وعلى الضفة الشرقية للنيل أتاح جلاء الإنجليز ١٩٤٦ م وهدم معسكرات قصر النيل إنشاء واحد من أكبر وأجمل ميادين القاهرة الذى أطلق عليه بعد ثورة ١٩٥٢ م ميدان التحرير والذى ضم ميدان الاسماعيلية القديم. وفى هذا الميدان يقف مبنى ضخم للإدارة الحكومية هو مبنى المُجَمَّع الذى أنشئ فيما بعد عام ١٩٥٠ م، ومبنى جامعة الدول العربية الذى أنشئ عام ١٩٦١ م، وحققت الثورة المشروع القديم لكورنيش النيل وبذلك أصبح للمدينة لأول مرة واجهة على النهر.
ولتخفيف زحام المدينة الآخذة فى الازدحام أنشئت مدن جديدة منها: مدينة نصر بين العباسية ومصر الجديدة على أراض عسكرية وقد أذن باستخدامها للأغراض المدنية حيث نقل إليها كثير من الخدمات الحكومية وأقيم بها استاد رياضى يسع مائة ألف نسمة. . وأصبح هناك طريق كبير يصل المطار بالقلعة عن طريق مدينة نصر ويتصل بعد ذلك بكورنيش النيل عند الفسطاط. وكانت هناك محاولة لإقامة مدينة شبه سياحية على هضبة المقطم أسفل مسجد الجيوشى بنى عام ١٩٥٤ - ١٩٥٦ م ولكن سوء اختيار الوقت المناسب أوقف المشروع.
المصادر:
بالإضافة إلى المصادر المذكورة فى نفس المادة نذكر أهم مصدرين وهما:
(١) M. Clerget: Le Caire, etude de geograpie urbaine et d'histoire economique, zvols. Cairo ١٩٣٤
(٢) Abdel Rahman Zaki: A. bibiography of the literature of the city of Cairo, Cairo (Egyptian Geographical Society), ١٩٦٤
ومن المصادر الأخرى:
(٣) The Millenniem of Cairo, ٩٦٧ - ١٩٦٩, Ministry of Culture, Cairo ١٩٦٩
(٤) J. W. Mcpherson: The Moulids of Egypt, Cairo ١٩٤١
(٥) M. Berger: Islam in Egypt today Social and political aspects of popular religion, Cambridge ١٩٧٠
د. أيمن فؤاد سيد [جوميه J. Jomier]
стр. 7947
قايتباى
هو الملك الأشرف أبو النصر سيف الدين المحمودى الظاهرى، سلطان مصر والشام من سنة ٨٧٢ حتى ٩٠١ هـ (= ١٤٦٨ - ١٤٩٦ م). تملكه السلطان برسباى بالشراء ثم أعتقه السلطان جقمُق وجعله من خاصكيته ثم صار دوادارا صغيرا فى ديوان الدوادار الكبير فأمير عشرة تحت قيادة إينال، فطبلخاناه أيام السلطان خشقدم فمقدم ألف، فلما كانت سنة ٨٧٢ هـ (= ١٤٦٧ - ١٤٦٨ م) صار رأس نوبة النواب، وهو منصب يعنى رئيس الحرس ولما اعتلى تمربغا عرش السلطنة فى جمادى الأولى ٨٧٢ هـ (= ديسمبر ١٤٦٧ م) وكان صديقه -اختاره أتابكا له، غير أن السلطان تمربغا لم يكن له فى الواقع حول ولا قوة لقلة أعوانه من المماليك، وليس عنده وفرة من المال تساعده على ضم وشراء مماليك جدد إذ كانت الخزينة خاوية، ولما فشلت الحركة التى قام بها الأستادار خير بك (خايربك)؛ قدم الثوار التاج فى شهر رجب من السنة ذاتها (فبراير ١٤٦٨ م) إلى قايتباى فقبله بعد تمنع؛ وحينذاك آثر تمربغا الحياة فى دمياط التى سافر إليها من تلقاء نفسه وليس أسيرا ومضى إليها ومعه نفر من أصحابه. وكان قايتباى على العكس من بقية السلاطين المماليك يعامل السلاطين المماليك المخلوعين وأقارب السالفين منهم طول حكمه معاملة تنطوى على الاحترام والتعظيم لهم، وكثيرا ما كان يدعوهم لمشاركته فى لعب الكرة بالقاهرة ولا يمنعهم من الحج إلى مكة بل ويسمح لهم بزيارة العاصمة حتى فى أوقات غيابه عنها دون خوف.
على أن مشكلة قايتباى السياسية الكبرى كانت تتركز فى علاقاته بالعثمانيين الذين كانت عداواتهم مع المماليك تتجلى فى المناوشات التى كانت تشب بين أتباع الجانبين فى آسيا الصغرى فلقد كان شاه سوار (حاكم البستان) وهو فى حربه ضد مماليك مصر يتلقى المعونة سرا من العثمانيين فى الوقت الذى كان فيه قايتباى يساعد الأمير أحمد أمير قرمان فى حربه ضد
стр. 7948
السلطان محمد الثانى. ولقد منيت الحملتان الأولى والثانية الموجهتان ضد شاه سوار بالهزيمة الساحقة ويرجع السبب فى ذلك إلى إهمال قوادهما المماليك وانعدام النظام فى صفوف قواتهم وإلى ما كان هناك من تنافس بين قوات مماليك مصر ومماليك الشام. على أن قايتباى تمكن من أن يحول بين وصول المساعدة العثمانية إلى شاه سوار وذلك بالاتفاق مع السلطان العثمانى على أن يكف الأخير عن مد يد العون إلى أحمد صاحب كرمان وبذلك ضعف جانب شاه سوار مما أدى إلى هزيمته سنة ٨٧٦ هـ (= ١٤٧١ م) على يد الأتابك أزبك ففر شاه سوار إلى "زمنطو" ولكنه حوصر بها حصارا انتهى باستسلامه على شرط أن يسمح له بالبقاء مالكا لمملكته كتابع للسلطان، ولكنه أخذ أسيرا إلى القاهرة وقتل خلافا لقوانين الحرب.
وكان أمير قيونلو (أوزون حسن) حاكم ديار بكر وبعض نواحى فارس خصما لدودا لقايتباى، إلا أن الهزيمة حاقت به أخيرا سنة ٨٧٦ هـ (= ١٤٧١ م) حين أعلن الحرب على السلطان العثمانى محمد الثانى وبذلك أصبح أقل خطرا على قايتباى، ثم مات سنة ٨٨٠ هـ (= ١٤٧٥ م) فخلفه يعقوب باى الذى عقد معه قايتباى صلحًا فى النهاية لأنه وجد نفسه مهددا بالقتال من جانب السلطان العثمانى الجديد بايزيد الذى كره من قايتباى أن يرحب بأخيه "جم" ومنافسه على العرش حين فر إليه كما راح قايتباى يشجع "جم" على محاربة أخيه بايزيد، وجاءت سفارة إثر ذلك إلى بايزيد تسعى فى طلب الصلح فلم توفق فيما جاءت من أجله فهاجم العثمانيون طرسوس وأدنة كما حاصرت قوة عثمانية أخرى ملطية، فتصدت لهما القوات المصرية (المملوكية) ونجحت فى التغلب على الجيش لا سيما وقد انتصر قايتباى على علاء الدولة أمير البستان، كذلك أصيب العثمانيون بهزيمة سنة ٨٩٣ هـ (= ١٤٨٨ م) حين حاولوا إنزال قوات ضخمة من عسكرهم فى خليج الإسكندرونة لكن محاولتهم هذه باءت بالفشل كما أن الأتابك أزبك أنزل هزيمة
стр. 7949
ساحقة بالعثمانيين فى قيصرية بآسيا الصغرى وأسر جماعة من قادتهم، وهنا تجلت حكمة قايتباى العظيمة إذ ظهر ميله الشديد للصلح لإدراكه مدى ضخامة موارد العثمانيين، ومن ثم تمت الموادعة بين الجانبين المملوكى المصرى والعثمانى التركى سنة ٨٩٦ هـ (= ١٤٩١ م) واتسمت بقية عهد قايتباى بالهدوء لكن لم يحدث أى تحسن داخلى، ومن الحق أن نقرر أن قايتباى نجح بنفوذه وحده فى تحاشى القتال بين فرق المماليك المتنافرة لكنه لم يستطع أن يكبح على الدوام جماح تمردهم، هذا إلى جانب أنه لم يوفق فى إيجاد نظام مالى قوى. .
إن عهد قايتباى يبز عهود جميع المماليك الجراكسة فى طول أمده وفى فعاليته وحسمه للأمور، وكان قايتباى شديد الميل للتعامل مع الشعوب التجارية، فبينما نرى كثيرا من أسلافه -لا سيما - برسباى- يضعون العراقيل الجمة أمام نشاط التجار الإيطاليين فإننا نجد أن قايتباى يمنحهم امتيازات جديدة، ولم يقم بأى محاولة لاحتكار تجارة البهار. كما زادت المعاملات التجارية بين بلاد السلطان المملوكى وبين أوربة المسيحية زيادة كبيرة، وراعى قايتباى مصالح التجار من أهل البلاد واتخذ إجراءات عادلة بالنسبة لحكومات الأقطار الأخرى، ويتجلى إدراكه لمصالح بلده الاقتصادية من خلال النقوش الكثيرة التى نشرت حديثا، والتى تتعلق بإلغاء ضرائب معينة كانت عبئًا ثقيلًا على كاهل أنواع شتى من البضاعة. وبالإضافة إلى ذلك فإنه صرف الأموال الطائلة فى أعمال البناء كالمبانى التى استحدثها فى قلعة القاهرة ومارستانه وخانقاه الصوفية قرب القاهرة وتجديده جامع المدينة والقنوات التى تمد المساجد فى القدس بالماء.
على أن أنشطته الحربية أرهقت موارده المالية واستنفدتها، ويشير ابن إياس إلى أن حروبه كلفته أكثر من سبعة ملايين دينار أشرفى، هذا إلى جانب الهبات والعطايا التى كان يغدقها على عسكره حين عودتهم إلى القاهرة، وكانت هذه المنح تكلفه قدرا كبيرا من
стр. 7950
المال. كما يجب أن نضيف إلى هذا كله الأموال التى صرفها على التحصينات كتجديده قلعتى الإسكندرية وحلب وغيرهما من قلاع البلاد الأخرى. ولما لم يكن السلاطين المماليك قد استنوا نظاما ثابتا لجمع الضرائب فقد وجد قايتباى نفسه مضطرا لاغتصاب الأموال من الرعية بما عرف ب المصادر ات، فكان إذا أعوزه المال وكانت الخزينة خاوية "صادر" أموالًا من كبار الأهالى ووجوه التجار وأهل الذمة، كما أنه لم يحجم عن فرض ضرائب جديدة على شتى صنوف التجارة وأراضى الأوقاف، وقد أدت هذه الإجراءات إلى استفحال الركود الاقتصادى الذى أصبح ظاهرة واضحة تركت آثارها فى التطور الصناعى والتجارى فى مصر والشام على السواء. وعلى الرغم من زيادة معدل التجارة العالمية وجهود السلطان العظيمة فى رحلاته التفتيشية فى جميع ولاياته إلا أن الدولة المملوكية التى كانت تظهر غنية وقوية كانت تسير إلى الخراب حتى أن الدولة المملوكية قبل موته بيوم واحد كانت قد بلغت حًدا كبيرًا من الفقر والضعف ولم تعد قادرة على مواجهة الدولة العثمانية.
المصادر:
(١) ابن إياس: بدائع الزهور (طبعة كاله) ٣/ ٢ - ٣٢٤.
(٢) ابن الجيعان: القول المتظرف فى سفر مولانا الملك الأشرف (تحقيق لانرون) ١٨٧٨ م.
د. حسن حبشى [سوبرنهيم وأ. اشتور Sobernheim و E. Ashtor]
قبرس (*)
أكبر جزيرة فى شرق البحر المتوسط (تبلغ مساحتها ٩٢٥١ كم مربع). وبها سلسلتان جبليتان -أحدهما كرينيا كرباس فى الشمال وارتفاعها ١٩٥٢ مترا وترودوس فى الجنوب الغربى وارتفاعها ١٩٥٢ مترا- تحصران بينهما سهل مساوريا الذى يضم معظم المساحة المزروعة بالجزيرة.
стр. 7951
ورغم قلة الأمطار وضيق المساحة المروية، لكن الزراعة ما زالت تمثل عصب اقتصادها الذى يعتمد كذلك على استخراج بعض المعادن وأهمها النحاس، وإن كان الاحتياطى المعروف منها موشك على النضوب. كما تستخرج من أرضها كذلك بعض المعادن اللافلزية بكميات وفيرة تصلح للتصدير، ومن أمثلتها الاسبستوس. كما لازال تكرير الملح من مصادر دخلها، وهو يستخرج من البحيرات المالحة الواقعة فى الأراضى الواطئة (المنخفضة) بالقرب من ليماسول ولارناكا.
وكان لموقع الجزيرة على طريق المواصلات البحرية فى شرق البحر المتوسط، وقربها من اليابسة أثره فى أنها لم تنعم بالاستقلال سوى فترات عابرة.
قبرص وبيزنطة والإسلام (٦٣٢ - ١١٩٢ م)
عندما ظهر الإسلام وأخذ فى التوسع كانت قبرص ولاية بيزنطية عاصمتها قنسطنطيا (سلاميس القديمة). وكان أهلها يدينون بالعقيدة المسيحية الأرثوذكسية منذ أن عقد مجمع أفيسوس سنة ٤٣١ م، ولهم كنيسة يرأسها حبر برتبة كبير أساقفة يلى فى السلم الكنسى البطاركة الأربعة الكبار. وقد صهرت الكنيسة شعب الجزيرة وجعلت منه وحدة اجتماعية ودينية وثقافية، كما أن الروابط القديمة القوية بين رجال الدين الأرثوذكس والأهالى خلقت نوعًا من الشعور بالتضامن الاجتماعى ظل سمة قائمة على مدار العصور المتتالية التى خضعت فيها الجزيرة للسيادة الأجنبية.
ولقد أخذ العرب فى محاولة فتح قبرص بعد زمن هرقل (٦١٠ - ٦٤١ م) ويقول أحد الكتاب اليونان أن حملة فى عهد الخليفة أبى بكر جاءت الجزيرة سنة ٦٣٢ م ولكن هذا الرأى غير مؤكد، لكن حدث فى عام ٦٤٧ م (أو ربما أو ٦٤٩ م) أنْ أعد معاوية بن أبى سفيان، والى الشام، أسطولا من ١٧ ألف صارية، وعهد به إلى عبد اللَّه بن قيس لفتح الجزيرة، وكانت هذه الحملة
стр. 7952
أول حملة بحرية ضخمة قام بها العرب فى البحر المتوسط. واجتاح العرب الجزيرة بعد سقوط العاصمة كونستنتيا، وفرضوا على أهلها دفع جزية سنوية مقدارها ما بين ٧٠٠٠ - ٧٢٠٠ قطعة ذهبية يؤدونها لوالى الشام، وهو مبلغ يعادل مقدار الجزية التى كانت الجزيرة تؤديها للبيزنطيين، مما يشير -فيما يبدو- إلى خضوع الجزيرة إلى لون من الحكم المشترك بين إمبراطور الروم وخليفة المسلمين. وقد توفيت فى تلك الآونة أم حرام، زوجة عبادة بن الصامت، الصحابى الجليل، ودفنت بالقرب من لارنكا، وبنى على قبرها أعظم مساجد الجزيرة احتراما عند مسلمى قبرص، وهو مسجد هاله سلطان تكة.
وعقدت اتفاقية للسلام بين قنسطنطين الرابع والخليفة عبد الملك بن مروان سنة ٦٨٥ م ثم تجددت عام ٦٨٨ م مع جستنيان الثانى، ونصت الاتفاقية على تقسيم دخول أرمينيا وإيبريا وقبرص بين الجانبين، ولقد صمم جستنيان الثانى على نقل سكان قبرص الأرثوذكس إلى ساحل بحر مرمرة الجنوبى وإنزالهم قرب "سيزيكس" القديمة حيث أسس مدينة جسينيانوفا (الجديدة) لرئيس أساقفة قبرص وجماعته (ولا يزال اسم هذه المدينة محفور فى أعلى كنيسة قبرص)، أما هؤلاء المنفيون القبارصة فقد ظلوا فى منفاهم هذا حتى ٦٩٨ م حين أعيد سكان الجزيرة بسكانها القدماء وبأولئك الذين كانوا قد فروا إلى بلاد الشام الإسلامية، ولقد ظلت الجزيرة قرنين ونصف قرن من الزمان مناصفة بين امبراطور الروم وخليفة المسلمين وأصبح من الطبيعى اتخاذ الجزيرة قاعدة للعمليات البحرية العربية ضد آسيا الصغرى.
وفى سنة ٧٤٧ م دمرت قوة بيزنطية أسطولا جاء من الإسكندرية وتتابعت الغزوات والهجمات واحدة تلو الأخرى بقيادة حميد الوالى العباسى بالشام، ومع ذلك فقد ظلت الجزيرة جزءا من الامبرطورية البيزنطية رغم استمرار دفع قبرص الجزية للامبراطور فازيل الأول (٦٦٧ م)، وحدث فى سنة
стр. 7953
٩١١ م أن احتلت قوة عربية جزيرة كريت أربعة أشهر فقط، على أن قبرص نعمت بسلام بعد سنة ٩٦٣ م وتمكنت من تقوية اقتصادها وتمثل ذلك فى تشييد بعض المدن الجديدة، ثم قامت ثورة بها ضد ألكسيوس كومين سنة ١٠٩٢ م.
وفى عام ٣٣ هـ/ ٦٣٥ - ٦٥٤ م، أعد معاوية حملة ثانية جعل قيادتها بيد أبى الأنوار، فأغارت على لابيتوس، كما دخلت المدينة قوة مؤلفة من اثنى عشر ألف مقاتل ظلوا مقيمين بها حتى أعادهم الخليفة يزيد سنة ٦٨٠ م، أما الجزية التى كانت تدفعها لخليفة دمشق فقد ظلت تدفع حتى زمن الخليفة العباسى المنصور ٧٥٤ م.
وفى القرن الحادى عشر، تحولت الجزيرة إلى قاعدة عسكرية يشن منها الروم، بالتحالف أحيانًا مع الصليبيين، لاسيما ريموند كونت صنجيل، غاراتهم البرية والبحرية، ولكن فى النصف الأول من القرن الثانى عشر نعمت الجزيرة بفترة من السلام تمثلت فى انتظام حركة الحجاج المارين بها وارتبطت بعلاقات حسنة مع الدول الإسلامية فى المنطقة، حتى أن أمير بيروت والكثير من أهل المدينة لجأوا إليها بعد أن استولى بلدوين ملك القدس الصليبى عليها فى ١١١٠ م. كما كان أول استقرار للمارونيين بها قرب ذلك التاريخ، ثم أن بيزنطة منحت البندقية امتيازات تجارية فى كريت وقبرص، فكان ذلك أول تدخل لاتينى بها.
ولكن فى السنوات التالية اجتاح الصليبيون قبرص بقيادة رينو دو شاتيون، الذى خرب الجزيرة وأجبر أهلها على دفع الفدية لإطلاق سراح الرهائن الذين احتجزهم من كبار رجال الدين فيها ومن الأهالى على السواء، ولما كانت سنة ٥٣٣ هـ/ ١١٥٨ م أغار أسطول مصرى على قبرص، ثم أغار عليها القراصنة بمساعدة من ريموند أمير انطاكية وكونت طرابلس.
وكانت نهاية السيادة البيزنطية على الجزيرة فى عهد إيزاك دوكاس كومنينوس (١١٨٥ - ١١٩١ م) الذى نصب نفسه إمبراطورا لقبرص.
стр. 7954
وجاءت نهاية إيزاك على يد ريتشارد قلب الأسد ملك انجلترا. فقد أجبرت الرياح العاتية السفينة التى كانت تقل شقيقته جوانا وعروسه برنجاريا، ابنة ملك نفاره، إلى الأراضى المقدسة على اللجوء إلى ميناء ليماسول القبرصى. وحاول إيزاك أن يحتفظ بالسيدتين رهينتين، فما كان من ريتشارد إلا أنه غزا الجزيرة، وفى ركبه مجموعة من الفرسان الصليبيين فى سوريا، ومنهم جى دو لوزينيان، الذى كان يطالب بعرش مملكة القدس. فلما فشل ريتشارد فى الوصول إلى اتفاق سلمى شن الحرب على إسحاق وهزمه فى مايو ١١٩١ م، فقدم القبارصة نصف ممتلكاتهم إلى ريتشارد الذى أقر الأمور فى نصابها. وحلت حامية فرنجية محل اليونانية وعين اثنان أحدهما صار شريفا للجزيرة والآخر قاضيا لها، وهكذا أصبحت الجزيرة مركز عمليات للفرنجة فى الأراضى المقدسة خلال القرن التالى بعد أن أزال صلاح الدين هيبة اللاتين فى حطين عام ١١٨٧ م.
٢ - حكم الفرنجة (١٩٢ - ١٥٧١ م)
باع ملك الانجليز فى يوليو ١١٩١ م الجزيرة إلى فرسان المعبد الذين شبت فى عهدهم ثورة تكلفوا الكثير فى إخمادها ثم عاد الملك فباعها من جديد إلى جى دى لوزينيان زوج وريثة تاج بيت المقدس، ثم خلفه أخوه إيمرى حاكما على قبرص (١١٩٤ - ١٢٠٥ م) الذى استمر فى توزيع الإقطاعيات الواسعة لكثير من كبار الأمراء اللاتين، ثم لقب بالملك سنة ١١٩٧ م، وساهمت قبرص فى الحروب الصليبية حتى نهايتها واتخذها لويس التاسع قاعدة لحملته على مصر، كما كان ملوك هذه الأسرة قد هادنوا القوة الإسلامية فى الشام حتى الحملة الصليبية الخامسة من قبل.
وفى القرن التالى حاول ملوك قبرص بمؤازرة من البابا إحياء الحملات الصليبية من جديد، وكونوا حلفا مع جمهورية البندقية وفرسان المعبد، ونجحوا فى الاستيلاء على مدينة الإسكندرية فى عام ١٣٦٥ م لبعض
стр. 7955
الوقت، ولكن المصالح التجارية لعبت دورها فى إبعاد البندقية وجنوة عن محاولة التحرش بالمماليك حكام مصر والشام آنذاك.
وكان من المقدر لهاتين الجمهوريتين الإيطاليتين التجاريتين أن يهيمنا على دفة السياسة القبرصية خلال القرن الأخير من عمر المملكة. وجاءت الضربة التالية من الدولة المملوكية المصرية فى عهد السلطان برسباى الذى أوقع الهزيمة بملك قبرص جانوس فى ٧ يوليو ١٤٢٦ م، وأسره، ولم يطلق سراحه إلا بعد أن افتدى بأن دفع للسلطان ٢٠٠ ألف فلورين، كما وافق على أن يدفع جزية سنوية للسلطان قدرها ثمانية آلاف فلورين.
وقد تنازعت جنوة والبندقية السيادة على الجزيرة (١٤٨٩ - ١٥٧١ م) ونجح الجنويون فى بادئ الأمر فى تثبيت سلطانهم فيها، ولكن الفرصة لاحت للبنادقة حينما انتزع جيمس الثانى عرش قبرص من أخته غير الشقيقة شارلوت بمساعدة قوات المماليك.
وأطل شبح التهديد العثمانى فى أواخر أيام حكم البنادقة، وتزايد هذا الخطر لاسيما منذ عقد إتفاق السلام البندقى العثمانى سنة ١٥٤٠ م، كما أن أمير البحر العثمانى بيالى باشا تابع ممارسة التوسع العثمانى مستهدفا الاستيلاء على الجزر الواقعة فى البحر المتوسط التى فى يد اللاتين، وأعلن السلطان سليم الثانى (١٥٦٦ - ١٥٧٤ م) الحرب على قبرص سنة ١٥٦٨، وأفتى شيخ الإسلام حينذاك بشرعية محاربتها، وصدر الأمر بخروج بيالى باشا على رأس قوة عثمانية للقتال برًا وبحرًا، وظهر الأسطول العثمانى أمام لارناكا فى الثالث من يوليو ١٥٧٠ م، واكتفى القائد البندقى نيكولو داندولو بالدفاع عن قلاع المدن فقط، ولكن توالت انتصارات العثمانيين، وتوالى معها سقوط المدن الكبرى، كما حاصر العثمانيون قلعة مدينة فأما جوستا، وانتهى الأمر باستسلام مارك انطونيو براجادين يوم الأول من أغسطس ١٥٧١ م بشرط
стр. 7956
سلامة انسحاب قواته، لكن لالا مصطفى باشا لم يلتزم بنصوص الاتفاقية تمام الالتزام حيث أمر بقتل القائد البندقى والكثير من رجاله.
واعترف البنادقة بالسيادة العثمانية على الجزيرة بموجب معاهدة ١٥٧٣ م، وتحولت قبرص إلى إيالة عثمانية تتألف من ثمانى سنجقيات، وكان أول حاكم تركى لها مظفر باشا، وعين للإيالة قاض ودفتردار، وأدخل الأتراك الكثير من الإصلاحات الإدارية والمالية والدينية فى بادئ حكمهم فقد خففوا عبء الضرائب وألغوا النظام الإقطاعى القديم وحرروا الفلاحين من العبودية وسمحوا لهم بتملك الأرض، وألغوا الهيئة الكهنوتية الكاثوليكية التابعة لروما، وأعادوا للكنيسة الأرثوذكسية اعتبارها، واعتبرت الحكومة العثمانية كبير أساقفتها ممثل للطائفة اليونانية فى الجزيرة. وفى الوقت ذاته بدأ الكثير من الأتراك المسلمين فى النزوح إلى الجزيرة والاستقرار فى أرضها.
ولكن التدهور والفساد الذى أصاب الدولة العثمانية فى العصور التالية، أثر بصورة مباشرة على الجزيرة التى تحولت إلى إقطاعية خاصة للصدر الأعظم (وذلك سنة ١٧٠٣ م)، وعانى الأهالى من المسيحيين والمسلمين من سوء الإدارة والضرائب الباهظة، وكان لثورة اليونان (١٨٢٠ - ١٨٢٩ م) واستقلالها أثر مباشر على الجزيرة حيث بدأ سكانها المنحدرين من أصل يونانى ينزعون إلى الاستقلال والاتحاد مع اليونان. كما أن الضرائب الباهظة التى أثقلت كاهل المواطنين وعرقلت أى تحسين جوهرى للاقتصاد دفعت السكان من المسيحيين والمسلمين على حد سواء للثورة فى عام ١٨٨٣ م.
وقد شهدت العقود الخمس التالية تحسنًا كبيرًا فى الإدارة فى ظل حركة الإصلاح العثمانية التى عرفت باسم "التنظيمات"، فأصبحت قبرص سنجقية تابعة لولاية جزر البحر الإيجى، يحكمها متصرف ويساعده ديوان أو مجلس مؤلف من أعضاء من المسيحيين والمسلمين، وأتت حركة الإصلاح بثمار ملحوظة فى السنوات الأخيرة للحكم العثمانى حينما أسست محاكم قضائية.
стр. 7957
وقد تنازل السلطان العثمانى عن إدارة قبرص لانجلترا مقابل وعد منها بالوقوف معه ضد أطماع روسيا التوسعية، وعلى أن تدفع له الحكومة البريطانية فائض حصيلة الضرائب هناك، مع احتفاظه بحقوق السيادة على الجزيرة وتعيينه لمفتيها وقضاتها.
ولكن فى أثناء الحرب العالمية الأولى ضمت انجلترا قبرص إلى إمبراطوريتها، وبعد الحرب أسست نوعا من النظام النيابى، حيث أنشأت مجلسًا مؤلفًا من ١٨ عضوا منهم ٩ من اليونانيين و ٣ من المسلمين و ٦ من الموظفين البريطانيين، وقد تضامنت أصوات الممثلين الإنجليز والقبارصة الأتراك فى رفض أى مقترح بالوحدة مع اليونان.
وأدى هذا إلى توتر العلاقات بين القبارصة اليونانيين والإدارة الإنجليزية التى اعتبرت عقبة فى طريق الاستقلال، وتزعم القبارصة اليونانيين أسقف شاب يدعى ميخائيل موسكوس الذى انتخب فى عام ١٩٥٠ م رئيسًا للكنيسة القبرصية باسم الأسقف مكاريوس (١٩١٩ - ١٩٧٧ م).
وبعد أربع سنوات كون ضابط من أصل يونانى يدعى جورج جريفاس منظمة مناهضة للاحتلال البريطانى عرفت باسم أيوكا، كما شنت حرب عصابات على انجلترا.
ولجأ البريطانيون إلى استخدام ضباط وجنود شرطة منحدرين من أصل تركى للتصدى لتلك المنظمة، وسقط منهم الكثير من الضحايا، واستثار ذلك ثائرة الأتراك الذين أنشأوا منظمة أخرى لحرب العصابات مناوئة للدعوة للوحدة مع اليونان، واعية لتقسيم الجزيرة بين الأتراك واليونانيين، وكانت تلك بداية الفتنة الطائفية بين الأتراك واليونانيين هناك، وجر ذلك بالطبع إلى دائرة التدخل اليونان وتركيا.
ورأى الإنجليز أن من الأوفر منح قبرص الاستقلال والاكتفاء بوجود قاعدة عسكرية لهم فى الجزيرة، وفى ذات الوقت رأى حلف الأطلنطى فى
стр. 7958
النزاع بين اليونان وتركيا -هما من أعضائه- خطرًا على سلامة الحلف، وقد مهد ذلك لاستقلال قبرص فى ١٦ أغسطس ١٩٦٠.
وقد قدر عدد السكان فى سنة ١٩٦٨ م بـ ٥٥٦٧١٥ نسمة منهم ٤٤٢٥٢١ من اليونانيين و ١٠٤٣٥٠ من الأتراك و ٣٦٢٨ من الأرمن و ٢٧٠٨ من المارونيين و ٢٣٥١ من البريطانيين و ٢٧٦٩ من اللاتين و ١٨٢٦١ من جنسيات أخرى، ووضع نظام معقد للإدارة يراعى التركيبة الطائفية، فكان رئيس الجمهورية يختار من اليونانيين وله نائب يختار من الأتراك، أما مجلس الوزراء فكان يضم سبعة من اليونانيين وثلاثة من الأتراك، وكانت قرارات المجلس تخضع لفيتو (حق النقض) من جانب رئيس الجمهورية/ أو نائبه، أى أنه كان بوسع أى منهما أن يلغى ما لا يروق له من قرارات.
وأدى هذا النظام للكثير من الصعوبات العملية عند تطبيقه، ولكن حكومة مكاريوس استطاعت الحفاظ على وحدة البلاد رغم الكثير من الصعاب الداخلية والخارجية حتى أطاح بها انقلاب عسكرى عام ١٩٧٤ م دبره بعض الضباط الموالين لحكومة اليونان الدكتاتورية العسكرية آنذاك بقيادة نيكوس سامبسون، وهو إرهابى من أعضاء منظمة يونيتا.
وانتهزت تركيا الفرصة، فتدخلت بقوتها العسكرية، وفرضت تقسيما فعليا للجزيرة بين الأتراك والقبارصة اليونانيين وتبع ذلك عمليات ترحيل ونزوح ضخمة بين السكان فى كلا القطاعين، وقد فشل الانقلاب وعاد الأسقف مكاريوس ليتولى رئاسة الجمهورية، ولكنه فشل فى إعادة توحيد الجزيرة، وقد رحل عن عالمنا بعد ذلك بثلاث سنوات، فى ٣ أغسطس ١٩٧٧ م، فخلفه كبريانو فى رئاسة الجزيرة واختير خرسوستوموس رئيسا لكنيسه قبرص الأرثوذوكسية، واستؤنفت المحادثات فى يناير ١٩٧٨ م تحت إشراف الأمين العام للأمم المتحدة بين كبريانو ودنكتاش دون نجاح، وما زالت الجزيرة مقسمة حتى الآن.
стр. 7959
المصادر:
(١) Sir George Hill: A History of Cyprus, ٤ vol., Cambridge ١٩٤٠ - ٢, repr. ١٩٧٢
د. محمد أبو العمائم [أ. هـ دوجروت A. H. Dogrout]
قتيبة بن مسلم
هو أبو حفص قتيبة بن أبى صالح مسلم بن عمرو الباهلى أحد القادة العرب زمن الخلفاء الأمويين.
وقد ولد قتيبة فى سنة ٤٩ هـ/ ٦٦٩ م وهو ينتمى إلى عائلة ذات نفوذ فى البلاط فضلًا عن أملاك كبيرة فى البصرة.
وكان والده مسلم أحد المقربين ليزيد ابن معاوية كما كان هو المسئول عن سجن البصرة وذلك أثناء فتنة المختار، ولكنه انضم فيما بعد إلى صف مصعب ابن الزبير وقتل فى سنة ٧٢ هـ/ ٦٩١ - ٦٩٢ م [فى معركة مسكن] عندما انتهت سيادة مصعب على العراق بعد فشله فى الحصول على عفو الخليفة عبد الملك بن مروان.
وقد ظلت عائلته تتمتع بمكانة سامية فى البصرة. وذكر البلاذرى فى الأنساب أنه كان يوجد هناك مسجد قبلى [أى مسجد صغير للصلوات الخمس فقط] لعشيرة باهلة يعرف باسم مسجد بنى قتيبة.
وقد استلفت قتيبة انتباه الحجاج بن يوسف والى العراق والمشرق بعد اشتراكه فى الحرب ضد حركة عبد الرحمن بن الأشعث التمردية، وبعد أن نجح قتيبة فى القضاء على تمرد عمر بن أبى الصلت عُين واليًا على الرى فى سنة ٨٣ هـ/ ٤٠١ م، ثم لم يلبث أن عينه الخليفة عبد الملك بن مروان واليا على خراسان تحت إمرة الحجاج خلفًا للمفضل بن المهلب، وكان ذلك فى أواخر سنة ٨٥ هـ/ ٧٠٤ م أو أوائل سنة ٨٦ هـ/ ٧٠٥ م.
وعلى ضوء ذلك يتضح أن الوضع قد انقلب فى خراسان، حيث كان آل المهلب (بن أبى صفرة) اليمنيون هم السادة هناك، وذلك لأن قبيلة باهلة كانت خلال العصر المروانى فى جانب القيسية أو عرب الشمال.
стр. 7960
وهكذا بدأ حكم قتيبة الذى استمر هناك لمدة عشر سنوات، وقد ساهم خلالها فى نشر الإسلام فيما يعرف الآن بأفغانستان وآسيا الوسطى (أى الجمهوريات الإسلامية المستقلة التى كانت ضمن الاتحاد السوفيتى السابق) والذى شكّل أحد موجات التوسع العربى الذى كان السمة المميزة لخلافة الوليد بن عبد الملك.
ويرجع الفضل إلى مواهب قتيبة الإدارية التى ساندتها سلطة الحجاج فى توطيد حكم العرب فى خراسان.
إن الوضع المميز للإيرانيين فى خراسان كان أحد العوامل التى ساعدت على نجاح قتيبة هناك، فضلا عن استغلاله لمواهبهم الإدارية. وقد كان مسجلًا فى الديوان خلال عهده حوالى ٧٠٠٠ من الموالى الذين يتقاضون رواتب منتظمة، وكذلك احتاج قتيبة، بالإضافة إلى هذه القوات النظامية، إلى جمع جنود مرتزقة من مدن خراسان وذلك من أجل حملاته الربيعية والصيفية فى أسيا الوسطى، ولقد أشار الطبرى إلى هذه القوات المؤقتة التى جاءته من أهل بخارى وخوارزم الذين حاصروا سمرقند فى سنة ٩٣ هـ/ ٧١٢ م. وقام قتيبة أيضًا بترك مهمة جمع الجزية للدهاقنة الفرس المحليين (أى من سكان البلاد) فضلا عن وضع الحاميات العربية فى بخارى وسمرقند وربما فى كاث بخوارزم أيضًا.
أما بالنسبة إلى القبائل العربية فى خراسان فقد قام قتيبة بتنظيمها على غرار ما كان متبعًا فى البصرة حيث قسمهم إلى خمس مجموعات هى الأزد وتميم وأهل العالية وبكر وعبد القيس، ومثل هذا التقسيم قد ذكر لأول مرة خاول فترة حكمه هذه. وقد قام (جب) Gibb بتقسيم الحملات العسكرية التى خاضها قتيبة إلى أربع مراحل: الأولى استعادة بادغيس وطخارستان فى سنة ٨٦ هـ/ ٧٠٥ م، والثانية فتح بيكند وبخارى وأخذها من الصغد المحليين فيما بين عامى ٨٧ - ٩٠ هـ/ ٧٠٦ - ٧٠٩ م، والثالثة توطيد سلطة العرب فى وادى جيحون وتأمين خوارزم وسمرقند فيما بين عامى ٩١ - ٩٣ هـ/
стр. 7961
٧١٠ - ٧١٢ م، والرابعة الحملات التى أنفذها إلى وادى شحون من شاش ضد اسفيجاب وفرغانه فيما بين عامى ٩٤ - ٩٦ هـ/ ٧١٣ - ٧١٥ م.
وليس من شك فى أن مهارة قتيبة العسكرية وإقدامه ساعدا على إحراز ذلك النجاح، ويضاف إلى ذلك استعداده أيضًا لاستخدام الخديعة إذا ما دعت الحاجة إليها، وكذلك استغلاله للانقسامات المحلية بين أمراء طخارستان والصغد، وما بين المطالبين بعرش خوارزم من الخلافات.
وفى سنة ٨٦ هـ/ ٧٠٥ م تحرك قتيبة ضد أمراء أودية جيحون العليا وهى شومان وأخرون وصغانيان، كما قام أيضًا بإقناع طرخان نيزك حاكم الهياطلة الشماليين فى بادغس بالخضوع للعرب ومصاحبة قتيبة فى حملته القادمة ضد بخارى.
وكانت الحملات الموجهة ضد بيكند وبخارى فيما بين عامى ٨٧ - ٩٠ هـ/ ٧٠٦ - ٧٠٩ م من الحملات الطويلة والشاقة وأخيرًا تم اجتياح بخارى رغم المقاومة المحلية العنيفة التى كانت تساندها المساعدات التركية. وفرضت على المدينة ضريبة مقدارها ٢٠٠٠٠٠ درهمًا كما وضعت حامية عربية بها.
وقام قتيبة ببناء مسجد داخل القلعة وذلك فى سنة ٩٤ هـ/ ٧١٢ - ٧١٣ م كما كان يعطى نقودًا (قدرها درهمان) لكل من يحضر للصلاة (أى صلاة الجمعة) من السكان المحليين.
وقد انشغل كل من قتيبة وأخيه عبد الرحمن بن مسلم فى سنة ٩١ هـ/ ٧٠٩ - ٧١٠ م بإخماد التمرد الأخير لنيزك والذى كان يتواطأ معه فى السر "اليَبْغو" وهو اللقب الذى كان يطلق على الحاكم المحلى لصخارستان، ولما وقع نيزك فى الأسر قام قتيبة بقتله رغم أنه كان قد وعده بالأمان وقد أورد (الطبرى) شعرا للشاعر نهار بن توسعه يمدح فيه تصرف قتيبه ضد نيزك لأنه إنقاذ لمصلحة الإسلام مثلما فعل الرسول [ ﷺ ] مع يهود المدينة، كما نجد شعرًا آخر لثابت قطنه يحذر من تسمية الخديعة بالحركة الجريئة.
стр. 7962
وعلى أية حال فقد تم توطيد الحكم العربى لأول مرة فى طخارستان السفلى كما أصبحت بلخ مركزا للقوة العربية والحضارة الإسلامية وقد قام حاكم خراسان أسعد بن عبد اللَّه القسرى بنقل العاصمة المحلية مؤقتا من مرو إلى بلخ فى سنة ١١٨ هـ/ ٧٣٦ م.
كان قتيبة فى سنة ٩٢ هـ/ ٧١١ م فى سيستان التى كانت فى ذلك الوقت تحت حكم أخيه عمرو، وفيها واجه العرب نقاطهم الحصينة فى زرنج وبست بقيادة الحاكم القوى للهياطلة الجنوبيين (حكام زابلستان) إن وجود قتيبة هناك قد أخاف والى زابلستان مما دفعه إلى الخضوع للعرب مؤقتا ولكنه كما كان يحدث دائمًا فإن هذه الطاعة سرعان ما كانت تزول بمجرد مغادرة القوات العربية، ويعد فتح خوارزم فى سنة ٩٣ هـ/ ٧١٢ م من أروع إنجازات قتيبة فقد كان من نتيجة إنتشار الإسلام هناك على الرغم من أنه قد مرت عدة عقود حتى تم تحويل كل سكان الإقليم أو شاهاتهم إلى الإسلام. وقد ركز قتيبة خلال السنوات الأخيرة من ولايته إهتمامه على الصُّغْد مرة أخرى، كما قام وهو فى طريق عودته من خوارزم بمهاجمة سمرقند وعقد معاهدة سلام جديدة مع حاكمها غورك.
ويبدو أنه فى هذا الوقت تدخل الأتراك الغربيون فى ما وراء النهرين بناء على رغبة أمراء الصُّغْد ومع ذلك فقد حاول قتيبة تأمين أقاليم نهر سيحون المتاخمة لصحراء تركستان متجها إلى شاش واشروسنه.
كذلك شن قتيبة فيما بين عامى ٩٤ - ٩٥ هـ/ ٧١٣ - ٧١٤ م سلسلة من الغارات على فرغانة، ولا يعرف على وجه الدقة عما إذا كان هدف قتيبة من هذه الغارات هو تأمين طريق التجارة فى آسيا الوسطى مرورًا بالصين.
هذا ولم يوافق (جب Gibb) على ما أشار إليه الطبرى من أن قوات قتيبة قد عبرت جبال "تيان شأن" إلى كاشغر ولم يكتف جب بهذا فقط، وإنما وصف
стр. 7963
كل ما قاله الطبرى بأنه غير صحيح بالمرة. وبعد فإن أفول نجم قتيبة فى سنة ٩٦ هـ/ ٧١٥ م كان نتيجة حتمية لانتقال الحكم من الوليد إلى سليمان من جهة ووفاة راعية الحجاج من جهة أخرى فضلًا عن تغير الأهواء الذى كان من نتيجته أن فقدت العناصر القيسية فى بلدان الخلافة ما كانت تتمتع به من رضى الحكام.
وكان قتيبة يقود إحدى حملاته إلى فرغانه عندما علم بنبأ وفاة الخليفة الوليد بن عبد الملك، وبالرغم من أن الخليفة الجديد [أى سليمان بن عبد الملك] قد أقره فى ولايته إلا أنه (أى قتيبة) قد خشى من التغير الكبير فى الاتجاهات ولذلك أعلن تمرده على سلطة الخليفة وأيده فى ذلك أفراد عائلته وقبيلته باهله وحراسه من الرماة الإيرانيين فحسب، أما أغلبية العرب فقد عصوه فيما أقدم عليه من مخالفته الخليفة ورفضوا مساندته وحذت حذوهم فى ذلك القوات الإيرانية من الموالى بقيادة حيان النبطى وقد كان واحدًا من أخلص معاونى قتيبة السابقين.
وعلى ضوء ذلك قام جنود بقتله هو والعديد من أفراد عائلته فى ذى الحجة ٩٦ هـ/ أغسطس ٧١٥ م أو فى الخريف فى مستهل سنة ٧١٦ م على حد قول بعض المصادر الأخرى.
وقد استتبت الأمور فى الشرق عقب وفاة قتيبة لوكيع بن أبى سود التميمى.
وقد ترتب على وفاة قتيبة حدوث نوع من الجمود لعدة عقود فضلًا عن تراجع الفتوحات العربية فيما وراء نهر جيحون كما تمكن الصُّغْد وحلفاؤهم الأتراك من تعبئة قواتهم للقيام بهجمات مضادة.
ومما لاشك فيه أن قتيبة يعد أحد أبطال عصر الفتوحات العربية وقد أورد الطبرى مآثره البطولية، ولكن الهالة التى أحاطته كانت مصدرًا للتضارب حول الأحداث المتعلقة بوفاته.
وقد ظلت ذرية قتيبة متمتعة بنفوذها طوال الفترة الأخيرة من
стр. 7964
العصر الأموى وأوائل العصر العباسى، ونذكر من بين العديد من أولاده وأحفاده الذين تولوا مناصب هامة كلا من ابنه مسلم (ت ١٤٩ هـ/ ٧٦٦ م) الذى عُين واليًّا على البصرة مرتين وحفيده أبا عمرو سعيد بن سالم (ت ٢١٧ هـ/ ٨٣٢ م) الذى عين واليا على أرمينيا والموصل والجزيرة وسيستان والسند وطبرستان.
المصادر:
(١) تاريخ اليعقوبى: تحقيق M.Th.Houtsina ليدن ١٨٨٣ م.
(٢) البلاذرى: فتوح البلدان، تحقيق M.J.de Gooeje، ليدن ١٨٨٣.
(٣) المؤلف نفسه: أنساب الأشراف، تحقيق م. حمد اللَّه، القاهرة ١٩٦٠.
(٤) الطبرى: تاريخ الرسل والملوك، تحقيق M. J. de Goeje ليدن ١٨٧٩ - ١٩٠١ م.
(٥) المسعودى: مروج الذهب، باريس ١٨٦١ - ١٨٧٧ م.
(٦) كتاب العيون والحدائق لمؤرخ مجهول.
(٧) أبو الفرج الأصفهانى: الأغانى، بولاق ١٢٨٥ هـ.
(٨) ابن خلكان: وفيات الأعيان تحقيق F.Wustenfeld جوتنجن ١٨٣٥ - ١٨٥٠ م.
(٩) ابن الأثير: الكامل، تحقيق C.J. Tornberg ليدن ١٨٥١ - ١٨٧٦ م.
د. محمد حمزة [س. أ. بوسورث C. E. Bosworth]
قثم بن العباس
قُثَم بن العباس بن عبد المطلب الهاشمى، من صحابة رسول اللَّه [ ﷺ ]، وهو ابن عمه العباس من أم الفضل لبابة الهلالية أخت زوجة الرسول [ ﷺ ]. وعلى الرغم من أن السيرة تظهر صلته بمحمد [ ﷺ ] كفرد من بنى هاشم قام بغسل جثمانه [ ﷺ ] ونزل معه القبر، أيضًا تشابه ملامحه الجثمانية مع ملامح وهيئة الرسول [ ﷺ ]، إلا أنه أسلم فى وقت متأخر حاذيًا حذو أبيه بعد فتح مكة.
стр. 7965
لم يرد ذكره خلال حكم الخلفاء الراشدين الثلاثة الأوائل، ولكن ما إن تولى على بن أبى طالب الخلافة حتى استعمله واليا على المدينة (٣٦ هـ - ٦٥٦ م). وفى العام التالى عندما اختلف مع طلحة والزبير والسيدة عائشة ولَّاه على مكة والطائف. ويبدو أنه احتفظ بمنصبه هذا طوال خلافة ابن عمه ليحج بالناس عام ٣٨ هـ/ ٦٥٩ م (انظر ابن هشام: السيرة، جـ ٣ ص ١٠١٨، ١٠٢٠ ترجمة جيلوم Guillaume ص ٦٨٧ - ٦٨٨؛ ابن سعد الطبقات جـ ٢ ص ٢، ٧، جـ ٤ ص ٢، ٢٢، جـ ٧ ص ٢، ١٠٠ الأنساب للبلاذرى، تحقيق حميد اللَّه جـ ١ ص ٤٤٧، ٥٦٩، ٥٧٧ - ٥٨٨؛ الطبرى: تاريخ، جـ ١ ص ١٨٣٠، ١٨٣٣، ٣٠٩٢، ٣١٠٦، ص ١٧، ٤٦ محمد بن حبيب، المحبَّر ص ١٧، ٤٦ ابن خلكان: وفيات الأعيان، تحقيق إحسان عباس جـ ٦ ص ٣٥١، إلخ).
بعد ذلك، نال قثم شهرة وإن كانت من خلال الغموض الذى اكتنف موته؛ حيث كان مع الجيش الخراسانى بقيادة سعيد بن عثمان بن عفان أثناء غزوه لبلاد ما وراء النهر فى ٥٦ هـ/ ٦٧٦ م، ومات شهيدًا (كما يذكر محمد بن حبيب ص ١٠٧ والزبيرى فى نسب قريش ص ٧٢) وأما البلاذرى فيذكر فى الفتوح (ص ٤١٢) أنه مات أثناء حصار سمرقند فى ٥٧ هـ/ ٦٧٧ م على حين أغفل الطبرى كل شئ عن موت قثم عند سرده لخبر الحملة. ويؤكد اليعقوبى فى البلدان ص ٢٩٨، والزشخى فى تأريخ بخارى أنه فى الحقيقة توفى فى مرو.
ومهما كانت حقيقة الأمر، فإن قبر قثم المفترض وجوده فى سمرقند أصبح فيما بعد مسجدًا ومزارًا. ويرجح بارتولد أن هذا المسجد إنما بناه العباسيون -أسرته- عند اعتلائهم السلطة. وتشير الكتابات المنقوشة على المبانى المتأخرة زمنيًا والتى تخلط بينه وبين "أفراسياب" إليه بأنه "شاهى زندا" أى "الأمير الحى" أو "شاهى جوانان" "أمير الغثيان".
стр. 7966
ازدهر المزار والمسجد فى العصرين السلجوقى والخرقانى حتى أنه فى عهد السلطان سنجر خلال العقد الثالث من القرن السادس الهجرى/ "العقد الرابع من القرن الثانى عشر الميلادى" على أقرب الظن تأسست "مدرسة قثمية". وعندما زار ابن بطوطة سمرقند بعد قرنين من الزمان من ذلك التاريخ وفى عهد شغطاى علاء الدين ترمشيرين (٧٢٦ - ٧٣٤ هـ/ ١٣٢٦ - ١٣٣٤ م) وجد أكثر الزائرين للمسجد من سكان سمرقند المحليين بالإضافة إلى التتار القاطنين فى المنطقة. وقد ألحق بالمسجد زاوية للزائرين والسائحين وتولى نظارة المزار واحد من سلالة العباسيين هو الأمير غياث الدين محمد بن عبد القادر (٦٢٣ - ٦٤٠ هـ/ ١٢٢٦ م - ١٢٤٠ م) أحد أحفاد المستنصر خليفة بغداد العباسى، وكان غياث الدين هذا قد هاجر من العراق إلى بلاد ما وراء النهر وعمل كناظر للمزار. واستمر المزار موضع عطف ورعاية الحكام بما فيهم التيموريين، وقد بنى ضريح بجوار المزار ينسب إلى قتلغ آقا إحدى زوجات تيمور عام ٧٦٢ هـ/ ١٣٦١ م فلما كان القرن التالى أضيف ضريح آخر إلى ألغ بج. وقد استمرت عمليات التعديل والتبديل والتغيير للمزار مستمرة حتى مطلع القرن التاسع عشر.
المصادر: ورددت فى المتن.
وائل البشير [بوسورث C. E. Bosworth]
قحطبة "الطائى "
ابن شبيب الطائى، قائد عربى. ونحن نجد قحطبة الذى كان اسمه الحقيقى "زياد" مذكورًا فى زمن متقدم يرجع إلى سنة ١٠٠ هـ (٧١٨ - ٧١٩ م) بين نقباء الحركة العباسية الاثنا عشر فى خراسان الذين يقال إن مبعوثا من الكوفة هو أبو عِكرمة -السراج قد اختارهم ليمهدوا لحكم العباسيين. وحينما نشبت الانتفاضة التى أعد لها منذ زمن طويل، فى صيف سنة ١٢٩ هـ (٧٤٧ م) كان قحطبة فى مكة التى قصدها ليقابل فى أثناء الحج زعيم
стр. 7967
العباسيين شخصيًا، والمعروف أنه إبراهيم بن محمد ولم يرجع قحطبة إلى خراسان إلا فى سنة ١٣٠ هـ (٧٤٧/ ٧٤٨ م) بعد أن ولاه إبراهيم بن محمد قيادة قواته. وقد قلده أبو مسلم القيادة العليا فى الحرب ضد الأمويين، وقد هزم تميم بن نصر، ابن والى خراسان الأموى نصر بن سيّار، فى طوس وسقط تميم فى المعركة، وكان على نصر أن يجلو عن نيسابور، ويفر هاربًا إلى جرجان. وحين أرسل والى العراق يزيد بن عمر بن هبيرة، جيشًا إلى جرجان تحت إمرة نباته بن حنظلة الكلابى، تصدى له قحطبة فى ساحة الوغى، فى غرة ذى الحجة سنة ١٣٠ هـ (أول أغسطس ٧٤٨ م) وهزم نباته وذبح، وولى نصر وجهه شطر همذان، لكنه مات فى الطريق فى ربيع أول سنة ١٣١ هـ (نوفمبر ٧٤٨ م). وبعدئذ التفت قحطبة إلى الغرب. وبينما كان ابنه حسن يحاصر نهاوند حيث اتحدت فلول جيش نصر من خراسان مع القوات الشامية لوالى همذان الذى هرب من هناك، شن قحطبة الحرب فى ٢٣ رجب سنة ١٣١ هـ (١٨ مارس ٧٤٩ م) فى جابلق قرب أصفهان، على على بن ضبارة المرّى الذى كان قادمًا عامر رأس جيش شامى كبير. وسقط عامر فى أثناء الصراع قتيلا. وبعد أن انضم قحطبة إلى ابنه، واصل حصار نهاوند بقوة، وبعد بضعة أشهر استسلمت الحامية الشامية، وَقُتُلّ رفقاؤهم من خراسان الذين لم يعلموا بالاستسلام واتجه قحطبة من فوره نحو الكوفة عن طريق حلوان خانقين، وكان قد بعث ابنه قبلا بالطريق المباشر. وتقدم ابن هبيرة ليقابله بجيش قوى، ولكن قحطبة نجح فى التملص منه كما نجح فى عبور نهر دجلة دون أن يصيبه أى ضرر، ثم عسكر قرب الأنبار. وحين تبعه ابن هبيرة، وأقام معسكره فى فام بادقلا على الضفة الغربية لنهر الفرات، عبر قحطبة النهر وسار بجانب الضفة الغربية إلى موقع مقابل لمعسكر العدو. وفى ليلة الثامن من المحرم سنة ١٣٢ هـ (٢٧ أغسطس
стр. 7968
٧٤٩ م) عبر النهر مرة أخرى مع زمرة من الرجال وباغت ابن هبيرة الذى فر بحثا عن النجاة. وفى وطيس المعركة، ووسط هرجها، اختفى قحطبة تمامًا، ولا نستطيع أن نقطع ما إذا كان قد غرق أم قتل فى ساحة القتال.
المصادر:
(١) تاريخ اليعقوبى: تحقيق M.Th. Houts ليدن ١٨٨٣ م، جـ ٢، ص ٣٩٢، ٩٨ وما بعدها، ص ٤١٠ - ٤١٢.
(٢) الطبرى: تاريخ الرسل والملوك تحقيق de Goeje ليدن ١٨٧٩ - ١٩٠١ م، جـ ٢، ص ١٣٥٨، ١٧٢٧، ١٧٦٩، ١٩١٦، ١٩٥١، ١٩٥٣، ١٩٦٢، ١٩٦٤، ١٩٨٨ , ٢٠٠٠ - ٢٠٠٦، ٢٠١٦، جـ ٣ ص ١ - ٩ , ص ١٢ - ١٩.
(٣) ابن الأثير: الكامل، تحقيق C. J. Tornberg ليدن ١٨٥١ - ١٨٧٦ هذه المادة الفهرس.
(٤) ابن خلدون: العبر، جـ ٣، ص ١١٧، ١٢٤ والصفحات التى بعدها.
(٥) Well: Gesch d. chalifen, جـ ١، ص ٦٩٨، والصفحة التى بعدها.
(٦) Wellhausen: Das arabisch Reich ص ٣١٥، ٣١٩، ٣٢٥، ٣٥ والصفحات التى بعدها.
حسن شكرى [تسترشتين K.V. Zettersteen]
قدامة بن جعفر
الكاتب البغدادى أبو الفرج، فقيه لغوى ومؤرخ ومن أوائل من أدخل الدراسة المنهجية لصور الكلام البلاغية فى الأدب العربى. ولم يرد ذكر تاريخ ميلاده فى أى مصدر من المصادر، إلا أنه فيما يبدو ولد فى وقت مبكر يرجع إلى عام ٢٦٠ هـ/ ٨٧٣ - ٨٧٤ م، وتوفى فى وقت لم يحدد تاريخه، وإن كان خبر وفاته فى المصادر يأتى عادة مصحوبًا بعبارة "خلال حكم المقتدر" (أى أنه توفى فى وقت لا يتعدى عام ٣٢٠ هـ/ ٩٢٣ م، ٣٢٨ هـ/ ٩٣٩ - ٩٤٠ م، ٣٢٧ هـ/ ٩٤٨ م, وأما قولهم فى بعض الأحيان بعد عام ٣٠٠ هـ/ ٩١٠ م بوقت
стр. 7969
قصير قول تعوذه الدقة. وكل جانب من جوانب السيرة الشخصية لقدامة وعمله وشخصيته بوصفه باحثًا تثير مشكلات دقيقة لا مجال لمناقشتها هنا. والمعلومات المؤكدة عنه تتلخص فى:
(أ) أنه كان مسيحيا ثم اعتنق الإسلام خلال حكم "المكتفى".
(ب) أنه تولى بعض مناصب ثانوية فى عدة دواوين فى الإدارة المركزية لبغداد إلى أن عُين فى شوال ٢٩٧ هـ/ ٩١٠ م فى "مجلس الزمام" فى "ديوان المشرق" حين عُيِّن أبو الحسن ابن الفرات ولده المحاسن كبير كتاب لذلك المجلس.
(جـ) كان على قيد الحياة فى عام ٣٢٠ هـ/ ٩٣٢ م.
(د) وأنه هو مؤلف كتابه "الخراج" الذى لم يصل إلينا إلا جزء منه، وبالإضافة إلى ذلك فإنه مما لاشك فيه أن كتاب "نقد الشعر" كان من تأليف قدامة حيث ذكر المطرزى فى تعليقه على مقامات الحريرى الذى عاش بعد ذلك بثلاثة قرون هو المصدر الوحيد الذى يشير إلى أن كتاب "نقد الشعر" كان ينسب أحيانًا إلى والده قدامة. لقد خلا تاريخ بغداد من أية ترجمة لقدامة. ولكنه يكتفى بالإشارة إلى واحد اسمه "جعفر بن قدامة بن زياد"، ويصفه الخطيب بالعالم والكاتب الخِنْذِيذ، كما يضيف الخطيب إلى ذلك أن جعفر ألّف عدة كتب تتعلق بالمراسيم وغيرها من المواضيع التى يعتبر فيها حجة كما ذكر أبو الفرج الأصفهانى صاحب الأغانى وأنه كان نفسه تلميذًا لحماد بن إسحق ابن إبراهيم الموصلى، ويشير ابن النديم فى الفهرست أن جعفر والد قدامة لم يكن لديه أى موهبة أدبية وقد ترددت هذه الملاحظة عند ياقوت الذى استعارها عن ابن النديم، ويستدل مما كتبه ياقوت تقويم البلدان جـ ٢، ص ٤١٢ - ٤١٥) أنه لم يكن يميل للأخذ بأن جعفر بن قدامة هذا كان والد مؤلفنا، على أن المطرزى (الذى عاصر الحموى) لا يتردد فى أن يجعل من جعفر بن قدامة المذكور فى تاريخ بغداد
стр. 7970
والد قدامة. وليس من السهل تحديد مجال الاهتمامات الدراسية لقدامة على أساس ما ذكر من عناوين أعماله. إذ يبدو مؤكدا أن لديه الكفاءة اللازمة لفيلسوف وشارح لأرسطو، ومؤرخ وباحث فى فقه اللغة، وخبير فى الإدارة. وبوسعنا إضافة كتاب "زهر الربيع فى الأخبار" الذى ذكره المسعودى (فى المروج) وكذلك ياقوت، وكتاب "الحيوانات" (جوابات، جوابان) الذى ذكره أبو حيان التوحيدى فى "البصائر والذخائر". أما قوائم العناوين التى ذكرها مؤلفون لاحقون، فأغلب الظن أنها قوائم لا يعول عليها ولم تصلنا سوى ثلاثة أعمال فحسب:
(أ) "كتاب الخراج" ولاشك أن العنوان الكامل لهذا الكتاب هو "كتاب الخراج وصناعة (أو صنعة) الكتاب". أما "صناعة الكتاب" الذى ذكره القلقشندى فى كتابه "صبح الأعشى" الجزء السادس ص ٤٨٤ وفى أماكن أخرى منه فلابد أن يكون من تأليف "أبو جعفر النحاس". ولم يصلنا من كتاب الخراج سوى الشطر الثانى (بدءًا من المنزلة الخامسة وحتى المنزلة الثامنة) فهذا الشطر لا يتناول فحسب العديد من الأمور ذات الطابع التخصصى مثل الأقسام التى تتكون منها الحكومة المركزية وفرض الضرائب وأسس هذا الفرض التاريخية والجغرافية والقانونية. . إلخ، بل يعنى أيضًا بالاستعمال اللغوى والتراث الأدبى وأنواع الرسائل الرسمية وطريقة كتابتها. أما القسم الأول فنجد فيه قسمًا (المنزلة الثالثة) مخصصًا للبلاغة الأدبية، وقد تناولها على بن عيسى بالتعليق مصحوبًا بملاحظات طريفة (ذكرت فى كتاب الامتاع) ولعل الاستشهادات التى يتم الاستشهاد بها للدلالة على قدرة قدامة مقتبسة من هذا القسم، كما أن ذيوعه هو الذى أكسب قدامة سمعته التى أصبحت مضرب الأمثال بوصفه أستاذ البيان.
(ب) وليس هناك من سبب يدعونا للتشكيك فى أن "كتاب الألفاظ" أو "جواهر الألفاظ" هو من تأليف قدامة
стр. 7971
حتى ولو كان المطرزى هو وحده الذى تحدث عنه وليس هناك من سبب يدعونا حتى للظن بأنه فى الأصل قد يكون جزءًا من كتاب "الخراج". إن كتاب "جواهر الألفاظ" يضم قوائم لمترادفات وجمل من "السجع" لكى يستعين بها الخطباء وكتاب النثر الفنى، كما يضم مقدمة قصيرة عن الصور البلاغية فى الكلام.
(جـ) يهدف كتاب "نقد الشعر" إلى أن يكون مرشدًا للناقد الأدبى.
ويقول قدامة: إنه لم يكتب على الإطلاق كتاب ما يجعل فى مقدور الناس التمييز بين الجيد والردئ من الشعر فيما عدا المقال الذى كتبه ابن المعتز، والمقدمة التى كتبها ابن قتيبة لكتاب "الشعر والشعراء". وهو يعرّف الشعر بأنه "كلام موزون ومقفى يعبر عن معنى". وهذا التعريف فى حد ذاته لا يمكن استخدامه للتمييز بين الشعر الجيد والشعر الردئ ولكن من الممكن إقامة معايير يقاس بمقتضاها كل عنصر عن العناصر الأربعة المكونة للشعر والتى ينطوى عليها ضمنا هذا التعريف وهى "المعنى" و"اللفظ" و"الوزن" و"القافية" أو يقاس بمقتضاها الجمع بين هذه العناصر اثنين اثنين. (نلاحظ أن الوزن والقافية يعدان جزءًا من اللفظ وهما بحكم طبيعتها خاضعان للقياس). ويذكر قدامة قراءه أن التمييز بين جيد الشعر ورديئه لا يعتمد على الجودة الأخلاقية للموضوع ولا يعتمد على مدى اتساق الشاعر فى المشاعر التى يعبر عنها، بل يتعمد على مهارته فى استخدام العناصر الأربعة فرادى ومجتمعة.
فنجاح القصيدة يعتمد إذن على النسبة بين النعوت والعيوب خصوصًا فى علاقتها بهذه العناصر -ويضع قدامة قوائم بهذه النعوت والعيوب كل فى باب مستقل- ففى الباب الأول يبدأ بمناقشة العناصر الأربعة كل عنصر على حدة. ففى حديثه عن "المعنى" يعترف بأن هناك عددًا لا حد له من المعانى أى المفاهيم والأفكار التى ترد
стр. 7972
إلى ذهن الشاعر- ولذلك فهو يلتزم بمبدأ "الأغراض" أى الموضوعات التى لها صلة بالمعانى وتتطابق معها هذه المعانى.
أما الصور البلاغية التى تأتى بعد ذلك فهو يرى فيها مجرد زخارف تناسب المعنى أو هى توليفات ناجحة للعناصر الأربعة المكونة للشعر.
ويكشف قدامة عن قدر كبير من البراعة فى تصنيفه لهذه الصور البلاغية. أما عن الباب الذى عالج فيه عيوب الشعر فنرى قدامة يدرس الأخطاء الناتجة عن الاستخدام السيئ للعناصر الأربعة فرادى ومجتمعة. وهو بذلك يبين لنا كيف أن الصور البلاغية قد يساء استخدامها. وثمة ملاحظات أساسية نلاحظها على طريقة معالجته، منها:
(أ) اهتمامه بالفلسفة اليونانية ويظهر ذلك فى طريقة تحليله لوظائف الفضائل الأربع: العقل، الشجاعة، العدل، العفة فى ألوان الشعر من مديح ورثاء وهجاء، ولكن لا توجد مع ذلك شواهد تدل على أنه تأثر بكتاب "فن الشعر" أو كتاب "فن الخطابة" لأرسطو.
(ب) دفاعه عن الغلو، إذ يرى أن أحسن الشعر أكذبه.
(جـ) عدم اهتمامه بالشعراء العباسيين الأوائل أو "المحدثين".
وكان قدامة يعتمد على سابقيه من المؤلفين على عكس ما يبدو لنا للوهلة الأولى. فقد تابع خطى ابن قتيبة وابن المعتز على التوالى حين ناقش "اللفظ" و"المعنى" بوصفهما عنصرين مستقلين وحين ميز بين الاستخدام السليم والاستخدام الخاطئ للصور البلاغية، فقد اعتمد على ابن المعتز وعلى النقاد الأوائل فى اختياره للمصطلحات والأمثلة. غير أن نظريته فريدة فى نوعها، تلك النظرية التى بنى عليها الاطار العام لفكرته، وكذلك تطوير هذه النظرية فى جوانب عديدة منها، غير أن المنظومة التى أقامها لم تقدم أساسًا صحيحًا لنظرية فى الأدب وسرعان ما طواها النسيان.
стр. 7973
أما جوانب نظريته التى تتطابق تطابقًا تامًا مع منظومة ابن المعتز ومع أفكار نقاد القرنين الثانى والثالث الهجريين السابقين عليه. فقد كانت موضع قبول من الباحثين وبصفة خاصة تعريفه للمصطلحات الخاصة بالصور البلاغية، وقد تم الجمع بين الصور البلاغية كما قدمها قدامة والصور البلاغية كما قدمها ابن المعتز وأصبح يطلق على مجموعهما اسم "البديع وإن كان من العسير تحديد مدى تأثير قدامة -على وجه الدقة- نظرًا لأن حالات الاقتباس الضمنى أو غير المعترف بها نقلًا عن قدامة تفوق بكثير تلك الحالات التى اقتبست عنه صراحة. وثمة فئة ثالثة من الاقتباسات أخذت عن قدامة دون أن يعرف المؤلفون أنها مقتبسة من نص معين له. وهناك كتاب بعنوان "نقد النثر" نسب خطأ إلى قدامة ولكن أمكن فى عام ١٩٤٩ م تحديد عنوانه الصحيح وهو "كتاب البرهان فى وجوه البيان" لمؤلفه "أبو الحسين اسحق بن إبراهيم بن سليمان بن وهب" الكاتب وإن كان لا يزال يشار إلى هذا الكتاب باسمه القديم فى بعض الأحيان.
المصادر:
ورد معظمها فى المتن بالإضافة إلى د. محمد مندور "النقد المنهجى عند العرب" القاهرة (د. ت).
سعيد عبد المحسن [س. أ. بونيكر S.A. Bonebakker]
قدر
قدر Kadar هذه الكلمة مشتقة من الجذر ق د ر، ويبدو أن معناها الأساسى "يقيس أو يقدِّر" ومن ثم فإن اللَّه إذا قضى وقدّر، فإن المعنى الأساسى يشير إلى أن قضاءه سبحانه وقدره تمَّ بناء على حكمة وتقدير.
هناك رؤيتان متطرفتان ورؤيتان معتدلتان فى هذا الموضوع. والأخيرتان هما المقبولتان فى نظر المسلمين التقليديين، وكلها ترجع إلى نصوص قرآنية وأحاديث نبوية. وتوجد هذه الأحاديث فى كتاب القدر وفى جزء من كتاب الطب فى صحيح البخارى، (انظر أيضًا كتاب الإبانة للأشعرى طبعة حيدر أباد صفحة ٨٤ وما بعدها) و (باب الروايات فى القدر) وهناك
стр. 7974
الجبرية وهم مؤمنون بالقدر تمامًا. فالإنسان ليس له دور على الإطلاق فى الأفعال التى تصدر عنه، وهذا الرأى يعتبر فى نظر الإسلام بدعة. أما الرأى المتطرف من الناحية الأخرى فهو رأى القدرية Karlarites الذين اندمجوا فى آخر الأمر فى المعتزلة. وفى البداية لم يجازفوا باستخدام كلمة الخلق -فاللَّه وحده هو الخالق- وإنما استخدموا كلمات أخف وقعًا مثل الإيجاد والاختراع، ولكنهم فى النهاية قالوا: إن الإنسان "يخلق" أفعاله. أما المذهبان المتوسطان أو التقليديان فهما مذهبا الأشعرية ومذهب الماتريدية. ويرى الأشعرية أن رأيهم هو الأقرب إلى المنطق، بينما اكتفى الماتريدية بذكر الحقائق الواضحة، ومن الواضح أن الأسس التى بنى عليها المؤيدون للإرادة الحرة رأيهم أسس أخلاقية، فإن عدل اللَّه يقتضى أن يكون الإنسان حرًّا، والإسلام التقليدى لا يهتم كثيرًا بهذه القضية، فاللَّه ﷻ أن يفعل ما يشاء.
وإن كان التفتازانى والرازى قد ناقشا هذا المبدأ، وكانت الصعوبة التى واجهت التقليديين هى إحساس الإنسان بالحرية، وقد حل الماتريدية هذه المشكلة بقولهم إن الإنسان له أفعال اختيارية يثاب عليها أو يعاقب، ومنذ القِدَمْ ميّز الإنسان بين أن يقبض على شئ باختياره وأن يتركه رغمًا عنه، ولكنهم لم يجدوا حلًا للتناقض بين هذا القول وقدرة اللَّه الخلاقة المطلقة. وجاء الأشعرى فقدم مبدأ الاكتساب، فالإنسان يرضى بقضاء اللَّه، وهذا الرضى هو إحساس الإنسان بالحرية، ومن الواضح أن الأشعرى يعنى أن هذا الإحساس بالحرية هو أيضًا من خلق اللَّه، وبهذا التصوير لا يزال الإنسان آليًا وإن كان من آليته أن يظن نفسه حرًا. وما بين الرأيين هناك مجال كبير للمناقشة حتى مع المسلمين التقليديين، وقد كان لهذا الرأى تأثير عميق حتى أن الغزالى فى نهاية التحليل النفسى الرائع "بعجائب القلب" فى كتاب الإحياء ذكر حديث "هؤلاء إلى الجنّة ولا أبالى وهؤلاء إلى النار ولا أبالى".
стр. 7975
المصادر:
(١) Von Kramer: Gesch. d. herrsch Ideem des. Islams، ليبزج ١٨٦٨ م صفحة ٢٩ وما يليها.
(٢) Houtsma: De Strijd over het Dogma ليدن ١٨٧٥ م، صفحة ٤٢ وما يليها.
(٣) Goldziher: Vorlesungen صفحة ٩٥ وما بعدها.
(٤) انظر أيضًا وجهة نظر جولدتسيهر Goldziher فى Zeitschr. d. Deutsch. Morggenl. Sesell العدد ٥٧ صفحة ٣٩٢ وما بعدها.
حسين أحمد عيسى [د. ب. ماكدونالد D. B. Macdonald]
قدرية
تطلق هذه الكلمة عادة كوصف أو لقب للمعتزلة، ولكنها تعود إلى ما قبل المعتزلة عندما بدأ المسلمون يطرحون أسئلة متعلقة بالعقيدة حيث كان هناك متشككون فى الإيمان بالقدر. وقد رفض المعتزلة المتأخرون هذا اللقب وقالوا أنه أقرب إلى الذين يؤمنون بأن قدر اللَّه يسرى على كل شئ الحسن منه والقبيح، ذلك لأنهم يؤمنون بأن للإنسان بعض القدرة على أفعاله، ويقول التقليديون أن هذا الموقف من المعتزلة إنما ليتحاشوا الدخول فى قول الرسول [ ﷺ ] "القدرية مجوس هذه الأمة" وذلك لأنهم جعلوا الإنسان خالق للأفعال مما يجعل للَّه شريكًا، كما أن هناك حديثا آخر يقول: "هم المعارضون للَّه فى قدره"، وذلك لأنهم يعلنون أن هناك قدرا منافسا لقدر اللَّه، لهذا يفضل المعتزلة لقب "أهل العدل"، وذلك لأن عدل اللَّه يقتضى أن يكون الإنسان حرًا إذا كان سيثاب أو يعاقب.
المصادر:
(١) انظر ما ورد فى مادة القدر.
(٢) الشهرسستانى: الملل والنحل، جزء ١، صفحة ٥٤ وعلى هامش الملل لابن حزم.
حسين أحمد عيسى [د. ب ماكدونالد D. B. Macdonald]
стр. 7976
القدس
ينقسم تاريخ بيت المقدس الإسلامى إلى ثلاثة عصور يختلف كل واحد منها عن الآخر تمام الاختلاف، ففى خلال القرون الستة الأولى كانت القدس موضع صراع بين الإسلام والمسيحية وبين كثير من الأمراء المسلمين والفرق المتنازعة.
ويمتاز تاريخ هذه الفترة ببناء قبة الصخرة الرائعة الشاهدة على الوجود الإسلامى فى تلك المدينة المقدسة والتى بلغت الذروة فى أحداث الصليبيين وانتهت بما شاهده القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) من تخريب أصاب كل شئ إلّا المبانى المقامة فى منطقة الهيكل والقبر المقدس والتى تركت القدس كومة من الأنقاض.
ثم كانت القرون الستة التالية التى لم تكن مليئة -إلى حد ما- بمثل هذه الأحداث، ولقد عاشت القدس فى الأغلب حياة مدينة إقليمية عادية، وامتد إليها النهب على أيدى العمال وكبار الرجال الشرهين وكثيرًا ما وقعت فى أيدى المحرِّضين على الفتنة سواء من الفلاحين أو الأعراب، إلّا أن القدس استفادت فائدة عظمى من طابعها الدينى الذى وجد اتفاقا فى وجهات نظر السياسة الدينية لكل من المماليك والعثمانيين ومن روح العصر العامة، ولا تزال كثير من المبانى المملوكية تزيِّن أرجاء المدينة القديمة، كما يطالع سور السلطان سليمان القانونى المحيط بها زائرها اليوم.
ويبدأ تاريخ القدس الحديث بفتحها على يد إبراهيم باشا ابن والى مصر محمد على باشا سنة ١٨٣١ م، كما أن الاصلاحات التى بدأها إبراهيم باشا لم يكن فى الامكان تجاهلها من جانب العثمانيين الذين عادت إليهم البلدة عام ١٨٤٠ م.
وتضاءلت القيود التى كانت قد فرضت على غير المسلمين فازدحم داخل القدس القديمة وخارجها بكثير من العمائر والمؤسسات المسيحية المهمّة، كما أن تحسّن ظروف الحياة والمعيشة أغرى كثيرًا من الشخصيات الدينية بالاستقرار فى القدس، فنجد عددًا لا بأس به من سكانها من اليهود منذ
стр. 7977
سنة ١٨٨٠ م تقريبًا، وأصبحت القدس عاصمة "متصرفية" يكون واليها مسئولًا مسئولية مباشرة أمام الحكومة فى استانبول، كما صارت فى سنة ١٩٢٠ م عاصمة فلسطين التى كانت تحت الانتداب، ثم اتخذتها حكومة اسرائيل عاصمة لها ومقرًا لحكومتها فى ديسمبر سنة ١٩٤٩ م، لكن لم يعترف دوليًّا بما اتخذته اسرائيل فى هذا المجال، ولقد كان من حسن الحظ أن حرب سنة ١٩٦٧ م والأحداث التالية لها لم تغير من طابع المدينة القديمة، على حين اتسعت المدينة الجديدة فى كل ناحية وفى كل اتجاه اتساعًا ضخمًا. وستظل القدس تعيش على ماضيها.
ويسوق مجير الدين العلمي مؤرخ القدس العظيم الذى وضع كتابه "الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل" عام ٩٠٠ هـ/ ١٤٩٤ م ملاحظة صادقة هى أنه إلى جانب مادة "فضائل المدينة" و"فتح عمر" والأخبار التى تدور حول قبة الصخرة والعلماء الزائرين لها، فإنه لم يكتب أحد كتابات ذات قيمة كبيرة قبل كتابه هذا، ويعزو جزءًا من هذا النقص فى الأخبار الإسلامية إلى ما جرى من الغزو المسيحى ثم يشير إلى الحقيقة القائلة بأن أبا القاسم المكى الذى ألف كتابًا فى هذا الموضوع قتل على أيدى الصليبيين قبل أن يفرغ من كتابه هذا. على أن السبب الجوهرى لغياب الخبر المنطقى إنما يرجع إلى طابع القدس كمدينة مقدسة عاشت على الاهتمام العظيم الذى لقيته من الخارج والذى كان كبيرًا، وكان أكبر من أى اعتبار سياسى أو إدارى أو ثقافى.
القدس فى القرآن الكريم
لم ترد كلمة "القدس" بصريح العبارة فى القرآن الكريم، ولكن ليس من شك فى أن عبارة "المدينة المقدسة" كانت معروفة عند النبى [ ﷺ ]، ففى القرآن ترد كلمتا "الإسراء، وبنى إسرائيل"، وهنا إشارة واضحة إلى هدم الهيكل الأول والثانى حيث يسميه بالمسجد، إذ جاء قوله تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ
стр. 7978
الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ ويعد هذان الهدمان من الأحداث الحاسمة فى تاريخ بنى اسرائيل، فالرأى الإسلامى السائد هو أن المسجد الأقصى إنما يشير إلى القدس، ونرى عكس هذا فيما يقولونه من أنه لم يكن يوجد ثم بناء يقوم على موقع الهيكل زمن الرسول [ ﷺ ]. وأن "الأرض المقدسة"، تسمى فى القرآن "بالأدنى" فى قوله تعالى ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ وليس بالأقصى الذى أريد به المسجد كما جاء فيما اقتبسناه من قبل سورة الإسراء آية ١ (*).
ومجمل القول أن الآية تعطى انطباعًا عن خبر عروج ليلى إلى قدس من الأقداس السماوية، ولكن معرفة حال موقع الهيكل فى التعريف الجغرافى لم تكن تدخل فى نطاق اهتمامات النبى [ ﷺ ]. كذلك يتشابه الموقف هنا بالموقف المتعلق بالقِبلة حيث جاء قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾. فهنا لا نجد نصًا صريحًا يذكر فيه كلمة القدس، ولكن الرأى الإسلامى أنها هى المقصودة "القبلة الأولى" وهو أمر صحيح لاشك فيه.
الفتح:
بعد وقعة أجنادين (فى صيف ١٣ هـ = ٦٣٤ م) أصبح جنوب فلسطين متاحًا أمام المسلمين، ولم تكابد القدس أى حصار وقد جاءت أخبار ذلك فى الخطبة التى ألقاها ليلة عيد الميلاد سنة ٦٣٤ م "سفرونيوس" البطرك العجوز وكانت قد مضت أربع سنوات منذ فتح المسلمين لفلسطين إلى دخول القدس
стр. 7979
الذى وقع فى مطلع عام ٦٣٨ م (نهاية سنة ١٦ هـ) أو مستهل التى بعدها، وذلك بعد معركة اليرموك الفاصلة فى (رجب ١٥ هـ = اغسطس ٦٣٦ م).
ويُمكن تقسيم الأخبار المتعلقة بسقوط القدس إلى ثلاث مجموعات، فأقدم الأخبار وأصدقها تقرر أن الاستلام تم مع خالد بن ثابت الفهمى أحد القادة القليلين الذين لا نعرف عنهم الكثير.
وكان من شروط تسليم القدس أن تصبح تابعة للمسلمين على ألَّا تمس المدينة بسوء ما دام أهلها يدفعون الجزية المفروضة عليهم (راجع البلاذرى، ص ١٣٩)، ومع ذلك فلا نرى إشارة إلى عقد أى اتفاقية.
أما الصورة الثانية فنطالعها فى مرجعين، أحدهما اليعقوبى جـ ١ ص ١٦٧، والآخر فى حوليات جـ ١ ص ١٧، حيث ذكر كل منهما اتفاقية شديدة الإيجاز وإن لم يختلف مضمونها اختلافا كبيرًا عما هو وارد فى رواية البلاذرى.
ثم نجد أخيرًا شروطًا مشابهة لهذه أضيفت لما اتفق عليه مع السلطات البيزنطية فى مصر، كما أن هناك بعض المؤلفين المسيحيين (وليس كلهم) يضيفون الشرط التالى "إنه لا يؤذن أن يعيش معهم بالقدس أى يهودى" ونصادف هذا الشرط أيضًا فى الطبرى تاريخ، جـ ١ ص ٤٠٥، الذى نقل عنه كثير من المسلمين ممن جاءوا بعده، غير أننا نلاحظ أن المصدر الذى استمد منه الطبرى هذا الخبر هو سيف بن عمر الذى ثبت منذ زمن بعيد عدم إمكانية الاعتماد عليه فيما يقول.
ومثال ذلك ما يخبرنا به نقلًا عن (الطبرى تاريخ، جـ ١ ص ٢٤٠٤)، عن فتح الرملة وهى المدينة التى أتاها ولى العهد سليمان بن عبد الملك بعد ذلك بثمانى سنوات، وإن نظرة عابرة إلى الاتفاقية التى أوردها سيف بن عمر وإلى تاريخها الخطأ وشهودها العجيبين لتبين لنا أنها لا تستحق الاعتبار، ذلك أنه من الطبيعى فى أزمنة الاضطراب كما حدث فى سنة (٨٧٩ هـ = ١٤٧٤ م) حين أمر السلطان المملوكى بإعادة بناء هيكل يهودى فى القدس، أن هذه الاتفاقية كانت تخدم هدفًا معينًا. أما من وجهة النظر المسيحية فمن المفهوم أن بعض الكتّاب أرادوا أن يبقوا
стр. 7980
على أورشليم كمدينة مسيحية (كما كانت فى العهد البيزنطى) لكن ذلك لم يكن فى صالح المسلمين فى شئ كما أن عملهم برهن على أن مثل هذا الشرط لم يوجد مطلقًا (*)
على أنه يمكن إضافة وجهة نظر رابعة إلى هذه الروايات الثلاث القديمة أوردها بعضهم وهى تضيف شروطًا عدة أخرى تضمنها العهد العمرى حيث أخذ المسيحيون على أنفسهم فيما أخذوه ألا يتكلموا العربية، ولعل أكثر من هذا سخرية ما ذكره ابن عساكر (جـ ١ ص ٣٣٣) من أن الاتفاقية عقدت مع عشرين من اليهود على رأسهم يوسف (وهو خطأ من الناسخ بدلا من يوشع ابن نون)، وهذه رواية ملفقة إذ تحمل نفس الاسم، باعتباره الفاتح اليهودى للأرض المقدسة وهو الذى يقوم بتسليمها إلى أيدى المسلمين.
بداية صبغ القدس بالصبغة الإسلامية
يشير الطبرى فى تاريخه (جـ ١ ص ٤٠٨ وما بعدها) وكثير من المصادر الإسلامية والمسيحية المتأخرة إلى زيارة قام بها الخليفة عمر بن الخطاب للقدس، وإن كان كل ما لدينا لايعدو أن يكون مجموعة من الأخبار الموضوعة التى يمكن دحضها بسهولة، إذ تقول إحدى الروايات إن الخليفة اصطحب معه اليهود الذين دلّوه على الموضع الحقيقى للهيكل الذى كان المسيحيون قد طمسوه عن قصد بما هالوه عليه من الأحجار، فلما أزيل ما عليه اقترح كعب الأحبار على عمر أن يصلى خلف الصخرة المقدسة حتى يكون بوضعه هذا مستقبلا القبلتين معا، فرفض الخليفة ما أشار به عليه كعب الأحبار حتى لا يستعمل المسلمون شيئًا سوى الاتجاه إلى الكعبة وحدها؛ وليس من شك فى أن هذا الخبر واحد من الأخبار الكثيرة التى وضعت لدحض "بدعة" المغالاة فى قداسة القدس (انظر ما سيرد ذكره فيما بعد). أما المصادر المسيحية فتقول إن الخليفة
стр. 7981
زار الكنائس ولكنه رفض الصلاة فى أى واحدة منها حتى لا يقدم مسلم من بعده فيدّعى حقه فى الصلاة بها، ولقد كان هذا الخبر يعبّر عن رغبة كريمة وُجِدت فى ظروف خاصة، ولما كانت ظروف الاستسلام قد أعطت النصارى عهد أمان فى أداء صلواتهم فى كنائسهم فإنه من المحتمل أن منطقة الهيكل كانت تستعمل كمكان يؤدى فيه المسلمون صلواتهم من البداية ويبدو مما هو وارد فى المصادر القديمة أن المسلمين الأوائل الذين استقروا ببيت المقدس كانوا من المدينة المنورة أمثال أوس ابن أخى حسان بن ثابت شاعر الرسول [ ﷺ ]، وكان أوس من تلاميذ كعب الأحبار، وكان ورعا تقيا، (انظر ابن سعد ٧/ ٢، ١٤٢) وكان له قبر فى أيام مجير الدين يزوره الناس (راجع الأنس الجليل ص ٢٣٣)، كما يورد ابن سعد لنا أيضًا ثبتًا تضمّن أسماء الكثير من أهل المدينة ممن استقروا بالقدس (ابن سعد ٣/ ٣، ٥٧، ٧/ ٢، ١٢٩. . .) ومن بين هؤلاء الصحابى عبادة بن الصامت أول من ولِّى القضاء بالبلد وكما يقرر الذهبى فى دول الإسلام جـ ١ ص ١٤). ولما كان الأنصار معدودين أصلا من بلاد اليمن فقد كان من الطبيعى أن يكون من أهل اليمن، وهذا ما نستفيده من ابن سعد (٧/ ٢، ١٤٠) ثم استقر هؤلاء اليمنيون هناك.
وربما كان الحديث الذى يشير إلى أن "عمران بيت المقدس هو خراب يثرب" لم يكن سوى كلمة "طيبة" تشير إلى هذا الخروج من عاصمة الحجاز إلى القدس، ولتكملة هذا الحديث: راجع مسند أحمد بن حنبل جـ ٥ ص ٢٣٢، ٢٤٥، والملاحم لأبى داود، ص ٣ والبيان والتبيين للجاحظ (طبعة السندوبى) جـ ٢ ص ٢٨، والبداية والنهاية لابن كثير جـ ٢ ص ٧٩، ووفاء الوفا للسمهودى جـ ١ ص ١٢٠، والسراج المنير جـ ١ ص ٧٤٠ حيث ترد الإشارة إلى مصادر أخرى غير التى ذكرناها.
ويقرر المقدسى والكثيرون غيره أن الخليفة عثمان بن عفان الذى ولِّى الخلافة بعد ثمانى سنوات فقط من فتح المسلمين لبيت المقدس -قد أوقف
стр. 7982
خراج بساتين سلّومة الغاصة بالخضراوات على فقراء المدينة، وصارت سلومة حسب شروط الصلح فى أيدى المسلمين.
وكانت أم الدرداء (زوجة قاضى دمشق الحكيم) تمضى ستة أشهر كل عام بالقدس "وتجلس بين الفقراء" كما يقول صاحب الأنس الجليل، ص ٢٥٤، وربما كانت هذه الأخبار موضوعة وملفقة ولكن أوردها من ذكروها استرضاءً للمسيحيين الأوائل لما كان لهم من نفوذ كبير هناك.
ولقد أدّى الفتح الإسلامى بالجماعة المسيحية الموجودة بالقدس إلى حال من الاضطراب الشدى يد إذْ ما كاد المسلمون يفرغون من فتح البلد حتى مات البطرك العجوز "سوفرونيوس" وظل مكانه شاغرًا لم يشغله أحد حتى سنة ٧٠٦ م.
ونلحظ أن تاريخ بطاركة القدس فى السنوات الأولى من الحكم الإسلامى كان يعتوره من الغموض ما يعتور السلطة الدينية اليهودية هناك خلال هذه الفترة، لكن القدس ظلت محافظة على طابعها المسيحى، فيشير المقدسى إلى أن أيام العطلات النصرانية كانت مرعية.
القدس فى العصر الأموى (*)
امتد حكم الأمويين من سنة ١٩ هـ حتى سنة ١٣٢ هـ، ولم يكد ينصرم عامان على فتح بيت المقدس حتى أصبح معاوية بن أبى سفيان الأموى قائد الجيش العامل فى فلسطين والشام، وطال حكمه بهذه البلاد أربعين عاماء ما بين والٍ [للخليفة فى المدينة] وخليفة بعد قيام الدولة الأموية، ولقد شهدت القدس فى أيامه حادثين من الأحداث الفاصلة ذلك أنه فى سنة ٣٨ هـ = ٦٥٨ م اتفق هو وعمرو بن العاص فاتح مصر اتفاقًا كان فيه تقرير مصير النزاع الذى كان قائمًا حينذاك بين والى الشام ابن أبى سفيان وبين على بن أبى طالب وتضمّن هذا الاتفاق ما فيه صالح معاوية (ابن سعد ٤/ ٢،
стр. 7983
٢٢ وما يليها)، ونص هذا الاتفاق -كما يبدو- صحيح غير موضوع ولما كان شهر صفر أو ربيع الأول من عام ٤٠ هـ (= يوليو ٦٦٠ م) بويع معاوية بالخلافة فى القدس، ولقد أورد هذا التاريخ أحد المصادر السريانية الذى يعود فيقرر أيضًا أن معاوية صلى فى هذه المناسبة فى جبل الجلجتة وعند قبر مريم (راجع فى ذلك Noldeke in ٢ ZMG., xxix, ٩٥) ولم يكن هذا غير مظاهرة سياسية.
وفى خلال حكم معاوية كان اتخاذ منطقة الهيكل موضعًا لصلاة المسلمين قد أصبح أمر، مقررا، وقد وصف الأسقف اركولفوس Arculfus حوالى سنة ٦٨٠ م اتخاذ هذه الناحية مكانا للصلاة انظر L.Bieler: Lorpus lhrinerararia, ١٩٦٥, ١٧٧١ كما يقرر مطهر بن طاهر تقرير، لا لبس فيه ولا غموض أن تشييد قبة الصخرة تطلب استعدادات ضخمة وضعت أيام معاوية التى امتازت بالاستقرار، على حين أن النقش المكتوب عليها مؤرخ بسنة (اثنتين وسبعين للهجرة = ٦٩١ م). ولقد اتسمت بداية عهد عبد الملك بن مروان بالاضطرابات والقلاقل الخطيرة، وكان لعبد الملك أسبابه القوية التى تحمله على بذل الجهود لتكملة العمارة حتى يستقر فى نفوس الناس أنه بطل الإسلام العظيم. غير أن السنوات الأولى من خلافته -كما قلنا- لم تكن تساعده على القيام بمثل هذا العمل الضخم والاستمرار فيه حتى يتمه خلال فترة قصيرة كهذه الفترة.
أما الأمر مع معاوية فكان على النقيض من ذلك إذ تيسر له الثراء الكبير، ولذلك عرف عنه كثرة ما شيد فى مكة من مبان استهدف من ورائها ما يعود بالفائدة على الحجاج والمجاورين لبيت اللَّه الحرام ولم يخلفه من الأمويين من استطاع مجاراته فى هذا الميدان (انظر M.J.Kister: Some reports concerning mercca, in JESHO, xv ١٩٧٢ p. ٨٤ - ٩١).
على أن جولدتسميهر فى كتابه "دراسات إسلامية، جـ ٣ ص ٤٤ - ٤٦" يطيل فى شرح نظرية مؤداها أن عبد الملك فى بنائه قبة الصخرة إنما كان يحاول أن يحمل الحجاج على
стр. 7984
الانصراف إلى القدس بدلًا من مكة التى كانت إذ ذاك عاصمة منافسه عبد اللَّه بن الزبير، ليسوق من الأخبار ما يلقى الضوء على هذا النضال السياسى من أجل الخلافة. وقد صادفت هذه النظرية قبولًا عند بعض المغرضين من كتاب التاريخ الإسلامى ولكنها لم تستطع الصمود، إذ ليس هناك أبدًا من كبار المؤرخين المسلمين من رجال القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) الذين فصلوا أحداث الصراع بين عبد الملك وابن الزبير تفضيلًا دقيقًا، ولا بين الجغرافيين القدماء (بما فيهم المقدسى وهو من أهل القدس) أقول ليس هناك بين هؤلاء ولا هؤلاء من يشير -ولو إشارة عابرة- إلى مثل هذه النزعة من جانب الخليفة الأموى عبد الملك بن مروان، بل نطالع ما يخالف هذا الرأى حين ننظر فى الطبرى (تاريخ، جـ ٢ ص ٧٨١ - ٧٨٣) وغيره من المؤرخين فنراهم يقررون فى جلاء قيام جند عبد الملك بن مروان بالمشاركة فى أداء الحج سنة ثمان وستين للهجرة (= ٦٨٧/ ٦٨٨ م)، بل إنهم كانوا حريصين على أداء هذه الشعيرة حتى أثناء حصار مكة، ذلك الحصار الذى أنكره عليهم ابن الزبير، وكان لابد له بطبيعة الحال أن يرفضه (انظر الأنساب للبلاذرى جـ ٨ ص ٣٦٠). وبالإضافة إلى ذلك فمن الواضح أنه لم يكن فى قيام عبد الملك بمثل هذا العمل ما يؤدى إلى دعم موقفه، بل كان لابد لمثل هذا الأمر أن يعرّض مكانته للخطر إن هو حاول القيام بتغيير وجهة الحج من البقاع المقدسة التى نص عليها القرآن الكريم أو تبديل القبلة فى الصلاة، لأنه إن فعل ذلك فإنه يكون قد هدم أحد أركان الإسلام الخمسة، ووضع نفسه فى زمرة "الكفار"، وأصبح "الجهاد" ضده "فرض عين".
أما المصدران الآخران القديمان اللذان يشيران إلى الزعم بأن عبد الملك حاول ببنائه قبة الصخرة أن يجذب الحجيج إلى بيت المقدس فهما اليعقوبى جـ ١ ص ٣١١. وانيوخيوس جـ ٢ ص ٣٩، وقد تصدى للرد عليهما جماعة من المؤرخين تبينوا ما فى روايتهما من فساد وخلل إذ قالا إن الأمويين نهوا عن الحج إلى مكة مما يناقض تمام
стр. 7985
المناقضة ما ظهر من جانب الخلفاء أنفسهم من أنهم قاموا بأداء الحج.
ويذكر ناصر خسرو الذى زار القدس سنة ٤٣٩ هـ (١٠٤٧ م) أن المسلمين فى فلسطين الذين عجزوا عن الحج تجمَّعوا فى القدس وكأنهم قد انجزوا "الوقوف" بحضرة اللَّه ﷻ على جبل عرفات المقدس. وإن هذه الرواية التى يُدْلَى بها فى بعض الأحيان لدعم نظرية جولدتسيهر يجب أن تفسر فى ظل مفهوم إسلامى أوسع من هذا المفهوم، ونعنى بذلك أن هذا "الوقوف" كان يحدث فى بعض مدن الولايات الأخرى كالبصرة والفسطاط، ويطلق عليه اسم "التعريف" وهى كلمة مشتقة من كلمة "عرفات". (انظر ابن تغرى بردى، جـ ١ ص ٢٠٧)، لكن الحافز الحقيقى الكامن وراء بناء قبة الصخرة فى الموقع الذى هى فيه وبالصورة التى هى عليها إنما كان دافعًا دينيًا، بالإضافة إلى تعريف العرب بأن المنشآت العظيمة تعتبر الشاهد الناطق على عظمة الحكام، ونرى أن رجاء بن حيوة من أهل بيسان الذى وكل إليه الإشراف على عمليات البناء كما يقول صاحب الأنس الجليل، ص ٢٤١، كان من أبرز محدثى الشام، وكان رجلًا ورعًا تقيًا زاهدًا كما هو وارد فى التهذيب لابن حجر جـ ٣ ص ٢٦٦. وكان هو وأمثاله من المؤيدين لهذا العمل. ثم إن إيثار الإسلام لهذه البقعة بالذات يبين فى وضوح أن الإسلام وحده -دون سواه- هو الوريث الوحيد للديانات التى سبقته. يضاف إلى ذلك أن الرخام الرائع المحلى بفصوص الجواهر والزينات المتنوعة كلها إتمام وتصديق لما جاء فيما بشرت به التوراة عن قدس المستقبل، وهى نبوءات أصبحت معروفة للمسلمين (ابن الفقيه جـ ٥ ص ٩٧ فى BGA) حتى إنهم أدخلوها فى الأوصاف الأسطورية التى وصفوا بها هيكل سليمان (شرحه، ص ٩٩)
وتتفق المصادر الإسلامية واليهودية على السواء على أن اليهود كانوا يقومون بالخدمة فى هذه الناحية، إذ كانوا يتولون نظافة الهيكل وإسراج قناديله بل وصناعة القناديل الزجاجية،