تركمان جى، فى الثانى والعشرين من فبراير سنة ١٨٢٨ م)، وعن إيروان، ونخشوان. ومات فتح على شاه فى إصفهان بعد بضعة أشهر من موت ابنه عباس ميرزا، وترك العرش لحفيده محمد شاه، الذى كان ذاعينين حادتين غائرتين تحت حاجبين كثيفين، وكانت له لحية طويلة كثة مصبوغة بالحناء.
المصادر:
(١) عبد الرزاق بن نجفقلى: مآثرى سلطانية، تبريز سنة ١٢٤١, (ترجمة H.T.Brydges تحت عنوان The Dynasty of The Kajars, London
(٢) ميرزا تاقى سبهر: تأريخ القاجارية (الجزء التاسع من ناسخ التواريخ) تبريز ١٣١٩/ ١٩٠١ - ١٩٠٢.
(٣) سعيد نفيسى: التاريخ الاجتماعى والسياسى فى إيران، طهران ١٣٣٥.
(٤) R.G. Watson: A History of Persia London ١٨٦٦
(٥) J.B. Fraser: Narrative of a journey into Khorasan. London, ١٨٢٥
حسن شكرى [لامبتون A.K.S. Lampton]
الفترة
أكثر ما تطلق كلمة (الفترة) على الفاصل الزمنى بين نبيين أو رسولين جاء الثانى منهما عقب الأول مباشرة (انظر الجاحظ، طبعة السنوبى، ١٣٣ - ١٣٤). ويلاحظ أن المسعودى استعمل الكلمة فأطلقها على ما انقضى من زمن بين هود وصالح وإن كان ذلك غير شائع الاستعمال، وقد تطلق "الفترة" على الفاصل الزمنى بين عيسى ﵇ ومحمد [ ﷺ ] ولم يلاحظ من أطلقوا اللفظ بهذا المعنى ما كان من مرور ستة قرون بين الاثنين، وهى فترة حاولوا سدها بشخصيات رفض أصحابها عبادة الأوثان دون أن يعتنقوا اليهودية أو المسيحية، ولكنهم عاشوا عيشة النسك وصرحوا فى بعض الأحيان بظهور النبى [ ﷺ ]. ويبدو أن ابن قتيبة فى كتابه المعارف (ص ٥٨)
стр. 7667
كان أول من أحصى الرجال الذين كانوا على ملة من الملل قبل بعث النبى [ ﷺ ] واعتمد فى ذلك على مصادر ترجع إلى القرن الثانى للميلاد فذكر منهم الشنى وورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وأمية بن أبى الصلت وأسعد أبو كرب وقس بن ساعدة وصرمة بن أبى أنس وخالد بن سنان، ولكنه لم يستعمل لفظ "الفترة" على حين أننا نجد المسعودى فى القرن التالى لابن قتيبة يصف الشخصيات التى ذكرها ابن قتيبة بأنهم "أهل الفترة" (المسعودى مروج ١/ ١٢٤ - ١٤٨) ويضيف إليهم غيرهم فيمن يقول إنهم "آمنوا بإله وأحد وبالبعث"، بل إنه ليؤكد أن اثنين منهم وهما حنظلة بن صفوان وخالد بن سنان يدخلان فى عداد الرسل عند فريق من أهل الإسلام وفى عصور متأخرة استخدم مصطلح الفترة -بالإضافة إلى ما سبق ليشير إلى الحقبة أو الحقب التى ينقطع فيها استمرار نظام حكم معين، أو يختل فيها تسلسل ولاية العهد. . وهكذا، وقد استخدمت الكلمة بمدلولها السياسى هذا فى أسبانيا لتدل على ما بعد سقوط الخلافة، كما استخدمت فى الدولة العثمانية لتدل على ما بعد موت بايزيد الأول.
ت د. حسن حبشى [شارل بيلات Ch. Pellat]
فتوى
وهى الرأى فى نقطة قانونية. . ومصطلح القانون ينطبق -فى الإسلام- على كل الأمور المدنية والدينية. وإعطاء الفتوى هى "الفتيا أو الافتاء" ويستخدم المصطلح ذاته ليدل على مهنة "الناصح" أو الاستشارى والشخص الذى يعطى الفتوى أو ينشغل بهذه المهنة، هو المفتى. . أما الذى يطلب الفتوى فهو المستفتى.
وعندما انتشر الإسلام ظهرت الحاجة إلى المشورة (الشرعية)، فالأعداد المتزايدة ممن دخلوا فى الدين الجديد، الذى يشرع -بصفته الشمولية للجوانب الدنيوية كما يشرع للجوانب الروحية فى الحياة اليومية، وكذلك بقاء قوانين وعادات البلاد التى فتحها المسلمون، والتى كان من الضرورى أن تتناغم- بطريقة أو بأخرى مع المفاهيم
стр. 7668
الجديدة وتتوحد فى مجموعة القوانين الإسلامية الوليدة، كل هذا كان يتطلب الرجوع المستمد إلى آراء ومشورة المختصين فى هذه الأمور.
وقد لعب المفتون -مثل الحكماء فى القانون الرومانى- دورا عظيما فى تدعيم بنية وهيكلية القانون الإسلامى -وتعتبر مجموعة الردود التى يقدمها المُفْتُون ذوو السمعة الحسنة من بين أهم مصادر الشريعة.
وهناك شروط تتطلبها المبادئ التقليدية لممارسة هذه المهنة أو تقديم الفتوى وهى: الإسلام -العدالة- المعرفة الشرعية (القانونية) أو الاجتهاد أو القدرة على الوصول بالتفكير إلى حل لأية مشكلة، ولذلك يقول الكتاب إنه فى تلك الأوقات التى لم يكن فيها من لديه القدرة على ذلك مثل هؤلاء الذين يرددون آراء أسلافهم، لم تكن الآراء تشكل فتاوى بالمعنى الصحيح، بل مجرد آراء أو ترديد للآراء.
ويمكن أن يكون المفتى -على عكس القاضى- امرأة أو عبدا أو شخصا أعمى أو أصم (إلا فى حالة المفتى الذى يكون موظفا عاما).
وهذه الشروط التى سبقت الاشارة إليها مطلوبة أيضا سواء كانت الحالة لفتوى فردية منفصلة أو كانت ممارستها من صلاحيات المهنة.
ويمكن تقديم الفتاوى للأفراد، وللمستشارين أو القضاة فى ممارستهم للمهنة، أو لأية سلطة أخرى، والحق أن القانون يحث الحكام على أن يسعوا إلى الشورة -ولكن حدث فى تلك البلاد (مثل اسبانيا الإسلامية) التى تطورت فيها مفاهيم الشورى أن أصبح هناك مفتون دائمون فى بلاط الحكام بهدف تقديم النصيحة والمشورة وكان يطلق على الواحد منهم اسم "مشاور"
وقد كانت "الفتيا" من جهة المبدأ، مهنة مستقلة؛ ولكنها أصبحت مرتبطة بالسلطة العامة بعديد من الوسائل. . فقد أشرفت الدولة على ممارسة المهنة ومثل هذا الاشراف أو الرقابة كان من بين وظائف الحاكم الذى كان يستطيع فى حالات الضرورة أن يحرم المفتى من
стр. 7669
زمرة المؤمنين ويمنعه من الافتاء. ومنذ القرن الأول الهجرى -السابع الميلادى- أخذت الدولة على عاتقها تعيين القضاة المؤهلين لأن يعملوا فى مجال الفتوى وبعد ذلك وجدت الوظائف الرسمية "للفتيا"، ومن ثم أصبحت وظيفة عامة مثل المستشارية الشرعية (القضاء الشرعى) وتدخل فى نطاق المهام الدينية وهكذا شكل هؤلاء "المُفْتُون" -فى الدولة المملوكية- جزءا من مجلس المظالم الذى يرأسه السلطان وحكام الأقاليم وفى بعض العصور وأيضا فى بعض المناطق -كما فى الامبراطورية العثمانية- ارتبطت وظيفة المفتى بوظيفة القاضى وكان من يتولى هذا المنصب ممنوعا من مجرد تقديم الفتاوى فيما يتعلق بأى إجراء قانونى يعرض فى محكمته.
والوظيفة العامة للمفتى لا تتحيز للأهواء الشخصية اللمهنة ومع ذلك ومع دخول القوانين والتشريعات المأخوذة من النظم الأوربية فى كل فروع القانون تقريبًا، هبطت المهنة إلى درجة الإهمال -بل- وفى أمور مثل الأحوال الشخصية والوقف، والتى ما زالت تحكمها مبادئ القانون الإسلامى (الشريعة الإسلامية) بشكل عام، أصبحت ممارسة الفتوى فى طريقها إلى الزوال.
وقد بقيت كوظيفة عامة فقط، أو بالأحرى كشئ يبقى للتاريخ، يأخذ طابع الشخصية الإسلامية للدولة وعلاوة على ذلك فإن الدول الإسلامية التى تأخذ بالهياكل السياسية الحديثة لم تعد تلجأ إلى من يتولون هذا المنصب من أجل إقرار شرعية نشاطاتهم التشريعية. أما فى الدول التى يشكل فيها مجموعة المسلمين جزءا من سكان البلاد -مثل لبنان- فقد خضعت لتحول ملحوظ: فقد أصبح مفتى الجمهورية الزعيم الدينى لمجتمع المسلمين وممثله -بهذه الصفة- لدى السلطات وهو رئيس كل المسئولين فى طائفة المسلمين وخدمة الوقف، وينتخبه مدى الحياة جماعة تتألف من أعضاء متخصصين ذوى كفاءة فى المجتمع المسلم (المرسوم التشريعى رقم ١٨ فى ١٣ يناير ١٩٥٥ م) ومع ذلك يبقى الفنيون، بالمعنى التقليدى، تحت رئاسة "مفتى الجمهورية".
стр. 7670
المصادر:
(١) ابن خلدون فى المقدمة.
(٢) ابن نجيم فى البحر الرائق.
(٣) دماس افندى فى مجمع الأنهر Damas Afendi: Nadjma Aranher
Tyan: Histoine de liarganisdin iudi ciaice en pays A,islan
[بهجت عبد الفتاح (أ. تيان z.Tyan]
فى الامبراطورية العثمانية
يبدو أن مهمة الإفتاء -فى الفترات الأولى من حكم العثمانيين- كانت ذات طبيعة عرضية مثلما اتضح حتى الآن فى كل المناطق الأخرى التى تخضع لحكم الإسلام- فقد كان يمكن أن يطلب من أية سخصية بارزة فى علمها وتقواها أن تكون "حكما" فى أى نزاع ينطوى على مسألة شرعية، وكان رأيه قاطعا ومع ذلك، رأى المسئولون ومع تنظيم الإدارة فى الامبراطورية التى تتزايد اتساعا، أن الأمر يتطلب نظاما أكثر تماسكا وتوحدا للممارسة التشريعية (الشرعية - القانونية)، ومن ثم اقتصرت سلطة الإفتاء تدريجيا على قلة من الأفراد من ذوى المناصب العامة (مثل قافى العسكر، ومعلمى السلاطين، وقضاة المدن الكبيرة مثل البورصة وادرنة) تستأنف أمامهم القرارات التى يصدرها المفتون". "الأقل" درجة. . . ولكن هذا أيضا لم يكن مرضيا إذ بدا أنه يخضع قانون السماء للأوضاع الدنيوية (العلمانية)، ويجعله وسيلة وأداة لإرادة الحاكم؛ لذلك -وكما حدث فى عهد مراد الثانى (٨٢٤ - ٥٥ هـ/ ١٤٢١ - ٥١ م) كان حق إصدار الفتوى -فى بعض الأحيان- مقصورا على شخص يطلق عليه شيخ الإسلام، الذى -رغم تعيينه من قبل السلطان لم يشترك فى مجالس الدولة، ولا يتلقى أية رسوم، على القرارات التى يصدرها، وكان يعتبر فوق الاعتبارات الدنيوية -ولم يكن يتصل بأطراف النزاع أو بالمدافعين عنهم- فهناك كاتب الفتوى (Fetwa Odasi) ويعرف باسم "المسودجى" الذى يعد المسودة للموضوع الذى سيعرض عليه (على شيخ الإسلام)، ثم يفحص هذه المسودة لضمان سلامة العرض وصحته، كاتب آخر فى المكتب
стр. 7671
يسمى "المميز" Mumeyyiz، حتى يصل فى النهاية إلى مسألة قانونية (شرعية) يحق عليه أن يقرر فى شأنها ما يراه. وكانت هذه القرارات تسجل ويحفظها امين الفتوى فى مكتب السجلات الخاصة (فتوى خانه)، حيث يمكن الرجوع إليها إذا برزت من جديد نفس المشكلة وكان هؤلاء الأشخاص الثلاثة يقتسمون الرسوم المفروضة على الفتوى التى وصلت فى منتصف القرن السابع عشر إلى ثمانية " akce" وبالرغم من أن منصب شيخ الإسلام اتسع مع مرور الوقت ليشمل عددا من الإدارات الأخرى والموظفين، فإن القسم الخاص بالفتوى ظل كما هو -ومن وقت لآخر كان يتم جمع مختارات من فتاوى بعض شيوخ الإسلام المتميزين فى كتاب، ولكن هذه المختارات وكذلك القرارات المحفوظة فى "فتوى خانه"، لم تكن ذات قيمة كسابقات قانونية، فقانون السابقات (السوابق) بالمفهوم الحالى لم يكن معروفا آنذاك.
وكان هؤلاء الذين يحملون لقب المفتى يعملون مع القضاة فى كل الأقاليم، ولكن لم تكن لهم أية علاقة بالفتوى إلا فى تفسير أصل الكلمات وتاريخها. وإذا كان من الضرورى أن يكون المفتى -من الناحية النظرية- رجلا متمكنا ضليعا فى الأمور الشرعية لمذهبه، وأن يكون أيضا شخصية موثوقا بها ولا يرقى إليها الشك، فإن الصفة الأخيرة -فى الواقع- هى التى كانت مطلوبة فى هذه الأقاليم ولأن القاضى كان شخصًا عابرًا أو غريبًا على الأقليم الذى تم تعيينه فيه ولأنه كان يعتبر فى نظر الجمع ممثلا للسلطة الدنيوية وصوتا لها، فقد كانت أحكامه تحقق تأثيرها الدينى عندما يقرها بشكل ضمنى بعض كبار السن الذين يلقون الاحترام فى المنطقة بسبب ورعهم وتقواهم ويكون مستوى تعليمهم فى المتوسط فوق المستوى الأدنى. وفى بعض الأحيان كان يمكن للقاضى الذى يعتزل المهنة، أن يقدم خدماته بهذه الصفة فى مكان إقامته، كما يمكن لأى فرد من العائلات المتعلمة المحلية فى المدن الكبيرة، ولكن فى غير ذلك لم يكن "المُفْتُون" من طبقة العلماء، وكان وجودهم فى الأقاليم ضروريا فقط لتحقيق التفرقة القانونية بين
стр. 7672
القضاء والإفتاء، ولتجنب النفقات والمماطلة التى تنتج عن إحالة الموضوعات إلى استانبول لتلقى الحكم فيها من شيخ الإسلام. وبالرغم من أن هؤلاء المفتين كانوا يتلقون وثيقة تعيينهم من شيخ الإسلام، فإنهم لم يكونوا بأى معنى جزءًا من التنظيم المركزى، وكان دخلهم الوحيد من الوظيفة حصة فى الرسوم التى كان يتقاضاها القضاة عن القضايا التى كانوا يحكمون فيها. . . وقد كان هذا هو الوضع فى الوطن الأم للامبراطورية العثمانية (روميلى Rumili والأناضول) حيث كان المذهب الحنفى هو المتبع وحده، أما فى الاقاليم العربية (مصر، سوريا، شمال افريقيا) حيث كانت استانبول هى التى تعين القضاة لعدد قليل من المدن المشهورة فقط (مثل القاهرة ودمشق وحلب والقدس ومكة والمدينة) وكانت هذه مجرد وظائف عاطلة (أو مؤقتة) توطئة لمنصب أعلى، فقد كانت التقاليد والممارسات القديمة هى التى تنفذ، فهنا كان "المفتون" من جميع المذاهب الأخرى هم من ذوى المرتبة الرفيعة فى الأمور الدينية والمسائل القضائية، وكان شيخ الإسلام يعترف بهم على هذا النحو؛ وقد كان (بثمن ما) يصدر الترخيص بتعيينهم وكذلك السلطة المدنية التى تنفذ أحكامهم.
وكانت وثيقة الفتوى ذات شكل تقليدى، وتختلف قليلا من قرن إلى آخر، وكان يعلوها دعاء دينى مكتوب باللغة العربية وباسلوب معين، ويختلف من فترة إلى أخرى حسب ما يتميز به كاتب المسودة؛ ومع ذلك فقد اصبحت صيغة "التوفيق منه" ثابتة لا تتغير بعد منتصف القرن الثانى عشر الهجرى -الثامن عشر الميلادى- بقية الوثيقة تكتب باللغة التركية- وصار شيخ الإسلام هو الذى يكتب القرار أو الجواب بخط يده على الصفحة ذاتها. . وكان الجواب دائما مختصرا يقتصر على نعم أو لا، وبغير إبداء الأسباب، وتختم الوثيقة بتوقيع شيخ الإسلام (فقد كان "الختم" محظورا ما لم تكن حالته الصحية تمنعه من الكتابة)
وقد ألغى منصب شيخ الإسلام فى عام ١٩٢٤ م فى الوقت الذى ألغيت فيه الخلافة العثمانية، وقد حل محل هذا
стр. 7673
المنصب إدارة للشئون الدينية تتبع مكتب رئيس الوزراء، الذى يعين رئيسها.
المصادر:
انظر شيخ الإسلام
[بهجت عبد الفتاح (ج. ر. والش J.R. Walsh]
الفجار
الفجار: تعنى كلمة الفُجر وتدنيس المعابد والمقدسات.
أما حرب الفجار فكانت بين قريش وكنَانة من جانب وقيس عيلان (دون غطفان) من جانب آخر وذلك فى الأشهر الحرم مع نهاية القرن السادس الميلادى وتشير المراجع التى بين أيدينا إلى أنها استغرقت ثمانية أيام استمر فيها النضال موصولًا، واعتبرت الأيام الثلاثة الأولى منها مجرد مناوشات أما القتال الحقيقى فكان فيما تلى ذلك من الأيام ثم استمرت كما تقول الروايات أربع سنوات وقد وقعت هذه الحرب أثناء الأشهر الحرم عندما قتل غدرًا عروة الرحال الذى ينتمى لبنى عامر بن الصعصع الذى كان يحرس قافلة النعمان الثالث القادمة من الحيرة إلى سوق عكاظ وكان اغتياله بالغدر على يد البراد بن قيس الكنانى. وكان حرب ابن أمية مع بعض شيوخ قريش يضمنون البراد فى عكاظ فما إن بلغتهم أنباء هذا العمل الشائن حتى رحلوا إلى مكة وحينئذ باغتتهم هوازن وهاجمتهم فى منطقة تعرف بنخلة، غير أن هبوط الظلام لم يمكنهم من الوصول إلى البقعة المقدسة، ويعد يوم "نخلة" أول أيام معركة الفجار الثانية على أنه بعد عام من تلك الأحداث التقى الطرفان المتقاتلان دون أن يشترك هذه المرة بنو كعب وبنو كلاب من جماعة عامر بن الصعصع (صعصعة) وكانت معركتها عند شمطة (شمظة) قرب عكاظ وانتصرت هوازن وعرف ذلك اليوم بيوم "العبلاء"، ثم انتصرت قريش وكنانة فى العام التالى ثم كان اللقاء الخامس عند "الحرة" قرب عكاظ وعرف ذلك بيوم "الحُرَيْرَة" وانتصرت فيه هوازن مرة ثانية، ولم يكن هناك بعد ذلك أكثر من مناوشات جانبية انتهت بإقرار السلام بين الطرفين، وقيلت فى هذه المعارك قصائد كثيرة
стр. 7674
حفظ لنا الواقدى منها شيئا قليلا. وعلى الرغم مما يقال من أن النبى [ ﷺ ] شارك فى حرب الفجار إلا أن التفاصيل تختلف فيما بينها، فيقول البعض إنه ساهم فى القتال فى "شمطة" حيث هزمت قريش وتثنى الأغانى على شجاعته فى هذا اليوم، على حين يقول البعض الآخر إنه كان يجمع النبال لأعمامه، ولكن يستفاد من أيام العرب أنه لم يشترك فى الفجار من أعمامه سوى الزبير.
ولقد اندلعت حرب الفجار هذه فى الموسم الذى تزدهر فيه الحركة التجارية وكان الغرض الأساسى منها هو السيطرة على طريق التجارة فى نجد، وقد عظم شأن قريش من حرب "الفجار" هذه، حيث أخذت تزود حلفاءها بالسلاح، كما يلاحظ أن خصومهم من أهل ثقيف وبنى نصر بن معاوية أبدوا أشد أنواع المقاومة ولكن أنهكهم طول الصراع.
المصادر:
(١) سيرة ابن هشام: ص ١١٧ - ١١٩.
(٢) ابن سعد: جزء ص ٨٠ - ٨٢
(٣) الطبقات الكبرى، ليدن ١٩٠٥ - ١٩٤٠.
(٤) كتاب الأغانى جزء ١٩ ص ٧٣ - ٨٢.
(٥) اليعقوبى: جزء ١ ص ١٤
أمل رواش [ج. و. فوك J.W. Fuck]
فخ
فخ موضع قرب مكة يعرف الآن بالشهداء، وتقول إحدى الروايات الموغلة فى القدم إن رهطا من الصحابة وفيهم عبد اللَّه بن الخليفة عمر بن الخطاب قد دفنوا به، وجرت العادة على إقامة احتفال يوم الرابع عشر من صفر من كل عام تمجيدا لمن قتلوا فى هذا الموضع، ويبلغون المائة فعرفوا بالشهداء وذلك فى معركة تعرف بيوم فخ يوم الثامن من ذى الحجة ١٦٩ هـ (١١ يونيو ٧٨٦ م). ويحتفظ الشيعة بذكريات كثيرة عن هذه المعركة التى أسفرت عن خاتمة مأساوية لثورة علوية بدأت فى المدينة واستمرت أقل من أربعين يوما واعتبرت أكبر مذبحة بعد مذبحة كربلاء، فيذكر اليعقوبى أنه بعد اعتلاء الهادى الخلافة تجددت
стр. 7675
العداوات ضد الشيعة مما حمل بعضهم على الذهاب إلى المدينة يشكون لعلوييها ما يلقاه اخوانهم من الاضطهادات والظلم. على أنه يجب أن نرجع إلى الوراء لنعرف الأسباب الحقيقية لمجريات الأحداث فإن هذه الثورة كانت على صلة بثورة محمد بن عبد اللَّه المعروف بالنفس الزكية وأخيه إبراهيم سنة ١٤٥ هـ (٧٦٢ م). ومن ناحية أخرى فقد ثار أحدهم بالمدينة واسمه الحسين العلوى الذى عرف بصاحب فخ فقد ظل يقاوم قوات بنى العباس أحد عشر يوما خرج بعدها إلى مكة والتحم بعسكر العباسيين يوم التروية (أى الثامن من ذى الحجة ١٦٩ - ٧٨٦) عند سفح "جبل البرود" بفخ، ورفض الحسين أن ينزل بالأمان وقتل فى المعركة إلى جانب آخرين من العلويين وظلت أجسادهم فى العراء فكانت مدعاة لإلهاب خيال الشعراء فنظمت فيهم المراثى الكثيرة. وقد نجح فى الفرار من هذه المذبحة العلوى إدريس ابن عبد اللَّه بن الحسين فهرب إلى مصر ثم تمكن من تأسيس دولة الأدارسة فى المغرب.
المراجع:
أولًا: العربية
(١) ياقوت: معجم البلدان، جزء ٣، ص ٨٥٤.
(٢) الطبرى: مروج الذهب، جزء ٦ ص ٦٦٢ - ٨٦٢. الكامل
(٣) ابن الأثير: ليدن ١٨٥١ - ١٨٧٦. جزء ٤ ص ٦٠ - ٦٤.
ثانيًا: الأجنبية
(١) F.Wustenfeld: Die Chroniken der Stodt Mekka Leipzig ١٨٥٧ - ١٩٥٩, ١,٤٣٥,٥٠١ F., ii, ١٨٥ and index
د. حسن حبشى [ل. فيشيا فلجيرى L.Veccia Valgieri]
الفخار (١)
يعد الخزف أحد مفاخر الفن الإسلامى وكان يصنع فى كافة الأقطار الإسلامية.
وللمنتوجات الخزفية مكانتها فى العمارة الإسلامية سواء كأداة للتطعيم
стр. 7676
أو كبلاطات خزفية [وتعرف بترابيع القاشانى] كما أنها تتمتع بمكانة هامة فى مجال الفنون التطبيقية [تعرف أيضا بالفنون الزخرفية أو الفنون الصناعية أو الفنون الصغرى].
وإنه لمن الأنسب، لكى نقدم دراسة مختصرة واضحة لهذا الموضوع الواسع، أن نمهد لذلك بإعطاء نبذة يسيرة عن الأساليب الصناعية [وهى التقنيات] المختلفة المستخدمة فى صناعته قبل أن نتطرق إلى ذكر مراكز صناعته الرئيسية والمراحل التاريخية التى ازدهرت خلالها.
ويمكن القول، بادئ ذى بدء، أن المادة الأساسية للمنتوجات الخزفية هى الطين المحروق الذى يتحول إلى سليكوز [السليكا أى الرمل الناعم جدا] أو البلاستيك [مادة لدائنية أى طرية ليسهل تشكيلها] حسب المادة السائدة فى تكوينه.
وإما أن يُترك الطين عاريا وفى هذه الحالة يبدو فى مظهره كالطوب [الآجر] أو يغطى بطبقة البطانة التى تخفى اللون الحقيقى يمكن إضافة أنواع متعددة من الزخارف والطين وهو لا يزال طريا [لينا] كما يمكن حز الآنية بخطوط غائرة [أخاديد] أثناء دورانها على العجلة [أى الدولاب] أو تزخرف بزخارف بارزة على طبقة البطانة حيث يتم ضغط العناصر الزخرفية وتوضع جنبا إلى جنب فى قالب أو تختم بصبغات منفصلة.
وبعد أن يجف الإناء ويحرق فى الفرن يزجج أى يغطى بطلاء زجاجى مخلوط بالرصاص مما يضفى عليه مظهره اللامع ويمنع فى نفس الوقت رشح الماء وقد يلوّن هذا الطلاء أو يترك كما هو بدون تلوين.
هذا ويستطيع الخزاف أن يضفى على آنيته طابع الثراء بإضافة الألوان المتعددة إليها وما تحدثه من تأثيرات حيث يمكن الحصول على عدد كبير من الطلاءات الزجاجية الملونة المختلفة بواسطة مزج الأكاسيد المعدنية بمواد مذابة عديمة اللون.
وفضلا عن أكسيد القصدير الذى يعطى اللون الأبيض فإن لوحة الألوان
стр. 7677
تضم أكسيد الكوبالت لأعطاء اللون الأزرق وأكسيد النحاس لإعطاء اللون الأخضر واللون الأزرق التركوازى [الفيروزى] وأكسيد المنجنيز لأعطاء اللون البنى واللون البنفسجى الباذنجانى.
هذا وترسم الزخارف بفرشاة على طبقة البطانة التى كل تغطى جسم الآنية ومن ثم تظهر هذه الزخارف تحت طبقة الطلاء الزجاجى وهذه هى الطريقة المستخدمة فى صناعة أوانى السيلكوز، أو ترسم الزخارف على طبقة الطلاء الزجاجى المعتم [غير الشفاف] نتيجة إضافة أكسيد القصدير إليها وهذه هى الطريقة المستخدمة فى صناعة الأوانى المطلية بالطلاء الزجاجى القصديرى [أى المعتم].
وقد كانت منطقة غرب آسيا هى أول بقعة شهدت ميلاد صناعة الخزف الإسلامى التى يرجع أصلها من غير شك إلى الطّوب المزجج فى القصور الأخمينية والمنتوجات الخزفية الغارثية [أو البارثيه] والساسانية.
ومهما يكن من أمر فإن الخزف الإسلامى لم يكن معروفا لدينا حتى بداية العصر العباسى (القرن ٣ هـ/ ٩ م)، ونحن ندين بمعلوماتنا الأولية والدقيقة عن هذه المنتوجات الخزفية إلى الحفائر التى أجريت فى مدينة سامراء (عاصمة الخلافة العباسية فيما بين ٢٢٣ - ٢٦٩ هـ/ ٨٣٨ - ٨٨٣ م) وقد زودتنا هذه الحفائر بالعديد من الأوانى والقطع الخزفية التى تتميز بالتنوع الشديد والمهارة الفائقة فى التنفيذ وهو الأمر الذى يدعو إلى الاعتقاد بوجود عدد من مراحل التطور السابقة والتى لا نعرف عنها شيئا [حتى الآن].
وقد وجدت فى سامرا، (علاوة على أنواع الخزف سواء المزجج أو غير المزجج أو المخروز أو المختوم) وثلاثة أنواع رئيسية من المصنوعات الخزفية: النوع الأول هو الخزف الأبيض المزخرف بالنقاط والعناصر الكتابية غير المقروءة المنفذة باللون الأزرق الزرنيخ [بين الأزرق والأخضر].
النوع الثانى هو الخزف ذو الزخارف المتعددة الألوان ومن الواضح
стр. 7678
أنه مستوحى من المنتوجات الحجرية الصينية التى ترجع إلى عصر أسرة تانج (القرنان ١ - ٢ هـ/ ٧ - ٨ م).
والنوع الثالث والأخير هو الخزف المميز والمعروف بالخزف ذى البريق المعدنى [الفضار المذهب] ويمكن الحصول على زخَارف هذا النوع من الخزف عن طريق مزج أكسيد الحديد مع بودرة الفضة أو النحاس الذى ينفصل عند درجة الانصهار ويوضع كسائل رقيق فوق الطبقة الزجاجية المعتمة [كنتيجة لإضافة القصدير إليها وتكون شفافة عند إضافة الرصاص إليها].
وتتدرج ألوانه من اللون الذهبى الباهت [الشاحب] إلى اللون الأحمر الياقوتى، أما درجات انعكاس للك الألوان فتختلف حسب سقوط الضوء عليها.
وقد عثر فى مدينة سوسة على قطع أخرى مشابهة ولاشك أنها معاصرة خزف سامراء فى القرن ٣ هـ/ ٩ م]
ولقد كانت هذه المنتوجات الخزفية سواء فى بغداد أو فى غيرها من مراكز الخلافة العباسية تنافس فى مظهرها الأوانى المعدنية النفيسة ولكنها لم تتعرض مثلها إلى التحريم من جانب المتشددين [أى الفقهاء الذين أجمعوا على تحريم استعمال الأوانى الذهبية والفضية] ومن ثم صارت إحدى السلع التجارية الرائجة فى مجال التصدير إلى كافة الأقطار الإسلامية ويؤكد ذلك ما عثر عليه فى حفائر مدينة الزهراء الأندلسية من قطع عديدة تشبه مثيلتها فى سامراء، وأيضا أروع مجموعة من البلاطات الخزفية وصلت إلينا (ويقدر عددها بنحو ١٥٠ بلاطة [وفى رأى آخر ١٣٩ بلاطة) أرسلت من بغداد أو أى مركز صناعى آخر) وهى التى تكسو محراب جامع القيروان [بتونس].
وكانت مصانع الفسطاط بمصر هى أول من استخدمت أسلوب الزخرفة بالبريق المعدنى [وهو يشير بذلك إلى بعض القطع الزجاجية المزخرفة بالبريق المعدنى والتى ترجع إلى الربع الثالث من القرن ٢ هـ/ ٨ م] حيث ستقابلنا هذه المنتوجات مرة أخرى.
стр. 7679
وقد قامت بلاد فارس بدور بارز فى تطور المنتوجات الخزفية منذ وقت مبكر، ويبدو أنها استفادت من التقاليد الأجنبية فضلًا عن التقاليد السابقة على العصر الإسلامى ويظهر ذلك جليا فى النوع المسمى بخزف "جيرى" وكانت زخارفه تنفذ بواسطة عمل حزوز كبيرة أو صغيرة فى طبقة البطانة التى تغطى جسم الآنية تحت طلاء زجاجى شفاف لامع وتتكون هذه الزخارف من رسوم تخطيطية تذكرنا بالحضارة الفارسية القديمة وقوامها مذابح النار فضلا عن أشكال الكائنات الحية من رسوم الأشخاص والحيوانات والطيور والأسود والتنين المنفذة بأسلوب شديد التحوير.
وتعتبر مدينة الرى (وتقع أطلالها الآن قرب طهران) من أقدم مراكز إنتاج الخزف فى إيران وقد استمر نشاطها الفنى مزدهرا حتى القرن ٧ هـ/ ١٣ م وهو يعد من أحسن الأنواع المعروفة لجامعى هذا النوع من التحف [أى تجار العاديات] وتظهر المنتوجات الخزفية لهذه المدينة تنوعا كبيرًا سواء فى الشمل أو الأسلوب الصناعى [التقنية].
إن المنتوجات الخزفية المنفذة بالبريق المعدنى الذى غالبا ما يكون ذا لون ذهبى مائل للاخضرار قد مثلت بحرية تامة، وقد أنتجت الرى أيضا، علاوة على البلاطات الخزفية [ترابيع القاشانى] التى تكسو أسطح الجدران والمشكلة على هيئة تخوت ثمانية مدببة العقد أو على هيئة أشكال صلبان ذات ثمانى أذرع متساوية، والقوارير والمزهريات المشكلة على هيئة رسوم حيوانية أو المزخرفة بالحيوانات البرية المنفذة بالحفر البارز.
ولقد كان الخزافون يفضلون تمثيل مناظر الكائنات الحية وهو الأمر الذى يعد أحد السمات المعروفة للذوق الفارسى إذ نشاهد فى داخل الأطباق وعلى حوافها وعلى الأبدان المنتفخة للقوارير وفى البلاطات الخزفية جنودا وصيادين على ظهور الخيل والحكام والموسيقيين الجالسين ذوى الوجوه والأجسام الممتلئة وهى تذكرنا بمثيلتها فى تصاوير المخطوطات المعاصرة وقد نفذت هذه الأشكال الصغيرة على أرضية بيضاء أو زرقاء باهتة [شاحبة] وهم يرتدون ملابس ملونة رقيقة
стр. 7680
موشاة بالذهب والكتابات ذات حروف مذهبة وهى تحكى الأساطير الإيرانية القديمة المرسومة على مثل هذه المنتوجات الخزفية وعلى الرغم من خراب الرى على يد جنكيز خان المغول ٦٢٤ هـ/ ١٢٢٧ م [الصواب ٦١٧ هـ/ ١٢٢٠ م] وما أصاب صُناع خزفها من ضعف وفقر إلا أنهم استمروا فى إنتاج المنتوجات الخزفية بأساليبهم المعهودة ويوجد عدد من القطع الخرفية المزخرفة بأسلوب الظل الأسود [السلويت] على خلفية خضراء وهى ترجع إلى تلك الفترة ومن الواضح وجود صلة بين وصول المغول وبين إقامة عدد من المخازن التى وجدت فى حفائر جرجان فالقطع التى اكتشفت سليمة تماما كانت قد حفظت فى جرار كبيرة أو دفنت أثناء الغزو وترجع هذه المنتوجات إلى أواخر القرنين ٥ - ٦ هـ/ ١١ - ١٢ م وربما يرجع بعضها إلى فترة سابقة عن ذلك.
وتشتمل هذه القطع على أوان ذات أرضية زبدية اللون أو "تركوازية"، كما توجد أيضا بعض الأوانى التى يبدو أنها مستوردة من مدينة ساوة. هذا وقد استمرت صناعة الخزف مزدهرة خلال فترة السيطرة المغولية وخاصة فى المناطق الفارسية وفى آمل وساوة وقاشان فضلا عن شمال شرق سمرقند.
ويعتقد أن الأوانى ذات الزخارف الهندسية والنباتية والحيوانية المنفذة بتحوير شديد والمحفورة فى طبقة البطانة [أى تحت الطلاء] والملونة بلمسات من اللون الأخضر والأرجوانى قد صُنعت فى آمل فيما بين القرنين ٥ - ٧ هـ/ ١١ - ١٣ م.
وبرزت خلال العصر المغولى مراكز صناعية جديدة مثل سلطان آباد وقد كان للتأثير الصينى أثره الواضح على حكام إيران الجدد الذين عولوا على إحضار الخزافين الصينيين فضلا عن استقدام المصورين إلى الأراضى المحتلة.
وقد استمرت التأثيرات الصينية باقية حتى زمن الصفويين ويشهد على ذلك أوان تنسب إلى كرمان وتؤرخ
стр. 7681
بعصر الشاه عباس (٩٩٥ - ١٠٣٧ هـ/ ١٥٨٧ - ١٦٢٨ م) وقوام زخرفتها رسوم الحيوانات الخرافية المفعمة بالحيوية والمتأثرة بمثيلتها فى أوانى الشرق الأقصى [أى الأوانى الخزفية الصينية].
وقد أثبتت الحفائر الأثرية التى أجراها الأمريكان قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية ازدهار صناعة الخزف فى نيسابور ببلاد ما وراء النهر [إقليم خراسان أو آسيا الوسطى أو التركستان الغربية] وقد بلغت هذه الصناعة الغاية خلال العصر السامانى من الثانى إلى الخامس الهجرى ٨ - ١١ م، وعلى ما يبدو فإن تلك الأوانى هى الأولى التى غطيت بطبقة زجاجية لامعة شفافة وتتراوح ألوانها بين الأصفر الليمونى والأخضر والأحمر الطوبى أما زخارفها فمجموعات غير متجانسة من الزخارف الهندسية والعناصر الكتابية غير المقروءة والأزهار والحيوانات وأشكال الكائنات الحية وتحدد هذه الزخارف خطوط سوداء وربما تكون مشتقة من فارس القديمة.
كذلك فإنه يتضح من أوانى داغستان فى الجنوب الغربى للقوقاز وفى الأطباق المنسوبة إلى مدينة كوباجى الصغيرة بقاء التأثيرات الصينية المتأخرة فضلا عن الخصائص المميزة للخزف التركى فى آسيا الصغرى [الأناضول وهى تركيا الآن]. وقوام زخارفها المرسومة تحت الطلاء، والذى إما أن يكون عديم اللون أو ذا لون أخضر أو أزرق وغالبا ما تكون به تشققات، عبارة عن رسوم أزهار محورة وحيوانات منفذة عادة بأسلوب الظل [السلويت] أو أشخاص مصممون على أرضية نباتية
وقد أنتجت بلاد فارس أيضا، علاوة على أشكال [الفاظات] المزهريات والأطباق إنتاجا وفيرا من المنتوجات الخزفية الأخرى للأغراض المعمارية مما أضاف البهجة والرونق إلى تلك المبانى ذات النسب المعمارية والفنية الدقيقة. .
ومن بينها الفسيفساء الخزفية والبلاطات الخرفية التى تكسو العمائر سواء من الداخل أو الخارج فضلا عن القباب والمآذن الممشوقة والمداخل وقوام
стр. 7682
زخارفها عبارة عن زخارف هندسية وكتابية ونباتية وأهم الألوان المستخدمة هى الأزرق الفاتح أو الداكن.
كذلك شاعت المحاريب الخزفية وبصفة خاصة التى صنعت فى قاشان وهى عبارة عن حشوات وسطى مسطحة [غير مجوفة] تكتنفها من جانبها أعمدة تتوجها عقود فارسية.
وقد ترتب على استقرار الأتراك السلاجقة فى آسيا الصغرى [الأناضول] انتشار الفن الفارسى انتشارًا ملحوظًا حيث ذخرت قونية (التى أصبحت عاصمة سلطنة سلاجقة الروم وشيد بها السلاطين المنشآت المتعددة) بالعديد من الصناع لاسيما الخزافين من أهل خراسان كنتيجة طبيعية للغزو المغولى لبلادهم.
وترجع إلى القرنين ٦ - ٧ هـ/ ١٢ - ١٣ م بضعة أسوار رائعة مكسوة من الداخل بالطوب المزجج من جهة أو بلاطات الفسيفساء والبلاطات المتعددة الألوان من جهة ثانية.
ولقد توقفت صناعة الخزف فى الأناضول بسقوط سلطنة سلاجقة الروم فى قونية فى مستهل القرن الثامن الهجرى (١٤ م) ولكنها سرعان ما عادت إلى الازدهار بفضل الأتراك العثمانيين الذين اتخذوا بورصة [أوبروسه] عاصمة لهم فى عام ٧٢٦ هـ/ ١٣٢٦ م وقاموا بتجميلها بالعمائر الرائعة المكسوة بالبلاطات الخزفية التى كانت سمة سائدة وقتئذ وكانت المساجد والترب هى أكثر هذه العمائر إتقانا وبالرغم من ذلك لم تكن بورصة مركزا للصناعة وإنما كانت مدينة أزنيق [مدينة نيقية القديمة] التى لا تبعد كثيرا عنها والتى استمرت مركزا مزدهرا لمدة قرنين (من أواخر القرن ٨ هـ/ ١٤ م إلى أواخر القرن ١٠ هـ/ ١٦ م) ومرت الصناعات الخزفية خلالهما بمراحل مختلفة من التطور فى الأسلوب الفنى والصناعى.
كان التأثير الايرانى ما يزال واضحا جدا فى بداية القرن ١٠ هـ/ ١٦ ولكن منذ أواخر هذا القرن بدأ الخزافون يحررون أنفسهم من هذه التقاليد حيث بلغت منتوجات أزنيق
стр. 7683
الخزفية المتعددة الألوان الغاية واكتسبت الخصائص التركية المميزة.
هذا وقد رسمت الزخارف فوق طبقة البطانة وأضيفت إلى الألوان المستخدمة بالفعل (وهى الأزرق الزرنيخى والتركواز والأخضر النحاسى) اللون الأسود لتحديد المساحات الملونة واللون الأحمر الطماطمى الرائع الذى يظهر بارزًا على سطوح البلاطات والأوانى الخزفية.
أما تكوين الحشوات المصنوعة فى بلاطات مستطيلة فيعتمد بصفة أساسية على الزخارف النباتية حيث نشاهد الزهور الأربع التقليدية وهى: الورد والياسمين والخشخاش والتوليب [زهرة اللاله].
وقد توقفت أزنيق عن الانتاج خلال القرن ١١ هـ/ ١٧ م وحلت محلها مدينة كوتاهية التى كان إنتاجها نسخة مكررة من إنتاج أزنيق سواء فى الأسلوب الصناعى أو الفنى ولكن دون أن تصل إلى نفس الدرجة من الإتقان.
كذلك انتقل مجد أزنيق الآفل إلى أسطنبول حيث أنشئت الأفران [المصانع] فى منطقة "تكفورسراى" فى بداية القرن ١٢ هـ/ ١٨ م.
وينسب إلى دمشق بعض الأطباق الرائعة الشبيهة بالأوانى الأناضولية إلا أنها تختلف عنها كثيرا سواء من حيث الألوان حيث لم يستخدم اللون الأحمر الطماطمى واستخدم اللون الأرجوانى والأخضر أو من حيث رسم التصميمات الزخرفية التى كانت على درجة أقل من حيث واقعيتها [الأسلوب الطبيعى أو الواقعى] وحساسيتها فضلا عن إعطاء درجة كبيرة من الاهتمام بالخلفية.
ومن المعروف أن صناعة الزجاج قد بدأت أولا فى مصر، وقد صنع المصريون القدماء أيضا الخزف كما عرفوا استخدام الترجيج [أى طلاء المواد المصنوعة من الطين أو الحجر بمادة الزجاج الذائب].
وإذا لم يكن البريق المعدنى قد ابتكر أولا فى مصر كما يعتقد بعض العلماء فإنه على الأقل قد صنع فيها منذ فترة
стр. 7684
مبكرة جدا كتقليد لمثيله فى العراق حيث توجد بعض القطع من الخزف ذى البريق المعدنى تشبه مثيلتها فى سامراء. وهى مؤرخة بالقرن ٣ هـ/ ٩ م أى خلال العصر الطولونى أو قبله بقليل. وتتكون زخارف هذه الأوانى من أشكال آدمية غريبة إلى حد ما وعناصر كتابية غير مقروءة وتمتاز هذه الزخارف بكبر حجمها وسذاجة رسمها. هذا ولم تلبث أن تطورت هذه الأوانى تطورًا كبيرًا خلال القرنين ٥ - ٦ هـ/ ١١ - ١٢ م تحت حكم الفاطميين.
إن التنوع الكبير للقطع والأطباق والمصابيح والتماثيل الصغيرة يوضح ليس فقط التحرير من الاعتقاد المتشدد تجاه التصوير وإنما يؤكد أيضا طابع الرقى الذى صبغ فنون العصر الفاطمى قاطبة.
وقد زينت الأسطح المغطاه بالبريق المعدنى الذهبى الرائع بتفاصيل من مادة البريق نفسها حددت بدقة شديدة مما أضفى عليها مظهرًا فخما، وتضم قائمة هذه الزخارف الحيوانات ذوات الأربع والطيور أو الأسماك وأيضا الأشكال الآدمية من رجال معممين ونساء مسترسلات الشعور.
كذلك فإن رسم الصليب وتمثيل السيد المسيح [﵇] وفوق رأسه هالة يدعونا للاعتقاد بوجود صناع أقباط [أى من مسيحيى مصر]
وقد شهد العصر ذاته ازدهار نوع آخر من الخزف هو المعروف بالخزف ذى الزخارف المحفورة تحت طلاء زجاجى ذى لون واحد وخاصة لون السيلادون الصينى الأخضر الضارب إلى الرمادى.
إن كميات القطع الخزفية [الكسرات] التى ألقاها الخزافون على أكوام النفايات لتكشف عن مدى نشاط الأفران [المصانع] فى الفسطاط.
وقد ظهر خلال القرن ٧ هـ/ ١٣ م أسلوب صناعى جديد لرسم الزخارف على بدن الآنية تحت طلاء زجاجى وسميك ولامع وغالبا، ما تكون به تشققات، أما الزخارف فترسم بالفرشاة وتتكون من رسوم الحيوانات المنقذة بإسلوب الظل [السلويت] المظلل باللون الأسود وحتى يمكن أن نكمل
стр. 7685
هذه الدراسة السريعة عن فن الخزف فى مصر يجب أن نذكر شيئًا عن الخزف ذى الزخارف المحفورة تحت طلاء زجاجى أصغر أو أخضر [وهو المعروف باسم الفخار المطلى بالميناء المتعددة الألوان].
وتشتمل هذه الأوانى التى كانت مخصصة أصلا للاستخدام المنزلى على نقوش كتابية ورنوك الأمراء وهى شارات تدل على الوظائف المختلفة وقد تكون بسيطة أو مركبة] وقد صنعت هذه الأوانى لهؤلاء الأمراء كما صنعت كل من سوريا وفلسطين أوانى من نفس هذا النوع خلال ذلك العصر أيضا [أى العصر المملوكى].
أما بالنسبة لشمال إفريقية فقد كانت على الأقل حتى القرن ٦ هـ/ ١٢ م امتدادًا فنيا للشرق الأدنى ومصر فقد أرسلت إلى القيروان بلاطات من الخزف ذى البريق المعدنى [الفضار المذهب] من بغداد فى القرن ٣ هـ/ ٩ م [حوالى منتصف هذا القرن على وجه التحديد] ومن الجائز قيام صناع الخزف المحليين بإكمال هذه المجموعة.
وقد عثر فى قصر بقلعة بنى حماد بالجزائر يؤرخ بالقرن ٥ هـ/ ١١ م على أرضية مصنوعة من البلاطات الخزفية ذات البريق المعدنى وهى على هيئة أشكال نجمية ومتقاطعة ورغم أنها تتطابق مع الطراز الفارسى إلا أنه من المحتمل جدًا أنها من الانتاج المحلى.
إن الكميات الكبيرة من خزف قلعة بنى حماد والزبريين فى القيروان (بتونس) تتميز بخصائص ذات سمات مستقلة [أى محلية] للغاية.
وبالإضافة إلى العناصر المعمارية والمقرنصات (المقربصات) والأوانى المزججة باللون الأخضر ذات الزخارف المحزوزة أو المختومة، كشفت الحفائر الأثرية عن أوانٍ ذات طلاء زجاجى متعدد الألوان رسمت زخارفها فوق طبقة البطانة وقد نفذت هذه الزخارف المتنوعة والدقيقة بأسلوب الظل [السلويت] وقوام هذه الزخارف أشكال مثلثة وبيضاوية وأشكال آدمية وحيوانية يمكن أن نميزها عن النماذج الشرقية أما الألوان فتنحصر فى اللون البنى المنجنيزى والأخضر النحاسى
стр. 7686
ونادرًا ما يستخدم اللون الأصفر كما استخدم اللون الأزرق الزرنيخى فى فترة متأخرة.
وقد أنتجت بجاية خلال القرن ٦ هـ/ ١٢ م الخزف المتعدد الألوان بعد أن رحل إليها الصناع من القيروان والقلعة (أى قلعة بنى حماد) كنتيجة لغزو العرب الرحل لبلادهم. ومن جهة أخرى فقد استفادت بجاية، وهى المدينة الساحلية، من واردات الأندلس إليها.
وقد أنتجت أسبانيا الأوانى الخزفية الرائعة وكشفت الحفائر الأثرية فى مدينة الزهراء عن كميات كبيرة من الخزف المزخرف بخطوط ملونة باللون البنى المنجنيزى أما الأسطح فملونة باللون الأخضر النحاسى، وتؤرخ هذه الأوانى مثلها فى ذلك مثل المدينة بالقرن ٤ هـ/ ١٠ م وهى مشابهة لنماذج مغربية ترجع إلى تاريخ متأخر.
كذلك فإن الخزف الإسلامى فى صقلية (القرن ٦ هـ/ ١٢ م) مشابه تماما لتلك الأنواع.
والحق أن هذا المظهر لهذه المجموعة الواحدة والمتجانسة تماما من أوانى الغرب الإسلامى يثير مشكلة عن كيفية ايجاد مبرر لهذا الطابع.
وقد أثبتت حفائر مدينة الزهراء أن أسبانيا فى القرن ٤ هـ/ ١٠ م كانت على دراية بأوانى البريق المعدنى المستورد من الشرق ومع ذلك فإن شبه جزيرة أيبريا كانت تملك مراكز صناعية أيضا ومنها مالقه التى أنتجت فيما بين القرنين السابع والتاسع الهجرى (١٣ - ١٥ م) أطباقًا من ذات البريق المعدنى الذهبى وجرارًا [قدورًا] كبيرة من النوع المعروف برسم جرار [أو قدور] الحمراء والذى يعد أكثرها شهرة.
إن جمال ودقة تلك الجرار الخزفية الكبيرة نجد صداه فى المزهريات ذات الزخارف البارزة والتى يبدو أنها تنتمى إلى نفس الأصل وربما تؤرخ بنفس الفترة أيضا وقد تترك العجينة دون طلاء زجاجى أو تغطى بالميناء الزجاجية الخضراء، أما الزخارف فترتب فى صفوف أفقية يعلو بعضها البعض وهى تشتمل على البائكات الصماء والنقوش الكتابية والعناصر المتداخلة أو المتشابكة وأحيانا الرسوم
стр. 7687
الحيوانية، وقد وجد نفس الأسلوب الصناعى والزخرفى فى الآبار والخزانات الموجودة فى الأندلس وكذلك المغرب ومنها مجموعة رائعة بسيدى بو عثمان شمال مراكش وربما ترجع إلى القرن ٦ هـ/ ١٢ م. ومنذ هذا القرن لعب الخزف فى كل من أسبانيا والمغرب دورًا هاما فى الزخرفة المعمارية.
إن البلاطات المزججة التى ظهرت أولا فى فارس ثم فى إفريقية [أى تونس] قد ارتبطت بزخرفة المآذن وجعلت على هيئة حشوات كسيت بها الحجرات، وإن مهارة الصناع، ولاسيما المتخصصون فى الزليج، فى قطع وتشكيل البلاطات ذات اللون الواحد وتجميعها على هيئة أشكال من الزخارف الهندسية والكتابية والنباتية لهو شئ يدعو للدهشة حقا.
وكانوا على نفس الدرجة من المهارة فى نوع من الخزف المعروف المحفور والذى يقوم على كشط طبقة الطلاء الزجاجى بأداة حفر، ولذلك تترك العناصر الزخرفية كما هى. ونتوقف أخيرًا عند الخزف ذى الفواصل الجافة وهو المعروف فى الأسبانية بإسم (الكورداسيكا) وتستخدم فيه نفس العناصر الزخرفية الهندسية المتداخلة أو المتشابكة.
والتى توحى من بعيد بإحساس كما لو كانت أحد الأعمال المفعمة وهو أسلوب صناعى قديم جدا يشبه الطوب المزجج فى القصور الأخمينية بسوسة.
وهناك خط أسود يحدد كل سطح ولهذا الخط مكانة هامة فى التكوين حيث يمنع اختلاط الألوان القريبة بعضها ببعض هذا ولم يستخدم مثل هذا الأسلوب الصناعى أى واحد من خزافى سامرا ومدينة الزهراء وإنما استخدم فى شمال إفريقيا فى القرنين الخامس والسادس للهجرة ١١, ١٢ م.
وقد بلغت مراكز الصناعة الأسبانية وبخاصة اشبيلية درجة عالية من المهارة فى استخدام كل من الأسلوبين الصناعيين (الكورداسيكا والكونكا) حيث حل محل الخط الأسود خط رفيع محزوز فى العجينة لفصل الألوان بعضها عن بعض.
стр. 7688
ولم يلبث أن انتقل هذا الأسلوب إلى تونس مع المسلمين الأسبان عندما تم نفيهم إلى هناك فى مستهل القرن ١١ هـ/ ١٧ م وقد شهد عصر المدجنين انتقال مصانع أوانى البريق المعدنى من منيشه إلى مالقه، وزخرفت أوانى "باترنا" بنفس الأسلوب باستخدام اللونين الأخضر والبنى.
ويبدو أن منطقة فالنسيا خلال القرنين ٨ - ٩ هـ/ ١٤ - ١٥ م كانت بمثابة المركز الصناعى الأخير لتراث الخلافة الأندلسية.
وقد ظل فن الخزف يتمتع بشهرة فى شمال إفريقيا وما تزال مراكش تحتفظ بصانعى الزليج، كما كان خزافو فاس حتى وقت قريب على دراية بكيفية صناعة الأوانى ذات الزخارف الزرقاء أو المتعددة الألوان فضلا عن أنواع مبتكرة من الأطباق.
وشاع فى الجزائر خلال العصر العثمانى استخدام كميات كبيرة من البلاطات الخزفية ولكنها كانت مستوردة بالكامل من أوربا.
لم تنس تونس، وبخاصة تونس العاصمة، الفنون الخزفية التى تعود إلى العصور الوسطى.
والحق أن صناعة الأوانى ذات الطلاء الزجاجى المعتم لإضافة القصدير إليه لم تتوقف طالما كانت هناك حاجة إليها.
وقد شهدت القرون القليلة الماضية صناعة المزهريات التى احتفظت بالألوان القديمة بدرجة رائعة فضلا عن الحشوات المزخرفة بالبائكات الصماء وقد انصهرت فى هذه المزهريات والتغطيات التقاليد المحلية مع إسهامات من الليفانت.
المصادر:
(١) A. Lane: Early Islamic pottery
(٢) H. Wallis: Persian Lustre Vases, London ١٨٩٩
(٣) A.U.Pope: The ceramic art in Islamic times (A survery of persian art, in, v),Oxford ١٩٣٨ - ٩
(٤) Dimand: Handbook of Muhamedan art, ١٩٥٥٨, ١٥٨ - ٢٢٩
د. محمد حمزة [جورج مارسيه G. Marcais]
стр. 7689
فدائى
وكثيرا ما يُنْطق "فداوى" وهو لفظ يطلق على كل من يضحى بحياته من أجل آخر كما ينعت به هؤلاء الأشخاص الذين يكرِّسون أنفسهم لخدمة معتقداتهم الدينية أو السياسية، ويستخدم هذا الاسم بين فرقة الاسماعيلية النزارية على من يخاطرون بأرواحهم لاغتيال أعداء الفرقة وأحيانا يستأجرهم حلفاء النزاريين ليقوموا بمثل هذه الأعمال؛ وقد يقومون بها لقاء أجر نقدى يأخذونه وقد أصبحوا فى الموت [بالشام] فى السنوات الأخيرة طائفة قائمة بذاتها، وإن جرت العادة على أن عمليات الاغتيال كانت توكل فى العادة لمن يستطيع انجازها ويصلح لها، وتشير إليهم أخبار العصور الوسطى على أنهم قوم دربوا أحسن تدريب حتى صاروا اختصاصيين فى هذا المجال وتقوم هذه الأخبار على ما تقدمه الأخبار الإسلامية فى تلك العصور بشأنهم، وربما دخل بعضها كثير من الخيال مما أدى إلى القول باستعمال "الحشيش" فى تحريك الفدائى ولكن لا يوجد شاهد على هذا القول.
ويطلق لفظ "فداوى" فى الجزائر على راوى الملاحم والأعمال البطولية، وإذا قيل "فدويه" فإنه يقصد بها القصة أو الأغنية التى تتغنى أو تروى أعمال البطولة كما أطلق لفظ "فداوى" فى اثناء الثورة الإيرانية بالدرجة الأولى على انصار الحزب الجمهورى ثم أريد به فيما بعد الأشخاص المدافعون عن الأفكار الحرة وعن الدستور.
وكان "الفدائى" اسما مستعارًا للشيخزادة لاهجى الذى أرسله الشاه إسماعيل الصفوى كسفير لمحمد خان شيبانى ثم تقاعد فيما بعد وبقى فى شيراز حيث توفى هناك، كما كان أيضا اسما مستعارًا لسيد ميرزا سعيد الذى عاش فى أصفهان وكان الشاعر الأثير عند محمد شاه قاجار.
المصادر:
(١) ابن خلدون: ترجمة: De Salane جزء ١، ص ٢٢١, ٥، باريس ١٨٦٣ - ١٨٦٨.
(٢) Lane: Modern Egyptians, ii, ١٤٧
أمل رواش [هينة التحرير]
стр. 7690
فدية
" فدْيَة"، "افتداء" (سورة البقرة، الآيتان ١٨٣, ١٨٤: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ. .﴾؛ والآية ١٩٦: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. يفرض القرآن الكريم الفدية هاهنا لأمور تطرأ بالنسبة لأداء فريضتى الصيام والحج، وفى حالات أخرى يفرضها عند إغفال بعض الفرائض والشعائر. وبالتفاسير تفاصيل اضافية مسهبة فى هذا الشأن، وفى جاوة وسومطرة يطلقون كلمة باديا Padya وتعنى الفدية التى يقدمها الإنسان تكفيرا عما يفوته من صلوات فى فترة حياته، وفى سوريا وشرق الأردن يطلقون اسم (فَدْى) أو (فَدْ) على ما يذبحونه تقربا إلى اللَّه لحماية أطفالهم وممتلكاتهم (بيوت أو ماشية) من سوء الطالع أو الدمار، كما يطلقونه على الذبيحة التى تذبح عند خروج "الميت".
وفى مراكش تطلق كلمة "فدية" على احتفال غريب الشأن، يجرى أيضا فى أنحاء كثيرة من الجزائر باسم "فدوى" يصنع فيه رجل كل تجهيزات دفنه (كفنه) يرتل عليها عدد من "الطلباء" ما تيسر من آيات القرآن الكريم التى تعارف على تلاوتها عند دفن الموتى. (انظر W. Marcais: Textes arabes de Tanger (Bibl. de L'Ecole des Langues Orient.Vit، مجلد ٤) ص ٤٠٩ المسرد.
المصادر:
(١) S. Curtiss: Primative Semitic relgion today, Chap. XVi, London ١٩٠٢
(٢) T. Canaan: Mohammedan saints and sactuairies in Palestine, ١١٦٤ - ٦
(٣) H. Granqvist: Child problems among the Arabs, Helsing fors, ١٩٥٠, ١٣١ - ٢
حسن شكرى [تشلهود J. Chelhod]
стр. 7691
فذلكة
خلاصة أو مجمل وهى مشتقة من الفعل العربى فذلك، وهى من قول الحاسب إذا أجمل حسابه: فذلك كذا وكذا إشارة إلى حاصل الحساب ونتيجته. وبجانب الاستخدام الرياضى لهذا المصطلح، فإنه استخدم كذلك فى تلخيص العرائض والتقرير، أو غير ذلك من الوثائق ومثال ذلك التقارير الموجزة عن الشكاوى المقدمة للديوان الهمايونى (فى الدولة العثمانية). وقد اكتسب هذا المصطلح معنى "الخلاصة الوافية" مع التوسع فى استخدامه وهو مستخدم بهذا المعنى فى عنوانين لعملين مشهورين عن التاريخ العثمانى، كتب أحدهما فى القرن السابع عشر كاتب جلبى، وكتب الآخر فى القرن التاسع عشر أحمد وفيق باشا.
حسن شكرى [هيئة التحرير]
الفرات
الاسم العربى لنهر الفرات، وكان السومريون يدعونه "بو - را - نو - نو" والآشوريون "بوراتو" وفى الفارسية القديمة "أُوفْراتو" ومنها جاءت "فرات" فى الفارسية الوسطى و"فيرات" فى التركية الحديثة.
ويتكون المجرى الرئيسى للنهر من التقاء رافدين هامين فى جنوب تركيا الحالية هما كاراسو (٤٥٠ كيلو مترًا) ومراد سويو (٦٥٠ كيلو مترًا).
ويستمد الأول ماءه من الأنهار الكثيرة التى تنحدر من الجبال العالية الواقعة فى شمال سهل أرزورُم، (أرض الروم) ومنه يتجه غربًا عبر خوانق صخرية ثم جنوبًا فغربًا حتى يصل إلى سهل ارزينكان (١٢٠٠ متر فوق سطح البحر)، ثم يتجه صوب الجنوب الشرقى، وبالقرب من كِبَان (على ارتفاع ٦٨٠ م) يلتقى بالرافد الثانى "مراد سويو" الذى ينبع من جبال الألاداغ وتنديريك البركانية شمال بحيرة فان، ثم ينحدر غربًا ليعبر سهل كاراكوزيه، ثم يخترق عدة خوانق صخرية حادة وسهولًا فسيحة حتى يدخل من الشمال سهل موص (موش)، ويتجه غربًا حتى يلتقى بنهر كاراسو.
стр. 7692
ولا يُعرف على وجه الدقة سبب تسمية هذا الرافد بمرادسو، ولكنه فى الماضى كان يعرف باسم أرسانياس، وتشير بعض المراجع الغربية لهذين الرافدين تحت اسم الفرات الغربى (كاراسو) والفرات الشرقى (مرادسو).
ثم ينحدر الفرات من الجبال صوب الجنوب ليفصل أرض الجزيرة عن الشام أسفل سمساط.
وكانت تصب فيه روافد عدة فى هذه المنطقة أهمها نهر سَنْجَة أو النهر الأزرق الذى كانت تقوم عليه قناطر سَنْجَة الشهيرة. ثم يمر بمنطقة قلعة الروم الصخرية ومعبر البيرة الذى اكتسب أهمية كبرى أثناء الحروب الصليبية وأسفلهما كان يصب نهر الساجور.
ويدخل النهر سوريا الحالية عند منطقة جرابلس، ثم يتجه شرفا بعد مخاضتى قلعة النجم والرقة، ويصبح صالحًا للملاحة.
ويمر بمنطقة صفين (غرب الرقة) التى شهدت المعركة الشهيرة، وبالقرب منها أطلال قلعة جَعْبَر القديمة حيث ضريح سليمان شاه.
وأسفل الرقة كان يصب فيه نهر البليخ الذى ينبع من منطقة حران، ثم يصل إلى الفرات ثم إلى منطقة دير الزور (قرقيساء القديمة)، وجنوبها يصب نهر الخابور، ويقال إن الخابور كان يؤلف مع أحد روافده مجرى صالحًا للملاحة يربط بين نهرى دجلة والفرات، ولكن الشكوك تحوم حول صحة هذه الرواية.
ثم يدخل الفرات أرض الرافدين (ميزوبوتميا) عند منطقة عنة التى كانت تشتهر فى العصور الوسطى بنخيلها ومنها امتدت زراعته فى حوض الفرات.
وعند منطقة الأنبار كانت تبدأ شبكة القنوات الكبرى المتفرعة من قناة بابل التى حفرت فى عهد سحيق القدم، ولكن لم يبق منها سوى القليل اليوم، وكانت تخرج من الفرات إلى دجلة أربعة أنهار هى عيسى وصَرصَر والملك وكوثا وربما كانت من بقايا تلك الشبكة (انظر مادة دجلة).
وكان الفرات ينقسم بعدها إلى فرعين، الغربى منهما يمر بالكوفة وينتهى عند البطحة غرب واسط، وكان يسمى بالعلقمى، أما الشرقى منهما،
стр. 7693
فكان يوازى فى قسمه الأول مجرى نهر الفرات الحديث حتى بدأ، منذ حوالى عام ١٨٨٩ م، فى صب معظم مياهه فى فرع الهندية. وكان هذا الفرع الشرقى ينقسم بدوره بالقرب من بابل، فيخرج منه فرع إلى دجلة يعرف باسم نهر سورا الأعلى أو نهر النيل ويمر بمدينة النيل (النيلية الحديثة)، أما الغربى فكان يسمى نهر سورا الأسفل ولسنا نعرف مدى مطابقة مجراه مع مجرى الفرات الحالى أو قناتى النيل وشط الكار اللتين تسيران فى اتجاه جنوبى شرقى. وكان هذا الفرع ينتهى هو الآخر فى منطقة مناقع البطحة، ويخرج منه نهر آخر يعرف باسم أبى الأسد، وربما كان مجراه نفس المجرى الأسفل لنهر الفرات.
تلك هى الملامح العامة التى نستخلصها من مؤلفات الجغرافيين العرب لمجرى نهر الفرات قديمًا، وقد تغير مجرى هذا النهر على مر العصور، وأدرك العرب القدماء أنفسهم هذا، فنرى المسعودى فى مروج الذهب يشير إلى أن السفن البحرية كانت تصل قديمًا إلى النجف فى مجرى النهر "العتيق".
ويصل طول نهر الفرات من نقطة التقاء كاراسو ومرادسويو حتى البصرة ٢٣٣٣ كيلو مترًا مربعًا. وهو يروى حوضًا عظيمًا تقدر مساحته فى سوريا بحوالى ٢٢٩ ألف كيلو متر مربع وفى العراق ٤٤٤ ألف كيلو متر مربع، ولكن معظم أرض الحوض فى تلك المنطقة صحراوية ولا تغذيه بالمياه.
لذا يستمد النهر مياهه من المنطقة الجبلية الشمالية. ومتوسط تدفق المياه السنوى فى منطقة هيت فى منتصف مجراه تقريبًا ٨٣٨ مترًا مربعًا فى الثانية، وهو معدل غير كبير إذا قورن بنهر الراين (٢٢٠٠ متر مربع فى الثانية واللوار ٩٣٥ مترا مربعًا فى الثانية).
ويتذبذب معدل تدفق المياه من سنة إلى أخرى، فقد يرتفع فى منطقة هيت إلى ١١٤٠ مترًا مربعًا فى الثانية كما حدث عام ١٩٤١، وقد ينخفض إلى ٣٨٢ م مترًا كما حدث عام ١٩٣١ م. كما أن منسوب المياه يتذبذب من فصل إلى آخر، فهو أعلى فى الشتاء منه فى الصيف.
ويختلف انحدار مجرى النهر من بلد إلى آخر، ففى تركيا الجبلية يكون
стр. 7694
الانحدار شديدًا. والتيار قويًا، بينما هو فى أرض الجزيرة فى شمال سوريا يسير، حيث يقدر معدل الانحدار بين جرابلس وهيت بـ ٣٠ سم فى الكيلو متر، ثم ينخفض المعدل إلى ١٠ سم فى الجنوب، وينخفض فى أقصى الجنوب إلى ٣ سم.
ومجرى الفرات فى شمال أرض الرافدين أعلى من مجرى دجلة، ومن ثم تخرج منه قنوات الرى التى تسير فى اتجاه الشرق والجنوب الشرقى، ومن المستحيل حفر قنوات تسير غربًا بسبب حافة الهضبة السورية، بينما يروى الجنوب بقنوات تخرج من دجلة. ويسير الفرات فى قسمه الجنوبى محاذيًا للهضبة الشرقية الصحراوية حتى يلتقى بدجلة ليكون مجرى شط العرب الذى يصب فى الخليج العربى جنوب البصرة. وكان بالمنطقة الجنوبية مستنقع كبير يقال إنه ظهر فى القرن الخامس ويعتقد البعض أنه تخلف عن الفيضان الهائل الذى أصاب المنطقة عام ٦٢٩ م. وكان يمتد من السَمَاوة حتى شط العرب.
وكان الشغل الشاغل لسكان أرض الرافدين على مر العصور بناء الجسور العالية لحماية أرضهم من أخطار تلك الفيضانات العالية، ولكن أملهم هذا لم يتحقق إلا فى العصر الحديث بفضل مشروعات الرى العملاقة.
أحمد صليحة [ر. هارتمان. دو فوما R. Hartmann E.de Vaumas]
الفرائض
جمع فريضة، ويقصد بها فى اللغة ما فرض من الصدقة فى السائمة، كما أن الفرائض علم تعرف به كيفية تقسيم التركة على مستحقيها الذين ينعتون بذوى الفريضة أو أصحابها حسبما جاء فى القرآن الكريم فى سورة النساء (آية ١١، ١٢، و ١٧٦.
ولقد فصل الشرع الإسلامى ما جاء فى القرآن الكريم.
وإن القواعد المتعلقة بالفرائض لتمثل لنا الظواهر المثالية لقانون الإرث فى الإسلام ونظرا لأهميتها فإن جميع ما يتعلق بتنظيم الوراثة يعرف بعلم الفرائض.
стр. 7695
المصادر:
(١) J. Schacht: Introduction to Islamic Law (Forthcaring), Chap. ٢٣ (With bibiography)
(٢) Juynboll: Handbuch, Leiden ١٩١٠, ٢٤٧ - ٥٥٠
(٣) F. Peltierand G.H. Bouquest: Les successions agnatiques mitigees, Paris, ١٩٣٥
حسن حبشى [هيئة التحرير]
الفرائضيون
تأسست هذه الطائفة فى البنغال الشرقية فى عام ١٨٠٤ م تقريبًا، على يد "حاجى شريعة اللَّه" الذى ولد من أبوين غير معروفين، أقاما فى قرية "بهادريور" Bahdurpur فى إقليم "فريدبور" -وعندما بلغ الثامنة عشرة من عمره ذهب فى رحلة الحج إلى مكة، ولكنه -بدلا من أن يعود كما هى العادة- بقى تلميذا ومريدا للشيخ طاهر السنبل المكى، زعيم طائفة الشافعية هناك فى تلك الأيام وفى عام ١٨٠٢ م وبعد غياب عشرين عاما، عاد إلى الهند، محاورا ماهرا ودارسا جيدا للعربية. . وفى طريقه إلى بلدته وقع فى أيدى عصابة من اللصوص سلبوه كل شئ حتى تذكاراته وكتبه وما ادخره فى أثناء إقامته بالجزيرة العربية. وعندما وجد أن الحياة لا تطاق بدون كتب أو تذكارات، انضم إلى العصابة، وشاركهم الكثير من ضلالهم وانحرافهم. . ولكن بساطة شخصيته وصدق معتقداته الدينية، كان لهما تأثير السحر على أفراد العصابة الأشرار، الذين أصبحوا فى النهاية أخلص أتباعه المتحمسين، وهذه هى القصة التى تروى اليوم عن الخطوة الأولى التى اتخذها هذا الرجل المتميز غير العادى نحو الاهتداء واستمر شريعة اللَّه لعدة سنوات، وفى هدوء، ينشر تعاليمه ذات الصياغة الجديدة، فى قرى الأقاليم التى يتكون منها موطنه الأصلى، قد واجه الكثير من المعارضة والمقاومة والايذاء ولكنه -باجتذابه زمرة من التابعين المخلصين- اكتسب تدريجيا سمعة وشهرة الرجل "الطاهر" التقى -وكان أخطر ما دعا إليه هو عدم التقيد بصلوات الجمعة
стр. 7696
والعيدين، على أساس أن الهند كانت فى ظل الحكم البريطانى، دار الحرب (*).
وكذلك أمر بأن تحل فى المستقبل كلمة أستاذ وكلمة تلميذ -وهما لا يتضمنان الخضوع التام- محل الولى والمريد، اللذين كانا لعصور طويلة يطلقان على المعلم الدينى وتلميذه. وأكثر من ذلك منع أو حرم الاحتفالات التى كانت مألوفة وشائعة عند دخول "التلميذ" الجماعة الدينية، ولكنه طلب التوبة من كل من سيصبح تلميذا له والندم عما ارتكب من أخطاء فى الماضى، والعزم على أن يحيا حياة فاضلة وأكثر تقوى وورعا فى المستقبل -ومن الغريب أن أيًّا من هذه الآراء لم تثر الكثير من المعارضة، ولكن عندما أعلن أن السماح للقابلة بأن تقطع الحبل السرى للوليد يعتبر خطيئة مميتة، أخذت عن الهندوس، واصراره على أن واجب الأب أن يقوم بهذه المهمة، أثار معارضة قوية أدت إلى أن ينشق عنه الكثيرون ممن تشيّعوا له. . ثم أن سادة الأرض أصابهم الذعر بسبب انتشار هذا المذهب الجديد الذى ربط بين الفلاحين المؤمنين بمحمد [ ﷺ ] وجعلهم رجلا واحدا. . وسرعان ما تفجرت النزاعات والمعارك، وتم طرد شريعة اللَّه من "نافابارى" Navabari فى إقليم "دكا"، حيث كان قد استقر؛ ومن ثم اضطر إلى العودة إلى مكان مولده -وهناك استأنف نشاطه الدينى كممثل (خادم) للعقيدة، واستطاع فى فترة قصيرة أن يستحوذ على مشاعر وتأييد أغلبية كبيرة من غير المتعلمين، وكذلك الطبقات الأكثر إثارة فى السكان المسلمين وأصبح نفوذه بلا حدود، ولم يتردد أحد فى تنفيذ أوامره - وكان يتصرف بتعقل وحذر، ونادرا ما كان يخلع على نفسه شخصية غير شخصية المصلح الدينى ولكن هذه الحركة التى أسسها هذا الرجل، لم تجتذب إلا القليل من الاهتمام فى أثناء حياته، ونادرًا ما التقينا باسمه فى حوليات (سجلات تاريخ) تلك الأيام. . ومع ذلك فعندما ننظر إلى حياته نجد الكثير الذى
стр. 7697
يستحق التساؤل- فانحداره من أسرة غامضة بين مستنقعات البنغال الشرقية، ثم يكون أول واعظ يدمن الخرافات والمعتقدات الفاسدة التى تطورت بسبب الاتصالات والعلاقات الطويلة مع الهندوس الذين يؤمنون بتعدد الآلهة، شئ جدير بالاهتمام والملاحظة، ولكن أن يثير ويوقظ الفلاحين البنغال غير المبالين الكسولين ويدفعهم إلى الحماس الدينى فهذا شئ أكثر استحقاقا للاهتمام والملاحظة فلكى يحدث هذا التأثير لابد أن يكون هناك واعظ مخلص ودود. . ولم يحدث أن اجتذب أحد تعاطف الناس وتحمسهم بهذا القدر القوى مثلما فعل شريعة اللَّه.
وقد حاول أن يجعل كل المزارعين والفلاحين ينضمون إلى طائفته، وعندما يرفضون كان يأمر بضربهم، وحرمانهم أو طردهم من "مجتمع" المخلصين، بل يدمر محصولاتهم أيضا وقد حاول أصحاب الأرض منع مستأجريهم من الانضمام إلى الطائفة، ويقال إنهم كثيرا ما كانوا يعاقبون العصاة ويعذبونهم. وقد كانت حياته الطاهرة النموذجية موضع إعجاب من الفلاحين الذين يعيشون حوله، والذين كانوا يجلونه وقد كان يقدم إليهم النصح فى أوقات الشدة والعسر، والمواساة فى حالات الحزن والألم.
وقد وصف بأنه رجل متوسط الطول وسيم وحسن المظهر ذو لحية طويلة جميلة.
أما ابنه "محمد محسن" -المعروف باسم "دودو ميان" Dudhu Miyan, فهو يختلف عنه تماما- وبالرغم من أن الابن كان ذا قدرات عادية إلا أن نفوذه فاقت نفوذ أبيه واسمه مألوف يتردد فى جميع أنحاء اقاليم "فريدبور" و"يوبنا" Pubna, و"باكرجانج" Bakirgamj و"دكا" و"نوكالى" Noakhali، ثم أن أعداد تابعيه فى الوقت الحاضر تشهد على دقة وشمولية المنهج الذى حقق به هو وأبوه رسالتهما.
وقد ولد "دودو ميان" فى عام ١٨١٩ م، وقد زار مكة وهو لا يزال
стр. 7698
شابا حيث هبطت عليه -حسبما ذكر فى أقواله وجعل أتباعه يعتقدون- الكشوف التى تنبئ بعظمته فى المستقبل -وعند عودته كرس نفسه لنشر تعاليم أبيه وتعاليم أخرى جديدة أضافها هو. فمثلا فرض على أتباعه أن يأكلوا الجندب الشائع (وهو جراد صغير) الذى كانوا يكرهونه، وكان مبرره أن الجراد يُتخذ طعاما فى الجزيرة العربية.
أما أهم ما استحدثه "دودو ميان" فى حياته فهو تنظيم الطائفة. وقد قسم منطقة البنغال الشرقية إلى دوائر، وعيّن على كل دائرة خليفة أو نائبا، يتمتع بسلطة جمع التبرعات لتعزيز أهداف "الرابطة المركزية -وكان هؤلاء النواب يطلعون "دودو ميان" على كل ما يحدث فى دائرة اختصاصهم- وعندما يحاول أحد أصحاب الأرض أن يفرض حقوقه القانونية على أى عضو من الطائفة، كانت تتوفر الأموال لمقاضاته فى المحكمة، أو يبعثون بالرجال معهم الهراوات لسلب ممتلكات أصحاب الأرض، والحق أن الطائفة -فى أثناء حياة أبيه- لم تعترض أبدا على القانون الخاص بالأرض أو تصطدم به. ولكن الاجراءات التى اتخذها الابن جمعت بين أصحاب الأرض ومزارعى القنب ضده.
ومع ذلك فقد فشل القهر والاكراه، ولم يفعل أصحاب الأرض إلا القليل للحيلولة دون المزيد من انتشار الاضطرابات المماثلة، وقد كان أكبر عدد من الذين اهتدوا على يد "دودو ميان" من بين المزارعين وعمال القرى -وقد دافع عن المساواة بين البشر، وقال إن سعادة الفقراء والطبقات الدنيا ورفاهيتهم موضوع جدير بالاهتمام مثل سعادة الأغنياء والطبقات العليا ورفاهيتهم. . وقال إنه عندما يقع "أخ" فى محنة فان من واجب جيرانه أن يساعدوه؛ وأضاف مؤكدا أن استخدام أية وسائل لهذا الهدف لا ينطوى على جريمة أو ظلم. ومع ذلك فإن أعداءهم يزعمون أن الشهود كانوا يتقاضون أموالا من خزينة الرابطة.
وأصبح "دودو ميان" والحجاج -كما كان يطلق عليه أتباعه- مصدر
стр. 7699
خوف للهندوس، وأصحاب الأرض من الأوروبيين. ولم يكن من السهل الحصول على دلائل تدين أى شخص أو تجرمه. ومع ذلك فقد كانت أعظم وقفات "دودو" الصارمة هى معارضة أن يجمع أصحاب الأرض ضرائب غير قانونية -كما أن إجبار أى مزارع مسلم على أن يسهم فى تزيين صورة "دورجا" (معبود الهندوس) أو فى دعم أى من طقوس صاحب الأرض الهندوسى الذى يعمل عنده، تعتبر أعمالا من الاضطهاد لا تطاق أو تحتمل.
وقد كان فى ذلك على حق بكل تأكيد، فالمبرر الوحيد لاستمرارها هو قدَمُها وتكيفها مع مشاعر الناس. ولكنه خطا خطوة أكبر عندما أعلن أن الأرض أرض اللَّه، وأنه ليس من حق أحد أن يحتلها بالإرث، أو يفرض ضرائب عليها. . ولذلك اقتنع الفلاحون بأن يستوطنوا أراضى الخاصة التى تملكها الحكومة، ومن ثم يتجنبون دفع أية ضرائب، باستثناء عائد الأرض الذى تفرضه الدولة -ومع ذلك فقد أثار نجاحه السريع حفيظة أصحاب الأرض المعاصرين، ورفعت ضده قضايا كثيرة ملفقة.
ففى عام ١٨٣٨ اتهم بالتحريض على نهب عدد من المنازل؛ وفى عام ١٨٤١ أحيل إلى المحاكمة بتهمة القتل ولكن تمت براءته، وفى عام ١٨٤٤ حوكم من أجل انتهاك القانون وتكوين جمعية غير قانونية، وفى عام ١٨٤٦ اتهم بالخطف والسلب -وقد كانت اضطرابات عام ١٨٣٨ شيئا خطيرا، وقد ذهبت كتيبة من السباهيين (جنود هنود فى الجيش الانجليزى) من دكا لقمع أية اضطرابات.
وقد كان من المستحيل مع ذلك أن تحفز الشهود على أن يقدموا الدلائل. ولذلك كانت تصدر فى كل مرة الأمر بتبرئته. . وفى "نهادربور" حيث كان يقيم، كان الطعام يقدم إلى كل غريب مسلم، على حين كان جواسيسه يترددون على البنغال الشرقية، وكان يسوى الخلافات، يقيم ويعاقب أى هندوسى أو مسلم أو مسيحى يجرؤ -دون أن يحيل الأمر اليه أولا- على أن يقيم دعوى -بالنسبة لاستعادة الدَّين مثلا- فى محكمة "الانصاف" المجاورة -وكان مبعوثوه يحملون أوامره إلى
стр. 7700
القرى النائية، وكانت رسائله التى يوقعها باسم "أحمد نام معلوم (أحمد ذو الاسم غير المعروف) تحمل العنوان الهندوسى المألوف تخفيفا للريبة والشك. وقال لا خطيئة فى اضطهاد هؤلاء الذين لا يأخذون بتعاليمه أو هؤلاء الذين يتظلمون أمام محاكم الحكومة من أوامر الطائفة وقادتها المعترف بهم. ويقال إن "دودو ميان" كان رجلا طويلا أنيقا بلحية سوداء متدلية وعمامة كبيرة تلتف حول رأسه وقد مات فى بهادربور فى ٢٤ سبتمبر عام ١٨٦٠ ودفن هناك، ولكن نهر "اريال خان Arail Khan" أزال فى السنوات القليلة الماضية كل أثر لمنزله وقبره.
وقد خلف ثلاثة أبناء، ليس من بينهم من يتمتع بطاقة أبيه وقدراته، ومن ثم تتناقص الطائفة نتيجة لذلك ويتضاءل عددها. .
تعرف الطائفة باسم الفرائضية. وبقول هؤلاء الذين يأخذون بتعاليمها إن صلاة الظهر فرض فى أيام الجمعة المعروفة، والتى يؤديها أغلبية المسلمين.
المصادر:
(١) Abdul Ban: The ervorm mouement in Berga in Ahistory of Freedom Mouement
(٢) قصة الصراع الإسلامى من أجل الحرية، الصراع الهندى الباكستانى ١٧٠٧ - ١٩٤٧.
(٣) I, Karach ١٩٥٧, ٥٤٢ ff
بهجت عبد الفتاح [م. هدايت حسين M. Hidayet Hassain]
فراسة
فراسة -بوضوح- كلمه آرامية Aramaic دخيلة والمعاجم لم تقتبس شاهدا قديما يدل عليها. وليست موجودة فى القرآن الكريم ولكنها تستخدم لدى المفسرين بمعنى تفرس لتشرح كلمة توسم فى القرآن الكريم سورة الحجر، آية ٧٥ والمعنى العام هو "التبصر أو نفاذ البصيرة" وإدراك الأحكام السديدة طبقا للأحوال الموجودة (ابن القيم الجوزية/ الطرق الحاكمية ص ٢٤/ القاهرة هـ).
والفراسة كعلم عند العرب القدماء بمعنى القيافة (دوتى Doutte / السحر
стр. 7701
الدين ص ٣٧٠). وفيما يتعلق بالتعبيرات الصوفية المرتبطة بالحدس الإلهى للملائكة والأولياء فإن الأساس يظهر فى التعبير التقليدى "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللَّه" (١) ويضاف إلى هذا "أنه شئ يقذفه اللَّه فى قلوبهم وعلى ألسنتهم" وعن مثل هذه التعبيرات انظر (إحياء علوم الدين للغزالى مع شرح السيد المرتضى/ القاهرة جـ ٦ ص ٥٤٤ - ٥٤٥) وعن الفراسة لدى الصوفية انظر (رسالة القشيرى/ طبع بولاق ١٢٩٠ هـ مع شرح زكريا الأنصارى جـ ٣ ص ١٧٤ - ١٨٥ وابن الأثير/ لسان جـ ٨ ص ٤٠) وهم يقولون إن النصوص السابقة يمكن أن تفهم بطريقتين:
الأولى: المعنى الظاهر وهو شئ يضعه اللَّه فى أفهام الملائكة والأولياء ولذلك عرفوا أحوال أُناس معينين بواسطة الكرامة واستخدام الحدس.
الثانية: الفراسة هى شئ ينتقل عن القدماء بالتعليم وأيضا ينتقل من ذوى الخبرات وكان الرسول [ ﷺ ] ذا فراسة واضحة لاحظها صحابته والمؤمنون به، كما لاحظهما أعداؤه أيضا.
المصادر:
توجد عدة أبحاث فى علم الفراسة بالعربية والتركية والفارسية نذكر من المصادر العربية على سبيل المثال:
(١) "كتاب الفراسة" لشمس الدين أبو عبد اللَّه محمد بن إبراهيم بن أبى طالب الأنصارى الصوفى الدمشقى المتوفى فى ٧٢٧ هـ/ ١٣٢٧ م، ويسمى أحيانا "السياسة فى علم الفراسة" أو "الفراسة من أجل السياسة".
(٢) فخر الدين الرازى "رسالة فى علم الفراسة" أو "مجمل أحكام الفراسة".
د. إبراهيم شعلان [ت. فهد T. Fated]
فرحا باد
اسم يطلق على موضع فى مازندران عند خط ٣٦.٥٠ شمالا وخط طول ٣٨ و ٥٢.٢ شرقا وهو واقع شمالى "سارى" وشمال غربى أشرف قرب
стр. 7702
مصب "تجن" أو تيجان أو تيجينه وكان هذا الموضع يعرف فى سالف الأيام باسم "طاجان" حتى إذا جاء الشاه عباس الأول سماه بفرحا باد كما أمر فى سنة ١٠٢١ هـ (١٦١١ م) أو فى السنة التى تليها ببناء قصر ملكى له هناك، وشيد حول القصر البيوت والحدائق وبنى الحمامات الأسواق والمساجد والخانات ويقول الرحالة "بيترو ديلا فالى" إن الشاه عباس أنزل هنا جماعات من مختلف القوميات وفيهم كثيرون من نصارى "جورجيا" الذين نقلهم من المناطق التى اجتاحها جنود الصفويين.
واتصلت فرحا باد بسارى بالطريق الذى عبّده شاه عباس وتم سنة ١٠٣١ هـ (١٦٢١) وقد اعتاد الشاه أن يشتى فى أحد مكانين: فرحا باد أو "أشرف" ولا يعود إلى عاصمته اصفهان إلا بعد النيروز.
وتشير بعض المؤلفات الفارسية إلى فرحا باد بعبارة "دار السلطنة" و"دار الملك". مما يدل على أن هذه المدينة صارت فى الواقع عاصمة ثانية للبلاد.
ويقول الرحالة "بيترو ديلا فالى" (الذى زار فرحا باد سنة ١٦١٨) إلى أن مدار أسوارها مساو (إن لم يزد) لمدار أسوار روما أو القسطنطينية. كما أنه يشير إلى كثرة شوارعها التى يزيد طول بعضها عن فرسخ كذلك يشير الرحالة "شاروان" الذى زارها بعد ذلك بأربعين عاما إلى كثرة ما بالقصر من أطباق وأحواض من الصينى والخزف والعنبر والمرجان، وأكواب من البلور الصخرى وغير ذلك مما لا يحصيه العد.
على أن فرحا باد تعرضت للنهب على يد القوقاز، وقاست ما لا يزيد عليه من التخريب فى عصر الفوضى الذى تلا سقوط الصفويين فى القرن الثامن عشر. ويذكر الرحالة "هانوى" الذى مر بفرحا باد سنة ١٧٤٤ هـ أنه شاهد قصرا مهجورا إلا من رهط قليل من الفرس والأرمن الذين بقوا هناك. ويشير "فريزر" الذى رآها سنة ١٨٢٢ م إلى أطلالها التى تفوق أطلال أشرف. أما اليوم فإن فرحا باد لا تعدو أن تكون قرية صغيرة وسمى باسمها حى فى مازنداران.
стр. 7703
المصادر:
(١) J. Hanway: An historical account of the British trade over the Caspian Sea etc., London ٧٥٣١ - ٢٠٩.
(٢) Sir John Chardin: Voyagess . . . en perse (ed Langles), Paris ١٨١١, III, ٤٥٤ - ٩
(٣) J.B. Fraser: Travels and adventures etc. on the Southern banks of the Caspian Sea, London ١٨٩٢, ٧٠ - ٤
(٤) G.N. Curzon: Persia and the Persian Question, London ١٨٩٢, I, ٣٧٨
(٥) H.L. Rabino: Mazandaran and Astarbad, London ١٩٢٨, ٤٩, ٦٣
د. حسن حبشى [سافورى R. M. Savory]
فرحات جرمانوس
فرحات جرمانوس شاعر وعالم لغوى عربى ومن أوائل رجال النهضة فى الأقطار العربية فى القرن الثامن عشر، وقد ولد فى حلب فى العشرين من نوفمبر ١٦٧٠ م، ومات بها يوم العاشر من يونيو ١٧٣٢ م، كان أسقف بلدته المارونى من ١٧٢٥ م حتى ١٧٣٢ م، ولن نعنى هنا بنشاطه كمنظم للكنيسة المارونية ولكنه يبرز فى تأريخ الأدب العربى كصاحب معجم لغوى ونحوى وشاعر، ولقد كانت حلب إحدى المدن العربية القليلة التى ظلت مهتمة إلى حد ما -حتى بعد الفتح العثمانى- بالعناية بالأدب العربى والارتقاء به، وشجعها على هذا الأمر التأثيرات الأوربية -لاسيما من جانب المسيحيين الناطقين بالعربية كما ساعدها على ذلك تأسيس الكلية المارونية فى روما سنة ١٥٨٤ م وجود طائفة كبيرة من التجار الأوربيين فى حلب، ولا يجوز أن ننسى أن كلا من ج. جولياس (١٦٢٥ - ١٦٢٦ م) وبنكوك (١٦٣٠ - ١٦٣٦ م) قد قضى فترة من الوقت هنا، وازدهر النشاط الأدبى فى جميع المجتمعات المسيحية على أيدى الكثيرين الذين كان أحدهم هو البطرك الارثوذكسى مكاريوس ابن الزعيم الحلبى المتوفى سنة ١٦٧٢ م. ولقد ولد المطران فرحات فى أسرة مارونية ثرية، أصابت حظًّا كبيرًا من التعليم على أيدى علماء حلب النصارى والمسلمين على السواء أمثال بطرس التولوى أحد تلاميذ كلية روما
стр. 7704
المارونية والذى مات بها سنة ١٧٤٥ م، ويعقوب الدبسى أحد كبار المؤلفين فى علم البلاغة، والعالم المسلم الشهير الشيخ سليمان النحوى الحلبى. وكان فرحات إلى جانب إلمامه باللغات الشرقية من سريانية وعربية قد درس فى صدر شبابه اللغتين اللاتينيية والايطالية. ولما انخرط فى سلك الرهبان سنة ١٦٩٣ وتسمى باسم جبرائيل سافر إلى القدس ثم استقر أخيرا فى لبنان حيث جلس عند قدمى البطرك المارونى الذائع الصيت اصطفان الدويهى (١٦٣٠ - ١٧٠٤ م) ثم رُسِّم قسيسا عام ١٦٩٧ م وصار رئيس دير ثم حدثت اضطرابات فى عامى ١٧١١ و ١٧١٢ م رحل بعدها إلى روما رحلة كان لها أبعد الأثر فى نفسه (راجع ديوانه ص ٨٧, ١٣١, ١٤٦, ٤٩٤) ثم سافر إلى أسبانيا فصقلته كما يعترف هو بذلك فى الديوان (ص ٢٢٠, ٤٠٤) ومضى منها إلى مالطة، راجع الديوان ص ٢٢٠, ٤٠٤) صار رئيس أساقفة "حلب" منذ سنة ١٧٢٥ جمع مجموعة من الخطيات لا تزال موجودة (انظر جورجى زيدان تاريخ آداب اللغة العربية، ص ١٣٥)، كما جمع حوله طائفة من الشعراء والأدباء وعندما نطالع ديوانه نجد فيه أسماء أصدقائه الذين كان منهم نقولا الصائغ اليونانى الأصل (راجع الديوان ص ١٥٠) وانظر شيخوفى كل من مجلة المشرق ١٩٠٣، ص ٩٧ - ١١١ وكتالوج المؤلفين النصرانية العرب منذ ظهور الإسلام، ص ١٣١، وكتاب شعراء النصرانية بعد الإسلام لكراتشكوفسكى ٥٠٣ - ٥١١,) كما نطالع أنه كان من أصدقاء فرحات كل من مكرديج الكسيح الأرمنى المولد وعبد اللَّه زاخر (١٦٨٠ - ١٧٤٨) (انظر الديوان ٢٣٩, ٤٦٦) الذى صرف همته فى حماسة متقدة للطباعة ونجح فى هذا المضمار (راجع الديوان ١٥٨، والكتالوج ١٠٨ - ١٠٩) والياس بن الفخر المتوفى حوالى سنة ١٧٤٠ م (انظر الديوان ٢١٤, والكتالوج ٣٩ - ٤٠) غيرهم.
لقد أدرك فرحات -باعتباره عالما لغويا- أن الحاجة ماسة إلى أن يقرب إلى مواطنيه المراجع التى تسهل عليهم دراسة العربية فانكب على وضع
стр. 7705
مؤلفات تعتبر مصادر تعين على كيفية وضع المعاجم اللغوية والنحو والبلاغة، وقد ظلت هذه المؤلفات متداولة إلى وقت قريب بين المسيحيين السريان وعلى الرغم من أن هذه المؤلفات تعتمد أساسا على الأصل العربى لاسيما فى النحو إلا أننا نلمح فيها الأثر الأوربى لاسيما عند المارونيين وأدباء مدرسة "ارييوس" ومن بين ما ألفه فرحات فى موضوع المعاجم "المثلثات الدرية" الذى وضعه عام ١٧٠٥ م. كما ذيله بعد حين بملحق نجد منه عدة مخطوطات منها واحدة محفوظة فى المتحف الآسيوى فى لنينجراد ثم قاموسه "أحكام باب الإعراب" الذى أتمه سنة ١٧١٨ م وهو بالغ الأهمية فى بابه وقائم فى معظمه على قاموس الفيروزبادى وإن كان يتضمن كثيرا من الكلمات والتعابير المستحدثة الشائعة الاستعمال بين النصارى العرب. ولقد قام مشجع العلم المارونى المهاجر رشيد الدحداح (١٨٨٣ - ١٨٨٩ م) بمقارنة خمس مخطوطات من هذا المعجم بالقاموس وطبع ذلك فى كتاب سماه:
Dictionnaire arabe par Germanos Farhat, maronite, eveque d'Alep. Revu, corrig'e et considerablement augmente sur le manuscrit de L'autcur par Rochaid de Dahdah. scheick maronite. Marseilles
وقد طبع فى مرسيليا سنة ١٨٤٩ م وألحقه بصورة فوتوغرافية لفرحات، ثم جعل له عنوانا بالعربية هو "أحكام باب الاعراب" وزود القاموس برسالة عنوانها "الفصل المعقود فى عوامل الاعراب" ثم اختصره سنة ١٧٠٧ م، وقد صدرت من هذا المختصر طبعات عدة وعليها تعليقات بقلم فارس الشدياق (وطبع فى مالطة سنة ١٨٣٦ م) ثم طبعه بطرس البستانى فى بيروت عام ١٨٥٤ م، ثم سعيد الشرتونى عدة طبعات ظهرت على التوالى سنة ١٨٦٥ و ١٨٨٣, ١٨٩١, ١٨٩٦, ١٨٩٩ و ١٩١٣ م. . الخ. ولما كان فرحا كتلميذ متحمسا لياقوت الدبسى فقد وضع كتبا عن البلاغة وفى فنون الشعر بعنوان "بلوغ الأرب فى علم الأدب "وهو ما زال رهن الخطيات (راجع الديوان ٨٩، وكتالوج شيخو ١٥١) أما فى مجال علمى العروض