← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

الخليفة فى يده رهينة لمفاوضته وأخيرًا تمكن طغرل بك من الاتصال بالأمير القائم على حراسه القائم؛ بأمر اللَّه فأطلق سراحه كما أن موت البساسيرى بعدئذ بقليل مكنه من ممارسته كسلطان تسلطًا مرة أخرى، وحينئذ لم يعد الخليفة قادرا على ضرب أمير بآخر ووجد نفسه يواجه السلاطين السلاجقة كما كان يواجه من قبل الأمراء البويهيين. واصطبغ حكم السلطان بصفة جديدة إذ كان لزواجه من ابنة الخليفة توجيه آخر، وأراد أن يصطحبها من بغداد رغم معارضة أبيها إلا أن موت طغرل بك يوم ٨ رمضان ٤٥٥ هـ كان بداية عهد ساده الاضطهاد انشغل فيه ألب أرسلان بتصفية منافسه ومحاربة البيزنطيين وسهل القائم الأمور عليه بوقوفه فى وجه أطماع أمراء بنى عقيل ورفضه عرض الأمير الكردى هزار سب حاكم الأهواز وأظهر ألب أرسلان رغبته فى استمالة الخليفة إليه بإعادة ابنته إليه وقتله الكندرى الوزير السابق لطغرل بك الذى اتهم بتدبيره مكيدة زواجها، وحينذاك لقب الخليفة ألب أرسلان بأمير الأمراء السلطان فى ربيع الثانى ٤٥٦ هـ، ولم يعش قط فى بغداد ولكنه مات فى ربيع الأول بعد عشر سنوات من ذلك التاريخ، وجاء التعضيد من الخليفة لولده ملك شاه بن ألب أرسلان لكنه ما لبث أن مات هو الآخر وتولى ولى عهده حفيده عبيد اللَّه وسُمى بالمقتدى. ولقد وضع أساس المدرسة النظامية سنة ٤٥٩ هـ ووضعت تحت رعاية السلطان ذاته وكانت مهمتها نشر الفقه الشافعى ونزع عداء الحنابلة، وجدَّت أحداث فى العاصمة من جراء ذلك لم يقدر السلطان على إخمادها. ومجمل القول إن الخليفة القائم لم يستطع أن يعيد سلطان الخليفة أو يفرض المذهب الذى تضمنته الرسالة القادرية، على أن الذى دافع عن فكرة الخليفة إنما هو الماوردى وابن الفراء. المصادر: (١) من أهم المصادر التاريخية حوليات ابن الجوزى: المنتظم.

стр. 7842

(٢) سبط بن الجوزى: مرآه الزمان، باريس. (غير مؤرخ). (٣) ابن الاثير: أخبار الدولة، السلجوقية، لاهور ١٩٣٣. (٤) ج. مقدسى: ابن عقيل، دمشق ١٩٦٣. (٥) H. Busse: Calif und Grosskonig Beirut ١٩٦٦ مها سيد معبد [د. سورديل D. Sourdel] القائم بأمر اللَّه الفاطمى ثانى خلفاء الفاطميين ويثير اسمه ذكرى هزائم مريرة وكيف غطى عليه "راكب الحمار" أبو زيد، ولم يكن بالصورة التى تُرسم له فى الأذهان، فلقد مارس منذ صدر شبابه وقبل اعتاوئه عرش الخلافة الأعمال العامة منذ أن عهد إليه أبوه بالمشاركة فى حكومة أفريقية. وقد هاجر مع أبيه المهدى إمام طائفة الإسماعيلية ولقى أهوالًا جسامًا، إذ خرج معه فى عام ٢٨٩ هـ/ ٨٩٢ م من "سَلَمِّيه" بالشام إلى سجلماسة عاصمة بربر مدرار فى أقصى جزء من المغرب، ولما بلغ العشرين من عمره عين وليا للعهد فى عام ٢٩٩ هـ/ ٩١٢ م ليتولى الخلافة التى قامت على أنقاض إمارة الأغالبة ووجد نفسه على الفور ملزمًا بالقيام بعدة مهام عسكرية منها قيادة جيوش الفاطميين إلى وسط المغرب وكان الخليفة المهدى قد سارع إلى وضع هذه الجيوش تحت إمرته لتوجيهها -فى حملتين- لمصر فى تتابع متلاحق فى عام ٣٠١ - ٣٠٢ هـ/ ٩١٤ - ٩١٥ م ثم حملة أخرى فى عام ٣٠٧ - ٣٠٩ هـ/ ٩١٩ - ٩٢١ م، فأكسبته الحملتان بعض الشهرة رغم أن الحصيلة النهائية لهما لم تحقق شيئًا يذكر لسمعته كجندى، ومع هذا فقد أثبت وقت اعتلائه عرش الخلافة أنه قد صمد بالفعل للاختبار وقت أن كان وليًا للعهد ووقت أن قام بقيادة العسكر، ولما أصبح القائم إمامًا ثم خليفة أخذ على نفسه أن يحكم مملكته القوية والمزدهرة والتى ورثها عن أبيه وأخذ يحكمها طبقًا للقواعد التى أرساها والده وسار على نفس النهج فى تطبيق سياسة التصدى

стр. 7843

للعباسيين والأمويين فى أسبانيا على السواء وقد نعمت إفريقية بالسلام فى القسط الأكبر من فترة حكمه وإن كان المؤرخون قد لزموا إزءاها الصمت وأبرزوا بصفة خاصة الأحداث الدامية والثورات إلى أن ظهر تهديد الخوارج الذى جعل العامين الأخيرين من فترة حكمه فترة حالكة -ومحال أن نقتفى أثر حياة القائم بإنجازاته إلا إذا تعرضنا بإيجاز لمسألة شائكة تتعلق بأسلافه- لقد قدم لنا برنارد لويس -بناء على دراسة مقارنة للمصادر الإسماعيلية وأهل السنة- تفسيرًا يتسم بالأصالة أساسه فكرة "الأبوة الروحية" ونظرية الإمام المستقر "ومستودع الإمامة" إذ ترى هذه النظرية أنه كان ثمة إمامة حقيقية بعد وفاة إسماعيل وهى تنحدر من الحسين وإمامة انحدرت بوصية من ميمون القداح، أما الأمامة الأولى فينتهى تسلسلها عند القائم، وأما الإمامة الوصية فينتهى تسلسلها عند المهدى أول خليفة فاطمى، ويدلل "ب. لويس" على أن الإمام الموصى هو وحده الأب الروحى للقائم أى الإمام المستقر الذى سلمت له الإمامة التى كان وصيًا عليها، وبذلك كان القائم هو أول خليفة فاطمى حقيقى، ويمكن تتبع النسب الفاطمى بدءًا من القائم وحتى فاطمة عبر ابنها الحسين، ورغم نقد البعض لهذه الفكرة التى قدمها لويس إلا أنها ظلت تحظى بالاهتمام ذلك لأن فكرة الاستدعاء تتطابق مع حقيقة واقعة وهى أن المذابح التى أوقعها العباسيون بكل شخص يشتم منه اعتناق الفكر الفاطمى أجبرتهم على اللجوء إلى اتباع أسلوب العمل السرئ وأن يودعوا الإمامة -فى أثناء فترة الاحتجاب أو "الستر"- فى أوصيائهم أو المستودع "أو الحجة" ولقد خلف المهدى بعد مماته -موقفًا حرجًا فى أقصى المغرب نتج عن تغير كامل ومفاجئ طرأ على موقف حاكم مكناسة موسى بن أبى العافية حيث نقل ولاءه إلى بنى أمية فى أسبانيا -لذلك جرد القائم عقب اعتلائه عرش الخلافة- حملة لاستعادة سلطته فى مراكش واستئصال شأفة نفوذ خصمه الناصر الأموى، وقد عبر الجيش الفاطمى بقيادة ميسور الخادم، المغرب دفعة واحدة ووصل مدينة فاس وفى

стр. 7844

الوقت نفسه انقض ضابط آخر من ضباط القائم هو المولى "صندل" على "نكور" واستولى عليها وقتل حاكمها الصالحى فى شوال ٣٢٤ هـ/ سبتمبر ٩٣٦ م، ثم انضم إلى ميسور خارج أسوار مدينة فاس التى كانت وقتئذ تحت الحصار واستسلمت المدينة فى نهاية الأمور وأعاد القائد الفاطمى توطيد سلطة بنى محمد الإدريسى قبل رجوعه منتصرًا إلى إفريقية، وقد ظل القائد على ولائه للفاطميين ومن أجل كبح جماح قبائل البربر المعادية والتى كانت قد استقرت فى المناطق الواقعة على حدود مملكته اتخذ القائم عدة خطوات نحو تدعيم سلطة على بن حمدون وهو عربى من أصل جذامى وحاكم مدينة، "مصيلة" لكى تمتد سلطته حتى أراضى كملان الذى انتقل خلال الحملة على أفريقية نحو الجنوب الشرقى من القيروان -يقف فى مواجهة مغراوة وهم فرع ذو نفوذ من قبيلة زناتة تحالف مع صنهاجة قبيلة زيرى بن مناد الذى ساعده على إقامة مدينة "أشير" فى عام ٣٢٤ هـ/ ٩٣٦ م فى قلب جبال أطلس الجزائرية وأمكن على وجه السرعة أخضاع هوارة الذين هم من إقليم طرابلس والذين كانوا قد تمردوا بقيادة ابن طالوت القرشي الذى ادعى الأمامة زورًا وما إن استعاد القائم توطيد سلطانه فى المنطقة من مملكته حتى بدأ يفكر فى استئناف حملته ضد العباسيين فى إقليم مصر وتقول وثائق عام ٣٢٣ هـ/ ٩٣٥ م إن هذه الحملة الموجهة ضد مصر قد نظمها فيما يبدو المهدى نفسه وذلك قبل وفاته مباشرة. والواقع أن القائم كان قد عزم -بمجرد توليه عرش الخلافة- على استخدام القوات المتمركزة فى قاعدة برقة مع تدعيمها بعناصر من إفريقية للهجوم على مصر حيث سبق له أن ذاق مرارة الهزيمة مرتين متتابعتين ويقرر الكندى بصورة قاطعة أنه فى ظل حكم القائم تمت الإغارة على مصر لثالث مرة ولكن دون نجاح. فقد جاء الهجوم الفاطمى فى هذه المرة فى لحظة غير مواتية، فقد ثار قائد الأسطول "على بن بدر" ضد الحاكم الإخشيدى محمد بن طغج وهرب قائد الحامية إلى برقة وأعلنوا طاعتهم للقائم وانخرطوا فى سلك خدمته، وقد أرسل

стр. 7845

القائم -لتدعيمهم- قوات بقيادة مولاه وعتيقه زيدان- وضابط من رجاله يعرف باسم عامر ويلقب بالمجنون، وقد احتل الكتاميون الإسكندرية فى ٦ جمادى الأولى ٣٢٤ هـ/ أبريل ٩٣٦ م، ولكن رد فعل ابن طغج كان سريعا إذ نجح فى تحرير المدينة وأجبر القوات الفاطمية على الانسحاب نحو برقة، وكان القائم قد عزم فى العام الذى اعتلى فيه عرش الخلافة على أن يستأنف العمليات البحرية ضد المسيحيين ولذلك خرجت قوة بحرية قوية مكونة من عشرين مركبًا تحت قيادة ضابط عربى من جند طرابلس هو يعقوب بن اسحق بن الورد، غادرت المهدية فى ٧ رجب ٣٢٢ هـ - ٢٣ يونية ٩٣٤ م وأبحرت نحو إيطاليا واعترض يعقوب عددًا من مراكب المسيحيين التجارية وهى فى طريقها من أسبانيا وتعقبها حتى بلغت جنوة فاستولى عليها رجاله بعد حصار عنيف. وبعد أن نهب أمير البحر الفاطمى البلد واستولى على كثير من الغنائم، أبحر نحو المهدية فى ٢٥ رمضان ٣٢٣ هـ/ ٢٨ أغسطس ٩٣٥ م وبالإضافة إلى هذا الهجوم حاول القائم تكثيف الجهاد ضد الأراضى البيزنطية الواقعة فى شرق جزيرتى صقلية وقلهورية، وأرسل إلى بالرمو حاكما جديدًا هو خليل بن اسحق شقيق أمير البحر يعقوب وهو شاعر موهوب وكان من أقرب قواده إليه، وقد أخضع الجزيرة لحكم يتسم بالإرهاب اكتسب خليل فى السنوات من ٣٢٥ هـ/ ٩٣٧ م إلى ٣٢٩ هـ/ ٩٤١ م أى لمدة أربع سنوات سمعة سيئة بسبب الطغيان الذى مارسه على المسلمين والمسيحيين على السواء وقد اضطرت بعض العناصر العربية التى سبق لها أن استوطنت الجزيرة فى ظل الأغالبة إلى الفرار إلى المنطقة المسيحية واضطر بعضهم إلى اعتناق النصرانية، وقد نزعت الأراضى من المواطنين الصقليين، واضطروا إلى التوطن فى الأماكن الحصينة الواقعة على حدود المناطق المسيحية، وأحرقت السجلات المساحية فأصبح من المستحيل التحقق من الضرائب المفروضة على الأرض فى بعض المناطق مثل أجريجنتو، ولقد أظهر القائم فور اعتلائه السلطة شغفا خاصا بزيادة قوته العسكرية وتدعيم

стр. 7846

سلطته داخل مملكته، ولهذا السبب أصبحت السياسة الداخلية الجديدة التى اتبعها الحكام الجدد فى حكم إفريقية أشد قسوة منذ بداية حكمه. إذ يبدو أن هذا البلد -فى ظل حكم القائم- قد عانى من فرض الضرائب الباهظة والاضطهاد الدينى- ولذلك كانت التربة صالحة لظهور تحركات من ناحية الخوارج لإثارة الشعور العام فى الأوراس وقسطيلية إلا أن موقف القائم من هذه الإثارة كان سلبيًا إلى حد يبعث على الدهشة، فقد سمح للتمرد أن تتأصل جذوره وسط القبائل المعادية له فى أوراس والتى لم تستطع كبح جماحها الحامية المتمركزة فى بجاية والتزم بسياسة دفاعية ثابتة إزاء تدفق قبائل البربر عبر وادى عويد ملج تحت قيادة كبيرهم أبى يزيد النكارى واستولوا على كثير من المواقع مثل مرماجَنّه و"لاريبوس" وذلك فى عام ٣٣٢ هـ/ ٩٤٤ م، لقد افتقد رد فعله إلى الحركة وبعد النظر على السواء رغم ما كان تحت يده من أعداد كبيرة من العسكر (٧٠.٠٠٠ رجل كما يقول النعمان) مجهزين بالعتاد تجهيزا جيدا ومنظمين تنظيما عاليًا -وبدلا من شن هجوم شرس ضد العدو مباشرة تبنى فكرة ضارة مفادها توزيع قواته على نقاط استراتيجية مختلفة، فى الوقت الذى ترك فيه حرية الحركة للعدو فيأخذ بزمام المبادأة فى العمليات- وبهذه الطريقة أخذت مجموعة من القوات بقيادة المولى بشرى مواضعها وأخرى فى القيروان تحت قيادة خليل ابن اسحق، وثالثة على الطريق بين قيروان ومهدية بقيادة المولى ميسور -ولم يجد أبو يزيد أية صعوبة فى إلحاق الهزيمة بكل خصم من خصومه الثلاثة كل على حدة- وبدأ فى جمادى الأولى ٣٣٣ هـ/ يناير ٩٤٥ م فى حصار العاصمة المهدية إلا أن القائم نجح فى استنهاض مقاومة شرسة لمواجهة أبى فى ذلك المعقل البحرى. وتم صد الهجمات التى شنها المتمردون عند أبواب المهدية التى ظلت صامدة رغم شدة الحصار، وأخيرًا تبخرت حماسة المتمردين وعادت كثير من الكتائب القبلية إلى مواقعها فى الجبال لأنه لم يتبق شئ فى إفريقية يغنمونه وكانت القوات الفاطمية تواظب على القيام

стр. 7847

بغارات متكررة من خارج تونس وسوسة على وجه الخصوص، كما شنت غارات على مؤخرة جيش أبى يزيد ولم يعد يشكل تهديدا للعاصمة وما إن وافت المنية القائم فى شوال ٣٢٤ هـ/ مايو ٩٤٦ م حتى حانت الفرصة لابنه وخليفته إسماعيل الذى لقب بالمنصور فيما بعد لكى يتولى قيادة الحرب وأنفق شهورا عديدة لسحق الثورة. المصادر: المصادر الأساسية لهذه المادة إسماعيلية مثل: (١) القاضى نعمان: المجالس والمسايرات. (٢) المؤلف نفسه: افتتاح الدعوة، طبعة وداد القاضى، بيروت ١٩٧٠. (٣) عزيزى أبو على منصور: سيرة الأستاذ جوذر، طبعة كامل حسين وعبد الهادى شعيرة، القاهرة ١٩٢٤. (٤) يمانى محمد بن محمد: سيرة جعفر الحاجب. (٥) إدريس عماد الدين: عيون الأخبار. ومن الأعمال التى تحدثت عن الإسماعيلية: (١) B. Lewis: The Origins of Ismailism. A Study of the historial background of the Fatimid caliphate, Cambridge ١٩٤٠ وهى ترجمة لكتاب أصول الإسماعيلية بالعربية، القاهرة ١٩٤٧. ومن المصادر السنية انظر: (١) الكندى: ولاة مصر، بيروت ١٩٢٩. (٢) المقريزى: اتعاظ الحنفاء، القاهرة ١٩٤٨. د. حسن حبشى [دكروى F.Dachrauoui] قابس قابس (أو جابس) مدينة بتونس تطل على الخليج المسمَّى بالإسم نفسه وتبعد عن جنوب تونس بأربعمائة

стр. 7848

وأربعة كيلو مترات، وعن قفسة أو "جفسة" بمائة وخمسين، ويبلغ تعداد سكانها أربعين ألف نسمة منهم ألفان ومائتان من الأوربيين، وقد قسمت مدينة قابس منذ سنة ١٩٥٧ م إلى أربعة نواح، واجتاحت السيول المدمرة ناحيتى "منزل" و"جارة" منها فى عامى ١٩٥٩ م و ١٩٦٢ م لكن أمكن السيطرة على هذه السيول اليوم بشق قناة تأخذ مياهها إلى البحر مباشرة. وتحتوى واحة قابس على ١٤.٠٠٠.٠٠٠ شجرة منها ٤٧ % تنتج تمرًا متوسط النوعية، ويليها تبعًا للأهمية أشجار الرمان وعددها ١٠٧٠٠٠ تثمر أحلى أنواع الرمان الذى يعد المحصول الثانى فى الأهمية. وقد نجحت زراعة الزيتون فى بعض المناطق من قابس كما تزرع بها الغلال ولكن بكميات ضئيلة فى الأراضى الخصبة وكذلك الأعلاف لاسيما البرسيم الحجازى والطباق والحناء والاسبراجوس، وتربى الحيوانات للاستهلاك المحلى وللحصول على مزيد طفيف فى الدخل، أما المياه الساحلية فضحلة وبها وفرة من الاسماك لكن لم تستغل بعد. وقد اتسعت رقعة الواحة بفضل الرى أما المياه الجوفية فقد أوشكت على النفاذ. وقد اختيرت قابس حديثًا كمركز متطور لجنوب تونس وأعد الميناء ليسع السفن ذات الخمسين ألف طن، وتأسست شركة لصناعة المخصبات كما مد خط أنبوب غاز يربط البلد بحقول البرمة. وقد عملت الحرف والسياحة على تشغيل الأيدى العاملة وينتظر لها مزيد من التقدم. قابس تاريخيًا: قابس هى الرسم العربى لمدينة عرفت قديما باسم Tacapas وكانت عامرة بالسكان منذ العصر اليلوتى، ويستدل على ذلك من كثير من آثارها الباقية، ثم جاء بعدها الفينيقيون الذين يحتمل أنهم كانوا أول من أقام بها سوقًا تجاريًا اختص بالمتاجرة مع نوميديا عبر الصحراء، وقد أصبحت هذه السوق ميناء قرطاجينيا قبل أن يتحول إلى مستعمرة رومانية، ويصبح تاريخ قابس منذ ذلك الحين واضح المعالم. ولقد بدأ تطور الإقليم منذ عهد طيبريوس (١٤ - ٣٧ م)

стр. 7849

فارتبط قابس (أو Tacapcs كما كانت تسمى) بقرطاجنة عبر الطريق الساحلى الرئيسى، وتم فتح طريق حربى يربط قابس "بتليت" وحيدرة التى كان يرابط بها الجيش الثالث، وتطورت المدينة إلى الإمام بفضل مجهودات القرطاجينيين التى بذلوها منذ وقت بعيد وبسبب هذه الشبكة من الطرق التى زادت من نشاط الميناء وكثرة المياه المتدفقة وانتشار السلام. كما أصبحت قابس فى العهد المسيحى مركز أسقفية، ومن ذلك فلم يتم تحصينها إلا فى وقت متأخر نسبيًا إذ ظلت -كما يقول المؤرخ شال ديل- حتى منتصف القرن السادس على الأقل "خالية من التحصينات" ولم يكن يقيها شر الهجوم عليها سوى ناحية حصينة تعترض طريق الغزو، أعنى بذلك المضيق الواقع بين الساحل وبين شط الفجيج، والذى يربط المركز البيزنطى الحربى بليبيا، وهو الموضع الذى شاهد الهزيمة الساحقة التى نزلت بالقوات البيزنطية على يد قبيلة "استريس" وليس من شك فى أنه بعد هذه الهزيمة تم تشييد سور حول قابس ظل موجودا حتى القرن السادس عشر على الأقل وقد اندثرت من البلد اليوم كل آثار ماضيها القديم، أو بقول أدق لم يبق إلا أطلال من السد الرومانى وعدة أعمدة ومقرنصات أدخلت فى مسجد سيدى ادريس لو فى مزار سيدى بليابة، وبعض آثار أقل من هذه أهمية استعملت فى المبانى التى شيدت بالأحياء القديمة. ولا يزال الغموض يعتور الظروف التى أدت إلى دخول قابس الإسلام وإن كان الوزير السراج يؤكد فى كتابه الحلل عبد اللَّه بن يعد لم يحاصر البلدة اثناء غزوه للإقليم البيزنطى سنة ٢٧ هـ (٦٤٧ م) مما يرجح الرأى القائل بأن الاستيلاء عليها تم فى وقت متأخر أثناء حملات معاوية بن حديج أو خليفته عقبة بن نافع (أعنى بين عامى ٤٠ و ٥٠ هجرية (٦٥٤ - ٦٧٠ م) ثم جلا المسلمون عنها بعد مقتل عقبة بن نافع عام ٦٤ هـ (= ٦٨٤ م) فاستعمل الغالب "كسيلة" القيروان قاعدة له ومد سلطانه كما يقول ابن عبد الحكم فى

стр. 7850

كتابه الفتوح على جميع النواحى المجاورة بما فيها بوابة قابس التى تمكنت قوات الكاهنة من خلالها سنة ٧٤ هـ من طرد قوات حسن بن النعمان واستردادها، ومع ذلك فإن ابن النعمان استطاع أن يدخل من جديد وبعد بضع سنوات من هذه البوابة ذاتها. وأصبحت قاس منذ دلك الحين -وإلى الأبد- بلدة إسلامية ولكنها لم تسلم من أن تمتد إليها يد الدمار على أيدى الخوارج الذين اجتاحوا كل إفريقية فيما بين عامى ١٢٢، ١٥٥ هـ (= ٧٤٠ - ٧٧٢ م) واستولى عليها سنة ١٢٣ هـ عكاشة بن أيوب الفزارى الزناتى (وكان من الصفرية) وهدد القيروان قبل أن تلحق به الهزيمة فيقتل عام ١٢٥ هـ، ثم سقطت قابس مرة ثانية فى أيدى الخوارج الأباضية بعد بضع سنوات أيام حكم عبد الرحمن بن حبيب كما تمت سنة ١٣١ هـ هزيمة الثائر إسماعيل بن زياد النفوسى ولقى مصرعه. غير أن اغتيال عبد الرحمن بن حبيب (١٣٧ هـ - ٧٥٥ م) كان إيذانا باندلاع فتن جديدة وثورة قادها الخوارج كانت البلدة أثناءها [. . . .] (*) تتداولها أيدى الفئات المتنازعة، حتى تمكن أبو الخطاب (وكان من الأباضية) من الاستيلاء عليها فى مستهل ١٤١ هـ (= ٧٥٨ م) ثم حررها منه ابن الأشعث عام ١٤٤ هـ = ٧٦١ م لتضيع مرة أخرى إلى أن تمكن أخيرًا يزيد بن حاتم المهلبى (مؤسس أسرة بنى المهلب) من دخولها يوم العشرين من جمادى الأولى ١٥٥ هـ (= ٢٨ أبريل ٧٧٢ م) فكان ذلك إيذانًا بتوقف سفك الدماء لمدة ربع قرن الزمان بعد ما عاناه الإقليم من أحداث القتل التى ظلت مستمرة لبضعة عقود. وصارت قابس زمن الأغالبة أهم بلد فى الناحية ومركز الحاكم ويشير الشماخى فى كتابه السير إلى وجود عامل للإمام عبد الوهاب (١٦٨ - ٢٠٨ هـ = ٧٨٤ - ٨٢٣ م) مما يشير إلى أن البلدة كانت من المملكة الرسمية، لكن الواقع أن هذا "العامل" لم يكن سوى جابى ضرائب يمد فى الخفاء "صدقات" الأباضيين فى تاهرت لأننا نعرف على وجه التأكيد أن البلدة كانت خلال القرن الثالث الهجرى تعتمد كليا

стр. 7851

على إدارة القيروان السياسية، وكان ذلك عهد سلام لقابس إلا ما كان من إنزال إبراهيم الثانى الهزيمة بالأباضيين من أهل نفوسة الذين كانوا خطرًا كبيرًا يهدد قابس التى انتقلت فى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) إلى أيدى الفاطميين فعهدوا بحكمها إلى بنى لقمان من أهل كتامة الذين خلد الشعراء ما كانوا عليه من كرم فنظموا فيهم كثير من أشعار المديح لكن يلاحظ أن عهد الزيريين كان أقل هدوءًا فقد بدأ بثورة أضرمها الخوارج سنة ١٣٦ هـ (= ٩٧٢ م) حاصروا فيها البلدة وخربوا ضواحيها وحينذاك حاول الخليفة الفاطمى (٣٨٦ - ٤١١ هـ = ٩٩٦ - ١٠٢٠ م) نزع كل من قابس وطرابلس من أيدى الزيريين، ولكن محاولاته هذه باءت بالفشل، فتولى حكم قابس من الزيريين بنو عامر ثم اخ لباديس (٣٨٦ - ٤٠٦ هـ = ٩٩٦ - ١٠١٦ م) اسمه إبراهيم فلما مات إبراهيم خلفه المنصور بن مواس ثم كان ابن "ولمية". على أن آخر وال استعمله المعز لدين اللَّه الفاطمى (٤٠٧ - ٤٦٤ هـ = ١٠١٦ - ١٠٦٢ م) كان ابن ولمية، ثم خرجت البلدة بعد ذلك من أيدى الزيريين على أنه وقعت كارثة فى نفس الناحية سنة ٤٤٣ هـ (= ١٠٥٢ م) أدت إلى سقوط إفريقية فى أيدى بنى هلال لكن يجب أن نشير إلى أن الأخيرين لم يلحقوا الخراب بالمدينة التى كانت محاطة بسور متين ولا بالواحة رغم أنها لم تكن محصنة. ولا بد أنه قد أمكن الوصول إلى شئ من التفهم بين المهاجمين وبين والى البلد يقضى بتقديم بعض المال إلى الوالى. كما أن بعض أفراد الاسرة الزيرية كانوا معرضين لأشد الأخطار لجأوا جهرا إلى المدينة ويرجع الفضل فى ذلك إلى الحماية التى بسطها عليهم مؤنس بن يحيى الرياحى. ولم تسرع قابس فى لحظتها إلى قطع العلاقات بالمهدية لكن حدث فى سنة ٤٥٤ هـ (= ١٠٦٢ م) أن غضب الوالى المعز بن محمد بن ولمية من سوء ما لقيه إخوته إبراهيم والقاضى على يد الأمير الزيرى فأعلن بتدبير مع القاضى استقلاله لكن تحت حماية (مؤنس بن يحيى، وكان هذا العمل كما يقول التيجانى فى رحلته

стр. 7852

مقدمة لاحتلال الهلاليين للمدينة، وقد خلف إبراهيم أباه ثم جاء دور القاضى فقتله أهالى قابس لما كان عليه من الاستبداد "قد أدى اغتياله إلى نقل السلطة إلى بنى جامع الذين تحالفوا مع بنى هلال عن طريق الدهمانيين، ونعلم أن الخليفة الفاطمى المستنصر (٤٢٧ - ٤٨٧ هـ) جعل طرابلس من نصيب جماعة "زغبة" الذين قبعوا بطربلس، وقام أحد الدهمانيين الرياحين واسمه مكى بن كامل بن جامع فأسس دولته فى قابس بعد أن تخلص من أخ لميير تميم اسمه عمر بن المعز كان ثوار قابس قد جعلوا السلطة فى يده، وخلف مكى ابنه راف ثم رشيد بن كامل بن جامع أولًا (حوالى سنة ٥١٥ هـ) ثم جاء بعد فترة قصيرة من حكم المولى يوسف بن رشيد وأخيرًا مدافع بن رشيد ولقد ظل تاريخ قابس منذ منتصف القرن الخامس للهجرة (الحادى عشر الميلادى) إلى منتصف القرن التالى له (وهى فترة الولايات المستقلين وأشراف بنى جامع المباشر) سلسلة متصلة من الاضطرابات نشبت فى الداخل مؤامرات وصرعات لأخذ السلطة لكنها لم تتمخض عن فائدة. أما من الناحية الخارجية فقد عانت قابس من جراء سياسة التوسع التى انتهجها نرمان صقلية الذين كانوا يبذلون قصارى جهدهم للسيطرة على ساحل إفريقية وعلى الرغم من تعدد مرات الحصار التى كابدتها قابس (وانتهت بالفشل كحصار ٤٧٤ هـ/ ١٠٨١ م و ٤٧٩ هـ/ ١٠٨٦ - حصار ٤٨٦ هـ/ ١٠٩٣ م و ٥١١ هـ/ ١١١٧ م) إلا أن خلفاء المعز استطاعوا استردادها وإن كان هذا الاسترداد لفترات قصيرة كالذى حدث سنة ٤٨٩ هـ (١٠٩٥/ ١٠٩٦ م) و ٥٤٢ هـ (١١٤٧ م) ثم أرادت المدينة مقاومة خلفاء المعز هؤلاء فجاهرت بانتهاج سياسة عدوانية صريحة إذ رحبت بأعدائه وأرسلت جندها إما على حدة أو مع الحلفاء لغزو عاصمتهم كما حدث فى سنوات ٤٧٦ - و ٤٩٣، ١١٥ هـ (= ١٠٨٣ - ١٠٨٤ و ١٠٩٩ - ١١٠٠، و ١١١٧ - ٨ م) وقامت قابس فى معارضتها لخلفاء المعز بالتحالف مع بنى هلال ونرمان روجر الثانى الذى أرسل لحاكم قابس (بناء على التماسه) تقليدا صريحا بحكم قابس

стр. 7853

كما أهداه بعض الأوسمة النصرانية وعين خلفا له محمد بن رشيد بعد احتلال المهدية الذى تم سنة ٥٤٣ هـ (١١٤٨ م) واحتلال جميع الساحل وعلى الرغم من كل هذه الصراعات إلا أن البلدة لم تضار كثيرا بل أنها عمرت بقصر جميل عرف بقصر العروسين وكان ابن ولمبة قد شرع فى تشييده ثم اتمه رافع ونسب إليه. على أنه ينبغى أن نذكر فى ذا المجال أن رشيدًا سك عملة باسمه هو ذاته، وكان هذا العمل من جانبه مظهرا من مظاهر تأكيد استقلاله. كان مجئ الموحدين إيذانا بنهاية عصر الاستقلال الذى كانت قابس فى الواقع قد فقده منذ سنة ٥٤١ هـ (= ١١٤٦ م) حين قبلت أن تدخل تحت سيطرة النرمنديين. ولقد استولى أبو محمد عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن على فى عام ٥٥٤ هـ (= ١١٥٨ م) على مدينة قابس عقب قيامها فى السنة الماضية ضد النرمان. ولقد استمر عهد السلام الذى تمتعت به إثر ذلك لمدة عقود قليلة إذ سرعان ما وقعت فريسة صراع بين الموحدين وبين عدوين كانا يتحالفان تارة ويتخاصمان تارة أخرى، أما أحد هذين الحليفين فقراقوش والى طرابلس وأما الآخر فبنو غانية، ومن ثم صار لزاما على المنصور (٥٨٠ - ٥٩٦ هـ = ١١٨٤ - ١١١٩ م) أن يتدخل شخصيا فى إفريقية منذ أن رأى الخطر يهدده بأنه موشك على فقدها وتمكن بفضل انتصاره سنة ٥٨٣ هـ (= ١١٨٧/ ٨ م) من أن يسترد البلد الذى حوله قراقوش (بتحالف مع بنى غانية) إلى قاعدة حصينة كما استطاع قراقوش أن يثبت أقدامه هنا مرة أخرى. غير أنه ما لبث أن شجب تحالفه السابق مع بنى غانية مما أدى إلى ضياع البلد منه وانتقاله إلى أيدى الموحدين الذين استغلوا الظروف الراهنة إذ كان يحيى بن غانية قد نجح فى هزيمة قراقوش وتملك طرابلس ثم مضى فحاصر قابس سنة ١٥٩ هـ (١١٩٥ م) ودفعته الرغبة فى ارغامها على الاستسلام إلى تخريب الواحة التى يقال إنه قطع كل نخيلها غير واحدة تركها لتكون علامة تدل على المكان، وما كاد يحرز النصر حتى جعل قابس

стр. 7854

عاصمة له وبسط نفوذه على كل افريقية بما فى ذلك تونس التى سبق له الاستيلاء عليها سنة ٦٠٠ هـ (= ١٢٠٣ م) وبذلك أصبح لزامًا على الناصر الذى حكم من ٥٩٦ هـ حتى ٦٠٩ (= ١١٩٩ - ١٢١٣ م) أن يعيد فتح كل القسم الشرقى من هذه المملكة فحارب يحيى بن غانية وهزمه هزيمة نكراء قرب قابس فى ربيع الأول سنة ٦٠٢ هـ (أكتوبر ١٠٢٥ م) واستولى على البلدة مرة ثانية لكنها آلت فى النهاية إلى قبضة الموحدين الذين كان حكمهم لإفريقية مشرفا على نهايته، ذلك أن أبا زكريا يحيى (٦٢٥ - ٦٤٧ هـ = ١٢٢٨ - ١٢٤٩ م) مؤسس الأسرة الحفصية كان على قابس حين استعمله الخليفة المأمون (٦٢٤ - ٦٢٩ هـ = ١٢٢٧ - ١٢٣٢ م) واليا على كل إفريقية فنجح بفضل المساعدة التى أمده بها عبد الملك بن مكى (اقوى ملاك الأراضى نفوذًا فى البلد) فى اغتصاب تونس من يد أخيه الذى كان قد خلع من الحكم، وكان هذا علامة فارقة تؤرخ مساعدة الحظ فى ظهور نجم بنى مكى الذين استطاعوا فيما بين سنتى ٦٨١ و ٧٩٦ هـ (= ١٢٨٢ - ١٣٦٤ م) أن يجعلوا ما كان من أسرة صغيرة محلية مستقلة: أسرة مستقلة تمام الاستقلال وكان أقوى رجلين بها هما عبد الملك بن مكى وأخوه الذى كان حاكما على "جربة" فاستطاع أن يمد نفوذه منها حتى طرابلس، وكان الأخوان من قبيلة لواته ويهتمان بالعلم حتى نعت كل منهما بالفقيه كما كانا داهيتين إذ نجحا فى كثير من الحالات فى ترك بصماتهما على سياسة بنى حفص التى ساهما فيها مساهمة فعالة استخدماها فيما بعد فيما عاد عليهما بالنفع، وفتح عبد الملك فى رجب ٦٨١ هـ (اكتوبر ١٢٨٢ م) أبواب البلدة للطاغية ابن أبى عمارة (١٣٨٢ - ١٢٨٤ م) وساعداه على تولى أمورها وعرشها ويقال إنه أراد الاعتراف بفضلهما عليه فأنعم على عبد الملك بجميع الجوارى اللائى كن فى قصر السلطان السابق واختاره وزيرًا له مع منحه صلاحيات مالية كبيرة لكن حكم ابن أبى عمارة لم يدم طويلا فعاد عبد الملك إلى اقطاعية قابس فرد عليه الامير أبو زكريا بأن حاصرها فى سنة ١٢٨٦ م وقطع كل ما بها من نخيل على

стр. 7855

أن عبد الملك لم يبق طول هذه الفترة من الاضطرابات ساكتا بل مد يده بالمساعدة فى سنة ١٢٨٧ م - ١٢٨٨ م إلى الدعى ابن أبى دبوس ضد أبى حفص (٦٨٣ - ٦٩٢ هـ = ١٢٨٤ - ١٢٩٣ م) لكنه لم ينجح فى مساعدته ثم شجب سيطرة تونس (٦٩٣ هـ) ليحق له المطالبة بما كان أجدر حفدة أبى زكريا يطالب بميراث أسلافه فيها وكان هذا الحفيد قد حاصر قابس سنة ١٢٨٦ م على أنه ظهر فى عام ٧٣٢ هـ (١٣٣٢ م) مطالب جديد اسمه عبد الواحد اللحيانى فوجد منه عونا ضد أبى بكر (٧١٨ - ٧٤٧ هـ/ ١٣١٨ - ١٣٤٦ م) وشاهدت السنوات التالية ذروة قوة بنى مكى الذين نجحوا أثناء خصومتهم للوزير الماكر ابن تفراجين فى مد رقعة حدودهم ودعم سلطاتهم أكثر من ذى قبل وزالت هيبتهم حتى أنه فى حوالى سنة ١٣٥٥ م عقدت البندقية معهم (وعلى انفراد) معاهدة نفعتهم، ولما كانوا مستمرين فى عدائهم لتونس فقد ساعدوا أبا عنان المارينى فى حملته الثانية (٧٥٢ - ٧٥٧ م = ٢٥٣ هـ). على أنه بعد عدة عقود قليلة قام حكم أبى العباس (٧٧٢ - ٧٩٦ هـ = ١٣٧١ - ١٣٧٤ م) فكان نذيرا بنهاية استقلال جميع مدن الجنوب. وفى ذى القعدة من عام ٧٨١ (فبراير - مارس ١٣٨٠ م) أمكن أخذ المدينة وأقيم بها وال حفصى وهو يوسف بن الأبار، إلا أنه فى السنة التالية تمكن أحد حفدة عبد الملك بن مكى ويدعى عبد الوهاب من الاستيلاء على البلد لنفسه وقتل حاكمها وحاصرها أبو العباس بشخصه سنة ٧٨٩ هـ (= ١٣٨٧ م) وأمر بقطع أشجار نخيلها ليرغمها على الاستسلام، ويقول ابن خلدون إن عمله هذا أتاح للبلد جوا أصح عما كان عليه من قبل، فلما استسلم عبد الوهاب سلم واحدا من أولاده إلى الوالى الحفصى ليكون رهينة عنده، ثم زاد فدفع مبلغا من المال لكن حدث بعد أن اغتيل عبد الوهاب بسنة ٧٩٢ هـ (١٣٩٠ م) على يدعمه يحيى بن عبد الملك بن مكى الذى أعلن استقلاله غير أن البعض نجح فى تدبير مؤامرة سنة ٧٩٦ هـ (= ١٣٩٣ م) وسلموه إلى الوالى أبى حفص

стр. 7856

الحفصى الذى أمر بقتله فكان هذا خاتمة دولة بنى مكى ونهاية استقلال قابس التى لا نعود نسمع عنها إلا القليل منذ ذلك الحين فقد جرى عليها ما جرى على بقية الجنوب من خروجها من تحت سلطان آخر الحفصيين الذين كانوا تحت الحماية الأسبانية قبل أن يدخلوا فى دائرة الأملاك التركية من بقية تونس التى أصبحت "باشليقا" (١٥٧٤ م) وقام عثمان داى (الذى حكم من ١٥٩٠ - ١٦١٠ م) ببذل جهود جبارة لإعادة السلام إلى البلاد فاقام فى "جاران" مستوطنة للكولوغيين ونعنى بهم الجماعات التى من أصول مختلفة أى من الأبناء الذين هم نتاج زواج الترك بالنساء الوطنيات. ولقد قاست قابس أكثر من سواها من المدن الأخرى من الفوضى التى سبقت الاحتلال الفرنسى وذلك بسبب وقوعها على تخوم الصحراء، كما تزايد الضغط عليها من جانب البابا ومن جانب البدو الذين اعتادوا الاختفاء بالصحراء أو الالتجاء إلى وراء الحدود الليبية حين يحسون باقتراب القوات النظامية منهم وعلى الرغم من عدم وجود قابس فى مركز العاصفة إلا إنها لم تسلم من أن يمسها الضرر من فتنة على بن غذاهم (١٨٦٤ م) فقد تعرضت فى الواقع للنهب على يد الخازندار سنة ١٨٧٠. ولما فرضت الحماية حدث شقاق بين جماعتين متنافستين حول ما يمكن اتخاذه حيال هذه الحماية إذ مال أهل "جارا" لقبولها على حين آثر أهل "منزل" مقاومتها، وكان من الصعب احتلال "منزل" فقد استغرق من ٢٤ يوليو ١٨٨١ م إلى نهاية نوفمير بعد تحطيم جميع الاستحكامات وفى أثناء الحرب العالمية الثانية أقيم خط دفاع جنوب قابس أدى إلى قصف البلد بالمدافع قصفًا عنيفا فعمها الدمار الشامل، ومع ذلك فلم تنج من احتلال الألمان لها يوم ١٩ نوفبر ١٩٤٢ م، ثم عادت القوات البريطانية والفرنسية فاحتلتها يوم ٩ مارس ١٩٤٣ م. قابس جغرافيا: ربما كان أحسن تعريف لقابس هو أنها "واحة بحرية" ذاك أنها نعمت على مدى العصور المختلفة بالرخاء الذى نتج عن وفرة الرخاء بها ونشاط الحركة فى موانيها

стр. 7857

التى هى المنفذ الطبيعى لسلع الصحراء، وقد وصفها "سترابون" ٥٨ ق. م - ٢٥ م) بأنها "سوق كبيرة جدًا يتم فيه بيع واستبدال سلع الأقاليم الصحراوية بالبضائع الواردة من "نوميديا". ويتكلم "بلينى" الصغير (٢٣ - ٧٩) عن نصيبها الكبير من مياه الرى التى تقسم بالتساوى بين الأهالى وهو نظام لا يزال سائدا حتى اليوم. كما يتكلم عن وفرة منتجاتها الزراعية من التمر والزيتون والتين والرمان والكروم وأخيرًا الحبوب والخضروات. ولا نجد بعد ذلك تفاصيل جغرافية دقيقة عن قابس المسلمة حتى القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) فنرى ابن خرداذبة المتوفى سنة ٢٧٢ هـ (٨٨٥ م) يكتفى بالإشارة إليها بقوله أنها مدينة الأفارقة والأعاجم "ويدل هذا التعبير على أن المقصود بلفظ الأفارقة فى عصر أحفاد الجبيكو رومان والبربر الذين اصطبغوا بالصيغة اللاتينية من النصارى والذين لازالوا يؤلفون الغالبية العظمى من السكان ومن المؤكد أن هؤلاء الأفارقة المشار إليهم بلفظا "الأعاجم" فتى اليعقوب المتوفى حوالى ٢٨٢ - ٢٩٢ هـ (٨٩٥ - ٩٠٥ م) كانوا يتألفون من العرب والبربر على السواء كما يشير نفس الكاتب مرة أخرى إلى أن قابس "بلدة هامة رخية تكثر فيها الزراعات والفواكه. ويذكر لنا ابن حوقل (من رجال منتصف القرن الرابع الهجرى = العاشر الميلادى (أنها كانت آهلة بالبربر، كما أنه يشير لأول مرة إلى طائفة من اليهود كانوا يؤدون ضريبة معينة (جزية) كما يلاحظ أيضًا أن سكانها ليسوا من أهل المال الفائق والنظافة بل أنهم تعقد فيها الأسواق ويشير إلى كثرة ما تنتجه من الزيت والصوف والحرير الفاخر والجلود الناعمة الملمس والمعطرة التى تصدرها إلى جميع أنحاء المغرب. ولكن المناطق الداخلية -للأسف- يسكنها الخوارج "اللصوص" الذين جرت عاداتهم على تخريب الناحية واشعال النيران بها، وكانت نفوسهم تنطوى على حسد لكل ما يملكه التجار والذميون". على أن المقدسى يقول عنها

стр. 7858

فى ختام القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) أنها بلدة "أصغر من طرابلس" وأنها مشيدة من الحجر والطوب وأنها غنية بأشجار النخيل والتين الكروم والتفاح". ويذكر أن البربر "يقطنون المناطق الداخلية، ولأسوارها ثلاث بوابات". أما الوصف الذى ذكره البكرى وهو الصف الذى طالما ردده الجغرافيون الذين جاءوا بعده فهو أكثر وصف تفصيلى لها ويرجع إلى منتصف القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) حتى فى الوقت الذى كانت فيه البلدة تحت حكم "ابن ولمية "وحماية" مؤنس بن يحيى الهلالى، وكان ولا يزال بها حينذاك سورها القديم المشيد من الحجر، كما يوجد خندق حول السور لحمايته حتى إذا ما تعرضت لأى خطر ملؤوه بالمياه ولقد شهدت قابس منذ عهد ابن حوقل اصلاحات جمة منها أنها أصبح تكتنفها فى الجنوب والشرق كثير من الضواحى والأسواق والفنادق مما يشير إلى نشاط تجارى عظيم وقد زانها جامع رائع حفلت بالحمامات العديدة. على أن الشئ الوحيد الذى يشوه هذه الصورة هو أن مناخها لم يعد صحيا ولم يكن كذلك فى أول العهد بها ولكنه جاء نتيجة تحطيم طلسم. كما يقولون- كانوا قد عثروا عليه أثناء البحث عن كنز وليس من شك أن أسطورة الطلسم هذه تشير إلى هدم المبانى القديمة التى كانت موجودة وراء الأسوار على مرتفعات سيدى "بولبة" ذات الهواء الصحى وكان الداعى لإزالة هذه المبانى هو الرغبة فى تشييد الضواحى مكانها. فلما كانت خاتمة القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) نقلت الضاحية بعيدا عن الأسوار القديمة إلى حيث منطقة "جارة" الحالية وازدحمت بالسكان. ونستدل على ذلك من الأكثار من المساجد فى هذه الضاحية كمسجد سيدى إدريس وسيدى الحاج عمر ومسجد سيدى ابن عيسى الذى ينسبه المستشرق "ماسيه" إلى "بنى جامع" وقد لاحظنا من قبل أن بعض مخلفات المبانى الأثرية استعملت من جديد فى

стр. 7859

هذه العمارة وأمثالها من العمائر المستحدثة منذ أن أخذ الناس (منذ منتصف القرن الخامس الهجرى = الحادى عشر الميلادى) يهجرون المدينة القديمة مما أدى فى النهاية إلى اختفائها تماما لتحل محلها الضواحى. ونستفيد مما يقوله البكرى أنه ما زالت هناك تفرقة فى النظرة نحو السكان أعنى بين العرب والأفارقة مما يدل على أن الاندماج العرقى يكن قد تم، وكان الأهالى عرضة لسخريات كثيرة لا يكف صاحب المسالك عن إيرادها كما أنه يشير إلى أن البيوت لم تكن مجهزة بالمراحيض وأن الغائط كان يستعمل فى تسميد الحقول، وكان البربر يعيشون فى "الأخصاص" لاسيما من كان منهم فى المناطق الداخلية، وكان هؤلاء البربر من قبائل لواتة ولمايا ونفوسة ومزاته وزواغة وزاولة وغيرها من الجماعات الصغيرة. . وتنتج واحة قابس كميات كبيرة من الموز وقصب السكر ومختلف أنواع الفاكهة التى ترسل منها أحمال ضخمة إلى القيروان. وتنفرد قابس من كل أفريقية بغاباتها الكثيرة من أشجار التوت مما أمكن معه انتاج الحرير الفاخر الذى يصدر بوفرة، وتؤكد لنا وثائق "الجنيزه" أن أفريقية كانت مصدرا كبيرا للحرير فى القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) وإن لم يعثر "جويتين" على أية إشارة فى هذه الوثائق إلى قابس. ويخبرنا البكرى أن بناء البلد يمتاز بمنارة وصفت بأنها من العجائب، وتقصدها لسفن من كل أرجاء المعمورة. لكن لم يبق اليوم من برجها سوى موضعه على نشز من الأرض ولا يزال الناس يسمون هذا الموضع بالمنارة. ولما كان منتصف القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) نرى الإدريسى يتكلم عرضا عن "الأفارقة" كلاما لا يشك معه أنهم لم يعودوا يكونون عنصرا هاما ومتميزا بين السكان، ويضيف إلى ذلك قوله "إن الناس هنا ينقصهم حسن الذوق والأناقة، وإن كان هندامهم نظيفا "ويمتدح الإدريسى على وجه

стр. 7860

الخصوصُ رطبها وعسل تمرها الذى يشبه عسل النحل ويحفظونه فى جرار ضخمة، كما كانت البلده تنتج فى أيامه الزيت الذى تصدر منه كميات كبيرة منه إلى كل النواحى". على أنه جرت بقابس تغييرات كثيرة فميناؤها الذى كان على حدِّ قول البكرى شديد الإزدحام كاد أن يصبح مهجورا قَلَّ أن تطرقه السفن لضحالة مياهه كما أننا لا نرى أية إشارة إلى المنارة، وتدهورت صناعة الحرير وأصبحت قاصرة على قرية هى قرية "قصر السجة" وأما المصنوعات الجلدية التى امتدحها ابن حوقل والتى أمسك البكرى عن الإشارة إليها فكان حظها عكس ما سبقها إذ أصبحت نافقة السوق وتصدر إلى الخارج كميات ضخمة من إنتاجها. ولما أُستهل القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) نرى ياقوت لا يضيف جديدا إلى ما قاله البكرى ولكنه ينقل ما سبق حرفا بحرف، كما أن ابن الشباط (٦١٨ - ٦٨١ هـ = ١٢٢١ - ١٢٨٢ م) يصف قابس بأنها "مدينة كبيرة" ويقرر أن بها ثلاثة عناصر من السكان هم العرب والبربر والعجم أعنى الأفارقة، وكانت هذه آخر مرة ترد فيها الإشارة إلى تقسيم الأهالى من الناحية العرقية إلى ثلاثة أجناس. ولما مر البدرى بقابس فى طريقه إلى الحج فى نهاية القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) رسم لها صورة قبيحة جدًا، إذ رأها "بلدة قذرة يتصاعد النتن منها ولا يغلبها فى هذه الناحية إلا ما عليه أهلها من الجهالة والكفر". أما ما تركه لنا التيجانى الذى قضى بها أربعة أيام فى منتصف جمادى الأولى ٧٠٦ هـ (نهاية نوفمبر ١٣٠٦ م) فيخالف تماما المخالفة ما ذكرناه فنلمح فى كلامه اعجابه بقابس "إذ هى بلدة بحرية جميلة وصحراوية" ويشده منظرها فيقول "أنها فى الحق جنة على الأرض، ومختصر القول فيها أنها دمشق ولكن على مجال أصغر" وكانت تمر بدور انتقال كبير إلى الإمام فإذا كانت أسوارها القديمة لا تزال قائمة إِلَّا أنّ مركز النشاط التجارى قد انتقل فيما وراءها إلى الضواحى التى بلغت مبلغا

стр. 7861

كبيرا من الاتساع وكثرة الأسواق، فمنارة الجامع الكبير الموجودة فى قلب المدينة القديمة قد تزعزعت ومالت ميلا كبيرا ينذر بالخطر كما أن القصبة وقصر بنى جامع وقصر العروسين التى كانت من الأعاجيب التى لا مثيل لها فى الدنيا لم تعد أكثر من أطلال دراسة (الرحلة ٩٤ - ٩٥) وهواؤها موبوء أكثر من ذى قبل ووجوه أهلها شاحبة، وتكثر بها الأوبئة بسبب ورد "الدفلا" الذى يفسد مجاريها المائية باستثناء نبعين هما عين الأمير وعين سلام (باللام المفتوحة المخففة). ثم نأتى إلى مطلع القرن السادس عشر لنطالع تفاصيل جديدة واردة فى كلام ليو الافريقى (الحسن بن الوزان) الذى زار تونس عام ١٥١٧ م فيقول عنها "إنها لا تزال بلدة كبيرة ولا تزال أسوارها تكتنف المدينة العتيقة، ولكنها تدهورت من جراء النهب الذى أصابها على أيدى العرب كما تفرق أهلها فى الواحات، ثم يصفهم بأنهم "سود البشرة، ويحترفون الزراعة أو صيد الأسماك ويعيشون فى فقر مدقع وفى خوف مستمر من ناحية العرب ومن ملك تونس "ومختصر القول" إن خراب المدينة كان تامًا. ولا نرى أية إشارة فيما كتبه ليو الافريقى (الحسن بن الوزان) إلى كثرة فاكهتها أو صناعاتها أو صادراتها التى كانت تصدها إلى شتى النواحى. كما خلا كتابه تماما من أية إشارة إلى نشاط مينائها أو أسواقها، فقد أدى عدم استتباب الأمن بها إلى توقف تجارتها بما فيها التجارة المارة عبر الصحراء التى تركت آثارها على بشرة سكانها الذين عمهم الفقر نتيجة تزاوجهم بالرقيق الأسود. ولم يستطع جيرين (فى منتصف القرن التاسع عشر) الاستدلال على أى أثر للأسوار القديمة ولم يتبق شئ سوى الأخصاص أو العشش القديمة فى "منزل" و"جارة" وهى كما يقول لافيت وسيرفونيه لا يمكن أن تسمى بالبيوت. وأصبح أهالى "منزل" لا يزيدون عن ثلاثة آلاف وخمسمائة نسمة. أما أهالى "جارة فأربعة آلاف

стр. 7862

فقط من مجموع السكان الذى كان يبلغ من قبل عشرة آلاف نسمة وقد اقترح كابتن "رودير" فى سنة ١٨٧٣ (وإن لم يكن اقتراحا عمليا) حفر بحر داخلى وقناة تربطه بخليج قابس. راجع فى ذلك المسالك لابن خرداذبة. والبلدان لابن الفقيه، والبلدان لليعقوبى، وصورة الأرض لابن حوقل، وأحسن التقاسيم للمقدسى، والمسالك للبكرى ونزهة المشتاق للإدريسى، ومعجم البلدان لياقوت، والرحلة للعبدرى، ورحلة التيجانى والحلل للوزير السراج. المصادر: (١) اليعقوبى: بلدان، ترجمة. G.wiet، القاهرة ١٩٣٧، ص ٢٠٨. (٢) ابن حوقل: صورة الأرض، بيروت ص ٧٢ - ٧٣. (٣) المقدسى: إحسان التقاسيم، الجزائر ١٩٥٠، ص ٤ - ٥ ترجمة. Ch Pellat باريس ١٩٦٥. (٤) ياقوت: البلدان، بيروت ١٩٥٧، جزء ٤، ٢٨٩ - ٢٩٠. د. حسن حبشى [م. تالبى M. Talbi] القادر باللَّه العباسى القادر باللَّه، أبو العباس أحمد بن اسحق، خليفة عباسى. بعد عزل الطائع al-Tae، بويع ابن عمه أبو العباس أحمد خليفة فى رمضان ٣٨١ هـ (نوفمبر ٩٩١ م) ولقب بالقادر، وهو حفيد المقتدر وأمه أم ولد. كان مدة حكمه الطويل خاضعًا لتأثير أمراء بغداد، ولم يتخذ موقفًا مستقلا إلا مرة واحدة فى حياته، وذلك عندما أراد بهاء الدولة البويهى أن يستبدل قاضى قضاة شيعى بقاضي القضاة السنى ولكن أحبطت معارضة القادر خطته، وبدلا من ذلك عين للشيعة نقيبا، أما أصحاب الاتجاهات الأخرى، والمعتزلة بوجه خاص، فقد عوملوا بمنتهى القسوة. . وفى تلك الفترة، ظهرت الدويلات شبه المستقلة التى حكمها المروانيون والعقيليون Ukailids والمرداسيون Mir

стр. 7863

dasids, كما بلغت الدولة الغزنوية أوج ازدهارها، فى حين زاد التمزق الداخلى بسبب بنى بويه وانهارت الدولة الحمدانية hamdanid والسامانية Samanids اللتان كانتا لزمن طويل درعا فى وجه الترك. وتوفى القادر فى ذى الحجة عام ٤٢٢ هـ (نوفمبر - ديسمبر ١٠٣١ م) عن عمر يزيد على الثمانين، وله بعض الأبحاث الدينية. المصادر: (١) ابن الأثير (طبعة تورنبرج Tornberg) جـ ٩، الفهرس. (٢) ابن الطقطقا al-Tiktaka الفخرى (طبعة درنبورح Derwn bonrg)، صفحة ٣٩١ وما يليها. (٣) ابن خلدون، العبر جـ ٣ صفحة ٤٣٦ وما بعدها. (٤) حمد اللَّه مستوفى قزوينى Tarikh-i Gustda (طبعة بروان)، جـ ١ صفحة ٣٥١ - ٣٥٣. (٥) جولدتسيهر MuhStud,Goldziher, جـ ٢ صفحة ٦٥ وما يليها. حسين أحمد عيسى [ك. ف. تسترشتين K.V. Zetterdteen] + القادر باللَّه العباسى أبو العباس أحمد بن اسحق وهو الخامس والعشرون من خلفاء بنى العباس، وقد امتد حكمه من ٣٨١ هـ حتى ٤٢٢ هـ (= ٩٩١ هـ - ١٠٣١ م)، وكان مولده سنة ٣٣٦ هـ (٩٣٧ م) وجده هو الخليفة الطائع الذى أقصاه بهاء الدولة عن العرش سنة ٣٨١ وولى مكانه أبا العباس ولُقب بالقادر باللَّه، وكان بهاء الدولة يطمع أن يجد فى القادر من الاذعان له ما لم يجده من جانب الطائع الذى كان قد فر من العاصمة هربا من أن ينتقم منه عمه إثر نزاع عائلى، والواقع أن الخليفة الجديد أظهر فى بادئ الأمر الموادعة والطاعة للأمير وأنه مساير له فى سياسته، وقد توقف عن مبايعته أمراء الولايات الشرقية حتى سنة ٣٩٠ هـ (١٠٠٠ م) حيث قرر السامانيون والغزنويون الاعتراف به. وقد بادر القادر باللَّه فى

стр. 7864

مستهل خلافته بالاستجابة لجميع مطالب الأمير الكبير وفى مقدمتها تلقيبه بعضد الدولة، كما وافق على الزواج من ابنة البهاء لكنها ماتت قبل أن تُزَف إليه، كذلك قنع القادر بالمال الذى حدده له ولعل أظهر ما يمتاز به عهده هو بناؤه سنة ٣٨٣ هـ الجامع الكبير فى بغداد وهو الجامع المعروف بجامع باب حرب، ثم اعلانه أمام جمع من حجاج خراسان فى سنة ٣٩٠ هـ أن وريثه فى عرش الخلافة إنما هو ولده الذى لقبه بالغالب. وقد أخذ بهاء الدولة منذ سنة ٣٩٠ هـ (بعد اقامته فى شيراز) معاملة العراق كولاية من ولايات الخلافة، فكان ذلك إيذانًا بتمتع الخليفة بمزيد من الحرية حيث استطاع إعادة الخطبة للعباسيين فى اليمامة والبحرين. كذلك رفض أن يعيين فى منصب قاضى القضاة رجلا أراد الأمير الكبير أن يعينه نقيبًا للعلويين وناظرًا لديوان المظالم وأميرًا للحج، ونعنى به الشريف أبا أحمد الموسوى (٣٩٤ هـ) وهكذا سدّ القادر الطريق أمام تطبيق تشريع الأمامية إذ منع علويًا من وظيفة القضاء، وكان قد سبق له أن أظهر العزم على الدفاع عن المذهب السنّى الذى يمثله هو ذاته. ولما وكانت سنة ٣٩٠ هـ وجه رسالة إلى قاضى جيلان الجديد ليحث الناس على الطاعة للخليفة، ثم حدثت بعد بضع سنوات أحداث حملته على التدخل ضد الإمامية، وما نجم من شغب حول تفسير ابن مسعود للقرآن الذى عدّه أهل السنة مرفوضًا وشبت الاضطرابات فى العاصمة فأمر بتكوين جماعة من علماء السنة شجبوا هذا التفسير (وذلك فى رجب ٣٩٨ هـ)، ثم أمر بقتل شيعى فى كربلاء تجرأ فلعن "من أحرقوا مصحف ابن مسعود" وحينذاك تدخل الأمير الكبير الذى رغب فى تهدئة الأمور، على أن الواقع كان يشير إلى أن هناك خطرًا جديدًا أخذ يهدد كلا من الخليفة والأمير على السواء، فقد أخذت الدعوة الفاطمية تعلن عن نفسها قوية فى أحياء بغداد الشيعية، وزاد الوضع سوءًا ما كان من

стр. 7865

جانج "كِرْوَشْ" أمير الموصل الذى كان نفوذه يمتد من الموصل حتى الأنبار إذ جاهر بتأييده للفاطميين وأعلن فى خطبة الجمعة باعتناقه المذهب الاسماعيلى وكان ذلك فى المحرم من سنة ٤٠١ هـ (= أغسطس ١٠١٠ م)، فبادر الخليفة القادر بإرسال سفارة إلى الأمير الكبير على رأسها الفقيه الباقلانى الذى كانت له مكانة سامية عند أمراء بنى بويه، ونجحت هذه السفارة فى تدخل الأمير تدخلا ظهر أثره فى سرعة إعادة "كروش" الخطبة لبنى العباس وزاد على ذلك بأن أصدر بيانًا ندد فيه بالعقيدة الفاطمية، منكرًا نسب الفاطميين إلى فاطمة، وصرَّح باعتباره الاسماعيليين بين أعداء الإسلام، وأمضى هذا البيان علماء السنة والإمامية. ومات بهاء الدولة سنة ٤٠٣ هـ (= ١٠١٢ م) وحل محله ولده سلطان الدولة فلم يغير ذلك من الوضع السياسى شيئًا. على أنه لا ينبغى أن يغيب عن الأذهان أن شغب كل من العناصر العربية والكردية فى العراق كان له أثره البين فى أضعاف قوة البويهيين يوما بعد يوم، كما أن المنافسة الطويلة بين الديلم والترك قد اشتعلت من جديد فى كل اضطراب داخلى، ومن ثم كان من الممكن أن تعود للتحرك فى آية لحظة جميع مظاهر الشحناء التى بين السنة والشيعة فى بغداد أو غيرها من المدن. كان الذى يشغل بال القادر قبل كل شئ هو الصراع ضد أى مبادئ فاسدة لاسيما تلك التى تعد خطرًا على الخلافة، فطلب فى سنة ٤٠٨ هـ من الفقهاء الحنفيين (الذين كانوا متعاطفين بعض الشئ مع المعتزلة) أن يعلنوا توبتهم من هذا الأمر، كما أمر فى الوقت ذاته بمنع دراسة تعاليم المذهبين المعتزلى والشيعى، كما أمر بأن تقرأ فى القصر ما عرف بالرسالة القادرية، التى استوحت الفكر الحنبلى والتى لم تكتف بالتنديد بالمذهب الشيعى فى شتى صوره بل وبمذهب المعتزلة أيضًا،

стр. 7866

وزادت فضمت إليهما مذهب الأشعرية، وحدث فى نفس الفترة أن ظهر لأول مرة فى بغداد أمير سلطان الدولة ثم عاد إلى إيران وتخلّى عن مكانه لمشرف الدولة الذى ذهب إلى بغداد فى محرم ٤١٤ هـ وطالب الخليفة بالحضور إليه لمقابلته. على أن الخصومة والمنازعات التى اندلعت نيرانها بين الأمراء البويهيين بعد موت مشرف الدولة سنة ٤١٦ هـ (= ١٠٢٥ م) أتاحت الفرصة للخليفة أن يلعب دورًا سياسيًا هامًا. ومجمل القول إن الخليفة القادر باللَّه العباسى واجه أخطارًا جمة، لم تمنعه من أن يكرس أيامه الأخيرة فى تقوية الدعاية لبنى العباس، وأقدم على ثلاثة أمور أولها أصداره ثلاثة مراسيم أولها ندد فيه بالمعتزلة من جديد وثانيها مهاجمته على وجه الخصوص فكرة "خلق القرآن" وثالثها تمجيده الخلفاء الأوائل وإعلانه الالتزام بالخير وتجريم الشر. وعلم الخليفة فى الوقت ذاته عن طريق الأخبار التى جاءته بالأحداث التى وقعت فى الولايات الشرقية، حيث هاجم محمود الغزنوى الشيعة وأنزل بهم أضرارًا كبيرة، ثم عمل على زيادة رقعة العالم الإسلامى والقوة الإسلامية، إذ بدأ فى القيام بفتح الهند، فى الوقت الذى شغل نفسه بمحاربة البويهيين فاستولى على الرى سنة ٤٢٠ هـ (= ١٠٢٩ م)، ثم هاجم "كرمان" سنة ٤٢٢ هـ. وفى سنة ٤٢١ هـ نادى الخليفة الكهل بولده أبى جعفر وليا للعهد من بعده (وهو الذى ولى الخلافة فى سنة ٤٢٢ هـ وطالت مدة حكمه حتى بلغت أربعة وأربعين عامًا وشهرًا إلا قليلًا). ولما مات الخليفة القادر باللَّه سنة ٤٢٢ هـ (١٠٣١ م) كانت الخلافة قد اشتدت هيبتها، كما أنه بذل جهودا كبيرة ظهر أثرها فى عملين جليليين أحدهما من تأليف الماوردى الشافعى، والآخر من قلم ابن الفراء الحنبلى وكان الكتابان يحملان عنوانا واحدا، هو "الأحكام السلطانية".

стр. 7867

المصادر: إن فى مقدمة المصادر التى تؤرخ للقادر كتاب ذيل تجارب الأمم لأبى شجاع والمنتظم ابن الجوزى. (١) أبو شجاع: ذيل تجارب الأمم. (٢) ابن الجوزى: المنتظم، أجزاء ٧، ٨. (٣) ابن الأثير: الكامل فى التاريخ. أما من المصادر الأخرى نذكر منها: (١) M. Kabir: The Buwayhid Dynasty of Baghdad, Culcutta ١٩٦٤ (٢) C. E. Bosworth: The Ghaznawids, Edinburgh, ١٩٦٣ مها سيد معبد [د. سورديل D. Sourdel] القادرية القادرية طريقة صوفية شيخها عبد القادر الجيلانى. ١ - نشأتها: كان عبد القادر (المتوفى عام ٥٦١ هـ = ١١٦٦ م) إماما لمدرسة المذهب الحنبلى ورباط فى بغداد. وكان يلقى دروسه (المجموعة فى الفتح الربانى) فى المدرسة أحيانًا وأحيانًا أخرى فى الرباط، وكان كلاهما معهدًا له أهميته فى زمان ابن الأثير. وقد ذكر ياقوت فى إرشاد الأريب جـ ٥ صفحة ٢٧٤ أن رجلا ترك عند وفاته عام ٥٧٢ هـ (١١٧٦ - ٧ م) تركة من الكتب التى ألفها الإمام الجيلانى، ويبدو أن كلا من المدرسة والرباط قد دمرا فى غزو التتار لبغداد عام ٦٥٦ هـ (١٢٥٨ م). وقد ذكر كتاب بهجة الأسرار سجل دقيق لذريته (صفحة ١١٣ - ١١٧)، وقيل فيه أن عبد الوهاب (٥٥٢ - ٥٩٣ هـ/ ١١٥٧ - ١١٩٦ م) ابن عبد القادر خلف أباه فى المدرسة، وخلفه عليها ابنه عبد السلام (توفى عام ٦١١ هـ/ ١٢١٤ م)، كما كان عبد الرزاق (٥٢٨ - ٦٠٣ هـ/ ١١٣٤ - ١٢٠٦/ ٧ م) بن عبد القادر من الزهاد المعروفين، وقد هلك عدد من أفراد عائلته فى غزو بغداد كما دمرت المدرسة والرباط. كانت مجموعة التعاليم التى وضعها عبد القادر باجتهاده كافية لأن تنشئ نظاما (مذهبا)، وطبقا لهذا النظام يعلن

стр. 7868

المريد -بقبوله الخرقة من شيخه- أن إرادته قد أصبحت تبعا لإرادة شيخه، وقد ذكرت فى البهجة قائمة طويلة لرجال من طبقات مختلفة ارتدوا الخرقة من يدى عبد القادر، منهم اثنان كانا فى السابعة من العمر وآخر فى عامه الأول. وكان يقال عن هؤلاء إنهم قد انتسبوا أو انتموا لعبد القادر، وكان يمكنهم بعد ذلك أن يُلْبسوا الخرقة لآخرين. وبارتداء الخرقة يعلن المريد أنه قد أخذ العهد على أن يعتبر عبد القادر شيخه ومربيه بعد الرسول [ ﷺ ]، وفى قول يبدو أنه مشكوك فى صحته، أعلن عبد القادر أنه ليس من الضرورى ارتداء الخرقة للدخول فى طريقته، بل تكفى الصلة الشخصية به، وقد قام الكثيرون بالدعوة إلى طريقته أثناء حياته، منهم على ابن الحداد الذى ضم أتباعًا فى اليمن ومحمد البطائحى al-Bataihi الذى عاش فى ببعلبك وضم أتباعًا فى سوريا، وتقى الدين محمد الذى عاش أيضًا ببعلبك ومحمد بن عبد الصمد الذى عاش فى مصر والذى وهب نفسه لعبد القادر وللسير على الطريق التى أمره به اللَّه ورسوله. ولما كان جميع المنتسبين إلى عبد القادر قد وعدوا بالجنّة، فقد انتشرت الطريقة انتشارا كبيرا، وحتى إلى زمن قريب لم يكن الدعاة اليها فى إفريقيا يجدون صعوبة فى ضم مريدين جدد. يقول السهروردى إن رياضة كل مريد يحددها الشيخ طبقا لاحتياجاته، لهذا فمن المستبعد أن يكون عبد القادر قد وضع نظاما محددا للذكر أو الأوراد أو الأحزاب، والدليل على ذلك أن هذه الرياضات تختلف باختلاف جماعات القادرية، فمر اسم الدخول فى الطريقة فى الفروع التركية كما ذكرها ج. ب. براون J.P.Brown تختلف تماما عن تلك التى ذكره رين Rinn عن فروع شمال إفريقيا. ففى أحد هذه الفروع، نجد اتجاها لوضع على (رضى اللَّه عنه) فى درجة أعلى من محمد [ ﷺ ] والإصرار على أهمية الحسن والحسين، وهذا لا يمثل بأى حال حنبلية عبد القادر، والورد النسوب لعبد القادر فى الفتوحات الربانية منقول عن عبد اللَّه بن محمد العجمى الذى عاش عامًا

стр. 7869

(٥٣٦ - ٧٣١) والذى يبدو أنه مجرد أسطورة. ٢ - تطور الطريقة: من الواضح أن الطريقة القادرية قد سارت منذ زمن بعيد فى خطوط مختلفة وذلك تبعا لما إذا كان عبد القادر يعتبر مؤسسا لطريقة تتضمن طقوسا ورياضات أم أنه كان صانع معجزات، وهذا الاتجاه الأخير يعنى تأليه عبد القادر (١)، حيث يؤمن المتطرفون بأن عبد القادر هو سيد الخلق مطلقًا بعبد اللَّه أما المعتدلون فيقولون كان كذلك أثناء حياته فقط ومن هؤلاء ابن العربى الذى ينظر إليه كمثال للخليفة الذى أظهر نفسه ومارس سلطاته العليا (التصرف). ومثل هذا الخليفة فى نظر ابن العربى لا يخضع للوحى المنزل على محمد [ ﷺ ] ولكن هناك نظرية تقول إن عبد القادر يمارس تصاريفه فى قبره كما كان يمارسها فى حياته، ويذكره ابن تيمية ضمن الأولياء وأنه كان يظهر للناس (٢) إلى زمانه وأن الشياطين لا تستطيع أن تتمثل فى صورته (٣) وفى مراسم الدخول فى الطريقة التى سجلها ج. ب. بروان J.P. Brown، كان المريد الذى يرغب فى الدخول فى الطريقة يرى عبد القادر فى المنام، وفى إحدى الحالات كانت الرؤيا واضحة ومتكررة حتى أنه قال إنه يستطيع أن يميزه من بين ألف من غير أن يكون قد شاهده من قبل، وتنتشر الطريقة القادرية بمعنى عبادة عبد القادر فى شمال إفريقيا حيث تسمى الجيلانية وهناك جماعات تسمى الجلالة Djilala. وقد وصفت طريقتهم بأنها تطبيق لمعتقدات من المؤكد أنها سابقة للإسلام بطريقة باطنية صوفية ثم تجسيد هذه الغيبيات عن طريق عبادة قوى تحت أرضية. وفى هذه الطريقة تطلق كلمة الخلوة على كومة من الأحجار تغرس بينها أعواد من القصب تربط فيها النساء قطعًا من القماش وتحرق عليها اللبان الجاوى والميعة فى مباخر. وتوجد مثل هذه الخلوات فى جميع القرى العربية، وكذلك توجد على جميع الطرق وقمم

стр. 7870

الجبال الرئيسية فى منطقة وهران Oran قباب باسم "عبد القادر الجيلانى" وفى غينيا نجد أن مجتمع الجناوة Gena-wah أو الزندج قد وضع نفسه تماما تحت حماية مولاى عبد القادر هو وجميع الأرواح الحارسة التابعة له ذكورا وإناثا كما وجد م. ميشو - بللير M. Michanx-Bellaire هناك آثارا للقوى التى كانت لسليمان طبقا لما ورد فى القرآن (والوثائق الأقدم). أكثر المتحمسين لعبادة عبد القادر؛ النساء فى الخلوط Khlot وطليق Talik حيث يذهبن إلى الخلوة لجميع الأغراض فيما يحببن ويكرهن فى جميع أمور حياتهن، أما الرجال فلا يذهبون إلى الخلوة إلا إذا كانوا مرضى. من الواضح أن هذا الاتجاه لا يتفق مع التقاليد الإسلامية وقد هاجمه أولو الألباب مثل ابن تيمية وإبراهيم الشاطبى. وبالرغم من أن مؤسس هذه الطريقة حنبلى المذهب إلا أن الدخول فى الطريقة لا يقتصر على أفراد هذا المذهب، فهذه الطريقة من الناحية النظرية متسامحة وخيرة. ٣ - التوزيع الجغرافى: نظرًا لأن المؤلفات التاريخية والجغرافية نادرا ما تميز بين الطرق المختلفة من حيث بنيانها المدينى، فإن المعلومات المؤكدة عن تاريخ إنشاء أول زاوية أو خانقاه قادرية فى أى بلد ما عدا العراق قليلة ويقال إن الطريقة دخلت فاس عن طريق ذرية اثنين من أبنائه، إبراهيم المتوفى فى واسط عام (٥٩٢ هـ/ ١١٩٦ م) وعبد العزيز (المتوفى فى جيال Djiyal, قرية فى سنجار Sindjar) هاجر الإثنان إلى أسبانيا، وقبل سقوط غرناطه Granada بقليل (٨٩٧ هـ/ ١٤٩٢ م) فر أحفادهما إلى مراكش، وقد ورد ذكر خلوة عبد القادر فى فاس عام ١١٠٤ هـ/ ١٦٩٢ م/ ٣ م، ودخلت الطريقة إلى آسيا الصغرى والقسطنطينية على يدى إسماعيل رومى Rumi، مؤسس الخانقاه المعروفة باسم قادرى خانه Kadiri khanah عند توب خانة Top Khanah ويقال أن هذا الرجل (المتوفى عام

стр. 7871

١٠٤١ هـ/ ١٦٣١ م) والملقب بيرثانى Pirthani (الشيخ الثانى) قد أسس ما يقرب من ٤٠ تكية فى هذه المناطق. كما ذكر صالح بن مهدى فى القلم الشامخ صفحة ٣٨١ رباطًا قادريًا فى مكة، وكان ذلك عام ١١٨٠ م، وليس من المستبعد أن يؤسس فرع للطريقة فى مكة فى حياة عبد القادر لأن مكة لها جاذبية طبيعية للصوفية، وكذلك ذكرت الطريقة القادرية فى أئينى أكبرى A'ini-Akbari (حوالى عام ١٦٠٠ م) كطريقة محترمة إلى درجة كبيرة ولكنها لم تذكر ضمن الطرق المعروفة فى الهند، كما لم يرد ذكرها فى مآثرى كرام Ma'athir-ikiram (١٧٥٢) ضمن قائمة الطرق الصوفية المذكورة فيه، فى حين ذكرت طرق أخرى كما ذكر عبد القادر نفسه. انتشرت الطريقة انتشارا كبيرا فى العصر الحديث، وربما كان ذلك بسبب سَمى مؤسسها عبد القادر الذى قاوم الاحتلال الفرنسى لشمال إفريقيا لعدة سنوات، وهى بلا شك منتشرة فى جميع البلاد الإسلامية وإن كانت هناك بعض الطرق المتفرعة منها لها شعبية أكثر فى مناطق مختلفة. فمثلا نجد أن قادرية توبا Touha فى غينيا، والتى صارت علامة مميزة لقبيلة دياكانك Diskank، متفرعة عن طريق السيديا Sidia من قادرية الكونتا فى تيمبوكتو Timbuctu. ٤ - تنظيمها: تدين الجماعة القادرية بولاء أسمى لراعى قبر عبد القادر فى بغداد، وتنبع إجراءات الدخول فى الطريقة التى تحدث عنها رين Rinn من هذا المبدأ. ويبدو أن السلطة الحقيقية لهذه الشخصية معترف بها أساسا فى العراق والهند. وترسل الهند هدايا دورية تمثل المصدر الرئيسى لدخل هذا الضريح، لهذا يرى أفراد هذه العائلة أن تعلم اللغة الأردية له ما يبرره. تتبع زوايا الطريقة القادرية فى مكة شيخ الطرق الذى يعين المقدمين فيها. وفى مصر تتبع الطريقة شيخ الطرق أيضًا، ويذكر على باشا مبارك الطريقة على أنها واحدة من الطرق الأربعة التى تنتمى إلى الأقطاب، ولكنه يؤكد أنها ليس لها

стр. 7872

فروع ولا بيوت. وفى أفريقيا، يقول رين Rinn أن على كل مقدم أن يعين خليفته، فإذا حدث أن توفى أحدهم قبل أن يعين خليفته، ينتخب الإخوان المقدم فى حضرة، ثم يطلبون موافقة شيخ الطريقة فى بغداد، ولم يحدث أبدا أن رفض. وقد وصف رين Rinn وديبو De Pont وكوبولانى Coppolani تنظيم الطريقة فى شمال إفريقيا وصفا دقيقًا. ومن الواضح أن النظام هناك لا مركزى، فالزوايا مستقلة، والعلاقة بينها وبين الرئاسة العامة للطريقة فى بغداد ضعيفة جدا، كما أن مشيخة الزوايا وراثية بصفة عامة. ٥ - رموزها وشعائرها: يقال إن رمز القادرية التركية وردة خضراء. وقد اتخذ هذا الرمز إسماعيل رومى. وعلى الراغب فى الدخول فى الطريقة أن يأتى -بعد مرور عام- بعراقية arakiya وهى طاقية صغيرة من اللباد، فإذا قُبل وضع الشيخ فى مركزها وردة مقسمة ١٨ قسما عليها خاتم سليمان، ويسمون هذه الطاقية تاجا. وقد شرح ج. ب. براون J.P. Brown فى كتابه The Dervishes صفحة ٩٨ وما بعدها رمزية هذه الطاقية ويقول إنهم يفضلون اللون الأخضر وإن كانوا لا يمانعون فى استخدام غيره، وفى زمان لين Lane وكانت العمائم والرايات فى مصر بيضاء، ونظرًا لأن غالبية أبناء الطريقة فى مصر كانوا من صيادى السمك فإنهم كانوا يرفعون فى مواكبهم الدينية شبكات صيد مختلفة الألوان على أعمدة. وفى الهند، تجرى احتفالات بذكرى عبد القادر يوم ١١ ربيع الثانى، وفى مناطق كثيرة فى الجزائر ومراكش يزور الناس الزوايا ومقامات الولى. وقد وصف ل. مرسييه L. Mercier موسم الجلالة Djilala فى ساليه Sale وصفا مطولا فى Arch. Maroc الجزء ٨ صفحة ١٣٧ - ١٣٩، ويبدأ هذا الموسم فى اليوم السابع من المولد النبوى الشريف ويستمر أربعة أيام من ١٧ إلى ٢٠ ربيع الأول، وتقدم الهدايا من الخراف والثيران لأحفاد عبد القادر. ويفرق م، ميشو بللير M. Michaux Bellaire بين احتفالات القادرية الذين يقرأون الحزب والجلالة الذين يقيمون حلقات الذكر المصحوبة بالآلات، كما يفرق بين جلالة الريف الذين

стр. 7873

يستخدمون البندير والعود Awada، وجلالة المدن الذين يستخدمون الطبلة والخيطة ghatiq، كما وصف فى أول فقرة من المقال المذكور حضرة الملوك، وهى حضرة تصاحبها الآلآت المذكورة وتؤدى إلى حالى من الوجد، وذكر أيضًا طقوسا صينة تتصل بأولاد خليفة فى الغرب. جميع الهلالية فى الغرب من الجيلالة، وفى جميع حضرات الجيلالة لابد من حضور خليفة واحد على الأقل لادارة الحضرة، وإذا لم يوجد، يحمل أحد الحاضرين اللقب للقيام بالواجبات الدينية، وليس فى حضرة الجيلالة فى الريف حزب ولا ذكر ينشده الشيخ، بل ذكر مجرد لكلمات مرتجلة تقال مع الإيقاع الوقور للبنادير (جمع بندير)، وتنتهى هذه الارتجاليات دائما بالجمله: "هذا قول مولاى عبد القادر "أو" يا مولاى عبد القادر". وقد نشرت مجموعات مختلفة من الأدعيه التى يفترض أن عبد القادر وصى بها مريديه فى مصر وتركيا والهند. وقد ذكر فى الفيوضات الربانية أن من أراد أن يدخل الخلوة عليه أن يصوم النهار ويقوم الليل، وتستمر الخلوة أربعين يوما، "وإذا ظهر له من يقول "أنا اللَّه" فإن عليه أن يقول "كلا بل أنت من عند اللَّه nay rather thou art in God" فإن كان اختبارا فإنه سيختفى، وإن ظل موجودًا كان هذا تجليًا حقيقيًا، ويقلل المختلى من طعامه تدريجيًا طوال الأربعين يوما إلى أن يصل إلى الانقطاع التام عن الطعام طوال الأيام الثلاثة الأخيرة وبعد ذلك يعود إلى وجباته السابقة تدريجيًا. ذكر ج. سالمون ممارسات خاصة بجيلالة طنجة Tangier فالذين يقدمون النذور لعبد القادر يضعون عادة ديوكا بيضاء فى الزاوية، ويسمى الديك مُحَرَّرا، وهم لا يقتلونها بل يتركونها تتحرك بحرية حول الزاوية ولكنها لا تعيش طويلا، فإن الشريف الذى يعيش فى تقشف يأخذها لطعامه. يكون المقدم فى الزاوية من الأشراف، ويرأس الختمات التى يقرأ فيها القرآن مرارا من غير أن يتلى حزب عبد القادر ويؤدون فيها رقصات تشبه التى يؤديها العيسوية Isawis. وتجرى عمليات الختان فى الزاوية فى أول أيام المولد

стр. 7874

كما يعقد اجتماع فى مساء ليلة المولد يسمى الليلة، وفيه يتلى حزب عبد القادر. كانت المرة الأولى التى لعب فيها أبناء الطريقة القادرية دورا سياسيا أثناء الغزو الفرنسى للجزائر، فعندما عرض على محيى الدين زعيم القادرية قيادة الحرب ضد الكفار، أذن لابنه عبد القادر أن يتولاها، ونجح هذا الرجل فى استخدام التنظيم المدينى للطريقة فى تحقيق السيادة التى منحها له الفرنسيون، وعندما هددت هذه السيادة، عاد إلى وضعه الأصلى كمقدم فى الطريقة ليضم المزيد من الاتباع، وبعد سقوط هذا الرجل ونفيه، أعطى ابناء الطريقة القادرية فى أفريقيا تأييدهم للحكومة الفرنسية، ففى عام ١٨٧٩، عندما حدث التمرد المسلح كى أرزو Aures، أظهر سى محمد بن عباس شيخ الطريقة القادرية فى مناعة Menaca ولاءً لاشك فيه، كما ساعدت الطريقة (الحكومة الفرنسية على بسط نفوذها فى الصحراء الكبرى عند وَرجلا Wargia الواد el-wad، ووقف سى محمد بن الطيب نائب الطريقة إلى جانب الفرنسيين فى معركة شاروين Charouin فى ٢ مارس عام ١٩٠١. ويقال أنهم تعاطفوا مع الثوار أثناء الثورة العثمانية عام ١٩٠٨ لكن كان ذلك خوفًا من أن تتفوق عليهم الطريقة الرفاعية المنافسة التى انضمت إليهم فى بغداد فى البرنامج ضد اليهود. المصادر: (١) على بن يوسف الشطا توفى، بهجة الأسرار، القاهرة (مطبعة مايمانيا)، ١٣٠٤؛ الفتح الربانى، القاهرة (مطبعة ذات التحرير Dhat alTahrir)، ١٣٠٢. (٢) صالح بن مهدى: العلم الشامخ فى إيثار الحق على الآباء والمشايخ، القاهرة (مطبعة المنار) ١٣٢٨. (٣) لكنو (Lucknew): كشف [. . . .] (*) المشايخ، ١٨٨١ م؛ خافى خان [. . . .] (*) Khan (٤) منتخب اللباب، فهرس المراجع، ١٨٦٩ - ٧٤؛ بغية المرتاد، القاهرة. (مطبعة كردستان)، ١٣٢٩. حسين أحمد عيسى [د. س. مارجوليوث D.S. Margoliouth]

стр. 7875

موجز دائرة المعارف الإسلامية «القادسية - قزوين» [الجزء السادس والعشرين]

стр. 7876

القادسية إسم عدة أماكن فى العراق والجزيرة، وقد سجل ياقوت فى "المشترك" خمسة مواقع تحمل نفس الإسم، أهمها اثنان يقعان بالقرب من "سامها" و"الكوفة"، ومن العسير معرفة تاريخهما. ١ - تقع بلدة القادسية الأولى فى العراق على الضفة الشرقية مسافة ثمانية أميال جنوب شرقى "سامرا " وفيما يبدو أنها كانت وثيقة الاتصال بها خلال فترة ازدهارها، ولكن لا علم لنا بالدور الذى لعبته القادسية خلال تلك الفترة. ويرى هيرتزفلد Hertzfeld (Reise جـ ١ ص ١٠٧) أنها قد تكون هى بلدة "قاتول" التى شرع هارون الرشيد أو المعتصم فى تشييدها قبل تأسيس "سامرا" لشدة التمالو بينهما. ويذكر ياقوت وجغرافيون عرب آخرون إشغال القادسية الزجاجية. وقد ورد أنها كانت قرية كبيرة لا يعرف عن تاريخها الكثير، ومن المحتمل أنها فقدت أهميتها بعد فترة قصيرة من التخلى عن "سامرا" فى نهاية القرن التاسع الميلادى، حيث لم يذكرها كل من الاسطخرى وابن حوقل أشهر جغرافى القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى. وأشير فى "المقدسى" إلى وجود المبنى المثمن الذى لازال قائما حتى الآن. وخلال القرون الوسطى، حولت قناة "دجيل" الهامة مجرى الدجلة أمام البلدة. وتقع أطلال القادسية عند خط عرض ٣٤ شمالًا بين قناتين لازالتا قائمتين نبعتا من القنوات الثلاث المكونة لدجلة والمسماة "بالقاتول"، وهى على مسيرة قدرها ربع ساعة من شط دجلة. ولازال الاسم القديم يستخدم حتى الآن وينطق "جادسية". وتشكل الأسوار المحيطة بالبلدة والتى تقاس بنحو ستة آلاف خطوة مثمنا تامًا وتوجد فى أركانها أبراج وهى محصنة بستة عشرة معقلًا على مسافات متقاربة، وقد بنيت من أحجار تماثل قصر سامرا فى فنياتها وخططها والتحصينات وترجع هذه الأطلال وفقًا لكافة المعايير إلى العصر العباسى -على حد قول هيرتزفلد. وعلى مسيرة

стр. 7877

عشر دقائق من القادسية على شط النهر، يقع ركام من الأطلال يسمى "الصنم"، وهى دلالة إلى موقع بلدة عتيقة تآكل نصفها بفعل مياه نهر دجلة ومما يثير الانتباه وجود تماثيل فى هذا الموقع (انظر C.L. Rich: Narrative of a Residence in Koordistan، ١٨٣٦, جـ ٢ ص ١٥٢). وفيما يبدو أن الصنم كانت تابعة لمنطقة القادسية وكميناء لها. المصادر: (١) معجم ياقوت (Wustinfeld) (٢) C.Ritter: Erdkunde، جـ ١٠، ص ٢٢٨ - ٢٢٩. (٣) Lynch فى Journal of Roy Geogr. Soc، العدد ١٨ (١٨٤٨) ص ٥. ٢ - القادسية: تقع جنوب غربى الحيرة وأقصى جنوب السهل الذى شيدت عليه الكوفة فيما بعد. وقد اشتهر هذا الموقع باسم المعركة التى حقق فيها المسلمون الانتصار المدوى على جيوش الملك الساسانى يزدجرد الثالث فيما بين عامى ١٤ هـ/ ٦٣٥ و ١٦ هـ/ ٦٣٧ م وكان النصر بالنسبة للمسلمين ذا أهمية قصوى، حيث أنه فتح الطريق إلى "المدائن" الحاضرة الشتوية للساسانيين وجعلتهم فى موقف أتاح لهم تحقيق انتصار آخر عظيم عند "جلولاء" وأخيرًا، وبعد فتح العراق بأكملها تمكنوا من عبور جبال "زاجروس وغزو السهل الإيرانى. ووقعت القادسية فى الجزء الغربى من منطقة السهب المرتفعة عن السواد المسماة "بالطف" وهى تتميز بالينابيع مثال "عذيب" وهى المسافة الانتقالية إلى سهل الصحراء العربية المرتفع وكانت "الطف" أيام الساسانيين محصنة بسلسلة من "المسلمات" وخندق عظيم لحمايتها من غارات القبائل العربية. وكانت "عذيب" آخر قرى الطف قبيل الصحراء، وصارت فيما بعد محطة على طريق بغداد -مكة ولم يكن موقع القادسية معروفًا حتى وقت قريب، وقد جرت ثمة محاولات لاكتشافه من خلال أطلال العصر الإسلامى المبكرة "للأخيضر" (٢٥ ميلًا أقصى جنوب الكوفة (انظر على سبيل المثال لا الحصر) Ritter: Erdkunde

стр. 7878

جـ ١١ ص ٩٥٦ و Travels in Chaldaea Susiahaand لندن ١٥٧ وص ٦٤) ويعد أ. موسل A. Musil أول من اكتشف الموقع الحقيقى للقادسية اثناء رحلته الاستكشافية عام ١٩١٢ م (انظر تقريره فى Anzeiger der Phil.hist. Klder wien Akad der wiss ١٩١٣ جـ ١ ص ١١ (ص ١٢ فى الطبعة الثانية). ويعلق موسل Musil بأن نبع العذيب ينبع فى وادى "مشيزر" Msheyziz على السفح الغربى للوادى وعلى حدود مستنقع "هور". وقد شاهد موسل أطلال القادسية أو دار القاظى (القادسية)، ووفقا للخريطة التى الحقها موسل بمقالته فى الدورية الألمانية fur des Kande Wiener Zeitchrift العدد ٢٩ (٩١٦) ص ٤٦١). فإن الأطلال المذكورة تقع عند خط عرض ٣١ شمالًا خط طول ٤٤ شرقًا جنوج "نجف" مباشرة وعلى مسيرة ١٩ ميلًا من الكوفة. وصف جغرافيو القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى (الاصطخرى وابن حوقل والمقدسى) القادسية بإنها بلدة صغيرة بها بوابتان وقلعة من الطوب النئ وسط مزارع وبساتين من النخيل تروى بواسطة قناة مشتقة من الفرات. وفيما يبدو أن الخليج العربى كان يمتد فى العصور الغابرة إلى منطقة القادسية. ويشير المسعودى أن الفرع الرئيسى للفرات فاض تجاه الحيرة بين القادسية والعذيب، حيث كان قاعه قابلًا للرؤية وكان يسمى النهر العتيق، ويوجد جسر عند القادسية اسم الجسر العتيق أو جسر القادسية. المعركة: خصص الطبرى نحو مائة صفحة وصف فيها معركة القادسية، وما يقرب من مائة أخرى لوصف الأحداث السابقة واللاحقة والتى يجب وضعها فى الحسبان لفهم هذا الحديث العظيم. ومع ذلك يعتمد الجانب الأكبر من هذه الحسابات على روايات سيف بن عمر الذى يتهمه بعض الكتاب المسلمين بالمغالطة. وجدير بالملاحظة أن هذه الروايات تشكل الأساس الذى استقى منه غالبية المؤرخين العرب والفرس ما

стр. 7879

كتبوه عن المعركة لعدم وجود بديل لهذه الروايات والتى رجعنا إليها مع التصحيح كلما أمكن الاعتماد على روايات أخرى. أصابت جيوش المسلمين فى العراق نكسة فى أعقاب هزيمتهم الثقيلة التى لحقت بهم فى معركة الجسر (شعبان أو رمضان ١٣ هـ/ اكتوبر أو نوفمبر ٦٣٤ م) على الرغم من وصول المدد من المدينة، وعلى الرغم من النصر الذى حققوه فى "البويب" (رمضان ١٣ هـ/ نوفمبر ٦٣٤ م) أو (صفر ١٤ هـ/ أبريل ٦٣٥ م) أو (بعد عام من معركة الجسر) ونجاح عدة غارات مثمرة. اعتقد المثنى -الذى كان يخشى أن يدور الأعداء عليهم، حيث كان يزدجرد الثالث يعد نفسه للقيام بهجمة شرسة- أنه من دواعى الحكمة أن ينسحب إلى أطراف الصحراء ليعيد نشر قوات المسلمين فى بقاع بها ماء وأن يحد من غاراته. لجأ المثنى إلى المدينة لطلب المدد ليستعيد مركز الهجوم من جديد. ففرض الخليفة عمر بن الخطاب تجنيدًا عامًا على البدو (ذو الحجة ١٣ هـ/ فبراير ٦٣٥ م) أو (ذو الحجة ١٤ هـ/ يناير - فبراير ٦٣٦ م) وحشد جيشًا عند "صرار" بالقرب من المدينة (محرم ١٤ هـ/ مارس ٦٣٥ م) أو (محرم ١٥ هـ/ فبراير - مارس ٦٣٦ م) تحت قيادة سعد بن أبى وقاص ليتجه به إلى العراق. وانضمت فرق عسكرية أخرى أرسلها الخليفة عمر بن الخطاب عند وصول سعد بن أبى وقاص وقواته "زرود" بنجد (الثعلبية قرب زرود). وعند مطلع الشتاء، توقفت عن المسير لتنادى بالجهاد للقبائل المحيطة، ثم تحرك إلى "شراف" عند الحد الغربى لسهل العرب قرب "الأحساء" حيث حصل على حاجته من الماء من العيون المائية، وعسكر فى انتظار عدة آلاف من البدو للانضمام إليه (واشتملت جيوش المسلمين على بعض الفرق المسيحية) وقسم رجاله إلى مجموعات أخذت القيادة فيها شكلًا هرميًا، وأرسل سعدٌ المغيرة بن شعبة ليحتل عدة مواقع لتأمين قواته ضد أى هجوم محتمل.

стр. 7880

التقى سعد بالمثنى عند شراف ولكن الأخير توفى خلال الشتاء متأثرًا بجراحه من معركة الجسر. وأخيرًا، تقدم سعد إلى العُذَيْب الهجانات تاركًا النساء اللاتى تبعن الحملة، وعسكر عند سهل القادسية، وبعد شهر من انتظار العدو، قام بالاستيلاء على "رديس" لتأمين خطوط المؤن. وعلى الجانب الآخر، أعد يزدجرد جيشًا غرارًا وأجبر قائده رستم بالتقدم دون أن يبالى بنفور الأخير من مواجهة العرب عند موقع اعتبره غير مناسب. وعسكر الفرس، فى رُس يفصلهم عن المسلمين قناة تسمى "عتيق" ولم يلجأ الطرفان إلى القتال مباشرة، بل لجئا إلى تفاوض غير مثمر. وخلال شهر محرم، جنى رستم معبرًا من القصب والتراب والقش على القناة ليمكن جيوشه من تخطيها. وفى اليوم التالى اندلع القتال وكان أحد أيام الاثنين من شهر محرم ١٥ هـ/ ٦٣٦ م أو ١٦ هـ/ ٦٣٧ م كانت القناة تظاهر الفرس بينما كان المسلمون يظاهرهم خندق مائى لحصن يسمى "القديس". وكان سعد المصاب بحبون على فخذه يصدر أوامره وتوجيهاته إلى قائده خالد بن عرطفة من فوق الحصن وهو مستلق لعجزه عن ركوب الخيل أو حتى الوقوف فى وضع مستقيم، ووفقًا لما أورده "سيف بن عمر" فقد استغرقت المعركة ثلاثة أيام وليلة واحدة حيث بدأ الفرس فى الانسحاب، وفى اليوم الرابع كانت هذه القوات قد انهزمت هزيمة منكرة، وسقط رستم فى ميدان المعركة صريعًا على يد أحد المقاتلين العرب غير المعروفين. وقد أطلقت أسماء على أيام المعركة والليلة الثالثة والرابعة فعرف إليوم الأول بيوم أرماث (يرجع فيما يبدو إلى المعبر الذى صنعه الفرس على القناة)، واليوم الثانى بيوم الأغواث (ويرجع فيما يبدو إلى المدد الآتى من سوريا) واليوم الثالث بيوم عماس ليلة الهرير. ليلة القادسية ويوم القادسية (ربما لأن الساعات فى تلك الليلة كانت حاسمة وقد عبرت عنها الأحداث فى اليوم التالى). وقد ذكر "كاتيانى" Caetani فى حولياته ملخصًا تفصيليًا للطبرى. ومن
следующие страницы →