← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.

стр. 8016

المختلفة، كما ارتفع عدد سكان القدس من ٩٠.٥٠٣ نسمة فى تعداد سنة ١٩٣١ إلى مائة وخمسين ألف نسمة عند بداية الحرب العالمية الثانية. وأقيمت بالقدس منشآت عامة وخاصة مثل مركز اللجنة العليا للاشراف على الهدنة الثانية للأمم المتحدة والجامعة العبرية ومستشفى الهداسة وجمعية الشبان المسيحية وعدة كنائس جديدة وعدد ضخم من المدارس وظهرت أحياء سكنية جديدة أصبحت غاصة بالسكان، وكذلك قامت معاهد بريطانية وفرنسية وأمريكية وقامت الكلية العربية الحكومية وعلى رأسها أحمد سامح الخالدى مما أدى إلى ظهور جيل جديد من المثقفين العرب، وظهر كثير من المؤلفين العرب أمثال اسعاف النشاشيبى وخليل السكاكينى وخليل بيدس. وتأثرت القدس أكثر من غيرها بتصارع الروح القومية لكل من العرب واليهود، وجرت أول أحداث دامية بين الجانبين فى إبريل ١٩٢٠ م وصدر الأمر العسكرى بإعدام الحاج أمين الحسينى مفتى القدس ثم ما لبث أن صدر الأمر بالعفو عنه من قبل المندوب السامى الجديد سير مبوبرت صمويل وأعيد المفتى إلى سابق وظيفته ثم انتخب رئيسا للمجلس الإسلامى الأعلى الذى أنشأته الحكومة سنة ١٩٢١ م، ثم حدث صراع بينه وبين راغب النشاشيبى والأمير عبد اللَّه على أن موضوع حائط البراق الغربى أدى إلى حوادث اغسطس ١٩٢٩ م الدامية، كما شدّ من أزر هيبة الحاج أمين الحسينى وجاءت التبرعات من الهند لإصلاح الحرم، كما دفن فى الرواق الغربى منه الزعيم الهندى المسلم محمد على. وأسفرت هجرة اللاجئين اليهود الكبيرة سنة ١٩٣٣ م وما بعدها عن ثورة السكان العرب، ثم جاءت سنة ١٩٦٣ م لجنة بيل Peel لتقصى حقيقة الموقف فأوصت لأول مرة بقيام دولة عربية يهودية وتحويل القدس وبيت لحم إلى وحدة منفصلة فى ظل الاحتلال البريطانى لكن فشلت هذه

стр. 8017

المحاولة والتوصيات التالية لها التى تقدمت بها حكومة الانتداب فى إيجاد الحل والوصول إلى نتائج حاسمة حتى إذا كان يوم ٢٩ نوفمبر ١٩٤٧ م تبنت الجمعية العامة لعصبة الأمم القرار رقم ١٨٩ الداعى إلى تقسيم فلسطين إلى دولتين يجمعهما اتحاد اقتصادى واحد، كما أوصت بتدويل القدس مما أدى إلى اشتعال الثورة ونتجت عنها خسائر جمة فى الأرواح والممتلكات ثم انتهى الانتداب الرسمى البريطانى يوم ١٥ مايو ١٩٤٨ م، وتمركزت فى منطقة بيت لحم كتيبة مصرية وقام الجيش العربى الأردنى بمهاجمة الحىّ اليهود بالمدينة القديمة وغادره سكانه اليهود وفى ١٣ ديسمبر ١٩٤٨ م قرر البرلمان الأردنى ضم مناطق فلسطين التى يحتلها الفريق العربى ونقلت إسرائيل برلمانها إلى القدس فى فبراير ١٩٤٩ م وأعلنت أنها تعتبر القدس عاصمة لها يوم ١٣ ديسمبر ١٩٤٩ م، وكان كل هذا مخالفًا لقرار الأمم المتحدة باعتبار القدس كيانًا منفصلًا، وظلت المشكلة فى أروقة الأمم المتحدة حتى حرب ١٩٦٧ م التى خلقت موقفًا جديدًا كل الجدة. ولقد ترك الحكم الأردنى بصمة أبدية بقيامه بأعمال الترميم فى الحرم الشريف ولا سيما بالقبة، وكانت زيارة البابا بولس السادس فى يناير ١٩٦٤ م لكلا شطرى القدس قد أظهرت اهتمامه القوى بأمر المدينة المقدسة. أن حرب ١٩٦٧ م التى استمرت بالقدس ثلاثة أيام أسفرت عن خسائر فادحة فى الأرواح ولكن عن خراب قليل فى المبانى والمنشآت وأخذت الأحداث تتوالى وتتغير بسرعة. وأكثرت إسرائيل من هدم الأماكن العربية، كما قام استرالى يهودى يوم ٢١ أغسطس ١٩٦٩ م بإشعال النار فى المسجد الأقصى مما أثار ثورة العالم الإسلامى وشرع المجلس الإسلامى بعد عام من الحريق فى إصلاح ما أتت عليه النار واستغرق هذا الاصلاح بضع سنوات، واتخذت خطوات أعيد بها بناء كثير من أجزاء المسجد ودخلت فى نطاقها مناطق لم تكن النار قد ألحقت بها دمارًا، واستعين بأموال الأوقاف الإسلامية

стр. 8018

فى إصلاح عدة أسبلة قديمة وسوق تجار القطن وشيد جامعان جديدان (*). ويحتوى معهد روكفلر معروضات فريدة وكنوز من الفن الإسلامى وتحتوى مكتبة الخالدية بالقدس القديمة على مخطوطات قيمة لم يرد لها ذكر فى فهرس المكتبة الخالدية المطبوع بالقدس عام ١٣١٨ م، ويوجد بقاعة المطالعات الشرقية بالمكتبة العبرية، كتب نادرة تفيد الباحثين فى حقل الدراسات الإسلامية، وتوجد مجموعات من شعر الجاهلية وعصر صدر الإسلام فى معهد الدراسات الآسيوية والأفريقية، تجمعها فى الوقت الحاضر ما يزيد على نصف مليون جذاذة ويضم معهد ماير التذكارى للفن الإسلامى نماذج رائعة من هذا الفن. ولزيادة الإيضاح عن هذا الموضوع راجع كتاب تاريخ بلاد الشام من القرن السادس حتى القرن السابع عشر الذى أصدرته جامعة عثمان سنة ١٩٧٤ م وكتاب المفصل فى تاريخ القدس لعارف العارف (القدس ١٩٦١ م) وأعمال

стр. 8019

المؤتمر الرابع لاكاديمية البحث الإسلامى التابع للأزهر الشريف (القاهرة ١٩٧٠ م) وأبحاث عن مكانة القدس فى الإسلام لعبد الحميد حسن واسحق موسى الحسينى وعبد الحميد السايح، وقضية فلسطين لعز الدين فودة ومتصرفيات القدس أواخر العهد العثمانى لعبد العزيز عواض: Spezidon: Annals of Palestine ١٨٢١ - ٤١ المصادر: وردت فى المتن . د. حسن حبشى [س. د. جويتين S. D. Goitein] قدم تعنى فى مصطلح الفلسفة الإسلامية، وعلم الكلام: الخلود والبقاء. ولابد أن تُمّيز عن مصطلح "أزل" وعن مصطلح "أبد". ويرى التهانوى: أن الأزل هو الوجود الذى لا أول له، والأبد هو الوجود الذى لا نهاية له والقِدَم مضاد للحدوث، فالقدم يعنى (اللامسبوقية بالغير)، والأزل يفيد (نفى الأولوية)؛ وهو بذلك حالة فى

стр. 8020

الطرف الَقْبلى للبقاء والخلود eternity والأبد هو الطرف البعدى لها. وأساسًا، لابد أن يكون الأزل والأبد متماثلين فى اللَّه حيث (إن أبده عين أزله)، لأنهما يعنيان أن طرفى النقيض النسبيين اللذين هما البداية والنهاية كلاهما "منقطعان" عن اللَّه (انقطاع الطرفين الإضافيين عنه). لأنهما صفات سلبية بالنسبة لذات اللَّه (انظر فخر الدين الرازى، تفسير أسماء اللَّه الحسنى، سورة الأعراف، الآية ١٨٠؛ وأزلى وقديم مصنفان بين الصفات الحقيقية والسلبية. إذ تعد صفته "الأول" على أنها صفة حقيقية، مصحوبة بعلاقة ونفى "صفة حقيقية مع الإضافة والسلب". وهو قديم بمعنى أزلى، أى غير مسبوق، وهو فى الوجود قبل أى تصور عقلانى للبداية الأولى (قبل تعقل الأولية)، وبمعنى أبدى أى الدائم (بعد تعقل الآخرية). ويخرج إلى النور من بين هذه التعريفات العديدة مفهومان، ما قبل السرمدية، وما بعد السرمدية. والأول هو البقاء إلى ما لا نهاية (لا نهاية له) ويمتد تجاه الماضى، أو تجاه المستقبل (ويعرف فى أى الحالين على أنه (اللايزال). ويثير هذا الترتيب كثيرًا من الصعوبات أمام حل مشكلة خلق العالم، فهو يطرح تصور الزمان اللانهائى قبل لحظة هذا الخلق، والثانى تصور فلسفى بدرجة أكثر حيث أن هذين اللونين من السرمدية ليسا سوى تصورين سلبيين لجأ إليهما الفكر التأملى ليفهم فكرة السرمدية بالنسبة للزمان، ولكن الذى لا يتوافق مع حقيقة الزمان اللانهائى فى المعنيين الاثنين هو: أنهما نسبيان لأسلوب الفكر المنتمى إلى الروح البشرية التى -كما يشير الرازى- لا يمكن أن تدرك بذاتها خارج نطاق الزمان، والحقيقة المحجوبة خلف هذه التصورات الخيالية هى أن "بقاء اللَّه بذاته" يعنى وجودًا غير متأثر بالزمان، والصفة الزمانية كلية. وبالتالى، إلى ماذا يرمز القِدَم؟ من ناحية الاشتقاق يجب أن يرتبط هذا المصطلح بالأزل، لأنه جذر معبر عن

стр. 8021

فكرة الأسبقية، ويقول لسان العرب عنه ما يقوله التهانوى نفسه عن الأزل: "إنه نقيض الحدوث". ويشرحه ابن منظور أيضا من خلال جذور عَتَقَ، وسَبَقَ (أن تتقدم فى سباق). والواقع أنه يجب ملاحظة أن فكرة الأسبقية فى الزمان أو المكان متصلة باستحقاق التفوق، كما قد يظهر من القَدَمِ المادى، ومن استخدامه القرآنى: قَدَم صدق (سورة يونس، الآية ٢) التى يفسرها الزمخشرى على أنها سبق وفضل ومنزلة رفيعة، وأولوية، ومنزل عَلَّىٌ، يعده اللَّه للمؤمنين، وفى شرح آخر هى هدية مسبقة قد أعدها اللَّه لهم بفضله وكرمه (قد سبق لهم عند اللَّه خير) الأمر الذى يوحد الفكرتين الاثنتين للأسبقية، وسمو الإتحافات الالهية، وقد يلاحظ بدرجة أكثر بالنسبة لقَدَم (بمعنى "خطوة"، من حيث حقيقة أنها تكون إلى أمام الآخرين، أى أسبقية) حتى أن لسان العرب، وكذلك القرطبى فى تفسيره يقتبس كل منهما بيتًا من شعر ذى الرمة يقول فيه: وَأَنْتَ امْرُؤٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ ذُؤابَةٍ ... لَهُمْ قَدَمٌ مَعْرُوفَةٌ وَمَفَاخِرُ حيث نرى تعبير العقلية البدوية: فالقَدَمُ مرتبطة بالشرف الرفيع، والأعمال المجيدة (المفاخر). وقد يكون الافتراض معقولا بأن جذر ق - د - م، يستخدم ليفيد أسبقية اللَّه. بل ليفيد سموه الوجودى على كل الأشياء، وعلينا أن نوضح أن ذلك ليس أسبقية وسموًا نسبيًا إزاء الآخرين، كما هى حال "المفاخرة" التى تفيد المنافسة، لكنها الصفات الفائقة المطلقة، وبهذا المعنى يقول لسان العرب: فى أسماء اللَّه تعالى المُقِدَّمُ: هو الذى يقدم الأشياء ويضعها فى مواضعها، أى الخلود المطلق، ويكتب القاضى عبد الجبار، فى شرح الأصول الخمسة، أنه وفق مبادئ اللغة يكون مصطلح "قديم" هو "ما تقدم وجوده" ويستشهد بالآية ٣٩ من سورة يس: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ حيث يقارن اللَّه ، القمر بسعفة نخل قديمة (كالعرجون القديم)، أما كلمة قِدَم،

стр. 8022

فإنها لا توجد فى القرآن الكريم ويوصل الكتاب الموحى به فكرة اللانهائية الإلهية من خلال فكرة السمو تلك، فاللَّه هو المتعالِ (سورة الرعد، الآية ٩)، وهذا الاسم فى رأى الرازى، يختص به اللَّه سبحانه على أساس أنه (منزه) فى ذاته، وفى صفاته، وفى أفعاله عن كل ما قد لا يفرض على الآخرين الاعتراف به. ونتيجة لذلك. فإنه سبحانه خارج الزمان، وسرمدى، ولهذا السبب، فإن مصطلح قديم يؤخذ بصفة مطلقة على أنه يدل على اللَّه ﷻ نفسه. ١ - يكمن القدم الحقيقى فى أنه غير مسبوق بشئ آخر وفق الأسبقية التى هى "جوهوية" وليست "زمنية". وهذا ما يعرف بأنه "قدم ذاتى"، ويكمن فى حقيقة عدم الاحتياج لكى يوجد إلى أى شئ على الاطلاق سوى الذات: فاللَّه ﷻ غير محتاج لموجود كى يوجد. والقديم فى هذا المعنى هو واجب الوجود. وعكس مصطلح (قدم) مصطلح (حدوث) الذى يعنى حقيقة أن شيئا ما قد سبقه فى الوجود وفق أسبقية أساسية، والتى قد تكون فى هذه الحالة، أو قد لا تكون أسبقية زمنية (مثال ذلك، أن العالم هو نتيجة أصل بالضرورة، إنه حدوث، ولكن لا شئ يسبق زمنه، والإنسان يولد أساسًا أيضًا، ولكن والديه وجدا فى زمن سابق لمولده)، بمعنى مؤكد أن الزمان هو نتيجة أصل، أى "حادث"، لأنه إذا كان قد سبق بلا شئ قد وجد قبله بطريقة زمنية، فإن هذه الفرضية تكون عبثية، لأن الوجود المطلق لواجب الوجود لا يتوافر فيه، وهو يجدد ذاته فى كل لحظة، ومن الممكن أن نفهم بالقدم بوجه خاص حقيقة أنه غير مسبوق بعدم الوجود لأسبقية زمانية: ولذلك سوف يسمى هذا "قدم زمانى"، والقديم بلغة الزمان، يكون لهذا السبب هو "ذلك الذى يكون زمان وجوده ليس له بادية أولى" وبالمثل، قد يتحدث المرء عن أصل زمنى، أى (حدوث زمانى) حيث يكون وجود موجود ما مسبوقًا بعدم وجود فى الزمان، وعلى هذا النحو، نحدد ما هو ثمرة "الحدوث الزمانى"، وعلى أنه المسبوق فى الزمان بعدم وجوده، ووفق الصياغة المشهودة:

стр. 8023

(لم يكن، ثم كان)، وبهذا المعنى، يكون الزمان غير حادث، لأنه ليس ثمة شئ بوسعه أن يوجد نفسه قبلا. ٢ - بالنسبة للقدم النسبى، فإنه يفيد أن الزمان الماضى لوجود موجود يكون أعظم من زمان وجود موجود آخر. ولكن هذا المعنى، لا يمكن أن ينقل بكلمة قِدَم. إنه يخص عتق موجود بالمقارنةَ إلى جِدَّه موجود آخر، وكلمة قديم تعنى عتَيق، وبشكل عكسى، سوف يكون الحدوث جِدَّةَ، والحادث هو الجديد. ويضيف التهانوى أن القِدَمَ الأساسى "أخص" من القدم الزمانى، الذى يكون بدوره أخص بدرجة أكثر من القدم النسبى أو العتاقة، ولهذا السبب، فإن واجب الوجود الذى هو "قديم ذاتى"، يكون قديمًا أيضا وفق وجهة نظر زمانية، حيث أنه مسبق لا بعدم ولا بشئ غير ذاته، ولكن العكس ليس صحيحًا: ولذلك، فإن صفات الموجود القديم التى لم تسبق بعدم لأنها مصاحبة لذاته القديمة، لا تكن قديمة فى حد ذاتها، هكذا، لا يكون لها قِدَم ذاتى. ويمكن أن يقال الشئ نفسه عن العالم الذى هو "قديم زمانى" فى رأى الفلاسفة، ولكنه ليس قديم ذاتى بأية حال، لأنه يعتمد على علته التى هى خلاف ذاته، وبالنسبة للقدم الإضافى، فإنه ليس مشاركًا شاملًا مع القدم الزمانى، والواقع، أن الزمان الماضى لوجود ما قد يكون أعظم بالمقارنة إلى ذلك الذى يوجد بشكل لاحق لأول مرة، وينطبق هذا على الأب الذى هو قديم بالنسبة لابنه، وهو ليس بتلك الوسيلة قديم زمانى، لأن هذا الأب قد أنجبه والدان، هكذا، لو قارنا العالم بإنسان ما، يكون لكليهما تاريخ قوامه أحداث متعاقبة. فإنه بالنسبة لواحد من هذه الأحداث، يمتد ماضى العالم، وماضى هذا الإنسان إلى زمان أعظم من زمان الحدوث الجديد. ولذلك سوف يسمى كل منها قديم بالنسبة له. ويكون كلاهما قديمًا إضافيًا. ولكن العالم ليس قديمًا فحسب فى هذا السياق: إنه كذلك فى حد ذاته، لأنه لم يكن هناك زمان ذات يوم لم يوجد فيه. والإنسان قديم فحسب، على سبيل المثال، بالنسبة

стр. 8024

لحادثة أبوته: إنه سبقها دون شك، ولكن على نحو دقيق، وفق سابقة تكون نسبية بالنسبة لها فحسب، وعلى العكس، فإنه فى سياق "الأصول" يكون "حدوثا إضافيًا" الذى هو خاص إلى أقصى حد، ثم يأتى حدوث زمانى، وفى النهاية حدوث ذاتى. هذا لأن كل شئ يغطى وجوده فى الماضى فترة زمانية (أقل، يقال إنه حدوث إضافى) يكون مسبوقًا بعدم، وهو لذلك حدوث زمانى، والأحرى، إنه حدوث ذاتى، ولقد كان هذا التحليل متأثرًا بوضوح بفكر فلاسفة يميلون إلى ربط القِدَم بالضرورة الوجودية لواجب الوجود، وربط الحدوث بالإستمرارية. ويفهم المتكلمون ببساطة مصطلح قديم، على أنه غير المسبوق بعدم، أو وفق مفردات التهانوى، قديم زمانى. فعلى ماذا تنطبق فكرة القدم؟ ينسب القدم أولًا إلى ذات اللَّه. وكل الفلاسفة علماء الدين متفقون على هذه النقطة. وهناك اختلافات فى الرأى بين المتكلمين حول مسألة قدم صفات اللَّه، فاللَّه قديم لأنه ليس خاضعًا لأصل، والموجود لا يمكن أن يكون إلا محدثًا أو قديمًا. وهكذا لو كان اللَّه خاضعًا لأصل لكى يوجد، فإنه قد يحتاج إلى موجود آخر لكى يوجده، أى إلى مُحدث، ولكن المسألة قد تنطبق على "المُحْدِثِ" أيضًا، وهلم جرًا إلى ما لا نهاية. ومن ثم، لابد للمرء أن يؤكد وجود اللَّه على أنه خالق قديم، وكما عبر عبد الجبار، هو "الصانع القديم"، وهذه الحجة التى تحمل رمزًا فلسفيًا، ليست سمة مميزة قاصرة على المعتزلة، إنها توجد فى المصطلحات نفسها أو فى ما يماثلها فى "كتاب التمهيد" للباقلانى، فى الفصل الذى يوضح فيه أن الفاعل الذى ينتج موجودات خاضعة لأصل (فاعل المحدثات) لا يمكن أن يكون هو نفسه ثمرة أصل ما. كما يوجد فى "كتاب الإرشاد" للجوينى الذى يبرهن على أن (وجود القديم غير مفتتح)؛ ويطرح فى الموضوع نفسه ملاحظة مهمة ودقيقة عن تصور وجود ما ليس له بداية: ألا يدل هذا على التوالى اللامتناهى للحظات؟ ويجيب أن اللحظة: للشئ تحدد يحقيقة أنها معاصرة مع أى

стр. 8025

أشياء أخرى، وبالتالى، فإن قدم اللَّه يدل عليه تفرده ضمنًا. ويقر الاشاعرة قدم الصفات الإلهية. وعلى العكس، يعبر المعتزلة عن المبدأ الذى صاغه عبد الجبار فى "شرح الأصول الخمسة" وهو (لا قديم مع اللَّه). ومع ذلك، فإنهم يعترفون بأربع صفات على أنها قديمة: صفة الوجود، وصفة الحياة، وصفة العلم، وصفة القدرة. والواقع أن هذه الصفات الأربع، فى رأى الجبائى وأغلبية علماء المدرسة، تنسب إلى ذات اللَّه بالضرورة، ولذلك فإنها هى الأخرى قديمة. إن علمه هو وجوده فى تصرفات للعلم (كونه عليمًا) وينطبق الشئ نفسه على صفات أخرى، أو ما هو أكثر من ذلك، إنه يعلم من علم هو ذاته (أبو الهذيل)، إلخ. . . إنهم لا يقولون إن له علم قديم، ولكنه (لم يزل عليما)، إلخ. . . وقد رفض عَبَّادُ ابن سليمان أن يقول إن للَّه علم أكثر مما له من قِدَم؛ ولكن ربما يقال إنه "قديم". وعلى العكس، اعتقد ابن كُلاب إن اللَّه فى تصرفات من خلال علم يخصه، وهلمَّ جرًا. ولتقول إنه "قديم" هو أن تؤكد أنه (لم يزل بأسمائه) وصفاته؛ المقالات)، وذات اللَّه وحدها هى القديمة، ليس بمعنى أنها تجردت من كل الصفات، بل على العكس، إنها متشحة بكل ما يخص اللَّه. ونبدأ هنا فى التعامل مع دقائق بحتة فى اللغة، كما هو الحال فى التمييز بين التعبيرين "إن اللَّه لم يكف عن أن يكون"، و"إن اللَّه لم يكف عن أن يكون فى صفة قديمة للقدم" وأيا كان الأمر، هناك فقرة من المقالات جديرة بالملاحظة، هى "أن مؤيدى نظرية الصفات (أسباب الصفات) يختلفون فى الرأى المتعلق بصفات الخالق: هل هى قديمة، أم لم يكن لها أصل؟ يقول البعض إنها قديمة، ويصرح آخرون: إذا كنا نقول إن الخالق قديم فى صفاته، فلا داعى إذن للقول إن صفاته قديمة، بل نقول إنها لا قديمة، ولا كان لها أصل. "وقد أضاف أبو هاشم على ما ارتآه التهانوى، صفة قديمة خامسة إلى الصفات الأربع (المتقدم ذكرها) هى (الإلهية)، التى هى متباينة عن الذات، ويذكرنا هذا بما قاله علماء مدينة

стр. 8026

Charters شارتز بشمالى فرنسا عن الطبيعة الإلهية divimitas, فى القرن الثانى عشر، ومنهم Gilbert de la porree ليس ثمة شك فى هذه الفرضية التى يلمح إليها عبد الجبار حين يكتب أنه وفق ما يقوله أبو هاشم، إن الصفات تخص اللَّه بالضرورة، وبموجب ذلك، فإنه يثبت ذاته (بما هو عليه فى ذاته)، وعلى هذا النحو، تكون هذه الصفات قديمة فى الصفة الإلهية، لأن سليمان ابن جرير، وغيره من "الصفاتية" يرون أن ما ينسب إلى اللَّه من الصفات يكون بالضرورة عبر أفكار (لمعانى) يمكن أن توصف لا بالوجود، ولا بعدم الوجود، ولا بأصل، ولا بقدم" (شرح الأصول الخمسة). إنه تصور "الصفة المعنوية"، وهو مصطلح قد ترجم على نحو مختلف بأنه "أساسى" و"نوعى"، أو حتى "وجودى"، إنه أمر لا يختلف عن الوصف الذى صار واجبًا بالفكرة التى لدى الإنسان عن اللَّه. والمعنى دائمًا هو فكرة تفيد مع (ما هو جوهرى فى خلفيته Cum Fumdamento - in re). ولذلك، فإن الصفة المعنوية ليست ذاتًا، ولا هى "شئ" فى اللَّه. إن حقيقة اللَّه هى التى تقتضى ما يقوله المرء عن اللَّه. ولكن هنا أيضًا، يكون القديم هو اللَّه، وذاته، وتغيب الصفة المعنوية عن كل البدائل الوجودية. ومع ذلك، ففى رأى عبد الجبار، أن بعض تلاميذ بعينهم لابن كُلَّاب، قد جعلوا المعانى مجردات مادية، وعدوها قديمة، وعندهم أن الصفات الأربع (المتقدم ذكرها) ملائمة للَّه بواسطة المعانى الأزلية. ومن الجذر نفسه مثل قِدَم تشتق الصيغة الخامسة من مصدر تَقدُّم الذى يوجد فى تفسير مثير للاهتمام، للرازى للآية ٣، سورة الحديد: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ. . .﴾ ولكلمة تقدم معانٍ كثيرة: (١) التقدم بالتأثير حيث يمارس السابق تأثيرًا على اللاحق، ومثال ذلك، أن حركة الإصبع تستلزم حركة الخاتم؛ (٢) التقدم بالحاجة، أى الذى يقوم على الحاجة التى للاحق من السابق، ومن ثم يكون رقم واحد أقدم من رقم اثنين دون أن يكون علته؛ (٣) التقدم بالشرف، وفق الأحقية، ومن ثم يكون لأبى بكر السبق على عمر؛ (٤) التقدم بالمرتبة، طبقًا لنظام المراتب، هو إما أن

стр. 8027

يكون محسوسًا مثل مكان الإمام فى الصلوات أمام المؤمنين الذين يقيمون الصلاة؛ وإما أن يكون عقلانيا، مثل مكان الجنس، بالنسبة للأنواع؛ (٥) التقدم بالزمان، أسبقية زمانية أو "قبلية"؛ ويضيف إليها الرازى (٦) "ولكنى أظن أن هناك قسم سادس مثل أسبقية فترات معينة من الزمان لفترات أخرى" وهذه الأسبقية ليست زمانية، إِلَّا، يكون لازما للزمان زمانًا آخر حتى يتطور، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية. ومن ثم، قد يكون الحاضر فى نطاق حاضر آخر، ويكون الحاضر الآخر بدوره فى نطاق حاضر ثالث. . وكل هذه الأزمنة الحاضرة حاضرة فى اللحظة الحاضرة (كلها حاضرة فى هذا الآن). ولكن مجموعة هذه اللحظات ربما تكون لاحقة لمجموعة لحظات ماضية، إلى الحد الذى قد يكون فيه زمن آخر لمجموعة الأزمنة. ونتيجة لذلك، ربما يكون كلاهما داخل وخارج هذه المجموعة، وهذا أمر محال. "زد على ذلك، أن هذه الأسبقية لفترات من الزمان بعضها على البعض، ليست أسبقية طبقًا لقانون العلة، ولا طبقًا للحاجة، وإلَّا، فإن هذه الفترات تتعايش معًا، ومن الواضح أيضًا، أن هذه الأسبقية ليست طبقًا للأحقية، ولا للمكان. لذلك، فإنها نوع سادس للتقدم. والآن، يوضح القرآن الكريم أن اللَّه هو "الأول" (Primus)، ويوضح الرازى هنا أن هذه الأهلية تناسب الواجب وحده، موجود أول وفريد، ولأن كل ذلك ليس هو، لأنه "ممكن"، ولا يوجد الممكن إلا عبر أصل: إنه مُحْدَث، ولكن ما هى طبيعة هذه الأسبقية الإلهية؟ إنها لا تدين لفعل من أفعال التأثير، لأن الفاعل والمريض نسبيان أحدهما للآخر، ويتعايشان معا إنها ليست أولوية قائمة على الحاجة، حيث أن الأسبقية هنا أسبقية مطلقة. إنها ليست أسبقية مدينة للأحقية، لأنه لا يمكن أن يقال إن أحق أو "أشرف" من الممكن، لأنه ليس كمثله شئ (مع أن أحد المعانى هو أن الوجود الواجب يفيد تمام الموجود الذى يكون وجود الممكن ناقصًا بالإضافة إليه). وبالنسبة لأسبقيات الزمان والمكان، فليس لها معنى بالنسبة للَّه،

стр. 8028

لأن الزمان والمكان أمران ممكنان يعتمدان على أصل. ويكون اللَّه سابقًا لجملة الأزمان، فهو ليس سابقًا بالنسبة للزمان، وإلَّا، قد تدخل الأسبقية الإلهية فى مجموعة الأزمان، لأنها ستكون زمنًا، ولكنها خارجية له، ولأنها سوف تحتوى هذه الأزمان جميعًا، وأن ما تحتويه يكون خلاف ما احتوته. وربما يكون هذا نوعًا من العبث. ويقترح الرازى بوضوح، من المحتمل أن يتعلق باللَّه نوع سادس من الأسبقية التى لا تخلو من قياسات للتمثيل بأسبقيات فترات الزمان لبعضها البعض. ولكن هذه الفترات الزمانية ليست متطابقة، وذلك هو السبب فى أن الرازى حين يقدم هذا القسم السادس، لا يقول إنه، بل يقول إنه يشبه فحسب. . وختامًا، نحن نعلم أن اللَّه "أول" (على سبيل الإجمال)، وليس (على سبيل التفصيل). وبالنسبة لفهم حقيقة هذه (الأولوية) فليس لدى أنواع الذكاء البشرى أى وسيلة توصلها إلى ذلك، لأنها لا تستطيع أن تفلت من نطاق القوالب الزمانية. ويلاحظ أن تقسيمًا مماثلًا للتقدم موجود فى كتاب "مقاصد الفلاسفة" للغزالى، باستثناء التقدم بالحاجة، حيث يسميه التقدم بالطبع، فى حالة لا يكون السابق فيها موقوفًا بقمع اللاحق، ولكن اللاحق فيها يكون موقوفًا بقمع السابق (كما هى الحال مع مجموعة أرقام)، وفيما عدا ذلك، نجد أن التقدم بالتأثير، يحمل اسم "التقدم بالذات" (بالنسبة للعلة والمعلول). لم يساند مذهب قدم العالم فى الإسلام إلا الفلاسفة الواقعون تحت تأثير فلاسفة اليونان: أفلاطون؛ وأرسطو؛ وفيلو الإسكندرى؛ وبروكليس، وجون فيلو بونوس الأصولى. ويتناول كتاب تهافت الفلاسفة للغزالى وتهافت التهافت لابن رشد هذا المذهب بالتفصيل. والحجة الأساسية، هى أن من المحال أن تتصور بداية زمانية للعالم، أى لحظة الزمان التى خلق فيها، حيث يفيد ذلك أنه قد سبق خلقه زمان فارغ. والواقع، إذا كان الزمان مقياسًا رقميا للحركة، كما

стр. 8029

يؤكد أرسطو (وهى نظرية يقتنيها الفلاسفة) نجد أن الحركة تتطلب شيئًا متحركًا، وأجساما متحركة، والعالم الطبيعى وبخاصة النجوم، حينئذ يكون من المحال بالنسبة للزمان أن يكون قد وجد قبل وجود العالم. زد على ذلك، أنه إذا وجد، فسوف يكون قديمًا أو مخلوقًا. ولكن القدم لا يتفق مع زمان آخذ فى التغير و"السيلان": كل جزء منه يكون جديدًا بالنسبة للجزء السابق، والزمان يتجدد فى كل لحظة من لحظاته. فإذا كان الزمان حادثًا فى كل أجزائه، يكون له كله سبب فى أن يكون هكذا فى جملته. ومن ثم، فإنه مخلوق: عندئذ تثور مشكلة: هل هو مخلوق فى زمان، وهل وجد زمان قبل زمان؟ وهذا عبث. وهذه هى الحجة، كما تؤخذ فى جانب العالم. وفى جانب اللَّه، مع افتراض خلق زمانى، ماذا فعل الخالق قبل الخلق. هل كان ساكنا؟ وتلك ليست طبيعته، كما جاء فى (سورة البقرة، الآية ٢٥٥) أنه ﴿. . لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْم. . .﴾. أضف إلى ذلك، أنه إذا كان ساكنا أولًا، ثم نشيطًا بعد، فلابد أن يكون حدث تغيير فيه، وهذا أمر غير معترف به. وما الذى أغراه بالخلق فى لحظة ما حين تولى خليقته؟ ومن جانب علماء علم الكلام الذين يعتقدون فى خلق العالم فى حينه، فإنهم يعترضون على أسس أن العالم قديم، وليس له بداية، وأنه لم يكف عن الوجود ذات يوم، وبالتالى إنه قد وجد لفترة لا نهائية من الزمان. وهذا تناقض ظاهرى. ويطرح هذا التعليل نفسه فى النظر إلى السلسلة اللامتناهية للعلل: المعلول الذى يوجد فى الحاضر، قد لا يوجد بأية حال. وتنشأ الصعوبة من استيعاب القدم فى زمان لا متناه. ولكن القول، بأن العالم قديم، هو أن نؤكد أنه فى أثناء البقاء فى داخل العالم، وفى الزمان المرتبط بالعالم، لن يجد المرء لحظة يمكن أن تكون بدايته الأولى. وسوف يحتاج المرء إلى أن يعود إلى الوراء على نحو غير محدد، وليس إلى اللاتناهى:

стр. 8030

وبعبارة أخرى، إننا نتعامل هنا مع أمر لا محدود، أو بلغة أرسطو، مع اللاتناهى فى القدرة وليس اللاتناهى فى الحركة. وباختصار، يدل الاعتراض على أن التعبير "ليس له بداية فى الزمان" يعنى "أن له بداية فى الزمان اللامتناهى". بالإضافة إلى لا محدودية ما، قد يمكن قطعها، إذا كانت محصورة بين نقطتين على خط مستقيم، فيُقْطَعُ عدد لا متناه من النقاط. ويبدو أن ابن سينا قد أخذ بهذا الرأى بالنسبة لمشكلة العلة الأولى بتمثيلها قياسيًا بمشكلة البداية الأولى. فإذا نظر المرء إلى (جملة) العلل داخل هذا العالم، سيرى بوضوح أن كل علة منها هى علة ومعلول معًا. ولذلك، لا يستطيع المرء أن يقحم فى هذه (الجملة) علة أولى قد تكون بدون علة. "كل جملة تكون كل وحدة منها معلولًا مسببًا يحتاج إلى علة خارجية لهذه الوحدات. "وفى فرضية كهذه لسلسلة العلية" تتكون كل مجموعة من علل ومعلولات سواء كانت متناهية، أو لا متناهية، تظهر نفسها، فلو أنها تحتوى بداخل ذاتها معلولات مسببة ليس إلا، لتحتاج علة تكون خارجية عنها، ولكنها تكون فى استمرارية معها بشكل محدد (تتصل بها طرفًا). "وإذا كانت مكونات هذه الجملة لا متناهية، فإننا نتعامل عندئذ مع جملة لا متناهية محدودة. ذلك لكى نقول إنه فى البحث عن العلة الأولى، سوف ترى ظاهرة بوضوح كحد للامتناهى الذى لا يستطيع الفكر أن يصل إليه أبدا، ويجاهد فى سبيله. ولكن فعله لا يحتاج إلى اجتياز الانقطاع اللامتناهى للعلل والمعلولات، لكى تعمل هنا وحالًا، لأنه كما يوضح ابن سينا، "كل علة لجملة لا تكون واحدة من وحدات تلك الجملة هى فى المقام الأول علة لهذه الوحدات، وبالتالى علة للجملة. "وهذه إحدى وجهات نظر ابن سينا التى من هذا القبيل فى هذه المسألة، طبقًا لكتاب الإشارات. وثمة اعتراض آخر على نظرية قدم العالم تقوم على علم الفلك. ولدينا مثال فى هذا الصدد فى كتاب

стр. 8031

الفصل بين البخيل لابن حزم. وبالتصريح بأن الإنسان ليس بوسعه أن يضيف لا شئ إلى الزمان اللامتناهى، فقد أوضح بذلك أن لا تناهى القرون التى ستأتى لن يضيف لا شئ إلى القرون الماضية، ويكتب ابن حزم: "فى مداره الدائرى، يدور زحل دورة واحدة فى ثلاثين سنة، ويدور حوالى ١١٠٠٠ دورة، ولم يكف عن الدوران ذات يوم. ويدور أعظم كوكب فى هذه السنين الثلاثين ١١٠٠٠ دورة تقريبًا، ولم يكف عن الدوران ألبته. والآن، وبما يتجاوز الشك، فإن ١١٠٠٠ دورة أكبر من دورة واحدة وحيدة. وبالتالى، فإن ما هو لا متناه سوف يكون أعظم ١١٠٠٠ مرة من ذلك اللامتناهى، وهذا عبث. بل هو تباين خطير فى الموضوع نفسه: استيعاب القدم فى زمان لا متناه. وتعليل ابن حزم صريح، لكنه يتجاهل قدرات اللامتناهى. وماذا عن نهاية العالم؟ يتمسك أفلاطون من دون الفلاسفة بالرأى القائل بأن ماله بداية يجب أن تكون له نهاية، وتمشيا مع ذلك، فإن ما ليست له بداية لا يمكن أن تكون له نهاية. ومن منظور الخالق المبدع، يكون بوسع المرء أن يعترف بأن اللَّه لن يدمر خلقه بالطريقة التى خلق العالم بها، ولكن القديم هو طرف بعدى أى أنه سيبقى دائما وعند الفلاسفة، لا يمكن أن يفنى الكون، ولكن ربما يختفى جزء منه. وعند علماء اللاوهوت الذين يعتقدون فى نهاية العالم، سوف تبقى هناك جنة ونار قديمان بالمعنى الأبدى؛ ولكن على أساس آية يصف اللَّه نفسه فيها، بأنه الآخر، افترض بهم بن صفوان أن الجنة والنار سوف يكون لهما نهاية كذلك، وقد التمس توكيدًا لنظريته فى الآيتين ١٠٧، ١٠٨ من سورة هود: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وهكذا، سوف يجد اللَّه نفسه

стр. 8032

وحده بشكل مطلق فيما بعد القدم مثلما كان فيما قبل القدم. المصادر: انظر الكتاب المقدس بالنسبة لأبد. والنصوص التى يجب الرجوع إليها بخاصة: (١) الأشعرى: مقالات الإسلاميين. (٢) الباقلانى: كتاب التمهيد. (٣) الجوينى: كتاب الإرشاد. (٤) عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة. (٥) ابن حزم: الفصل، فصل عن أولئك الذين يقولون إن العالم قديم. (٦) عبد القاهر البغدادى: كتاب أصول الدين، رابع مبدأ، المسألة الأولى: شرح عدد الصفات (الأزلية). دراسات ومقالات: (١) M. Allard: Le problerne des attributs divins، بيروت سنة ١٩٦٥. (٢) R. Arnaldez: La pensee religieuse d' Averroes فى si، م ٧ (سنة ١٩٥٧) (٣) المؤلف نفسه: المقدمة بالنسبة لموضوع De aeternitate mundi of philo Al exandria مع ترجمة فرنسية بقلم J.pouilloux، باريس سنة ١٩٦٩ (٤) e.behle: die Ewigkeit der welt ميونخ - بادربورن - فيينا سنة ١٩٦٥. حسن شكرى [ر. آرنالديز R.Arnaldez] قدم شريف (المقصود بها قدم رسول اللَّه ﷺ . من المعجزات المشهورة المنسوبة لمحمد [ ﷺ ] أنه كان إذا سار على الصخر غاصت قدمه فيه وترك أثرا (هناك معجزات أخرى تروى بالإضافة إلى هذه، منها أنه لم يكن له ظل وأن النار لم تكن تحرق شعره وأن الذباب لم يكن يقف على ملابسه وأن نعله لم يكن يترك أثرا على الرمل). ولم ترد مثل هذه المعجزات فى الكتب القديمة، ولا ورد عنها حديث يؤيدها، وقد أشار جلال الدين السيوطى إلى ذلك. ولكن

стр. 8033

يؤيد هذه المعجزة بالذات وجود عدد كبير من آثار إحدى قدمى الرسول [ ﷺ ] أو كلاهما يبجلها المسلمون فى أنحاء العالم الإسلامى. وأشهر هذه الآثار هو الذى فى المسجد الأقصى فى القدس، وهو على الصخرة التى ركب منها محمد ﵊ البراق فى رحلته السماوية (رحلة المعراج). كما أن هناك أثرًا آخر فى مسجد قرب البوابة الجنوبية لمدينة دمشق على الطريق إلى حوران، وقد طبع هذا الأثر لقدم الرسول [ ﷺ ] عندما كان على وشك النزول من فوق جمله ووضع إحدى قدميه على الأرض، وعندئذ أخبره جبريل أن اللَّه قد خيره بين جنة الدنيا وجنة الآخرة، وعندئذ تخلى عن دخول المدينة. وفى القاهرة أثران، أحدهما فى مسجد يسمى أثر النبى والثانى فى قبر قايتباى الذى اشتراه بمبلغ ٢٠٠٠٠ دينار كما يقول أحمد دحلان. ويوجد أثر لقدمى الرسول [ ﷺ ] فى طنطا فى مقام السيد أحمد البدوى، كما يوجد أثر مشابه فى إستانبول، فى المسجد الذى دفن به السلطان عبد الحميد الأول. وتحظى آثار قدمى الرسول [ ﷺ ] بأكبر قدر من التبجيل فى الهند حيث تنتشر هذه القطع الحجرية فى أنحاء البلاد، أحيانا فى أبنية منشأة خصيصا لتضمها كما فى مسجد قدم الرسول [ ﷺ ] فى جاور، أو مع آثار أخرى كما فى جامع مسجد دهلى، أو تترك بلا عناية فى أحد أركان مقبرة كما فى شاه جمال قرب عليكره، أو محفوظة فى منازل بعض الأشخاص. وعادة يكون الأثر لقدم واحدة ولكن فى مبنى "قدم الرسول" فى بلاسور (فى أوريسا)، يحمل الحجر أثر القدمين مع قدمى علىّ. ومن أكثر هذه الآثار احتراما ذلك الأثر الموضوع على قبر فتح خان بن فيروز شاه تغلق، وكان هذا الملك قد أشرك ابنه معه فى الحكم عام ٧٦٠ هـ، وقد أصابت وفاة فتح خان عام ٧٧٦ هـ والده بحزن عظيم فأنشأ ضريحا عظيما على قبره يضم مسجدًا ومدرسة، ويقال إن شيخ جماعة

стр. 8034

الجشتى Cishti السيد جلال الدين بخارى كان هو الذى أحضر أثر القدم من المدينة. وهذا الأثر مغمور فى ماء يعتقد أن له قدرة على الشفاء، ويقام احتفال دينى فى ذلك المكان فى كل عام يوم ١٢ ربيع الأول، وهو ذكرى وفاة الرسول ﵊. وفى مدينة أوجه och، حيث توجد مجموعة كبيرة من آثار الرسول ﵊، يوجد أثر للقدم الشريف فى مقام باندجى محمد غوث (المتوفى عام ٩٢٣ هـ) وهو من أحفاد عبد القادر الجيلانى. ويقال إن قطعة الحجر التى عليها أثر قدم النبى [ ﷺ ] المحفوظة فى مسجد قدم الرسول فى جاور أحضرها من المدينة علاء الدين حسين شاه الذى حكم البنجال فى الفترة من ١٤٩٤ م إلى ١٥٢١ م، أما المسجد الرائع الذى تحفظ فيه فقد بناه ابنه وخليفته نصرت شاه عام ١٥٣٠ م. وبعد ذلك بخمسين عاما أحضر مير أبوتراب، الذى كان السلطان أكبر قد عينه أميرا للحج، قطعة من الحجر عليها أثر القدم اليمنى للرسول ﵊، أما الأثر الذى أحضره السيد جلال الدين بخارى المعروف بمخدومى جاهانيان Makhdumi Djahanigan للسلطان فيروز شاه فيقال إنها للقدم اليسرى. وقد خرج السلطان أكبر بنفسه مسافة عدة أميال بعيدا عن أجرا Agra ليستقبل الأثر الشريف وحمله على كتفيه حوالى مائة خطوة، وتبعه فى ذلك النبلاء ورجال الحاشية الذين رافقوا الحجر فى أبهة كبيرة ووقار حتى المدينة. وبعد عام، أذن أكبر لمير أبو تراب فى أخذ أثر القدم معه عند عودته إلى بيته فى جو جارات Gudjarat، فأنشأ له مبنى فى أساوال asawal قرب أحمد أباد ahmad abad كمقام يضم هذه القطعة الحجرية وبعض شعرات من شعر النبى ﵊ كان قد أحضرها معه أيضا من مكة. وبعد وفاته وضع أثر القدم على قبره الذى ما زال موجودا جنوب

стр. 8035

مدنية أحمد أباد ولكن أثر القدم لم يعد هناك، فقد نقل (كما يقال) إلى كهامباى Khambay، كما يقال أيضًا إن أثر القدم الذى على قبر السيد محمد مقبول علم Saiyid Muhammad Makbul Alam، المدفون فى فناء مقام سلفه السيد محمد شاه علم فى باطوا Batuwa جنوب مدينة أحمد أباد إنما هو نسخة مصنوعة من الحجر الموجود فى جامع مسجد فى دهلى. وتوجد أحيانا نسخا مشابهة على حجر أو على ورق فى منازل بعض الأفراد. وكما تبجل أثار أقدام محمد ﵊، تبجل أيضا نماذج نعاله فيعلقها المتدينون فى منازلهم لدفع أذى الشيطان أو العين الشريرة أو سطو اللصوص. . . إلخ، كما يقال أيضًا إنها تخفف آلام الوضع. وتنتشر هذه الاعتقادات أيضًا فى الجزائر ومصر والهند وسوريا. المصادر: (١) أحمد بن محمد المقارى makkart، فتح المتعالى فى مدح النعال (آلوارد Ahlwardt: Verz. Arab. Handxhr. Berl. No. ٢٥٩٥) (٢) إبراهيم بن محمد بن خلف: معجزات الأنبياء. (٣) جلال الدين السيوطى: خادم النعل الشريف. (٤) شاه محمد عمر: الاستشفاء والتوسل بآثار الصالحين وسيد الرسل (دلهى ١٣١٩ هـ). (٥) Goldziher: Stuh.Stud جزء ٢ صفحة ٣٦٢ وما يليها. حسين أحمد عيسى (ت. و. أرنولد T. W. Arnold) قذف القذف هو اتهام الشخص المحصن فى شرفه بارتكاب الزنا مع العجز عن تدعيم هذا الاتهام بشهادة أربعة شهود على الواقعة مما يعرض القاذف طبقا للشريعة الإسلامية لتطبيق الحد الذى يصل إلى ٨٠ جلدة وترجع الشريعة الإسلامية فى تحديد هذه العقوبة إلى الآية الرابعة من سورة النور.

стр. 8036

وحتى تقع جريمة القذف يجب أن يكون المقذوف محصنًا مؤمنًا حرًا وبالغًا عاقلا سواء كان ذكرًا أو أنثى. ويرى معظم الفقهاء أن الشخص المقذوف هو الذى له حق المطالبة بتطبيق حد القذف على القاذف ويطلق على ذلك الحق الآدمى وبالتالى يمكن أن يتنازل باختياره هو أو الورثة عن المطالبة بإقامة الحد على الجانى. فى حين يعتبر المذهب الحنفى أن إقامة حد القذف هو حق اللَّه وبالتالى لا يملك المقذوف هو أو ورثته التنازل عنه. ويمكن للزوج الذى يتهم زوجته بالزنا بدون تقديم الدلائل اللازمة التى تدعم الاتهام اتباع أسلوب اللعان حتى يتجنب التعرض لاقامة حد القذف. لا يطبق أيضا حد القذف على الأب والأم أو غيرهم من أقارب الجانى كما لا يطبق أيضا على القصر وغير العاقلين. أما بالنسبة للعبد فإن الحد يقتصر على ٤٠ جلدة فقط. المصادر: (١) الفصل الخاص بالحدود فى المجموعات الخاصة بالتقاليد وكتب الفقه. (٢) صدر الشريعة الثانى: مختصر الوقاية (قازان ١٢٩٦). (٣) الدمشقى: رحمة الأمة فى اختلاف الأئمة (بولاق ١٣٠٠). تشتمل جميع أعمال الفقه على فصل من مادة "القذف" انظر على سبيل المثال: (١) الكسائى: بدائع الصنائع، القاهرة ٣٢٧، الجزء ١٧، ص ٤٠ - ٦٥. (٢) خليل بن اسحق: مختصر ترجمة Bouspurl، الجزائر، الجزء ٤، ٥٠ - ٥١. وللمقارنة بين المذاهب انظر: (١) فتحى بهنس: الجرائم فى الفقه الإسلامى، القاهرة ١٩٥٩، ص ١٢٣، وما يتبعه. مها رؤوف أبو السعود [ت. و. جينبول Th. W.Juynboll]

стр. 8037

القرآن الكريم القرآن هو كتاب المسلمين المقدس الذى أوحى به اللَّه سبحانه لعبده ونبيه محمد [ ﷺ ] وقد دوّن القرآن الكريم وأصبح كتابا يتلوه المسلمون. وينقسم هذا البحث إلى الأقسام التالية: ١ - أصل الكلمة ومترادفاتها: (أ) الاشتقاق والاستخدام القرآنى. (ب) مترادفاتها فى القرآن الكريم. ٢ - محمد [ ﷺ ] والقرآن الكريم: ٣ - تاريخ القرآن بعد عام ٦٣٢: (أ) جمع القرآن الكريم. (ب) القراءات المختلفة ومصاحف الصحابة. (جـ) النص المعتمد والقراءات المعتمدة. ٤ - البناء القرآنى: (أ) السور وأسماؤها. (ب) الآيات. (جـ) البسملة. (د) الحروف فى أوائل السور. ٥ - الترتيب الزمنى لنزول القرآن: أ- الإشارات التاريخية فى القرآن. ب- التواريخ التقليدية التى وضعها المسلمون. جـ - التواريخ الغربية الحديثة. ٦ - لغة القرآن وأسلوبه: أ- لغة القرآن. ب- الكلمات الدخيلة. جـ- السجع والتكرار. د- النظام الشكلى وتعدد الروايات. ٧ - الأشكال الأدبية والموضوعات الرئيسية: أ- شكل القَسَم والأشكال المرتبطة به. ب- الفقرات التى تشير إلى آيات اللَّه فى الخلق. جـ - الفقرات التى تبدأ بفعل الأمر "قل". د- السرد فى القرآن الكريم. هـ- آيات الأوامر والنواهى. و- آيات الشعائر الدينية.

стр. 8038

غير ذلك من الأشكال. ٨ - القرآن الكريم فى حياة المسلمين وفكرهم: قائمة مصادر ومراجع الأقسام من ١ - ٨. ٩ - ترجمة معانى القرآن الكريم: أ- المذهب الصحيح. ب- ترجمات معانى القرآن إلى بعض اللغات. ١ - أصل كلمة "قرآن" ومترادفاتها (أ) اشتقاق كلمة قرآن والاستخدام القرآنى لها: كان أول استخدام موثق للكلمة (قرآن) فى القرآن الكريم نفسه، فقد وردت سبعين مرة بمعان مختلفة. ويقبل معظم الباحثين الغربيين الآن ما ذهب إليه الباحث ف. شفالى F. Schwally وغيره من أن كلمة قرآن مأخوذة من الكلمة السريانية "قِرْيانا" التى تعنى قراءة الكتاب المقدس أو درسًا من دروسه، وهى بهذا المعنى فى الطقوس الدينية المسيحية (انظر على سبيل المثال مخطوطات القرن السادس الميلادى السريانية فى المتحف البريطانى، فيما جاء فيها على سبيل المثال قِرْيانا د - يوم باعْوَاتا وتعنى مجموعة نصوص تُتْلى فى يوم المغفرة أو الابتهال). هذا عن رأى الباحثين الغربيين، أما رأى المؤلفين المسلمين فينحصر -ببساطة- فى أن كلمة قرآن مشتقة من الفعل قرأ (المترجم: ففى لسان العرب مثلًا: قرأ القرآن الكريم أى التنزيل العزيز. . . قرأه يقرؤه، بفتح الراء ويقرُؤه، بضم الراء والأخيرة من الزجّاج قراءة وقرءا وقرآنًا. .) وكلتا النظرتين تجد بعض الدّعم من القرآن الكريم، حيث إن الفعل (يقرأ) لا يتردد كثيرًا مثل الفعل (يتلو)، فعبارة (تلاوة القرآن) أكثر استخدامًا من قراءة القرآن (١).

стр. 8039

وفى المخطوطات الكوفية الأولى نجد كلمة قرآن تكتب بدون همزة مما جعل بعض المؤلفين مثل قتادة وأبى عبيدة يقولون بأن كلمة قرآن مشتقة بين قَرَنَ بمعنى جمع الشئ (انظر مبحث ف. شفالى F. Schwally الآنف ذكره عن تاريخ القرآن). (المترجم: ورد فى لسان العرب لابن منظور وهو أوسع المعاجم العربية التقليدية على الاطلاق فى مادة قرن: ". . والقرآن لمن لم يهمزه جعله من الفعل قرن لاقتران آياته. قال ابن سيده: وهو عندى على تخفيف الهمز. . ") إلا أن ما ينقض هذا الرأى الأخير وهو كون القرآن مشتق من الفعل قرن أن حذف

стр. 8040

الهمزة هو أحد خصائص لهجة أهل مكة (المكرمة) كما أنه هو ما دأبت عليه المصاحف الكوفية الأولى المخطوطة، وأن كلمة قرآن مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالفعل (قرأ) فى النص القرآنى نفسه. والنتيجة الراسخة التى نخرج بها هى أن كلمة "قرآن" ترجع إلى القرآن ذاته. إنها كلمة قرآنية. . . قرآنية تمثل الكلمة السريانية قريانا Keryana لكنها اشتقاق على وزن فُعلان من الفعل قرأ (١). وقد ورد الفعل (قرأ) فى القرآن الكريم سبع عشرة مرة، وعادة ما يكون بمعنى رتّل لكنه. أحيانًا يكون بمعنى القراءة الجهرية، (أى بصوت مسموع غير مهموس)، وحينما يكون الفعل

стр. 8041

(قرأ) يعنى بشكل واضح (رتل) فعادة ما يكون المرتل هو محمد [ ﷺ ] كما فى سورة القيامة آية ١٨. والنحل آية ٩٨ ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وسورة الإسراء، آية ٤٥ ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ وآية ١٠٦ ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾. . إلخ، ولكننا نجد فى بعض الآيات التى نزلت فى الفترة الأولى ما يشير إلى أن اللَّه سبحانه هو الذى يقرأ الوحى (القرآن) بنفسه، كما فى سورة القيامة، آية ١٨ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (١). ونسبت القراءة للمسلمين فى آية أخرى متأخرة، كما فى سورة (المزمل) فى قوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ ﴿الْقُرْآنِ﴾ وقوله أيضًا ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. وارتبطت كلمة (قرأ) فى أربع آيات أو خمس دائمًا بكلمة (كتاب). وفى سورة (الإسراء) آية ٩٣ ﴿. . وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ وتشير آيات ثلاث إلى الكتب المدوّنة التى تقرأ يوم القيامة (يوم الحساب) كما فى سورة (الإسراء) آية ١٤ ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ وآية ٧١ ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ وآية أخرى فى سورة (الحاقة) هى الآية رقم ١٩ ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ

стр. 8042

هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ ووردت كلمة (يقرأ) مرة واحدة مقرونة بالكتاب فى سياق الذين يقرأون الكتاب قبل الإسلام وربما كان المقصود بهم اليهود والنصارى المعاصرين لمحمد [ ﷺ ]، وذلك فى الآية رقم ٩٤ فى سورة (يونس): ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ وقد رأى بعض الباحثين -على حق- فروقًا دقيقة فى الاستخدام القرآنى للفعل قرأ، لذا فقد ترجم هذا الفعل إلى الألمانية فى السياق القرآنى بكلمات مختلفة مثل: - Vozitieren - Verlesen - Lesen - vortragen ومع هذا فلا توجد فروق كبيرة فى الاستخدام القرآنى لهذا الفعل أكثر من أنه إذا كان بمعنى يتلو فإن ذلك معناه القراءة من صحف مكتوبة، وإذا كان معناه يقرأ فالمقصود هو القراءة بصوت مسموع. ومعظم آيات القرآن الكريم نزلت فى فترة امتدت لسنوات عشر تقريبًا بدأت عندما شرع محمد [ ﷺ ] فى أداء الصلاة علنا وانتهت فى زمن مقارب لغزوة بدر سنة ٦٢٤ م. ومن المحال أن نؤرخ لآيات النص القرآنى بدقة، لكن التطور العام للاستخدام القرآنى لكلمة القرآن واضح الوضوح كله (ويلاحظ أن جميع الملاحظات التى نذكرها عن تاريخه فى هذا المقال هى ما توصل إليه كاتب هذا البحث). وفى معظم الحالات كانت هذه الاستنتاجات والتحليلات متوافقة مع ما ذهب إليه الباحث "رتشارد بل" الذى أرخ لآيات أكثر ما أرخ للسور. ١ - من بين المعانى الأولى للقرآن الكريم أنه "نص للتلاوة أو نص يتلى" وقد ظهر هذا فى آيتين حيث يخاطب اللَّه سبحانه نبيه [ ﷺ ] محمدا قائلا: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ سورة القيامة، وتبين الآيات التالية مدى ارتباط القرآن الكريم بالصلاة فقد جاء فى سورة الإسراء ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.

стр. 8043

٢ - ونجد أن القرآن الكريم يعنى فى بعض الآيات أنه نص مفرد يتلوه محمد [ ﷺ ] فقد أخبر اللَّه نبيه فى سورة (الجن) آية (١) أن نفرًا من الجن استمعوا إليه وهو يقرأ القرآن ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾، وانظر سورة يونس آية ٦١ وسورة الرعد آية ٣١ وكذلك يونس آية ١٥. ٣ - وفى الغالبية العظمى من الآيات التى تعود فى غالبها إلى الفترة المكية وبدايات الفترة المدنية يصبح للقرآن معنى متشابكا يشتمل على عدة عناصر. فهو (تنزيل) أنزله اللَّه سبحانه على محمد [ ﷺ ] وهذا واضح من سورة طه آية رقم ٢ وما بعدها وكذلك الآية رقم ٢٣ من سورة الإنسان ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾. ومن آيات أخرى نفهم أنه نزل مفرّقا (منجّما) وهذا واضح من سورة الإسراء، آية رقم ١٠٦ ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾، ومن سورة الفرقان، آية ٣٢ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ ويبدو من بعض الآيات أن ثمة قرآنا آخر لم ينزله اللَّه سبحانه على نبيه، فالقرآن الكريم قد أنزل اللَّه منه جزءا على نبيه والباقى عنده سبحانه، وهذا يمكن أن نخلص به من الآية ٨٢ من سورة الإسراء ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (*). وفى سياقات أخرى يُقصد بالقرآن مجموع ما أوحى به اللَّه إلى محمد [ ﷺ ] ليتلوه، وذلك واضح من سورة (النمل) آية رقم ٩٢ ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾، وسورة (النحل) آية ٩٨ ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وسورة (الإسراء) آية ٤٥ ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾.

стр. 8044

أما فيما يتعلق بالآداب الواجب اتباعها عند تلاوة القرآن فإننا نقرأ فى السورة رقم ٧ (الأعراف) آية ٢٠٤ ما يفيد أن محمدًا [ ﷺ ] إذا تلى القرآن، تحتَّم على الناس الاستماع والانصات ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وفى سورة (الانشقاق) آية ٢٠ وما بعدها ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ وفى سياقات أخرى إشارات إلى بعض المسلمين وهم يرتلون بعض القرآن الكريم، وكان هذا فى آية أو آيتين مدنيتين، مثلما ورد فى سورة (المزمل) آية ٢٠ ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا. .﴾ ٤ - وفى عدد من السياقات التى يبدو أن آياتها نزلت فى المرحلة المدنية الباكرة قبل الآية ٢٠ من سورة (المزمل) الآنف ذكرها، كان يُقال للقرآن الكريم الكتاب، كما جاء فى سورة يوسف آية ١ وسورة السجدة آية رقم ٢ وغيرها من الآيات. أما استخدام القرآن نفسه للفظ قرآن للدلالة على كتاب المسلمين المنزل من عند اللَّه بالمفهوم المعروف اليوم فإن ذلك يكون فى الآيات التى اقترن فيها ذكر القرآن الكريم بذكر التوراة والانجيل باعتبار الثلاثة كتبًا سماوية، كما فى سورة (التوبة) وسورة (آل عمران). وفى كل الأحوال علينا أن نلاحظ أن الوحى لم يكتمل نزوله حتى ساعة نزول هذه الآيات، بل إن القرآن لم يجمع إلا بعد وفاة محمد [ ﷺ ]. (ب) مرادفات القرآن الكريم: لا يمكن أن نفهم فهما كاملا معنى مصطلح (قرآن) دون أن نضع فى اعتبارنا الاستخدامات القرآنية لمصطلحات أخرى مرادفة للقرآن أو لصيقة به مثل "الآية" "والآيات"

стр. 8045

و"الكتاب" و"السورة" و"السور" بل أيضًا "الذكر" و"المثانى" و"الحكمة" وغير ذلك. فلكل مصطلح منها حدوده ومعناه الأساسى فى القرآن الكريم، وإن كان استخدام هذه المصطلحات فى السياقات العادية يقترب أحيانا من الاستخدام القرآنى لها. فالمعنى الأساسى لمصطلح (آية) مثله مثل المصطلح العبرى أوث oth والسريانى آثا atha يعنى علاقة بمعنى الرمز لحقيقة غير ظاهرة أو الدليل أو البرهان، أما عن اشتقاقها فغير مؤكد، وربما كان من الطبيعى أن تكون من الجذر (أوه) الشبيه بالكلمة العبرية "آواه" awah لكن هذا الجذر غير موجود فى اللغة العربية، وقد وردت (آية) و (آيات) فى القرآن الكريم حوالى ٤٠٠ مرة للدلالة على الظاهرات الطبيعية التى تؤكد سلطان اللَّه وعظمته وللدلالة على فقرة من القرآن (آيات القرآن الكريم) وفى بعض السياقات تشير إلى المعجزات والبراهين التى تؤيد الحق، وفى المرحلة المكية المتأخرة. وربما أيضًا فى بواكير المرحلة المدنية اتخذت الآية والآيات معنى الرسالة المنزلة (الرسالة الموحى بها) (*). أما كلمة كتاب فهى تعنى -حرفيا- ما تعنيه الكلمة الانجليزية Book. وقد وردت فى القرآن بصيغة المفرد ٢٥٥ مرة وبصيغة الجمع ست مرّات، وهذه الكلمة -من بين أصعب الكلمات من حيث تفسيرها ومعرفة دلالتها. فهى أحيانا تعنى خطابا وقد وردت فى القرآن الكريم بهذا المعنى مرة واحدة

стр. 8046

فى سياق ذكر الرسالة التى أرسلها النبى سليمان ﵇ إلى ملكة سبأ، كما جاء فى الآية الثامنة والعشرين وما بعدها من سورة النمل وأطلعت الكلمة نفسها على وثيقة العتق، كما فى سورة (النور) آية ٣٣ وهى تشير أحيانًا إلى سجل أعمال الإنسان كما فى سورة (الإسراء) آية ٧١ ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ وسورة (الكهف) آية ٤٩ ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، وسورة (الزمر) آية ٦٩ ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. . إلخ وتأتى أحيانا بمعنى علم اللَّه كما فى سورة الأنعام آية ٥٩ ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وسورة يونس آية ٦١ ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وسورة هود آية رقم ٦ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. . الخ ويميل المفسرون لتفسير كلمة "كتاب" فى هذه الآيات إلى أنها تعنى كل الكتب السماوية، وهو ما يميل إليه الكتاب الغربيون الذين تناولوا القرآن الكريم، أما الباحث جفرى A. Jeffery فى بحثه عن القرآن ككتاب مقدس فيرى أن هذه الإشارات لكتب الشرق الأدنى القديمة، وكتب المراسم والسجلات، بينما يرجح الباحث فيدنجرن فى كتابه "محمد رسول اللَّه ومعراجه للسماء" أن المقصود بالكتاب فى هذه الآيات، كتاب سماوى واحد. وليس هناك دليل حاسم فى القرآن الكريم لأى من هاتين النظريتين كما لا توجد مشكلات عويصة لأى من هذه

стр. 8047

الآيات التى يمكن اعتبارها تفسيرا مجازيا يشير إلى علم اللَّه (سبحانه) وقضاءه، على أنه يمكن وجود تفسير مشابه لهذه الآيات التى تفيد فى العادة أنها تشير إلى القرآن باعتباره ذا أصل سماوى كما فى قوله ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ وقوله أيضًا فى سورة الزخرف ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ والآية رقم ٧ فى سورة آل عمران ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ والآية رقم ٣٩ فى سورة الرعد ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ إلا أن معنى الكتاب فى هذه الآيات الأخيرة غامض ولا يشير للقرآن الكريم بشكل حاسم إذ يمكن تفسيره بمعان أخرى. أما لفظ "سورة" فقد ورد فى القرآن الكريم تسع مرات فى صيغة المفرد ومرة واحدة بصيغة الجمع (سور)، ويبدو أن الكلمة مشتقة من اللفظ السريانى صورتا Surta أو سورتا ويقصد بها قراءة الكتاب المقدس أو الكتاب المقدس، والاستخدامات القرآنية "للكلمة" قرآن وآية وكتاب وسورة تجعل منها جانبا يتضمن فى مجملها الأمور التالية: ١ - إن كلا من كلمة القرآن والآية والسورة تستعمل أحيانا للدلالة على كل القرآن الكريم. ٢ - إن كلمتى "القرآن والكتاب"، الآية ٦٤ من سورة التوبة. قد تفيدان كتابًا مقدسًا، وقد تكون السورة هى الأخرى ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ بهذا المعنى أيضًا. ٣ - كثيرا ما ترد كلمتا القرآن والكتاب لوحى من اللَّه. ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ والآية ١٢٤ ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ والآية ١٢٧ ﴿وَإِذَا مَا

стр. 8048

أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ. .﴾. ٤ - وعلى أية حال فمن المعتاد ما يكون هناك حد واضح بين استخدام الكلمتين: كتاب وقرآن، فكلمة كتاب عندما تشير إلى الوحى فإنها تعنى "كتاب اللَّه" سورة يونس والصافات. وثمة كلمات اصطلاحية أخرى استخدمها القرآن الكريم للدلالة على الوحى الذى أوحاه اللَّه سبحانه لنبيه محمد [ ﷺ ]، وسنوردها فيما يلى: ١ - ثلاثة أسماء مشتقة من الفعل (ذكر) هى تذكرة، وذكرى، وذِكْر، نورد -على التوالى. الآيات التى وردت بها هذه الكلمات ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ المزمل آية ١٩ والإنسان، آية ٢٩، ﴿. .قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ الأنعام آية ٩٠ ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هود آية ١٢٠، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ وسورة ص آية ٨٧. ٢ - المثانى، وقد حير هذا المصطلح المفسرين وأدى إلى ظهور نظريات عدة بين الباحثين الغربيين فى شرح القرآن وترجمته. وحتى لو كانت الكلمة من مشناه العبرية mshnah أو من كلمة مثنيتا السريانية أو الآرامية الأصل فلابدأن يكون لكلمة مثانى صلة بالفعل العربى ثنَّى بمعنى ضاعف أو كرر وفى سورة النساء، آية ٣ ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ وفى سورة سبأ، آية ٤٦ ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى. .﴾، والآية الأولى من سورة فاطر ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ. .﴾ لذا فمن الجائز أن أفضل كلمة انجليزية مقابلة لها هى Repetions. لكن الكلمة تشير إلى الوحى المنزل على محمد [ ﷺ ] ففى سورة الحجر آية ٨٧ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ وفى سورة الزمر آية ٢٣ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ

стр. 8049

يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ويعتبر المفسرون -عادة- أن المقصود بالسبع المثانى هو آيات الفاتحة السبع، وإن كان التفسير الأكثر مواءمة هو أن المقصود بالسبع المثانى هو قصص العقاب التى يرى الباحث بل Bell أنها يمكن أن تشكل معا مجموعة منفصلة عن القرآن. ٣ - الحكمة، وقد تكون هذه الكلمة مشتقة من اللفظ الأرامى حِخْما hikhma، وقد استخدمت هذه الكلمة (حكمة) لتعنى الوحى الإلهى أو جانبا منه كما فى سورة البقرة (آية ٢٣١) ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وسورة النساء آية ١١٣ فى قوله تعالى ﴿. .وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. . الخ ونقرأ فى سورة الجمعة، آية ٢ أن محمدًا [ ﷺ ] يرتل الآيات ويعلم الكتاب والحكمة فى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ كذلك جاء فى الأحزاب (آية ٣٤) أن الآيات والحكمة تتلى فى بيوت المسلمين ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ على أنه من الواجب تفسير هذه الآيات فى ضوء الآية ١٠٥ من سورة النساء ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. ٢ - محمد [ ﷺ ] والقرآن الكريم . ارتبط القرآن الكريم بنبوَّة محمد [ ﷺ ] بحيث لا يمكننا فهم أى منهما دون فهم الآخر. ونظرة المسلمين السنّة لا تعدو أن يكون اللَّه هو المتحدث وأن محمدا [ ﷺ ] هو المتلقى، وأن جبريل هو الوسيط الموكل به توصيل كلام اللَّه (الوحى) إلى محمد [ ﷺ ] بصرف النظر عن المتكلم (جبريل) المتلقى أو المخاطب (محمد ﷺ ) لكن تحليل النص القرآنى يظهر لنا إن المسألة أكثر تعقيدا من ذلك.

стр. 8050

إذ لا توجد إشارة قط إلى مصدر الوحى أو صيغة المتكلم فى السور والآيات التى يظهر أنها أقدم ما نزل من القرآن الكريم، ففى بعض الآيات ليست هناك أدنى إشارة إلى أن هناك رسالة من اللَّه . انظر على سبيل المثال الآيات من ١ إلى ١٠ من سورة الشمس وكذلك القارعة والتكاثر والعصر. ونورد هنا الآيات الكريمة المشار إليها على التوالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا. . الخ﴾ وما جاء فى سورة القارعة ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ. .﴾ وفى سورة: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ. . الخ﴾ وفى سورة العصر ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. .﴾ وفى بعض الآيات الأخرى يبدو وكأن محمدا [ ﷺ ] هو المتحدث، كما فى سورة التكوير آية ١٥ - ٢١ وسورة الانشقاق (آية ١٦ - ١٩) (*). وفى المرحلة المدنية الباكرة نجد فى الآية ٩٧ من سورة البقرة ما يشير إلى أن جبريل ﵇ هو الموكول إليه الوحى ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، واعتمادا على هذه الآية الكريمة وعدد من الأحاديث الشريفة فسّر المفسّرون (الرُّوح) فى الآية السابقة وهى سورة الشعراء الآية ١٩٣ على أن المقصود بها هو جبريل ﵇. وقد أوصى الرسول [ ﷺ ] بكتابة القرآن (تدوينه كتابة) وجمعه، وقد تم جزء من هذا العمل (كتابة النص القرآنى وجمعه) أيام محمد [ ﷺ ]

стр. 8051

وبتوجيه منه. وتشير أحاديث الرسول [ ﷺ ] إلى توجيهاته فيما يتعلق بترتيب النص القرآنى وتتابع الآيات (راجع باب فضل القرآن فى صحيح البخارى، وباب الصلاة فى سنن أبى داود، كما تعرض ابن سعد لهذه المسألة). ومن غير المستبعد أن يكون محمد [ ﷺ ] فى بعض الأحيان يكتب بنفسه ما يوحى عليه من القرآن الكريم، ويمكن أن يفهم ذلك من الآية الكريمة التالية: - سورة الفرقان، الآيات من ٤ إلى ٦ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، لكن بشكل عام فمن المفهوم أن الرسول [ ﷺ ] كان له كتبة خاصة فى المرحلة المدنية يكتبون ما يمليه عليهم من الوحى. وعند تجميع النص القرآنى فى عهد الرسول [ ﷺ ] اقتضى الأمر بعض المراجعات والتغييرات، كما يفهم من النص القرآنى ذاته، ففى الآية ١٠٦ من سورة البقرة ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وفى آية ١٠١، من سورة النحل ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وتقدم لنا الآيتان ٥٢، ٥٣ فى سورة الحج تفسيرًا آخر للتغيير فى النصوص المقدسة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. حديث الغرانيق: يذكر الطبرى عند تفسيره للآية ٥٢ من سورة الحج، وكذلك فى تاريخه المعروف قصة غريبة يزعم رواتها أن محمدًا [ ﷺ ] قد ركن إلى قريش شيئًا ما وذكر آيات تمتدح آلهتهم فى سورة

стр. 8052

النجم وأدخل فى السورة آيات غير قرآنية إذ قال بعد ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ تلك الغرانيق العُلا، وإن شفاعتهن لترتجى، فلما سمع غير المسلمين من قريش ذلك سجدوا مع المسلمين وقلّ الخلاف بينهم وبين محمد [ ﷺ ] وعندما سمع المهاجرون المسلمون فى الحبشة الذين هاجروا تخلصًا من إيذاء قريش بأمر هذا التآلف الجديد عادوا إلى مكة لكنهم اكتشفوا أن هذه الفقرات الخاصة بالغرانيق قد دسها الشيطان وأن الرسول [ ﷺ ] قد أنكرها. وهذه الحكاية تشير كل الشواهد إلى أنها مكذوبة وتفتقد الأساس التاريخى، فسورة الحج نزلت بعد سورة النجم كما أن إسناد حديث الغرانيق إسناد ضعيف، فالقصة موضوعة وتفسير مفتعل للآية ٥٢ من سورة الحج. ومن المستشرقين الذين أنكروا هذه القصة تماما بيرتون J.Burton فى بحث نشره سنة ١٩٧٠ م وكيتانى Caetani. وهو الرأى الذى يتفق معه كاتب المقال. ٣ - تاريخ القرآن بعد سنة ٦٣٢ م تاريخ النص القرآنى وتلاوته -بعد وفاة محمد [ ﷺ ] مسألة تحتاج للتوضيح فى كثير من جوانبها، فقد مرَّ النص القرآنى بثلاث مراحل أساسية يصعب ربط كل مرحلة منها بتاريخ محدد: مرحلة الجمع والترتيب سواء من صدور الرجال (المصادر الشفهية) أو من المصادر المكتوبة، ومرحلة اعتماد النص بشكله النهائى، والمرحلة الثالثة هى مرحلة اعتماد القراءات المختلفة للنص القرآنى. ووفقا لما يراه المسلمون السنة فإن القرآن الكريم كان محفوظا حفظا تاما وبشكل كامل فى صدور الرجال منذ بداية نزوله وأنه كُتب فى حياة المصطفى ﵊ أو بعد موته بقليل حيث قام الصحابة بجمعه وترتيبه للمرة الأولى. ويعتقد أن النص بشكله الكامل كان حاضرًا زمن عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه (٦٤٤ - ٦٥٦ م) كما أن طرق القراءة (القراءات) قد استقرت بشكل نهائى فى بواكير القرن الرابع الهجرى/ العاشر

стр. 8053

الميلادى. ويوافق معظم الباحثين الغربيين على النقاط الرئيسية فى معتقدات أهل السنة عن تاريخ القرآن الكريم، لكن هذا لا يمنع من وجود بعض المسائل الخلافية. فبالإضافة للصعوبات التقليدية فيما يتعلق بتقويم المصادر الإسلامية المعتمدة على الأحاديث فإن آلاف المصادر المخطوطة لم يتح للباحثين الغربيين الاطلاع عليها. وعلى أية حال فثمة كتابات مهمة عن تاريخ القرآن الكريم ظهرت فى القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى سنذكرها فيما بعد، ومن الملاحظ أن الباحثين المسلمين المعاصرين لم يُولوا هذا الموضوع العناية الكافية. أما المؤلفات الأوربية الأساسية عن هذا الموضوع فلا زالت تحظى بالاهتمام وقد طبعت أكثر من طبعة: كتاب نولدكة عن تاريخ القرآن Noldeke's Geschichte des Qurans خاصة الجزء الثانى منه، وكتاب جفرى A.Jeffery مواد لدراسة تاريخ النص القرآنى Materials for the history the text of the Quran المنشور سنة ١٩٣٧ م. (أ) جمع القرآن: ثمة ما يشبه الإجماع على أن أول جمع كامل للقرآن الكريم تم فى عهد الخليفة الأول أبى بكر الصديق رضى اللَّه عنه (٦٣٢ - ٦٣٤ م) وقد كتبت هذه النسخة الأولى فى غضون عامين من وفاة النبى [ ﷺ ]. ووفقا لما ذكره البخارى وما ورد فى فتح البارى لابن حجر العسقلانى فإن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه خشى من ضياع بعض القرآن بعد مقتل عدد كبير من حفاظه فى معركة اليمامة فاقترح على أبى بكر الصديق جمعه وتدوينه بشكل كامل، فتردد أبو بكر خشية القيام بعمل لم يعمله رسول اللَّه، لكن عمر بن الخطاب أقنعه بضرورة ذلك وجدواه، فأرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت أحد كتاب الوحى وعهد إليه بجمع القرآن الكريم، فتردد زيد بدوره لكن أبا بكر أقنعه بضرورة ذلك، فجمع زيد بن ثابت القرآن الكريم من العسب واللخاف والأكتاف والكرانيف وصدور الحُفاظ وكتبها فى صحف متساوية وقدمها إلى أبى بكر الصديق، فلما مات أبو بكر انتقلت هذه الصحف إلى عمر بتوليه

стр. 8054

الخلافة سنة ٦٣٤ م فلما مات انتقلت إلى ابنته حفصة التى كانت زوجة للنبى [ ﷺ ]. وتثير هذه الرواية عن جمع القرآن عدة نقاط تعد بمثابة مفاتيح للبحث سواء من معناها الظاهرى الواضح أو من خلال فحواها وتحليل مضمونها مما يُعيننا على فهم تاريخ القرآن الكريم. وهذه النقاط هى: - أن محمدا [ ﷺ ] لم يترك -عند موته- نصا مكتوبا بشكل كامل. - وأن شيئا من القرآن الكريم لم يَضِعْ أو يسقط. - وأن القرآن الكريم كان فى البداية محفوظا فى الصدور (بطريقة شفهية). - وأن ما كان مكتوبا من القرآن كان على مواد خام غير الصحف، كاللخاف والجريد. . إلخ. - وأن أول تجميع رسمى هو ذلك الذى تم فى عهد الخليفة الأول أبى بكر الصديق، وهو أول تجميع كامل. وتردد كتابات المسلمين هذه الرواية التاريخية باعتبارها حقائق، كما تردد هذه النقاط (النتائج) باعتبارها مسلمات، ومع هذا فثمة قضايا مهمة أثيرت حول هذه النقاط. فالبخارى يشير إلى أن عمر بن الخطاب هو أول من جمع القرآن، وقد ردد ذلك الباحث فنسنك Wensick وبيرتون Burton (١) . وهناك روايات أخرى تفيد أن أبا بكر هو الذى بدأ جمع القرآن لكنه لم

стр. 8055

يُتِمّه فأتمه عمر فى خلافته (١) وهناك من يوفق بين هذه الروايات على أساس أن أبا بكر هو أول من جمع القرآن فى صحف بينما عمر هو أول من ضمه فى مجلد واحد (مصحف) وهناك رواية تقول إن عمر هو الذى أمر بالجمع لكنه مات قبل أن يتم هذا العمل وهذا رأى رواه ابن سعد. . وفى الحقيقة فإن هناك روايات مختلفة تنسب الجمع للمرة الأولى لكل خليفة من الخلفاء الراشدين الأربعة (راجع كتاب المصاحف لعبد اللَّه ابن أبى داود السجستانى وراجع أيضًا الإتقان فى علوم القرآن لجلال الدين السيوطى) وثمة روايات مختلفة يفيد ظاهر معناها أنه لم يوجد تجميع رسمى للقرآن الكريم قبل عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه، وقد قام كيتانى Caetani فى مقاله بدورية Annali وكذلك شفالى Schwally فى كتابه عن تاريخ القرآن gesch. des (جـ ٢ ص ٢٠) بإثارة قضية حروب اليمامة كمناسبة للجمع الرسمى للقرآن الكريم ذاكرين أن قلة قليلة ممن عرفوا بحفظ القرآن هم الذين قتلوا فى هذه الحروب (ذكر شفالى اثنين منهم) (٢). ولم توضح رواية جمع القرآن الآنف ذكرها دور النسخ المكتوبة لبعض أجزاء القرآن الكريم فى عهد محمد [ ﷺ ]، وقد أشير إلى هذه الأجزاء المكتوبة على عهد النبى -وهى مهمة جدا لتاريخ القرآن- فى سياق أن زيدا بن ثابت كان يكتب الوحى لرسول اللَّه [ ﷺ ]، وكان ينبغى تفصيل ذلك (٣). وتؤكد الروايات التى تتناول جمع
следующие страницы →