذا أمرًا يدعو للعجب. ولم يقُم عبيد اللَّه من ناحية بإطالة أمد الصراع مع داعيته أبى عبد اللَّه الشيعى الذى نقم على عبيد اللَّه سواء لشكّه فى أنه المهدى المنتظر أو لأن عبيد اللَّه قد حجّم من سلطته، فقد قام عبيد اللَّه باغتيال عبد اللَّه وأخيه وأدى هذا إلى ثورة كتامة فنصَّبت طفلًا كمهدى جديد، فقمع عبيد اللَّه الثورة بقسوة وأريقت دماء كثيرة، وبعد ذلك ثارت نزاعات داخل الأسرة الفاطمية ذاتها فى عَهْدَى المنصور والمعز أشير إليها فى (سيرة الأستاذ جوهر) وقد ترجم هذا العمل. كانارد (ص ١٩، ٩١ وما بعدها، ١٤٧، ١٥٠, ١٨١) كما كان إلغاء تولية تميم، ابن المعز ولاية العهد منسجما مع هذا (انظر ترجمة كانارد الآنف ذكرها ص ٢١٣، ٣٣٩, ٤٦٧) وبالإضافة إلى أنه كان من الضرورى مقاومة الآراء المتطرفة التى ظهرت فى المعتقد الفاطمى، وسنتناول هذا فى الفقرات التالية. لقد كان على الفاطميين أن يواجهوا فى الشمال الأفريقى معارضة دينية وسياسية دينية من كل من السّنة والخوارج. ولقد شرح المعارضة السنية المالكية شرحا جيدا الباحث ج. مارسيه فى كتابه: La Berberie musulmane et L'orient au Moyen Age Paris, ١٩٤٦ فى الفصل الذى جعل له عنوانا (أسباب الفراق Les Causes du divovce) فرغم أنه اعتمد على مصادر سنّية إلّا أنه قدّم صورة واضحة لحجج هذه المعارضة التى كان الفاطميون يخمدونها أحيانا بالرشاوى، ويقدم لنا محمد بن شنب فى مبحثه Classes des Savants de L'Ifrikiya قصصا شائقة لمناظرات

стр. 7630

دينية بين الفقهاء وأخى الداعية. وعلى أية حال فإن هذه المعارضة لم تسَّبب إزعاجا جادا للسلطات إلّا عندما تحالفت القيروان -رغم أن أهلها يتمسكون تمسكًا شديدًا بالسنّة- تحالفا مؤقتا مع أبى يزيد الخارجى. حقيقة إن المعارضة من جانب الخوارج قد اتخذت شكلًا خطيرا بثورة أبى اليزيد هذا الذى استولى على عدّة مدن مهمة وفرض حصارا على المهدية لمدة عام ولم تلحقه الهزيمة حتى سنة ٣٣٦ هـ/ ٩٤٧ م. وقد استنفدت هذه الثورة التى بدأت سنة ٣٣٢ هـ/ ٩٤٣ - ٩٤٤ م جهود الخليفة الفاطمى القائم فلجأ إلى سوس تخلصًا من متاعب الحرب، ولم تنته هذه الثورة إلّا فى زمن الخليفة المنصور. وكان أبو يزيد الخارجى يلقى الدَّعْم من الحاكم الأموى فى قرطبة مما مكنه من وضع الفاطميين على شفا الهاوية. وكانت قبيلة زناتة فى الغرب مصدرا آخر للمتاعب فقد كان أبو عبد اللَّه الشيعى قد طرد الرستميين الخوارج من تاهرت لكن الثورة اشتعلت واستطاع مصالة بن حبوس أن يستعيدها فى ٢٩٩ هـ/ ٩١١ م، كما استولى مصالة بن حبوس على فاس سنة ٣٠٨ هـ/ ٩٢٠ م ثم سجلماسة سنة ٣٠٩ هـ/ ٩٢١ م. وبعد موت مصالة أخضع خليفته موسى بن أبى العافية بلاد المغرب واستولى على فاس من الأدارسة لكن الأمر انتهى باستسلامه للأمير الأموى فى سنة ٣٢٠ هـ/ ٩٣٢ م. وعلى النحو نفسه تصرَّف الخليفة الفاطمى القائم الذى كان بالفعل يدير المعارك فى المغرب أثناء حياة والده، وأسَّس مدينة مصالة الحصينة (المحمدية) فى الزاب -إذ وجد نفسه مضطرًا بعد توليه الحكم لإرسال حملة لإعادة فتح فاس وكل المناطق الغربية فى بلاد المغرب والاستيلاء عليها من ابن أبى العافية، وكذلك تاهرت. وأعاد الخليفة القائم تنظيم الأدارسة فى المناطق التى كانوا يحكمونها لكنهم -أى الأدارسة- قد أصبحوا الآن تحت حكم الفاطميين. وقد استطاع الخليفة المعتز بحكمته وتصرفه الحذر الحصيف ومهارة قائده جوهر أن يخضع كل المغرب ويفرض السلام

стр. 7631

حتى المحيط الأطلنطى نتيجة معركة عظيمة قادها جوهر. كما واجه المعتز هجوما بحريا شنته قوات عبد الرحمن الثالث الأموى سنة ٣٤٤ هـ/ ٩٥٥ م. وكان الخليفة عبيد اللَّه المهدى قد أسس مدينة المهديّة على ساحل أفريقيّة (تونس) الشرقى لتكون نافذة يُطل منها بلاد المشرق، وفى سنة ٣٠٨ هـ/ ٩٣٠ م جعل منها عاصمة لخلافته. وبعد سنوات قليلة من توليه السلطة حاول أن يقوّى مركزه فى مصر لكن الحملتين اللتين أرسلهمما بقيادة ابنه القائم سنة ٣٠١ - ٣٠٢ هـ/ ٩١٣ - ٩١٥ م و ٣٠٧ - ٣٠٩ هـ/ ٩١٩ - ٩٢١ م باءتا بالفشل رغم ما حققتاه من نجاح مبدئى فقد وصل فى الحملة الأولى إلى بوّابات الفسطاط وفى الثانية إلى الفيوم وقد تحطم الأسطول الفاطمى فى الحملة الثانية، وعلى أية حال فإن برقة ظلت بعد الحملة الثانية فى أيدى الفاطميين، وقد حاول الخليفة القائم بعد توليه الاستيلاء على مصر سنة ٣٢٣ هـ/ ٩٢٥ م لكن الفاطميين فشلوا للمرَّة الثالثة. ولم يقدم قرامطة البحرين للفاطميين أية مساعدة فى كل حملاتهم العسكرية للك وهذا يناقض رأى دى خويه (انظر فى هذا الموضوع: بحث مادلونج عن الفاطميين وقرامطة البحرين وما بعدها، حيث ينكر وجود تعاون فاطمى قرمطى مؤكدا ذلك بالخطاب الذى أرسله عبيد اللَّه إلى أبى طاهر بعد استيلاء القرامطة على الحجر الأسود (انظر أيضا فى حوليات التاريخ الإسلامى تحت سنة ٣١٧ هـ, فليس هناك دليل على تحالف فاطمى قرمطى). ولم تكن السلطة الفاطمية الجديدة التى حلت محل الأغالبة بقادرة على تجاهل صقلية أو النظر إليها بعدم اكتراث. لكن واليَيْن فاطميّين متعاقبين اضطرا لترك صقلية لرفض أهل الجزيرة لهما، وقام الصقليون باختيار ابن قُرْهب الذى أعلن ولاءه للخليف العباسى وأرسل -مرتين- أساطيله لمهاجمة أفريقية (تونس) فلاقى فى المرة الثانية هزيمة ساحقة، وأخيرا تخلّص الصقليون من ابن قرهب بتسليمه لعبيد اللَّه الذى أمر بقتله سنة

стр. 7632

٣٠٤ هـ/ ٩١٤ م، وبعد ذلك -فقط- استطاع الوالى الذى أرسله الفاطميون للجزيرة أن يُحكم قبضته عليها، لكن صقلية عانت من الاضطرابات فى زمن لاحق، ففى سنة ٣٣٦ هـ/ ٩٤٨ م أرسل المنصور الحسن بن على بن الكلبى واليا على صقلية فاحتكرت أسرته بعده هذا المنصب وشيئا فشيئا بدأت الأمور فى الجزيرة تتجه نحو الحكم الذاتى وكان من الطبيعى أن يخوض الخلفاء الفاطميون حروبا ضد البيزنطيين الذين كانوا مستقرين فى صقلية وأن يتبادلوا السفارات معهم. فلقد أرسل الفاطميون من أفريقية أكثر من مرة أساطيلهم لمحاربة البيزنطيين فى إيطاليا وصقلية، وفى خلافة عبيد اللَّه فى تاريخ لم تؤكده المصادر (بين سنتى ٩١٤ و ٩١٨ م) عقد الإمبراطور البيزنطى معاهدة مع حاكم صقلية تعهد بمقتضاها أن يدفع جزية سنوية مقدارها ٢٢.٠٠٠ قطعة ذهب وبعد ذلك بعدة أعوام قرر الخليفة تخفيض المبلغ إلى ١١.٠٠٠ كرد جميل للامبراطور رومانوس ليكابينوس لإطلاقه سراح المبعوثين الفاطميين إلى بلاط ملك البرتغال وكانت سفينتهم قد أسرت وهم فى الطريق لأداء مهمتهم وبصحبتهم مبعوثون بلغاريون كان ملك البلغار قد أرسلهم إلى أفريقية ليقترحوا على الفاطميين عقد تحالف بينهما (بين الفاطميين والبلغار) ضد البيزنطيين. وبسبب كشف المخطط بعد وقوع المبعوثين فى الأسر فشل التحالف البلغارى الفاطمى المقترح ضد البيزنطيين. وفى حوالى هذا الوقت تقريبًا أرسل الفاطميون حملة ضد جنوة وكورسيكا وسَرْدينيا. وأثناء حكم الخليفة القائم حاول الإمبراطور البيزنطى دعم ثوار جيرجنتى Girgenti وتلقى المنصور وهو فى أوج نضاله ضد أبى يزيد فى سنة ٣٣٥ هـ/ ٩٤٦ م مبعوثين بيزنطيين أتوا لتقدير الموقف بأنفسهم. وفى عهد المُعز وأثناء النزاع مع الأمويين، طلب الخليفة الأموى المساعدة من الإمبراطور البيزنطى ضد الخليفة الفاطمى واستجاب الإمبراطور لطلبه إلّا أنه اقترح على المعز سحب مساعدته للأمويين إذا رغب فى عقد هدنة طويلة معه -أى الإمبراطور البيزنطى، إلا أن

стр. 7633

المعز رفض ذلك، وأرسل فى سنة ٣٤٥ هـ/ ٩٥٦ - ٩٥٧ م أسطولًا بقيادة عَمّار الكلبى وجوهر هاجم الأراضى البيزنطية وأنزل قوّات فى إيطاليا، لكن عاصفة شديدة شتَّتت الأسطول فى رحلة العودة. وفى سنة ٣٤٦ هـ/ ٩٥٧ - ٩٥٨ م وصل مبعوث بيزنطى لدفع الجزية وطلب عقد هدنة لمدة خمس سنوات وحصل على الهدنة بالفعل، إلّا أن الفاطميين فى عهد المعز قد خرقوا هذه الهدنة عندما لجأ إليه أهل كريت لمساعدتهم ضد البيزنطيين، وكانت مساعدات المعز لأهل كريت -حتى لو وصلت- غير مجدية وقد كتب شتيرن عن سفارة ٣٤٦ هـ والأحداث المتعلقة بها وبعد ذلك بعدة سنوات فى عهد نقفور فوكاس Phocas الذى رفض أن يستمر فى دفع الجزية وواصل أعماله العدائية ضد صقلية، واستطاع الأسطول والجيش الفاطميين إنزال الهزيمة بالقوات البيزنطية فى بداية سنة ٩٦٥ م (فى معركة رامتا Rametta ومعركة المضايق) وتوصل الطرفان إلى اتفاق سلام سنة ٣٥٦ هـ/ ٩٦٧ م ومما ساعد على تساهل الفاطميين فى إبرام هذه المعاهدة أن المُعِز كان مشغولًا بالإعداد لحملته على مصر. فتح مصر: أدى النجاح الذى حققه المعز فى شمال أفريقيا إلى العمل على تنفيذ سياسته بالتوجه شرقا بأن يأخذ على عاتقه فتح مصر، تلك المهمة التى لم يستطع تنفيذها كل من عبيد اللَّه والقائم، وتم التخطيط للفتح بعناية سواء من الجوانب العملية أو من الجوانب الدعائية التى استخدمت الأبعاد النفسية بمهارة (انظر: G. Weit: L'Egypte arabe vol. Iv , M. Canard: L'impend lisme des Fatimides et Leur Propagande, in AIEO Alger, Iv, ١٦٧ f). وبثتها فى بلد (مصر) كانت تعانى من اضطراب أحوالها الداخلية وقد أنهكتها المجاعة ففتحها جوهر بدون صعوبات تذكر ودخل الفسطاط فى ١٢ شعبان سنة ٥٣٨ هـ/ أول يوليو ٩٦٩ م وبذلك أصبحت مصر بلدًا شيعيا

стр. 7634

لمدة قرنين أو على الأقل تشيعت بشكل ظاهرى، وحذف جوهر اسم الخليفة العباسى من خطبة الجمعة وأدخل بالتدريج صيغا جديدة تنطوى على عقائد شيعية. وركز جهوده منذ البداية فى اتخاذ إجراءات للتخلص من المجاعة واستعادة النظام وتصرف مع أهل البلاد بكرم وسخاء وأنشا مدينة جديدة هى القاهرة لإسكان عسكره ووضع حجر الأساس للجامع الأزهر فى ٢٤ جمادى الأولى سنة ٣٥٩ هـ/ ٤ إبريل ٩٧٠ م. الفاطميون فى مصر: بعد أن استقر الفاطميون فى مصر عملوا على مذ سلطانهم للمناطق التى كانت تابعة للدولة الإخشيدية فتم إلحاق مكة والمدينة بالفعل سنة ٣٥٩ هـ/ ٩٧٠ م. وكان الأمر بالنسبة لضم الشام أكثر صعوبة إذ إن الحاكم الإخشيدى كان قد عقد حلفًا مع قرامطة البحرين الذين كانوا يلقون بدورهم دعما من البويهيين فى بغداد إلا أن جعفر الفالح مساعد القائد جوهر كان قادرا على محاصرة دمشق غير أنه قتل فى معركة ضد القائد القرمطى الحسن الأعصم فى آخر سنة ٣٦٠ هـ/ أغسطس ٩٧١ م واتجه القرامطة إلى مصر إلّا أن جوهر ألجأهم إلى الفرار فى آخر سنة ٣٦١ هـ/ ديسمبر ٩٧١ م واستولى جوهر على جانب من فلسطين وعاد القرامطة بقيادة الحسن الأعصم ليهاجموا القاهرة سنة ٣٦٣ هـ (بداية سنة ٩٧٤ م) وكان المعز موجودا فعلًا بالقاهرة فنثر الذهب للأعراب مما جعلهم ينفضون عن مساعدة الحسن الأعصم، وبعد ذلك أعاد الفاطميون فتح دمشق التى وقعت بعد فترة قصيرة فى يد ألبتكين التركى فاستعادها العزيز سنة ٣٦٨ هـ/ ٩٧٨ م لكنه كان مضطرًا للدفع للقرامطة الذين ساعدوا ألبتكين كى ينسحبوا، وتوالت الجهود الفاطمية حتى تم الاعتراف بسلطانهم من المحيط الأطلنطى حتى البحر الأحمر والحجاز واليمن بل وامتد حتى الموصل لكنهم فشلوا فى التفاهم مع آل بويه فى بغداد مع أنهم شيعة. وشهد القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى اضطرابات فى

стр. 7635

سوريا وفلسطين، وحاول القائد الأرمنى بدر الجمالى عبثا أن يحتفظ بسلطة الفاطميين فى دمشق لكن باءت جهوده بالفشل سنة ٤٥٥ - ٤٥٦ هـ (١٠٦٣ - ١٠٦٤ م) ومرة أخرى سنة سنة ٤٥٨ - ٤٦٠ هـ (١٠٦٦ - ١٠٦٨ م)، واحترق المسجد الأموى سنة ٤٦١ هـ/ ١٠٦٩ م أثناء نزاع عسكرى بين عناصر مغربية وأخرى مشرقية فى الجيش. وفى سنة ٤٦٨ هـ/ ١٠٧٦ م احتل دمشق القائد الفاطمى المنشق التركمانى أتسيز بل هدد القاهرة ذاتها سنة ٤٦٩ هـ/ ١٠٧٧ م، وابتداء من سنة (٤٧١ هـ/ ١٠٧٩ م كان لدمشق أمير سلجوقى، وفى سنة ٤٦٣ هـ/ ١٠٧١ م استولى أتسيز على القدس التى انتقلت بعد ذلك إلى سقمان ابن أرتق، ولم يبق فى يد الفاطميين من فلسطين سوى عسقلان التى احتلها الصليبيون سنة ٥٤٨ هـ/ ١١٥٣ م -وعدد قليل من مدن الساحل، ولم تنجح أى محاولة من محاولات بدر الجمالى لإعادة الشام لحوزة الفاطميين. العلاقات مع صقلية وشمال أفريقيا: أما عن العلاقة مع الشمال الأفريقى فإن الروابط كانت قد بدأت بالفعل فى التفكك فى عهد العزيز، وكان يحكمه منصور بن بلكين فى الفترة من ٣٧٣ - ٣٨٦ هـ/ ٩٨٤ - ٩٩٦ م. وفى عهد الحاكم ظهرت بعض المشاكل فى برقة وطرابلس. وفى ٤٤٣ هـ/ ١٠٥١ م قطع المعز بن باديس علاقته تماما بالفاطميين وأعلن هذا الأمير الصنهاجى ولاءه للخليفة العباسى فى بغداد، وقد تم اجتياح قبائل بنى هلال لأفريقية بموافقة الوزير الفاطمى اليازورى على سبيل الانتقام، وفى ٥١٧ هـ/ ١١٢٣ م قدم الأمير حسن بن على البيعة للخليفة الفاطمى الآمر وطلب منه التدخل لدى روجر الثانى الصقلى لوقف هجماته على أفريقية، إلّا أنه يمكن القول إن العلاقة ظلت مقطوعة مع الخلافة الفاطمية فى القاهرة أكثر من نصف قرن. وفيما يتعلق بصقلية فقد ظلت مستقلة فعليا وظل الأمراء الكلبيون أقرب إلى الزيديين فى أفريقيا ومع هذا
следующие страницы →