زار الكنائس ولكنه رفض الصلاة فى أى واحدة منها حتى لا يقدم مسلم من بعده فيدّعى حقه فى الصلاة بها، ولقد كان هذا الخبر يعبّر عن رغبة كريمة وُجِدت فى ظروف خاصة، ولما كانت ظروف الاستسلام قد أعطت النصارى عهد أمان فى أداء صلواتهم فى كنائسهم فإنه من المحتمل أن منطقة الهيكل كانت تستعمل كمكان يؤدى فيه المسلمون صلواتهم من البداية ويبدو مما هو وارد فى المصادر القديمة أن المسلمين الأوائل الذين استقروا ببيت المقدس كانوا من المدينة المنورة أمثال أوس ابن أخى حسان بن ثابت شاعر الرسول [ ﷺ ]، وكان أوس من تلاميذ كعب الأحبار، وكان ورعا تقيا، (انظر ابن سعد ٧/ ٢، ١٤٢) وكان له قبر فى أيام مجير الدين يزوره الناس (راجع الأنس الجليل ص ٢٣٣)، كما يورد ابن سعد لنا أيضًا ثبتًا تضمّن أسماء الكثير من أهل المدينة ممن استقروا بالقدس (ابن سعد ٣/ ٣، ٥٧، ٧/ ٢، ١٢٩. . .) ومن بين هؤلاء الصحابى عبادة بن الصامت أول من ولِّى القضاء بالبلد وكما يقرر الذهبى فى دول الإسلام جـ ١ ص ١٤). ولما كان الأنصار معدودين أصلا من بلاد اليمن فقد كان من الطبيعى أن يكون من أهل اليمن، وهذا ما نستفيده من ابن سعد (٧/ ٢، ١٤٠) ثم استقر هؤلاء اليمنيون هناك.
وربما كان الحديث الذى يشير إلى أن "عمران بيت المقدس هو خراب يثرب" لم يكن سوى كلمة "طيبة" تشير إلى هذا الخروج من عاصمة الحجاز إلى القدس، ولتكملة هذا الحديث: راجع مسند أحمد بن حنبل جـ ٥ ص ٢٣٢، ٢٤٥، والملاحم لأبى داود، ص ٣ والبيان والتبيين للجاحظ (طبعة السندوبى) جـ ٢ ص ٢٨، والبداية والنهاية لابن كثير جـ ٢ ص ٧٩، ووفاء الوفا للسمهودى جـ ١ ص ١٢٠، والسراج المنير جـ ١ ص ٧٤٠ حيث ترد الإشارة إلى مصادر أخرى غير التى ذكرناها.
ويقرر المقدسى والكثيرون غيره أن الخليفة عثمان بن عفان الذى ولِّى الخلافة بعد ثمانى سنوات فقط من فتح المسلمين لبيت المقدس -قد أوقف
стр. 7982
خراج بساتين سلّومة الغاصة بالخضراوات على فقراء المدينة، وصارت سلومة حسب شروط الصلح فى أيدى المسلمين.
وكانت أم الدرداء (زوجة قاضى دمشق الحكيم) تمضى ستة أشهر كل عام بالقدس "وتجلس بين الفقراء" كما يقول صاحب الأنس الجليل، ص ٢٥٤، وربما كانت هذه الأخبار موضوعة وملفقة ولكن أوردها من ذكروها استرضاءً للمسيحيين الأوائل لما كان لهم من نفوذ كبير هناك.
ولقد أدّى الفتح الإسلامى بالجماعة المسيحية الموجودة بالقدس إلى حال من الاضطراب الشدى يد إذْ ما كاد المسلمون يفرغون من فتح البلد حتى مات البطرك العجوز "سوفرونيوس" وظل مكانه شاغرًا لم يشغله أحد حتى سنة ٧٠٦ م.
ونلحظ أن تاريخ بطاركة القدس فى السنوات الأولى من الحكم الإسلامى كان يعتوره من الغموض ما يعتور السلطة الدينية اليهودية هناك خلال هذه الفترة، لكن القدس ظلت محافظة على طابعها المسيحى، فيشير المقدسى إلى أن أيام العطلات النصرانية كانت مرعية.
القدس فى العصر الأموى (*)
امتد حكم الأمويين من سنة ١٩ هـ حتى سنة ١٣٢ هـ، ولم يكد ينصرم عامان على فتح بيت المقدس حتى أصبح معاوية بن أبى سفيان الأموى قائد الجيش العامل فى فلسطين والشام، وطال حكمه بهذه البلاد أربعين عاماء ما بين والٍ [للخليفة فى المدينة] وخليفة بعد قيام الدولة الأموية، ولقد شهدت القدس فى أيامه حادثين من الأحداث الفاصلة ذلك أنه فى سنة ٣٨ هـ = ٦٥٨ م اتفق هو وعمرو بن العاص فاتح مصر اتفاقًا كان فيه تقرير مصير النزاع الذى كان قائمًا حينذاك بين والى الشام ابن أبى سفيان وبين على بن أبى طالب وتضمّن هذا الاتفاق ما فيه صالح معاوية (ابن سعد ٤/ ٢،
стр. 7983
٢٢ وما يليها)، ونص هذا الاتفاق -كما يبدو- صحيح غير موضوع ولما كان شهر صفر أو ربيع الأول من عام ٤٠ هـ (= يوليو ٦٦٠ م) بويع معاوية بالخلافة فى القدس، ولقد أورد هذا التاريخ أحد المصادر السريانية الذى يعود فيقرر أيضًا أن معاوية صلى فى هذه المناسبة فى جبل الجلجتة وعند قبر مريم (راجع فى ذلك Noldeke in ٢ ZMG., xxix, ٩٥) ولم يكن هذا غير مظاهرة سياسية.
وفى خلال حكم معاوية كان اتخاذ منطقة الهيكل موضعًا لصلاة المسلمين قد أصبح أمر، مقررا، وقد وصف الأسقف اركولفوس Arculfus حوالى سنة ٦٨٠ م اتخاذ هذه الناحية مكانا للصلاة انظر L.Bieler: Lorpus lhrinerararia, ١٩٦٥, ١٧٧١ كما يقرر مطهر بن طاهر تقرير، لا لبس فيه ولا غموض أن تشييد قبة الصخرة تطلب استعدادات ضخمة وضعت أيام معاوية التى امتازت بالاستقرار، على حين أن النقش المكتوب عليها مؤرخ بسنة (اثنتين وسبعين للهجرة = ٦٩١ م). ولقد اتسمت بداية عهد عبد الملك بن مروان بالاضطرابات والقلاقل الخطيرة، وكان لعبد الملك أسبابه القوية التى تحمله على بذل الجهود لتكملة العمارة حتى يستقر فى نفوس الناس أنه بطل الإسلام العظيم. غير أن السنوات الأولى من خلافته -كما قلنا- لم تكن تساعده على القيام بمثل هذا العمل الضخم والاستمرار فيه حتى يتمه خلال فترة قصيرة كهذه الفترة.
أما الأمر مع معاوية فكان على النقيض من ذلك إذ تيسر له الثراء الكبير، ولذلك عرف عنه كثرة ما شيد فى مكة من مبان استهدف من ورائها ما يعود بالفائدة على الحجاج والمجاورين لبيت اللَّه الحرام ولم يخلفه من الأمويين من استطاع مجاراته فى هذا الميدان (انظر M.J.Kister: Some reports concerning mercca, in JESHO, xv ١٩٧٢ p. ٨٤ - ٩١).
على أن جولدتسميهر فى كتابه "دراسات إسلامية، جـ ٣ ص ٤٤ - ٤٦" يطيل فى شرح نظرية مؤداها أن عبد الملك فى بنائه قبة الصخرة إنما كان يحاول أن يحمل الحجاج على
стр. 7984
الانصراف إلى القدس بدلًا من مكة التى كانت إذ ذاك عاصمة منافسه عبد اللَّه بن الزبير، ليسوق من الأخبار ما يلقى الضوء على هذا النضال السياسى من أجل الخلافة. وقد صادفت هذه النظرية قبولًا عند بعض المغرضين من كتاب التاريخ الإسلامى ولكنها لم تستطع الصمود، إذ ليس هناك أبدًا من كبار المؤرخين المسلمين من رجال القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) الذين فصلوا أحداث الصراع بين عبد الملك وابن الزبير تفضيلًا دقيقًا، ولا بين الجغرافيين القدماء (بما فيهم المقدسى وهو من أهل القدس) أقول ليس هناك بين هؤلاء ولا هؤلاء من يشير -ولو إشارة عابرة- إلى مثل هذه النزعة من جانب الخليفة الأموى عبد الملك بن مروان، بل نطالع ما يخالف هذا الرأى حين ننظر فى الطبرى (تاريخ، جـ ٢ ص ٧٨١ - ٧٨٣) وغيره من المؤرخين فنراهم يقررون فى جلاء قيام جند عبد الملك بن مروان بالمشاركة فى أداء الحج سنة ثمان وستين للهجرة (= ٦٨٧/ ٦٨٨ م)، بل إنهم كانوا حريصين على أداء هذه الشعيرة حتى أثناء حصار مكة، ذلك الحصار الذى أنكره عليهم ابن الزبير، وكان لابد له بطبيعة الحال أن يرفضه (انظر الأنساب للبلاذرى جـ ٨ ص ٣٦٠). وبالإضافة إلى ذلك فمن الواضح أنه لم يكن فى قيام عبد الملك بمثل هذا العمل ما يؤدى إلى دعم موقفه، بل كان لابد لمثل هذا الأمر أن يعرّض مكانته للخطر إن هو حاول القيام بتغيير وجهة الحج من البقاع المقدسة التى نص عليها القرآن الكريم أو تبديل القبلة فى الصلاة، لأنه إن فعل ذلك فإنه يكون قد هدم أحد أركان الإسلام الخمسة، ووضع نفسه فى زمرة "الكفار"، وأصبح "الجهاد" ضده "فرض عين".
أما المصدران الآخران القديمان اللذان يشيران إلى الزعم بأن عبد الملك حاول ببنائه قبة الصخرة أن يجذب الحجيج إلى بيت المقدس فهما اليعقوبى جـ ١ ص ٣١١. وانيوخيوس جـ ٢ ص ٣٩، وقد تصدى للرد عليهما جماعة من المؤرخين تبينوا ما فى روايتهما من فساد وخلل إذ قالا إن الأمويين نهوا عن الحج إلى مكة مما يناقض تمام
стр. 7985
المناقضة ما ظهر من جانب الخلفاء أنفسهم من أنهم قاموا بأداء الحج.
ويذكر ناصر خسرو الذى زار القدس سنة ٤٣٩ هـ (١٠٤٧ م) أن المسلمين فى فلسطين الذين عجزوا عن الحج تجمَّعوا فى القدس وكأنهم قد انجزوا "الوقوف" بحضرة اللَّه ﷻ على جبل عرفات المقدس. وإن هذه الرواية التى يُدْلَى بها فى بعض الأحيان لدعم نظرية جولدتسيهر يجب أن تفسر فى ظل مفهوم إسلامى أوسع من هذا المفهوم، ونعنى بذلك أن هذا "الوقوف" كان يحدث فى بعض مدن الولايات الأخرى كالبصرة والفسطاط، ويطلق عليه اسم "التعريف" وهى كلمة مشتقة من كلمة "عرفات". (انظر ابن تغرى بردى، جـ ١ ص ٢٠٧)، لكن الحافز الحقيقى الكامن وراء بناء قبة الصخرة فى الموقع الذى هى فيه وبالصورة التى هى عليها إنما كان دافعًا دينيًا، بالإضافة إلى تعريف العرب بأن المنشآت العظيمة تعتبر الشاهد الناطق على عظمة الحكام، ونرى أن رجاء بن حيوة من أهل بيسان الذى وكل إليه الإشراف على عمليات البناء كما يقول صاحب الأنس الجليل، ص ٢٤١، كان من أبرز محدثى الشام، وكان رجلًا ورعًا تقيًا زاهدًا كما هو وارد فى التهذيب لابن حجر جـ ٣ ص ٢٦٦. وكان هو وأمثاله من المؤيدين لهذا العمل. ثم إن إيثار الإسلام لهذه البقعة بالذات يبين فى وضوح أن الإسلام وحده -دون سواه- هو الوريث الوحيد للديانات التى سبقته. يضاف إلى ذلك أن الرخام الرائع المحلى بفصوص الجواهر والزينات المتنوعة كلها إتمام وتصديق لما جاء فيما بشرت به التوراة عن قدس المستقبل، وهى نبوءات أصبحت معروفة للمسلمين (ابن الفقيه جـ ٥ ص ٩٧ فى BGA) حتى إنهم أدخلوها فى الأوصاف الأسطورية التى وصفوا بها هيكل سليمان (شرحه، ص ٩٩)
وتتفق المصادر الإسلامية واليهودية على السواء على أن اليهود كانوا يقومون بالخدمة فى هذه الناحية، إذ كانوا يتولون نظافة الهيكل وإسراج قناديله بل وصناعة القناديل الزجاجية،
стр. 7986
فإذا كانت هذه المصادر صادقة فيما تقوله فلابد أن ذلك كان فى فترة قصيرة من الزمن وموغلة فى القدم. كما أننا نجد من ناحية أخرى أن الاهتمام بالزيت لإضاءة منطقة الهيكل كان معدودًا من الأعمال الدينية المقدسة عند المسيحيين واليهود على السواء، ويقول الخصّاف المتوفى سنة ٢٦١ هـ (= ٨٧٤ هـ) فى كتابه عن الوقف (ص ٣٤١) أنه إذا ما أوقف مسيحى أو يهودى أرضه أو داره ليصرف ريعها على إصلاح بيت المقدس فيقبل ذلك منه، لأن هذا العمل فى نظره من أعمال الخير، هذا على الرغم من أن المؤلف ذاته سبق له أن أشار بأنه لا يجوز أن يُقبل من ذمى وقف يوقفه على أغراض إسلامية معينة، وحدث أن يهوديًا من أهل إيطاليا من رجال القرن العاشر الميلادى كان أسخى الناس كفا ومن جيادهم قد أوقف زيتا على مكان طاهر فى السور الغربى أعنى على المذبح الموجود بالداخل (Ahim'as: Ehrnicle, ed B. Klar. Jerus - abem ١٩٤٤. P. ٤٧
وإذا خلينا جانبًا بناء قبة الصخرة فإننا نجد أن العصر الأموى حفل بإنشاء إنجازات معمارية ضخمة أقامها بالقدس فى كل من المسجد الأقصى ودار الإمارة، كما استحدث فى هذا العصر بوابات جديدة (ويعيد ابن الأثير الكامل جـ ١١ ص ٢٢٦) الإشارة إلى قصة الباب المزين بنقش أمر به الحجاج وقت أن كان واليًا على فلسطين وكيف أن هذا النقش ظل سليما على حين أن النقش المحفور عليه اسم عبد الملك قد سقط.
كذلك استصلح عبد الملك الطريق الواصل إلى القدس (وهذا مذكور أيضًا فى أحد المصادر اليهودية)، ومن الجلى الواضح أنه كان لمثل هذه العمليات العمرانية الشاملة أثر كبير عند سكان القدس.
إن أساسات المبانى الأموية الواقعة إلى الجنوب والجنوب الغربى للجامع الأقصى والتى كشفت عنها حفريات "هازار" الحديثة التى تمت فيما بين عامى ١٩٦٨، ١٩٧٦ م ترجح أن
стр. 7987
المسلمين خططوا لأن يفعلوا فى فلسطين ما فعلوه من قبل فى إفريقية ومصر والشام، أعنى بذلك أن يقيموا مركزا إداريا بريا يحل محل العاصمة البيزنطية الساحلية (وهى قيصرية)، ونظرًا لعدم وجود مصادر مكتوبة بين أيدينا عن هذا الموضوع فإننا لا نستطيع أن نعرف لماذا لم تَحْظَ القدس فى النهاية بمثل هذا الوضع، وربما كان ذلك بسبب وقوعها على بعد كبير عن خطوط النقل والاتصالات الدولية الرئيسية.
لقد كان تأسيس مدينة "الرملة" كعاصمة لولاية فلسطين على يد ولىّ العهد سليمان بن عبد الملك ضربة لمدينة "اللد" المجاورة لها، ولكنها كانت على المدى البعيد عملًا مجحفا كل الإجحاف بالقدس، وتقول الأخبار المتأخرة إن سليمان بن عبد الملك أخذ البيعة لنفسه فى القدس وأنه كان يعتزم الإقامة بها (انظر ابن كند جـ ٩ ص ١٧٤)، لكنه اتخذ الرملة مقامًا دائما له، ومن ثم أصبحت البلدة هى المركز الإدارى والاقتصادى للإقليم، وكان المقادسة يدركون هذه الحقيقة تمام الإدراك، يتجلى ذلك مما لاحظه أحدهم وهو مطهر بن طاهر (جـ ٤ ص ٧٢) إذ يقول إن بيت المقدس "صار من سواد الرملة، بعدما كان دار الملك فى أيام سليمان وداود".
القدس زمن بنى العباس:
امتدت حكومة العباسيين من ١٣٢ حتى ٣٥٨ هـ (= ٧٥٠ - ٩٦٩ م) (*)، وكانت نهاية الحكم الأموى للقدس (ولفلسطين والشام عامة) فترة شهدت مصائب فادحة، فقد حدث فى أعقاب ما جرى من تمرّد ضد مروان الثانى آخر الأمويين أن امتدت يد الهدم والتدمير إلى أسوار بيت المقدس، وعانى سكانها الأهوال والشدائد، وزادت الزلازل الطين بلة.
حقيقة أن الأسرة الجديدة (العباسية) عنيت فى مستهل حكمها
стр. 7988
عناية خاصة بالمحافظة على طابع المدينة المدينى، وتجلّى ذلك فى أول زيارة قام بها المنصور العباسى، الذى ما كاد يعود إلى بغداد سنة ١٤٠ هـ (= ٧٥٨ م) بعد أن فرغ من حجه بمكة حتى بادر بالذهاب إلى القدس (الطبرى تاريخ جـ ٣ ص ١٢٩) وربما فعل المنصور ذلك ليفى بنذر نذره على نفسه -كما يقول المسعودى جـ ٦ ص ٢١٢) بمناسبة مرور مائة عام قمرى منذ أن بويع معاوية فى المدينة المقدسة ثم كانت الزيارة الثانية للقدس هى التى قام بها الخليفة العباسى نفسه سنة ١٥٤ هـ (= ٧٧١ م) بسبب حدوث فتنة كبرى فى المغرب (الطبرى تاريخ، جـ ٣ ص ٣٧٢)، وقد صحبه حتى بيت المقدس العسكر الكثير الذين جمعهم بنفسه للقضاء على هذه الفتنة (راجع الفتوح للبلاذرى ص ٢٣٣ وابن الأثير جـ ٥ ص ٤٦٧)، كذلك قام ابنه المهدى بزيارة القدس والصلاة بها (الطبرى تاريخ جـ ٣ ص ٥٠٠). أما هارون الرشيد فلم يزرها قط إذْ منعه من ذلك ما اعتاده فى الغالب من الحج إلى مكة بين عام وآخر ومداومته الحضور إلى الشام لمحاربة بيزنطة، وكان ابنه المأمون مثله فى هذا الأمر رغم أنه سافر إلى الشام بل والى مصر وإلى كثير من الأقطار غيرها، وكذلك لم يزرها قط أحد من الخلفاء العباسيين الذين جاءوا بعده. ولقد كان التغيير فى الموقف يعكس الاتجاه الجديد للنزعة الإسلامية التى تكره "البدع" التى أذاعتها الأساطير عن القدس.
ويقرر أحدهم (Theophanes: I, ٤٤٦) أن المنصور فى أثناء زيارته للقدس أمر جميع المسيحيين واليهود بها أن يكتبوا بالوشم أسماءهم على أيديهم حتى لايستطيعوا الهروب من دفع الجزية، لكن ترتب على هذه الإجراءات فرار كثير من النصارى عبر البحر إلى بلاد الروم، ولقد اتخذت هذه الاجراءات وأمثالها قبل ذلك بزمن بعيد، ولكن اتخاذ هذه الإجراءات تجاه القدس فى أثناء هذا الوقت يوضح مبلغ الزيادة الضخمة فى أعداد سكان المدينة المسلمين والذميين، كما ازداد اندماج العناصر المختلفة بعضها ببعض إلى حد كبير. ولابد أن هذه الزيادة كانت ترجع
стр. 7989
إلى دوافع دينية تمسكا منهم بالقول الذى يؤكد للمسلمين أن اللَّه كافل الرزق على الدوام لأهل بيت المقدس (انظر ابن الفقيه جـ ٥ ص ٩٤) ونطالع فى معظم تراجم الصوفية الأوائل لاسيما الايرانيون منهم أنهم عاشوا فى القدس بين آنٍ وآخر (JAOS, lxx, ١٠٧) كما أن المراجع الصادقة تؤكد أن هناك تدفقا كبيرًا إسلاميا جاء من إيران.
ولقد ارتفعت معنويات نصارى بيت المقدس ارتفاعًا عظيما بفضل الاهتمام الذى أولاه للقدس حكام أوربة الغربيون وأتقياؤها، ومهما يكن الحق فيما كان من أمر الشعارات المتبادلة بين هارون الرشيد وشارلمان ومما يقال من تسليم هارون مفتاح القدس وعلمها إلى امبراطور الفرنجة وذلك فى رومة سنة ٨٠٠ م وقت تتويجه امبراطورًا، إلا أن الأمر الذى لا مشاحة فيه أن هناك كثيرا من المبانى استحدثت لتسدّ احتياجات الحجاج [المسيحيين] والوافدين الجدد التى يطلبونها من الناحية الدينية والمادية، ويرجع الفضل فى إقامة هذه المؤسسات بالقدس إلى الإمبراطور شارلمان ومن خلفه (ويوجد ثبت يضم هذه الأعمال وارد فى: Toblerltinera hierozlymitano, I, ٣١٤) ونعرف أن لويس بن شارلمان وخليفته فى حكم الامبراطورية أصدر أمرًا يقضى بأن تدفع كل ولاية فى مملكته "دينارًا denarius" لسدّ احتياجات القدس المسيحية. ومن الواضح أن معظم الأموال التى كانوا يحتاجونها لدفع الجزية وغيرها من الالتزامات المفروضة على نصارى المدينة إنما كانت تأتى من خارج البلاد، ونستطيع أن نتبين ما كانت عليه بِنْيَةُ السكان المسيحية من الكلمة التى تحتوى على النساك الذين كانوا يعيشون فى الخلايا والصوامع على جبل الزيتون، فقد كان منهم أحد عشر فردًا مهمتهم قراءة المزامير باليونانية، وستة لقراءتها بالسريانية، وخمسة لتلاوتها باللاتينية، وأربعة ينشدونها بالجرجية واثنان بالأرمنية وواحد بالعربية (راجع Toble I, ٣٠٢: Op. Cct)
وحدث فى حوالى سنة ٨٠٠ م أن المجلس اليهودى الأعلى المعروف باسم يشيفا Yeshiva والذى يرأسه الحاخام
стр. 7990
الأكبر الذى يسمونه بالجاؤن Caon (وهو يعادل البطرك عند النصارى) انتقل من طبرية إلى القدس، لكن سرعان ما نافس سلطانه القراءون، وهم طائفة يهودية منشقة اتخذت القدس مركزًا لها، وكانت فتوى القرَّائين (التى نمت وتطورت فى أرض إيرانية) تشبه كثيرًا ما تدعو إليه الشعوبية فى الإسلام من وجوب العودة إلى الكتاب المقدس وإحياء اللغة العبرية واتخاذ الأرض المقدسة وطنًا والاستقرار بها. والغالب أن هذه الحركة ولدت وترعرعت فى دوائر قريبة من العرب أو موظفى الحكومة اليهود وغيرهم من البارزين فى المجتمع. ولقد ترتب على ذلك أن أصبح من اليسير على "القرائين" المستقرين فى القدس أن تكون لهم اليد العليا، كما صارت القدس فى واقع الأمر مركزهم الروحى الرئيسى. وقد حدث فى أثناء المنازعات الجدلية بين هذه الجماعات اليهودية وفى خلال الفتن التى كانت ظاهرة تميز بها القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) أن فَقَد أحد رؤساء اليهود الجاؤن حياته، وكاد أن يلحقه اثنان غيره ويشاركانه مصيره لولا نجاحهما -ولكن بعد مشقة- فى الفرار فكتبت لهما الحياة. (I. Mann: Jews in Egypt and the Fatimids, reps.٤٧٠, Palestine under p.٥٧
ولقد تعلمت هاتان الطائفتان بمرور الوقت التعايش معًا جنبًا إلى جنب والتعاون فيما بينهما فى مصر، وإن كان ذلك على مجال أقل فى القدس *. ولقد اعترف الفاطميون بجاؤن القدس رئيسًا ليهود القدس الربانيين فى الدولة الفاطمية (انظر Giotein: A Mediterauaeu Socicly, Berhley ٢ les Augeles, ٩٧/.٥ ff
وقد حدث فى أثناء عهد المأمون (٩١٨ - ٢١٨ هـ = ٨١٣ - ٨٣٣ م) أن ضربت المجاعة القدس وقل عدد مسلميها مما ساعد البطرك على اغتنام الفرصة لإنجاز بعض الترميمات فى مبانى البلد الدينية (Eutychius, ٥٥ - ٥٧) لكن الذى كان أشد هولًا هو فتنة الفلاحين الكبرى التى اندلعت نيرانها قرب نهاية حكم الخليفة المعتصم (٢١٨
стр. 7991
- ٢٢٧ هـ = ٨٣٣ - ٨٤٢ م) وكانت بقيادة رجل عرف بأبى حرب المبرقع [اليمانى، فقد كان غائبًا عن داره فلما حضر أنبأته امرأة من آل بيته أن جنديا دخل الدار فدفعته فضربها بسوط أثر فى ذراعها، فلما رأى أبو حرب أثر الضرب اشتمل سيفه ومضى إلى الجندى المعتدى فقتله ثم هرب ووضع على وجهه برقعا، ومضى إلى جبل من جبال الأردن لا يعرف أحد له خبرًا، فإذا كان الوقت نهارًا ظهر وراح يحث الناس على الأمر بالمعروف وشايعه الكثيرون لاسيما من اليمنية] وأحدث فتنة سرعان ما اجتاحت أرجاء بلاد الشام، وادعى أبو حرب بدعوى السفيانى، الذى هو من أصل أموى، وقلل مقدار الجزية وأسرف فى وعوده للناس، ثم دخل القدس ففر من أمامه أكثر سكانها من المسلمين والمسيحيين واليهود، وامتدت أيدى من معه بالنهب والسلب ولم تسلم أماكن العبادة ولم يحل بينه وبين أن يحرق القبر المقدس إلّا ما دفعه له البطرك من الأموال الطائلة، ولقد برهنت هذه الفتنة على أنها حقا "ثورة فلاحين" إلا أنها عجزت عن الصمود فى وجه القوات النظامية التى بعث بها الخليفة المعتصم بقيادة رجاء بن ايوب الحضارى، وانتظر حتى إذا صار أبو حرب المبرقع فى زهاء ألف أو ألفين من رجاله هاجمه ووقع أسيرًا وبعثوا به إلى المعتصم. راجع فى ذلك ابن الأثير الكامل جـ ٦ ص ٣٧١ - ٣٧٢. الذى لم يشر إلى القدس.
ولما كانت سنة ٢٥٦ هـ (= ٨٦٩ م) ولى حكم الشام وفلسطين لأول مرة وال تركى اسمه "امجور" كما يقول ابن الأثير ولكن ذلك لم يؤد إلى تغيير فى أساليب الحكم العباسى الذى طبع منذ زمن بعيد بطابع البيروقراطية التى تعتمد إلى حدّ كبير على المرتزقة الأجانب الماجورين ثم قام "اثيودوسيوس" بطرك القدس وأثنى على المسلمين لسماحهم للنصارى بتشييد الكنائس وممارسة شعائر دينهم دون ضغط أو تضييق عليهم J. D. Mansi: cancibiarum collctio, repr., ١٩٦٠, xvi, ٢٦
كما أبدى الراهب "برنارد" إعجابه بسلامة الطرق فى البلاد (راجع: Tobler
стр. 7992
Itinera, ٣١٠. ولقد قام أحمد بن طولون الذى أخذ فى يده مقاليد السلطة سنة ٢٥٤ هـ (= ٨٦٨ م) فغزا فلسطين عام ٢٦٤ هـ (= ٨٧٨ م) لكنه لما قامت الحرب بين الطولونيين والاخشيديين وبين ولاة مصر وساداتهم العباسيين لم تحرّك القدس ساكنًا ولم تقم بأى دور فى هذا الصراع، غير أن دور القدس دخل منعطفًا جديدًا ذلك أن الاعتقاد السائد بأنها سوف تكون مسرح القيامة والباب المؤدى إلى الجنّة كما يقول ابن الفقيه، أقول كان لهذا الاعتقاد أثره فيما جرى من جانب الأثرياء إذ أعدّوا أنفسهم ليدفنوا بها؛ ويقرر الطبرى (تاريخ جـ ١ ص ٤٨٦) وغيره من المؤرخين أن اليهود من كافة الأقطار فعلوا ما فعله موسى إذ حمل نعش يوسف معه من مصر، فراحوا يجيئون بموتاهم إلى الأرض المقدسة. وتبرهن كثير من وثائق "الجنيزة" على أن هذه العادة انتشرت بصورة ملحوظة حتى بين ذوى الدخل المحدود وأنها ترجع إلى أيام الرومان حين كان اليهود الحميريون يدفنون موتاهم فى مقبرة "بيث شعرييم" قرب حيفا. ويبدو أن هذه العادة أصبحت عامة مألوفة فى القرن الرابع للهجرة (العاشر للميلاد) بين المسلمين أنفسهم، فنجد أن "عيسى ابن موسى النوشرى" -وهو أول والٍ عباسى على مصر بعد زوال الطولونيين يدفن فى القدس سنة ٢٦٩ هـ (= ٩٠٩ م)، كما ضم ثراها رفات مؤسس الدولة الاخشيدية التركى محمد بن طغج الذى مات بدمشق سنة ٣٣٤ م (٩٤٦ م) فحملوه إلى القدس ودفنوه بها كما دفنوا رفات غيره من أهل بيته وحواشيهم ومنهم الخصىّ الأسود كافور أحد حكام مصر.
ويسوق الطبرى (تاريح: جـ ٣ ص ٢١٢٨) وآخرون غيره فى أحداث عام ٨٩١ م أن طائفة القرامطة الباطنية كانوا يتجهون فى صلاتهم نحو بيت المقدس ولم يفت الطبرى أن يلاحظ فى الوقت ذاته أنهم يجعلون يوم الاثنين يوم صلاتهم الاسبوعية بدلا من يوم الجمعة، ويتشبهون باليهود فيجعلونه يوم راحتهم. ولم تكن هذه الأمور الغريبة وأمثالها من الأمور المتبعة فى الإسلام. ولقد واصل القرامطة غاراتهم
стр. 7993
المدمرة فلم تسلم منهم فلسطين، لكن لا توجد ثمة إشارة على وصول هذه الغارات إلى بيت المقدس.
إن عدم قيام حكومة مركزية قوية أثناء القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) إلى جانب ظروف أخرى مثل الاعتداءات البيزنطية على التخوم الإسلامية والتى بلغت ذروتها على يد الإمبراطور "نقفور فوكاس" الثانى فى سنة ٩٦٤ م حتى راح يتباهى بتهديده بالاستيلاء على القدس وانتزاعها من يد المسلمين، . . . كل ذلك أدّى إلى وقوع مصادمات بين شتى الطوائف الدينية المختلفة، فقد تم الاستيلاء على نصف الساحة الخارجية للقبر المقدس وأنشئ مكانها مسجد عرف فيما بعد بمسجد عمر، وذلك تأكيدًا بأن الخليفة صلَّى هنا. وكان ذلك ردًا على الدعاوى المسيحية، كما أنه جرى بعد قليل من هذا الحادث، وفى يوم حدّ السعف عام ٩٣٨ هـ, أن هوجم احتفال مسيحى وأضرمت النار فى القبر المقدس، على أن سوء الأوضاع فى هذا العصر بلغ ذروته فى أحداث عام ٣٥٥ هـ (= ٩٦٦ م) مما حمل بطرك القدس على أن يلتمس من والى مصر العبد الحبشى كافور الاخشيدى أن يتدخل بنفسه لوقف تجاوزات والى القدس الظالم حين فرض على النصارى مطالب مالية جائرة فبادر كافور الاخشيدى وبعث من ناحيته ضابطا تركيا لحماية النصارى ولكن واليه القاسى لم يتزحزح قيد أنملة عن موقفه الذى تمثل فى تحريكه الرعاع ضد البطرك حين ألزمه -يوم الاحتفال بأحد السَّعف- على أن يدفع أكثر مما جرت العادة بدفعه فى مثل هذا اليوم، وترتب على ذلك أن امتدت يد النهب إلى القبر المقدس وغيره من الكنائس وأشْعِلَتْ فيها النيران حتى لقد اغتيل البطرك ذاته فقتل وأحرق جثمانه. وإذا كان يحيى ابن سعيد الانطاكى هو الذى يروى هذا الخبر فإنه يضيف إليه أن اليهود بزّوا المسلمين فى تدمير المبانى المقدسة، ولكن هذا الأمر يبدو من الأمور المستغربة إذا أخذنا بعين الاعتبار ضعف موقف اليهود فى بيت المقدس لكن ربما وجدنا تفسيرًا لهذا العمل من
стр. 7994
جانب اليهود فى ملاحظة عابرة ذكرها أحد الكتَّاب القرّائين المعاصرين لهذه الأحداث وهى تشير إلى ما كان يدبرُه المسيحيون من مكائد سرّية ضد اليهود بالمدينة (J. Mann: Texts and studies II, ١٨ - ١٩).
وكذلك كثرة شكاياتهم من اليهود وقد وردت هذه كلها فى ثنايا الرسائل التى وصلت من القدس والبندقية إلى هنرى الأول سنة ٩٢٢ م.
الفاطميون والتركمان والسلاجقة (٣٥٨ - ٤٩٢ هـ = ٩٦٩ - ١٠٩٩ م).
سرعان ما دخلت فلسطين (بما فيها القدس) تحت سيطرة الفاطميين بعد قليل من فتحهم لمصر، لكن دخولهما فى دائرة هذا النفوذ الفاطمى لم يصحبه إلا مشاركة ضئيلة فى الازدهار الاقتصادى الذى حدث فى السنوات المائة الأولى من حكمهم، وكانت فلسطين عرضة على الدوام لغارات القرامطة والبدو الذين تحالفوا معا وصاروا يدًا واحدة لكن سرعان ما جاء كل فريق منهم على حدة منذ سنة ٣٦٣ هـ (= ٩٧٤ م) ولقد ظل بنو جَرَّاح لمدة تقرب من سبعين عاما يحاولون الاستيلاء على الإقليم بما فيه القدس (انظر ابن الأثير ١٠/ ٣٠٨)، وكان الأباطرة البيزنطيون يعاونونهم فى بعض الأحيان، وقد بلغت هذه الغارات غاية ما يمكن أن تبلغه من ايقاع الأذى والضرر فى العشرينيات من القرن الحادى عشر الميلادى، ولم يكن لها مثل فى الأقطار الإسلامية (انظر رسالة "جنيزة"، فى J.Mann: Jeus in Egypt, II. ١٨١
كما أن التفاصيل الواردة فى رسائل الجنيزة تبعث فى النفس النفور. لكن الاضطرابات المحلية التى كانت لا تنقطع أبدا قد غطت عليها -مؤقتًا- الاضطهادات العامة التى وقعت على المسيحيين واليهود بأمر الخليفة الحاكم (٣٨٦ - ٤١١ هـ = ٩٩٦ - ١٠٢١ م) والتى بلغت ذروتها فى محاولة هدم القبر المقدس يوم ٢٨ سبتمبر ١٠٠٩ م ولا يمكن تفسير هذا الإجرام الشاذ على ملابسات خاصة كاضطراب ذهن الخليفة أو غضب المسلمين بحجة انقاذ الحمية الدينية M. Cunard: La destrution
стр. 7995
dele Egylise de la Resurrection et la descente du leu socre (Byzantion, xxv, ١٩٦٥, ١٦ - ٤٣، واستغرق الاضطهاد وقتا طويلًا ولم يقع الاضطهاد على اليهود إلا بدءًا من سنة ٤٠٢ هـ (= ١٠١٢ م) فى اللحظة التى أخذ فيها مسيحيو القدس (مساعدة فى السر أو تأييدا من جانب الشيخ البدوى مفرج ابن الجراح) ليحاولوا إعادة إصلاح الهيكل المقدس (القبر المقدس)، ومن المحتمل كل الاحتمال أن ما حدث فى سياسة القيادة الإسماعيلية من التحول كان هو السبب الرئيسى فى وقوع هذا الاضطهاد، وعلى أية حال فإن هذا الأمر جعل القدس كومة من الأطلال بعد أن كانت عامرة قبله بالعديد من العمائر المسيحية. يضاف إلى ذلك أن زلزال سنة ٤٠٧ هـ (١٠١٦ م) الذى ترتب عليه سقوط الصخرة زاد الأحوال سوءًا، وقد جاء فى إحدى رسائل (الجنيزة) أن سقوط القبة حدث يوم الخامس والعشرين من يوليو فى الرابعة ظهرًا (Texts: mann and studies i, ٣١٣، إذا كان الزلزال قد تناقص فقد تناقص الاضطهاد وزالت حدته، لكن ترتب عليه أن بلغ اليهود والمسيحيون من الفقر والمتربة حدًا لم يعودوا يستطيعون معه التخلص من هذا الدمار إلا بعد مرور ما يقرب من أربعين سنة حين تم إعادة ترميم القبر المقدس فعاد إلى ما كان عليه من قبل.
وأخذت القدس (حوالى منتصف القرن الخامس الهجرى - الحادى عشر الميلادى) تحل محل الرملة فى أن تكون المدينة الكبرى بالإقليم ولقد عانت "الرملة" كثيرًا من جراء زلزالى ٤٢٤ هـ (= ١٠٣٣ م) و ٤٦٠ هـ (= ١٠٦٨ م) وبسبب ما ابتليت به من النهب والسلب والدمار على يد البدو مما أثر فيها أكثر مما أثر بالقدس (راجع يحيى بن سعيد الأنطاكى جـ ٢ ص ٢٠١).
غير أنه جرى أمر على غير ما كان متوقعًا ذلك أنه ازداد تدفق سيل الحجاج القادمين من أوربا إلى بيت المقدس زيادة عما كانت عليه من قبل، حتى لقد شهدت سنة ١٠٦٥ م قافلة من قوافل الحجاج الأوربيين الذين جاءوا
стр. 7996
من جنوب ألمانيا وهولندة بلغ عدد أفرادها اثنى عشر ألف حاج، وقد وصل إلينا وصف شيق لهذه القافلة خلفه لنا لامبرت من أهل هرسفيلد.
كذلك يمكن الإشارة إلى ما طرأ من تطور على أساليب الحرب والتحصينات مما جعل الدفاع عن القدس أسهل من الدفاع عن أى مدينة تقع فى منبسط من الأرض مثل "الرملة" ولقد كانت شدة شكيمة بنى جراح وغيرهم من جماعات البدو عاملًا هامًا كان له أثره فى قيام الفاطميين بتقوية أسوار المقدس مرتين، جرت الأولى ٤٢٤ هـ (= ١٠٣٣ م) والثانية فى سنة ٤٥٥ هـ (= ١٠٦٣ م) وهكذا لم يدخل الثلث الأخير من القرن الخامس الهجرى (= الحادى عشر الميلادى) حتى أصبحت القدس (وليس الرملة) فى بؤرة الأحداث الحربية.
لقد أدت الغزوات السلجوقية إلى خروج الكثيرين من رعاع العسكر من شتى الأمم ممن تحركهم الأطماع، وكانوا بقيادة جماعة من المخاطرين الغلاظ الأكباد، كان منهم واحد تركمانى اسمه "اتسز بن أفاك" كانت حكومة الفاطميين قد اضطرت للاستعانة به ضد البدو -دعاة الفوضى- فى فلسطين، وكان الدافع للفاطميين إلى الاستعانة بهذا الرجل هو شدة المجاعة وتفاقمها وتفشى الأوبئة فى مصر وما عمها من الفوضى التى سادتها، ولكن ما لبث "أتسز" أن انقلب على الفاطميين واستولى على بيت المقدس عام ٤٦٣ هـ (= ١٠٧١ م) بعد أن حاصرها حصارًا طويلا، وقد مدته انتصاراته بقوة دفعته إلى مهاجمة مصر ذاتها، غير أن عودة الأمن واستتباب الأمور بها على يد بدر الجمالى الأرمنى الأصل الذى جبّ دينه وأسلم، كل ذلك أرغم "اتسز" على الارتداد سنة ٤٦٩ هـ (= ١٠٧٧ م) [دون أن يحقق هدفه وهو الاستيلاء على مصر]. وتوجد قصيدة عبرية طويلة تشيد بالنصر الفاطمى، وقد نظم هذه القصيدة ثرى يهودى من ثراة فلسطين، فصل فيها الخطوب التى حاقت بالقدس لاسيما ما أنزلته جموع "اتسز" من الدمار ببساتينها وكرومها
стр. 7997
وأحراج أعنابها، قد نشر هذه القصيدة جرينستون سنة ١٩٠٦ فى دورية Ajsll (ص ١ - ٣٤). وكان هذا العمل التخريبى حاملًا الأهالى على الثورة والوقوف فى وجه الهمج ومحاولة صدهم.
غير أن "أتسز" قام مرة أخرى بمحاولة استهدف من ورائها الاستيلاء على القدس فحكم السيف فى رقاب الأهالى ولم يستثن منهم أحدا حتى من لجئوا إلى الجامع الأقصى. أما الذين فروا إلى قبة الصخرة فكانوا الوحيدين الذين نجوا من المذبحة، لكن سرعان ما لقى "اتسز" نهايته على يد "تتش" أخى السلطان السلجوقى ملكشاه الذى كان حينذاك واليا على دمشق (٤٧٠ هـ = ١٠٧٨ م) ومن ثم دخلت القدس فى فلك الدولة السلجوقية الكبرى التى امتدت حدودها "من كاشغر إلى القدس" كما يقول اليافعى فى كتابه مرآة الجنان (جـ ٣ ص ١٣٠)، ثم أقطع "تتش" بيت المقدس إلى "ارتق" مؤسس الأسرة الأرتقية التى قامت فى أرض الجزيرة من العراق. على أنه ليس من المعروف على وجه الدقة متى كان أخذ ارتق للمدينة، ولكننا نجدها فى يده سنة ٤٧٩ هـ (١٠٨٦ م) (انظر ابن الأثير الكامل جـ ١٠ ص ٩٦) ثم أقطعها لاثنين من أولاده فى سنة ٤٨٤ هـ (= ١٠٩٦ م).
ولما كان شهر شعبان سنة ٤٩١ هـ (= يوليو ١٠٩٨ م، ابن ميسر طبعة ماسيه، ص ٥٤)، وقد أخذ الصليبيون فى الزحف على القدس، قام الأفضل -وكان نائب الخليفة الفاطمى فى دمشق- وحاصر البلدة ورماها "من أربعين آلة منجنيق لمدة أربعين يوما" (راجع ابن خلدون العبر جـ ٥ ص ١٨٤) فاستسلم الأخوان، غير أن الأفضل أطلق سراحهما دون أن يمس أحدهما بأذى على أنه ليس أدل على عدم إدراك المسلمين لضخامة التهديد الصليبى وخطره من أن سلجوقيا آخر اسمه "رضوان بن تتش" خرج من دمشق وعرج على نابلس لانتزاع بيت المقدس من أيدى الفاطميين، لكنه لم يكن بالقِرْن الذى يستطيع مجابهة جيش الأفضل وعاد النائب إلى مصر بعد أن خلف حامية صغيرة بالقدس.
стр. 7998
الحياة بالقدس فى القرنين الرابع والخامس للهجرة
إن الإشارات الجمة الواردة فى مؤلفات المؤرخين المسلمين وفى أكثر من مائة رسالة من رسائل "الجنيزة" من القدس والتى كتبت خلال القرن الخامس من الهجرة (= الحادى عشر الميلادى) لتساعدنا على رسم صورة صادقة عن واقع الحياة فى القدس خلال القرنين السابقين لاستيلاء الصليبيين عليها، وينطبق هذا أصدق انطباق -وعلى وجه الخصوص- على الثلث الأخير من القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) حين كتب المطهر بن طاهر والمقدسى ما كتباه، وكذلك ينطبق على الثلث الثانى من القرن الخامس الهجرى (= الحادى عشر الميلادى) حين زار ناصر خسرو المدينة، وحين كان الإقليم ينعم بشئ من الهدوء الذى يسود فى الأوقات العادية، وهى الفترة التى كانت فيها بين فظاظة البدو الغلاظ وبين ما ارتكبه التركمان من أعمال التدمير، ويتجفى هذا واضحًا فى رسائل "الجنيزة" التى بين أيدينا.
كان من الطبيعى أن يصرف الجغرافيون جل اهتمامهم بالمبانى المقدسة والتحصينات، من بين هؤلاء المقدسى وكان من الرجال الدقيقى الملاحظة، ومما يدل على دقة ملاحظة ما دوّنه عن وجود حمَّام قرب باب الأسباط (المعروف الآن بباب القديس استيفان) الذى بنى أحد نصفيه على النمط المحلى المألوف، ونصفه الآخر على نمط العمارة الفارسية.
وأثنى المقدسى على جمال بيت المقدس الفريد فى بابه وأطنب فى ذكر أسواقها النظيفة الحافلة بشتى أنواع السلع، كما أشاد بحماماتها العامة، وهو لا ينسى أن يشير إلى "الكنف" القريبة من المساجد والموجودة أيضًا بالأسواق، ويبدو أن العمارة الإسلامية فى القدس خلال القرن الرابع الهجرى، العاشر الميلادى كانت تتركز فى مساجد الحرم، ونستفيد مما ذكره مجير الدين فى الأنس الجليل ص ٦٤، أنه حدث فى أعقاب اضطهاد الحاكم أن تحولت بعض العمائر المسيحية إلى "زوايا" وحدث أن قامت إحدى الطوائف الدينية الفارسية
стр. 7999
المعروفة "بالكرامية" (والتى نزلت أولا بالقدس) بتشييد بعض الخوانق لينتفع بها أتباعها؛ وذلك حوالى منتصف القرن الثالث للهجرة (التاسع للميلاد)، كما أننا نرى -خلال منتصف القرن الخامس (الحادى عشر للميلاد) مثل هذه الزوايا قد أقيمت فى الحى المسيحى بالقسم الشمالى الغربى من المدينة، أى حول القبر المقدس وحول بعض الكنائس التى ترجع إلى عصر قديم، كما أنشئ حى خاص بالأرمن قرب كاتدرائية سنت جيمس فى الناحية القبلية، كذلك أقيمت منطقتان يهوديتان إحداهما قريبة من سور البلد الغربى حيث يصلى الناس والأخرى قرب باب دمشق. وربما كانت "السيناجوجات" (الهياكل اليهودية) التى يشير إليها كل من المطهر وناصر خسرو وابن القلانسى هى "المدراشات" أو دور العلم التى وردت الإشارة إليها فى إحدى رسائل الجنيزة كأماكن تقام بها الصلوات. أما "القراءون" فكان لهم حيّهم الخاص بهم الواقع جنوبى المدينة والمسمى بحارة "المشارقة" نظرًا لأن غالبيتهم العظمى كانت وافدة من الشرق: من فارس والعراق.
وقد يكون من العسير أن نقرر كم كان عدد السكان وإن كان ناصر خسرو يقدرهم بعشرين ألفًا ونلاحظ أنه يورد نفس العدد حين يتكلم عن طرابلس الشام وعن الناس الذين تجمعوا ببيت المقدس أثناء الاحتفال "بعيد القربان" أما ابن الأثير فيجعل هذا الصدد لطائفة "الكرامية" الذين يسكنون القدس وحدها. غير أن المقدسى كان أدق حين يقول إن القدس كانت فى عهده أصغر من مكة وأكبر من المدينة (المقدسى، ص ١٦٧) أو أكثر إزدحاما بالسكان من كثير من العواصم الإقليمية (شرحه، ص ١٦٥)، ولا يمكن الأخذ فى تقدير عدد السكان بما يردده كثيرا القائلون بأن من أبادهم الصليبيون مثلا فى سنة ٤٩٢ هـ (= ١٠٩٩ م) كانوا سبعين ألف شخص، وإن كان هناك الكثيرون قد فروا إلى المدينة قبل اقتراب الغزاة الفرنجة وطبيعى أن نرى طابع المبالغة فى تقدير الاعداد فى مثل هذه الظروف، وهى
стр. 8000
مبالغة لا ينبغى أن نقيم لها حسابًا كبيرًا. وإذا كانت أجنحة المسجد الأقصى قد صارت سبعة بعد أن كانت أربعة عشر جناحًا بعد زلزال ٤٢٤ هـ (= ١٠٣٣ م) فلابد أن يكون عدد السكان قد تضاءل كنتيجة حتمية لما نزل من الأهوال والبلايا على أيدى البدو بالبلد فى العشرينيات من القرن الحادى عشر.
إن أبرز ظاهرة للحياة فى القدس كانت تتمثل فى أنه "لا يمر يوم من غير أن يفد على البلد جماعات من الأغراب" (المقدسى ص ١٦٦) فتزدحم المدينة بوفودهم وبالحجاج القادمين إليها من جميع الأقطار (المقدسى، ص ١٦٧) ويشبههم فى هذه الكثرة جماعات اليهود القادمة من الغرب (المقدسى ص ٢٤٣) واسبانيا الذين جاءوا لأداء حجتهم بالقدس فى الأيام المخصصة لأداء هذه الفريضة، أو جاءوا زوارًا فى غير ذلك من المناسبات الأخرى. وتحتوى وثائق "الجنيزة" على ما خلفه هؤلاء اليهود. ولم تكن الاحتفالات الدينية للجماعات المختلفة قاصرة على زيارة دور العبادة أو حتى زيارة أسوار المدينة. وتوجد بين أيدينا أوصاف مفصلة عن هذه المواكب والتجمعات، ولابد أن هذه الجموع قد أضْفَتْ على القدس مظهر الاحتفال فى كثير من أيام هذه السنة.
أما فيما يتعلق بحكومة المدينة فنرى المقدسى يشكو من أنْ ليس للمضطهد من "نصير" (المقدسى، ص ١٦٧) ولكنه يورد شبه هذه الملاحظات حين يتكلم عن أماكن أخرى، وإن كانت وثائق "الجنيزة"، تبين أن الموقف لم يكن يدعو إلى مثل هذه النظرة المتشائمة، فالعدالة تأخذ مجراها طالما وُجد الشخص القوى الذى يهتم بإقرارها ومنذ أن صارت "الرملة" عاصمة للولاية فقد صارت الأمور جميعها تحال إليها، إلا ما كان فيها من قضايا خطيرة كل الخطورة فإنها تحال إلى القاهرة للفصل فيها.
كذلك كانت "الرملة" مركز القطر من الناحية الاقتصادية كما تُبرهن على ذلك شواهد تدل على صحة هذا الأمر، "فالسفناجات * " التى لشخص ما فى
стр. 8001
القدس كانت تدفع نقدًا فى الرملة وترسل هذه السفناجات إلى القدس، أما أكثر العملة التى كانت متداولة فى القدس فى منتصف القرن الخامس الهجرى (= الحادى عشر الميلادى) فكانت هى العملة "الرومية" (أى العملة الايطالية الجنوبية)، وإن كنا نجد أيضًا بالقدس صيرفيا يحمل اسمًا فارسيًا كان يصدر السفناجات للصرف بالقاهرة، وكانت العملة الأكثر تداولًا بالقدس فى منتصف القرن الخامس الهجرى (= الحادى عشر الميلادى) هى العملة الرومية (أى عملة جنوب إيطاليا) أما إذا جئنا إلى الحىّ الإسلامى فوحدة التعامل به كانت هى دينار الغرب وذلك لأن الحجاج الوافدين من تلك النواحى من أوربة الغربية كانوا يؤلفون الأكثرية.
ونطالع فى كتب الجغرافيين المسلمين إشارات إلى الزيت والجبن والقطن والفواكه، كما يرد ذكر هذه المواد فى رسائل "الجنيزة" باعتبارها صادرات القدس الرئيسية، ولدينا رسالة من مدينة "صور" تتكلم عن كمية من الغزل مرسلة من القدس تكفى لنسج ألف ثوب مما يباع فى الأسواق ومن نوع الثياب المصنوعة منزليا. ولما كان كل رحالة من رحالة العصور الوسطى يسعى لكسب شئ من المال فإننا نجد فى القدس تجارة "التزانزيت" خاصة مع الفرس الذين يحملون أثقالًا من الحرير المعروف بالحرير "الابريزم" الثقيل المستورد من خراسان ليعاد تصديره ثانية إلى مصر، ثم يعود هؤلاء الرحالة بسلع البحر الأبيض المتوسط كالمرجان. ولما كانت القدس مدينة مقدسة فقد فرضت نوعا من "التشدد" على الملابس التى يرتديها الناس، ويوجد بين أيدينا كتاب كتبه أحد تجار الحرير وقد بعث به إلى الفسطاط يقول له فيه "الناس هنا يرتدون الحرير الأسود والداكن اللون وليس الحرير القرمزى الذى هو شائع بين أهل الرملة وعسقلان".
وترد الإشارة إلى "الصوافين" (أى تجار الصوف) والملابس باعتبارهم من الطبقات البارزة بين رجال الأعمال فى القدس، ونستدل على أن هناك من
стр. 8002
يجعلون خدماتهم فى تناول تجارة الأقمشة بين القاهرة والقدس على أن الأخيرة بلغت من التقدم الاقتصادى درجة طيبة (lyoitein a mediterranean society, ٢٩٢ - ٢٩٤)
وكان بعض الوافدين الجدد من القادرين على شراء الدور والمخازن التى يعيشون من دخل ايجاراتها، هذا إلى جانب وجود غيرهم إلى جانبهم ممن كانوا يسعون فى الوقت ذاته إلى المتاجرة والربح، إلا أنهم كانوا يكثرون من الشكوى من "تقطع أسباب الحياة والمعيشة فى القدس ويقولون إنها ازدادت مضايقة"، وقول بعضهم "لقد جاء الكثيرون إلى هنا أغنياء فأضحوا فى زمرة الفقراء وذلك لبعد المدينة بعدًا شاسعًا عن أسواق التجارة العالمية" وكان مما يأخذونه على الوضع فرض الضرائب الباهظة على غير المسلمين، وربما أيضًا على كل الأجانب، وأصبح اليهود مدينين للمسلمين يدفعون لهم فوائد عالية حتى أصبحت المدينة غاصة بالفقراء lyoitein: of cit. ٩٦ - ٩٧
وكانت القدس محط رحال كثير من علماء المسلمين الذين جاء بعضهم للتدريس والبعض الآخر للدراسة (انظر ياقوت جـ ١ ص ٥١٦، ٨٥٩، ٨٨٧، وابن عساكر جـ ١ ص ٣٩٧ جـ ٢ ص ٥٤، جـ ٣ ص جـ ٤ ص ١٥٣، ١٥٤ إلخ.).
على أنه من الأمور التى تستلفت النظر هو ورود ذكر "البصرة" فى معجم الأدباء لياقوت مائة وسبعين مرة ومعلها دمشق فقد وردت مائة مرة، على حين أن القدس لم يرد ذكرها إلا مرة واحدة أما الأغانى للأصفهانى فقد خلت خلوًا تامًا من ذكرها، ولذلك تجسّر المقدسى (ص ١٦٧) حين يقول إن المسجد الذى يعتبر مدرسة كان فارغًا من الناس وليس فيه من مدرسين ولا خدم. وليس من شك فى أنه كان مبالغًا فى هذا القول، وما تحسب أنه قال ما قال إلا بدافع من حبه الشديد لمدينته التى هى مسقط رأسه.
وقد زارها العالم الجليل الغزالى سنة ٤٨٨ هـ (= ١٠٩٥ م) حين أراد أن يعتزل الناس وآثر الوحدة فكانت القدس منتجعه، وقد أصبحت المدينة
стр. 8003
ذات أهمية فكان ملاذًا يلجأ إليه ذوو العقائد التى لا تستقيم مع السنة أو من يُنفَون إليها. وقد ظهر هذا الأمر أول مرة زمن الأمويين (انظر الطبرى جـ ١ ص ١٩٢٠, ابن سعد جـ ٧ ص ١٥٦ - ١٥٧) فيطالعنا " ثور بن يزيد" الذى يضطر لترك دمشق من أجل آرائه فى "القَدَر" ويمضى إلى القدس ليقيم بها حتى يوافيه أجله حوالى سنة ١٥٣ هـ (= ٧٧٠ م)، (انظر ابن عساكر جـ ١ ص ٦٨، جـ ٣ ص ٣٨٣ - ٣٨٤).
ونرى "تكين" التركى الذى دفن بالقدس سنة ٣٢١ هـ استجابة لرغبته بأمر أيام ولايته على مصر بنفى الصوفى أبى الحسن الدينورى إلى القدس (السيوطى: المحاضرة جـ ١ ص ٢٩٤). ولما جاء العهد المملوكى أصبحت الإقامة الإجبارية فى القدس أمرا مألوفًا.
واشتهرت القدس بأنها مدينة نسّاخى الكتب. فكان يمارس نسخ الكتب عدد كبير من الأتقياء ومن العلماء والفقراء ولا تزال توجد إلى اليوم مخطوطات عربية مسيحية فى دير "ماد سابا" قرب فلسطين وهى ترجع إلى النصف الثانى من القرن الثالث للهجرة ومطلع القرن الرابع، وتوجد أيضًا نسخة أرمنية بخط مؤلفها تعود إلى سنة ٨٧٠ م.
ويمدّنا النساخون اليهود ممن عاشوا بالقدس خلال القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) بكثير من التفاصيل عن عملهم.
وتبعًا لما يقوله مجير الدين (ص ٢٦٣ - ٢٦٥) فقد كان المذهب الشافعى المذهب السائد بالمدينة حتى قبل مجئ الصليبيين، ثم يليه المذهب الحنبلى الذى أدخله أبو الفرج الشيرازى الفارسى فى الوقت الذى كان القاضى إبانه حنفيًا تركيًا.
ولقد كان هناك اختلاف ظاهر بين روح القرن الرابع الهجرى والتالى له، إذ امتاز الرابع بثلاثة مقادسة من أصل فارسى كانوا على جانب كبير من الاهتمامات الانسانية، أولهم الرحالة العظيم "المقدسى" الذى يعد واحدًا من أكبر الشخصيات التى تمخضت عنها
стр. 8004
الحضارة الإسلامية، وأما ثانيهم فهو المطهر بن طاهر، الدارس للدين من غير تحزب أو تحيز، والذى ألّف بعض كتبه وهو فى "بست" شرقى فارس. وأما ثالثهم فهو أبو سليمان مجد بن معشر القدسى البستى الذى يقول "أبو سليمان المنطقى" أنه هو مؤلف رسائل إخوان الصفا.
كذلك شاهد القرن التالى (أعنى الخامس الهجرى) اهتمامًا بفروع العلوم والمعرفة الإسلامية، ويمثل هذا العصر أبو الفضل بن طاهر القيسرانى العالم الذى صرف همه لدراسة اللغة العربية والحديث والتصوّف، وقام برحلاته التى غطت مساحات شاسعة مشيًا على قدميه، حاملا كتبه على ظهره حتى استقرَّ به المكان أخيرًا فى "همذان"، واستمر هو فى دعم الرابطة بين القدس وفارس.
كذلك عاش فى القرن ذاته "المشَرَّف بن مُرَجَّا"، وله كتاب عن فضائل القدس (انظر فيما بعد "فضائل القدس فى الإسلام") أما شيخ علماء القدس وشيخ الشافعية فى كل بلاد الشام فهو أبو الفتح بن نصر بن إبراهيم الذى يقول اليافعى فى مرآته (جـ ٣ ص ١٥٢ - ١٥٣) إنه غادر البلد إلى مدينة "صور" وفعل مثله "جاؤن" اليهود (وحاخامهم الأكبر) حوالى سنة ١٠٧١ م، ويطابق ما قاله ما جاء فى كثير من رسائل الجنيزة من أن الأوضاع فى القدس لم يعد فى طوق أحد احتمالها، وكان ذلك قبل زمن طويل من تعطيل الصليبيين لمعالم الحياة الإسلامية واليهودية بالبلد.
الصليبيون والأيوبيون:
حاصر الصليبيون القدس يوم السادس من يونيو ١٠٩٩ م وأخذوها قسرًا يوم ١٥ يوليو من العام ذاته ودخلوها من ثلاث نقاط مختلفة، ولم يكن سلوك الغزاة المختلفين من فرنسيين وفلمنج وبروفنساليين وبزمان من صقلية سلوكا واحدًا، ومنح "تانكريد" قائد النرمنديين أمانًا لقائد القلعة الفاطمية (أى برج داود) ولرجاله، وجاء فى رسالة من رسائل الجنيزة أن عهد الأمان هذا شمل أيضًا
стр. 8005
اليهود الذين كانوا فى حاشية القائد الفاطمى، وليس من شك فى أن الأمان كان قاصرًا على من كانوا بالقلعة من المسلمين أيضًا فنجوا هم كذلك من القتل، وتقول نفس رسالة الجنيزة إن "الملاعين المسمون بالاشكانازيين (وربما قصد بهم النرمنديين) لم يقتلوا النساء وأن المذبحة التى جرت فى المسلمين واليهود الذين بالمدينة إنما صدرت عن اعتبارات حربية ودينية وأن الصليبيين لم يندفعوا اندفاع المسعورين بل أخذوا يسيرون سيرًا رتيبًا، فقضوا بعض الوقت "فى جمع مئات من الكتب التى باعوها فى عسقلان بعد قليل" وحين تتكلم وثائق الجنيزة عن "الكتب" فإنما تقصد بطبيعة الحال الكتب العبرية، وإن لم يكن هناك ما يدعو إلى الظن بأن الكتب الإسلامية كانت بمنجاة مما جرى على الكتب العبرية.
أما القول بأن الصليبيين باعوا الأسرى بأقل مما جرى العرف به وهو ٣٣ دينارًا للرأس الواحد فلا يعنى ذلك أنهم كانوا يجهلون الثمن، ذلك أن الحرب لم تكن تسمح بالاحتفاظ طويلًا بكثير من الأسرى، لكن من بين هؤلاء الأسرى رجال استبقاهم الصليبيون فى أيديهم وذلك لأنهم من عائلات مرموقة وكان استبقاؤهم إياهم راجعًا إلى طمعهم فى الحصول على فدية كبيرة لإطلاق سراحهم، ولكنهم أبقوهم فى انطاكية بضع سنين وهم فى رق الأسر.
لقد أصبحت القدس مدينة مسيحية ولم يعد مسموحًا فيها بممارسة شعائر العبادة الإسلامية أو اليهودية، كما أن الصليبيين لم يأذنوا لأحد ما غير مسيحى بالبقاء فى المدينة. أمَّا المساجد فقد حولوها إلى كنائس أو مبان مدنية وسميت المملكة الجديدة بمملكة بيت المقدس Regnum Hierusalem, وسرعان ما أخذت المدينة فى الازدهار باعتبارها العاصمة وأقام بها البلاط حكومة إدارية ومنظمات دينية عسكرية وأصبح آلاف الحجاج يزورونها كل سنة.
وأقام بها الكثيرون لآماد طويلة، كما اتخذها البعض مقامًا لهم، كانت هناك جماعات مسيحية وشرقية كالسريان
стр. 8006
والقبط والأرمن ومن أهل جورجيا، ولكن معظم سكانها كانوا من الأوربيين، وأغلب هؤلاء الأوربيين كانوا من الفرنسيين. أما الجاليات الأوربية التى هى دون هؤلاء عددًا كالاسبان والبروفنساليين والألمان والمجريين فكانوا يعيشون مترابطين حول كنائسهم ومؤسساتهم العامة، واستحدثت مبان جديدة كان أبرزها ساحة "سوق" القبر المقدس الفسيحة التى أقيمت فى مكانٍ إسلامى، ولا زالت هذه الساحة حتى اليوم تسيطر على الحياة اليومية فى المدينة القديمة، ولم تَخْل أية ناحية من آثار نشاط الصليبيين. وحدث بعد حرب ١٩٦٧ م أن أزيلت أنقاض الحى اليهودى فتكشف ما يُظَنَّ معه أنه بقايا كنيسة القديسة مارى التى كانت للألمان.
وهناك رسالة يرجع تاريخها إلى أقل من عقد من الزمان من الغزو الصليبى، وهى رسالة من فلسطين (وليست من القدس تحديدًا) تشير إلى عودة الحياة بالبلاد إلى مسيرتها الطبيعية للجميع بما فيهم سكانها غير المسيحيين ولقد ظلت القدس مدينة مغلقة فى وجه المسلمين واليهود ولكن بمرور الوقت سمح لهم بدخولها لقضاء أعمالهم وأداء صلواتهم، وقد ورد فى كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ ما يشير إلى أنه صلى فى منطقة الهيكل (الاعتبار لأسامة، نشره فيليب حتى، برنستون ١٩٣٠، ص ١٣٤ - ١٣٥) كما أن الصباغين اليهود كانوا يعملون فى خزانة ملابس الملك الموجودة فى ساحة القصر.
وبعد الانتهاء من وقعة حطين الحاسمة تقدم صلاح الدين شطر القدس وحاصرها، ثم جرت مفاوضات بين الجانبين وكانت مفاوضات طويلة هدد فيها الصليبيون بقتل من فى يدهم من الأسرى المسلمين وجميع من لا يحاربون كما هددوا بحرق كل ما فيها من غالٍ وثمين وهدم مبانى الحرم الشريف. ثم انتهى الأمر أخيرًا بعقد اتفاق فى رمضان ٥٨٣ هـ (= نوفمبر ١١٨٧ م) سمح فيه للسكان بافتداء أنفسهم بعد الاستسلام، ولم يسمح إلّا للمسيحيين الشرقيين بالإقامة بها،
стр. 8007
واستعادت القدس طابعها كمدينة إسلامية خالصة وعادت المزاوات الإسلامية إلى ما كانت عليه، وردت الأماكن المسيحية (التى استحدثها الصليبيون) إلى ما كانت عليه من مؤسسات إسلامية، ومن الأمثلة البارزة على ذلك دير راهبات كنيسة "سنت آن" الذى تحول فصار مدرسة الصلاحية الشهيرة، وقد سميت بذلك نسبة إلى مؤسسها صلاح الدين والمارستان الذى كان من قبل كنيسة ملحقة بنزل فرسان القديس يوحنا، أما القبر المقدس فقد ظل باقيًا فى أيدى النصارى، وإن توقف الحج إليه مؤقتًا حتى سنة ١١٩٢ م.
وهنا ظهرت مشكلة إعادة تعمير الناحية بالسكان، إذ كان ميناء مدينة عسقلان العظيم قد هدم بأمر صلاح الدين حتى يحول بين الصليبيين وبين تحويله إلى قاعدة جديدة لعملياتهم الحربية وأصبح لزامًا على المسئولين توفير مساكن جديدة للسكان، فانزلوهم فى بيوت المقدس الخالية من أهلها، وتتحدث رسائل الجنيزة التى ترجع إلى ذلك العهد عن مجتمع من "العساقلة" فى المدينة المقدسة، ومن المؤكد أن اليهود لم يميزوا فى المعاملة. وكان هناك إلى جانب ذلك "مغربية" وهو أمر نلاحظ ورود الإشارة إليه عند المقدسى قبل هذا الوقت بقرنين من الزمان، كما نرى الأمر تجاه جماعات من اليمن والعراق ومصر، هذا إلى جانب مجئ عديد من علماء اليهود فى الفترة من ١٢١٠ حتى ١٢١٥ م، وتشهد المؤلفات وكذلك رسائل الجنيزة بما ذاع بين الناس فى ذلك الوقت من وصف الحكم الأيوبى بأنه حكم نظامى قادر على توفير السلامة للأغراب، غير أن الحياة كانت صعبة حتى إننا لنسمع أن هناك كثيرين من القادمين الجدد قد غادروا البلد قبيل انصرام القرن السادس الهجرى إلى مراعى مصر الخضراء وإلى المدن الساحلية المطلة على شرقى البحر الأبيض المتوسط.
على أن عهد سلطان دمشق "الملك المعظم" ابن أخى صلاح الدين يعتبر نقطة انتقال أصبحت كارثة فى تاريخ القدس، ذلك أنه على الرغم من
стр. 8008
"النقوش" الكثيرة التى تشير إلى احترامه الحرم وتأسيسه مدرسة للحنفية سميت باسمه إلا أن خوفه من كَرّة عدوانية مسيحية جديدة حمله على إصدار أمره فى سنة ٦١٦ هـ (= ١٢١٩ م) بتخريب المدينة ولا يستثنى من ذلك سوى منطقة الحرم والقبر المقدس والقلعة، إلا أن خوفه مما يترتب عليه هذا القرار حال دون وضعه موضع التنفيذ، ثم جاء أخوه الكامل سلطان مصر فسيطر عليه هو الآخر وأدّى خوفه من أيوبىّ الشام إلى عقد اتفاقية مع الإمبراطور فردريك الثانى فى سنة ٦٢٦ هـ (= ١٢٢٩ م) سلّمه بمقتضاها المدينة لمدة عشر سنوات، ولما كان فردريك واقعًا تحت طائلة قرار الحرمان البابوى فقد قام بتتويج نفسه هناك من غير مساعدة اكليريكية، وكان ذلك آخر مرة يتم فيها تتويج حاكم ما -أيا كان هذا الحاكم- فى القدس، وحينذاك -وتحت هذا الوضع الجديد- لم يعد مسموحًا للمرة الثانية للمسلمين بدخول المدينة باستثناء الحرم الشريف الذى ظل فى أيديهم، واتخذ القاضى مكانه خارج القدس وذلك فى "ألبيرة" قرب رام اللَّه (انظر J.P ower Royaum: Latier, paris ١٩٧٠. II. ١٩٩٠) ولقد ترتب على المنازعات التالية بين أيوبىّ مصر والشام أنْ أمكن الوصول إلى عقد اتفاق بينهم وبين النصارى يقضى بمغادرة المسلمين كل النواحى حتى منطقة الهيكل، مما جعل رئيس فرسان الداوية يتباهى بأن المدينة لم يعد يقطنها سوى المسيحيين.
وقام الملك الصالح نجم الدين أيوب سلطان مصر بالاستعانة بالخوارزميين الجفاة الغلاظ الذين كان المغول قد طردوهم إلى الغرب فاكتسحوا بلاد الشام وفلسطين واستولوا على القدس فى ربيع الأول سنة، ٦٤٢ هـ (= أغسطس ١٢٤٤ م) وانطلقوا يدمرون وينهبون ويفتكون بكل من فى البلد، ولم يراعوا حرمة القبر المقدس ولا الكنائس فانتهكوها جميعًا، وحارب العسكر الخوارزميون وجيوش الملك الصالح نجم الدين أيوب أهل الشام ومن كانوا لهم حلفًا كما حاربوا الصليبيين وتغلبوا عليهم فى جمادى
стр. 8009
الأولى سنة ٦٤٢ هـ (= اكتوبر ١٢٤٤ م) ومن ثم دخلت القدس تحت حكم سلاطين مصر ثم عادت بعد قليل فى سنة ٦٤٧ هـ (= ١٢٤٩ م) إلى سلطان دمشق، وظلت على هذا الوضع حتى جاء الغزو العثمانى سنة ٩٢٢ - ٩٢٣ هـ (= ١٥١٦ - ١٥١٧ م).
السنوات الثمانمائة الثانية
فضائل القدس فى الإسلام:
إن تاريخ القدس خلال هذه الفترة من الزمن كان متأثرًا إلى حدٍّ كبير بالتعظيم الدينى المتزايد الذى اكتسبه عبر الصراع الطويل بين المسلمين والنصارى، والذى مرت القدس أثناءه بتقلبات جمة، ولا نستطيع الاستفاضة فى هذه الناحية طالما أنه لم تخرج بعد إلى حيز الوجود المصادر الهامة المتعلقة بها مثل تفسير "المقاتلى" المتوفى سنة ١٥٠ هـ (٧٦٧ م) وكمصنف عبد الرازق المتوفى سنة ٢١١ هـ (= ٨٢٧ م)، وكذلك أقدم كتابين عن "فضائل القدس" على أنه وجدت دراسة رائعة عن هذه المؤلفات التى تتناول هذا الموضوع واردة فى كتاب E.Sovin: Le caractere de jerusolen dans l'islm aux xie xiii siecles, idem: The Beginnungs of Fadail = al-Quds Literature, ١٩٧١)
لقد أمْلت طبيعة الإسلام الأولى أن تدرج القداسة التى يتمتع بها بيت المقدس من المسيحيين واليهود إلى جانب قداسته عند المسلمين فكانت ناحية هيكل اليهود القديم ناحية يتعبّد فيها المسلمون، وهكذا فإن الإسلام -منذ القرن الأول للهجرة- اعتبر القدس دون غيرها من مدن العالم ثالث موضع طاهر مقدس يلى مكة والمدينة واعتقد الجميع فى المقولة القائلة بأن قداسة القدس راجعة إلى أنها منزل الأنبياء والقديسين منذ القديم وزاد فى قداستها أن ارتبطت بقصة الإسراء والمعراج وأشار إلى ذلك صلاح الدين فى رسالة منه إلى ريتشارد قلب الأسد كحقيقة تؤكد حق المسلمين فى بيت المقدس. ويضاف إلى ذلك الاعتقاد بأن القيامة ويوم الحساب سيكونان بالقدس، إلى غير ذلك مما يراد منه جذب الحجاج والزوار إليها، ومع ذلك فلم تحظ القدس إلا بكتابين فى
стр. 8010
فضائلها من مؤلفات القرن الخامس أما أحدهما فرسالة لأبى بكر الواسطى أحد خطباء المسجد الأقصى، أما الكتاب الآخر فلأبى المعالى المشرف بن المرجا أحد الفقهاء الذين عاشوا فى القدس وهناك مؤلف ثالث ضخم جمع فيه صاحبه أبو القاسم المكى المقدسى الأحاديث الخاصة بالقدس ولكنه لم يتم كتابه هذا لوقوعه فى أيدى الصليبيين الذين ما لبثوا أن قتلوه. ومما يسترعى الانتباه أن هؤلاء المؤلفين الثلاثة كانوا من سكان القدس. على أن الأمر الذى يثير كثيرًا من الدهشة هو أن فتح الصليبيين للقدس وتحويلها إلى مدينة مسيحية خالصة لم يكن له رد فعل عنيف لعدة قرون.
ولقد تغير الوضع حين فتح عماد الدين زنكى الرها سنة ٥٣٩ هـ (= ١١٤٤ م) إذْ دلّ على ظهور حاكم وأعد له طموحات إقليمية يمكن لها أن تتحقق بالدعاية الدينية، ولذلك حمل شعراء وكتاب، بلاط زنكى وابنه نور الدين راية الجهاد من أجل القدس وقد وصلت هذه الدعاية ذروتها زمن صلاح الدين قبل وبعد سنة ٥٨٣ هـ (= ١١٨٧ م) وإذا كان النصف الأول من القرن السادس الهجرى قد خلا من كتب تتحدث عن فضائل القدس إلا أن وفرة من المؤلفات فى هذا الموضوع ظهرت فى النصف الثانى من ذلك القرن وفيما تلاه من القرون. ومما يبين أن القدس أصبحت الشغل الشاغل للمسلمين كثرة الاحتجاجات ضد المعظم من موقفه من القدس سنة ٦١٦ هـ وتسليمها على يد الكامل إلى الإمبراطور فردريك الثانى سنة ٦٢٦ هـ. ومجمل القول هو أن المؤلفات المتعلقة بفضائل القدس ظهرت بكثرة بعدما لم تعد المدينة مشكلة حربية أو سياسية خلال العصر المملوكى، ولقد توفر فى هذا الموضوع وفى هذه الفترة بالذات ما لا يقل عن ثلاثين كتابًا. ثم هناك ما كتبه ابن تيمية فى رسالته عن هذا الموضوع فى مهاجمة البدع التى شوهت مكانة القدس.
أما عند المسلمين المحدثين فقد أشار إليها سيد قطب فى مؤلفه الضخم فى ظلال القرآن جـ ١٥ ص ١٢.
стр. 8011
القدس زمن المماليك (٦٤٨ - ٩٢٢ هـ).
كان معظم القدس فى هذا العصر أطلالًا وكانت مهجورة، وذلك لأن المسيحيين القلائل الذين ظلوا بها أو عادوا إليها بعد الدمار الذى ألحقه بها الخوارزميون سنة ٦٢٤ هـ كما أن المسلمين واليهود الذين رجعوا للاستقرار بها فروا منها ثانية سنة ٦٥٨ هـ قبل مذبحة المغول الذين توغلوا فى البلد وفى الخليل وغزة.
ثم دخلت القدس نهائيا فى دولة المماليك بعد انتصارهم فى عين جالوت فى شوال ٦٥٨ هـ (سبتمبر ١٢٦٠ م) وأصبح يدبر شؤونها نائب دمشق المملوكى، ثم أصبحت وحدة إدارية مستقلة يديرها نائب السلطنة المسئول مباشرة أمام الحكومة فى القاهرة، وأصبحت الأماكن المقدسة بها تحت إشراف "ناظر الحرمين" من ناحية الصيانة وإدارة الأوقاف، وأعاد السلاطين ترميم المبانى الكبرى ومدها بالماء وأما الأمراء فأسسوا المدارس والزوايا والخانقات والبيمارستانات التى لا يزال الجزء الكبير منها قائما حتى اليوم أو على الأقل يمكن التعرف عليه. وكانت القدس لأسباب عدة موضعًا لإقامة البعض الإجبارية ممن يُشْتَم فيه روح التمرد أو يصرف من الخدمة ويعرف مثل هؤلاء بالبطالين الذين كانت الحكومة تجرى عليهم رواتب ثابتة إلى جانب ما قد يكون لهم من دخل خاص بهم. وازدحمت القدس بالأوقاف التى يُصرف منها على الخطباء والفقهاء والدراويش.
وكان الإنتاج الفكرى يتناول شتى نواحى الفكر من حديث وفقه وأصول وفروع وتفسير وعلوم العربية والشعر. كذلك ظهرت أسرات ذات مكانة عالية تتقاسم فيما بينها أكبر الوظائف دخلًا، ومن الأسر التى ظهرت فى أواخر العصر الأيوبى وأوائل العهد العثمانى أسرة "ابن جماعة" الحموّية الأصل ثم نزلت القدس وسكنت دارًا متاخمة للحرم، وشغل رجالها مناصب الخطابة والقضاء وهناك أسرة "بنى غانم" وتولى رجالها مشيخة الخانقاه الصالحية الكبرى وكل من ذكرنا
стр. 8012
شافعية. أما أهم أسرة حنفية فأسرة "الديرى" من مواطنى فلسطين، كما تولوا وظائف التدريس بالقاهرة فى المدرسة المعظمة الحنفية.
وإلى جانب هؤلاء وجدت أسرات صغيرة من أهل البلد ومن الأغراب عنه وقد تولوا فى العادة الوظائف الشرعية ومن أهم هذه الأسرات عائلة "ابن الهائم" العالم فى الرياضيات والمواريث والمتوفى سنة ٤١٢ هـ (= ١٠٢١ م) وكمال الدين بن أبى شريف من أهل القدس الحجة الثقة فى علوم الشريعة والفقه.
وكانت القدس أكثر الأماكن ملاءمة لوجود الصوفية، ويذكر مجد الدين ما يقرب من عشرين خانقاه للصوفية.
على أن النصارى الذين كانوا يعيشون فى القدس المملوكية ارتفعت معنوياتهم النفسية بتأسيس أحد الأديرة الفرنسيسكانية على جبل صهيون الذى كان يتباهى بأن به قبر داود وموضع العشاء الأخير والمرقد، وكان جبل صهيون هذا موضع نزاع لا القدس ينتهى بين المسلمين والمسيحيين بل واليهود، وما يترتب على ذلك من هدم بعض المبانى المقدسة ثم إعادة بنائها، ويوجد لدينا وصف لما جرى على معبد اليهود سنة ٨٧٩ هـ (= ١٤٧٤ م) مما فصله مجير الدين وابن اياس، وما خلَفه ابن عُبَيّةَ من هجومه بالكلام على أحد الأماكن اليهودية فأغضب ذلك الحكومة فى مصر فاستدعته وسجنته وجردته من وظيفته وأعادت بناء هذا المكان اليهودى.
على أنه لا ينبغى أن نعدّ كثرة المدارس الإسلامية التى قامت بالقدس دليلًا على الرخاء الاقتصادى، فقد تناقصت الأوقاف التى كانت موقوفة عليها.
على أن أهم الصناعات بالقدس هى صناعة الصابون من زيت الزيتون لكنها ما لبثت أن تدهورت بسبب سياسة الحكومة التركية الاقتصادية فقد احتكرت هذه الصناعة وزادت حياة الناس شدة من عدم استتباب الأمن حتى لقد توقف ركب الحاج من القدس عشر سنوات فى مطلع القرن السادس
стр. 8013
عشر بسبب غارات البدو حتى توقف السفر بين القدس والبحر الأحمر.
العصر العثمانى (٩٢٢ - ١٢٤٧ هـ/ ١٥١٦ - ١٨٣١ م)
لقد شيد السلطان سليمان القانونى سورا بالقدس كما جدد قبة الصخرة وبنى أربعة سبل للشرب داخل البلد، وسبيلا آخر قرب بركة السلطان عند سفح جبل صهيون، وأوقفت زوجته "حزم" كثيرًا من الأوقاف على القدس مما أدى إلى الرخاء هناك، وأقامت مطعمًا للفقراء وطلاب العلم.
وكان عدد سكان القدس فى مستهل العصر العثمانى يبلغ قرابة أربعة آلاف نسمة، وتضاعف ثلاث مرات زمن سليمان القانونى وكان مركز التجمع الحقيقى هو فى مدينة صفد وليس القدس. وكان من مصادر الدخل ما فرض من الضريبة على زوار القبر المقدس وأخذت هذه الضريبة فى الزيادة، وكان إلى جانبها ضريبة الرءوس المفروضة على المسيحيين واليهود، والضرائب المفروضة على تصدير الصابون إلى مصر.
على أن الأمن لم يكن مستقرًا، حتى أن الحكومة عهدت إلى أسرة "أبى غوش" بحماية المسافرين بين الرملة والقدس ومعظمهم من الأجانب وترد فى وثائق ٩٩١ هـ (= ١٥٨٣ م) ما يشير إلى قتل البدو للسكان المسلمين وحرقهم نسخًا من كتاب اللَّه وفرضهم الضرائب على الحجاج المسلمين وهم فى طريقهم إلى بيت اللَّه الحرام، ولقد جاء فى رحلة "جوفانى مارينى" المطبوعة سنة ١٧٩١ م أن باشا القدس كان يرافق الحجاج المسيحيين تحت حراسته إلى الأردن، ثم يدفع بعد ذلك للبدو مالًا، ويشهد الرحالة "براون" فى كتابه "رحلات فى إفريقية" الذى يصف الأحوال فى القدس سنة ١٧٩٧ م فيذكر أن "كل منطقة القدس فى قبضة البدو وتحت سيطرتهم"، ويرجع سبب هذه المأساة إلى أن القدس لم تكن تتبع استانبول إداريًا بل كانت ممنوحة إلى والى دمشق تارة وإلى والى صيدا تارة أخرى وكانت قبل ذلك ممنوحة لوالى مصر.
стр. 8014
ولقد كان القرن التاسع عشر قرنا آذن القدس بشر مستطير فقد التهمت النيران معظم القسم الغربى من القبر المقدس، وحينذاك منح السلطان محمود الثانى اليونان حق إعادة بناء المبنى فغضب الانكشارية لقيام غيرهم بهذا العمل كما أنه فرضت ضرائب باهظة على المدن والفلاحين مما أدى إلى حدوث فتنة فى ١٨٢٥ م عمت أرجاء البلاد، وبعد أحداث جِسام أمكن التغلب على الفتنة.
القدس من ١٨٣١ حتى ١٩١٧ م:
أخذت أعداد سكان القدس المسيحيين فى الزيادة كما زادت أعداد اليهود، ولما تم فتح فلسطين عام ١٨٣١ م على يد إبراهيم باشا ابن محمد على والى مصر سعى لتكوين حكومة قوية وكسب صداقة القوى الأوربية وكسر شوكة العائلات المحلية وتكوين جيش نظامى وهيئات استشارية ورفع كثيرًا من الالتزامات التى كانت مفروضة على مسيحيى القدس واليهود، فثار السكان المسلمون وامتشق الفلاحون السلاح وأخرجوا الحامية المصرية من البلد وذلك سنة ١٨٣٤ م ولكن إبراهيم باشا استطاع التغلب على ما أثير وتابع إصلاحاته وأهدافه فى قوة.
وكان لحرب القرم أثرها فى زيادة فعالية التدخل الأوربى كما فتحت بالقدس قنصليات لكل من فرنسا والنمسا وبروسيا وروسيا وسردينيا وأسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية، ومع ذلك ارتفعت أعلام الدول المسيحية فى المدينة المقدسة أيام الأعياد والأجازات وأعياد ميلاد ملوكها، وراحت الكنائس تدق أجراسها، وحاول المسلمون وقف هذه المستجدات فلم يفلحوا نظرًا للمساعدات الخارجية التى كان مسيحيو البلد أول المستفيدين منها، وأعيدت بطركية القدس اللاتينى، وانتقل البطرك اليونانى من استانبول إلى القدس وقامت بطركية انجليكانية سنة ١٨٤١ م وصدر فرمان بتعيين حاخام للطائفة اليهودية، وأهدى السلطان عبد الحميد المدرسة الصلاحية التى كانت ديرا فى القديم إلى الإمبراطور الفرنسى نابليون الثالث سنة ١٨٥٦ م، ومن السمات البارزة أن الحكومة
стр. 8015
المركزية أصبحت قادرة على تأكيد سلطانها شيئًا فشيئا على المدينة وعلى الريف أيضًا وأدت التنظيمات الإدارية والحكومية وتدخل القنصليات الأوربية وتحسن وسائل المواصلات إلى تقليل شوكة البدو كما أصبحت القدس منذ عام ١٨٦٥ م متصلة بالعالم الخارجى عن طريق البرق (التلغراف) وتم فى ١٨٦٨ م إنشاء أول خط سكة حديد بين القدس ويافا، وأدخلت الوكالات النمساوية والفرنسية وغيرها الخدمة البريدية، وأصبحت القدس ابتداء من سنة ١٨٧٤ م "متصرفية" قائمة بذاتها وتتبع مباشرة استانبول، هذا إلى جانب إدارات خاصة بالمالية والأوقاف والأمن والزراعة والتعليم، ودخل فى الهيئات الاستشارية ممثلون عن المسيحيين واليهود، وانشئ داخل المدينة وخارجها كثير من الكاتدرائيات والكنائس وبعض المساجد والأديرة وقصور البطاركة.
وكانت أول مدرسة لبنات اليهود قامت سنة ١٨٦٤ م وأخرى للعرب وأنشئت المعاهد العلمية والمستشفيات والمصحات ودور الأيتام كما أن سكان المدينة القديمة شرعوا منذ سنة ١٨٦٠ م فى إنشاء أحياء خارج مدينتهم، وآثر المسلمون الإقامة فى الجنوب.
أما اليونان الارثوذكس فكان أكثر تركيزهم فى ضاحية بنت سيمون (باب سمعان)، أما اليهود فأقاموا أكثر من ستين ضاحية معظمها فى القسم الغربى من المدينة وأقيمت مستعمرة لفرسان المعبد الألمانية فى الجنوب الغربى، وأخرى أمريكية فى الشمال وكان أغلب سكانها من السويديين.
القدس بعد ١٩١٧ م:
لما كان يوم أول يوليو ١٩٢٠ م حلت الادارة المدنية محل الحكومة العسكرية للاحتلال البريطانى.
ولقد استفادت (من نتائج الحرب العالمية الأولى) القدس مركز حكومة الانتداب وكذلك الهيئات التنفيذية للمنظمات اليهودية العالمية والمجلس الوطنى ليهود فلسطين والمجلس الإسلامى الأعلى الذى تأسس سنة ١٩٢١ م ومسئولى الكنائس المسيحية
стр. 8016
المختلفة، كما ارتفع عدد سكان القدس من ٩٠.٥٠٣ نسمة فى تعداد سنة ١٩٣١ إلى مائة وخمسين ألف نسمة عند بداية الحرب العالمية الثانية.
وأقيمت بالقدس منشآت عامة وخاصة مثل مركز اللجنة العليا للاشراف على الهدنة الثانية للأمم المتحدة والجامعة العبرية ومستشفى الهداسة وجمعية الشبان المسيحية وعدة كنائس جديدة وعدد ضخم من المدارس وظهرت أحياء سكنية جديدة أصبحت غاصة بالسكان، وكذلك قامت معاهد بريطانية وفرنسية وأمريكية وقامت الكلية العربية الحكومية وعلى رأسها أحمد سامح الخالدى مما أدى إلى ظهور جيل جديد من المثقفين العرب، وظهر كثير من المؤلفين العرب أمثال اسعاف النشاشيبى وخليل السكاكينى وخليل بيدس.
وتأثرت القدس أكثر من غيرها بتصارع الروح القومية لكل من العرب واليهود، وجرت أول أحداث دامية بين الجانبين فى إبريل ١٩٢٠ م وصدر الأمر العسكرى بإعدام الحاج أمين الحسينى مفتى القدس ثم ما لبث أن صدر الأمر بالعفو عنه من قبل المندوب السامى الجديد سير مبوبرت صمويل وأعيد المفتى إلى سابق وظيفته ثم انتخب رئيسا للمجلس الإسلامى الأعلى الذى أنشأته الحكومة سنة ١٩٢١ م، ثم حدث صراع بينه وبين راغب النشاشيبى والأمير عبد اللَّه على أن موضوع حائط البراق الغربى أدى إلى حوادث اغسطس ١٩٢٩ م الدامية، كما شدّ من أزر هيبة الحاج أمين الحسينى وجاءت التبرعات من الهند لإصلاح الحرم، كما دفن فى الرواق الغربى منه الزعيم الهندى المسلم محمد على.
وأسفرت هجرة اللاجئين اليهود الكبيرة سنة ١٩٣٣ م وما بعدها عن ثورة السكان العرب، ثم جاءت سنة ١٩٦٣ م لجنة بيل Peel لتقصى حقيقة الموقف فأوصت لأول مرة بقيام دولة عربية يهودية وتحويل القدس وبيت لحم إلى وحدة منفصلة فى ظل الاحتلال البريطانى لكن فشلت هذه
стр. 8017
المحاولة والتوصيات التالية لها التى تقدمت بها حكومة الانتداب فى إيجاد الحل والوصول إلى نتائج حاسمة حتى إذا كان يوم ٢٩ نوفمبر ١٩٤٧ م تبنت الجمعية العامة لعصبة الأمم القرار رقم ١٨٩ الداعى إلى تقسيم فلسطين إلى دولتين يجمعهما اتحاد اقتصادى واحد، كما أوصت بتدويل القدس مما أدى إلى اشتعال الثورة ونتجت عنها خسائر جمة فى الأرواح والممتلكات ثم انتهى الانتداب الرسمى البريطانى يوم ١٥ مايو ١٩٤٨ م، وتمركزت فى منطقة بيت لحم كتيبة مصرية وقام الجيش العربى الأردنى بمهاجمة الحىّ اليهود بالمدينة القديمة وغادره سكانه اليهود وفى ١٣ ديسمبر ١٩٤٨ م قرر البرلمان الأردنى ضم مناطق فلسطين التى يحتلها الفريق العربى ونقلت إسرائيل برلمانها إلى القدس فى فبراير ١٩٤٩ م وأعلنت أنها تعتبر القدس عاصمة لها يوم ١٣ ديسمبر ١٩٤٩ م، وكان كل هذا مخالفًا لقرار الأمم المتحدة باعتبار القدس كيانًا منفصلًا، وظلت المشكلة فى أروقة الأمم المتحدة حتى حرب ١٩٦٧ م التى خلقت موقفًا جديدًا كل الجدة.
ولقد ترك الحكم الأردنى بصمة أبدية بقيامه بأعمال الترميم فى الحرم الشريف ولا سيما بالقبة، وكانت زيارة البابا بولس السادس فى يناير ١٩٦٤ م لكلا شطرى القدس قد أظهرت اهتمامه القوى بأمر المدينة المقدسة.
أن حرب ١٩٦٧ م التى استمرت بالقدس ثلاثة أيام أسفرت عن خسائر فادحة فى الأرواح ولكن عن خراب قليل فى المبانى والمنشآت وأخذت الأحداث تتوالى وتتغير بسرعة. وأكثرت إسرائيل من هدم الأماكن العربية، كما قام استرالى يهودى يوم ٢١ أغسطس ١٩٦٩ م بإشعال النار فى المسجد الأقصى مما أثار ثورة العالم الإسلامى وشرع المجلس الإسلامى بعد عام من الحريق فى إصلاح ما أتت عليه النار واستغرق هذا الاصلاح بضع سنوات، واتخذت خطوات أعيد بها بناء كثير من أجزاء المسجد ودخلت فى نطاقها مناطق لم تكن النار قد ألحقت بها دمارًا، واستعين بأموال الأوقاف الإسلامية
стр. 8018
فى إصلاح عدة أسبلة قديمة وسوق تجار القطن وشيد جامعان جديدان (*).
ويحتوى معهد روكفلر معروضات فريدة وكنوز من الفن الإسلامى وتحتوى مكتبة الخالدية بالقدس القديمة على مخطوطات قيمة لم يرد لها ذكر فى فهرس المكتبة الخالدية المطبوع بالقدس عام ١٣١٨ م، ويوجد بقاعة المطالعات الشرقية بالمكتبة العبرية، كتب نادرة تفيد الباحثين فى حقل الدراسات الإسلامية، وتوجد مجموعات من شعر الجاهلية وعصر صدر الإسلام فى معهد الدراسات الآسيوية والأفريقية، تجمعها فى الوقت الحاضر ما يزيد على نصف مليون جذاذة ويضم معهد ماير التذكارى للفن الإسلامى نماذج رائعة من هذا الفن. ولزيادة الإيضاح عن هذا الموضوع راجع كتاب تاريخ بلاد الشام من القرن السادس حتى القرن السابع عشر الذى أصدرته جامعة عثمان سنة ١٩٧٤ م وكتاب المفصل فى تاريخ القدس لعارف العارف (القدس ١٩٦١ م) وأعمال
стр. 8019
المؤتمر الرابع لاكاديمية البحث الإسلامى التابع للأزهر الشريف (القاهرة ١٩٧٠ م) وأبحاث عن مكانة القدس فى الإسلام لعبد الحميد حسن واسحق موسى الحسينى وعبد الحميد السايح، وقضية فلسطين لعز الدين فودة ومتصرفيات القدس أواخر العهد العثمانى لعبد العزيز عواض: Spezidon: Annals of Palestine ١٨٢١ - ٤١
المصادر: وردت فى المتن .
د. حسن حبشى [س. د. جويتين S. D. Goitein]
قدم
تعنى فى مصطلح الفلسفة الإسلامية، وعلم الكلام: الخلود والبقاء. ولابد أن تُمّيز عن مصطلح "أزل" وعن مصطلح "أبد". ويرى التهانوى: أن الأزل هو الوجود الذى لا أول له، والأبد هو الوجود الذى لا نهاية له والقِدَم مضاد للحدوث، فالقدم يعنى (اللامسبوقية بالغير)، والأزل يفيد (نفى الأولوية)؛ وهو بذلك حالة فى
стр. 8020
الطرف الَقْبلى للبقاء والخلود eternity والأبد هو الطرف البعدى لها. وأساسًا، لابد أن يكون الأزل والأبد متماثلين فى اللَّه حيث (إن أبده عين أزله)، لأنهما يعنيان أن طرفى النقيض النسبيين اللذين هما البداية والنهاية كلاهما "منقطعان" عن اللَّه (انقطاع الطرفين الإضافيين عنه). لأنهما صفات سلبية بالنسبة لذات اللَّه (انظر فخر الدين الرازى، تفسير أسماء اللَّه الحسنى، سورة الأعراف، الآية ١٨٠؛ وأزلى وقديم مصنفان بين الصفات الحقيقية والسلبية. إذ تعد صفته "الأول" على أنها صفة حقيقية، مصحوبة بعلاقة ونفى "صفة حقيقية مع الإضافة والسلب". وهو قديم بمعنى أزلى، أى غير مسبوق، وهو فى الوجود قبل أى تصور عقلانى للبداية الأولى (قبل تعقل الأولية)، وبمعنى أبدى أى الدائم (بعد تعقل الآخرية). ويخرج إلى النور من بين هذه التعريفات العديدة مفهومان، ما قبل السرمدية، وما بعد السرمدية. والأول هو البقاء إلى ما لا نهاية (لا نهاية له) ويمتد تجاه الماضى، أو تجاه المستقبل (ويعرف فى أى الحالين على أنه (اللايزال). ويثير هذا الترتيب كثيرًا من الصعوبات أمام حل مشكلة خلق العالم، فهو يطرح تصور الزمان اللانهائى قبل لحظة هذا الخلق، والثانى تصور فلسفى بدرجة أكثر حيث أن هذين اللونين من السرمدية ليسا سوى تصورين سلبيين لجأ إليهما الفكر التأملى ليفهم فكرة السرمدية بالنسبة للزمان، ولكن الذى لا يتوافق مع حقيقة الزمان اللانهائى فى المعنيين الاثنين هو: أنهما نسبيان لأسلوب الفكر المنتمى إلى الروح البشرية التى -كما يشير الرازى- لا يمكن أن تدرك بذاتها خارج نطاق الزمان، والحقيقة المحجوبة خلف هذه التصورات الخيالية هى أن "بقاء اللَّه بذاته" يعنى وجودًا غير متأثر بالزمان، والصفة الزمانية كلية.
وبالتالى، إلى ماذا يرمز القِدَم؟ من ناحية الاشتقاق يجب أن يرتبط هذا المصطلح بالأزل، لأنه جذر معبر عن