← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.

стр. 7911

٩١٠ هـ/ ٢٤ ديسمبر ١٥٠١ م بتهمة التآمر لاغتصاب الحكم ولكى ينادى به سلطانًا فى الشام بالتحالف مع نائب حلب المتمرد سيباى. ومن ثم اعتمد الغورى كلية على اثنين من وزرائه لم يكن يتوقع خطرًا منهما عليه وهما الزينى بركات بن موسى وكان ابنا لرجل عربى وعيّنه محتسبًا للقاهرة (شعبان ٩١٠ هـ/ يناير - فبراير ١٥٠٥ م) وصار كبير موظفى المالية فى البلاد، وقد استمر فى هذا المنصب حتى بعد الفتح العثمانى على مصر. وفى الرابع من جمادى الآخرة ٩١٣ هـ/ ١١ أكتوبر ١٥٠٧ م، عين الغورى ابن شقيقة طومان باى دوادارًا كبيرا، ولقد كان ولاء الصفوة المختارة من المماليك موضع شك على الدوام لذلك فكثيرًا ما طالب الغورى الأمراء تأكيد تأييدهم بالقسم على مصحف عثمان، بل إن مماليكه الخاصة المعروفين بالحلبان لم يكونوا موضع ثقة فى نصر وثاروا ضده فى شوال ٩٢١ هـ/ ديسمبر ١٥١٥ م، على الرغم من أن الحرب ضد العثمانيين فى ذلك الوقت باتت وشيكة. واجه الغورى متاعب مالية هائلة نتيجة التدهور الاقتصادى والإدارى المتراكم لفترة طويلة، وزاد الطين بلة تفاقم الكوارث الطبيعية مثل إنتشار وباء الطاعون فى ٩١٠ هـ/ ١٥٠٥ م و ٩١٩ هـ/ ١٥١٣ م ونمو القوة البحرية الأوربية فى البحرين المتوسط والأحمر وفى المحيط الهندى. وتأخر صرف رواتب الجند؛ ومعالجة هذا بفرض ضرائب باهظة استثنائية على هذه المرتبات. كما كان الابتزاز والاغتصاب أحد الوسائل المتبعة ضد العمال المغضوب عليهم أو بعد موت الأغنياء لسد ما تقاسيه خزينة الدولة من عجز، وتزايدت متاعب دولة المماليك المالية بسبب مجهودات الغورى فى تقوية جنده وتسليحهم حتى يكونوا قادرين على مواجهة التهديد الخارجى المتزايد من البرتغاليين والشاه إسماعيل الصفوى والسلطان سليم الأول. وأعدَّ الغورى عام

стр. 7912

٩١٦ هـ/ ١٥١١ م وحدة مسلحة بالبنادق اليدوية. وقد قام الغورى بتكوين ما عرف بالطبقة الخامسة من عناصر غير متجانسة من التركمان والفرس وأولاد الناس والحرفيين المحليين، ولكن كانت هذه الطبقة الخامسة سببًا فى توتر العلاقة بين الغورى وجلبانه، ثم قام الغورى بجهد عنيف فعال لبناء ترسانة مدفعية. فأنشأ مسابك المدافع، وجرت عادته منذ عام ٩١٣ هـ/ ١٥٠٧ م فصاعدا على حضور اختبارات القطع الجديدة. كان سيباى نائبًا على دمشق معظم فترة حكم الغورى. خلال فترة ولايته لحلب، تمرد وخرج على الغورى فى ٩١٠ هـ/ ١٥٠٤ م - ١٥٠٥ م. ولكنه فى نهاية الأمر عقد السلام مع الغورى. والذى ولاه نيابة دمشق يوم السابع عشر من شوال ٩١١ هـ/ ١٣ مارس ١٥٠٦ م، فظل بها حتى لقى مصرعه فى مرج دابق. . وإذا نحينا جانبًا ما قام به الغورى من حملات لتأديب البدو المحليين فإنه قام إلى جانب عملياته العسكرية هذه ضد البدو؛ بحملات ضد محمد بن الحنش "مقدم البقاع" القوى فى محرم ٩١٢ هـ/ يونية ١٥٠٦ م، وقبيلة بنى لام فى منطقة الكرك والشوبك فى صفر ٩١٤ هـ/ يونية ١٥٠٨ م وابن سعيد شيخ حوران فى ربيع الآخر ٩١٦ هـ/ يوليو ١٥١٠ م، وكان كل من قبيلة بنى لام وابن سعيد يقطع الاتصالات بالحجاز، فلما كانت سنة ٩١٧ - ٩١٨ هـ (= ١٥١١ - ١٥١٢ م) أقام الغورى مع كل من هذين علاقات ودية. وسعى الغورى لضمان استمرار ولاء سيباى له فزوج ولده من بنت سيباى سنة ٩٢٠ هـ/ ١٥١٤ م، وذلك لمواجهة نمو قوة الصفويين والعثمانيين على الحدود الشامية. اندلعت ثورة ضد الشريف بركات أمير مكة عام ٩٠٧ هـ/ ١٥٠٧ م وتم إخمادها عام ٩١٣ هـ/ ١٥٠٧ م ثم ظهر خطر جديد ينذر بالشر تمثَّل فى البرتغاليين الذين سعوا لتأسيس قاعدة لهم على ساحل المحيط الهندى وطرد الأسطول الإسلامى من البحر الأحمر. وفى جمادى الآخرة ٩١١ هـ/ نوفمبر

стр. 7913

١٥٠٥ م، أُرسلت قوة حربية حملة لمساندة محمود شاه حاكم جوجران ضد البرتغاليين وكانت هذه القوة مؤلفة من الخاصكية وأولاد الناس ورماة من الزنوج ومعهم التركمان تحت قيادة الأمير حسين مشرف الكردى، الذى قام بتحصين "جدة" من هجوم قد يقوم به البرتغاليون. وانتصر الأمير حسين الكردى بمساعدة أسطول جوجرات على البرتغاليين فى "تشول" فى رمضان ٩١٣ هـ/ يناير ١٥٠٨، إلا أنه ما لبث أن انهزم أمامهم بالقرب من "ديو" فى شوال ٩١٤ هـ/ فبراير ١٥٠٩ م، واضطر للانسحاب من المحيط الهندى. وكان الغورى فى هذا الوقت ذاته يجاهد لبناء سفن حربية فى خليج السويس. واضطر للحصول على المواد اللازمة من العثمانيين لتحقيق غرضه حيث وصلت إلى بولاق هدية خشب من بايزيد الثانى كانت عبارة عن ألواح معدنية (لبناء السفن) وبودرة (للمدافع) وقد وصلت فى شوال ٩١٦ هـ/ يناير ١٥١١ م. وعندما هاجم البرتغاليون عدن فى محرم ٩١٩ هـ/ مارس - أبريل ١٥١٣ م عين الغورى حسين مشرف نائبًا على جدة، بينما أصدر أوامره إلى قوة من الطبقة الخامسة والمماليك الخاصة بالتوجه إلى السويس لحماية الأسطول الذى كان العمل فيه قائما على قدم وساق هناك، وبعد فترة طويلة من الإرجاءات، غادرت الطبقة الخامسة القاهرة فى رجب ٩٢١ هـ/ أغسطس ١٥١٥ م. نفس لحظة وصول نحو ألفى بحار عثمانى تحت قيادة "سلمان (ريس) رئيس" إلى السويس. ثم أرسلت حملة بقيادة سلمان رئيس وحسين مشرف أرست الحكم العثمانى فى اليمن متزامنة مع سقوط دولة المماليك. لقد هدّد ارتياح شأو الصفويين سيطرة المماليك على شمال بلاد الشام، ووقعت أزمة فى خريف ٩١٣ هـ/ ١٥٠٧ م عندما هاجم الصفويون ولاية ذو القادر، التى كانت فى ذلك الوقت تابعة للسلطنة المملوكية ويحكمها علاء الدولة نائبا عن السلطان المملوكى، وكانت هذه الولاية ذات أهمية

стр. 7914

استراتيجية عظمى، وحينذاك أعد سيباى حملة من دمشق ولكن هذه الأعمال العدائية تم تجنبها. وفيما بعد، ومن ثم استمرت العلاقات بين الطرفين سلمية لبضع سنين، على أن اعتلاء سليم الأول عرش السلطنة العثمانية، بدّل الوضع تبديلا سيئًا. وقد حاول الغورى الاستفادة من تفاقم الأزمة بين سليم والشاه إسماعيل الصفوى، إلا أن الغورى وأمراءه أحسوا بالخطر بعد انتصار العثمانيين على الصفويين فى "تشالدران" (٢ رجب ٩٢٠ هـ/ ٢٣ أغسطس ١٥١٤ م) كما أن عداء سليم الأول لعلاء الدولة نائب "دلغادر" لرفضه معاونة العثمانيين كانت تهديدًا مباشرًا لمصالح المماليك، فقد انتصر العثمانيون على علاء الدولة وقتلوه فى ربيع الآخر ٩٢١ هـ/ يونية ١٥١٥ م. وتبلبل خاطر الأمراء بالقاهرة لدخول إمارة ذى القادر فى حوزة الأتراك بالذعر، بينما لام سيباى نائب حلب وخاير بك (الذى كان على اتصال بسليم الأول) الغورى لتأخره فى إرسال التعزيزات، وعلى الرغم من خطورة الوضع المالى فى مصر وضعف روح جيوشها المعنوية إلا أن الغورى أعد حملة خرج بنفسه على رأسها بعد أن أقام يوم ١٥ ربيع الآخر ٩٢٢ هـ/ ١٨ مايو وغادر القاهرة ١٥١٦ م، تاركًا طومان باى ليكون نائب الغايبة إلا أن مقاليد الأمور العقلية ظلت فى يد زمن الدين ركان. وفى العاشر من جمادى الآخرة ٩٢٢ هـ/ يوليو ١٥١٦ م، وصل الغورى إلى حلب حيث وفد إليه سفراء سليم حاملين إليه رسالة يسترضيه فيها فبعث إليه الغورى من جانبه هو الآخر بمقترحاته لاستتباب السلام بينهما. إلا أن السلطان سليم الأول الذى كان يعتزم إرسال حملة أخرى لمقاتلة الصفويين رأى أن يتخلص أولًا من الخطر الذى يواجه قواته وأصبح الصراع أمرًا محسوسا فكانت معركة مرج دابق فى شمال حلب يوم ٢٥ رجب ٩٢٢ هـ/ ٢٤ أغسطس ١٥١٦ م. معركة مصيرية حاسمة فقد فر جناح المماليك الأيسر الذى كان بقيادة خاير بك الذى كان فيما يبدو يتعاون سرًا مع العثمانيين) وقد أسفر هذا القرار عن

стр. 7915

انهيار الموقف المملوكى انهيارا تاما فسقط، الغورى من فوق فرسه ومات متأثرا بالسكتة، ولم يعثر قط على جسده. المصادر: (١) ابن اياس: بدائع الزهور فى وقائع الدهور تحقيق كاله، ومحمد مصطفى ليبزج، استانبول ١٩٣١ م. (٢) أحمد النهروالى: البرق اليمانى فى الفتح العثمانى، فى غزوات الجراكسة والأتراك فى جنوب الجزيرة، الرياض ١٣٨٧ هـ/ ١٩٦٧ م. ١٦ - ٢٧. (٣) D. Ayaloh: Gunpowder and fire arws in the Mamluk Kingdein لندن ١٩٥٦. (٤) R.B. Serjeant: The Portuguese off the south Arabiah coast أوكسفورد ١٩٦٣. وائل البشير [هولت P. M. Holt] القاهر باللَّه أبو منصور محمد بن المعتضد، خليفة عباسى. نودى به خليفة باسم القاهر بينما كان أخوه المقتدر ما زال يحكم، لكنه خلع خلال بضعة أيام. وعاد منصب الخلافة للمقتدر مرة أخرى. وبعد موت المقتدر اقترح أمير الأمراء مؤنس تولية أحمد بن المقتدر الذى صار الخليفة الراضى فيما بعد، كخلف له بدلًا من القاهر، ولكن نودى بالقاهر أميرًا للمؤمنين، وهو فى الخامسة والثلاثين من عمره (آخر شهر شوال سنة ٣٢٠ هـ = أول نوفمبر ٩٣٢ م). ومع أنه أراد أن يكون ورعًا عادلًا، إلا أن طبيعته الغادرة المستبدة سرعان ما كشفت عن نفسها. ففى عهده أجبرت أم المقتدر على تسليم كل ثروتها بالتعذيب، كما ابتز القاهر أموالًا طائلة من أبناء وعمال الخليفة الراحل. وبمشورة الوزير ابن مقلة فرض مؤنس رقابة مشددة على الخليفة الأمر الذى لم يسر القاهر، وحين عقد العزم على طرد ابن مقلة تآمر هذا مع جماعة أخرى على خلع القاهر، وإقامة أبو أحمد بن المكتفى مكانه، ولكن هذه المؤامرة فضح أمرها. وبينما فَرَّ ابن مقلة هاربًا، طرد مؤنس

стр. 7916

وحين جاء إلى الخليفة قبض عليه، ثم أعدم بعدئذ. وقد بنى جدار فوق أبى أحمد بن المكتفى، وهو حى. لكن محاولات ابن مقلة فى إثارة الجماهير ضد القاهر، لم تتوقف، وفى جمادى الأولى سنة ٣٢٢ هـ (إبريل ٩٣٤ م) اجتاحت قصر الخليفة قوة مسلحة. وكان على الخليفة الذى لا يفيق من السكر أن يستسلم، ولكنه حين أبى التنازل عن الخلافة سملوه، وألقوه فى الحبس. وبعد إحدى عشرة سنة أعاد المستكفى له حريته، وعاش يطلب الصدقة من الناس حتى مماته فى جمادى الأولى سنة ٣٣٩ هـ (أكتوبر ٩٥٠ م). المصادر: (١) المسعودى: مروج الذهب، طبعة Barbier de Meynard and Pavet de Courteil، جـ ٨، ص ٢٨٦ والصفحات التى بعدها، جـ ٩، ص ٤٨، ٥٢ (٢) إرشاد الأريب (طبعة ده غويه)، ص ١٤٢ - ١٤٤، ص ١٨٠ - ١٨٦ (٣) ابن الأثير: (طبعة تورنبرغ)، جـ ٨ فى مواضع مختلفة (٤) ابن الطقطقى: الفخرى (طبعة درنبورغ)، ص ٣٧٤ - ٣٧٦ (٥) ابن خلدون: العبر، جـ ٣، ص ٣٩١ والصفحات التى بعدها (٦) Weil: Gesch. der Chalifien, جـ ٢، ص ٥٦٢ - ٥٦٤، ٦٤٢ والصفحات التى بعدها (٧) Muir: The caliphate, its Rise Decline and Fall الطبقة الثالثة ص ٥٦٩ والصفحات التى بعدها. حسن شكرى [تسترشتين K.V. Zettersteen] القاهر باللَّه القاهر باللَّه هو الخليفة التاسع عشر من بنى العباس لم تطل مدة حكمه أكثر من سنتين بدأت عام ٣٢٠ هـ خلفًا لأخيه المقتدر، وكان قد اختير من قبل خليفه إثر ثورة القصر فى المحرم سنة ٣١٧ هـ (مارس ٩٢٩ م) وقد مات المقتدر بعد حملته التى خرج فيها على رأس جنده ضد الأمير مؤنس سنة ٣٢٠ هـ (٩٣٢ م) فلما اجتمع كبار رجال الدولة لتعيين خليفه جديد

стр. 7917

تجاهلوا تأييد مؤنس لأحمد بن المقتدر ونودى بمحمد بن المعتضد خليفة له وكان ذلك يوم ٢٧ شوال ٣٢٠ هـ (٢١ أكتوبر ٩٣٢ م) ولقد كان لشخصية الخليفة الجديد الشديدة المراس والمحبة لأخذ الثأر أثر فعال على الموقف السياسى البالغ الاضطراب يوم ذاك، ولقد أثبت القاهر شدة بطشه منذ اللحظة الأولى من حكمه من خلال سلوكه المشين حيال أمه بمصادرته أملاكها، بعد أن عاملها أسوء معاملة ومن خلال سياسته مع أبناء الخليفة وكبار موظفيه، فقد أخذ مقاليد أمور الحكومة كل من الوزير ابن مقله والأمير مؤنس رغم المصاعب الخطيرة التى صادفها متمثلة فى معارضة أنصار المقتدر السابقين وظهور أزمة مالية، وقد حاول الخليفة نفسه تدعيم سلطته فنجح فى إحباط مشاريع الحاجب بن يلبق وإلقاء القبض على مؤنس، أما الوزير ابن مقله فقد نجح فى الفرار (شعبان ٣٢١ هـ = يوليو ٩٣٣ م) على حين أيد الوزير الجديد (وهو محمد بن القاسم بن عبد اللَّه) السياسة العدائية ضد الشيعة التى انتهجها الخليفة الذى أمّر أمر عبيد اللَّه بقتل كل من ابن يلبق ومؤنس معلنا نفسه المنتقم كل من ابن يلبق ومؤنس معلنا هذه العبارة على العملة التى سكها، على أن القاهر أمر بالتخلص من وزيره أحمد الخصيبى الذى سرعان ما غرق فى لجة من الصعاب المالية التى لا يمكن التغلب عليها. كما قام فى الوقت ذاته الوزير السالف ابن مقلة بالتآمر ضد الخليفة وعمل على إثارة الحرس الساجى، الذين قاموا بالثورة يوم السادس من جمادى الأولى سنة ٣٢٢ هـ (٢٤ أبريل ٩٣٤ م) فألقوا القبض على الخليفة وزجوا به فى السجن، وحينذاك نودى بإن المقتدر خليفة ونعت بالراضى ولكن القاهر رفض التخلى عن العرش رغم الضغوط التى مورست عليه، وإذ ذاك سُملِتَ عيناه على يد الحرس الساجى بمساعدة من الراضى، وبقى القاهر رهين محبسه إحدى عشرة سنة أفرج عنه الخليفة التالى المتكفى ومات فى جمادى الأولى. د. محمد حمزة [د. سورديل D. Sourdel]

стр. 7918

القاهرة عاصمة مصر وأحد المراكز الرئيسية للحياة الدينية والثقافية والسياسية فى العالم الإسلامى. شيدت على ضفتى النيل (على خط طول ٣٠.٦ و ٣١.٢٦ عرضًا) فى الموقع الذى يمتد جبل المقطم فيه حتى يبلغ النهر. وقد كان هذا الموقع الاستراتيجى الذى يشرف على مدخل مصر السفلى مأهولًا بالسكان منذ العصر القديم، ولكنه لم يكتسب أهميته العظمى إلا منذ الفتح العربى فى عام ٢٢ هـ (٦٤٣ م) عندما ضرب عمرو بن العاص معسكره فيما عرف بالفسطاط. أما الاسم الحالى فهو القاهرة وهى مدينة قديمة شيدها عام ٣٥٩ هـ/ ٩٧٠ م الخليفة الفاطمى المعز لدين اللَّه والتى ضمت على امتداد القرون المواقع المتاخمة لها. وتوجد اليوم بقايا الفسطاط فى أحد أحياء القاهرة الكبرى المعروف بمصر العتيقة. وقد أسفر الامتداد الهائل للقاهرة الحديثة عن مشاكل تتعلق بتاريخ آثارها، ذلك أن القاهرة على العكس من غالبية مدن الشرق الأدنى تم توسعها بطريقة أفقية. ويقع سور القاهرة الأول إلى الشمال من تجمع الفسطاط والعسكر والقطائع واعتبرت المدينة التى يدور عليها السور فى الأساس مركزًا حكوميًا معزولًا عن المناطق السكنية ويتكون من عدة منشآت تشتمل على قصر الخليفة وثكنات للجيش الفاطمى ومسجد جامع عرف بالأزهر، واحتفظت مدينة الفسطاط (قصر الشمع/ بابليون) لفترة غير قصيرة بأهميتها كمركز صناعى مع المنشآت الضرورية لوضعها كميناء على النيل ولقيام القسم الأغلب من المساكن بها. غير أن الانحسار المتنامى لمجرى النيل تجاه الغرب وقوة جذب القاهرة كمركز للحكومة ساعد على هجرة السكان المستمرة تجاه الشمال بحيث إن السور اللبن شيده جوهر (٣٥٨ هـ/ ٩٦٩ م) استدعى إدخال توسعين عليه، الأول هو الذى قام به بدر الجمالى (٤٨٠ - ٤٨٥ هـ/ ١٠٨٧ - ١٠٩٢ م) والثانى فى الفترة بين سنتى ٥٧٢ - ٥٨٩ هـ/ ١١٧٦ - ١٩٢) وهو الذى تم على يد

стр. 7919

بهاء الدين قراقوش فى زمن صلاح الدين. على أن الزيادة فى الاتساع التى تمت فى القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى والتى كانت ناجمة عن الخوف من هجوم أتْسِز السلجوقى تعتبر أقل أهمية من التوسع التالى الذى ضم مساحات واسعة مما يقع بين أسوار جوهر والنيل ولم يبق منها الآن سوى أسماء بعض أحياء القاهرة الحديثة مثل باب اللوق وباب الحديد وباب الخلق (الغرق) إلخ. . وقد أفرغت الحركة السكانية تجاه الشمال أقسامًا عريضة من الفسطاط كانت قد تعرضت للخراب الذى ألمّ بها قرابة منتصف القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى ثم ضمت جزئيًا فى ٥٧٢ هـ/ ١١٧٦ م إلى المناطق المعمورة بواسطة سور لم يتم إنجازه حتى وفاة صلاح الدين. وبداية من العصر الفاطمى أخذت مناطق القاهرة الواقعة جنوب جامع ابن طولون تتصل تدريجيًا بالقرافة الكبرى. أما قلعة الجبل، التى تعد أول امتداد كبير خارج السور الفاطمى، فقد بدأ صلاح الدين فى بنائها عام ٥٧٢ هـ/ ١١٧٦ م ولم يكن هدفه تقوية المدينة ولكن اتخاذها مكانا يلتجأ إليه. وكانت قلعة الجبل تتزود بمياه النيل عن طريق قناطر ترجع فى حالتها الراهنة إلى زمن سلطنة الناصر محمد بن قلاوون، الذى قام فى عام ٧١٢ هـ/ ١٢١٣ م ببناء أربع سواقٍ على النيل بغرض رفع المياه إلى مستوى القناطر التى تمدّ القلعة بالمياه، وفى عام ٧٤١ هـ/ ١٣٤١ م أدمج فيها بقايا سور صلاح الدين الذى صُمِّمَ ليضم "خرائب" الفسطاط، وقد تم ترميم وتمديد هذه القناطر مرات متكررة فى القرن التاسع الهجرى/ الخامس عشر الميلادى وعلى الأخص فى فترة سلطنة قايتباى وقانصوه الغورى، والتى يرجع إليها على الأرجح خزان توزيع المياه المعروف بـ (السبع سواقى) الموجود على النيل. وهناك قلعة أخرى ضاعت كل معالمها اليوم، وكانت قد هدمت ثم أعيد بناؤها أكثر من مرة خلال عصر المماليك وهى المعروفة بقلعة الروضة

стр. 7920

التى شيدها الملك الصالح نجم الدين أيوب، ولكن هذه الجزيرة كانت مثل الجيزة منطقة سكنية ولذلك لا يوجد بها سوى آثار قليلة جد، ليس لها أهمية إلا من الناحية المعمارية. وخلال فترة حكم المماليك البحرية استمر الامتداد على الأخص خارج الأسوار الفاطمية، ولم يشيد داخل هذه الأسوار سوى مبان جنائزية وملكية وأحاط الناصر محمد بن قلاوون المنحدرات الجنوبية الغربية للقلعة والتى لم يتم تحصينها فى عهد الأيوبيين -بأسوار استخدمت على وجه الخصوص كموقع لقصور السلطان وأماكن لسكن كبار الأمراء. كما ترجع إلى هذه الفترة الشوارع الرئيسية الكبرى فى العصر المملوكى مثل الدرب الأحمر الذى يؤدى من القلعة إلى باب زويلة، والصليبة الذى يربط القلعة بجامع ابن طولون، وشارع الخليج الذى كان فى الأصل قناة ولكنه صار الآن شارعًا يعرف بشارع بورسعيد. ولكن امتداد القاهرة تجاه شمال الأسوار لم يكن بنفس القدر، والأثران الوحيدان الهامان حاليا هما: جامع الظاهر بيبرس فى ميدان الظاهر وقد بنى فى موقع أحد ميادين "القَبَق"، والقبة الفداوية التى يُرجع كريزويل تاريخ بنائها إلى عام ٨٨٤ - ٨٨٦ هـ/ (١٤٧٩ - ١٤٨١ م) واتسم امتداد القاهرة فى زمن العثمانيين بسمة مخالفة لما سبق. إذ أخذ يتجه إلى الناحية الغربية من أسوار القاهرة لاسيما فى منطقة بولاق التى أضحت الميناء الرئيسى للمدينة، ولا يوجد بهذا الحى سوى بناءين شُيِّدا قبل العصر العثمانى هما مسجد القاضى يحيى (٨٥٢ هـ/ ١٤٤٨ م) ومسجد أبى العلا الذى بنى نحو سنة ٨٩٠ هـ/ ١٤٨٥ م. أما منشآت العصر العثمانى بالقاهرة فمتعددة حيث نجد بها جامع سنان باشا ٩٧٩ هـ/ ١٥٧١ م وعددًا كبيرًا من المنشآت التى ترجع إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر، كما نجد العديد من الخانات والوكالات التى دون ما سبق أهمية ولكنا نصادف منازل من الخشب على طراز منازل

стр. 7921

استانبول، وهذا الحى الذى لم يدرس إلا دراسة سطحية يستحق دراسة أكثر عمقًا. وتستمر سياسة تغيير اتجاه العمران التى بدأها العثمانيون بتنمية الأحياء السكنية فى الجيزة وإمبابة على الشاطئ الأيسر للنيل، وفى شبرا حيث أدى تشييد محمد على سنة ١٨٥٠ م. لأحد قصوره إلى تكوين ضاحية سكنية، وإلى العباسية وأخيرا إلى جاردن سيتى ومصر الجديدة. ويكشف تاريخ تعمير القاهرة عن حركة متجددة تجاه شمال الفسطاط إلى القطائع. وظلت المدينة، وعلى الأخص التى أحاطها سور صلاح الدين، المركز الهام الذى هيأها لأن تكون مقرًا لدور الحكومة وأصبحت أيضًا منذ القرن التاسع عشر مركز التجارة بفضل التخطيط العمرانى الأوربى الذى فرض على حى الأزبكية. غير أن المقابر التى تحيط حاليا بالمدينة والتى تعد فى نظر الزائر الطابع العمرانى اللافت للنظر للقاهرة، لم تتبع نفس التطور. المقابر: استخدمت القرافة الكبرى، وهى المكان الرئيسى للدفن منذ الفتح العربى استخداما تاما خلال العصر الفاطمى، وأصبحت مركز زيارة هامة لأهل السنة بفضل إنشاء الأيوبيين لمدرسة بالقرب من ضريح الإمام الشافعى (الضريح الحالى أقامه الملك الكامل محمد سنة ٦٠٨ هـ/ ١٢١١ م). وإلى الجنوب من هذه القرافة تطالعنا مجموعة من المشاهد الفاطمية أهمها مشهد يحيى الشبيهى الذى شيد نحو سنة ٥٤٥ هـ/ ١٥١١ م) ثم مشهد الإمام الليث الذى أعاد بناءه السلطان الغورى سنة ٩١١ هـ/ ١٥٠٥ م وتناولته يد الترميم فى سنة ١٢٠١ هـ/ ١٧٨٦ م، ثم خانقاه وضريح شاهين الخلواتى (٩٤٥ هـ/ ١٥٣٨ م) وقبة سيدى عقبة التى أعاد بناءها محمد باشا السلحدار فى سنة ١٠٦٦ هـ/ ١٦٥٥ م ورممت فى سنة ١٠٩٩ هـ/ ١٦٨٨ م والتى تعرف باسم السادة الوفائية. غير أن بقايا آثار العصر المملوكى هى الأكثر وضوحا اليوم، ولكن الدراسة التفصيلية تتيح لنا دون شك تحديد

стр. 7922

مواقع عدد كبير من الآثار الجنائزية التى ذكرها المقريزى وآخرون. ويوجد خلف ضريح الإمام الشافعى مقابر الأسرة المالكة السابقة ويعرف هذا الموضع باسم حوش الباشا. ويحتوى الجزء الشمالى من هذه القرافة على مجموعة كبيرة هامة من المشاهد الفاطمية من بينها مشهد السيدة نفيسة (الذى لم يبق من نقوشه سوى ما يرجع إلى عصر الخليفة الحافظ)، ومشهد السيدة رقية (٥٢٧ هـ/ ١١٣٣ م) ومشهد السيدة عاتكة (نحو سنة ١١٢٥ هـ/ ١٧١٣ م). التاريخ العصر الفاطمى القصر: لقد ضاع اليوم كل أثر للقصر الفاطمى الذى كان المركز السياسى والدينى والإدارى للقاهرة منذ القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى). وقد حاول رافيس Ravaisse أن يعيد تشكيله من خلال وصف المقريزى فنجح فى ذلك إلى حد كبير، ومن المؤكد أنه كان يتكون من عدد من المبانى المنفصلة، بكل منها قاعة مستطيلة ذات إيوانين وجزء متوسط منخفض ويكون فى العادة مُربع الشكل ويسمى "درقاعة" وبه ملحقات. وقد كشف عن بقايا إحدى هذه القاعات، وهى الدار القطبية، فى خلال حفائر تمت فى صحن مدرسة قلاوون. ويبدو أن القاعة كانت كذلك عنصرًا من عناصر العمارة المنزلية للقاهرة الفاطمية كما تشهد على ذلك "قاعة الدردير" التى تتكون على غير المألوف من "أواوين" مقببة بدلا من السقف المسطح الأكثر انتشارا. التحصينات: كانت الأسوار المبنية من اللبن التى شيدها جوهر قد تلاشت تماما فى عصر المقريزى ولم يكن ذلك بسبب ضعف المواد ولكن بسبب كثافة سكان القاهرة. وعلى الرغم من كل المحاولات التى قامت لإقصاء الأجانب عن حرمها (يوجد مصلى. أو مسجد من الطوب اللَّبِن غير مسجل، فى القرافة الكبرى بالقرب من قاعة السادات الوفائية يكاد يكون من المؤكد أنه يرجع إلى العصر

стр. 7923

الفاطمى) ومن ثم فإن التحصينات الفاطمية للقاهرة ترجع إلى زمن الخليفة المستنصر باللَّه وأيضا إلى العصر السابق للترميمات الهامة التى قام بها صلاح الدين فى أقسام مختلفة. أما الأجزاء الرئيسية الباقية من السور الشمالى، والتى أدمج فيها الحائط والمدخل الشمالى لجامع الحاكم، فهى باب الفتوح وباب النصر (٨٤٠ هـ/ ١٠٨٧ م) كما يوجد فى السور الشرقى باب البرقية الذى يرجع لنفس التاريخ وإلى الجنوب باب زويلة ٤٨٤ هـ/ ١٠٩١ م. المساجد: أقدم مساجد القاهرة هو الجامع الأزهر الذى يقع جنوب القصر الفاطمى ويرجع تاريخ بنائه إلى سنة ٣٥٩ - ٣٦١ هـ/ ٩٧٠ - ٩٧٢ م، وقد شيد على طراز قريب كل القرب من طراز جامع ابن طولون، وهو يتألف من صحن تحيط به أروقة تتعدد بوائكها تجاه القبلة. ولم يبق من الجامع الأصلى سوى قسم صغير. ولم يؤسس الجامع فى الأصل ليكون معهدا للتعليم، ولكن بعد الانتهاء من إنشائه بأكثر من عام أصبح مركزا لبث الدعوة الفاطمية. ولا شك أن هذا التغيير فى التوجه، بالإضافة إلى تزايد السكان داخل حدود القاهرة هو الذى يُفَسِّر سبب إنشاء جامع الحاكم بعد ذلك والذى شيده سنة ٣٨٠ - ٣٨١ هـ/ ٩٩٠ - ٩٩١ م العزيز باللَّه وأتمه الحاكم بأمر اللَّه فى عام ٤٠٣ هـ/ ١٠١٢ م خارج أسوار جوهر الشمالية. وقد استنتج كريزويل أن أجزاء الواجهة الجصية لأروقة القبلة فى الأزهر والتى ليست من إضافات القرن التاسع عشر يمكن أن تعود إلى البناء الأصلى للجامع، ولكن واجهات الصحن والجَوْسَق ذى القبة فى مدخل التقاطع المرتفع فى محور المحراب لا يمكن أن تعود إلى ما قبل عهد الحافظ لدين اللَّه (٥٢٦ - ٥٣٤ هـ/ ١١٣١ - ١١٣٩ م) وبالنسبة للفترة الأيوبية لا نملك سوى شهادة على باشا مبارك الذى يذكر أن الجامع لم يلق أية عناية، وأن الملك الكامل اقتصر على إنشاء "قبلة صغيرة من خشب عليها كتابة" تدل على أنها صُنعت سنة سبع وعشرين وستمائة هجرية بقُرْب رواق الشرقاوية.

стр. 7924

وباستثناء هذه الفترة والتى يحوم حولها بعض الشك فإن الأزهر كان موضع إعادة تنظيم وترميم وإضافات من جانب أغلب كبار حكام القاهرة منذ الحافظ حتى قايتباى الذى أضاف إليه محرابًا ومئذنة (لا نعرف تاريخهما) وكذلك بوابة، كما أضاف إليه الغورى مئذنة ثانية لا نعرف تاريخها هى أيضًا. وعندما أضاف قايتباى بوابة المزينين (٨٣٣ هـ - ١٤٢٩ م) أصبحت الدرستان الطيبرسية والأقبغاوية المجاورتين للجامع (٧٠٩ هـ/ ١٣٠٩ م و ٧٣٤ - ٧٤٠ هـ/ ١٣٣٣ - ١٣٣٩ م) ضمن مجموع مبانى الجامع، علما بأن البوابة الحالية ترجع إلى العصر العثمانى وتنسب إلى عبد الرحمن كَتْخُدا (١١٦٧ هـ/ ١٧٥٣ م) الذى أضاف الكثير إلى مساحة الجامع فى ذلك العصر. وكان جامع الحاكم أكثر تقليدية وذلك لأنه ينفرد بوجود زيادة فى أحد جوانبه يرجعها كريزويل إلى عام ٤١١ - ٤٢٧ هـ/ ١٠٢١ - ١٠٣٦ م)، وكما يشتمل على مئذنتين ترتكزان على قاعدتين كبيرتين فى الزاويتين الشمالية الغربية والجنوبية الغربية واتَّبَعَ الجامع مخططا يشتمل على ثلاثة مداخل تذكارية أدمج المدخل الشمالى فيما بعد فى سور بدر الجمالى. وقد أضير هذا الجامع بسبب زلزال عام ٧٠٢ هـ/ ١٣٠٣ م , لكنه رُمِّمَ فى الحال بفضل بيبرس الجاشنكير الذى أضاف هيكلين هرميى الشكل لمئذنتيه الحجريّتين ومبخرة فى قمة كل منهما. ورغم الاصلاحات التالية التى ينسبها المقريزى إلى السلطان الناصر حسن، فإن المسجد فى حالته الراهنة فى حالة متهدمة، كما أن الزخارف التى عَدَّها فلورى Flury فى غاية الأهمية تكاد تكون مطمورة فلا تستطيع تمييزها ومعرفتها. [وقد تم إصلاح هذا الجامع وترميمه ترميما كاملا عن طريق طائفة البهرة وافتتح للصلاة عام ١٩٨٠]. أما المسجدان الفاطميان الآخران اللذان يوجدان فى القاهرة واللذان يقومان على مخطط يعتمد على الصحن ويستحقان اهتمامنا فهما الجامع الأقْمَر

стр. 7925

(٥١٩ هـ/ ١١٢٥ م) الذى شيده الوزير المأمون البطائحى، ويحتفظ بأقدم واجهة حجرية مزوقة بالكامل فى القاهرة ومغطاة كذلك بزخارف ونقوش غنية، ويتميز هذا الجامع كذلك بأنه رغم اتجاه محرابه نحو القبلة فإن واجهته الخارجية تتبع خط الطريق الذى لا يوازى تماما حائط القبلة. ونجد هنا أول حالة تقليد سيصبح عاما فى القاهرة بعد ذلك. أما الثانى فهو جامع الوزير الصالح طلائع (٥٥٠ هـ/ ١١٦٠ م) وهو آخر الآثار الفاطمية فى القاهرة) والذى تم ترميمه بطريقة مغايرة فى القرن الحالى، وترجع أهميته إلى عمارته التى تشتمل على واجهة هى عبارة عن مجار بأعمدة وقد بنى فوق صف من الدكاكين، وكذلك يحتوى على زخارف جصية داخلية أصلحها جزئيا الأمير بكتمر الجوكندار سنة ٦٩٩ هـ/ ١٣٠٠ م أو ٧٠٢ هـ/ ١٣٠٣ م. ويقع هذا الجامع خارج سور بدر الجمالى مباشرة فى مواجهة باب زويلة. وقد أعد هذا الجامع ليكون المشهد الذى ستدفن فيه رأس الحسين. ولكنها دفنت فى قبة خاصة داخل القصر الفاطمى فى الموضع الذى يشغله الآن المشهد الحسينى، وهو يرجع فى شكله الحالى إلى عمل مهندس غير معروف من رجال القرن التاسع عشر؛ تأثر بالعمارة القوطية الجديدة. المقابر - المشاهد: مع نهاية العصر الفاطمى كانت تربة الخلفاء الفاطميين الموجودة داخل القصر فى الموضع المعروف الآن بخان الخليلى قد تخربت [وتوجد قطعة من نقش هو الوحيد الباقى منها نشر فى RCEA رقم ٢١٠٤]. وقد نشرت شواهد قبور أخرى أغلبها مأخوذة من حوش قاهرى تقليدى عبارة عن سور جنائزى قابل لاحتواء محراب أو أكثر فى حائط القبلة وكذلك قبور مغطاة بأضرحة، وأحيانًا مشهد أو أكثر بقباب متجهة عادة تجاه القبلة ولكن دون أن تتبع تسلسلًا تاريخيًا واضحًا. ويوجد أيضًا بعض مقابر ذات قباب لأفراد من الخاصة منها "السبع بنات" وهى أربع مشاهد لا توجد بها جميعها محاريب

стр. 7926

وهى واقعة إلى الجنوب من أطلال الفسطاط. ويؤكد كريزويل اعتمادًا على خطط المقريزى أنها تختص بأضرحة لأفراد من عائلة الوزير أبى القاسم الحسين بن على المغربى الذين قتلهم الحاكم فى سنة ٤٠٠ هـ/ ١٠١٠ م. أما "المشاهد" التى ترجع إلى نهاية القرنين الحادى عشر والثانى عشر والمقامة على مجموعة متنوعة من القبور التى يُزْعَم أنها لعلويين فى القرافة الجنوبية فتتميز بأسلوب قاهرى. ومن أحسنها نذكر مشهد إخوة يوسف الذى بنى نحو سنة ٥٠٠ هـ/ ١١٠٠ م والسيدة عاتكة نحو سنة ٥٢٠ هـ/ ١١٢٥ م والسيدة رقية ٥٢٧ هـ/ ١١٣٣ م (وهو الوحيد الذى يحمل تاريخا محددًا بين المجموعة) وأم كلثوم إلى الغرب منها ويرجع هذا المشهد إلى ما قبل سنة ٥٥٠ هـ/ ١١٥٥ م وغير مُوَضَّح على خريطة الآثار. وهناك مبان صغيرة تشتمل أحيانًا على صحن تتكون من مشاهد ذات قباب ولها أفاريز من الجص غنية بالزخارف، وبكل منها محراب ثلاثى ونُصُب تذكارى أو أكثر ربما كان محاطًا بمقصورة. وكانت هذه المواقع تعتبر مواضع زيارة. ولكن لم يكن لكل الأضرحة الفاطمية هذه الخاصية، فقبر لؤلؤة بنت المقوقس فى أطلال القرافة الكبرى عبارة عن مبنى من ثلاثة طوابق بكل منها محراب، كما أننا لم نستطع حتى الآن أن نفسر لماذا اتخذ مشهد الجيوشى على المقطم (٤٧٨ هـ/ ١٠٨٥ م) وهو مشهد بدر الجمالى ذو الزخارف الجصية الفنية، واتخذت شكل المشهد بدلا من القبة، كما أن الكهف الذى يوجد مباشرة أسفل هذا الأثر وهو المعروف باسم المغاورى أو كهف السودان فإنه يشتمل على أطلال فاطمية. العصر الأيوبى المساجد: لا يوجد بالقاهرة إطلاقا مساجد ترجع إلى العصر الأيوبى كما أننا لا نجد أية كتابات أثرية أيوبية على جامعى ابن طولون وعمرو، وهما الجامعان اللذان أقيمت بهما الخطبة فى العصر الأيوبى بغرض إضعاف مكانة الأزهر كمركز للدعاية الفاطمية. ومن

стр. 7927

الغريب أيضًا ترميم الوزير الأفضل لجامع ابن طولون الذى أضاف إليه محرابًا فى عام ٤٧٨ هـ/ ١٠٩٤ م ولم تُحْذَف من عليه شهادة عَلِىّ ولى اللَّه. المدارس: وعلى العكس من ذلك فقد وضع الأيوبيون ثقتهم فى مؤسسة المدرسة لمحاربة الدعوة الفاطمية، ولكن هذه المنشآت لم يحفظها الزمن. ومن أول هذه المدارس التى أنشأها صلاح الدين بعد استيلائه على السلطة: المدرسة الشافعية المقامة بالقرب من قبة الإمام الشافعى فى القرافة الجنوبية والتى بدأ فى بنائها عام ٥٧٢ هـ/ ١١٧٦ م ولم يتبق منها شئ الآن فيما عدا تابوت رائع من خشب "التك" للإمام الشافعى صنعه النجار عبيد بن معالى سنة ٥٧٤ هـ/ ١١٧١ م. وقد قام أهل السنة باستغلال المشهد الفاطمى لأغراضهم الخاصة. وقد استمرت عناصر المدرسة تقريبًا حتى القرن ١٢ هـ/ ١٨ م، ولكن قبة الشافعى حظيت بتحول هام فى عصر الملك الكامل محمد الذى بنى فى ٦٠٨ هـ/ ١٢١١ م ضريحًا بقبة خشبية ورمم أكثر من مرة منذ ذلك التاريخ وظل هذا الضريح هو الأكثر تبجيلا فى القاهرة. ويوجد أثر آخر يرجع إلى عهد الكامل محمد فى سوق النحاسين هو بقايا المدرسة الكاملية التى تعود إلى عام ٦٢٢ هـ/ ١٢٢٥ م [دار الحديث الكاملية]. ولكن الأثر الأكثر حظا بين الآثار الأيوبية هو المدرسة ذات الإيوانيين الموجودة فى قصبة القاهرة (الشارع الرئيسى فى القاهرة الفاطمية). وتختص هذه المدرسة التى شيدها (سنة ٦٤١ هـ/ ١٢٤٣ م) الملك الصالح نجم الدين أيوب بمئذنة تعلوها مبخرة أعلى القبو الأوسط الذى يفصل الإيوانيين خارجًا عن واجهة مزينة على الممر تتبع تقليد زخرفة الواجهات المطلة على صحن الجامع الأزهر. والمدارس مُتَخَرَّبَة تقريبًا رغم أن تاج قبو الإيوان الغربى للمدرسة الواقعة على اليسار يحتوى على صنجات مُعَشَّقَة فى أصل الحجر، وهى خاصية معمارية لم تلفت إطلاقا انتباه الأثريين الذين عملوا بالقاهرة رغم تكرارها فى القرنين

стр. 7928

السابع والثامن الهجرى/ الثالث عشر والرابع عشر الميلادى. ولكن العنصر الأكثر تميزا فى المبنى هو ضريح الصالح نجم الدين أيوب الذى توفى عام ٦٤٧ هـ/ ١٢٤٩ م) ولكن فرغ من بنائه عام ٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م، وهو أحد آخر المنشآت الجنائزية فى القاهرة ولكنه أيضًا أول أثر جنائزى ملحوظ يحوى ضريحًا متجها جهة القبلة مع التزام واجهته بخط الشارع والذى أصبح خاصية سائدة فى البناء. وأصبح هذا التقليد متبعا فى عمارة القاهرة فى العصر المملوكى حتى أنه حينما كان ينبغى المفاضلة بين التوجه ناحية القبلة وانتظام الواجهة مع الشارع كان يفضل انتظام الواجهة مع الشارع. المقابر: ويمثل مشهد الخلفاء العباسيين بالقرب من مشهد السيدة نفيسة الذى يمكن إرجاعه إلى عام ٦٤٠ هـ - ١٢٤٢ م منشأة جنائزية ذات طابع تقليدى غنية بزخارف جصية محفورة وملونة، ويحتوى المشهد على توابيت لعديد من الخلفاء الذين عاشوا فى مصر كدمى لدى المماليك بعد سقوط الخلافة فى بغداد. ويقع هذا المشهد ذو القبة فى حوش واسع ويحوى سبعة محاريب فى حائط القبلة ويحتفظ ببقية مدخل تذكارى. ولا يوجد اليوم سوى عدد قليل من أعمال ذات منفعة عامة ترجع إلى العصر الأيوبى. وقد أدمجت العناصر الأيوبية لقناطر كانت تزود القلعة بمياه الشرب فى الأعمال التى نفذها الناصر محمد، وما زالت هناك أيضًا قنطرتان فى طريق الجيزة تحملان نقوشا باسم قراقوش ترجع إلى عصر صلاح الدين، ونقوشًا تشير إلى أعمال ترميم باسم الناصر محمد (٧١٦ هـ/ ١٣١٦ م) وقايتباى (٨٨٤ هـ/ ١٤٧٩ م) وحسين باشا (١٠٨٧ هـ/ ١٦٧٦ م). العصر المملوكى التحصينات: لم يبق الكثير من التحصينات المملوكية ذات القيمة فى القاهرة فقد رمم قصر الروضة فى عصر بيبرس، وتشير نقوش الترميم الخاصة بالناصر

стр. 7929

محمد والتى هى على القلعة إلى إنشاء سور غير منتظم فى الجنوب وإلى قناطر جديدة تصل القلعة بالنيل. وأدخلت هذه القناطر جزئيا فى سور صلاح الدين الذى قصد به فى الأساس ربط خرائب الفسطاط بالقاهرة ولكنه لم يتم أبدًا، وقد بدئ فى بناء هذه القناطر عام ٧١٢ هـ/ ١٣١٢ م واشتملت الأعمال التى قام بها الناصر محمد فى القلعة على مسجد جامع على طراز المساجد ذات الصحن مدّون عليه تاريخ تأسيسه وهو سنة ٧١٨ هـ/ ١٣٥٥ م ثم أعيد بناؤه وتجديد أجزاء منه فى رواق القبلة سنة ٧٣٥ هـ/ ١٣٣٥ م عن طريق إضافة قبة خشبية فوق المحراب يحملها عشرة أعمدة من جرانيت أسوان؛ وكانت لهذا الجامع أيضًا مئذنتان يقال إنه زخرفهما فنانون من تبريز وهناك أيضًا قصر الناصر محمد المعروف بالقصر الأبلق (أى الذى بنى بالحجر الأسود والأصفر بالتبادل فى قاعاته الرئيسية) ويعرف كذلك ببيت يوسف صلاح الدين الذى تم هدمه عام ١٨٢٤ م، ولكن يُعتقد إعادة بنائه من خلال وصف شهاب الدين ابن فضل اللَّه العمرى له فى مسالك الأبصار والمقريزى فى الخطط الذى يرجع تاريخ بنائه إلى عام ٧١٣ هـ/ ١٣١٣ م. وكان هذا القصر يتكون من قاعة رئيسية يحيط بها "أواوين" ذات أسقف مسطحة وقبة تقوم على مثلث قبة خشبى. أما قصور الأمراء التى كانت تغطى فى عصر المقريزى الانحدارات الجنوبية للقلعة فقد فُقد كل أثر لها اليوم، وأما الذى كان ما يزال باقيا منها فلاشك أنه هدم عندما شَيَّد محمد على قصر الجوهرة عام ١٢٢٩ هـ/ ١٨١٤ م. المساجد: أقدم مساجد المماليك التى بنيت فى القاهرة هو جامع الظاهر بيبرس القائم فى ميدان الظاهر والذى بدئ فى تشييده ٦٦٥ هـ/ ١٢٦٦ م على ميدان القَبقَ على مسافة غير بعيدة من السور الشمالى الغربى للقاهرة الفاطمية، وافتتح بعد ذلك بعامين. وشيد على مخطط قريب الشبه من مخطط جامع الحاكم ولكن دون الزيادة أو المئذنتين، وللجامع ثلاث بوابات

стр. 7930

(مداخل) تذكارية تمثل زخارفها خليطا عجيبا من عناصر مختلفة. وإذا تركنا جانبا الترميمات التى قام بها لاجين فى جامع ابن طولون، فإن عام ٧١٥ هـ/ ١٣١٥ م يعد المرحلة الأساسية لحركة بناء الجوامع فى القاهرة فى أعقاب بناء الناصر محمد لجامع القلعة للاستفادة -مع بعض التأخير- من إلغاء التدابير التى تمنع إلقاء خطبة الجمعة سوى فى عدد محدود من جوامع القاهرة. وكانت كل هذه المنشآت الهامة منشآت حكومية أقيمت فى الأصل فى الشوارع الرئيسية الكبرى الموجودة جنوب وجنوب شرق الأسوار الفاطمية المؤدية إلى القلعة. وهى تشمل المساجد التالية: آل ملك الجوكندار (٧١٩ هـ/ ١٣١٩ م)، وأحمد المهمندار (٧٢٥ هـ/ ١٣٢٤ م)، وألماس (٧٣٠ هـ/ ١٣٢٩ م)، وقوصون (٧٣٠ هـ/ ١٣٢٩ م) وبَشْتاك (٧٣٥ هـ/ ١٣٣٥ م)، وألطَنْبغا الماردانى (٧٣٩ - ٧٤٠ هـ/ ١٣٣٩ - ١٣٤٠ م) هو أكبر هذه السلسلة من المساجد وأكثرها أصالة، ويحتوى على عدد ضخم من الأعمدة الجرانيتية ذات تيجان أعمدة بطلمية وشبابيك من الخزف ذى طلاء بَرّاق، ومشربيات من الخشب المنحوت تفصل أروقة القبلة عن صحن الجامع، وواجهته تطل على شارع الدرب الأحمر. وإلى جانب ذلك توجد ثلاثة مساجد ترجع إلى نفس هذه الفترة هى: أسلم البهائى (٧٤٥ هـ/ ١٣٤٤ م)، وآق سنقر (٧٤٧ هـ/ ١٣٤٦ م) الذى رممه إبراهيم أغا مستحفظان فى سنة ١٠٦٢ هـ/ ١٦٥٢ م الذى اشتهر باسم الجامع الأزرق بسبب تغطية جزء من داخل المسجد ببلاطات زرقاء وبيضاء، وأخيرًا مسجد شيْخُو العمرى (٧٥٠ هـ/ ١٣٤٩ م). وهذه المنشآت ذات أحجام متفاوتة ولكن واجهاتها تتبع دائمًا تخطيط الطريق الذى أنشأوا عليه مما أدى إلى وجود انحراف فى توجيهه القبلة، واستعيض عن هذا الفرق فى الوضع الداخلى للمسجد. ويلاحظ أن أيًّا من هذه المساجد لم يعتبر أثرا جنائزيا. واعتبارا من سلطنة الملك الناصر حسن أصبحت المساجد أكبر حجما وإن صارت أقل عددًا، وحتى عندما تكون منشأة ملكية كانت دائما قسما من

стр. 7931

مجموع أكبر حجما، وينعكس هذا على المصطلحات التى استخدمتها المصادر الأدبية التى أصبحت بشكل غير محسوس أكثر تنوعًا. فيطلق المقريزى على جامع السلطان حسن (٧٥٧ هـ - ٦٤ هـ/ ١٣٥٦ - ٦٣ م) الذى تصفه وقفيته بالمسجد الجامع مرة وبالمدرسة مرة أخرى وقد يكتفى فيه بتسميته بالجامع فقط، وبناؤه الرئيسى عبارة عن مدرسة واسعة ذات تخطيط متعامد لتدريس المذاهب الفقهية الأربعة تحيط بصحن مفتوح فى وسطه نافورة ذات قبة، ويحوى الإيوان الرئيسى المخصص لتدريس المذهب الشافعى منبرًا رخاميًا ومحرابًا: الأمر الذى يسمح بتأكيد أن وظائف المدرسة والمسجد الجامع لم تكن متوافقة. ويذكر أن إيوان القبلة يفتح على غرفة دفن ملكية تعلوها فى الأساس قبة خشبية. وتحتل المدارس الزوايا الأربع للصحن الرئيسى وتتكون من أكثر من طابق وغرف تحيط بصحن داخلى صغير. ويوجد إلى جانب المبنى ميضأة (فى العمارة القاهرية يلاحظ أنه فقط قرب نهاية العصر العثمانى تحولت الفوارات الموجودة فى صحن المساجد والمدارس إلى ميضأة. ولم يكن هذا التقليد متبعا قبل ذلك). ويحتل جامع السلطان حسن مكانًا بارزًا ليس فقط فى عمارة القاهرة ولكن فى العمارة الإسلامية عمومًا لشدة ضخامته وأبعاده وارتفاعه الملحوظ. وقد تأثر المؤيد شيخ عند بناء جامعه بواجهة مسجد السلطان حسن وما حولها مع المئذنتين القائمتين على برجى باب زويلة (٨١٨ - ٢٣ هـ/ ١٤١٥ - ٢٠ م) ونقل مصراعى جامع السلطان حسن البرونزيين ليضعهما على باب جامعه. وقد بنى جامع المؤيد، الذى يعد آخر المساجد المملوكية الهامة فى القاهرة، تبعا لمخطط المساجد ذات الصحن، وتعتبر الأجزاء المتبقية من واجهاته المطلة على الصحن كذلك آخر تقليد لنمط العقود الصماء والتى نقلها عن جامع ابن طولون الخليفة الحافظ لدين اللَّه عند تجديده لصحن الجامع الأزهر. وأصبحت مساجد القاهرة فى القرن التاسع الهجرى/ الخامس عشر الميلادى وحتى تلك التى أنشأها

стр. 7932

السلاطين مثل جامع جَقْمَق فى درب سعادة (٨٥٣ هـ/ ١٤٤٩ م) ذات أحجام متواضعة، واقترب تخطيطها من تخطيط المدرسة وعلى الأخص المدرسة ذات الإيوانين مع صحن صغير، أصبح يغطيه فى النهاية سقف مع شخشيخة خشبية ويرجع سبب ذلك إلى أن الجامع أصبح عنصرًا بسيطًا فى مجموع أكثر أهمية. ولم يشيد قايتباى، الذى يعد أكبر البنائين بين المماليك البرجية، مساجد ولكن آثارا خصصت لأغراض أخرى، أما المنشآت القليلة التى ترجع إلى فترة حكمه ويمكن اعتبارها مساجد فمنها مثلا مسجد قَجْماس الإسحاقى (٨٨٥ هـ/ ١٤٨٠ م) ولا تكمن أهميتها الرئيسية فى حجمها أو مساحتها ولكن فى المشاكل المعمارية التى تفرضها. المدارس: باستثناء الأزهر والمدارس التى جمعت إليه مثل المدرسة الطيبرسية (٧٠٩ هـ/ ١٣٠٩ م) والأقبغاوية ٧٣٤ - ٤٠ هـ/ ١٣٣٣ - ٣٩ م) والجوهرية (٨٤٤ هـ/ ١٤٤٠ م) وربما أيضًا الغنامية (٧٧٤ هـ/ ١٣٧٢ م)، فإن مدارس القاهرة فى زمن المماليك لا يمكن مقارنتها بالمدارس الموجودة فى العواصم الأخرى مثل استانبول التى تخصصت فى تكوين العلماء المؤهلين للمناصب الإدارية العليا فى الأمبراطورية العثمانية. فقد كانت دائما منشآت جنائزية يلحق بها ضريح للمنشئ وهو تقليد تصدى له العلماء السنيون فى القرون السابع والثامن والتاسع للهجرة. وبالنسبة للمدارس التى أنشاها السلاطين والتى كانت ذات مساحات كبيرة كان من الأهمية أن يطل الضريح على الشارع ليكون قريبًا ويستحسن أن يكون تجاه القبلة الأمر الذى يفسر سبب وجود أغلب هذه الأضرحة على الجانب الغربى للقصبة. وأصبحت المدارس المستقلة والتى لا يوجد بها أضرحة هى الاستثناء الأكبر، الأمر الذى يدل عليه أنه لم يوجد فى زمن المماليك البرجية سوى مدرستين بناهما قايتباى واحدة فى قلعة الكبش (٨٨٠ هـ/ ١٤٧٥ م) والثانية فى جزيرة الروضة (وصفها ابن أياس كمسجد) تم بناؤها نحو سنة ٨٩٦ م

стр. 7933

/ ١٤٩١ م، وهى الأثر الوحيد القديم الذى ما زال قائما فى هذه الجزيرة. ويمكن أن نلاحظ من وجهة نظر متعلقة بشكل المؤسسة بأن المدرسة والخانقاه لا تتعارضان، فالخانقاه كان منفصلا كمكان للدفن. وقد قدم كريزويل عرضا حول تطور تخطيط المدرسة فى القاهرة وعلى الأخص ذات التخطيط المتعامد. فقد استقدم الأيوبيون المؤسسة من الشام، ولكن لا يوجد فى مصر أو الشام أى مسجد أيوبى ذى تخطيط متعامد، ولا تشتمل قوائم المدارس التى عرفت فى دمشق حتى سنة ٦٩٥ هـ/ ١٢٩٥ م وفى القاهرة حتى سنة ٦٣٩ هـ/ ١٢٤٢ م وعلى الأخص الشافعية والحنفية إلا على العدد القليل المخصص لمذهبين، ولا تحوى إطلاقا المذاهب الأربعة. كانت المدرسة المستنصرية فى بغداد مخصصة لتدريس المذاهب الأربعة ولكن كريزويل يذكر أنها لم تكن ذات تخطيط متعامد بينما كانت أول مدرسة ذات تخطيط متعامد فى القاهرة هى المدرسة الظاهرية البيبرسية ٦٦٠ هـ/ ١٢٦٢ م) ولم تكن مخصصة لتدريس المذاهب الأربعة، كما لم تحتو على ضريح، فقد أقام ببيرس ضريحه فى المدرسة الظاهرية بدمشق. أما أول مدرسة ذات تخطيط متعامد خصصت لتدريس المذاهب الأربعة فهى مدرسة الناصر محمد بن قلاوون ٦٩٥ - ٧٠٣ هـ/ ١٢٩٥ - ١٣٠٤ م) بالإضافة إلى مدرستى الناصر حسن وجمال الدين الأستادار. وقد استخدم التخطيط المتعامد كثيرا فى بناء المساجد مثل المدارس ولكن مع ميل إلى تكبير الإيوان المحورى على حساب الإيوانات الجانبية، وقد استخدم كذلك بطريقة ملحوظة فى المارستانى المتبقيين فى القاهرة وهما: مارستان قلاوون (٦٨٣ هـ/ ١٢٨٤ م) ومارستان المؤيد (٨٢١ هـ/ ١٤١٨ م) وجميع المدارس المملوكية فى القاهرة تقريبًا هى تحوير لنمط المدارس ذات الإيواتين، حتى إذا استبعدنا ما يرجحه كريزويل بأن هذا المخطط مستمد من العمارة المنزلية للقاهرة

стр. 7934

وعلى الأخص تخطيط "القاعة"، ويمكننا مع ذلك أن نقبل بأن العمارة المنزلية وتخطيط المدرسة تطورا بالتوازى خلال الفترة المملوكية. وتوجد مدرستان تحملان نقوشا تثبت أنها كانت دورًا فى الأصل هى: المدرسة الغنامية (٧٧٤ هـ/ ١٣٧٢ م) ومدرسة خُشْقَدَم الأحمدى التى كانت من قبل قصر طشتمر الدوادار (٧٦٨ هـ/ ١٣٦٧ م) ولكن تاريخ تحويلهما إلى مدرسة هو تاريخ متأخر، فالأولى تقريبًا نحو سنة ٨٢٧ هـ/ ١٤٢٣ م، والثانية نحو سنة ٨٩١ هـ/ ١٤٨٦ م. وكان التحويل بالطبع سهلا فاكتفى بفتح محراب فى جهة القبلة وبناء مئذنة وهما أهم خاصيتين للمدرسة القاهرية. الخوانق: تمتلئ القاهرة المملوكية بمنشآت دينية متصلة بحركة الصوفية: زاوية وخانقاه (جـ. خوانق وخانقاوات) ورباط. والزاوية عبارة عن مبنى صغير يعيش فيه شيخ وبه مساحة تسمح بتَحَلُق عدد من الطلبة حوله، ونادرا ما يكون لها قيمة معمارية، ويذكر كريزويل زاويتين فقط زاوية الآبار المعروفة أيضًا بالخانقاه البندقدارية (شيدت نحو سنة ٦٨٤ هـ/ ١٢٨٥ م) وزاوية أيْدُهُر البَهْلَوان المختلف على تاريخ إنشائها والتى كانت فى الغالب مدرسة. وترجع أقدم الخوانق فى مصر إلى العصر الأيوبى وهى خانقاه سعيد السعداء والتى كانت جزءًا من القصر الفاطمى ثم حُوِّلَت إلى خانقاه عام ٥٦٩ هـ/ ١١٧٣ م، ويمكن اليوم تحديد موضعها. غير أن المبنى نفسه تَبَدَّل أكثر من مرة بحيث لا يستطيع أن نُكوِّن أى فكرة عن هيئته الأولى. ومن الغريب أنه طوال الفترة الممتدة حتى الفتح العثمانى لا يوجد سوى سبع منشآت نستطيع أن نصفها بوضوح أو ضمنيًا بالخانقاه من خلال اللوح التذكارى لإنشائها وهى: خانقاه بيبرس الجاشنكير (أنشئت سنة ٧٠٦ - ٧٠٩ هـ/ ١٣٠٦ - ١٣٠٩ م) وخانقاه شيخو العمرى (أنشئت سنة ٧٥٦ هـ/ ١٣٥٥ م)، وخانقاه نظام الدين إسحاق

стр. 7935

أنشئت سنة ٧٥٧ هـ/ ١٣٥٦ م)، وخانقاه مُقبل الزمام الداودى (أنشئت سنة ٧٩٧ هـ/ ١٣٩٥ م). وتوجد ثلاث خانقاوات فى القرافة الشرقية، خانقاه فرج بن برقوق أنشئت بين سنتى ٨٠٣ - ٨١٣ هـ/ ١٤٠٠ - ١٤١٠ م، وخانقاه الأشرف برسباى سنة ٨٣٥ هـ/ ١٤٣٢ م وخانقاه الأشرف إينال بين سنتى ٨٥٤ - ٨٦٠ هـ/ ١٤٥٠ - ١٤٥٦ م. وقد سجل كل من المقريزى وابن تغرى بردى والسخاوى وابن إياس أن الخانقاه عبارة عن مبنى مستقل ملحق به مطابخ وحمام ومربعات للإقامة سواء حول صحن متوسط أو فى مجموعات منفصلة مثل ما فى خانقاه فرج بن برقوق. ومن خلال القوائم التى قدمها لنا المقريزى والسخاوى نستطيع أن نقرر أن مصطلح خانقاه مثل مصطلح المدرسة أبعد من أن يكون له تعريف موحد فى تاريخ العمارة القاهرية. وفى خلال الفترة البرجية فإن النقوش كانت أحيانًا تخلط اسم الخانقاه بالمدرسة أو الجامع. ويمكن أيضًا أن نجد إشارة إلى مشيخة تصوف أو مشيخة صوفية، أو أيضًا كما فى حالة منشأة الأشرف برسباى حيث تطلق الوقفية على المنشأة اسم مدرسة بينما يصفها اللوح التذكارى لإنشائها بالخانقاه. أما الرباطات فنادرة فى القاهرة والقليل منها الذى تطلق عليه النقوش هذا الاسم يرجع إلى الفترة البرجية وأهمها رباط يحيى زين الدين (٨٥٦ هـ/ ١٤٥٢ م) ورباط الأشرف إينال وأحدهما متصل بضريحه فى الصحراء والآخر داخل القاهرة فى الخرنفش. المقابر: أكثر أضرحة الفترة المملوكية فخامة هى بالطبع الأضرحة المتصلة بالمنشآت الجنائزية الكبرى التى شيدها قلاوون والناصر محمد وبرقوق داخل أسوار المدينة، وكذلك التى شيدها فرج بن برقوق وقايتباى فى القرافة الشرقية. ويوجد كذلك عدد من الأضرحة الأصغر التى ترجع إلى نفس الفترة مثل ضريح كجك على سبيل المثال الملحق بجامع

стр. 7936

آقسنقر الذى (أنشئ عام ٧٤٧ هـ/ ١٣٤٦ م) وهو عكس الأضرحة تجاه القبلة ولا يوجد به محراب، وضريح أزبك اليوسفى الذى يكون ببساطة أحد الغرف الجانبية لمدرسته ذات الايوانيين (أنشئت سنة ٩٠٠ هـ/ ١٤٩٤ م) مع وجود مشربية من الخشب تفصله عن الدرقاعة. وتتصل قبة قصور المنشاة بعد سنة ٩١٣ هـ/ ١٥٠٧ م فى القرافة الشرقية بسبيل. وقد حرص الغورى على أن يكون ضريحه الذى فرغ من بنائه على ٩٠٩ هـ/ ١٥٠٤ م على القصبة واستبعدت ملحقاته تقريبًا بحيث يصل الضريح من حد الشارع وحتى حائط القبلة. ويتصل ضريح خاير بك بقصره (٩١٠ هـ/ ١٥٠٥ م) ويشغل الفراغ المتوسط مصلى له محراب منحرف عن القبلة بنحو ٢٨ درجة. أما أهم الأضرحة التى يطلق عليها اسم القبة فالقبة المنعزلة المعروفة بالقبة الفداوية فى العباسية، وهى بناء واسع له قبة يرجع بناؤه إلى سنة ٨٨٦ هـ/ ١٤٧٨ م وبه جزء مخصص للصلاة، ولا يوجد له مدخل إلى طابق الأرض ولكن له سلم خارجى يسمح بالدخول مباشرة إلى المبنى. العمارة الداخلية -كان هناك عادة سبيل فى جدار أحد الإيوانات يتسرب منه الماء الذى يصب فى حوض يوجد فى مركز الدرقاعة. وكانت التهوية مؤمنة عن طريق ملقف (جمعه ملاقف) يتجه نحو الشمال لتلقى نسيم المساء، ونجد أيضًا نفس النظام مستخدما فى بعض المنشآت الدينية الجاشنكير (مسجد الصالح طلائع وخانقاه، جيبرس الجاشنكير). ويمكن ألا تكون القاعة فى الدور الأرضى وإنما يصعد إليها بواسطة درج خارجى مثلما هو الحال فى قصر بشتاك. وفى الأدوار التى تعلو القاعة توجد الغرف الخاصة التى تطل عادة على القاعة من خلال مشربيات خشبية، وقد أدى هذا إلى أن تكون دور القاهرة الكبرى فى غاية الارتفاع. ومن بين بقايا بعض هذه القصور لا نملك الآن سوى القبو الأثرى المطل على شارع منجك السلحدار وقصر الأمير طاز فى شارع السيوفية

стр. 7937

ولكن قصر الأمير يشبك، وهو آخر ملاك هذا القصر كما يدل عليه نقش مؤرخ سنة ٨٨٠ هـ/ ١٤٧٥ م حفظ لنا كاملا تقريبًا، وللقصر اسم آخر دارج هو حوش أو إسطبل بَرْدَق الذى يجعلنا نظن أنه ربما كان إسطبلا (أو إسطبلا وسكنا فى وقت واحد) أسسه قوصون لتوسيع قصر سنجر الذى نهب فى ٧٤٢ هـ/ ١٣٤٢ م. وبعد وفاة يشبك فى سنة ٨٨٧ هـ/ ١٤٨٢ م منح قايتباى القصر إلى أمير آخر هو أقبردى وهو آخر من سكن هذا القصر وقد توفى ٩٠٤ هـ/ ١٤٩٨ م. ويتيح لنا تعاقب سكان القصر أن نظن أنه كان سكنا رسميا ولكن يعوزنا الإثبات. كانت هناك عادة بإلحاق مبانى القصور القديمة فى منشآت أحدث أو بإدماجها مع مبان مجاورة وينتهى الأمر لتكوين مجموع غير متجانس من قاعة ومقعد، عبارة عن مقصورة صغيرة موجهة جهة الشمال عادة ما توجد فى مستوى فوق الدور الأرضى الذى يخصص كمستودع (مثل مقعد ماماى المعروف اليوم باسم بيت القاضى). العمارة التجارية: لم تدرس أبدا البيوت السكنية أو الرباع الموجودة فى القاهرة من الناحية المعمارية وأيضا الحمامات العامة المملوكية والتى زال أغلبها الآن. ولا يوجد من البقايا الهامة لهذه الفترة سوى مدخل حمام بشتك الذى يعود تاريخه إلى ما قبل عام ٧٤٢ هـ/ ١٣٤١ م والقاعة الرئيسية لحمام كان جزءا من جامع المؤيد شيخ. أما الخانات التى ترجع إلى هذه الفترة فإنها أحسن حالًا من ناحية الحفظ، ولكن للأسف لم يبق من الفترة البحرية سوى قبو خان قوصون أقدم خانات القاهرة (وهى أماكن مخصصة لإقامة التجار الأجانب) فى حى الجمالية ويرجع تاريخه إلى ما قبل عام ٧٤٢ هـ/ ١٣٤١ م. وتوجد كذلك خانات شيدها السلطان قايتباى كما تدل عليها النقوش الخاصة بها

стр. 7938

(بينما تطلق عليها المصادر الأدبية اسم وكالة)، أحدها ملحق بسبيل كتاب فى حى الأزهر تاريخه سنة ٨٨٥ هـ/ ١٤٨١ م. أما الأثر الأجود حفظا بينها فهو وكالة النخلة التى تحمل اسم الغورى (٩٠٦ - ٩٢٢ هـ/ ١٥٠١ - ١٥١٦ م) هى مكونة من حوش ندخل إليه من خلال مدخل أثرى يحيط به طابق أرضى مكون من دكاكين ومخازن يعلوه طابقان -ربما ثلاثة فى الأصل- بها حجرات للسكن والإقامة، ويختلف هذا التكوين ربما عن خانات حلب أو دمشق، ولكنه أكثر ارتفاعا بالنسبة إلى أساساته وواجهته المطلة على الشارع بها نوافذ فى كل طبقاتها. وقد شيد الغورى أيضًا قيسارية لا نعرف تاريخ تشييدها، يطلق عليها اليوم خان الخليلى وهى فى الحقيقة خان يرجع إلى القرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى وكان يظن أن الغورى رمم الخان فقط، ولكن نقش التأسيس غير الكامل يحمل اسم الغورى. العصر العثمانى إن أغلب التأكيدات التى ترى أن الفتح العثمانى أدى إلى انقطاع الحركة العمرانية فى القاهرة شيد على رأى مسبق أو معرفة سطحية بالآثار. فالتقليد المملوكى بالشكل الذى وصل إليه أيام المماليك البرجية ظل يقاوم بشدة وعلى عكس ما حدث بدمشق فإن التقليد المعمارى فى العاصمة العثمانية لم يظهر إلا بطريقة فردية تماما. وكانت الضريبة المعروفة بالإرسالية والتى فرضت فى ولاية سليمان باشا الخادم) (٩٣١ - ٩٤١ هـ/ ١٥٢٤ - ١٥٣٤ م)، لم تترك للولاة العثمانيين أى فائض نقدى لإنشاء منشآت جديدة، وترك العديد من الموظفين مصر الواقعة تحت الديون الثقيلة. ولكن عندما امتنع باكوات المماليك فى القرن الحادى عشر الهجرى/ السابع عشر الميلادى عن سداد هذه المبالغ إلى استانبول استطاعوا بناء المنشآت الهامة مثل جامع مصطفى شوربجى ميرزا فى بولاق وملحقاته (١١١٠ هـ/

стр. 7939

١٦٩٨ م)، والترميم والإصلاح الكامل للأزهر فى سنة ١١٦٧ هـ/ ١٧٥٣ م، وكذلك جامع وحوض وسبيل محمد بك أبو الذهب (١١٨٧ هـ/ ١٧٧٤ م). وعندما كان الولاة العثمانيون يصلون إلى القاهرة كانوا يلاحظون أن المدينة شبه مبنية بكاملها وأن هناك صعوبة فى إيجاد الأراضى ويرون أن نزع ملكيتها سيكلف مبالغ طائلة، فلذلك لم يظهروا أية رغبة فى إقامة منشآت هامة ومع ذلك فإن اثنين من أوائل الولاة يستثنيان من ذلك هما: سليمان باشا الخادم الذى شيد جامعا بالقلعة على الطراز العثمانى ولكن بزخرفة مملوكية، واسكندر باشا الذى زال تماما وينسب إلى سليمان باشا الخادم كذلك وكالة فى بولاق والتكية السليمانية. الأسبلة: نسطيع أن نلحظ الفرق بين العمارة المملوكية والعمارة العثمانية من دراسة تاريخ الأسبلة. والتى يعد أقدم ما وصل إلينا منها سبيل الناصر محمد القريب من مجموعة قلاوون. وكان من الصعب أن نحدد هيئته الأولى والعناصر التى نجدها بعد ذلك فى الأسبلة القاهرية: فالسلسبيل أو الشاذوران الذى يجرى منه الماء إلى فسقية داخلة والشباك البرونزى الذى نحصل من خلاله على الماء بواسطة ماعون غير موجودة به. وهناك إشارات إلى إصلاحات أدخلت عليه وإضافة كُتاب أعلاه. ويوجد سبيل آخر معزول يرجع إلى الفترة البرجية هو سبيل شيخو (٧٥٥ هـ/ ١٣٥٤ م) يبدو أنه لم يكن به كتاب، ولكن منذ بداية الفترة البرجية أصبح العنصران ضروريين فى عمارة السبيل. وطوال العصر العثمانى أصبح سبيل - الكتاب هو المنشأة التذكارية الأكثر انتشارًا ربما بسبب اقتصاديته، وكان دائما مستقلا حتى ولو ألصق بمبنى أقدم منه: مثل سبيل خسرو باشا (٩٤٢ هـ/ ١٥٣٥ م). وأشهر أسبلة القاهرة المعروفة هو سبيل عبد الرحمن كتخدا (١١٥٧ هـ/ ١٥٣٥ م) الواقع فى التقاء طريقين.

стр. 7940

التحصينات: لم تكن التحصينات التى أضافها العثمانيون إلى القلعة ذات أهمية كبيرة. فقد رمم محمد على عند احتلاله للقلعة باب العزب الذى أنشئ عام ١١٦٨ هـ/ ١٧٥٤ م ويمثل عودة مبتسرة للعمارة الرومانتيكية الصليبية، كما شيد دار الضرب وقصر الجوهرة وقصر الحريم ودار الأرشيف، وأخيرا جامع محمد على سنة ١٢٦٥ هـ/ ١٨٢٨ م، الذى هو عبارة عن تقليد لمبنى جامع فى استانبول. ولم تصبح القلعة حصنا بالمعنى الحرفى لهذه الكلمة، ولكن محمد على شيد على هضبة المقطم حصنا آخر ربطه بالقلعة بواسطة سور ليس له من قيمة إلا من الناحية الزخرفية وما زال هناك العديد من بوابات الحارات التى ترجع إلى العصر العثمانى قائمة مثل: بوابة حارة المبيضة بالجمالية. الجوامع: المنشآت الدينية الرئيسية للعثمانيين فى القاهرة هى المساجد ولم تكن المدارس، ولكن لا يوجد بينها سوى مسجد واحد ملكى هو جامع الملكة صفية المؤرخ فى سنة ١٠١٩ هـ/ ١٦١٠ م وهو أيضًا ملكى عن طريق الخطأ إذ إن مؤسسه هو عثمان أغا دار سعادات ورغم أن بناءه والقسم الأكبر من زخرفته على النمط القاهرى فإن هذا الجامع أكثرها قربا من نموذج مساجد استانبول عن أى مسجد عثمانى آخر فى القاهرة والمسجد التالى له من حيث الحجم هو جامع سنان باشا فى بولاق (٩٧٩ هـ/ ١٥٧١ م) والذى قلده بعد ذلك محمد بك أبو الذهب فى جامعه الذى أنشأه عام ١١٨٧ هـ/ ١٧٧٤ م، ولكن شكل القبة المتبع هنا هو القبة الفداوية وليس القباب الموجودة فى استانبول. ولكن مسجدا عثمانيا آخر هو مسجد المحمودية بنى عام ٩١٥ هـ/ ١٥٦٨ م على طراز المساجد فى فترة المماليك البرجية ولكن تخطيطه يتبع تخطيط جامع السلطان حسن المواجه له.

стр. 7941

المدارس والتكايا: تكاد تكون المدارس فى القاهرة فى العصر العثمانى غير موجودة. وقد وصفت كل من التكية السليمانية - ٥٩٠ هـ ١٥٤٣ م) وتكية وسبيل السلطان محمود (١١٦٤ هـ/ ١٧٥١ م) فى النص التأسيسى لهما بأنهما مدرستان ولا نعرف غيرهما، وهاتان المنشأتان مطابقتان لتخطيط مدارس استانبول مع وجود حوش مرتفع يحيط به عقود مع ايوان محورى بارز يستخدم كمصلى، وتوجد تكية خاصة بالطريقة الولوية متصلة بمدرسة حسن صدقة (سنقر السعدى) التى ترجع إلى عام ٧١٥ - ٧٢٢ هـ/ ١٣١٥ - ١٣٢٢ م. وآخر تكية موجودة -وترجع إلى العصر العثمانى- هى التكية البكتاشية فى سفح المقطم، وهى ترجع إلى بداية القرن العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى والتى قد تكون لها أهمية كبيرة وإن لم تتم دراستها. أما العمارة الداخلية والتجارية فلم يحدث فيها أى تغيير يخالف ما كان فى الفترة المملوكية، والتغيير المعمارى الكبير الذى طرأ عليها لم يحدث إلا ابتداء من عصر محمد على. د. أيمن فؤاد سيد [ج. م. بروجوز J. M. Rogers] المدينة الحديثة: بدأت القاهرة الحديثة فى التكون منذ عهد محمد على (١٨٠٥ - ١٨٤٩ م) الذى ترجع إلى عصره بدايات التنظيمات الحديثة المتواضعة. وتمثل فترة حكم الخديوى إسماعيل (١٨٦٣ - ١٨٧٩ م) نقطة تحول فيما يخص العمران المدنى والصحافة ومولد الوطنية المصرية. وفى خلال هذه السنوات بدأت القاهرة تأخذ مظهر المدينة الحديثة. وقد جذب افتتاح قناة السويس فى نوفمبر ١٨٦٩ م انتباه العالم كله إلى مصر، وأضحى التحكم فى هذه المنطقة من العالم الورقة الرابحة فى الصراع من أجل الهيمنة العالمية فكانت المرحلة الأولى للتدخل الأجنبى بحجة ديون الخديوى، ثم أدت بعد ذلك إلى الاحتلال البريطانى (١٨٨٢ م). وفى خلال هذه الأحداث نمت المدينة وبدأت تعرف الخدمات العامة ودخول

стр. 7942

الغاز والمياه والترام. . الخ. واستقر بالمدينة أجانب ومهاجرون قدموا من الأراضى العثمانية. عمران المدينة: توضح الخريطة التى رسمها علماء الحملة الفرنسية أن المدينة يحدها من الغرب منطقة الأزبكية التى تفصلها الحقول عن بولاق. وقد جَمّل محمد على واجهات المدينة وحررها مما حولها وجفف بركة الأزبكية ولكن دون أن ينشئ تجمعات فى أماكن أخرى خارج القلعة سوى القصر وجامعه الذى أقامه بين سنتى (١٨٣٠ و ١٨٤٨ م) فى شبرا حيث أنشأ قصرا ضخما سنة ١٨٠٨ م وأعيد بناؤه عام ١٨٢٣ م، كما شق طريقا وسط الحقول حتى يمكن الوصول إليه بطريق مباشر (شارع شبرا). وبدأت بعض المؤسسات تستقر فى المدينة، كما أسست مدرسة الطب فى سنة ١٨٢٧ م فى أبى زعبل ثم حُوِّلَت سنة ١٨٣٧ م إلى شارع القصر العينى. وفتحت السكة الجديدة سنة ١٨٤٢ م لتوسيع حى الأزهر، كما فتحت معامل بولاق. يقول كليرجيه Clerget: ورغم هذا التقدم فقد ظلت القاهرة حتى سنة ١٨٥٠ م تحتفظ بحدودها ومساحتها ومظهرها العام الذى كان لها فى القرن الثامن عشر"، وقد لاحظ مارتيلو Mrethelot أن مدينة ثانية وجدت فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر. وقد أطلق على حى العباسية الذى كان مدينة عسكرية صغيرة وتحوى مساكن للأفراد اسم عباس حفيد محمد على والذى أصبح واليا على البلاد بين سنتى ١٨٤٩ و ١٨٥٤ م. وفى عهد ولاية سعيد باشا (١٨٥٤ - ١٨٦٣ م) أنشئت محطة باب الحديد سنة ١٨٥٦ م لتربط القاهرة بالاسكندرية بأول خط حديدى ثم بالسويس فى عام ١٨٦٣ م. وإلى فترة حكم الوالى إسماعيل (الذى أصبح يلقب فيما بعد بالخديوى) ١٨٦٣ م، يرجع بناء قصر عابدين الذى بدئ فى تشييده عام ١٨٦٣ م واستقر فيه الحاكم اعتبارا من

стр. 7943

عام ١٨٧٤ م تاركا نهائيا القلعة مقر الباشاوات الأتراك قبل ذلك. وحفرت الترعة الإسماعيلية بين النيل والخليج مرورا ببولاق والأزبكية ثم باب الحديد حتى تصل إلى غمرة (ردمت بعد ذلك بقليل عام ١٨٩٧ م). ويرجع تاريخ قصر القبة إلى عام ١٨٦٣. وفى عام ١٨٦٧ م شاهد الخديوى إسماعيل باريس التى نَظَّمَها المهندس هوسمان. وقد اختط هو كذلك أحياء جديدة منها حى الاسماعيلية جنوب الطريق المؤدى من الأزبكية إلى بولاق، وحيث شبكة الشوارع التى لم تَتَغَيَّر إلى الآن. وبمناسبة الاحتفالات المصاحبة لافتتاح قناة السويس سنة ١٨٦٩ م بنيت الأوبرا (التى دمرها حريق عام ١٩٧٢ م) بالقرب من الأزبكية، وأضيف مبنى إلى قصر الخديوى فى الجزيرة وهو المبنى الذى أصبح فيما بعد فندق عمر الخيام، وتَحَوَّل الموضع بين الجيزة والأهرام إلى طريق بديع. وفى عام ١٨٧١ - ٧٢ م عبر النيل كوبرى حديث (كوبرى قصر النيل) المعروف الآن بكوبرى التحرير والذى أعيد بناؤه فى عام ١٨٣١ م واستكمل بجسر آخر على فرع النيل الصغير أعيد بناؤه فى عام ١٩١٤ م. وفى عام ١٨٧٢ م فتح طريقان جديدان مزودان ببواكى هما: شارع كلوت بك من المحطة إلى الأزبكية، وشارع محمد على من العتبة الخضراء إلى القلعة. وقد لعب اختراع وسائل المواصلات الحديثة دورا أساسيا فى نمو أحياء الضواحى المتطرفة، وأمكن إعمار أحياء مركزية نسبيا مثل التوفيقية (نسبة إلى الخديو توفيق ١٨٧٩ - ١٨٩٢ م) والفجالة الذى بدأ عام ١٨٨٠ م أو أحياء سكنية مثل جاردن سيتى الذى يرجع إلى عام ١٩٠٥ م وتكون هذه الأحياء بمعزل عن القطارات والترام. لكن لم تزدهر ضواح مثل الزيتون والمطرية إلا بعد إنشاء خط سكة حديد كوبرى الليمون - المطرية - المرج (١٨٨٩ - ١٨٩٠ م). وتكررت نفس الظاهرة مع الترام الذى دخل إلى المدينة عام ١٨٩٦ م وربط العتبة الخضراء بالعباسية (١٨٩٦ م) ثم بالفجالة

стр. 7944

وشبرا فى عام ١٩٠٣ م. ويبدو الخليج وقد بدئ فى ردمه على خريطة عام ١٨٩٧ م ثم رُدِم بكامله عام ١٨٩٩ م وسار فى موضعه خط ترام الظاهر - السيدة زينب. وبدأ حى الزمالك فى الإعمار نحو سنتى ١٩٠٥ - ١٩١٠ م، فإحدى الخرائط التى ترجع إلى عام ١٩١٠ م. توضح أغلب خطوط الشوارع الحالية، ويعود تاريخ كوبرى أبى العلا الذى يصل الجزيرة ببولاق إلى عام ١٩١٢ م. وبدأت مصر الجديدة فى الظهور فى الصحراء الشمالية الشرقية للمدينة سنة ١٩٠٦ م فى أعقاب امتياز منح عام ١٩٠٥ م إلى شركة بلجيكية، وربط ترام سريع أطلق عليه المترو مصر الجديدة بالقاهرة. وعلى خط الضاحية الجنوبية الهتجه إلى حلوان -٢٧ كم- بدأت أراضى المعادى الحالية فى التقسيم عن طريق إحدى الشركات عام ١٩٠٧ م. واستمرت حلوان فقط دون تغيير حتى قيام ثورة سنة ١٩٥٢ م التى جعلت منها مركزا لصناعة الحديد والصلب وللمصانع الحربية. وبخلاف الكبارى السابق الإشارة إليها نذكر كوبرى إمبابة الذى صارت عليه سكة حديد الصعيد (١٨٩٠ - ١٨٩١ م وأعيد ١٩٢٥ م)، وكوبرى الجيزة (عباس سابقا) الذى أنشئ عام ١٩٠٧ م وأعيد بين عامى ١٩٦٦ - ٧٠ م، والكوبرى المتجه من الزمالك إلى الضفة الغربية للنيل ١٩١٢ م. ثم أضيف إلى هذه السلسلة من الكبارى كوبرى الجامعة عام ١٩٥٨ م. وقد ساعد على إنجاح هذا التطور الذى شهدته القاهرة مجموعة من الشركات والمؤسسات وخاصة الأجنبية، منها التى عُهَدِ إليها بهذه الأعمال. وأمَّنت للمدينة مجموعة من الخدمات العامة بواسطة غير المصريين وهكذا نشات البوستة (البريد) عام ١٨٤٣ م وشركة المياه عام ١٨٥٦ م وشركة ليبون للكهرباء والغاز من سنة ١٨٧٣ م إلى سنة ١٩٤٨ م، والتليفونات عام ١٨٨١ م والترام عام

стр. 7945

١٨٦٩ م. . .الخ، وقد سحبت الحكومة المصرية فيما بعد هذه الامتيازات سواء لانتهائها أو شرائها أو بتأميمها (تمصيرها). وقد ظهر دور المعماريين الأجانب فى عدد كبير من الواجهات على الطراز الإيطالى. وبدأ ربط المدينة بالتلغراف مع نشأة السكك الحديدية، أما بالنسبة للكابلات البحرية فقد ارتبطت القاهرة عن طريقها مع بومباى وعدن ومالطة وجبل طارق وبريطانيا العظمى منذ عام ١٨٧٠ م. وقد لجأت الفئات المختلفة للسكان إلى التجمع معا، وهكذا أقامت الأقلية اليونانية فى الجنوب وجنوب غرب الأزهر، واليهود جنوب الخرنفش وفيما بعد فى السكاكينى، والأوربيون فى درب الجنينة والموسكى حيث ظهرت كذلك كنائس مختلف المذاهب الكاثوليكية، وفى فترة متأخرة انتقلوا إلى جاردن سيتى والزمالك، وأقام الاقباط حول البطريركية ثم بعد ذلك فى شبرا، وسكنت الجالية السورية اللبنانية فى حى الفجالة الجديد حيث وجدت كنائس ومدارس مثل اليسوعية التى افتتحت عام ١٨٨٥ م، وفى فترة متأخرة انتقل عدد كبير منهم إلى مصر الجديدة والزمالك وحل محلهم الأقباط. أما المسلمون فقد استمروا مقيمين فى قلب المدينة فى القصور أو الدور التقليدية، ولم يصبح الانتقال الجماعى تجاه حى الحلمية أو الأحياء ذات الهواء المتجدد ظاهرة عامة بعد. وبعد الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ - ١٩١٨ م) استمر امتداد المدينة، ففى عام ١٩٣٠ م شق طريقان كبيران: شارع الأزهر الذى ربط العتبة بالأزهر، والطريق الآخر ربط العتبة بالعباسية. وتقرر توسيع شارع الخليج عام ١٩٣٧ م ولكن ذلك لم يتحقق إلا مع حكومة الثورة عام ١٩٥٦ م. وعلى الجانب الغربى للنيل نمت الجيزة بين الحربين بالرغم من أن الضفة المواجهة للزمالك ظلت حتى عام ١٩٤٥ م حقولا ولكن فى خلال الربع قرن التالى بدأت مدينة حقيقية فى الظهور فى هذا الفضاء مع أحياء كاملة قُسمَت أراضيها على فئات من المهنيين: أساتذة الجامعة والمهندسين. . . إلخ.

стр. 7946

وعلى الضفة الشرقية للنيل أتاح جلاء الإنجليز ١٩٤٦ م وهدم معسكرات قصر النيل إنشاء واحد من أكبر وأجمل ميادين القاهرة الذى أطلق عليه بعد ثورة ١٩٥٢ م ميدان التحرير والذى ضم ميدان الاسماعيلية القديم. وفى هذا الميدان يقف مبنى ضخم للإدارة الحكومية هو مبنى المُجَمَّع الذى أنشئ فيما بعد عام ١٩٥٠ م، ومبنى جامعة الدول العربية الذى أنشئ عام ١٩٦١ م، وحققت الثورة المشروع القديم لكورنيش النيل وبذلك أصبح للمدينة لأول مرة واجهة على النهر. ولتخفيف زحام المدينة الآخذة فى الازدحام أنشئت مدن جديدة منها: مدينة نصر بين العباسية ومصر الجديدة على أراض عسكرية وقد أذن باستخدامها للأغراض المدنية حيث نقل إليها كثير من الخدمات الحكومية وأقيم بها استاد رياضى يسع مائة ألف نسمة. . وأصبح هناك طريق كبير يصل المطار بالقلعة عن طريق مدينة نصر ويتصل بعد ذلك بكورنيش النيل عند الفسطاط. وكانت هناك محاولة لإقامة مدينة شبه سياحية على هضبة المقطم أسفل مسجد الجيوشى بنى عام ١٩٥٤ - ١٩٥٦ م ولكن سوء اختيار الوقت المناسب أوقف المشروع. المصادر: بالإضافة إلى المصادر المذكورة فى نفس المادة نذكر أهم مصدرين وهما: (١) M. Clerget: Le Caire, etude de geograpie urbaine et d'histoire economique, zvols. Cairo ١٩٣٤ (٢) Abdel Rahman Zaki: A. bibiography of the literature of the city of Cairo, Cairo (Egyptian Geographical Society), ١٩٦٤ ومن المصادر الأخرى: (٣) The Millenniem of Cairo, ٩٦٧ - ١٩٦٩, Ministry of Culture, Cairo ١٩٦٩ (٤) J. W. Mcpherson: The Moulids of Egypt, Cairo ١٩٤١ (٥) M. Berger: Islam in Egypt today Social and political aspects of popular religion, Cambridge ١٩٧٠ د. أيمن فؤاد سيد [جوميه J. Jomier]

стр. 7947

قايتباى هو الملك الأشرف أبو النصر سيف الدين المحمودى الظاهرى، سلطان مصر والشام من سنة ٨٧٢ حتى ٩٠١ هـ (= ١٤٦٨ - ١٤٩٦ م). تملكه السلطان برسباى بالشراء ثم أعتقه السلطان جقمُق وجعله من خاصكيته ثم صار دوادارا صغيرا فى ديوان الدوادار الكبير فأمير عشرة تحت قيادة إينال، فطبلخاناه أيام السلطان خشقدم فمقدم ألف، فلما كانت سنة ٨٧٢ هـ (= ١٤٦٧ - ١٤٦٨ م) صار رأس نوبة النواب، وهو منصب يعنى رئيس الحرس ولما اعتلى تمربغا عرش السلطنة فى جمادى الأولى ٨٧٢ هـ (= ديسمبر ١٤٦٧ م) وكان صديقه -اختاره أتابكا له، غير أن السلطان تمربغا لم يكن له فى الواقع حول ولا قوة لقلة أعوانه من المماليك، وليس عنده وفرة من المال تساعده على ضم وشراء مماليك جدد إذ كانت الخزينة خاوية، ولما فشلت الحركة التى قام بها الأستادار خير بك (خايربك)؛ قدم الثوار التاج فى شهر رجب من السنة ذاتها (فبراير ١٤٦٨ م) إلى قايتباى فقبله بعد تمنع؛ وحينذاك آثر تمربغا الحياة فى دمياط التى سافر إليها من تلقاء نفسه وليس أسيرا ومضى إليها ومعه نفر من أصحابه. وكان قايتباى على العكس من بقية السلاطين المماليك يعامل السلاطين المماليك المخلوعين وأقارب السالفين منهم طول حكمه معاملة تنطوى على الاحترام والتعظيم لهم، وكثيرا ما كان يدعوهم لمشاركته فى لعب الكرة بالقاهرة ولا يمنعهم من الحج إلى مكة بل ويسمح لهم بزيارة العاصمة حتى فى أوقات غيابه عنها دون خوف. على أن مشكلة قايتباى السياسية الكبرى كانت تتركز فى علاقاته بالعثمانيين الذين كانت عداواتهم مع المماليك تتجلى فى المناوشات التى كانت تشب بين أتباع الجانبين فى آسيا الصغرى فلقد كان شاه سوار (حاكم البستان) وهو فى حربه ضد مماليك مصر يتلقى المعونة سرا من العثمانيين فى الوقت الذى كان فيه قايتباى يساعد الأمير أحمد أمير قرمان فى حربه ضد

стр. 7948

السلطان محمد الثانى. ولقد منيت الحملتان الأولى والثانية الموجهتان ضد شاه سوار بالهزيمة الساحقة ويرجع السبب فى ذلك إلى إهمال قوادهما المماليك وانعدام النظام فى صفوف قواتهم وإلى ما كان هناك من تنافس بين قوات مماليك مصر ومماليك الشام. على أن قايتباى تمكن من أن يحول بين وصول المساعدة العثمانية إلى شاه سوار وذلك بالاتفاق مع السلطان العثمانى على أن يكف الأخير عن مد يد العون إلى أحمد صاحب كرمان وبذلك ضعف جانب شاه سوار مما أدى إلى هزيمته سنة ٨٧٦ هـ (= ١٤٧١ م) على يد الأتابك أزبك ففر شاه سوار إلى "زمنطو" ولكنه حوصر بها حصارا انتهى باستسلامه على شرط أن يسمح له بالبقاء مالكا لمملكته كتابع للسلطان، ولكنه أخذ أسيرا إلى القاهرة وقتل خلافا لقوانين الحرب. وكان أمير قيونلو (أوزون حسن) حاكم ديار بكر وبعض نواحى فارس خصما لدودا لقايتباى، إلا أن الهزيمة حاقت به أخيرا سنة ٨٧٦ هـ (= ١٤٧١ م) حين أعلن الحرب على السلطان العثمانى محمد الثانى وبذلك أصبح أقل خطرا على قايتباى، ثم مات سنة ٨٨٠ هـ (= ١٤٧٥ م) فخلفه يعقوب باى الذى عقد معه قايتباى صلحًا فى النهاية لأنه وجد نفسه مهددا بالقتال من جانب السلطان العثمانى الجديد بايزيد الذى كره من قايتباى أن يرحب بأخيه "جم" ومنافسه على العرش حين فر إليه كما راح قايتباى يشجع "جم" على محاربة أخيه بايزيد، وجاءت سفارة إثر ذلك إلى بايزيد تسعى فى طلب الصلح فلم توفق فيما جاءت من أجله فهاجم العثمانيون طرسوس وأدنة كما حاصرت قوة عثمانية أخرى ملطية، فتصدت لهما القوات المصرية (المملوكية) ونجحت فى التغلب على الجيش لا سيما وقد انتصر قايتباى على علاء الدولة أمير البستان، كذلك أصيب العثمانيون بهزيمة سنة ٨٩٣ هـ (= ١٤٨٨ م) حين حاولوا إنزال قوات ضخمة من عسكرهم فى خليج الإسكندرونة لكن محاولتهم هذه باءت بالفشل كما أن الأتابك أزبك أنزل هزيمة

стр. 7949

ساحقة بالعثمانيين فى قيصرية بآسيا الصغرى وأسر جماعة من قادتهم، وهنا تجلت حكمة قايتباى العظيمة إذ ظهر ميله الشديد للصلح لإدراكه مدى ضخامة موارد العثمانيين، ومن ثم تمت الموادعة بين الجانبين المملوكى المصرى والعثمانى التركى سنة ٨٩٦ هـ (= ١٤٩١ م) واتسمت بقية عهد قايتباى بالهدوء لكن لم يحدث أى تحسن داخلى، ومن الحق أن نقرر أن قايتباى نجح بنفوذه وحده فى تحاشى القتال بين فرق المماليك المتنافرة لكنه لم يستطع أن يكبح على الدوام جماح تمردهم، هذا إلى جانب أنه لم يوفق فى إيجاد نظام مالى قوى. . إن عهد قايتباى يبز عهود جميع المماليك الجراكسة فى طول أمده وفى فعاليته وحسمه للأمور، وكان قايتباى شديد الميل للتعامل مع الشعوب التجارية، فبينما نرى كثيرا من أسلافه -لا سيما - برسباى- يضعون العراقيل الجمة أمام نشاط التجار الإيطاليين فإننا نجد أن قايتباى يمنحهم امتيازات جديدة، ولم يقم بأى محاولة لاحتكار تجارة البهار. كما زادت المعاملات التجارية بين بلاد السلطان المملوكى وبين أوربة المسيحية زيادة كبيرة، وراعى قايتباى مصالح التجار من أهل البلاد واتخذ إجراءات عادلة بالنسبة لحكومات الأقطار الأخرى، ويتجلى إدراكه لمصالح بلده الاقتصادية من خلال النقوش الكثيرة التى نشرت حديثا، والتى تتعلق بإلغاء ضرائب معينة كانت عبئًا ثقيلًا على كاهل أنواع شتى من البضاعة. وبالإضافة إلى ذلك فإنه صرف الأموال الطائلة فى أعمال البناء كالمبانى التى استحدثها فى قلعة القاهرة ومارستانه وخانقاه الصوفية قرب القاهرة وتجديده جامع المدينة والقنوات التى تمد المساجد فى القدس بالماء. على أن أنشطته الحربية أرهقت موارده المالية واستنفدتها، ويشير ابن إياس إلى أن حروبه كلفته أكثر من سبعة ملايين دينار أشرفى، هذا إلى جانب الهبات والعطايا التى كان يغدقها على عسكره حين عودتهم إلى القاهرة، وكانت هذه المنح تكلفه قدرا كبيرا من

стр. 7950

المال. كما يجب أن نضيف إلى هذا كله الأموال التى صرفها على التحصينات كتجديده قلعتى الإسكندرية وحلب وغيرهما من قلاع البلاد الأخرى. ولما لم يكن السلاطين المماليك قد استنوا نظاما ثابتا لجمع الضرائب فقد وجد قايتباى نفسه مضطرا لاغتصاب الأموال من الرعية بما عرف ب المصادر ات، فكان إذا أعوزه المال وكانت الخزينة خاوية "صادر" أموالًا من كبار الأهالى ووجوه التجار وأهل الذمة، كما أنه لم يحجم عن فرض ضرائب جديدة على شتى صنوف التجارة وأراضى الأوقاف، وقد أدت هذه الإجراءات إلى استفحال الركود الاقتصادى الذى أصبح ظاهرة واضحة تركت آثارها فى التطور الصناعى والتجارى فى مصر والشام على السواء. وعلى الرغم من زيادة معدل التجارة العالمية وجهود السلطان العظيمة فى رحلاته التفتيشية فى جميع ولاياته إلا أن الدولة المملوكية التى كانت تظهر غنية وقوية كانت تسير إلى الخراب حتى أن الدولة المملوكية قبل موته بيوم واحد كانت قد بلغت حًدا كبيرًا من الفقر والضعف ولم تعد قادرة على مواجهة الدولة العثمانية. المصادر: (١) ابن إياس: بدائع الزهور (طبعة كاله) ٣/ ٢ - ٣٢٤. (٢) ابن الجيعان: القول المتظرف فى سفر مولانا الملك الأشرف (تحقيق لانرون) ١٨٧٨ م. د. حسن حبشى [سوبرنهيم وأ. اشتور Sobernheim و E. Ashtor] قبرس (*) أكبر جزيرة فى شرق البحر المتوسط (تبلغ مساحتها ٩٢٥١ كم مربع). وبها سلسلتان جبليتان -أحدهما كرينيا كرباس فى الشمال وارتفاعها ١٩٥٢ مترا وترودوس فى الجنوب الغربى وارتفاعها ١٩٥٢ مترا- تحصران بينهما سهل مساوريا الذى يضم معظم المساحة المزروعة بالجزيرة.
следующие страницы →