حتى المحيط الأطلنطى نتيجة معركة عظيمة قادها جوهر.
كما واجه المعتز هجوما بحريا شنته قوات عبد الرحمن الثالث الأموى سنة ٣٤٤ هـ/ ٩٥٥ م.
وكان الخليفة عبيد اللَّه المهدى قد أسس مدينة المهديّة على ساحل أفريقيّة (تونس) الشرقى لتكون نافذة يُطل منها بلاد المشرق، وفى سنة ٣٠٨ هـ/ ٩٣٠ م جعل منها عاصمة لخلافته. وبعد سنوات قليلة من توليه السلطة حاول أن يقوّى مركزه فى مصر لكن الحملتين اللتين أرسلهمما بقيادة ابنه القائم سنة ٣٠١ - ٣٠٢ هـ/ ٩١٣ - ٩١٥ م و ٣٠٧ - ٣٠٩ هـ/ ٩١٩ - ٩٢١ م باءتا بالفشل رغم ما حققتاه من نجاح مبدئى فقد وصل فى الحملة الأولى إلى بوّابات الفسطاط وفى الثانية إلى الفيوم وقد تحطم الأسطول الفاطمى فى الحملة الثانية، وعلى أية حال فإن برقة ظلت بعد الحملة الثانية فى أيدى الفاطميين، وقد حاول الخليفة القائم بعد توليه الاستيلاء على مصر سنة ٣٢٣ هـ/ ٩٢٥ م لكن الفاطميين فشلوا للمرَّة الثالثة.
ولم يقدم قرامطة البحرين للفاطميين أية مساعدة فى كل حملاتهم العسكرية للك وهذا يناقض رأى دى خويه (انظر فى هذا الموضوع: بحث مادلونج عن الفاطميين وقرامطة البحرين وما بعدها، حيث ينكر وجود تعاون فاطمى قرمطى مؤكدا ذلك بالخطاب الذى أرسله عبيد اللَّه إلى أبى طاهر بعد استيلاء القرامطة على الحجر الأسود (انظر أيضا فى حوليات التاريخ الإسلامى تحت سنة ٣١٧ هـ, فليس هناك دليل على تحالف فاطمى قرمطى).
ولم تكن السلطة الفاطمية الجديدة التى حلت محل الأغالبة بقادرة على تجاهل صقلية أو النظر إليها بعدم اكتراث. لكن واليَيْن فاطميّين متعاقبين اضطرا لترك صقلية لرفض أهل الجزيرة لهما، وقام الصقليون باختيار ابن قُرْهب الذى أعلن ولاءه للخليف العباسى وأرسل -مرتين- أساطيله لمهاجمة أفريقية (تونس) فلاقى فى المرة الثانية هزيمة ساحقة، وأخيرا تخلّص الصقليون من ابن قرهب بتسليمه لعبيد اللَّه الذى أمر بقتله سنة
стр. 7632
٣٠٤ هـ/ ٩١٤ م، وبعد ذلك -فقط- استطاع الوالى الذى أرسله الفاطميون للجزيرة أن يُحكم قبضته عليها، لكن صقلية عانت من الاضطرابات فى زمن لاحق، ففى سنة ٣٣٦ هـ/ ٩٤٨ م أرسل المنصور الحسن بن على بن الكلبى واليا على صقلية فاحتكرت أسرته بعده هذا المنصب وشيئا فشيئا بدأت الأمور فى الجزيرة تتجه نحو الحكم الذاتى وكان من الطبيعى أن يخوض الخلفاء الفاطميون حروبا ضد البيزنطيين الذين كانوا مستقرين فى صقلية وأن يتبادلوا السفارات معهم. فلقد أرسل الفاطميون من أفريقية أكثر من مرة أساطيلهم لمحاربة البيزنطيين فى إيطاليا وصقلية، وفى خلافة عبيد اللَّه فى تاريخ لم تؤكده المصادر (بين سنتى ٩١٤ و ٩١٨ م) عقد الإمبراطور البيزنطى معاهدة مع حاكم صقلية تعهد بمقتضاها أن يدفع جزية سنوية مقدارها ٢٢.٠٠٠ قطعة ذهب وبعد ذلك بعدة أعوام قرر الخليفة تخفيض المبلغ إلى ١١.٠٠٠ كرد جميل للامبراطور رومانوس ليكابينوس لإطلاقه سراح المبعوثين الفاطميين إلى بلاط ملك البرتغال وكانت سفينتهم قد أسرت وهم فى الطريق لأداء مهمتهم وبصحبتهم مبعوثون بلغاريون كان ملك البلغار قد أرسلهم إلى أفريقية ليقترحوا على الفاطميين عقد تحالف بينهما (بين الفاطميين والبلغار) ضد البيزنطيين. وبسبب كشف المخطط بعد وقوع المبعوثين فى الأسر فشل التحالف البلغارى الفاطمى المقترح ضد البيزنطيين. وفى حوالى هذا الوقت تقريبًا أرسل الفاطميون حملة ضد جنوة وكورسيكا وسَرْدينيا. وأثناء حكم الخليفة القائم حاول الإمبراطور البيزنطى دعم ثوار جيرجنتى Girgenti وتلقى المنصور وهو فى أوج نضاله ضد أبى يزيد فى سنة ٣٣٥ هـ/ ٩٤٦ م مبعوثين بيزنطيين أتوا لتقدير الموقف بأنفسهم. وفى عهد المُعز وأثناء النزاع مع الأمويين، طلب الخليفة الأموى المساعدة من الإمبراطور البيزنطى ضد الخليفة الفاطمى واستجاب الإمبراطور لطلبه إلّا أنه اقترح على المعز سحب مساعدته للأمويين إذا رغب فى عقد هدنة طويلة معه -أى الإمبراطور البيزنطى، إلا أن
стр. 7633
المعز رفض ذلك، وأرسل فى سنة ٣٤٥ هـ/ ٩٥٦ - ٩٥٧ م أسطولًا بقيادة عَمّار الكلبى وجوهر هاجم الأراضى البيزنطية وأنزل قوّات فى إيطاليا، لكن عاصفة شديدة شتَّتت الأسطول فى رحلة العودة. وفى سنة ٣٤٦ هـ/ ٩٥٧ - ٩٥٨ م وصل مبعوث بيزنطى لدفع الجزية وطلب عقد هدنة لمدة خمس سنوات وحصل على الهدنة بالفعل، إلّا أن الفاطميين فى عهد المعز قد خرقوا هذه الهدنة عندما لجأ إليه أهل كريت لمساعدتهم ضد البيزنطيين، وكانت مساعدات المعز لأهل كريت -حتى لو وصلت- غير مجدية وقد كتب شتيرن عن سفارة ٣٤٦ هـ والأحداث المتعلقة بها وبعد ذلك بعدة سنوات فى عهد نقفور فوكاس Phocas الذى رفض أن يستمر فى دفع الجزية وواصل أعماله العدائية ضد صقلية، واستطاع الأسطول والجيش الفاطميين إنزال الهزيمة بالقوات البيزنطية فى بداية سنة ٩٦٥ م (فى معركة رامتا Rametta ومعركة المضايق) وتوصل الطرفان إلى اتفاق سلام سنة ٣٥٦ هـ/ ٩٦٧ م ومما ساعد على تساهل الفاطميين فى إبرام هذه المعاهدة أن المُعِز كان مشغولًا بالإعداد لحملته على مصر.
فتح مصر:
أدى النجاح الذى حققه المعز فى شمال أفريقيا إلى العمل على تنفيذ سياسته بالتوجه شرقا بأن يأخذ على عاتقه فتح مصر، تلك المهمة التى لم يستطع تنفيذها كل من عبيد اللَّه والقائم، وتم التخطيط للفتح بعناية سواء من الجوانب العملية أو من الجوانب الدعائية التى استخدمت الأبعاد النفسية بمهارة (انظر: G. Weit: L'Egypte arabe vol. Iv , M. Canard: L'impend lisme des Fatimides et Leur Propagande, in AIEO Alger, Iv, ١٦٧ f).
وبثتها فى بلد (مصر) كانت تعانى من اضطراب أحوالها الداخلية وقد أنهكتها المجاعة ففتحها جوهر بدون صعوبات تذكر ودخل الفسطاط فى ١٢ شعبان سنة ٥٣٨ هـ/ أول يوليو ٩٦٩ م وبذلك أصبحت مصر بلدًا شيعيا
стр. 7634
لمدة قرنين أو على الأقل تشيعت بشكل ظاهرى، وحذف جوهر اسم الخليفة العباسى من خطبة الجمعة وأدخل بالتدريج صيغا جديدة تنطوى على عقائد شيعية. وركز جهوده منذ البداية فى اتخاذ إجراءات للتخلص من المجاعة واستعادة النظام وتصرف مع أهل البلاد بكرم وسخاء وأنشا مدينة جديدة هى القاهرة لإسكان عسكره ووضع حجر الأساس للجامع الأزهر فى ٢٤ جمادى الأولى سنة ٣٥٩ هـ/ ٤ إبريل ٩٧٠ م.
الفاطميون فى مصر:
بعد أن استقر الفاطميون فى مصر عملوا على مذ سلطانهم للمناطق التى كانت تابعة للدولة الإخشيدية فتم إلحاق مكة والمدينة بالفعل سنة ٣٥٩ هـ/ ٩٧٠ م.
وكان الأمر بالنسبة لضم الشام أكثر صعوبة إذ إن الحاكم الإخشيدى كان قد عقد حلفًا مع قرامطة البحرين الذين كانوا يلقون بدورهم دعما من البويهيين فى بغداد إلا أن جعفر الفالح مساعد القائد جوهر كان قادرا على محاصرة دمشق غير أنه قتل فى معركة ضد القائد القرمطى الحسن الأعصم فى آخر سنة ٣٦٠ هـ/ أغسطس ٩٧١ م واتجه القرامطة إلى مصر إلّا أن جوهر ألجأهم إلى الفرار فى آخر سنة ٣٦١ هـ/ ديسمبر ٩٧١ م واستولى جوهر على جانب من فلسطين وعاد القرامطة بقيادة الحسن الأعصم ليهاجموا القاهرة سنة ٣٦٣ هـ (بداية سنة ٩٧٤ م) وكان المعز موجودا فعلًا بالقاهرة فنثر الذهب للأعراب مما جعلهم ينفضون عن مساعدة الحسن الأعصم، وبعد ذلك أعاد الفاطميون فتح دمشق التى وقعت بعد فترة قصيرة فى يد ألبتكين التركى فاستعادها العزيز سنة ٣٦٨ هـ/ ٩٧٨ م لكنه كان مضطرًا للدفع للقرامطة الذين ساعدوا ألبتكين كى ينسحبوا، وتوالت الجهود الفاطمية حتى تم الاعتراف بسلطانهم من المحيط الأطلنطى حتى البحر الأحمر والحجاز واليمن بل وامتد حتى الموصل لكنهم فشلوا فى التفاهم مع آل بويه فى بغداد مع أنهم شيعة.
وشهد القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى اضطرابات فى
стр. 7635
سوريا وفلسطين، وحاول القائد الأرمنى بدر الجمالى عبثا أن يحتفظ بسلطة الفاطميين فى دمشق لكن باءت جهوده بالفشل سنة ٤٥٥ - ٤٥٦ هـ (١٠٦٣ - ١٠٦٤ م) ومرة أخرى سنة سنة ٤٥٨ - ٤٦٠ هـ (١٠٦٦ - ١٠٦٨ م)، واحترق المسجد الأموى سنة ٤٦١ هـ/ ١٠٦٩ م أثناء نزاع عسكرى بين عناصر مغربية وأخرى مشرقية فى الجيش. وفى سنة ٤٦٨ هـ/ ١٠٧٦ م احتل دمشق القائد الفاطمى المنشق التركمانى أتسيز بل هدد القاهرة ذاتها سنة ٤٦٩ هـ/ ١٠٧٧ م، وابتداء من سنة (٤٧١ هـ/ ١٠٧٩ م كان لدمشق أمير سلجوقى، وفى سنة ٤٦٣ هـ/ ١٠٧١ م استولى أتسيز على القدس التى انتقلت بعد ذلك إلى سقمان ابن أرتق، ولم يبق فى يد الفاطميين من فلسطين سوى عسقلان التى احتلها الصليبيون سنة ٥٤٨ هـ/ ١١٥٣ م -وعدد قليل من مدن الساحل، ولم تنجح أى محاولة من محاولات بدر الجمالى لإعادة الشام لحوزة الفاطميين.
العلاقات مع صقلية وشمال أفريقيا:
أما عن العلاقة مع الشمال الأفريقى فإن الروابط كانت قد بدأت بالفعل فى التفكك فى عهد العزيز، وكان يحكمه منصور بن بلكين فى الفترة من ٣٧٣ - ٣٨٦ هـ/ ٩٨٤ - ٩٩٦ م. وفى عهد الحاكم ظهرت بعض المشاكل فى برقة وطرابلس. وفى ٤٤٣ هـ/ ١٠٥١ م قطع المعز بن باديس علاقته تماما بالفاطميين وأعلن هذا الأمير الصنهاجى ولاءه للخليفة العباسى فى بغداد، وقد تم اجتياح قبائل بنى هلال لأفريقية بموافقة الوزير الفاطمى اليازورى على سبيل الانتقام، وفى ٥١٧ هـ/ ١١٢٣ م قدم الأمير حسن بن على البيعة للخليفة الفاطمى الآمر وطلب منه التدخل لدى روجر الثانى الصقلى لوقف هجماته على أفريقية، إلّا أنه يمكن القول إن العلاقة ظلت مقطوعة مع الخلافة الفاطمية فى القاهرة أكثر من نصف قرن.
وفيما يتعلق بصقلية فقد ظلت مستقلة فعليا وظل الأمراء الكلبيون أقرب إلى الزيديين فى أفريقيا ومع هذا
стр. 7636
فقد ظلت عملتهم حتى أيام الظاهر، بل للخليفة الذى تلاه تحمل اسم الخليفة الفاطمى، وليس من المستبعد أن الهجمات التى كان يشنها أهل صقلية على الحدود البيزنطية كانت تلقى دعما من الخلفاء الفاطميين بالقاهرة لأن الإمبراطور البيزنطى رومانوس أرجيروس طلب من الخليفة الفاطمى الظاهر عدم مساعدة صاحب صقلية فى حملاته ضد البيزنطيين، ولم يهتم الفاطميون بالغزو النورمانى لصقلية وظلت العلاقات مع روجر الثانى طيبة رغم هذا الغزو فيما عدا سنوات ١١٥٣ و ١١٥٥ و ١١٦٩ و ١١٧٤ م التى شهدت غارات بحرية نورمانية ضد تونس ودمياط والإسكندرية.
العلاقات مع الإمبراطورية البيزنطية:
كان مضمون الدعاية الفاطمية أثناء الفترة الأفريقية (قبل فتح مصر) هو حقهم فى السيادة على العالم كله كحق مقدس لهم لذا فقد دعوا إلى القضاء على حكم أمويىّ الأندلس، وعباسيىّ بغداد وأباطرة بيزنطة، ومع هذا فقد رأينا -فيما سبق- علاقتهم بالبيزنطيين إذ استقبل المعز عدة مبعوثين منهم، أما فى مصر فقد استقبل المعز قبيل موته سفارة من يوحنا (جون) تزيمسكاس John Tzimiscs, وحاول العزيز الحصول على حلب وفشل لكن العزيز حصل عليها من الإمبراطور بازل الثانى ووعد العزيز بعدم مقاطعة التجارة البيزنطية فى مقابل أن يذكر اسمه فى خطبة مسجد القسطنطينية (أبو المحاسن القاهرة، جـ ٤، ص ١٥١ - ١٥٢) وكان العزيز يعد حملة كبيرة ضد البيزنطيين لكنه مات أثناء خروج الحملة.
وقد استمرت الأعمال العدائية فى شمال سوريا فى فترة خلافة الحاكم وغالبا ما كانت تلقى دعما من الإمبراطور البيزنطى إلّا أنه فى سنة ٣٩١ هـ/ ١٠٠١ وقعت هدنة مدتها عشر سنوات، وقد أدى تحطيم كنيسة القيامة بأمر الحاكم أن ساءت العلاقة إلّا أن محاولة جرت للتوفيق سنة ٤١٢ هـ/ ١٠٢١ م قبيل وفاة الحاكم. وفى عهد الظاهر أعيد ترميم كنيسة القيامة وإصلاحها، وفى بداية عهد المستنصر
стр. 7637
تم توقيع اتفاق سلام بين الطرفين مدته ثلاثون عاما. وساعد ظهور الخطر السلجوقى وتغلغله على توثيق عرى الصداقة البيزنطية الفاطمية.
العلاقات مع الشرق العباسى:
كان ابن هانئ الأندلسى شاعر المعز يزين له دخول بغداد ليصل منها إلى خراسان، ويقال إن المعز قال لمبعوث بيزنطى فى القاهرة إنه عندما يزوره فى المرة القادمة سيكون ذلك فى بغداد، وأخذ العزيز على عاتقه تحقيق هذا الهدف عن طريق المفاوضات فحاول حث آل بويه على الاعتراف به لكن ذلك لم يحدث. ولم تفلح جهود الحاكم بعد ذلك مع الغزنويين، ووثق المستنصر علاقاته مع دويلات المشرق فأرسل البعوث حتى السند لدرجة أنه أتى وقت ظن فيه المستنصر أن حلم الفاطميين أضحى على وشك أن يتحقق، ففى العراق عمل القائد التركى البساسيرى على الاعتراف بالخلافة الفاطمية فى أنحاء مختلفة إذ تم الاعتراف بها فى الموصل سنة ٤٤٨ هـ/ ١٠٥٧ م، بل وفى بغداد ولمدة عام ٤٥١ هـ/ ١٠٥٩ م. لكن السلاجقة باعتبارهم سنة لم يكونوا متعاطفين مع الفاطميين، ففى سنة ٤٤٧ هـ/ ١٠٥٥ م أعلن طغرل بك عن عزمه على التوجه لسوريا ومصر ليضع نهاية لحكم المستنصر. وقد قوى عزم السلاجقة للسيطرة على سوريا وسواحل البحر المتوسط الشرقية بعد أن ضعف شأن البساسيرى فى بغداد خاصة بعد أن قرر الوزير الفاطمى اليازورى قطع الدعم عنه، بل وراح هذا الوزير يراسل طغرل بك. والحقيقة أنه منذ ذلك الحين لم يكن هناك شاغل للسلاجقة سوى اقتطاع مناطق تابعة للدولة الفاطمية. وفى مكة (المكرمة) حذف اسم الخليفة الفاطمى من الخطبة بشكل مؤقت سنة ٤٦٢ هـ/ ١٠٦٩ - ١٠٧٠ م ثم بشكل نهائى سنة ٤٧٣ هـ/ ١٠٨٨ م، وعندما شق الأمير ناصر الدولة عصا الطاعة أيام المستنصر طلب المساعدة سنة ٤٦٢ هـ/ ١٠٦٩ - ١٠٧٠ م من السلطان السلجوقى ألب أرسلان بإرسال جيش لفرض ذكر اسم الخليفة العباسى فى الخطبة، وفى العام التالى تقدم السلطان السلجوقى حتى حلب
стр. 7638
وأبطل الحاكم المدراسى ذكر اسم الخليفة الفاطمى فى الخطبة، ولم يعق تقدم ألب أرسلان سوى قيام الإمبراطور البيزنطى بغزو أرمينيا. وبصرف النظر عن ذلك فقد أضحى التغلغل السلجوقى فى سوريا وفلسطين أمرًا ملموسا. وفى اليمن كان الفاطميون يلقون تأييدا حارا من الأسرة الحاكمة الصالحية فى صنعاء التى حكمت من ٤٢٩ هـ إلى ٥٣٤ هـ (١٠٣٨ - ١١٣٩ م) إذ كان مؤسس الأسرة واحدا من الدعاة الفاطميين.
الفاطميون والحروب الصليبية:
عندما وصل الصليبيون إلى شمال سوريا لم يكن فى حوزة الفاطميين سوى عسقلان وقليل من المدن الساحلية الأخرى، لذا فقد كانوا أقل اهتماما بمواجهة هذا الخطر من الأمراء الأتراك فى سوريا.
ويذكر لنا ابن الأثير فى حوادث سنة ٤٩١ هـ/ ١٠٩٧ - ١٠٩٨ م ما يفهم منه أن الفاطميين هم الذين استدعوا الفرنج (الصليبيين) إلى الشام انتقاما من السلاجقة الذين هددوا الفاطميين فى الشام وكانوا على وشك تهديدهم فى مصر. ولا يبدو رأى ابن الأثير هذا مقبولا، لكن الفرنج (الصليبيين) استقبلوا سفارة فاطمية خارج أسوار أنطاكية فى بداية سنة ١٠٩٨ م كما أرسلوا مبعوثين منهم للقاهرة، لكن مشروع التحالف بينهما (بين الفاطميين والصليبيين ضد الترك السلاجقة) بإعطاء سوريا للصليبيين وإعطاء فلسطين للفاطميين لم يصل إلى نتيجة رغم أن الفاطميين كانوا أكثر تعاطفا مع الصليبيين منهم مع الترك ورغم النوايا الطيبة للصليبيين الذين كانوا قادرين على تفهم مشاعر الفاطميين تجاه الترك من خلال ما ذكره لهم ألكسس كومنين. وفى هذه الظروف قرر الوزير الأفضل الاستيلاء على القدس من سقمان التركى ونجح فى ذلك سنة ٤٩١ هـ/ أغسطس ١٠٩٨ م بعد حصار دام أربعين يوما واستمر فى تقدمه إلى ما وراء بيروت. ومن الصعب فى ظل هذه الظروف أن نفهم لماذا لم يفعل أى شئ لمنع الصليبيين من الاستيلاء عليها (القدس)
стр. 7639
فى يوليو ١٠٩٩ م، ولماذا سمح لنفسه أن يفاجأ ويضرب خارج عسقلان فى معركة سبقها استيلاء الصليبيين على مدن عدة بما فيها يافا. أحقا كان قد استولى على القدس بنيّة الاحتفاظ بها؟
وأعقب ذلك فى ٤٩٤ هـ/ ١١٠٠ - ١١٠١ م استولى الصليبيون على حيفا وأرسوف وقيصارية، وفى ٤٩٧ هـ/ ١١٠٤ م استولوا على عكا، ولم يحل تدخل القوات المصرية دون سقوط طرابلس التى استنجدت بهم فى آخر سنة ٥٠٣ هـ/ ١١٠٩ م ولا سقوط بيروت وصيدا فى سنة ٥٠٤ هـ/ ١١١٠ م ولا سقوط صور سنة ٥١٨ هـ/ ١١٢٤ م ومن الأمور الصحيحة أن حاكم صور كان قد وقع معاهدة مع أمير دمشق، ولم يستطع الصليبيون حتى سنة ٥١٧ هـ/ ١١١٨ م التقدم إلى أبعد من الفرما، ومضى وقت قبل أن يركز الصليبيون جهودهم لمهاجمة مصر وأعدوا حملة قوية لمهاجمة عسقلان، فقام الوزير المصرى ابن سلار بالتفاوض مع نور الدين أمير حلب فى سنة ٥٤٥ هـ/ ١١٥٠ م وشن الأسطول المصرى هجوما قويا على الموانئ التى يحتلها الصليبيون. وفى ٥٤٨ هـ/ ١١٥٣ م استولى الصليبيون على عسقلان بعد معركة دموية رهيبة.
وقام الوزير طلائع بن رزيق بإرسال حملات ضد الصليبيين أحرزت نصرا قرب غزة وفى الخليل سنة ٥٥٣ هـ/ ١١٥٨ م لكن ذلك لم يكن مجديا كثيرا لأن نور الدين لم يكن مطمئنا إلى شن حملات مشتركة بسبب عدم استقرار الأحوال فى القاهرة.
وقتل طلائع بتحريض من العاضد سنة ٥٥٦ هـ/ ١١٦١ م وخلفه فى الوزارة ابنه الذى لاقى مصير أبيه نفسه سنة ٥٥٨ هـ/ ١١٦٣، وأدّى الصراع على منصب الوزارة فى مصر بين شاور وضرغام إلى تدهور الأحوال فى مصر وتدهور مشروعات التعاون مع نور الدين فى الشام لمواجهة الصليبيين، وقد طرد ضرغام شاور، فلجأ هذا الأخير إلى نور الدين وحرضه على فتح مصر فأرسل نور الدين جيشا
стр. 7640
على رأسه شيركوه ومعه ابن أخيه صلاح الدين، وقتل ضرغام فى الرملة ٥٥٩ هـ/ أغسطس ١١٦٤ م واسترد شاور منصب الوزارة، وليس هنا مجال تفصيل لما حدث بعد ذلك إذ لا يهمنا إلّا القول إن صلاح الدين قد نجح فى خاتمة المطاف فى إسقاط الخلافة الفاطمية وإعادة مصر لحظيرة السنة فى سنة ٥٦٧ هـ/ ١١٧١ م وأصبح اسم الخليفة العباسى يتردد فى الخطبة.
السياسة الداخلية للفاطميين فى مصر:
الخلافة والوزارة: لا تتم الخلافة لدى السنة إلَّا عن طريق البيعة أو بتعيين من الخليفة السابق على أن يعقب ذلك بيعة شكلية، أما فى المذهب الإسماعيلى فإن الخليفة هو وريث من اختاره النبى ليكون (وصيا) أى أنه خليفة بالتفويض الإلهى وبالتعيين، والإمامة تنتقل من الأب إلى ابنه، داخل أسرة على (الوصى) وليس هناك استثناء من ذلك سوى فى حالة الحسن والحسين. ويمكن إخفاء اسم الإمام عن الناس (سَتْره) فلا يكون معروفا إلّا لقلَّة قليلة ويمكن ألَّا يقع الاختيار على الابن الأكبر فجعفر الصادق قد أوصى لإسماعيل مع أنه لم يكن الابن الأكبر، وعلى النحو نفسه فقد تم تفضيل عبد اللَّه على تمَّام مع أنه الابن الأكبر للمعز، ولما مات عبد اللَّه سنة ٣٦٤ هـ/ ٩٧٤ - ٩٧٥ م عُيِّن أخوه نزار (العزيز) لكن بعد اختفاء (الحاكم) تم القبض على عبد الرحمن بن إلياس ابن أخى الحاكم وهو الخليفة الموصى له وتم سجنه بناء على أوامر ست الملك أخت الحاكم وتم الاعلان بأن عليا بن الحاكم هو الإمام وتسمى بالظاهر وكان عمره ست عشرة سنة فقط، لكن السن ليس شرطا من شروط الإمامة فالحاكم نفسه اعتلى سدة الحكم وهو فى الحادية عشرة من عمره، وغالبا ما كانت الإمامة (الخلافة) فى الدولة الفاطمية تؤول إلى أطفال كما فى حالة المستنصر (٧ سنوات) والمستعلى (٨ سنوات) والآمر (٥ سنوات) والظافر (١٧ سنة) والفائز (٥ سنوات) والعاضد (٩ سنوات) وكان من نتيجة هذا أن السلطة الحقيقية كانت دائما فى أيدى الأوصياء أو الوصيات كما فى
стр. 7641
حالة ست الملك أخت الحاكم أو الأم كأم المستنصر، وأحيانا كانت السلطة الفعلية فى أيدى القادة العسكريين والوزراء، ولقد ظل تتابع الخلفاء بشكل منتظم دون مشاكل خطيرة حتى المستعلى وهو أول خليفة فاطمى يؤدى تعيينه إلى ظهور مشاكل وصراعات. فقد تسبب الوزير الأفضل فى إزاحة نزار الابن الأكبر للمستنصر، وتولية الابن الأصغر المستعلى بدلًا منه وأدى هذا إلى ثورة نزار التى تسبَّبت فى حدوث انشقاق لازال قائما حتى اليوم فى عقائد الاسماعيلية، وبعد وفاة الآمر قيل إن تتابع الإمامة الفاطمية لم يعد منتظما فالخليفة الحافظ هو ابن عم الآمر باعتبار على بن أبى طالب كان عما للرسول [ ﷺ ] وأى هذا الاضطراب فى نظام توريث الحكم إلى شيوع الاضطرابات والفوضى وتجلى ضعف الخلفاء بشكل واضح منذ أيام المستنصر. ومنذ أيام المستعلى كانت السلطة الحقيقية فى أيدى وزراء السيف.
وعلى أية حال فإن مسألة شرعية الفاطميين نفسها أصبحت بعد ذلك موضع شك فقد جرت محاولة بالفعل فى عهد المستنصر لإعادة السلطة العباسية، وفى سنة ٤٦٤ هـ/ ١٠٧٢ م فى الاسكندرية جعل ناصر الدولة الخطبة باسم الخليفة العبّاسى، بل ودخل فى علاقات معه عندما كانت بيده مقاليد الأمور -بشكل مؤقت- فى القاهرة واتخذ الحافظ وزيرا سنيّا هو ابن السلَّار، وقد أدت الفوضى الداخلية كما أدى عجز الفاطميين فى مواجهة الصليبيين إلى التعجيل بسقوط الفاطميين.
تطور منصب الوزارة:
شغل منصب الوزارة أهمية فى التاريخ الفاطمى راحت تتنامى تدريجيا. وأثناء الفترة الأفريقية لم يكن يوجد وزراء يحملون هذا الاسم، أما فى مصر فقد كان أول من حمل هذا الاسم هو يعقوب بن كلس فى عهد الخليفة العزيز، وبعد ذلك كان الخلفاء -فى بعض الأحيان- يحكمون دون مساعدة من وزير، وفى أحيان أخرى كانوا يستخدمون شخصا يقوم بعمل الوزير
стр. 7642
لكنه لا يحمل لقب الوزير ولا يشغل منصبه، وإنما يؤدى ما يوكل إليه من أعمال الوساطة أو السفارة بينه وبين موظفيه أو بينه وبين رعاياه وفى هذه الحال يسمى وسيطا، وأحيانا يكون للوزير سلطة تنفيدية قوية وفى هذه الحال كان يسمى وزير التنفيذ، لكن فى النصف الثانى من حكم المستنصر -عندما احتاج الأمر لمن يعيد النظام ويعالج الكوارث- تم استقدام بدر الجمالى من سوريا وخول كل السلطات والصلاحيات حتى أصبح فيما يقول الماوردى (وزير تفويض) ولأن بدر الجمالى كان عسكريا لذا فقد سمى وزير القلم والسيف وأحيانا كان اللقب يختصر ليكون (وزير السيف) ومنذ ذلك الوقت أصبح كل الوزراء سواء الذين تم تعيينهم بواسطة الخلفاء أو الذين استأثروا بالسلطة لأنفسهم -يتمتعون بالسلطة كاملة وبكافة الصلاحيات وبالتالى أصبحوا (وزراء سيف)، ولم يكن وزير السيف قائدًا للجيوش فحسب وإنما كان أيضا رأسًا للسلطة المدنية والقضائية بل والدينية فمن ألقابه ما يفيد أنه (أمير الجيوش) وقاضى القضاة وأمير الدعاة ولقد رأينا أن الوزير كان لا يدع شيئا من السلطة للخليفة منذ رضوان وزير الحافظ سنة ٥٣١ هـ/ ١١٧١ م ومما يزيد هذا الأمر وضوحا اتخاذ الوزير لقب (ملك) مصحوبا بألقاب أخرى مختلفة مناظرة للبويهيين الذين اتخذوا لقب (أمير بغداد) ابتداء من سنة ٤٤٠ هـ/ ١٩٤٨ م، وأدت الأحداث الجسام إلى انتقال منصب الوزارة من شيركوه الذى تقلد الوزارة سنة ٥٦٤ هـ/ ١١٦٩ م إلى ابن أخيه صلاح الدين.
والأمر الجدير بالملاحظة أن عددا من الوزراء الفاطميين -سواء كانوا يحملون اللقب رسميا أم لا- كانوا من المسيحيين، ومن هؤلاء عيسى بن نسطورس وزير الخليفة العزيز، وزرعة ابن عيسى بن نسطورس الذى خلف فى منصب الوزارة نصرانيا آخر هو منصور بن عبدون، أما بالنسبة ليانس الأرمنى الذى شغل منصب الوزارة لبضعة أشهر من سنة ٥٦٢ هـ/ ١١٣٢ م فى عهد الخليفة الحافظ -فلا ندرى إن كان قد ظل على مسيحيته أم
стр. 7643
تحوّل للإسلام. لكن هناك حالة غريبة لوزير أرمنى آخر ظل على مسيحيته ولم يعتنق الإسلام، وكان يحمل لقب (وزير السيف) وكانت له صلاحياته كاملة وكان يتمتع بنفوذ قوى وسلطات كاملة، كما كان لقبه (سيف الإسلام) ومن ناحية أخرى لا يبدو أن اليهود قد شغلوا منصب الوزارة رغم تقلدهم فى الغالب لمناصب مهمة أخرى- إلّا إذا اعتنقوا الإسلام، فابن كلّس وزير المعز كان يهوديا تحول للإسلام، وكذلك كان وضع حسن بن إبراهيم بن سهل التسترى الذى شغل منصب الوزارة -لفترة قصيرة- فى عهد المستنصر، وكذلك كان الوزير ابن الفلَّاحى.
وشاع فى العهد الفاطمى إعدام الوزراء سواء بأوامر من الخلفاء أو من منافسيهم، ففى بداية سنة ٣٩٠ هـ/ ١٠٠٠ م تم إعدام برجوان بأمر من الحاكم كذلك أعدم ستة وزراء خلفوه، وتم إعدام اليازورى سنة ٤٥٠ هـ ١٠٥٨ م خلال حكم المستنصر، وتم إعدام الأفضل فى سنة ٥١٥ هـ/ ١١٢١ م بأمر من الآمر، وقد أمر هذا الخليفة نفسه (الآمر) بسجن المأمون البطائحى سنة ٥١٩ هـ/ ١١٢٥ م وشنق بعد ثلاث سنوات، وأعدم الوزير كُتيْفات سنة ٥٢٦ هـ/ ١١٣١ م فى عهد الحافظ، وفى العام التالى تم إعدام الوزير يانس، وفى سنة ٥٥٦ هـ/ ١١٦١ م أُعدم طلائع بن رزيق بأمر واحد من أعمام الخليفة الصغير (العاضد).
وقد استخدم الخليفة العزيز ثمانية وزراء خلال عشرين عاما، واستخدم المستنصر خمسة وزراء فى الفترة من ٤٥٢ - ٥٥٤ هـ/ ١٠٦٠ - ١٠٦٢ م، وفى الفترة من ٤٥٤ - ٤٦٦ هـ/ ١٠٦٢ - ١٠٧٤ جرى صرف وإحلال عديد من الوزراء إذ عدد ابن الميسر أربعة وعشرين وزيرا استخدمهم هذا الخليفة، تولى بعضهم المنصب ثلاث مرات.
الاضطرابات والثورات وحركات العصيان:
ليس غريبا أن تسود فترة الحكم الفاطمى اضطرابات خطيرة لأسباب سياسية وعسكرية ودينية واقتصادية بسبب تدهور حال الخلفاء من القوة إلى
стр. 7644
الضعف وعدم استقرار منصب الوزراة وشيوع الفوضى:
- فى عهد الحاكم قامت ثورة أبى ركوة الذى اذعى الانتساب لأمويى الأندلس وكان هدفه إعادة الأسرة الأموية للحكم.
- وفى بداية حكم المستنصر ظهر دَعِىّ اسمه سكين ادّعى أنه (الحاكم) وجمع مؤيديه وتوجه بهم إلى بوابات قصر الخليفة وتم القبض عليه وعلى أتباعه جميعا حيث أعدموا فى ٤٤٣ هـ/ ١٠٤٣ م.
- ثورة نزار الإمام الذى عينه المستنصر، لكن الوزير الأفضل تدخل بسلطانه فنحاه من سلسلة الأئمة (الخلفاء) لصالح أخيه الخليفة المستعلى، وكانت لذلك نتائج وتتابعات خطيرة إذ انضم الحسن بن الصباح إلى جانبه وبدأ حركة أدت إلى ظهور مذهب الحشاشين (انظر مادتى الحشيشية والنزاريّة).
فى سنة ٥٢٤ هـ/ ١١٣٠ قتل واحد من أتباع نِزَار الخليفة الآمر الذى لم يترك ابنا، لكن هناك من أعلن أنَّ له ابنا هو الطيب، ومن هنا ظهر انشقاق جديد فى العقائد الفاطمية (انظر إيفانون وشتيرن).
- وفى سنة ٥٤٣ هـ/ ١١٤٨ م حدث تمرد آخر قام به شخص ادَّعى أنه ابن نزَار. وشهد عصر الدولة الفاطمية فى مصر عديدا من الاضطرابات العسكرية خاصة عندما بدأت الدولة تضعف إذ تشرذم العسكر وراحت كل مجموعة تحارب أخرى وقد أدّت طبيعة تشكيل الجيش إلى حدوث هذه النزاعات العسكرية فهناك البربر (المغاربة) وهناك الترك (الذين أدرجوا فى الجيش منذ فترة حكم العزيز) والدّيلم (المشارقة) بالإضافة إلى العبيد السودانيين (عبيد الشراء) وزاد عدد منذ وصاية أم المستنصر التى كانت هى ذاتها جارية سوداء أعتقت. وكانت كل هذه العناصر يغار بعضها من بعضها الآخر ويكره بعضها البعض الآخر. ففى معركة بين هذه الفصائل فى عهد الحاكم كان الترك والديلم والسود فى جانب، والبربر فى جانب آخر، وكان قائد البربر ابن عمار الكتانى، وتزعم
стр. 7645
الفصيل الآخر برجوان، وتأججت الكراهية بين الترك والعبيد السود سبب أم المستنصر وأدت هذه الكراهية إلى معارك عديدة بين الطرفين سنة ٤٥٤ هـ/ ١٠٦٢ م و ٤٥٩ هـ/ ١٠٦٧ م، وقد اتخذ البربر جانب الترك فى هذه المعارك. وقد سلب ناصر الدولة القائد التركى الذى انتصر على السود فى هذه المعارك الأهلية- الخليفة المستنصر كل سلطانه، حتى أنه -أى المستنصر- كان مضطرًا لبيع ممتلكاته ليدفع للترك وكانت طلباتهم مبالغا فيها. واستمرت الاضطرابات بسبب استبداد ناصر الدولة وصاحبتها المجاعة حتى مجئ بدر الجمالى الذى تصرف بحزم لا لين فيه (بدكتاتورية)، ومنذ حكم الحافظ فصاعدا كانت هذه الفصائل العسكرية المتناحرة توزع ولاءاتها على مدَّعى منصب الوزارة أو المطالبين به، وكان بعض الوزراء يحابون بعض الفصائل على حساب الأخرى حتى يستعينوا بها مستقبلا كما كانوا يجندون البدو لصالحهم.
وقد نشبت بعض الاضطرابات الدينية عند ما حاول بعض الدعاة إجبار الناس على الاعتراف بالوهية الحاكم، ففى سنة ٤١١ هـ/ ١٩٢٠ م قتل جمهور الناس هؤلاء الدعاة فأمر الحاكم بإحراق الفسطاط. وفى سنة ٥٣١ هـ/ ١١٣٧ م لم يجد رضوان مشقة فى إثارة عامة المسلمين ضد الوزير الأرمنى المسيحى بهرام.
وشهد العصر الفاطمى أيضا متاعب اقتصادية ومجاعات (من ذلك النوع الذى يحدث فى مصر إذا انخفض فيضان النيل). وفى سنة ٤١٤ - ٤١٥ هـ/ ١٩٢٤ - ١٠٢٥ م فى عهد الظاهر شهدت مصر مجاعة اضطرت الناس لأكل القطط والكلاب لأن الخليفة منع ذبح ثيران الحرث، لكن أخطر المجاعات كانت تلك التى حدثت فى عهد المستنصر، وفى سنة ٤٤٦ هـ/ ١٠٥٤ م طلب الخليفة من قسطنطين مونوماخوس أن يمد مصر بالطعام. وقد تحسن الوضع الاقتصادى فى عهد وزارة بدر الجمالى وابنه الأفضل.
стр. 7646
السياسة الدينية:
نظرًا لارتباط السياسة الدينية للفاطميين ارتباطا شديدا بعقائد الإسماعيلية، فإنه لا يمكن معالجتها بالتفصيل هنا ويمكن للقارئ المهتم أن يرجع إلى مقالة (الاسماعيلية) وإلى كتالات مادلنج Madelung، التى بيَّن فيها الإصلاحات التى أدخلها على هذه العقائد كل من عبيد اللَّه والمعز، ونظريات الاسماعيلية الفرس والانشقاق الحادث زمن الحاكم والتطور الحادث زمن المستنصر.
- لقد كان على الخلفاء الفاطميين الأوائل أن يقدموا أنفسهم بصورة مختلفة عن الإسماعيلية فناهضوا الأفكار المتطرفة والهرطقة التى قد تشكل خطرًا عليهم.
وكان عليهم أن يواجهوا حقيقة أن الآمال التى ربطها الإسماعيلية بظهور المهدى لم تعد حقيقة قائمة، فشريعة محمد لازالت حية لم تلغ، والمعانى الباطنية للقرآن والطقوس الدينية لم تتجلَّ ولم يظهر الشرع الموعود الذى يختفى فيه الحد الفاصل بين ما هو (ظاهر) وما هو (باطنى) ولم يتم الإعلان عنه، كما أن الحكم الفاطمى لم يَغْمُر العالم كله بل على العكس أنه يواجه الصعوبات. وقد اضطر الخلفاء الفاطميون للإبقاء على الفروض الأساسية للاسلام، كما اضطروا إلى الإبقاء على (الظاهر) جنبا إلى جنب مع (الباطن). ولما كان من المفروض أن يتم الانتصار على كل الكفار بظهور المهدى، فقد كان لابد من ذريعة تفسر تأخير هذا الانتصار فكان أن قيل إن هذا الانتصار الذى سيتم على يد المهدى قد أُرجئ إلى آخر الزمان، وأن كل مهمة المهدى الآن هو إعادة الحق لأسرة آل بيت النبى وأنه لابد من استمرار الدعوة عن طريق المهدى وخلفائه حتى يحقق اللَّه وعده بظهور القائم، وقد قام القاضى الفاطمى الكبير المعروف بالقاضى النعمان بتفصيل هذا النظام فى كتابه (دعائم الإسلام) ولم يكن فى عروضه يختلف اختلافا جوهريا فى كثير من النقاط مع العلماء السنّة. وبشكل عام فإن الخلفاء الفاطميين الأوائل بدوا انتهازيين متحوّلين
стр. 7647
متقلبين وأظهروا أن هدفهم لا يعدو أن يكون ترسيخ دعائم الدعوة.
ومع هذا فلم يلق المعتقد الفاطمى قبولًا عاما فى مصر وسوريا، وكانت سياسة الدولة الفاطمية تجاه أهل السنة متقلبة، فأحيانا كان يتم منع الممارسات السنيّة تماما وأحيانا كانت الدولة تتصرف بتسامح، ففى سنة ٣٠٧ هـ/ ٩١٩ - ٩٢٠ م تم إعدام أحد المؤذنين فى القيروان لأنه لم يقل فى الأذان "حى على خير العمل" وتم منع صلاة التراويح فى شمال أفريقيا، كما منعه! العزيز فى مصر سنة ٣٧٢ هـ/ ٩٨٢ - ٩٨٣ م، لكن الحاكم سمح بها بعد ذلك سنة ٣٩٩ هـ/ ١٠٠٩ م، وكان العزيز متشددا مع المالكية بينما كان الحاكم متسامحًا معهم فى بعض الأحيان وطرد الظاهر فقهاء المالكية من مصر سنة ٤١٦ هـ/ ١٠٢٥ م وفى سنة ٥٢٥ هـ/ ١١٣١ م أظهر الوزير كتيفات تسامحًا كبيرا فكان هناك إلى جانب القاضى الإسماعيلى، قاض مالكى وآخر شافعى وقاض إمامى، ويذكر القلقشندى أن الفاطميين كانوا متسامحين مع كل المذاهب السنية ماعدا المذهب الحنفى.
وقد تمتع المسيحيون واليهود بوضع مميز على نحو نسبى فى عهد الفاطميين، فقد لاحظنا أن عددا من الخلفاء الفاطميين قد اتخذوا لهم وزراء مسيحيين، ومن هؤلاء الخلفاء العزيز والحاكم الذى اتخذ ثلاثة وزراء مسيحيين هم فهد بن إبراهيم، ومنصور بن عبدون، وزرعة بن نسطورس والحافظ الذى كان وزيره هو بهرام المسيحى، وكان المسيحيون يشغلون المناصب العليا دائما رغم ما كان يبديه المسلمون أحيانا من كره لهم، وفى عهد العزيز تولى اليهود مناصب مهمة وزاد نفوذهم خاصة فى أيام المستنصر أثناء وصاية أمه عليه.
الإدارة:
كانت الدولة الفاطمية فى شمال أفريقيا ذات نظم إدارية بسيطة غير معقدة رغم أنها كانت محاطة ببعض الطقوس والمراسم، لكن منذ بداية الفترة المصرية قام المعز والعزيز بإرساء دعائم مؤسسات قوية فقد قام جوهر وابن كلِّس وأُسلوج بوضع نظم إدارية
стр. 7648
ومالية تطورت وتعقدت وجرى تحويرها وتكييفها لتحقيق الأغراض المطلوبة، ومن الكتب التى تناولت هذه النظم ابن الصيرفى فى كتابه قانون ديوان الرسائل (تحقيق على بهجت، القاهرة، ١٩٠٥) والمقريزى فى كتابه الخطط والقلقشندى فى صبح الأعشى.
وكانت الإدارة الفاطمية تتبع النظام المركزى الصارم، على رأسه الخليفة والوزير كسلطة تنفيذية وسلطة مفوَّضة (ومنذ عهد الوزير بدر الجمالى أصبح الوزير يسمى وزير السيف) ولم يكن لحكام الأقاليم سلطة الادارة الذاتية (الحكم الذاتى) رغم أن بعض الحكام الاقليميين -كحاكم قوص مثلا- استطاعوا الاستمتاع بسلطة واسعة، وكانت القرارات تتخذ فى الدواوين كما كانت توضع أحيانا فى قصر الوزير كما كان الحال على سبيل المثال فى عهد الوزير ابن كلَّس والوزير الأفضل، وأحيانا كانت الدواوين فى قصر الخليفة.
وكان الموظفون المدنيون (أرباب الأقلام) والعسكريون (أرباب السيوف) فى خدمة الخليفة شخصيا، وكان الموظفون (فى المجالات العسكرية والإدارية والمالية والقضائية والدينية) مرتبين ترتيبا طبقيا (تصاعديا أو هيراركيا) ولم تكن رواتبهم هى التى تحدد (رُتبهم)، فحسب، وإنما كانت هناك أيضا شارات خاصة بكل طبقه (درجة) بالإضافة للمكان المخصص لكل فئة من الموظفين عند استقبالهم فى القصر أو المواكب العامة.
النشاط الاقتصادى فى عهد الدولة الفاطمية:
لقد وجد عبيد اللَّه المهدى شمال أفريقيا فى حال مزدهرة بفضل تطور حياة المدن، ممّا ساعد الفاطميين على تأسيس جيش وأسطول قويين.
ورغم كثرة الفتن والاضطرابات وشيوع الفوضى التى كثرت فى بعض الفترات فإن مصر الفاطمية بشكل عام كانت تنعم بالرخاء بفضل الإدارة الحاسمة واستقرار الأجهزة المالية والإدارية، والعوائد العالية من التجارة والزراعة، وكثرة ما يجمع من خراج بالإضافة للذهب الذى كان يستخرج من
стр. 7649
بلاد النوبة، وأهم الزراعات فى العهد الفاطمى هى القمح والشعير والخضروات المختلفة وقصب السكر والنباتات المستخدمة فى الأصباغ، والمزروعات التى تستخدم كأعلاف للماشية، وشهد هذا العصر أيضا زراعة القطن، ولم يكن إنتاج الأخشاب كافيا للاستهلاك المحلى.
أما الصناعة فكانت منتعشة خاصة صناعة النسيج التى ساعد على ازدهارها زراعة الكتان، وشهدت القاهرة مصانع المنسوجات الحريرية وأنشأ المعز لدين اللَّه فيها دار الكسوة. ومن الصناعات الأخرى المهمة: النجارة وصناعة السفن، والزجاج والفخار والأعمال المعدنية أشغال الحديد والنحاس وصناعة السكاكين والمقصّات فى تنيس) وصناعة الزيت والسكر والورق والجلود وأشغال العاج، ولعب اليهود دورًا مهما فى التجارة لأن الفاطميين لم يفرضوا على التجار اليهود أو المسيحيين ضرائب أكثر من تلك التى يفرضونها على المسلمين. وكانت قوص وعيذاب (على البحر الأحمر) هما مركزى استقبال بضائع الهند، ومنهما (أى من قوص ثم عيذاب) يتم تصدير البضائع المصرية إليها، ودخلت القاهرة فى علاقات تجارية مع الحبشة والنوبة والقسطنطينية (التى كان يستغرق الوصول إليها (بحارا لعشرين يوما) وإيطاليا وصقلية والشمال الأفريقى واسبانيا ودول أوروبا الأخرى -عن طريق صقلية، وكانت أهم صادرات مصر هى البهار والملابس، أما أهم وارداتها فهى القمح والحديد والخشب والجبن (الذى كان اليهود يستهلكونه بكميات كبيرة).
النشاط الثقافى فى الفترة الفاطمية
شهد العهد الفاطمى نشاطا فكريا وأدبيا وفنيا كبيرا. ففى الشمال الأفريقى ارتفع شأن شعراء البلاط كابن هانئ الذى كان شديد التعاطف مع المذهب الاسماعيلى. ويمكن للقارئ المهتم متابعة كتابات الشاعر الإيادى وغيره من الشعراء، وقد نشر ديوان تميم بن المعز، ويمكن مراجعة كتاب عبقريات الفاطميين لمحمد حسن الأعظمى المنشور فى القاهرة سنة
стр. 7650
١٩٦٠. وفى شمال أفريقيا أيضا ألف القاضى النعمان مؤلفاته التاريخية والفقهية والباطنية. وقد أسس عبيد اللَّه مدينة المهدية بمسجدها الفخم وقصرها، وأسس المنصور صبرا (المنصورية) بقصورها الجميلة العديدة. أما فى مصر فقد كان النشاط العقلى والثقافى أكثر ازدهارا فرحب الخلفاء الفاطميون بالشعراء حتى من غير الاسماعيليين كعمارة اليمانى وظهرت مؤلفات دينية كثيرة لتأييد المذهب الإسماعيلى وفى التفسير الباطنى للقرآن الكريم وكان هناك اهتمام بالفلسفة وتعليم العلوم المختلفة بحيث يمكن مقارنة هذه الفترة بالنهضة العقلية فى أوروبا فى القرن الثامن عشر. وقدم لمصر علماء مشاهير مثل ابن الهيثم الرياضى المعروف، بدعوة من الحاكم، ومن علماء العصر الفاطمى أيضا على بن يونس الصَّدفى مؤلف الزيج الحاكمى، والطبيب ابن سعيد التميمى الذى كان ضمن حاشية ابن كلّيس، وموسى بن العازار الإسرائيلى وابناه اسحق وإسماعيل فى عهدى المعز والعزيز، وابن رضوان وابن بطلان اللذان جرت بينهما مناقشات طبية، ومنصور بن سهلان ابن المقشّر النصرانى طبيب الحاكم.
وشهد العصر الفاطمى علماء فى مختلف المجالات، فمن المؤرخين هناك ابن زولاق والمُسَبِّحى والقضاعى مؤلف كتاب الديارات والشابشتى امين خزانة كتب العزيز، وابن المأمون البطائحى، والقاضى الرشيد ابن الزبير مؤلف كتاب الذَّخائر.
المصادر:
يرجع للمؤرخين العرب الذين ذكرهم عبد اللَّه عنان فى مصر الإسلامية القاهرة ١٩٣١ م، ص ٣٤ وحسن إبراهيم حسن: ابن ظافر.
(١) C. H. Becker: Beitoage zur Gesch. Acgypten unter dem Islam, with, in Particular, a Study on a fragment of al Musabiti
(٢) A. S. Ehrenkreutz: Studies in the Monetary history of Egypt in the Middle ages, in JESHO, ١٩٥٩, ١٩٦٣, ١٩٦٤
(٣) Lare-Poole: A History of Egypt in the Middle Ages, London ١٩١٤
د. عبد الرحمن الشيخ [م. كنارد M. Canard]
стр. 7651
الفن الفاطمى:
يشكل التاريخ السياسى للفاطميين حجر الزاوية لفهم تطور فنونهم. كما يمكننا من أن نميز بين حقبتين متعاقبتين: الأولى هى الحقبة الإفريقية التى تمتد من عام ٣٠٨ هـ/ ٩٠٨ م/ التى هى تاريخ استقرار المهدى فى القيروان وتأسيس المهدية وتنتهى عام ٣٦٢ هـ/ ٩٧٣ م وهو تاريخ مغادرة المعز [لافريقية] وتأسيس القاهرة كعاصمة للخلافة، أما الحقبة الثانية فهى الحقبة المصرية التى تمتد من عام ٣٦٢ هـ/ ٩٧٣ م حتى سقوط الخلافة الفاطمية عام ٥٦٧ هـ/ ١١٧١ م.
ويجب أن نضيف إلى هذا التقسيم التاريخى التقسيم الجغرافى الذى لابد أن يوضع فى الاعتبار.
إن هذا الفن الذى حمله الفاطميون إلى مصر ظل مزدهرا هناك [أى بإفريقية] بفضل أتباعهم الزيريين والحماديين كما امتد تأثيره أيضا إلى صقلية سواء فى عصرها الإسلامى أو فى عهد النورمانديين.
وما تزال المهدية، (وهى مدينة المهدى على الساحل التونسى) تحتفظ ببعض تحصيناتها الفاطمية والجامع وبقايا قصر القائم، وعلى الرغم من أن الجامع قد تعرض لتغييرات كثيرة فإنه ما زال محتفظا بمدخله التذكارى البارز ويكتنف ممره الأوسط من جانبيه حنايا فى طابقين.
إن هذا التصميم الذى يذكرنا بأقواس النصر الرومانية قد أصبح من سمات الطراز الفاطمى فى مصر. وما يزال قصر القائم (٣٢٢ - ٣٣٤ هـ/ ٩٣٤ - ٩٤٦ م) الذى يقع تجاه قصر أبيه المهدى، قائما بأسواره المشيده الجميلة وبمدخله البارز عن الواجهة وقاعة الحكم التى كسيت أرضيتها بالفسيفساء الحجرية وتعتبر النموذج الأخير لاستخدام هذا النوع من الارضيات فى شمال إفريقية.
أما قصر صبرة -المنصورية على أبواب القيروان- فيبدو أن يؤرخ بعهد الخليفة الفاطمى المنصور (٣٣٤ - ٣٤١ هـ/ ٩٤٦ - ٩٥٣ م) وتشاهد هنا [أى فى هذا القصر] قاعة كبيرة تعد بمثابة
стр. 7652
حجرة أمامية تفتح على ثلاث حجرات عميقة وتخلو الحجرة الوسطى من جدارها الأمامى ولذلك فهى تشبه الإيوان.
ويذكرنا هذا التصميم المعمارى لقصر صبرة الفاطمى بالبيوت الطولونية بالفسطاط وهو الأمر الذى يكشف عن الصلة بين مصر وإفريقية قبل مغادرة الخليفة المعز.
وحتى قبل مغادرة الخليفة المعز قام القائد الفاطمى جوهر الصقلى ببناء الجامع الأزهر فى القاهرة والذى تم توسيعه فيما بعد ليصبح جامعة إسلامية كما نعرفه الآن.
ويعكس حرم الجامع الأصلى [أى المقدم الذى يرجع إلى العصر الفاطمى نفسه] من حيث تخطيطه وزخارفه استمرار التقاليد الطولونية ومع ذلك فإن التاثير الإفريقى [أى التونسى] موجود أيضا ذلك أن الأروقة [البلاطات] الخمسة الموازية لجدار القبلة كما فى جامع ابن طولون، يقطعها فى الوسط رواق عمودى [يعرف خطأ بالمجاز القاطع فى جميع الكتب الأجنبية والعربية] أكثر اتساعا وتعلوه [أى عند بدايته من جهة الصحن ونهايته من جهة المحراب] قبة.
ومن الأرجح أنه متأثر فى ذلك بجامع القيروان.
ويضم جامع الحاكم (٣٨٤ - ٣٩٤ هـ/ ٩٩٠ - ١٠٠٣ م) عناصر مستوحاة من إفريقية وأخرى باقية من العمارة الطولونية فالمدخل التذكارى البارز فى واجهة المبنى وممره المغطى بقبو والذى يفتح على صحن كبير مستوحى من جامع المهدية بإفريقية [أى تونس].
أما تأثير الجامع الطولونى فيظهر فى بيت الصلاة [الصواب مقدم الجامع] بأروقته [بلاطاته] الخمسة الموازية [أى الجدار القبلة] وعقودها التى ترتكز على دعامات من الآجر وضعت فى أركانها أعمدة مدمجة.
وترتفع مئذنتا الجامع فى ركنى الواجهة الأمامية [وهى الواجهة
стр. 7653
الشمالية الغربية أو الواجهة البحرية] ولكل منهما قلب أسطوانى محاط بكتلة مصمتة [أطلق عليها المقريزى مصطلح "بدنه" وعبر عنها بعض العلماء بمصطلح مصطف أو غلاف خارجى] وهى ذات تصميم مربع كما هو الحال فى المدخل التذكارى البارز وقوام زخرفة هاتين المئذنتين المنفذة بالحفر الغائر اشكال هندسية ونباتية وهى تمثل خطوة هامة فى تطور الفنون الزخرفية الإسلامية.
إن جامع الأقمر (٥١٩ هـ/ ١١٢٥ م) والذى بنى بعد جامع الحاكم بنحو مائة واثنتين وعشرين سنة لجدير بالمشاهدة أيضا نظرًا لزخارف واجهته، ويزدان مدخلة البارز عن سمت الواجهه الأمامية بزخارف شديدة البروز تكتنفها حنايا فى طابقين.
أما جامع الصالح طلائع (٥٥٥ هـ/ ١١٦٠ م) فيعتبر آخر الجوامع الفاطمية وقد بنى فوق حوانيت، وتتكون واجهته الأمامية من جزءين بارزين يربط بينهما سقيفة أما الحرم [أى مقدم الجامع] فيشمل على ثلاثة أروقة موازية [لجدار القبلة].
وبالإضافة إلى هذة الجوامع فإن العصر الفاطمى شهد أيضا إقامة عدد كبير من الأضرحة مثل الجعفرى والسيدة عاتكة والحصواتى والشيخ يونس، ويتكون تخطيطها عادة من حجرة مربعة تعلوها قبة مقامة على منطقة انتقال من الحنايا الركنية فى الأركان الأربعة، وقد تطورت هذه الحنايا خلال القرن ٦ هـ/ ١٢ م بمضاعفة عدد حطاتها التى يعلو بعضها البعض وهو الأمر الذى نتج عنه ظهور المقرنصات التى ترجع نماذجها الأصلية (على ما يبدو) إلى بلاد فارس وتعتبر المقبرة عنصرا أساسيا من مشهد الجيوش الذى بنى بأمر الوزير بدر الجمالى أعلى جبل المقطم فى عام ٤٧٨ هـ/ ١٠٨٥ م وذلك ليدفن فيه عقب مماته.
ويتكون هذا المشهد من أربعة أجزاء: جزء أمامى يحوى باب الدخول تعلوه المئذنة، وجزء أوسط عبارة عن صحن
стр. 7654
محاط بحجرتين [من الغرب والشرق] ويوجد فى الخلف الحرم [أى المقدم] وهو عبارة عن ثلاثة أروقة [بلاطات] مغطاه بأقبية متقاطعة وقبة كبيرة تجاه المحراب [أى تعلو المنطقة المربعة التى تتقدم المحراب]، وأخيرًا توجد حجرة المقبرة نفسها.
ويمكن أن نلاحظ فى هذا الأثر بعض الخصائص الجديدة التى أصبحت من سمات الفن المصرى: ومنها المئذنة التى تتكون من ثلاثة طوابق يعلو بعضها البعض فيكون الطابقان الأول والثانى مربعين أما الثالث فمثمن وتعلوه قبة، ويتوج الطابق المربع الأول إفريز من المقرنصات.
ومن الممكن اعتبار هذه المئذنة النموذج الأصلى لمآذن القاهرة التى بنيت بعدها.
وقد قام بدر الجمالى أيضا فيما بين عامى ٤٨٠ و ٤٨٤ هـ/ ١٠٨٧ - ١٠٩١ م ببناء سور القاهرة الجديد، وهو أرمنى المولد وقد أحاط نفسه بقوات أرمنية، كما أحضر من بلده معماريين يرجع الفضل لثلاثة منهم فى بناء أبواب القاهرة الثلاثة: وهى باب زويله وباب النصر وباب الفتوح. إن هذه البوابات العظيمة بتصميمها وزخارفها وروعة الاسوار والأقبية والعقود نصف الدائرية مستوحاة من التقاليد الهيلنستية.
لقد اندثرت القصور التى تعرفنا عليها من خلال المصادر التاريخية [المخطوطة والمطبوعة] والتى بناها الخلفاء الفاطميون فى وسط القاهرة، بينما قصور قلعة بنى حماد ما تزال باقية وربما تعد سجلا لعمائرهم المدنية.
وقد بنيت هذه العاصمة البربرية بين الجبال فى شرق الجزائر فى بداية القرن ٥ م/ ١١ م ولكنها ازدهرت ازدهارا رائعًا بعد غزو بنى هلال للقيروان وتخريبهم إياها.
وشهدت فى نهاية القرن نفسه فترة قصيرة من الازدهار وفى عام ١٩٠٨ م تم اكتشاف مسجد تطل مئذنته على مساحة كبيرة من الخرائب، وبقايا قصور من بينها قصران هما قصر
стр. 7655
المنار ودار البحر، وتزود هذه الآثار المكتشفة معرفتنا بما كانت عليه العمارة فى شمال إفريقية التى تأثرت بالتأثيرات الشرقية المستوحاة من مصر والعراق وبلاد فارس على حد سواء.
ويكفينا أن نتذكر صفوف الحنايا الطويله التى تزين واجهة المئذنة ولكن القصور تعد هذه الحنايا من السمات الرئيسية المميزة للعمارة الساسانية، كذلك فإن المرآة المائية فى صحن دار البحر وأعمال الخزف المطعم والخزف ذى البريق المعدنى فى الأرضيات والقاعات الكبيرة وأخيرًا المقرنصات تعد من الابتكارات الايرانية واستخدمت لأول مرة فى الضرب الإسلامى فى مبانى قلعة بنى حماد.
إن الاكتشافات التى تمت فى قلعة بنى حماد قد قامت بسد النقص الكبير فى معلوماتنا فإن مدينة بجاية التى انتقل إليها بنو حماد فى أوائل القرن ٦ هـ/ ١٢ م لم تمدنا بنفس القدر من الثراء حيث لم يتبق من مبانى عاصمة بنى حماد الثانية سوى بعض أجزاء من سور المدينة والعقد الحجرى الكبير الذى كان يشكل المدخل إلى ميناء المدنية وسفنها. ورغم ما تقدم فإننا يجب أن نعتبر بجاية خطوة هامة على طريق انتقال تأثير الفن الفاطمى إلى صقلية وهناك الكثير من المؤشرات التى تدعم هذا الاعتقاد.
إذ إنه مما لاشك فيه أن اليرمو قد تأثرت فى تصصيم الجواسق فى ضواحيها ببجانة فضلا عن المهدية فى عهد بنى زيرى أو من تونس فى عهد بنى خراسان أكثر من تأثرها بالقاهرة.
إن قصور بنى حماد تساعدنا أن نتفهم بصورة أفضل قصور ملوك النورمانديين مثل قصر القبة وقصر العزيزة. وفى الواقع إن مصر الفاطمية قد أنتجت كما كبيرًا فى مجال الفنون الزخرفية وأصابت تطورًا هائلا فى الفخامة.
ولقد حدثنا عن الثراء الفاحش الذى كان عليه الخليفة وكبار الموظفين جماعة من المؤرخين العرب مثل المقريزى الذى وصف كنوز الخليفة المستنصر وابن
стр. 7656
ميسر الذى بيّن ثراء الوزير الأفضل ابن بدر الجمال وإن الابتكارات الفنية للعصر الفاطمى تعد درة كنوز المتاحف والكنائس الأوروبية وقد ازدهرت خلال القرنين الخامس والسادس للهجرة (٥ هـ/ ١١ - ١٢ م) الأساليب المتعلقة بالتحف البرونزية والخزفية والزجاجية فضلا عن البللور الصخرى والمجوهرات والمنسوجات كما أنها تظهر بحق الذوق الفنى الرفيع.
وقد استخدمت نفس العناصر الزخرفية كما فى المنحوتات التذكارية مثل العناصر الخطية والمتداخلة سواء على هيئة أشكال نجمية وهندسية أو قائمة على أرضية نباتية وأحيانا عناصر حيوانية.
والواقع أنه بالرغم من التحفظ الشديد لدى السنة فقد ظهر الكثير من مناظر تمثل الكائنات الحية سواء من الإنسان أو الحيوان ومنها ما هو محفوظ فى متحف القاهرة [متحف الفن الإسلامى] مثل أفاريز من الخشب المحفور من القصر الفاطمى قوام زخرفها رسوم موسيقيين وراقصين وصيادين ومنها أباريق وأجزاء من نافورات مصنوعة من البرونز ومن أشهرها عقاب محفوظ فى "كامبوسانتو" فى بيزا ومنها الخزف المذهب [أى ذو البريق المعدنى] الممثل عليه رسوم الأشخاص ومنها منسوجات الديباج المزخرفة برسوم الحيوانات المتقابلة.
هذا ويرجع موقف الفنانين من التصوير إلى الحرية التى تمتع بها السادة الشيعة وذلك على عكس أهل السنة، ويمكن أن تضيف عاملًا آخر وهو شخصية الفنانين أنفسهم والتقاليد التى حافظوا على استمرارها.
مما سبق يمكن القول بأن الفن الفاطمى يعد معبرا للتأثيرات المختلفة، فبالإضافة إلى العناصر المعمارية من إفريقية [أى تونس] والتراث الطولونى والعراقى والإسهامات السورية التى تتضح فى العمارة الحربية نرى التراث الفارسى الذى كان شائعا بين سادة مصر فضلا عن التراث الهيلنستى عن
стр. 7657
طريق الأقباط ولكنه يأتى فى المرتبة الثانية من الأهمية. وإنه من الصعب علينا أن نتجاهل الدور الذى لعبه مسيحيو مصر فى تكوين الطراز الفاطمى وهو الذى يعرف باسم الارابيسك.
المصادر:
(١) Arnold: Painting in Islam, Oxford ١٩٢٨, ٢٢
(٢) The mosques of Egypt, Publ. of Ministry of Works, Chap. ٣
(٣) K. A. C. Creswell: The Muslim architecture of Egypt, Oxford ١٩٥٢
(٤) A bibliography of gloss and rock crystal, in Bull. of the Fac. of Arts, xiv Cairo ١٩٥٢
(٥) زكى محمد حسن: الفن الإسلامى فى مصر ١٩٣٥.
(٦) المؤلف نفسه: زخارف المنسوجات القبطية.
د. محمد حمزة [جورج مارسيه G. Marcais]
الفاكهى
أبو عبد اللَّه محمد بن إسحق بن العباس مؤرخ مكة من أبناء القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى). لم تتوفر معلومات عنه لعلماء المسلمين المتأخرين زمنيا، أو لنا نحن، سوى ما يمكن معرفته من تاريخه عن مكة (المكرمة) الذى بقى نصفه الثانى محفوظًا فى مخطوطة وحيدة موجودة فى ليدن (برقم ٤٦٣)، وقد حقق قسمًا صغيرًا منها F. Wuestenfeld: فى كتابه Die Ckroniken der stadt Mekka المنشور فى ليبسك سنة ١٨٥٧ - ٦١, جـ ٢، ص ٣ - ٥١. وعلى ما يبدو أن الفاكهى كان حيًا وفى بواكير الشباب فى أثناء تولى عبد الرحمن بن يزيد بن محمد بن حنظلة بن محمد منصب القضاء فى مكة المكرمة ذلك المنصب الذى تركه فى سنة ٢٣٨ هـ = ٨٥٢ - ٣ م، أو قبلها بقليل (وستنفيلد، جـ ٢، ص ٤٣ وما بعدها)؛ ووقائع أخبار القضاة، جـ ١، ص ٢٦٨ وما بعدها؛ وربما يكون مولده حوالى سنة ٢٢٥ هـ = ٨٣٩ م ويتفق
стр. 7658
هذا مع حقيقة أن بعض شيوخه قد وافتهم المنية فى أوائل سنة ٢٤٠ هـ تقريبًا. وكان الفاكهى على صلة بعلماء مكة المكرمة المرموقين. وقد أتم تأليف تاريخه فيما بين سنة ٢٧٢ و ٢٧٥ هـ (٨٨٥ م - ٨٨٩ م) وقد ذكر هو نفسه التاريخ الأول (٢٧٢ هـ)، أما التاريخ الآخر (٢٧٥ هـ) فقد شهد وفاة عبد العزيز بن عبد اللَّه الهاشمى الذى يشار إليه فى كتاب الفاكهى على أنه لا يزال حيا (وستنفيلد، جـ ٢، ص ١٢؛ وتاريخ بغداد، جـ ١٠، ص ٤٥١ وما بعدها؛ أو إذا كانت الفقرات المستشهد بها تشير إلى رجال شتى فى سنة ٢٧٩ هـ = ٨٩٢ م على أبعد تقدير). وخلف الفاكهى ابنًا هو أبو محمد عبد اللَّه الذى ورد ذكره بإيجاز فى كتاب العقد للفاسى ويشار إلى مؤلف الفاكهى باسم "أخبار مكة" أو (فى مخطوطة ليدن) باسم "تاريخ مكة"، ولكن الفهرست ص ١٥٩ يسميه "كتاب مكة وأخبارها فى الجاهلية والإسلام" وكان حجمه أكبر من ضعفى حجم كتاب "تاريخ مكة" تأليف الأزرقى. وهو يشارك كتاب الأزرقى فى الترتيب، وفى المادة بدرجة كبيرة، ولكنه لابد أن يعد إنجازًا علميًا مستقلًا بذاته، وتثبت الأسانيد أن الفاكهى قد جمع مادة كتابه بنفسه إلا أن المعطيات والأوصاف التاريخية لسمات فن المعمار، وما أشبه التى لم يقدم لها أسانيد تتفق مع ما أورده الأزرقى حرفيًا، ولذلك، ربما تكون قد نقلت من كتابه دون الاعتراف بذلك. وحقيقة أن الفاكهى لا يذكر الأزرقى، بل يبدو أنه يخفى الإشارة إلى أسرته، وقد يكون هناك بعض العداوة الشخصية بينه وبين الأزارقة ومن يميلون إليهم، وربما لأن الأزارقة قد أبوا أن يأذنوا له باستخدام المادة التى فى حوزتهم.
المصادر:
(١) Brockelmann: ١, ١٤٣. Geschichle der Arabischen Literatur, Leiden ١٩٤٣ - ٤٩
(٢) Wustenfeld: op. cit., i, xxiv-xxix
حسن شكرى [ف. روزنتال F. Rosenthal]
стр. 7659
فتح
تعنى علامة إعرابية فى النحو العربى لنطق الحرف بالحركة التى تسمى الفتح ة وفى كتاب سيبويه (على سبيل المثال، تحقيق Derenbourg, جـ ٢، ص ٢٨١ رقم ٩) لا يزال الفتح يطلق من آونة إلى أخرى على نطق الفتحة الصريحة دون إمالة -وفى علم الحساب الفتح يعنى مربع العدد- وثمة استعمالات اصطلاحية فنية أخرى لهذه الكلمة، انظر لمعرفتها محمد أعلى، Dict. of Techn. Terms، تحقيق: Sprenger إلخ، جـ ٢، ص ١١٠٤ وما بعدها، هذه المادة.
حسن شكرى [شاده A. Schaade]
الفتح
" الفتح" "نصر"، اسم السورة رقم ٤٨ من القرآن الكريم "سورة الفتح"، و"نصر" هو اسم السورة رقم ١١٠ "سورة النصر"
Al,FATH (A.): "Victory", title of Sura xlviii and one of the titles of Sura cx. usually called
حسن شكرى [هيئة التحرير]
فتحبور، سكرى
مدينة مهجورة تبعد مسافة ٢٣ ميلًا عن أجرا Agra, وتقع على خط ٥، ٢٧ شمالًا، ٤٠، ٧٧ شرقا، وتقوم على حافة مرتفعة من صخور الحجر الرملى قرب قرية سِكَرى القديمة. وفى سنة ١٥٦٩ م، وحين زار السلطان أكبر الولى الشيخ سليم جشتى الذى كان يعيش بكهف فوق حافة سكرى العالية، تنبأ الولى بأن العاهل الذى ليس لديه أطفال سوف ينجب ولدا، وفى سنة ١٥٧٠ م، ولد هناك السلطان سليم الذى عرف فيما بعد بالإمبراطور جهانجير وعندئذ بدأ السلطان أكبر فى بناء مدينة تغطى مساحة تقرب من ٣/ ٤ ١ ميلًا مربعا، وأحاطها بسور (ما زال قائمًا) طوله ٣/ ٤ ٣ ميل مربع وعند عودته من حملته لفتح الكَجرات فى سنة ١٥٧٤ م، وجد عاصمته الجديدة مهيأة للسكنى، فسماها فتحبور (مدينة الفتح) وأقام بها حتى سنة ١٥٨٦ م، وحين هجرها كحاضرة -ربما بسبب طبيعة مائها المالح الذى يسبب الغثاء- بدأ الخراب يحل بها بعد فترة وجيزة من وفاته.
стр. 7660
ولكن كثيرًا من مبانيها لا يزال باقيًا فى حالة ممتازة، ومنها دار سك العملة، وبيت المال، ومكتب السجل. وقاعة جمهور المستمعين، والقصر الملكى، بما فى ذلك شقق الإمبراطور، وسكنى زوجاته العديدات. ومن الأبنية اللافتة للنظر بيت السلطانة التركية بنقوشه البديعة المتقنة، والزخرفة من الداخل لقواعد الأعمدة التى يبلغ ارتفاع الواحد منها أربعة أقدام مقسمة إلى ثمانية أجزاء مستطيلة، تمثل زخارفها ونقوشها الثرية مناظر الغابة والبستان وتغطى المبنى ذا الطابقين المعروف ببيت بيربَل (الذى كان دون شك قصر واحدة من ملكات أكبر) بنقوش تعرض مجموعة وافرة من النماذج المنفذة بتفصيل دقيق. وتوجد قرب الحجرات الملكية بعض المبانى الغريبة ذات تصميم فريد، ومثال ذلك (بنج محل)، وهو جناح ذو خمسة طوابق، كل طابق منها أصغر من الطابق الذى يستقر عليه، وما يسمى "ديوانى خاص" أى القاعة الخاصة بجمهور المستمعين، وهى بناء به حجرة واحدة فحسب، فى وسطها عمود مثمن الأضلاع يعلوه تاج دائرى هائل، وتتفرع منه ممرات ضيقة طول كل منها حوالى عشرة أقدام، وتتصل قمة تاج هذا العمود عند زوايا البناء بقاعة تسير حول الجزء الأعلى للحجرة وبسلالم (بسمك الجدار) وكلاهما له سقف، وكلاهما تحته قبة فناء. وليس بوسعنا أن نعدِّد هنا المبانى الكثيرة الأخرى المرتبطة بالإمبراطور وبلاطه، ولكن لا مناص من ذكر المسجد الجامع الذى أقيم على طراز المسجد الحرام وهو -أى هذا المسجد الجامع- يعد من أروع نماذج فن العمارة المغلى. وهو يغطى مساحة ٤٣٨ × ٥٤٢ قدما، وبه صحن مساحته ٣٦٠ × ٤٣٩ قدما، تحوطه أروقة معمدة مسقوفة باستثناء البوابات الثلاث التى من بينها بوابة "بُلَنْد دروازه" أى (البوابة الكبيرة) المواجهة للجنوب، وقد بناها أكبر فى سنة ١٦٠٢ م، تذكارًا لانتصاراته فى الدكن، وترقى هذه البوابة إلى مصاف أرفع البوابات شأنًا فى الهند. وفى صحن المسجد يقوم ضريح الشيخ سليم جشتى، وهو بناء من طابق واحد مكسو بالمرمر الأبيض، وتعلوه قبة، وتطوق شرفته حواجز شبكية مرمرية
стр. 7661
تتسم برقة وتعقيد خارق للعادة فى التصميم الهندسى؛ وفوق نصب القبر مظلة خشبية مطعمة بعرق اللؤلؤ المصفوف فى شكل زخارف هندسية بديعة الشكل.
ومن السمات الجديرة بالذكر لمبانى فتحبورسِكَرِى، تلك الشواهد الكثيرة على تأثير فن العمارة الهندى، فى البناء والزخرفة، واللوحات الجصية الجدارية المرسومة على جدران الخوابجة، وسونهره مكان، والزخارف الملونة بالحمام وغيره من المبانى.
المصادر:
(١) E. W. Smith: The Moghul Archi in Archaedogical tecture of Fathpursikri Survery of India, Allahabad ١٨٩٤ - ٨
(٢) Keen's Hand book for visitors to Agra and its neighbourhood re-written by E.A. Duncan, ٧ th ed. Cultcutta ١٩٠٩, p ٢٢٢ - ٢٢٥
(٣) E. W. Smith: Wall paintings recently found in the khwabagah, Fathpur Sikri, Delhi ١٩٣٧
(٤) P.Brown: Indian architecture (the Islamic period), Bombay ١٩٤٢
ترجمة حسن أحمد شكرى
الفتح بن خاقان
هو الأمير الأثير عند المتوكل. مارس الفتح، والوزير عبيد اللَّه بن يحيا، وقد أثر تأثيرًا بالغًا على هذا الخليفة القاسى اللعوب، وبخاصة فى سنوات حكمه الأخيرة. كان كلاهما مؤيدًا متحمسًا لابنه الثانى المعتز، وبذلا ما فى وسعهما لاستبعاد المنتصر الابن الأكبر للخليفة عن تولى الخلافة وأوغرا صدره عليه. وقد حُقِّر شأن المنتصر علنًا، واضطر إلى تحمل كل أنواع الكُنَى التى أطلقت عليه مثل "المستعجل" أى "الخديج"، و"المنتظر" (المتلهف، أعنى على أريكة الخلافة). وأساء الفتح معاملته بناء على أوامر أبيه. وأقحم رجال آخرون ذوو نفوذ بجانب الفتح حتى أعَدَّ الخليفة سقوط نفسه بقصر نظره حين أمر الفتح أن يصادر ممتلكات القائد التركى "وصيف" فى إصفهان، و" Media" (همذان)، وعلم
стр. 7662
وصيف بنية الخليفة، فتحالف مع المنتصر وآخرين كثيرين على التخلص من أمير المؤمنين. وقتل المتوكل فى شوال سنة ٢٤٧ هـ (ديسمبر سنة ٨٦١ م)؛ وحاول الفتح أن يدافع عنه، لكنه هزم أمام القوات المتفوقة، وشارك مولاه المصير نفسه.
المصادر:
(١) الطبرى: (طبعة ده غويه)، جـ ٣، (الفهرس).
(٢) ابن الأثير (طبعة تورنبرج)، جـ ٧، ص ٦٠ - ٦٨
(٣) Weil: Geschichte der chalifen جـ ٢، ص ٣٦٨ وما بعدها.
حسن شكرى [تسترشتين - K.V.Zettersteen]
+ الفتح بن خاقان
أبو نصر محمد بن عبيد اللَّه بن خاقان بن محمد بن عبد اللَّه القيسى المشهور باسم الفتح بن خاقان، لأن كتاب السير والتراجم لا يوافقون على سلسلة نسبه، ولد فى صخرة الولد، وهى قرية قريبة من "قلعة يَحْسُب" إحدى نواحى غرناطة.
ومن بين معلميه أبو الحسن على بن السّراج، وأبو الطيب بن زرقون، وأبو عبد اللَّه محمد بن عبدون وابن دُرِيد الكاتب، والعالم الشهير أبو محمد بن عبد اللَّه بن السيد البطليوسى، إلخ. . .
كان فى شبابه صعلوكًا صفيق الوجه، لا يكاد يفيق من الشراب حتى استوزره حاكم غرناطة أبو يوسف تاشفين بن على. قصد مراكش، واغتيل هناك فى فندق، فى التاسع والعشرين من رمضان سنة ٥٢٨ هـ (الرابع والعشرين من يوليو ١١٣٤ م) أو فى يوم الأحد الثانى والعشرين من المحرم سنة ٥٢٩ هـ = ١٢ نوفمبر سنة ١١٣٤ م، أو طبقا لروايات أخرى فى سنة ٥٣٥ هـ (السابع عشر من أغسطس سنة ١١٤٠ - الحادى عشر من أغسطس ١١٤١ م)، وعلى ما يبدو، أنه بناء على أوامر السلطان أبى الحسن على بن يوسف بن تاشفين، شقيق أبى إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين الذى أهدى إليه "قلائده"، قد دفن فى مقبرة "باب الدبَّاغين". ومن آثاره:
(١) "قلائد العقيان و (أوفى) محاسن
стр. 7663
الأعيان "وهو مجموعة تراجم لبعض من عاشوا قبله بزمن وجيز، وبخاصة لمعاصريه الذين آووه، أو تشاجروا معه (وبوجه خاص ابن باجة الذى وضعه فى آخر الكتاب)، وهو مقسم إلى أربعة أجزاء: (أ) الملوك والأمراء (ب) الوزراء (جـ) القضاة والعلماء (د) الأدباء والشعراء (نشره فى باريس سليمان الحرائرى فى مجلة البرجيس، وطبع فى مطبعة بولاق فى سنة ١٢٨٣ هـ. وسنة ١٢٨٤ هـ. وقد شرحه محمد بن قاسم بن زاكور (توفى فى العشرين من المحرم سنة ١١٢٠ هـ) شرحًا سماه "تزيين قلائد العقيان بفرائد التبيان" (توجد نسخة منه فى مكتبة خاصة بالجزائر؛ ولم تظهر ألبتة الترجمة الفرنسية التى أنبأ بها L'Abbe E.Bourgade فى سنة ١٨٦٥، على الرغم من تصريحات Brockelmann, Der enbourge and Huart.
(٢) " مطمح الأنفس ومسرح التأنس فى ملح أهل الأندلس" وهو ذيل للقلائد، ويبدو أنه كانت توجد له طبقتان أو ثلاث طبقات، أو على الأصح نصوص منقحة منه بأحجام مختلفة, طبع الصغير منها فى الآستانة فى سنة ١٣٠٥ هـ (مطبعة الجوائب)، وفى القاهرة فى سنة ١٣٢٥ هـ.
(٣) ترجمة حياة معلمه عبد اللَّه بن محمد بن السيد البطليوسى (مختلفة عن تلك الترجمة التى كتبها عنه فى الجزء الثالث من كتابه القلائد) محفوظة فى مكتبة الأسكوريال (Derenbourg: Les Mss. ar. de L'Escurial, ص ٤٤٨ رقم ١)؛ وألحق بهذه الترجمة منتخبًا يحوى رسائل وقصائد لابن السيد وغيره من العلماء، وغالبيتهم من معاصريه.
(٤) "مقامة عن ابن السيد البطليوسى" محفوظة فى مكتبة الأسكوريال Derenbourg: Les Mss. ar de L'Escurl، ص ٥٣٨ رقم ٧).
(٥) "بداية المحَايش وغاية المحَايش وظن أنه مفقود (*).
(٦) "مجموع رسائله".
стр. 7664
وقد كتب الفتح بن خاقان كثيرًا من النثر المسجوع الممتاز عادة، وله شعر منظوم متوسط الجودة، ويبدو أنه سطا أدبيًا على أعمال معاصريه أو حتى استولى عليها جملة، ولم يتجرأ واحد منهم على اتهام اللص خوفًا من الأكاذيب الكئيبة التى تفصح عن نفسها كثيرًا فى حياته اليومية وفى أعماله الأدبية. ومهما كان الأمر، فليس لنا حاجة إلى النظر فى كتابه القلائد، أو فى مطمح الأنفس لنعرف الحقائق التاريخية، لأن قيمة عمله تكمن بالأحرى فى روعة أسلوبه فحسب.
المصادر:
(١) ابن خلكان: (القاهرة، سنة ١٣١٠ هـ)، جـ ٢، ص ٤٠٧.
(٢) Brockelmann: Geschichte der Arabischen Litteratur (فيمار، سنة ١٨٩٨) جـ ١، ص ٣٣٩.
(٣) Wuestenfeld: Geschichtsch reiber der Araber and ihre werke (كوتنكن، سنة ١٨٨٢)، ص ٢٣٨
(٤) ابن الآبار: المعجم، تحقيق Codera (مدريد، سنة ١٨٩٨)، تعليق رقم ٥، ص ٢٨٥.
(٥) Weyers: Specimen Criticum exhibens Iocoss Ihn Khacanis de Ain Zeiduns (ليدن، سنة ١٨٣١).
(٦) المقرى: نفح الطيب (القاهرة، سنة ١٣٠٢ هـ) جـ ٤، ص ٢٠٧ - ٢٢٣.
(٧) Pons Boigues: Ensayo bio bibliografico (مدريد، سنة ١٨٩٨)، تعليق رقم ٥، ص ١٦٢.
(٨) CL. Huart: Litterature Arabe (باريس، سنة ١٩٠٢)، ص ٢٠٣.
(٩) الناصرى السلاوى: زهر الأفنان من حديقة أبى الونان (فاس، سنة ١٣١٤ هـ)، جـ ٢، ص ٣٥٦.
(١٠) Dozy: Scriptorum Arabum Loci de Abbdidis (ليدن، سنة ١٨٤٦)، جـ ١، ص ١ - ١٠.
(١١) M. Ben chened: Etude sur Les Personnages de L'Idjaza de Sidi Abd el Qadil al-Fasy (باريس، سنة ١٩٠٧)، تعليق رقم ٥، ص ٢٤١.
حسن شكرى [محمد بن شنب]
стр. 7665
فتح على شاه
ملك فارسى من أسرة القاجار الحاكمة ولد فى سنة ١١٨٥ هـ (١٧٧١ م) خلف عمه آقا محمد شاه فى سنة ١٢١٢ هـ (١٧٩٧ م) على العرش، وتوفى فى سنة ١٢٥٠ هـ (١٨٣٤ م) بعد حكم استمر ٣٨ سنة وخمسة أشهر ودفن فى قم. وقد عرف أول الأمر باسم بابا - خان. وقد أوقع مقتل آقا محمد الجيش فى حالة بالغة من الفوضى؛ فقام ميرزا محمد - خان قاجار بغلق بوابات طهران حتى وصول بابا - خان الذى كان وقتذاك فى شيراز، ونودى به ملكًا فى الحال، ولكنه لم يتوج إلا فى بداية العام التالى. وبعد انتصاره على كل من أخيه حسين قولى - خان، ومحمد خان زند، وصادق خان شقاقى، اعترف بسلطته حكام خراسان وبعد حرب طويلة مع الروس خسر جورجيا، بل تخلى عنها آخر الأمر بمقتضى اتفاق سلام كلستان فى أكتوبر سنة ١٨١٣ م. وقد سعى فتح على شاه إلى الظفر بمساعدة نابليون الأول الذى أرسل له روميو، وجوبير، ثم الجنرال جاردان بلقب سفير فى (سنة ١٨٠٦ م)؛ ولكن اعتقاده بأن فرنسا لم تستطع أن تقدم له أية عون وقتذاك، دفعه إلى السعى لكسب صداقة انجلترا التى بعثت إلى بلاطه كل من السير جون مالكولم، والسير هارفورد جونز بريد جيس، والسير جور أوزيلى. وقد أثار التمرد فى خراسان محمد شاه صاحب أفغانستان، وأتاح فرصة للشاه فتح على شاه ليستولى على هراة فى (سنة ١٨١٣ م)، لكنه لم يستطع الاحتفاظ بها. ودارت حرب مع الباب العالى من سنة (١٨٢١ - ١٨٢٣ م) انتهت بمعاهدة فى صالح فارس. وفى سنة ١٨٢٦ م، وخلال سعيه إلى الاستفادة بموت ألكسندر الأول قيصر الروسيا، بغزو جورجيا واستردادها أعلن فتح على شاه الحرب على روسيا بتحريض من ابنه الأكبر عباس ميرزا، لكن ابنه هزم قرب كنجه على أيدى الجنرال باسكوتش (فى الخامس والعشرين من شهر سبتمبر)، وهزم مرة أخرى أمام عباس آباد (فى شهر يوليو ١٨٢٧ م)، وأجبر الشاه على التخلى عن أرمينيا بمقتضى (معاهدة
стр. 7666
تركمان جى، فى الثانى والعشرين من فبراير سنة ١٨٢٨ م)، وعن إيروان، ونخشوان. ومات فتح على شاه فى إصفهان بعد بضعة أشهر من موت ابنه عباس ميرزا، وترك العرش لحفيده محمد شاه، الذى كان ذاعينين حادتين غائرتين تحت حاجبين كثيفين، وكانت له لحية طويلة كثة مصبوغة بالحناء.
المصادر:
(١) عبد الرزاق بن نجفقلى: مآثرى سلطانية، تبريز سنة ١٢٤١, (ترجمة H.T.Brydges تحت عنوان The Dynasty of The Kajars, London
(٢) ميرزا تاقى سبهر: تأريخ القاجارية (الجزء التاسع من ناسخ التواريخ) تبريز ١٣١٩/ ١٩٠١ - ١٩٠٢.
(٣) سعيد نفيسى: التاريخ الاجتماعى والسياسى فى إيران، طهران ١٣٣٥.
(٤) R.G. Watson: A History of Persia London ١٨٦٦
(٥) J.B. Fraser: Narrative of a journey into Khorasan. London, ١٨٢٥
حسن شكرى [لامبتون A.K.S. Lampton]
الفترة
أكثر ما تطلق كلمة (الفترة) على الفاصل الزمنى بين نبيين أو رسولين جاء الثانى منهما عقب الأول مباشرة (انظر الجاحظ، طبعة السنوبى، ١٣٣ - ١٣٤). ويلاحظ أن المسعودى استعمل الكلمة فأطلقها على ما انقضى من زمن بين هود وصالح وإن كان ذلك غير شائع الاستعمال، وقد تطلق "الفترة" على الفاصل الزمنى بين عيسى ﵇ ومحمد [ ﷺ ] ولم يلاحظ من أطلقوا اللفظ بهذا المعنى ما كان من مرور ستة قرون بين الاثنين، وهى فترة حاولوا سدها بشخصيات رفض أصحابها عبادة الأوثان دون أن يعتنقوا اليهودية أو المسيحية، ولكنهم عاشوا عيشة النسك وصرحوا فى بعض الأحيان بظهور النبى [ ﷺ ]. ويبدو أن ابن قتيبة فى كتابه المعارف (ص ٥٨)
стр. 7667
كان أول من أحصى الرجال الذين كانوا على ملة من الملل قبل بعث النبى [ ﷺ ] واعتمد فى ذلك على مصادر ترجع إلى القرن الثانى للميلاد فذكر منهم الشنى وورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وأمية بن أبى الصلت وأسعد أبو كرب وقس بن ساعدة وصرمة بن أبى أنس وخالد بن سنان، ولكنه لم يستعمل لفظ "الفترة" على حين أننا نجد المسعودى فى القرن التالى لابن قتيبة يصف الشخصيات التى ذكرها ابن قتيبة بأنهم "أهل الفترة" (المسعودى مروج ١/ ١٢٤ - ١٤٨) ويضيف إليهم غيرهم فيمن يقول إنهم "آمنوا بإله وأحد وبالبعث"، بل إنه ليؤكد أن اثنين منهم وهما حنظلة بن صفوان وخالد بن سنان يدخلان فى عداد الرسل عند فريق من أهل الإسلام وفى عصور متأخرة استخدم مصطلح الفترة -بالإضافة إلى ما سبق ليشير إلى الحقبة أو الحقب التى ينقطع فيها استمرار نظام حكم معين، أو يختل فيها تسلسل ولاية العهد. . وهكذا، وقد استخدمت الكلمة بمدلولها السياسى هذا فى أسبانيا لتدل على ما بعد سقوط الخلافة، كما استخدمت فى الدولة العثمانية لتدل على ما بعد موت بايزيد الأول.
ت د. حسن حبشى [شارل بيلات Ch. Pellat]
فتوى
وهى الرأى فى نقطة قانونية. . ومصطلح القانون ينطبق -فى الإسلام- على كل الأمور المدنية والدينية. وإعطاء الفتوى هى "الفتيا أو الافتاء" ويستخدم المصطلح ذاته ليدل على مهنة "الناصح" أو الاستشارى والشخص الذى يعطى الفتوى أو ينشغل بهذه المهنة، هو المفتى. . أما الذى يطلب الفتوى فهو المستفتى.
وعندما انتشر الإسلام ظهرت الحاجة إلى المشورة (الشرعية)، فالأعداد المتزايدة ممن دخلوا فى الدين الجديد، الذى يشرع -بصفته الشمولية للجوانب الدنيوية كما يشرع للجوانب الروحية فى الحياة اليومية، وكذلك بقاء قوانين وعادات البلاد التى فتحها المسلمون، والتى كان من الضرورى أن تتناغم- بطريقة أو بأخرى مع المفاهيم
стр. 7668
الجديدة وتتوحد فى مجموعة القوانين الإسلامية الوليدة، كل هذا كان يتطلب الرجوع المستمد إلى آراء ومشورة المختصين فى هذه الأمور.
وقد لعب المفتون -مثل الحكماء فى القانون الرومانى- دورا عظيما فى تدعيم بنية وهيكلية القانون الإسلامى -وتعتبر مجموعة الردود التى يقدمها المُفْتُون ذوو السمعة الحسنة من بين أهم مصادر الشريعة.
وهناك شروط تتطلبها المبادئ التقليدية لممارسة هذه المهنة أو تقديم الفتوى وهى: الإسلام -العدالة- المعرفة الشرعية (القانونية) أو الاجتهاد أو القدرة على الوصول بالتفكير إلى حل لأية مشكلة، ولذلك يقول الكتاب إنه فى تلك الأوقات التى لم يكن فيها من لديه القدرة على ذلك مثل هؤلاء الذين يرددون آراء أسلافهم، لم تكن الآراء تشكل فتاوى بالمعنى الصحيح، بل مجرد آراء أو ترديد للآراء.
ويمكن أن يكون المفتى -على عكس القاضى- امرأة أو عبدا أو شخصا أعمى أو أصم (إلا فى حالة المفتى الذى يكون موظفا عاما).
وهذه الشروط التى سبقت الاشارة إليها مطلوبة أيضا سواء كانت الحالة لفتوى فردية منفصلة أو كانت ممارستها من صلاحيات المهنة.
ويمكن تقديم الفتاوى للأفراد، وللمستشارين أو القضاة فى ممارستهم للمهنة، أو لأية سلطة أخرى، والحق أن القانون يحث الحكام على أن يسعوا إلى الشورة -ولكن حدث فى تلك البلاد (مثل اسبانيا الإسلامية) التى تطورت فيها مفاهيم الشورى أن أصبح هناك مفتون دائمون فى بلاط الحكام بهدف تقديم النصيحة والمشورة وكان يطلق على الواحد منهم اسم "مشاور"
وقد كانت "الفتيا" من جهة المبدأ، مهنة مستقلة؛ ولكنها أصبحت مرتبطة بالسلطة العامة بعديد من الوسائل. . فقد أشرفت الدولة على ممارسة المهنة ومثل هذا الاشراف أو الرقابة كان من بين وظائف الحاكم الذى كان يستطيع فى حالات الضرورة أن يحرم المفتى من
стр. 7669
زمرة المؤمنين ويمنعه من الافتاء. ومنذ القرن الأول الهجرى -السابع الميلادى- أخذت الدولة على عاتقها تعيين القضاة المؤهلين لأن يعملوا فى مجال الفتوى وبعد ذلك وجدت الوظائف الرسمية "للفتيا"، ومن ثم أصبحت وظيفة عامة مثل المستشارية الشرعية (القضاء الشرعى) وتدخل فى نطاق المهام الدينية وهكذا شكل هؤلاء "المُفْتُون" -فى الدولة المملوكية- جزءا من مجلس المظالم الذى يرأسه السلطان وحكام الأقاليم وفى بعض العصور وأيضا فى بعض المناطق -كما فى الامبراطورية العثمانية- ارتبطت وظيفة المفتى بوظيفة القاضى وكان من يتولى هذا المنصب ممنوعا من مجرد تقديم الفتاوى فيما يتعلق بأى إجراء قانونى يعرض فى محكمته.
والوظيفة العامة للمفتى لا تتحيز للأهواء الشخصية اللمهنة ومع ذلك ومع دخول القوانين والتشريعات المأخوذة من النظم الأوربية فى كل فروع القانون تقريبًا، هبطت المهنة إلى درجة الإهمال -بل- وفى أمور مثل الأحوال الشخصية والوقف، والتى ما زالت تحكمها مبادئ القانون الإسلامى (الشريعة الإسلامية) بشكل عام، أصبحت ممارسة الفتوى فى طريقها إلى الزوال.
وقد بقيت كوظيفة عامة فقط، أو بالأحرى كشئ يبقى للتاريخ، يأخذ طابع الشخصية الإسلامية للدولة وعلاوة على ذلك فإن الدول الإسلامية التى تأخذ بالهياكل السياسية الحديثة لم تعد تلجأ إلى من يتولون هذا المنصب من أجل إقرار شرعية نشاطاتهم التشريعية. أما فى الدول التى يشكل فيها مجموعة المسلمين جزءا من سكان البلاد -مثل لبنان- فقد خضعت لتحول ملحوظ: فقد أصبح مفتى الجمهورية الزعيم الدينى لمجتمع المسلمين وممثله -بهذه الصفة- لدى السلطات وهو رئيس كل المسئولين فى طائفة المسلمين وخدمة الوقف، وينتخبه مدى الحياة جماعة تتألف من أعضاء متخصصين ذوى كفاءة فى المجتمع المسلم (المرسوم التشريعى رقم ١٨ فى ١٣ يناير ١٩٥٥ م) ومع ذلك يبقى الفنيون، بالمعنى التقليدى، تحت رئاسة "مفتى الجمهورية".
стр. 7670
المصادر:
(١) ابن خلدون فى المقدمة.
(٢) ابن نجيم فى البحر الرائق.
(٣) دماس افندى فى مجمع الأنهر Damas Afendi: Nadjma Aranher
Tyan: Histoine de liarganisdin iudi ciaice en pays A,islan
[بهجت عبد الفتاح (أ. تيان z.Tyan]
فى الامبراطورية العثمانية
يبدو أن مهمة الإفتاء -فى الفترات الأولى من حكم العثمانيين- كانت ذات طبيعة عرضية مثلما اتضح حتى الآن فى كل المناطق الأخرى التى تخضع لحكم الإسلام- فقد كان يمكن أن يطلب من أية سخصية بارزة فى علمها وتقواها أن تكون "حكما" فى أى نزاع ينطوى على مسألة شرعية، وكان رأيه قاطعا ومع ذلك، رأى المسئولون ومع تنظيم الإدارة فى الامبراطورية التى تتزايد اتساعا، أن الأمر يتطلب نظاما أكثر تماسكا وتوحدا للممارسة التشريعية (الشرعية - القانونية)، ومن ثم اقتصرت سلطة الإفتاء تدريجيا على قلة من الأفراد من ذوى المناصب العامة (مثل قافى العسكر، ومعلمى السلاطين، وقضاة المدن الكبيرة مثل البورصة وادرنة) تستأنف أمامهم القرارات التى يصدرها المفتون". "الأقل" درجة. . . ولكن هذا أيضا لم يكن مرضيا إذ بدا أنه يخضع قانون السماء للأوضاع الدنيوية (العلمانية)، ويجعله وسيلة وأداة لإرادة الحاكم؛ لذلك -وكما حدث فى عهد مراد الثانى (٨٢٤ - ٥٥ هـ/ ١٤٢١ - ٥١ م) كان حق إصدار الفتوى -فى بعض الأحيان- مقصورا على شخص يطلق عليه شيخ الإسلام، الذى -رغم تعيينه من قبل السلطان لم يشترك فى مجالس الدولة، ولا يتلقى أية رسوم، على القرارات التى يصدرها، وكان يعتبر فوق الاعتبارات الدنيوية -ولم يكن يتصل بأطراف النزاع أو بالمدافعين عنهم- فهناك كاتب الفتوى (Fetwa Odasi) ويعرف باسم "المسودجى" الذى يعد المسودة للموضوع الذى سيعرض عليه (على شيخ الإسلام)، ثم يفحص هذه المسودة لضمان سلامة العرض وصحته، كاتب آخر فى المكتب