التطور الداخلى:
لا يعرف إلا القليل عن آراء الأشعرية فى نصف القرن التالى لوفاة صاحب المذهب؛ والباقلانى هو الشخص الوحيد الذى بقى كتَابه، وهو ميسور لنا، وما وافى زمنه حتى ذاع أن الأشعرية يأخذون ببعض أنظار المعتزلة (وخاصة نظرية أبى هاشم فى "الحال") وأنهم ربما تأثروا بنقدات الماتريدية. وثمة مسألة واحدة كانت مدرسة الأشعرى قد بدأت تختلف فيها عن الأشعرى نفسه، وهذه المسألة هى تفسير صفات التجسيد التى أطلقت على الله، مثل يده ووجهه واستوائه على العرش، ذلك أن الأشعرى كان قد قال فيها إنها يجب ألا تؤخذ بظاهر اللفظ أو بالتأويل بل تؤخذ بـ "لا كيف "، ولكن البغدادى والجوينى أولا "يده" بأنها "قدرته" ووجهة بأنه "ذاته" أو"وجوده", وكان موقف معظم الأشاعرة المتاْخرين مشابهًا لذلك (انظر Some Muslim Dis-: Montgomery Watt cussions of Anthropomorphism فى Transactions of the Glasgow University Oriental Society - جـ ١٣، ص ١ - ١٠) زد على ذلك اْننا بينما نجد الأشعرى يصر على أن "الكسب" مخلوق فيؤكد بذلك قدرة الله على كل شئ غامطًا مسؤولية الإنسان عن أفعاله، نجد أن الجوينى قد استطاع أن يبين أن مذهب
الأشعرية فى ذلك "مذهب وسط".
وحوالى منتصف القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) طرأ تغيير على المذهب، ذلك أن ابن خلدون (ترجمة ده سلان، جـ ٣، ص ٦١) يتحدث عن الغزالى على أعتبار أنه أول المجددين، ولاشك أن مرجع ذلك إلى حماسته للقياس الأرسطى، ولكننا نجد عند الجوينى من قبل آثار تقدم فى المنهج (انظر Gardet et Anawati: الكتاب المذكور، ص ٧٣ من أسفل). على أن الغزالى هو الذى غاص فى أنظار ابن سينا وغيره من الفلاسفة حتى استطاع مهاجمتهم بأسلوبهم بنجاح ساحق. ولم يسمع عن الفلاسفة زيادة على ذلك إلا القليل، ولكن منطقهم الأرسطى وكثيرًا من آرائهم الأفلاطونية الجديدة فيما وراء الطبيعة قد اندمجت منذ ذلك الوقت فى تعاليم الأشعرية. ولم تلبث هذه التعاليم أن صبغت بالصبغة العقلية على محمل سئ، بل إن بعض الآراء -
стр. 807
التى يشك فى سنيتها -قد أخذت وشغلت المقدمة الفلسفية فراغًا أكبر وعناية أكثر من النظريات الكلامية الصرف (وخاصة فى الإيجى وشارحه الجرجانى). وختامًا يجوز لنا أن نقول إن المذهب قد اختفى فى وهج من الفلسفة.
المصادر:
(١) انظر أيضًا المصادر عن الاْشعرى وغيره من أهل المذهب.
(٢) ابن عساكر: تبيين كذب المفترى، دمشق سنة ١٣٤٧ هـ (انظر مادة الأشعرى عن ترجمة هذا الكتاب بمعرفة MacGarthy and Mehren.)
(٣) Zur Geschichte: M. Schreiner des As'aritei turns فى Actes du ٨ e Congr. des Orient جـ ١ أ، ص ٧٩ وما بعدها.
(٤) Les Penseurs de: Garra de Vaux L'Islam باريس سنة ١٩٢٣، جـ ٤، ص ١٣٣ - ١٩٤.
(٥) Intro-: L. Gardet et M. M Anawati duction d Theologie Musulmane باريس سنة ١٩٤٨ وخاصة ص ٥٢ - ٧٦.
خورشيد [مونتجمرى وات W.Montgomery watt]
أصحاب (صحابة)
(ومفرده صاحب)، أو "صحابة" ومفردها صحابى): اصطلاح فى الإسلام أطلق بوجه خاص على صحابة النبى. وكان هذا الاسم يطلق فى أول أيام الإسلام على أولئك الذين اتصلوا بالنبى زمنًا ما واشتركوا معه فى غزواته، ثم اتسعت دائرة الصحابة فيما بعد شيئًا فشيئًا، ولم تقتض هذه التسمية وجوب اتصال الصحابى بالنبى اتصالا فعليا. وعد من الصحابة أيضًا المؤمنون الذين لقوا النبى فى حياته ورأوه ولو زمنا قصيرًا دون أن يوضع سن هؤلاء موضع الاعتبار (انظر ما ذكره كولدتسيهر- Muh. Studi en جـ ٢ وص ٢٤٠ عن اختلاف الآراء فى هذا التعريف) ويتفق مع هذا التحديد الأخير التعريف الشائع فى كتب الفقه (القسطلانى، جـ ٦، ص ٨٨). ويقال إن آخر صحابة النبى هو عامر بن وائلة الكنانى أبو الطفيل (أسد الغابة، جـ ٣، ص ٩٧؛ جـ ٥ ص ٣٣٣) الذى توفى بعد سنة مائة من الهجرة
стр. 808
بزمن قصير. ولابد أنه كان طفلا صغيرا عندما رأى النبى لأنه لم يولد إلا فى العام الذى حدثت فيه غزوة أحد. وكان فى الثامنة من عمره (١) عندما لقى الرسول (Zeitschr.d. Deutgch. Morgenl Gesellsch. جـ ٢٣، ص ٥٩٥). ويسلك الرواة أيضا فى سلك الصحابة، المؤمنين من الجن الذين كانوا على صلة بالنبى كما تقول القصة. وللصحابة فى نظر أهل السنة مكانة عالية بين المؤمنين. فإن ما لم يذكر فى القرآن من الشريعة يؤخذ عنهم ويعتمد فيه على روايتهم إذ أنهم هم الذين سمعوا قول النبى وشاهدوا أفعاله، وأساس الحديث هو ما ثبتت صحته مما نقلوه عن قول النبى أو شاهدوه من أفعاله. والحديث الذى يتصل إسناده إلى الصحابة يسمى "مسندًا" وإذا ثبت عن الصحابى عمل يوافق سنة صحيحة كان عمله شاهدًا للسنة القويمة التى يجب على المؤمن اتباعها دائمًا، وقد جعلتهم صلتهم بالنبى وما كان لهم من شأن فى توطيد الاسلام محل تقدير المؤمنين منذ نشاة هذا الدين؛ وسب الصحابة أو احتقارهم جريمة لا تغتفر ويعاقب من يسب الصحابة بالجلد، ومن أصر على سبهم كان جزاؤه القتل. والصحابة طبقات على رأسها الخلفاء الأربعة الراشدون بحسب ترتيب توليهم الخلافة. والى جانب الخلفاء الأربعة ستة آخرون من الصحابة أكد لهم النبى وهم أحياء أن مثواهم الجنة "العشرة المبشَّر لهم بالجنة" ومن هؤلاء تتألف طبقة خاصة من الصحابة. وهناك طبقات أخرى تتفاوت فى المرتبة بتفاوت نوع الأعمال التى اشتركت فيها مع النبى: فمنهم المهاجرون الذين هاجروا إلى المدينة؛ والأنصار، وهم أهل المدينة الذين بدأ اشتراكهم فى نصرته بعد الهجرة؛ والبدريون الذين شهدوا غزوة بدر ... إلخ. وقد جمع النووى فى شرحه مسلم (جـ ٥، ص ١٦١) (٢) الآراء المختلفة المتعلقة بطبقات الصحابة.
стр. 809
وقد تفرد الشيعة دون أهل السنة بخصومتهم القوية للصحابة، للك الخصومة التى وصلت بهم إلى حد التعصب المثير للكراهية، ذلك لأن الشيعة يرون أن الخلفاء الأول اغتصبوا حق علىّ وأهل بيته فى الخلافة بموافقة الصحابة. أما أهل السنة فإنهم إذا ذكروا صحابيًا أو كتبوا عنه، شفعوا اسمه "بالترضية" أى قالوا: رضى الله عنه. وتعنى مصنفات أهل السنة عناية كبرى بذكر فضائل أصحاب النبى أو مناقبهم. وتفرد أكثر كتب الحديث المبوبة فصلا خاصا لذكر المناقب. وقد صنف أيضًا كثير من الكتب التى جمعت أسماء جميع الصحابة مع ذكر سيرهم وبيان الأحاديث المسندة إليهم. وبين هذه المصنفات خلافات كثيرة، وينسب إلى عبد الباقى بن قانع مولى بنى أمية المتوفى فى بغداد عام ٣٥١ هـ (٩٦٢ م) كتاب "معجم الصحابة" (الذهبى: طبقات الحفّاظ، جـ ٣، ص ٩٩) وأهم من كتب فى سير الصحابة هو أبو عبد الله بن منده المتوفى عام ٣٩٥ هـ (١٠٠٤ - ١٠٠٥ م)، وأبو نُعيْم الإصفهانى المتوفى عام ٤٣٥ هـ (١٠٣٨ - ١٠٣٩) وأبو عمر ابن عبد البر النَمرى القرطبى المتوفى عام ٤٦٣ هـ (١٠٧٠ - ١٠٧١ م) وهو صاحب كتاب "الاستيعاب فى معرفة الأصحاب " (طبع فى حيدر آباد عام ١٣١٨ هـ فى مجلدين). وقد علق على هذا الكتاب السبكى تعليقات نقدية فى كتابه "طبقات الشافعية" (جـ ٦، ص ١٣٥) (١)، وابو موسى محمد بن ابى بكر الإصفهانى المتوفى عام ٥٨١ هـ (١١٨٥ - ١١٨٦ م) وقد جمع عز الدين ابن الأثير الجزرى المتوفى عام ٦٣٠ هـ (١٢٣٢ - ١٢٣٣ م) ما ورد فى كتب المتقدمين وعلق عليه وأكمل ما نقص منه ثم نشره فى كتابه
стр. 810
الكبير المسمى "أسد الغابة فى معرفة الصحابة" (القاهرة سنة ١٢٨٦ هـ فى خمسة مجلدات) يضاف إلى ذلك كتاب الذهبى المسمى "تجريد أسد الغابة" (حيدر آباد، سنة ٣١٥ هـ فى مجلدين أحصى فيهما ٨٨٠٩ صحابى). وهناك مرجع أوفى من كل هذه الكتب هو كتاب أبو الفضل بن حجر العسقلانى المتوفى عام ٨٥٢ هـ (١٤٤٨ - ١٤٤٩ م) واسمه "الإصابة فى تمييز الصحابة" (طبعة كلكتة فى أربعة مجلدات، عام ١٨٥٣ - ١٨٩٤؛ وطبع فى مصر فى ثمانية مجلدات عام ١٣٢٣ - ١٣٢٥)
[كولد تسيهر Goldziher]
أصحاب الأخدود
جاء ذكرهم فى سورة البروج، الآية الرابعة وما بعدها. ويروى المؤرخون المسلمون فى كلامهم على أصحاب الأخدود أن ذا نُوَاس ملك اليمن كان متعصبًا لليهودية غير متسامح مع النصارى، فدعاهم إلى اليهودية وخيّرهم بين ذلك والقتل فاختاروا القتل. فخدّ لهم الأخدود وأحرقهم فيه.
ولهذه القصة ما يؤيد بعضها ويكملها فى المصادر النصرانية، فإنها تقول إنه لما لم يستطع الكوشيون إرسال والٍ من قبلهم إلى اليمن بسبب حلول فصل الشتاء، استولى على السلطة ذو نواس الذى تسميه المصادر بأسماء مختلفة، وكان ذو نواس متحمسًا لليهودية فاضطهد النصارى. وحاصر نجران، حتى رذا وقعت فى يده حنث بوعده، وعذب النصارى الذين ظلوا على عقيدتهم بالنار والحديد. على أنه لم يرد فى روايات النصارى ذكر للأخدود. ويقرب من هذه الروايات ما ذكر شمعون من بيت أرشام وكاتب غير معروف فى Roisconade . ووصلت أخبار تلك الحوادث إلى الشام فى ربيع عام ٥٢٤ م، وعلى هذا يحتمل أن تكون تلك الحوادث قد حدثت فى أواخر عام ٥٢٣ ميلادية.
وهناك تفسيرات أخرى لهذه القصة، فيقول البعض إن أصحاب الأخدود هم دانيال وأصحابه (الطبرى: تفسير الآية)
стр. 811
ويرى رجحان هذه الرواية كيكر Geiger فى كتابه (Was hat Mohamm ص ١٩٢) ولوث Loth فى (Zeitschr.d. Deutsch Morgenl. Gcsel، جـ ٣٥، ص ١٢١). ويقول الثعلبى فى رواية له إن أصحاب الأخدود ثلاثة: ذو نواس فى اليمن، وأنطاخيوس فى الشام، وبختنصر فى فارس).
المصادر:
(١) ابن هشام، طبعة فستنفلد، جـ ١، ص ٩٢٥.
(٢) التفاسير المختلفة للآية الرابعة وما بعدها من سورة البروج.
(٣) المسعودى: مروج الذهب، باريس، جـ ١ ص ١٢٩ وما بعدها.
(٤) Essai sur: Caussin de Perceval L'histoire des Arahes جـ ١، ص ١٢٨ وما بعدها.
(٥) Geschichte der Araber: Noldeke und Perser zur Zeitder Sasanide ليدن سنة ١٨٧٩ م، ص ١٨٥ وما بعدها.
(٦) Bibliotheca orien-: Assemannus talis، جـ ١، ص ٣٦٤ وما بعدها.
(٧) La lettera di Simeone ves-: Guidi couo di Bet-Arsam sopra imartiri ameriti Memarie dell' Accademia dei Lincei سنة ١٨٨١، ص ٤٧١ وما بعدها).
(٨) Anecdota grae-: Boissonade ca جـ ٥، وما بعدها.
(٩) Zeitschr. d. Deutsch. Mor-: Fell genl. Gesellsch. جـ ٣٥، ص ١ وما بعدها.
(١٠) Litterature syriaque: Duval ص ١٣٦ وما بعدها.
(١١) الثعلبى: قصص الأنبياء، القاهرة سنة ١٢٩٧ هـ، ص ٤٢١ وما بعدها.
[فنسنك A. J. Wensicnk]
+ أصحاب الأخدود مصطلح ورد فى أوائل سورة البروج من القرآن يصعب فهمه؛ ونص الآيات من ٤ - ٨ من هذه السورة: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. ويقول المفسرون والمؤرخون القدامى للقرآن إن الإشارة فى هذه الآيات إلى
стр. 812
اضطهاد النصارى فى نجران على يد ملك جنوب بلاد العرب اليهودى ذى نواس (انظر هذه المادة) ذلك الاضطهاد الذى يُجعل فى سنة ٥٢٣ م من حيث هو واقعة تاريخية مقررة. ويقال إن الشهداء النصارى حرّقوا أحياء فى أخدود خدّ بخاصة لهذا الغرض، وترتبط هذه الآيات أحيانًا بالقصة التى ترجع أخيرًا إلى "أتون النار المتقدة" الوارد فى سفر دانيال، الإصحاح الثالث.
على أن هذه الآيات يجب أن تفهم بمعنى يتصل بعلم الآخرة كما استبان كرمته Grimme وبيّن هوروفتز على التدقيق؛ فنحن نعرض لمشهد من مشاهد الحساب المأثور فى القرآن. وأصحاب الأخدود كفار مآلهم إلى النار جزاء لهم على ما اقترفوا فى حق المؤمنين (الآية ٧). والاعتراضات التى أثارها آهرنز (K. Ahrens . فى Zeitschr .der Deutsch, Morgenl, Gesells, سنة ١٩٣٠، سنة ١٩٣٠ ,ص ٤٩) وبلاشير (Le Coran A. Blachere جـ ١، ص ١٢٠) على هذه التفاسير ليست حاسمة.
وتبقى بعدُ صعوبة تفسير كلمة "الأخدود" ويذهب موبك A.Morbeg إلى وجود أثر فيه للعبارة العبرية"كى هنّوم " بمعنى النار، وإن كان يتحفظ فى قوله هذا تحفظًا شديدًا (Legenden، ص ٢١؛ انظر Speyer، ص ٤٢٤) ويقول بل R. Bell: " قد يكون فى مصطلح أصحاب الأ خدود إشارة فرعية إلى قتلى قريش فى بدر الذين ألقيت جثثهم فى بئر" (The Qur'an، جـ ٢، ص ٦٤٦) وكلا التفسيرين فيه نظر.
المصادر:
(١) تفاسير القرآن لسورة البروج، الآيات من ٤ - ٧، وخاصة تفسير الطبرى، القاهرة سنة ١٣٢١ هـ. جـ ٣٠، ص ٧٢ - ٧٥ (انظر Loth فى , Zeitschr ,der Deutsch, Morgenl, Gesells, سنة ١٨٨١، ص ٦١٠ - ٦٢٢)
(٢) ابن هشام، طبعة فستنفلد، ص ٢٤.
(٣) الطبرى: التاريخ، جـ ١، ص ٩٢٢ - ٩٢٥
стр. 813
(٤) Geschichte der Araber: Noldeke und Perser zur zeit der Sasaniden, سنة ١٨٧٩، ص ١٨٢ - ١٨٧.
(٥) المسعودى: مروج الذهب، جـ ١، ص ١٢٩.
(٦) الثعلبى: قصص الأنبياء، القاهرة سنة ١٢٩٢ هـ من ٣٨٠ - ٣٨٢.
(٧) Essai sur L'his: Caussin de Perceval toire des . Arab جـ ١، ص ١٢٨
(٨) Acta Sanctorum Octobris T. X. بروكسل سنة ١٨٦١، ٧٢١ - ٧٦٢.
(٩) Fell فى Zeitschr der Deutsch Morgenl, Gesells سنة ١٨٥، ص ١ - ٧٤.
(١٠) In Lettera di simeone: I. Guidi vescovo di Beth-Arsham sopra martiri .. omeriti, Raccolta di Scr، جـ ١، سنة ١٩٥، ص ١ - ٦٠.
(١١) The Book of the: A. Moberg Himyarites؛ لوند سنة ١٩٢٤، وخاصة ص ٤٣ - ٤٧، ٥٦.
(١٢) الكاتب نفسه: Ueber einige Christliche Legenden in der islamischen Tradition، لوند سنة ١٩٣٠، ص ١٨ - ٢١.
(١٣) Litterature syriaque: Duval سنة ١٩٠٧، ص ١٣٦ - ١٤١.
(١٤) Der Ursprung des: T. Andrae Islams and das Christentum، أوبسالا سنة ١٩٢٦، ص ١١ - ١٣.
(١٥) Christliches im Qo-: K.Ahrens ran فى , Zeitschr. der Deutsch, Morgenl Gesell, سنة ١٩٣٠، ص ١٤٨ - ١٥٠ ز
(١٦) Koranische Un-: J. Horovitz tersuchungen، سنة ١٩٢٦، ص ١٢، ٩٢.
(١٧) Die biblischen: U. Speyer Erzdhlungen un Qoran، كرافنهاينشن، ص ٤٢٤.
خورشيد [باريه R. Parel]
أصحاب الرأى
ويقال أيضًا "أهل الرأى": اسم أطلقه أهل الحديث للانتقاص من قدر خصومهم من فقهاء الشرع. وكان الرأى فى الأصل يدل على القول السديد، ويطلق على ذلك العنصر من التدليل البشرى سواء كان يقوم على
стр. 814
منهج دقيق أو على رأى شخصى أو حكمى وقد استخدهه الفقهاء الأولون لاستنباط أحكام فى مسائل شرعية. على أن "أهل الحديث" الذين قاموا لمعارضة المذاهب القديمة فى الشرع يعدون "الرأى"مخالفًا للشرع. وهم بصفة خاصة يرون أن من الخطأ القول بما جرى أتباع المذاهب القديمة على القول به من إنكار الأحاديث المروية عن النبى بالاعتماد على الرأى. ونتيجة لنجاح هذا الموقف فى أصول الفقه، فإن كل طائفة جنحت إلى وصف من يجعلون للرأى الشخصى فى أية مسألة بذاتها نطاقًا أوسع مما جعلوا بأنهم "أصحاب الرأى" وأصبح من المستحيل على أولئك الذين يستخدمون "الرأى" أن يتبينوا موقفهم وأن يبرروه بالمقاييس الإسلامية. وما من مذهب قط من المذاهب الشرعية سمى نفسه -أو رضى بأن يسمى نفسه- "أصحاب الرأى"، والتفرقة بين أهل الحديث وأصحاب الرأى تفرقة صناعية إلى حد كبير. وفى رأى أهل الحديث أن أبا حنيفة ومذهبه ومالكا ومذهبه ينتسبون إلى أصحاب الرأى، وقد سماهم بذلك حقا الشافعى وابن قتيبة وغيرهما، ولأسباب عارضة أصبح أبو حنيفة ومذهبه الهدف الأول لهجوم أهل الحديث، وأدى هذا إلى قيام رأى خاطئ بأنهم خير من يمثل أصحاب الرأى. وبلغ الأمر إلى حد وضع تحذيرات من الرأى، مع الذكر الصريح فى بعض الأحيان لأبى حنيفة وأتباعه، على لسان الرسول وصحابته وخلفائهم ومن ثم أصبحت هذه التحذيرات من الأحاديث.
المصادر:
(١) الشافعى: كتاب الأم، جـ ٧، فى مواضع مختلفة.
(٢) الدارمى: السنن، الفصول التمهيدية.
(٣) ابن قتيبة: المعارف، طبعة فستنفلد ص ٢٤٨ وما بعدها.
(٤) الكاتب نفسه: مختلف الحديث، ص ٦٢ وما بعدها.
(٥) الخطيب البغدادى: تاريخ بغداد، جـ ١٣، ص ٣٢٣ وما بعدها (حملة على
أبى حنيفة).
(٦) الشهرستانى، ص ١٦١
(٧) Sachau فى Sitzungsber. AK.
стр. 815
Wien, Phil. Inst. Classe سنة ١٨٧٠، ص ٧١٣ وما بعدها.
(٨) Gultur-: Von Kremer geschichte جـ ١، ص ٤٩٠ وما بعدها.
(٩) Zdhiriten: Goldziher ص ٢ وما بعدها.
(١٠) الكاتب نفسه: Muh. Studien, جـ ٢، ص ٧٤ وما بعدها (ترجمة Bercher Etudes sur la traition Islamique ص ٨٨ وما بعدها.
(١١) Instituzioni: Santillana جـ ١، ص ٤٦ وما بعدها.
(١٢) Origins of Mu-: J.Schacht Jurisprudence hammedan ص ٩٨ وما بعدها، وفى مواضع مختلفة.
(١٣) الكاتب نفسه Esquisse d'une histoire du droit musulman، ص ٥٣
خورشيد [شاخت J. Schacht]
أصحاب الكهف
يريد القرآن بهذا الاسم الإشارة إلى الفتية الذين جرت العادة فى الغرب على تسميتهم "نوام أفسوس السبعة". ويقص القرآن الكريم قصتهم فى سورة الكهف (الآية الثامنة وما بعدها) فيقول إن بعض الفتية من مدينة كانت تعبد الأوثان ظلوا وحدهم يعبدون الله مخلصين، وهربوا إلى كهف يطل بابه على ناحية الشمال، وهناك ضرب الله على آذانهم فناموا ومعهم كلبهم "لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارًا ولملئت منهم رعبا"، ولبثوا فى كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، ثم بعثهم الله فبعثوا بأحدهم إلى المدينة ليشترى لهم طعامًا. ولا يذكر القرآن الكريم عنهم أكثر من هذا، إلا أنه زيد على ذلك أن عددهم ثلاثة أو خمسة أو سبعة، وأن الغرض من هذه القصة هو تمكين الاعتقاد فى البعث.
على أن المؤرخين والمفسرين ذكروا عن أهل الكهف شيئا كثيرًا. والروايات المختلفة التى أوردها الطبرى (طبعة ده غويه، جـ ١، ص ٧٧٥ وما بعدها؛ التفسير، جـ ١٥، ص ١٢٣ وما بعدها) يتفق أكثرها على القول بأن عددا من الفتية نبذوا عبادة الأوثان واعتنقوا
стр. 816
المسيحية فى مدينة الروم (اليونان أو آسية الصغرى) ثم فروا من تلك المدينة وأووا إلى كهف، وكان معهم كلب عجزوا عن إبعاده، وناموا فى هذا الكهف، ثم جاء الملك الوثنى داقيوس (ويسمى أيضا داقينوس وداقيانوس) ومعه أتباعه للقبض عليهم، ولكن لم يستطع أى واحد منهم دخول الكهف، فبنى عليهم داقيوس باب الكهف ليموت الفتية جوعًا وعطشًا ونسى الناس أمرهم بعد ذلك. وفى يوم من الأيام. بعث أحد الرعاة برجاله وأمرهم بفتح الباب ليتخذ من الكهف حظيرة لغنمه،
ولما دخل رجاله الكهف لم يروا أول الأمر الفتية الذين بعثهم الله فى الأجل الذى ضربه ليقظتهم، وعند ما استيقظوا كانوا لا يزالون يملؤهم الفزع والرعب من الخطر الذى نجوا منه. فعمدوا إلى الحيطة وبعثوا باحدهم إلى المدينة ليشترى لهم طعامًا، ولم يعرف بائع الطعام النقود التى دفعها إليه الفتى، فساقه إلى الملك وهناك تبين كل شئ: فقد نام الفتية ثلاثمائة سنة وتسعا، وكانت الوثنية قد انقرضت خلال هذه المدة وحلت النصرانية محلها. وفرح الملك بأصحاب الكهف فرحًا عظيمًا لأن بعثهم أيد عقيدة دينية كان البعض يشك فى صحتها، وهى أن الناس يبعثون بالجسد والروح معًا. ولم يكد الفتى يعود إلى الكهف ثانية حتى ضرب الله على آذانهم مرة أخرى، فشيدوا فى ذلك المكان كنيسة.
ولعل فيما ذكرناه الكفاية، غير أننا نريد أن نورد رواية أخرى تنسب إلى وهب بن منبه (الطبرى، طبعة ده غويه جـ ١، ص ٨٧٨, وما بعدها: ابن الأثير طبعة تورنبرغ، جـ ١، ص ٢٥٤ وما بعدها) وتقول هذه الرواية "إنه جاء حوارى من أصحاب عيسى إلى تلك المدينة وأراد أن يدخلها فقيل له إن على بابها صنما، لا يدخلها أحد حتى يسجد له، فلم يدخلها وأتى حمامًا قريبًا من المدينة فكان يعمل فيه، فرأى صاحب الحمام البركة على قدومه، وعلقه الفتية فجعل يخبرهم خبر السماء والأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا به وصدقوه. فكان على ذلك حتى جاء ابن الملك بامرأة فدخل بها الحمام فعيره الحوارى فاستحيا، ثم رجع مرة أخرى فعيره فسبه وانتهره، ودخل الحمام ومعه
стр. 817
المرأة فماتا فى الحمام. فقيل للملك: إن الذى بالحمام قتلهما، فطلبه الملك فلم يجده، فقال: من كان يصحبه؟ فذُكر له الفتية فطلبهم فهربوا إلى الكهف مع صاحب لهم وتبعهم كلبهم أيضًا".
ثم تتفق هذه الرواية مع الروايات الأخرى فى بقية القصة. وقد زادت المصادر التى أوردت هذه القصة كثيرًا من المعلومات التاريخية والجغرافية غير أن الكثير منها متناقض، وبعضها لم يتيسر تعليله حتى الآن تعليلًا مقبولًا. وسنتكلم الآن على أهم هذه المعلومات فنقول: إن الملك الوثنى الذى اضطهد النصارى كان يسمى داقيوس (٢٤٩ - ٢٥١). أما الملك النصرانى الذى بعث الفتية فى عهده فهو الملك تيودوسيوس الثانى (٤٠٨ - ٤٥٠) وهذا لا يتفق مع ما ورد فى القرآن من أن أصحاب الكهف لبثوا فى كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا (١). ولا مع الروايات الأخرى التى تذهب إلى اْنهم لبثوا فيه ٣٧٢ عامًا. وهناك أمر آخر عظيم الأهمية هو معرفة المدينة التى حدثت فيها هذه القصة. تقول المصادر الغربية إنها حدثت فى مدينة أفسوس Ephesus وتتفق معها فى هذا بعض المصادر الشرقية أيضًا. على أن العرب يعرفون مدينتين بهذا الاسم: إحداهما المدينة المعروفة، والأخرى مدينة عربسوس القديمة فى كبادوكيا وكانت تسمى أيضا أبسوس وتسمى اليوم بربوز. فهل كانت مدينة أبسوس هذه هى المسرح الذى وقعت فيه تلك الحوادث الحقيقية أو التى أوحى بها الخيال؟
أما ده غويه فيؤيد هذا الرأى معتمدًا على براهين استمدها من الكتب التى تقول بذلك. وفى الحق إن بعض الرحالة قالوا إنهم رأوا فى مدينة أبسوس هذه
стр. 818
كهفًا كانت به جثث ثلاثة عشر رجلًا قد تيبست (ياقوت: المعجم، جـ ٢، ص ٨٠٦؛ المقدسى، ص ١٠٣ ابن خرداذبه، ص ١٠٦، ١١٠، البيرونى: الآثار الباقية، طبعة سخاو ص ٢٩٠)، وفوق هذا فقد تضمنت مجموعة النصوص المتعلقة بتاريخ السلاجقة (طبعة هوتسما، جـ ٤، ص ١٥٢) ما ينص صراحة على أن عربسوس هى مدينة "أصحاب الكهف والرقيم ". وربما كان اكتشاف هذه الجثث الثلاث عشرة هو الأصل الأول لقصة أهل الكهف ثم حرف الناس أبسوس فيما بعد إلى أفسوس.
وهناك مسألة أخرى هامة أيضًا، هى معرفة معنى "أصحاب الكهف والرقيم " التى وردت فى القرآن. ذهب الكثيرون إلى أن الرقيم هو اسم الكلب، وذهب آخرون إلى أن الرقيم هو اللوح الذى نقشت عليه قصة أصحاب الكهف. أما جغرافيو العرب فيرون أن الرقيم اسم مكان، فابن خرداذبه مثلا يقول إن الكهف الذى كانت فيه الجثث اسمه الرقيم وأن قصة أصحاب الكهف حدثت فى أفسوس. أما المقدسى فيرى أن الثلاثة عشر رجلًا الذين وجدت جثثهم فى الكهف كانوا أصحاب الكهف، ويروى أن الرقيم هى جهة فى شرق الأردن قريبة من عمان، ويقال إن هذه الجهة كانت مسرحًا لحادث شاذ حدث لثلاثة من الرجال. وقد زار الكهف الذى كان فيها كلرمون كانو - Clermont Gan neau وهو يرى أن هذه الجهة هى التى جاء ذكرها فى القرآن الكريم.
ولسنا ندرى أى شأن للكلب فى قصة أصحاب الكهف ولا مكان جبل أنخليوس (ويرسم على أشكال مختلفة) وليست المصادر متفقة فى عدد الفتية ولا فى أسمائهم. وقد ظهرت قصة أصحاب الكهف لأول مرة فى الشرق فى كتاب سريانى يرجع تاريخه إلى القرن الخامس، ذكرها ديونيس من تل مهرة، ووردت عند الغربيين فى كتاب تيودوسيوس عن الأرض المقدسة. وأسماء الفتية فى هذه المصادر أسماء يونانية، وليس هناك اتفاق على ما إذا كانت الرواية التى ذكرها ديونيس قد نقلت عن اليونانية أم أنها كتبت بالسريانية من أول الأمر.
стр. 819
وقصة اصحاب الكهف مشهورة ذائعة فى الآداب الشرقية والغربية على حد سواء. راجع فى هذا الصدد كتاب جون كوخ John Koch الذى حاول أن يجعل لهذه القصة أصلا فى الأساطير.
المصادر:
(١) Dionysli Telmaharensis Ghronici Liber Primus طبعة تولبرغ، ص ١٦١، ١٣١.
(٢) Testi orientali inediti so-: Guidi Efeso Acad. dei)pra i sette dormienti di ١٨٨٥ - ١٨٨٤ Lincei)
(٣) Anecdota Syriaca: Land جـ ١، ص ٣٨، جـ ٣، ص ٧٨.
(٤) الطبرى، طبعة ده غويه، جـ ١، ص ٧٧٥ وما بعدها.
(٥) الطبرى: تفسير القرآن، جـ ١٥، ص ١٢٣ وما بعدها.
(٦) ده غويه: المكتبة الجغرافية العربية، فى مواد الرقيم، أبسوس، أفسوس، طرسوس.
(٧) ياقوت: المعجم، فى مواضع مختلفة.
(٨) ابن الأثير، طبعة تورنبرغ، جـ ١، ص ٢٥٤ وما بعدها.
(٩) البيرونى: الآثار الباقية، طبعة سخاو، ص ١٩٠.
(١٠) القزوينى، طبعة فستنفلد، جـ ١، ص ١٦١ وما بعدها.
(١١) المقريزى: تاريخ السلاطين المماليك، ترجمة Quatremere، جـ ١، ص ٢، ١٤٢.
(١٢) Noldeke فى - Gotting Gel . An zeigen سنة ١٨٨٦، ص ٤٥٣.
(١٣) De legende der ze-: de Goeje Efeze Versl en Meded)ven slapers van Akad. Amesterdam, Letterk, ٤ Reeks, Deel CIV ص ٩ وما بعدها.
(١٤) De Sie-: John Koch benschlaferlegende, ihr Ursprung und ihre Verbreitung؛ سنة ١٨٨٣.
(١٥) De situ terrae sanc-: Theodosius tae، طبعة Gildemeister، ص ٢٧.
(١٦) الدميرى: حياة الحيوان، مادة كلب.
стр. 820
(١٧) الثعلبى: قصص الأنبياء، القاهرة سنة ١٢٩٧، ص ٣٩٤ وما بعدها.
(١٨) Etudes a': Clermont Ganneau Archeologie orientale جـ ٣، ص ٢٩٥.
(١٩) Historisch- to- M. Tomaschek Euphrat und pographisches vom o beren aus ost - Kappadokien , فى - Kiepert- Fests chrift، برلين سنة ١٨٩٨.
(٢٠) Palestine under: G. le Strange , the Molsems ٢٧٤ - ٢٨٦.
(٢١) . Brockelmann فى Mitt. d. Sem f.Or Sprachen جـ ٤، ص ٢٢٨.
(٢٢) Heller فى Revue des etudes Juives جـ ٤٩، ص ١٩٠ وما بعدها.
(٢٣) Beitrane zur Sie-: Huber benschlaferlegende, الجزء الثالث، ليبسك سنة ١٩٠٣ - ١٩٠٤.
[فنسنك A. J.Wensinck]
الإصطخرى
أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسى: جغرافى عربى لا نجد ذكرًا لسيرته فى أى كتاب، ذلك لأن كتاب تقويم البلدان المنسوب إليه والمعروف بعنوان "المسالك والممالك" -وهو المجلد الأول من المكتبة الجغرافية العربية التى نشرها ده غويه- لم يقدم له بذكر سيرته. ومع هذا فقد أظهر ده غويه أن كتاب الاصطخرى لم يكن سوى نسخة جديدة لمصنف سابق كتبه أبوزيد البلخى، وهذا بالضبط ما فعله ابن حوقل (انظر هذه المادة) فقد اتخذ من كتاب الإصطخرى أساسًا لمصنفه حين عدل عن تصحيح كتاب الإصطخرى الذى لقيه عام.٢٤٠ هـ (٩٥١ - ٩٥٢ م) وطلب إليه أن يصححه. ومن ثم فإن من المحقق على أقل تقدير أن الإصطخرى قد عاش بلا شك فى النصف الأول من القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى). والأصل الذى نشره مولر J. A. Moeller فى تاريخ متقدم يرجع إلى عام ١٨٣٩ لم يكن سوى موجز لهذا الكتاب.
المصادر:
(١) Die Istakhri-Balkni Frage: De Goeje فى Zeieschr. d. Deutschen Morgenl Gesellsch جـ ١٥، ص ٤٢ وما بعدها.
стр. 821
الأصمعى
أبو سعيد عبد الملك بن قُرَيْب: لغوى عربى. توفى سنة ٢١٣ هـ (٨٢٨ م) وثمة تواريخ أخرى عن وفاته فى ياقوت: إرشاد الأريب، والكتاب المتأخرين؛ وتاريخ ميلاده الذى كثير، ما يعين أنه سنة ١٢٣ هـ (٧٤٠ م) يقال إنه لم يكن معلومًا له هو نفسه (انظر: إرشاد الأريب، ص ٦، ٨٦) والأصمعى نسبة إلى أصمع أحد أجداده أما عن الباهلى فهى نسبة إلى القبيلة القيسية السيئة السمعة الباهلة، تلك النسبة التى أشار إليها فى شعر هجائى شاعر معاصر (انظر: ابن المعتز، طبقات الشعراء، ص ١٣٠، والسيرافى، ص ٥٨). وفى خبر أنه جعل نفسه واحدًا من نسل بنى أعصر بن سعد بن قيس عيلان (انظر القالى: الأمالى، ص ١، ١٧١).
وهذا العالم ومعاصره أبو عبيدة وأبو زيد الأنصارى كوّنوا ثالوثًا يدين إليه اللغويون المتأخرون بأكثر من يعلمون عن التأليف المعجمى والشعر. وكانوا جميعهم تلاميذ لأبى عمرو بن العلاء زعيم اللغوين بالبصرة. ومن بين تلاميذهم العديدين الجاحظ الأديب، وقد خلف فى مصنفاته مآثر من علمهم. وقد تميز الأصمعى بذاكرة مذهلة، وبعقل ناقد غير معهود. وقد اضطلع عن أستاذه أيضًا بوعى ضابط بالحدود الثابتة للمعرفة اللغوية (انظر نقلا عن أبى عمرو اقتبسه السيوطى: المزهر، جـ ١، ص ٣٢٣). ومنهج تقصى الأخبار عن البدو فى الأمور التى تخص النحو والتأليف المعجمى -الذى يبدو أنه نما فى البصرة بتوجيه أبى عمرو- اضطلع به تلاميذه. وثمة ثبت ساقه ابن النديم فى الفهرست (ص ٤٣) بأسماء أساتذة البصرة البدو (انظر المزهر، جـ ٢، ص ٤٠١).
وفى البصرة عرف العامة عنايته بالدرس واستطاعوا أن يهدوه إلى حيث يجد- شيخًا على علم تام باللغة (انظر المزهر، جـ ٢، ص ٣٠٧) وتروى الأخبار أيضا عن رحلاته فى البادية يطوف بالبدو ويجمع الشعر من أفواههم، وكان وهو لا يزال شابًا يسعى إليه
стр. 822
الطلاب الحريصون على أن يأخذوا عنه، وكان مجلسه واسع الشهرة.
ومن بين فروع اللغة التى نمت من قبل كان التأليف المعجمى هو الذى اجتذب موهبته بنوع خاص، مع أنه كان يقال إن أبا زيد كان يفوقه فى النحو، وأن الخليل يئس منه فى تلقى العروض (انظر ابن جنى: الخصائص، ص ٣٦٧).
وثمة روايات عدة عن الظروف التى جاءت بالأصمعى إلى بغداد وبلاط هارون الرشيد، ففى رواية رواها المرزبانى ونقلها عنه اليافعى (جـ ٢، ص ٦٦) أنه لقى الخليفة من قبل فى البصرة. وقد استقدمه محمد الأمين وهو ولى للعهد ثم قدمه للخليفة الوزير الفضل بن الربيع (تاريخ بغداد، جـ ١٠، ص ٤١١) ويقول الجهشيارى (الوزراء، ص (١٨٩) إن الذى قدمه الخليفة هارون الرشيد هو جعفر بن يحيى البرمكى. وقد اْغدق البرامكة عليه النعم الجزيلة (انظر ابن المعتز كتابه المذكور، ص ٩٨) على أن هذا لم يمنعه من هجائهم بعد أن حلت النقمة بهم (انظر الجهشيارى، ص ٢٠٦) وقد جعلته صلته الوثيقة بجعفر يخشى على حياته نفسها حين علم بسقوط جعفر سنة ١٨٧ هـ (٨٠٣ م؛ وانظر الجهشيارى ص ٢٠٦). وفى رأى الأصمعى أن إسحاق بن إبراهيم الموصلى غريمه فى البلاط كان أكثر منه نجاحًا فى الحصول من الخليفة على جوائز عاجلة لقاء زكانته (انظر الأغانى، الطبعة الأولى، جـ ٥، ص ٧٧؛ الحصرى: زهر الآداب، الطبعة الثانية، ص ١٠١٤؛ إرشاد الأريب، جـ ٢، ص ٢٠٥). وقد وردت فى العقد الفريد لابن عبد ربه جملة من النوادر والملح التى كان الأصمعى يروّح بها عن الخليفة، والظاهر أن الأصمعى عاد إلى البصرة بعد وفاة الخليفة هارون الرشيد. وجاء فى شاهد منقطع أنه توفى فى مرو (انظر ابن خلكان، رقم ٣٨٩).
وقد شاعت بين تلاميذ الأصمعى وفى أوساط البصرة والكوفة المعنية عدة قصص رواها هو أو رويت عنه ووجدت سبيلها إلى الأخبار الأدبية.
стр. 823
ولاشك أن بعضها فيه ملامح موثوق بها عن شخصيته، ومن ذلك ما روى من أنه أصر على أن يعيش عيشة الفقراء فى أوج حياته العملية على الرغم من أنه كان يملك مالا كثيرًا. وقد نأى عما أثر عن الفرس من ترف وآثر الحياة البسيطة التى تنسب فى الروايات لعمر ابن الخطاب والحسن البصرى إذ كانت تمثل له الأسلوب العربى الخالص فى المعيشة (انظر الجاحظ: البلغاء، طبعة الحاجرى، ص ١٨٦). ولاشك أن الأقوال العديدة التى رواها عن عامة البدو رجالا ونساء كان المقصود بها ألا تبين بلاغة هؤلاء القوم البسطاء فحسب بل تبين أيضا ماتتميز به حياتهم البسيطة من تقوى خالصة. وإن جنوحه إلى الرثاء الوجدانى الجياش بالعواطف -حتى إنه لم يرو فيما يقال شعرًا فى الهجاء قط- يتفق مع تمجيده للجنس العربى استجابة لمشاعره الدينية. وفى الأخبار: وهو ينقل فيما حدّث به من أحاديث صحيحة عن الحسن البصرى، ومما يتفق مع روحه التى ذكرناها له، تلك الأحاديث العديدة التى تحدث بها بادئًا بعبارة: سمعت بدويًا يقول فى صلاته. وفى كتب الكتاب المتأخرين تسيطر هذه السمات الشعورية على شخصية الأصمعى، ونحن نجدها فى القصة الخيالية التى قيلت على لسانه فى أحاديث ابن دريد الخيالية (انظر القالى: الأمالى، الطبعة الأولى جـ ٢، ص ٧). وفى "محاضرات الأبرار" لابن العربى يحدث فقيه البصرة اللغوى حديث معاصره المصرى الصوفى ذى النون حول لقاءاته مع البدو الفقراء والصبيان الذين كشفوا له عن أسرار الحب الإلهى فى بصيرة عجيبة خارقة (انظر الكتاب المذكور، جـ، ص ٨١، ١٣٣)، ويتفق معاصروه السنيون والكتاب المتأخرون على أنه كان سنيًا محافظًا. ويقول إبراهيم الحربى المتوفى سنة ٢٨٥ هـ (٨٨٨ م) إنه لم يكن بين فقهاء اللغة البصريين من أنصار السنة الصرحاء إلا أربعة، كان أحدهم الأصمعى (انظر تاريخ بغداد، جـ ١٠، ص ٤١٨؛ ابن الأنبارى، ص ١٧٠) وتستدل الرواية على تقواه بشاهد هو أنه كان يتجنب
стр. 824
الإثم بالتزام السكوت المطبق حيال أى سؤال لغوى يتضح أنه قد يكون له أى مساس بقراءة القرآن أو بنص الحديث (وقد أورد كتاب المزهر، جـ ٢، ص ٣٢٥ قائمة بالشواهد على ذلك) وعلى حين نجد أن دراسة اللغة عند أبى عمرو وأبى عبيدة تعتمد على دراسة القرآن فإن الأصمعى كان يفرق بين كونه قارئًا للقرآن، وكونه نحويًا وراوية للشعر. وقد نسج على منوال شيخه نافع وقراء المدينة فأحجم أيضًا عن التعرض للتفسير (انظر عن هذا الموضوع Two Muqaddimas to the Qu- ranic Sciences، طبعة A.Jeffery القاهرة سنة ١٩٥٤، ص ١٨٣ وانظر المزهر، جـ ٢، ص ٤١٦؛ إرشاد الأريب، جـ ١، ص ٢٦). وفى هذه الناحية كان الأصمعى يعارض موقف المعتزلة والقدرية الذين كانوا -فى قوله- يفسرون القرآن برأيهم كما فعل أبو عبيدة فى كتابه "المجاز" (انظر ارشاد الأريب، جـ ٢، ص ٣٨٩ جـ ٧؛ ص ١٦٧).
ومن حيث رواية الشعر كان الأصمعى وجيله متأثرين فى الصميم بالراويتين الكبيرين حماد الراوية وخَلَف وكان الأصمعى يرى فى جلاء المآخذ المتصلة بشخصيتيهما اللتين لا يُطمأن اليها (انظر إرشاد الأريب، جـ ٤، ص ١٤٠؛ المزهر، جـ ٢، ص ٤٠٦؛ بلاشير، ص ٩٩) وأراد الأصمعى أن يجمع فى صورة كاملة محددة قصائد فحول الشعراء الجاهليين فراح يبحث عن أشخاص لهم العلم الراسخ بالرواية. وقد استن فى عمله منهجًا نقديًا ذاع أمره فى زمانه وهو يقوم على العلم الواعى بصفة شبه الجزيرة العربية وبأنساب القبائل، وفوق هذا كله اللغة والنحو. وقد روى تلاميذه عنه هذه الملاحظات النقدية فوجدت سبيلها إلى كتب الشراح المتأخرين. فعلى الأساس الذى وضعه الأصمعى أعد تلاميذه ابن حبيب وعلى بن عبد الله الطوسى ثم السكرى خر الأمر الصورة النهائية لدواوين الشعر.
ونستطيع أن نخرج بفكرة عن ذوق الأصمعى الأدبى من الاثنتين والسبعين قطعة من شعر الشعراء الجاهليين وشعراء صدر الإسلام التى جمعها فى
стр. 825
ديوانه المعروف بالأصمعيات (Sammiungen alter arabischer: Ahlwardt Dichter جـ ١، برلين سنة ١٩٠٢). أما بخصوص نقد الشعر فقد استشهد الكتاب المتأخرون بعدة أقوال للأصمعى ففى كراسة تعرف بفحولة الشعراء (طبعة Torrey فى Zeitschr. der Deutsch Morgenl Gesells, سنة ١٩١١، ص ٤٨٧ - ٥١٦) جمع تلميذه أبو حاتم السجستانى إجابات أجاب بها شيخه عمن يعد فحلا من الشعراء. وعلى حين نجد الأصمعى يقول إن أبا عمرو لم يسمع عنه قط أنه استشهد بشاعر إسلامى (ابن رشيق: العمدة، جـ ١، ص ٣) فإن تلميذه يقدر الشعراء الجدد الذين ملكوا ناصية اللغة (انظر على سبيل المثال ابن الجراح: الورقة، ص ٦٠؛ وانظر عن نقد المولَّدين J.Fiick: ، ص ٢٢).
وتطبيقًا للمواد المعجمية الغنية التى استخدمتها الأساليب المنهجية التى اصطنعها فقهاء اللغة منذ البداية الأولى لهذه الدراسات فى العراق، وهى تصنيف المواد المتشابهة، ألف الأصمعى سلسلة من الرسائل سجل عناوينها كتاب الفهرست (ص ٥٥). وفى كتابه "جزيرة العرب"- الذى فقد وإن كان ياقوت قد استشهد به كثيرًا فى معجمه - يبدو الأصمعى فى كثير من الأحيان أنه جمع معلومات عن وصف الأرض من مشاهداته هو (انظر على سبيل المثال معجم البلدان، جـ ١، ص ٥٠٥). أما عن حجم رسائله فإننا نعلم نقلا عن الفهرست وحده أن كتابه "غريب الحديث " كتبه فى مائتى ورقة. على أن عددًا من رسائله قد انتهى إلينا (انظر بروكلمان، جـ ١، ص ١٠٤؛ قسم ١، ص ١٦٤) ويبدو من الواضح أن هذه النماذج من تصانيف الأصمعى المعجمية لا تمثل الصورة الأخيرة لما جمع، وهذا يظهر حين يوازن المرء مثلا بين المادة الهزيلة فى "كتابه النبات والشجر" (طبعة هافنر، بيروت سنة ١٨٩٨) وبين المادة الغنية فى هذا الموضوع التى نقلها أبوحنيفة الدينورى فى "كتاب النبات" عن الأصمعى.
ومن تلاميذ الأصمعى الذى عرف أنه راويته أبو نصر أحمد بن حاتم
стр. 826
الباهلى. ويقال إنه هو الذى حدث ثعلبًا بكتب شيخه (انظر: إرشاد الأريب، جـ ٢، ص ١٤٠). ويذكر أيضا أنه ممن حدث بكتبه أبو عبيد القاسم فقد قسم كتب الأصمعى فصولا وزاد عليها بعض معلومات ناقلا عن أبى زيد الأنصارى ولغويى البصرة (انظر إرشاد الأريب، جـ ٦، ص ١٦). وكان عمدة المعجميين المتأخرين فى معلوماتهم عن المواد التى جمعها الأصمعى هو "معجم تهذيب اللغة" للأزهرى. وفى المقدمة ذكر الأزهرى (طبعة Zettersteen , فى M.O سنة ١٩٢٠. ص ١) المصادر الأصلية والفرعية التى أخذ منها مواده.
المصادر:
(١) السيرافى: أخبار النحويين البصريين Biographies des grammairiens de l'ecnle de Basra طبعة كرنكو، باريس - بيروت " سنة ١٩٣٦، ص ٥٨ - ٦٨.
(٢) الفهرست، ص ٥٥ - ٥٦.
(٣) الرَبَعى: المنتقى من أخبار الأصمعى، طبعة التنوخى، دمشق سنة ١٩٣٦.
(٤) تاريخ بغداد، جـ ١٠، ص ٤١٠ - ٤٢٠.
(٥) ياقوت: إرشاد الأريب، فى مواضع مختلفة.
(٦) الأغانى، الفهارس.
(٧) ابن الأنبارى: النزهة، ص ١٥٠ - ١٧٢.
(٨) ابن خلكان، رقم ٣٨٩.
(٩) اليافعى: مرآة الجنان، جـ ٢، ص ٦٤ - ٧٧)
(١٠) السيوطى: المزهر" الطبعة الثانية، فى مواضع مختلفة.
(١١) الكاتب نفسه: البغية، ص ٣١٣.
(١٢) وثمة إشارات كثيرة أخرى فى الكتب العربية.
(١٣) Muh. Studien: Goldziher جـ ١، ص ١١٥, ١٩٩، جـ ٢، ص ١٧١.
(١٤) Brockelmann جـ ١، ص ١٠٤، قسم ١، ص ١٦٤ - ١٦٥.
(١٥) Litt: R.Blachere جـ ١، ص ١١٣، ١٤٢، ١٤٩.
стр. 827
(١٦) Le milieu basrien et: G. Pellat la formation du Gahiz، ص ١٣٤.
الأبيارى [ليون B.Lewin]
+ الأصمعى أبوسعيد عبد الملك بن قُرَيب: من أئمة مشاهير علماء اللغة. ولد بالبصرة عام ١٢٢ هـ - (٧٤٠ م) وتوفى عام ٢١٣ هـ (٨٢٨ م) ونسبته إلى جدّ له يدعى الأصمع، وقد نشأ فى ظروف مضطربة وانكب على التحصيل فى جد ونشاط فى مسقط رأسه، وأفاد من دروس الخليل وأبى عمرو عيسى بن عمر، وأبى عمرو ابن العلاء، وسرعان ما لم صبح شيخًا يسمع له الناسى فى ذلك البلد، وأنجب من مشاهير التلاميذ أمثال أبى الفضل الرياشى وأبى عبيد وأبى حاتم السجستانى وأبى سعيد السُكَّرى، وقد وعت ذاكرته العجيبة جميع فروع المعرفة فى عصره، كما كان متضلعًا فى لغة البدو ولهجاتهم، وعلى دراية تامة بفنون الشعر، أما فى اللغة فكان يفوق معاصريه، فلم يكن يلحق به فى هذا الميدان أحد. ووصلت شهرته إلى أسماع هارون الرشيد فاستدعاه إلى بلاطه ببغداد وجعله مؤدبًا للأمين، وهناك تزعّم الحياة العقلية الناشطة التى كان يحياها بلاط الخليفة، وبينما كان موضع الاحترام فى ذلك البلاط، ترك بغداد حاملا ثروته التى جمعها بحسن تدبيره، وأمضى بقية حياته فى مسقط رأسه البصرة.
وبقى لنا من مؤلفات الأصمعى العربية الشئ الكثير، بعضها مخطوط، نذكر منه إلى جانب رسائله المشهورة: "كتاب الفَرَس" و"كتاب الأراجيز" و"كتاب الميسر" وغيرها، وهذه المخطوطات موجودة فى مجموعة بعض الأفراد ببغداد (انظر Texte zur: Haffner arabischen Lexikographie ١٩٠٥ م، المقدمة ص ٥) وهى لذلك لا يمكن أن تكون موضوع دراسة علمية. والأصمعى يتناول موضوعاته فى شئ من التعسف دون أن يحيط بها تمام الإحاطة، ولكنها مع ذلك يُعتمد عليها،
стр. 828
لأنها خلاصة دراساته، يدلنا على ذلك القصة الشائعة التى تقول: إن الأصمعى كسب فى مناظرة بينه وبين اللغوى المشهور أبى عبيدة جوادًا من الوزير الفضل بن الربيع. ومما يبرهن على الشهرة الفائقة التى تمتع بها الأصمعى أننا نرى غالب مصنفى العرب يستقون منه، حتى إننا نستطيع أن نستخرج بعض كتبه مما , رووه عنه. وهو لم يقتصر فى مصنفاته على إيراد أبيات منفردة من الشعر العربى القديم على سبيل التمثيل، بل أورد أيضًا دواوين وقصائد برمتها، فإليه يرجع الفضل فى جمع دواوين غالب الشعراء التى وصلت إلينا إلى جانب مجموعته المعروفة بـ "الأصمعيات".
المصادر:
(١) Gesch. der Arab.: Brockelmann Litt؛ جـ ١، ص ١٠٤، والحاشية ص ٥١٤.
(٢) عن رقم ٣ "كتاب الخيل" يجب حذف التعليق (= كوبريلتي - ١٣٦٠؟ ).
(٣) عن رقم ٥ "كتاب الإبل" يجب اضافة: طبعة Haffner فى Zur Texte arab. Lexikogr ليبسك سنة ١٩٠٥، ص ٦٦ - ١٥٧.
(٤) عن رقم ٦ "كتاب الأضداد" ومخطوط فينا لا يتضمن إلا جزءًا يمكن إتمامه خصوصًا أن لدينا جزءًا آخر فى سانت بطرسبرغ، والمخطوط بتمامه بالمجموعة الخاصة ببغداد التى سبق أن أشرنا إليها ويمللك كاتب المادة نسخة منه.
(٥) أما ٨، ٩ فهما نفس الرسالة المعروفة "كتاب النبات والشجر".
(٦) أما رقم ١٠ "كتاب الدارات" فيجب أن نضيف هنا: طبعة Haffner: Texte zur arabischen Lexikographie, ليبسك سنة ١٩٠٥، ص ١٥٨ - ٢٣٢.
(٧) رقم ١٢ "كتاب الكَرْم والنخل" نشره Haffner فى المشرق، سنة ١٩٠٢. ص ٨٨٢.
(٨) Sammlungen Alter ar-: Ahlwardt ahischer Dichter,I. El-A'cmaijjat، برلين ١٩٠٢.
[هافنر A.Haffner]
стр. 829
أصول
جمع أصل. يطلق هذا اللفظ على مصطلحات مختلفة أشهرها تدل على ثلاثة فروع للعلوم الإسلامية، وهى: أصول الدين وأصول الحديث وأصول الفقه. وعلم أصول الدين مرادف لعلم الكلام أما علم أصول الحديث فيقصد به مصطلح الحديث وطرائقه ويسمى علم أصول الفقه غالبا علم الأصول فقط، وهو العلم بمبادئ الفقه الإسلامى:
١ - ويعرّف علم أصول الفقه فى تصنيف العلوم الإسلامية بأنه العلم بقواعد الفقه الإسلامى باعتبار أنه العلم بالأدلة التى تؤدى إلى تقرير الأحكام الشرعية. والذى يبرر وجود هذا العلم هو أن الإنسان لم يخلق عبثًا (سورة المؤمنين، الآية ١١٥) وأنه لا يترك سدى (سورة القيامة، الآية ٣٦) وإنما تنظم الأحكام الشرعية أعماله جميعًا. على أنه ليس من الميسور أن يوجد حكم خاص لكل عمل شخصى، ولهذا يعتمد على الأدلة فى استنباط الأحكام الشرعية.
وتنقسم هذه الأدلة حسبما انتهى إليه الأمر إلى أربعة أنواع: الكتاب والسنة والإجماع والقياس وفى أصول الفقه لا يهمنا كثير، معرفة المصادر المادية للشريعة الإسلامية بقدر ما يهمنا الوقوف على الأسس الشكلية للعادات الشخصية. وعلى هذا فإن الأصول الأربعة تتضمن الشرط العام للإجماع والقياس إلى جانب المصدرين الماديين وهما الكتاب والسنة اللذان يعتبران من جهة قوتهما الشرعية لا من جهة مادتهما، ولا يعترف بمصادر أخرى لا تقل شأنًا من الناحية التاريخية عن تلك الأدلة الأربعة.
وتطور هذه المصادر التى اعترف بها وغيرها هما لم يعترف به كان على النحو التالى:
٢ - إن اْول مصادر الشرع فى الإسلام وأكثرها قيمة هو الكتاب: وليس هناك من شك فى قطعية ثبوته وتنزهه عن الخطأ على الرغم من إمكان
Geshichte de Qorans، جـ ١ ص ١٠٠)، كما أنه ليس من شك أيضًا فى أنه
стр. 832
وصل إلينا من غير تحريف (انظر المصدر المذكور آنفًا، جـ ١ ص ٢٦١؛ جـ ٢، ص ٩٣) على الرغم من نسيان الرسول لعدة من آيات الكتاب (سورة
стр. 833
البقرة الآية ١٠٠، سورة الأعلى، الآية ٦ وما بعدها) (١) ولا يتعارض مع حجة
стр. 834
القرآن القاطعة كذلك أن بعض آياته المتأخرة تنسخ ما قبلها "الناسخ والمنسوخ" (سورة البقرة، الآية ١٠٠، سورة النحل الآية ١٠٣ وما بعدها" Noldeke-Schwally الكتاب المذكور آنفا، جـ ٢، ص ٥٢ وما بعدها) وكان هم
المفسرين المتأخرين للتخلص من المتناقضات العديدة الواردة فى القرآن
стр. 835
والتى تصور لنا تدرج محمد فى نبوته (١) , إما بما عمدوا إليه من التوفيق فيما بينها، وإما بالاعتراف بأن الآيات المتأخرة تنسخ ما قبلها، وذلك فى
стр. 836
الحالات التى يشتد فيها التناقض بين تلك الآيات. ولم يكن قصد محمد خلق نظام يضبط به حياة أتباعه، أو وضع أصول هذا النظام على الأقل (١) بل ظل القانون العربى القديم -الذى تضمن كثيرًا من العناصر الدخيلة من رومية إقليمية وبابلية، ويمنية- يسير فى الإسلام سيره الطبيعى، ودخلت عليه بعض التغيرات لتلائم بينه وبين الظروف الإقليمية للبدو وأهل مكة وهى مدينة تجارية، وأهل المدينة وهى مركز زراعى. وكان هم محمد فى التشريع قاصرًا على تصحيح بعض المسائل مدفوعًا إلى ذلك باعتبارات دينية. وذلك لأن الأحكام التى تمس الحياة الاجتماعية تقوم أيضا على أساس دينى. وفى مثل هذه المسائل كانت الحوادث الخارجية هى الدفاع إلى معالجة أكثرها.
ويبلغ عدد الآيات المعروفة باسم الآيات الشرعية ما بين خمسمائة وستمائة آية، بما فيها الآيات الخاصة بالعبادات العامة والأمور الحربية
стр. 837
والسياسية. على أن جوانب هامة من التشريع الخاص بالعبادات -كشعائر الصلاة مثلا- لم ينظمها القرآن وإنما احتُذى فيها حذو النبى [ ﷺ ] واهتُدى فيها بهداه. كما أن بعض الأحكام التى وضعها محمد [ ﷺ ] لم ترد فى القرآن، وهى عادة قليلة الأهمية، ولم تطبق تطبيقًا عامًا بالرغم من صدورها عن النبى [ ﷺ ] (انظر- Noldeke Schwally المصدر المذكور آنفًا، جـ ١، ص ٢٦٠).
ومن أول الأمر لم توضع حجية النبى [ ﷺ ] فى الإسلام موضع الشك حتى فى الأمور التى لم ينص عليها الكتاب. ولكن فى الوقت نفسه كانت أفعاله تعتبر بشرية بحتة حتى ما مس منها أمور الدين، فكانت بهذا لا تعتبر معصومة عن الخطأ (١). ونقدت هذه الأفعال أكثر من مرة. وكأن الكتاب نفسه يلومه أحيانًا على بعض أفعاله (سورة ٦١، الآية ١).
٣ - وبموت النبى [ ﷺ ] انتهى بالطبع التشريع الذى كان يقوم على التنزيل أو على حُجية النبوة، وكان من الطبيعى أن يحاول الخلفاء الأول السير بالأمة الاسلامية على سنة منشئها مسترشدين فى ذلك برأى كبار صحابة الرسول [ ﷺ ]. وكانت المبادئ التى استرشدوا بها هى ما ورد فى الكتاب وماصح من أحكام الرسول [ ﷺ ] فيما يرد له ذكر فى الكتاب. ولما حاولوا
стр. 838
بسط هذه المبادئ المحدودة نوعًا ما انتهى بهم الأمر إلى التوسع فى تأويلها توسعًا خرج بها عن معناها الأصلى، وربما كان سببا فى ظهور أحاديث جديدة.
وفى الوقت نفسه لم يكن الخلفاء- باعتبارهم رؤساء للدولة وخلفاء للنبى [ ﷺ ]- محرومين من الجهود التشريعية بل ومن تغيير أحكام النبى [ ﷺ ] (انظر ماسبق). وربما صح تاريخيًا ما تقوله الروايات من أن أبا بكر كان يحتذى حذو النبى [ ﷺ ] فى هذا الأمر، بينما كان عمر أكثر ميلا إلى التعديل والتغيير. على أن الصلة بالقانون العرفى ظلت كما هى دون تغيير، حتى بعد أن تعرض لكثير من المؤثرات الأجنبية نتيجة للفتوح العظيمة فى العراق والشام ومصر.
٤ - ولما جاء بنو أمية وانتقل مقر الحكم إلى دمشق، فقدت جماعات المؤمنين فى المدينة- التى كانت مقر الحكم قبل ذلك- كل نفوذ فعلى فى أمور الحكومة، فأخذوا يكرسون أنفسهم فى حمية وحماسة لتصوير المثل الأعلى لما يجب أن تكون عليه الأشياء، وكان ذلك المثل مباينًا لما كانت عليه فى الواقع.
وكان القانون العرفى يسود أقاليم الخلافة المتعددة دون منازع، ويتطور جنبا إلى جنب مع النظام الفعلى للقضاء. وذلك لأن خلفاء بنى أمية إلى عهد عمر بن عبد العزيز كانوا بوجه عام لا يميلون كثيرًا إلى تغيير ذلك القانون العرفى وإنشاء مقاييس تنهض على أساس دينى. وقامت مبادئ التشريع الإسلامى لأول مرة فى المدينة ثم فى العراق والشام. وأولئك الرجال الصالحون الذين عملوا بادئ الأمر دون أن تكون لهم خطة مرسومة أو منهج معين، كانت غايتهم تصحيح مادة القوانين التى كانت موجودة عند ذاك، والتوفيق بينها وبين مبادئ الدين الإسلامى وسلكها فى نظام خاص، واستمدوا آرائهم الدينية من الكتاب والحديث اللذين كانوا يتقيدون بهما. وكانوا يحتجون أيضًا باقوال الصحابة وأفعالهم (صحيحها ومنحولها) (١) ويعتبرون أنفسهم خلفاء لأولئك الصحابة، وإذا اتفق كثرة
стр. 839
الصحابة على عمل ما، كانت له حُجية خاصة يعتد بها كما كان للمبدأ الذى يتفقون عليه أثرا كبيرًا فى التقريب شيئًا فشيئًا بين الأراء الشخصية والحجية، إذا كان الجانب الأكبر من الفقه ينهض على سنة محمد (صحيحها وزائفها) فقد إعتبر المسلمون أن السنة منزهة عن الخطأ. ومن الصعب أن تجد هذا الرأى فى القرآن (سورة آل عمران، الآية ٢٩؛ سورة النساء، الآية ٦٢؛ سورة النحل، الآية ٤٦؛ سورة
стр. 840
الأحزاب، الآية ٢١؛ سورة النجم، الآية ٣) وإن كان قد نص عليه صراحة فى الحديث. وصيغ الجزء الأكبر من نتائج هذه الأفعال والأقوال فى شكل أحاديث نسبت إلى النبى [ ﷺ ]. وهذه الزيادة العظيمة فى مادة الحديث، التى جاءت أيضًا من مصادر أخرى، أدخلت فى الشريعة الإسلامية عناصر جديدة متعددة، وبخاصة العناصر التى ترجع إلى أصل إسرائيلى. وكان من أثر هذا أن أصبح للفقه الإسلامى بعض خصائص معينة، منها: اعتباره مفسرًا وموضحًا للفرائض المجملة التى فرضها الله، وجاءت على لسان الرسول [ ﷺ ]، وإنكار إمكان التطور أو وضع التشريع بعد وفاة النبى، وهذا يباين التطور التاريخى واعتبار سنة النبى بعد الكتاب مباشرة فى المنزلة، لا فى القوة؛ وتخلصوا من المتناقضات التى ظهرت بالطبع فى الحديث أكثر من ظهورها فى القرآن بنفس الوسيلة التى اتبعوها فى التخلص من المتناقضات التى وردت فى القرآن، وكذلك بواسطة نقد الإسناد ومن المهم أن نلاحظ أنهم اخفوا نقدهم لمادة الحديث وراء نقدهم للإسناد نفسه (١)، أما القانون العرفى الذى أصبح له صبغة
стр. 841
إسلامية تختلف قوة وضعفا، فقد اعتبر ذا أساس قائم بذاته وبخاصة فى المسائل التى لا تثير الريب والشكوك من الوجهة الدينية وتعتبر سنة
стр. 842
الصالحين أحيانًا شاهدًا له قيمته كالسنة النبوية.
٥ - وكانت طلائع تأملاتهم فى علم الأصول فى أواخر هذا العصر أى فى بداية القرن الثانى الهجرى (الثامن الميلادى)، وقد حرك هذه التأملات ظهور علم خاص للحديث بجانب علم الفقه. وقد أنكر المحدثون على الفقهاء إدخالهم عنصر العقل الإنسانى فى
стр. 843
التشريع الذى يجب ألا يعتمد إلا على الكتاب والحديث باعتباره ممثلا لسنة النبى [ ﷺ ] وردّ الفقهاء على هذا بأن عقل الانسان (الرأى) لابد منه لاستنباط الأحكام الشرعية، وأورد كل من الفريقين أحاديث يؤيد بها رأيه، وكان الجدل منذ أول الأمر يعني بالشكل أكثر من عنايته بالموضوع وكثيرًا ما كان جدلا حول الألفاظ لا غير. وكان من نتيجة هذا، الاعتراف العام بأن الرأى لابد منه فى الفقه، وكانت المذاهب المتعددة تتفاوت فى اعتمادها على نص الحديث، على أن
النتائج كانت واحدة فى كل مكان. ومنذ
стр. 844
النصف الأول من القرن الثانى الهجرى (الثامن الميلادى) ظهرت ثلاثة ألوان من الفقه فى ثلاثة مراكز: الحجاز والعراق والشام. وكان للأسباب الجغرافية أثر كبير فى انتشارها، وتأثر هذا الانتشار بتطور الحياة والعقيدة فى نواح متماسكة. كما تأثر بالاختلافات الأساسية فى أصول مادة التشريع فى الأقاليم المختلفة. وكانت هذه الاختلافات طليعة لما جاء بعدها من مذاهب مالك وأبى حنيفة والأوزاعى واعتمدت مدرسة الحجاز كثيرًا على الحديث. أما مدرسة العراق فكان أكثر اعتمادها على الرأى وفى هذه الأحوال كان للآراء التى يقول بها كثرة العلماء فى المدينة -أو الحرمين: مكة والمدينة، أو فى البصرة- قيمتها الخاصة.
وظهرت حوالى منتصف القرن الثانى الهجرى (الثامن الميلادى) أول المطولات التى كتبها البارزون من أتباع هذه المدارس الثلاث وبخاصة مدرستى الحجاز والعراق. وهذه المطولات تيسر لنا الوقوف على اتجاههم العقلى. ويعتمد ما نقرره هنا على نتائج دراسة موطأ مالك، وهو المصنف الوحيد الذى كان موضع دراسة من بين هذه المطولات. وبذل مالك عناية كبرى لتقرير إجماع العلماء من أهل المدينة. وهذا التصور الذى كان يقصد به فى الأصل أن الاجماع هو رأى الغالبية لا غير (كما هو الحال فى علم القراءات الذى استعار هذا الاصطلاح من الفقه، انظر Geschichte: Noldeke - Bergstrasser
стр. 845
des Qorans , جـ ٣، ص ١٣٠ وما بعدها وص ١٣٥) أصبح هنا يدل على كثرة العلماء كثرة تقرب من الإجماع. وكان مالك فى الوقت نفسه يأخذ بحجية عمل أهل المدينة، وهو ليس بحال من الأحوال عين سنة النبى [ ﷺ ]. والإجماع وعمل أهل المدينة يرتبطان فى نظره أشد ارتباط. ويمثل لنا كتابه مقدار ما وصلوا إليه فى عهده فى المدينة من صبغ القانون العرفى بالصبغة الإسلامية، كما يبدو ذلك من مقابلة ذلك العصر بما جاء بعده. وقد بلغت هذه الصبغة غايتها الآن.
ولا شك فى أن المصنفات العظيمة التى كتبها الشيبانى كان لها فى العراق أثر يشابه أثر مصنفات مالك فى المدينة.
٦ - والشافعى المتوفى عام ٢٠٤ هـ (٨٢٠ م) هو واضع علم الفقه الإسلامى. وفضله هو أنه بعث اليقظة فى الفكرة الفقهية الإسلامية فأصبحت علمًا، وأنه لا يبرهن عند الحاجة إلى الدلائل وابتغاء الوصول إلى نتائج عملية فقط، بل يبرهن دائمًا ومبدئيًا، ويبحث أيضا شروط الاحتجاج التشريعى وطرقه بوجه عام. وقد خطا بعلم أصول الفقه خطوات هامة اعتمدت على تطور هذا العلم قبل الشافعى. وقد انتهى الشافعى إلى ما انتهى إليه أهل العراق من قبل فى تعريف "السنة" بأنها مصدر للتشريع باعتبارها فعل النبى [ ﷺ ]، كما عرف الإجماع بأنه الرأى الذى أخذ به كثرة المسلمين، واعتبره مصدرًا ثانويًا لإيضاح المسائل التى لا يمكن تقريرها من الكتاب وسنة النبى [ ﷺ ]، وهو يؤيد حجية الإجماع باعتبارات عامة وأحاديث تأمر بالتمسك برأى أمة المسلمين. ولم يكن الشافعى يعلم إلى ذلك الوقت بالحديث الذى ذكر كثيرًا فيما بعد وهو "لا تجتمع أمتى على ضلالة". وكان صبغ القانون بالصبغة الإسلامية قد تم بوجه عام قبل مالك، غير أن الشافعى بذل جهدًا عظيمًا فى تنظيمه. وللوصول إلى ذلك الغرض انصرف الشافعى -إلى حد ما- عن الطريق المألوف فى التفكير الفقهى.
ولم يكن الشافعى واضع طريقة القياس، غير أنه كان له كبير الأثر فى تنشئته والتوسع فى تطبيقه. وطريقة القياس هى بالضرورة طريقة الرأى،