← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.

стр. 8051

وبتوجيه منه. وتشير أحاديث الرسول [ ﷺ ] إلى توجيهاته فيما يتعلق بترتيب النص القرآنى وتتابع الآيات (راجع باب فضل القرآن فى صحيح البخارى، وباب الصلاة فى سنن أبى داود، كما تعرض ابن سعد لهذه المسألة). ومن غير المستبعد أن يكون محمد [ ﷺ ] فى بعض الأحيان يكتب بنفسه ما يوحى عليه من القرآن الكريم، ويمكن أن يفهم ذلك من الآية الكريمة التالية: - سورة الفرقان، الآيات من ٤ إلى ٦ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، لكن بشكل عام فمن المفهوم أن الرسول [ ﷺ ] كان له كتبة خاصة فى المرحلة المدنية يكتبون ما يمليه عليهم من الوحى. وعند تجميع النص القرآنى فى عهد الرسول [ ﷺ ] اقتضى الأمر بعض المراجعات والتغييرات، كما يفهم من النص القرآنى ذاته، ففى الآية ١٠٦ من سورة البقرة ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وفى آية ١٠١، من سورة النحل ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وتقدم لنا الآيتان ٥٢، ٥٣ فى سورة الحج تفسيرًا آخر للتغيير فى النصوص المقدسة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. حديث الغرانيق: يذكر الطبرى عند تفسيره للآية ٥٢ من سورة الحج، وكذلك فى تاريخه المعروف قصة غريبة يزعم رواتها أن محمدًا [ ﷺ ] قد ركن إلى قريش شيئًا ما وذكر آيات تمتدح آلهتهم فى سورة

стр. 8052

النجم وأدخل فى السورة آيات غير قرآنية إذ قال بعد ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ تلك الغرانيق العُلا، وإن شفاعتهن لترتجى، فلما سمع غير المسلمين من قريش ذلك سجدوا مع المسلمين وقلّ الخلاف بينهم وبين محمد [ ﷺ ] وعندما سمع المهاجرون المسلمون فى الحبشة الذين هاجروا تخلصًا من إيذاء قريش بأمر هذا التآلف الجديد عادوا إلى مكة لكنهم اكتشفوا أن هذه الفقرات الخاصة بالغرانيق قد دسها الشيطان وأن الرسول [ ﷺ ] قد أنكرها. وهذه الحكاية تشير كل الشواهد إلى أنها مكذوبة وتفتقد الأساس التاريخى، فسورة الحج نزلت بعد سورة النجم كما أن إسناد حديث الغرانيق إسناد ضعيف، فالقصة موضوعة وتفسير مفتعل للآية ٥٢ من سورة الحج. ومن المستشرقين الذين أنكروا هذه القصة تماما بيرتون J.Burton فى بحث نشره سنة ١٩٧٠ م وكيتانى Caetani. وهو الرأى الذى يتفق معه كاتب المقال. ٣ - تاريخ القرآن بعد سنة ٦٣٢ م تاريخ النص القرآنى وتلاوته -بعد وفاة محمد [ ﷺ ] مسألة تحتاج للتوضيح فى كثير من جوانبها، فقد مرَّ النص القرآنى بثلاث مراحل أساسية يصعب ربط كل مرحلة منها بتاريخ محدد: مرحلة الجمع والترتيب سواء من صدور الرجال (المصادر الشفهية) أو من المصادر المكتوبة، ومرحلة اعتماد النص بشكله النهائى، والمرحلة الثالثة هى مرحلة اعتماد القراءات المختلفة للنص القرآنى. ووفقا لما يراه المسلمون السنة فإن القرآن الكريم كان محفوظا حفظا تاما وبشكل كامل فى صدور الرجال منذ بداية نزوله وأنه كُتب فى حياة المصطفى ﵊ أو بعد موته بقليل حيث قام الصحابة بجمعه وترتيبه للمرة الأولى. ويعتقد أن النص بشكله الكامل كان حاضرًا زمن عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه (٦٤٤ - ٦٥٦ م) كما أن طرق القراءة (القراءات) قد استقرت بشكل نهائى فى بواكير القرن الرابع الهجرى/ العاشر

стр. 8053

الميلادى. ويوافق معظم الباحثين الغربيين على النقاط الرئيسية فى معتقدات أهل السنة عن تاريخ القرآن الكريم، لكن هذا لا يمنع من وجود بعض المسائل الخلافية. فبالإضافة للصعوبات التقليدية فيما يتعلق بتقويم المصادر الإسلامية المعتمدة على الأحاديث فإن آلاف المصادر المخطوطة لم يتح للباحثين الغربيين الاطلاع عليها. وعلى أية حال فثمة كتابات مهمة عن تاريخ القرآن الكريم ظهرت فى القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى سنذكرها فيما بعد، ومن الملاحظ أن الباحثين المسلمين المعاصرين لم يُولوا هذا الموضوع العناية الكافية. أما المؤلفات الأوربية الأساسية عن هذا الموضوع فلا زالت تحظى بالاهتمام وقد طبعت أكثر من طبعة: كتاب نولدكة عن تاريخ القرآن Noldeke's Geschichte des Qurans خاصة الجزء الثانى منه، وكتاب جفرى A.Jeffery مواد لدراسة تاريخ النص القرآنى Materials for the history the text of the Quran المنشور سنة ١٩٣٧ م. (أ) جمع القرآن: ثمة ما يشبه الإجماع على أن أول جمع كامل للقرآن الكريم تم فى عهد الخليفة الأول أبى بكر الصديق رضى اللَّه عنه (٦٣٢ - ٦٣٤ م) وقد كتبت هذه النسخة الأولى فى غضون عامين من وفاة النبى [ ﷺ ]. ووفقا لما ذكره البخارى وما ورد فى فتح البارى لابن حجر العسقلانى فإن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه خشى من ضياع بعض القرآن بعد مقتل عدد كبير من حفاظه فى معركة اليمامة فاقترح على أبى بكر الصديق جمعه وتدوينه بشكل كامل، فتردد أبو بكر خشية القيام بعمل لم يعمله رسول اللَّه، لكن عمر بن الخطاب أقنعه بضرورة ذلك وجدواه، فأرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت أحد كتاب الوحى وعهد إليه بجمع القرآن الكريم، فتردد زيد بدوره لكن أبا بكر أقنعه بضرورة ذلك، فجمع زيد بن ثابت القرآن الكريم من العسب واللخاف والأكتاف والكرانيف وصدور الحُفاظ وكتبها فى صحف متساوية وقدمها إلى أبى بكر الصديق، فلما مات أبو بكر انتقلت هذه الصحف إلى عمر بتوليه

стр. 8054

الخلافة سنة ٦٣٤ م فلما مات انتقلت إلى ابنته حفصة التى كانت زوجة للنبى [ ﷺ ]. وتثير هذه الرواية عن جمع القرآن عدة نقاط تعد بمثابة مفاتيح للبحث سواء من معناها الظاهرى الواضح أو من خلال فحواها وتحليل مضمونها مما يُعيننا على فهم تاريخ القرآن الكريم. وهذه النقاط هى: - أن محمدا [ ﷺ ] لم يترك -عند موته- نصا مكتوبا بشكل كامل. - وأن شيئا من القرآن الكريم لم يَضِعْ أو يسقط. - وأن القرآن الكريم كان فى البداية محفوظا فى الصدور (بطريقة شفهية). - وأن ما كان مكتوبا من القرآن كان على مواد خام غير الصحف، كاللخاف والجريد. . إلخ. - وأن أول تجميع رسمى هو ذلك الذى تم فى عهد الخليفة الأول أبى بكر الصديق، وهو أول تجميع كامل. وتردد كتابات المسلمين هذه الرواية التاريخية باعتبارها حقائق، كما تردد هذه النقاط (النتائج) باعتبارها مسلمات، ومع هذا فثمة قضايا مهمة أثيرت حول هذه النقاط. فالبخارى يشير إلى أن عمر بن الخطاب هو أول من جمع القرآن، وقد ردد ذلك الباحث فنسنك Wensick وبيرتون Burton (١) . وهناك روايات أخرى تفيد أن أبا بكر هو الذى بدأ جمع القرآن لكنه لم

стр. 8055

يُتِمّه فأتمه عمر فى خلافته (١) وهناك من يوفق بين هذه الروايات على أساس أن أبا بكر هو أول من جمع القرآن فى صحف بينما عمر هو أول من ضمه فى مجلد واحد (مصحف) وهناك رواية تقول إن عمر هو الذى أمر بالجمع لكنه مات قبل أن يتم هذا العمل وهذا رأى رواه ابن سعد. . وفى الحقيقة فإن هناك روايات مختلفة تنسب الجمع للمرة الأولى لكل خليفة من الخلفاء الراشدين الأربعة (راجع كتاب المصاحف لعبد اللَّه ابن أبى داود السجستانى وراجع أيضًا الإتقان فى علوم القرآن لجلال الدين السيوطى) وثمة روايات مختلفة يفيد ظاهر معناها أنه لم يوجد تجميع رسمى للقرآن الكريم قبل عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه، وقد قام كيتانى Caetani فى مقاله بدورية Annali وكذلك شفالى Schwally فى كتابه عن تاريخ القرآن gesch. des (جـ ٢ ص ٢٠) بإثارة قضية حروب اليمامة كمناسبة للجمع الرسمى للقرآن الكريم ذاكرين أن قلة قليلة ممن عرفوا بحفظ القرآن هم الذين قتلوا فى هذه الحروب (ذكر شفالى اثنين منهم) (٢). ولم توضح رواية جمع القرآن الآنف ذكرها دور النسخ المكتوبة لبعض أجزاء القرآن الكريم فى عهد محمد [ ﷺ ]، وقد أشير إلى هذه الأجزاء المكتوبة على عهد النبى -وهى مهمة جدا لتاريخ القرآن- فى سياق أن زيدا بن ثابت كان يكتب الوحى لرسول اللَّه [ ﷺ ]، وكان ينبغى تفصيل ذلك (٣). وتؤكد الروايات التى تتناول جمع

стр. 8056

القرآن فى عهد عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه أن مصحف عثمان المجموع قد ظهر فى النصف الثانى من حكمه أى بعد حوالى عشرين سنة من وفاة الرسول [ ﷺ ]، وكان ذلك بسبب الخلاف بين القوى الإسلامية فى الشام والعراق حول الطريقة الصحيحة لقراءة القرآن فى الصلوات الجهرية أثناء حملة إلى أرمينيا وأذربيجان، فقد كتب قائد الحملة حُذيفة بن اليمان بهذه المشكلة إلى الخليفة عثمان رضى اللَّه عنه طالبا منه أن يحول بين الناس وبين الاختلاف فى القرآن، فطلب عثمان صحف القرآن من حفصة وجمع زيد ابن ثابت ومعه ثلاثة آخرين من حفاظ مكة وطلب منهم نسخ القرآن بلهجة قريش فلما انتهى النسخ احتفظ عثمان رضى اللَّه عنه بنسخة فى المدينة (المنورة) وأرسل نسخة لكل من الكوفة والبصرة ودمشق، كما أرسل نسخة -وفقا لبعض الروايات- إلى مكة المكرمة مع تعليمات بإتلاف كل ما عدا نسخته هذه، وبالفعل تم تنفيذ تعليماته إلا فى الكوفة إذ رفض ابن مسعود وأتباعه تنفيذ ذلك. والروايات مختلفة على أية حال فى عدد من حددهم عثمان رضى اللَّه عنه لنسخ القرآن كما أنها مختلفة فى المدن التى أرسل إليها عثمان مصحفه. وهذه الرواية الثانية عن جمع القرآن (فى عهد عثمان) تثير كالرواية الأولى (جمع القرآن فى عهد أبى بكر) بعض الخلافات التاريخية. ويقبل الدارسون الغربيون الآن ما يقول به شفالى (فى كتابه عن تاريخ القرآن الآنف ذكره ص ٥٧ - ٦٢) وغيره من أن القرآن ليس بلهجة قريش (سنتناول هذا الموضوع فيما بعد) وإذا كان الأمر كذلك انهارت إحدى ركائز الرواية

стр. 8057

السابقة (عن جمع القرآن ونسخه فى عهد عثمان) وأصبح من الصعب أن نعرف الدور الذى قامت به هذه اللجنة التى عينها عثمان رضى اللَّه عنه -وقد بين شفالى أن الأشخاص المذكورين فى مختلف الروايات على أن عثمان رضى اللَّه عنه قد رشحهم لهذه المهمة كانوا غير مقبولين، كما شكك من خلال أسباب قدمها فى أن يصدر عثمان رضى اللَّه عنه أمرا بإتلاف كل نسخ القرآن عدا النسخ التى اعتمدها. ويبدو من غير المقبول أن نعتبر أن الإتلاف فى طرق "قراءة" القرآن فى الصلوات الجهرية اليومية يمكن أن يسبب نزاعا خطيرا بين القوى الإسلامية أثناء الفتوحات الأولى. إن هذه الأجزاء من الرواية تشير جميعا إلى ظروف تاريخية أدت لوضعها، إذ يبدو أن إدراج اسم حفصة كان ببساطة- وسيلة لربط الروايتين المتعلقتين بجمع القرآن الكريم معا (رواية جمعه فى عهد أبى بكر رضى اللَّه عنه، ورواية جمعه فى عهد عثمان رضى اللَّه عنه، لإثبات سلسلة متتابعة موثقة للنص القرآنى منذ وفاة الرسول [ ﷺ ])، وقد أورد المستشرق بيرتون روايات مختلفة لأسباب مختلفة وظروف مختلفة كانت سببا لأمر عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه بتوزيع نسخ معتمدة على الأمصار، أوردها بيرتون J.Burton فى كتابه عن جمع القرآن , The Collection the Kuran, Canbr, ١٩٧٧ (١) . إننا نجد أمامنا رواية أخرى لا يمكن أن تكون مقبولة لكن هذا لا يعنى بالضرورة أنها بدون أساسى تاريخى مهما كان واهيا، فالإجماع على نسبة جمع القرآن فى مصحف إلى عثمان بالإضافة إلى عدم وجود دليل حاسم

стр. 8058

ينقض هذا الرأى، جعل الباحثين الغربيين يقبلون من هذه الرواية عدة نقاط جوهرية منها أن القرآن الكريم كانعرفه اليوم -على الأقل- وفقا لترتيب سوره وآياته يعود إلى زمن عثمان رضى اللَّه عنه، وهذا لا يعنى بالتأكيد -على أية حال- أنه كان مرتبا على هذا النحو زمن محمد [ ﷺ ]، ويقبل معظم الباحثين الغربيين أيضًا أن زيدا لعب دورا ما فى إقامة establishing النص القرآنى العثمانى وإن كان من الصعب تحديد ماهية هذا الدور لكن روايات مختلفة تجعلنا نقدم بعض الاحتمالات (انظر كتاب بيرتون عن جمع القرآن الآنف ذكره) ويؤكد بيرتون أن روايتى جمع القرآن كلتاهما موضوعتان تماما وأن ورود اسم زيد بن ثابت فى كليهما وإسناد دور مهم له راجع إلى كونه كان أحد كتاب الوحى للرسول [ ﷺ ] وأنه كان شابا، كما أنه كان واحدًا من أواخر من ماتوا من الصحابة (توفى حوالى ٤٥ هـ/ ٦٦٥ م) وقد أثار بيرتون شكوكا خطيرة حول دور زيد فى إقامة establishing النص القرآنى وأظهر أن علمى الحديث والفقه ساعدا فى إيجاد روايات كثيرة عن جمع القرآن الكريم ولكنه -أى بيرتون- لم يرجح -على أية حال- أن الروايات المتعلقة بجمع القرآن الكريم وضعها فقهاء متأخرون ليؤكدوا أن النص النهائى للقرآن الكريم لم يظهر فى عهد عثمان بن عفان وإنما فى عهد محمد [ ﷺ ] (١). (ب) القراءات المختلفة ومصاحف الصحابة: كان النص القرآنى الذى اعتمده عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه مجرد نص واحد بين نصوص أخرى وجدت خلال القرون الأربعة الأول للهجرة. والرأى العام أن عثمان أضفى الشرعية على النص القرآنى المتداول بين أهل المدينة المنورة باعتباره الأشد ارتباطا

стр. 8059

بالوحى الأصلى الذى نزل على محمد [ ﷺ ]، وثمة مصاحف أخرى ارتبطت بعدد من الصحابة يقال إنها انتعشت فى الكوفة والبصرة والشام. وتتحدث المصادر أحيانا عن قراءات مختلفة بل وتتحدث أحيانا عن اختلاف المصاحف وقد عد ابن النديم عناوين أحد عشر عملا فى هذا المجال الأخير (اختلاف المصاحف) منها كتاب اختلاف مصاحف الشام والحجاز والعراق لابن عامر اليحصبى (المتوفى ١١٨ هـ/ ٧٣٦ م) وكتاب اختلاف مصاحف أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة، للكسائى (توفى ١٨٩ هـ/ ٨٠٥ م) وكتاب اختلاف أهل الكوفة والبصرة والشام فى المصاحف لأبى زكريا الفراء (توفى ٢٠٧ هـ/ ٨٢٢ م) وكتاب اختلاف المصاحف وجامع القراءات للمدائنى (توفى حوالى ٢٣١ هـ/ ٨٤٥ م) بالإضافة إلى ثلاثة كتب تحمل جميعا عنوان: المصاحف لابن أبى داود (المتوفى ٣١٦ هـ/ ٩٢٨ م) وابن الأنبارى (المتوفى ٣٢٨ هـ/ ٩٣٩ م) وابن أشته الأصفهانى (المتوفى ٣٦٠ هـ/ ٩٧٠ م) وقد فقدت معظم هذه الكتب وكان الكتابان الأخيران فيما يبدو هما أكمل هذه الكتب جميعا، وكانا يحظيان بتقدير من العلماء والدارسين أكثر من غيرهما. أما الكتاب الموجز والباكر نسبيا الذى ألفه ابن أبى داود المحدث الشهير (أى أبو داود أحد جامعى الكتب الستة الصحاح) فقد نشره وحققه الباحث المستشرق جفرى A.Jeffery ويضم هذا البحث بضعة آلاف اختلاف جمعها المؤلف من أكثر من ثلاثين مصدرا تضم ما كتبه المفسرون التقليديون كالطبرى والزمخشرى والبيضاوى والرازى وأعمالا مختلفة فى القراءات والشواذ وغريب القرآن ونحو القرآن. . إلخ ويضم المعانى الذى ألفه الفراء (المتوفى ٢٠٧ هـ/ ٨٢٢ م) والمختصر الذى ألفه ابن خالويه (المتوفى ٣٧٠ هـ/ ٩٧٩ م) والمحتسب لابن جنى (المتوفى ٣٩٢ هـ/ ١٠٠٢ م) وتفيد التعليقات التى أوردها الطبرى (المتوفى ٣١١ هـ/ ٩٢٣ م) عن الاختلافات فى الآية ١٠٦ فى سورة المؤمنون ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا

стр. 8060

ضَالِّينَ﴾ أن النص القرآنى لم يكن ثابتا على أيامه (١). ومعظم ما تردده المصادر متعلق بالاختلاف فى القراءات ونقصد بذلك الخلافات بين ما يسمى مصحف ابن مسعود الذى كان شائعا فى الكوفة ومصحف أبىّ الذى كان شائعا فى الشام ومصحف أبى موسى الذى كان شائعا فى البصرة، ويقال إن هذه القراءات أو المصاحف بدأت بالفعل زمن النبى [ ﷺ ]، فعبد اللَّه بن مسعود (توفى حوالى سنة ٣٣ هـ/ ٦٥٣ م) الذى كان رفيقا لرسول اللَّه [ ﷺ ] فى حله وترحاله والذى كان من أوائل من فسروا القرآن الكريم يقال إنه سمع سبعين سورة -مباشرة- من النبى [ ﷺ ] وكان من أوائل من دخلوا فى الإسلام ومن العشرة المبشرين بالجنة وكان من كتاب الوحى وكان إماما فى الفقه والحديث وقد ولى -بعد وفاة النبى [ ﷺ ] بيت مال الكوفة ثم قدم المدينة فى خلافة عثمان بن عفان وتوفى فيها- وقد رفض عبد اللَّه بن مسعود هذا تنفيذ أوامر عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه بإتلاف مصحفه (نسخته القرآنية) كما رفض التعليم وفقا لمقتضاها، وذكرت الروايات أيضًا أن عددا كبيرا من مسلمى الكوفة ظلوا يتبعون القراءة وفقا لهذه النسخة (نسخة ابن مسعود) لفترة حتى بعد موته مما أدى إلى انقسام المجتمع هناك (٢).

стр. 8061

أما أُبىّ بن كعب (المتوفى ١٨ هـ/ ٦٣٩ م أو ٢٩ هـ ٦٤٩ م) فقد شهد العقبة الثانية وبايع رسول اللَّه ﷺ وشهد بدرًا وأحدا والغزوات كلها ولما أسلم أصبح من كتاب الوحى وكان أحد فقهاء الصحابة وأقرأهم لكتاب اللَّه وكان يفتى فى عهد الرسول ﷺ واشترك فى جمع القرآن على عهد الرسول ﷺ وشهد مع عمر بن الخطاب يوم الجابية وكتب كتاب الصلح لأهل القدس، وكانت صُحف أُبىّ فى بعض الأحيان تُذكر بدلا من صحف حفصة، وقد ذكرت الروايات أن أبيا هذا قد أتلف مصحفه (نسخته) استجابة لأمر عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه بينما رفض ابن مسعود كما سبق أن وضحنا، وهذا مثال يُبين من منظور تاريخى كيف أن أهل الشام تخلوا عن قراءتهم (قراءة أُبىّ) بينما رفض أهل الكوفة التخلى عن قراءتهم (قراءة ابن مسعود) وهذا يفسر تأخير تاريخ وفاة أبىّ فى بعض الأحيان كما يفسر الأقوال المتناقضة فيما يتعلق بدوره فى جمع النص القرآنى الرسمى (فى عهد عثمان رضى اللَّه عنه). أما أبو موسى عبد اللَّه الأشعرى (توفى ٤٢ هـ/ ٦٦٢ م أو بعد ذلك) فقد كان يمنيا حقق شهرة بسبب ترتيله الفصيح للقرآن الكريم. ويقال إن مصحفه (قراءته) كانت مقبولة فى البصرة حيث ولاه عمر بن الخطاب عليها ويقال إن قراءته ظلت معمولا بها فى البصرة لفترة بعد اعتماد نسخة عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه، ووفقا لبعض الروايات فإن أبا موسى طلب من أتباعه عند وصول مندوب عثمان بن عفان حاملا منه النسخة المعتمدة من القرآن الكريم ألا يحذفوا من مصحفه شيئا (أى مصحف أبى موسى) حتى لو لم يجدوه فى مصحف عثمان، أما ما وجدوه فى مصحف عثمان ولم يجدوه فى مصحفه (مصحف أبى موسى) فليضيفوه. لذا فإن بعض الروايات تذكر أن مصحف أبى موسى الأشعرى كان ضخما وأنه كان يحتوى على السورتين الزائدتين فى مصحف أُبىّ، بالإضافة لآيات

стр. 8062

أخرى غير موجودة فى المصاحف الأخرى (١). وبالإضافة لهذه المصاحف الثلاثة (القراءات الثلاثة) التى ناقشنا اثنين منها بالتفصيل فيما يلى فقد قدم لنا الباحث المستشرق جفرى Jeffery فى كتابه مواد لدراسة النص القرآنى Materiats for the history of the text of the Quran بشكل مبدئى المصاحف المنسوبة إلى اثنى عشر صحابيا: للخليفة الثانى والخليفة الرابع (عمر وعلى) وثلاثة منها لزوجات النبى [ ﷺ ]: حفصة بنت عمر وعائشة بنت أبى بكر وأم سلمة، وأربعة منها تختلف القراءة فيها عن القراءة التقليدية لأهل المدينة المنورة: زيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن عباس وأنس ابن مالك وعبد اللَّه بن الزبير بالإضافة إلى ثلاثة أخرى لكل من: سالم مولى أبى حذيفة وعُبيد بن عمير، وابن عمرو ابن العاص. ويقال إن عليا بن أبى طالب ابن عم الرسول [ ﷺ ] كان هو أول من جمع القرآن الكريم بعد وفاة الرسول [ ﷺ ] ويقال إنه رتب سوره ترتيبا زمنيا: السورة ٩٦ - العلق، السورة ٧٤ - المدثر، السورة ٨٦ - القلم، السورة ٧٣ - المزمل. . إلخ وقد أحرق نسخته (مصحفه) بعد ظهور نسخة عثمان المعتمدة. أما عبد اللَّه بن عباس وهو أيضًا ابن عم الرسول [ ﷺ ] (توفى حوالى ٦٨ هـ/ ٦٨٨ م) فكان فقيها يلقب بحبر الأمة وقد لازم النبى [ ﷺ ] وروى عنه الأحاديث الصحيحة -فيقال إنه أضاف لمصحفه السورتين الزائدتين فى مصحف أُبى ويقال إن عددًا من العلماء الذين أتوا بعده أخذوا بطريقته فى القراءة. أما سالم بن معقب (توفى ١٢ هـ/ ٦٣٣٦ م) ويسمى أحيانا سالم ابن معقل فقد كان أحد الحفاظ الذين قُتلوا فى معارك اليمامة وكان أحد أربعة أوصى الرسول [ ﷺ ] بأن يعلموا أصحابه القرآن. أما عبيد بن عمير (توفى ٧٤ هـ/ ٦٩٣ م) فكان من الحفاظ الأوائل فى مكة المكرمة وربما كان مصحفه (قراءته) أساسا لتقاليد القراءة المكية التى يبدو أنها لم

стр. 8063

تكن فى درجة قوة القراءة الكوفية والبصرية والشامية، ولم يذكر إلا القليل من الاختلافات فى هذه المصاحف مقارنة بما ذكر عن مصحف ابن مسعود، ومصحف أبىّ. وقد جمع جفرى اختلافات أخرى فى القراءات منسوبة لعدد من مسلمى الجيل الثانى: الأسود ابن يزيد، وعلقمة، وحطان، وسعيد بن جُبير، وطلحة، وعكرمة، ومجاهد، وعطاء بن رباح، والربيع بن الخثيم، والأعمش، وجعفر الصادق، وصالح بن كيسان، والحارث بن سويد. ونسبت اختلافات أكثر لمصاحف أخرى ثانوية وكانت أكثر من الاختلافات المنسوبة للمصاحف الأساسية التى حددها جفرى، وفى بعض الحالات استطاع جفرى أن يحدد المصحف (القراءة) الأساسى الذى نقل عنه المصحف الثانوى. ويقال إن مصحف ابن مسعود يختلف عن النص العثمانى فى عدة نقاط مهمة، إذ يقال إن مصحف ابن مسعود لم يكن يضم سورة الفاتحة والمعوذتين اللتين أصبحتا سورة الفلق وسورة الناس فى مصحف عثمان إلا أن ابن النديم ذكر أنه رأى عددا من مصاحف ابن مسعود وأن إحدى نسخ هذه المصاحف كان يعود لمائتى سنة خلت وأنها -أى نسخة مصحف ابن مسعود- كانت تشتمل على الفاتحة، وقد قرر ابن النديم ذلك سنة ٣٧٧ هـ/ ٩٨٧ م، ومن الاختلافات التى وردت فى مصحف ابن مسعود أنه كان يكتب (كل ما) بدلا من (كلما) أى كلمتين بدلا من كلمة واحدة لكن غالب الاختلافات كما أدرجها برجستراسر Bergstrasser وجفرى Jeffry بالنسبة لمصحف ابن مسعود تشتمل على اختلافات فى صميم النص (ليس مجرد اختلاف فى القراءة أو طريقة الكتابة) وهى اختلافات تبدو واضحة، ومن هذه الاختلافات ما يمكن أن يعتبر بمثابة (التعليق) أو (تحشية) أو (شرح) لمصحف عثمان، لكن فى بعض الحالات يبدو أن مصحف عثمان نفسه هو الذى يحتوى على (توسعات) أو (كلمات

стр. 8064

شارحة) أو (تحسينات) ويبدو هذا أحيانا لأسباب متعلقة بتوضيح العقيدة (انظر فى هذا كتاب جفرى الذى أشرنا إليه فيما سبق). ومن بين أكثر الاختلافات التى هى محل شك والمنسوبة لابن مسعود هى القراءات التى يأخذ بها الشيعة فى السور التالية على سبيل المثال: - الآية ٦٧ - فى سورة المائدة. - الآية ٣٥ - فى سورة النور. - الآية ٢١٥ فى سورة الشعراء. - الآيات ٢٥، ٣٣، ٥٦ فى سورة الأحزاب. - الآية ٢٣ فى سورة الشورى. - الآية ٢٩ فى سورة محمد. - الآية ١٠ فى سوة الواقعة. - الآية ٧ فى سورة الحشر. - الآيات ١٧، ١٨، ١٩ فى سورة القيامة. والأكثر صعوبة فى تقويمه فى موضوع اختلاف المصاحف الاختلاف فى الألفاظ المترادفة Synonyn Variants ومثال ذلك، ما هو موجود فى سورة الفرقان: الآية ... مصحف عثمان ... مصحف ابن مسعود ٤٨ ... ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ ... هو الذى جعل الريح ٤٩ ... ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ ... لننشر ٦١ ... ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ ... قصورا ٦٢ ... ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ ... يتفكر ٧٥ ... ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ ... الجنة وفى بعض الأحيان لا يكون الاختلاف فى مجرد كلمة مترادفة لها المعنى نفسه، وإنما قد تتغير عبارة كاملة، كما فى سورة آل عمران آية ٣٩، ففى مصحف عثمان ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ. .﴾ بينما فى مصحف ابن مسعود (يا زكريا إن اللَّه يبشرك. .) وبعض الاختلاف يشير إلى مرحلة باكرة فى تاريخ الإسلام أو تاريخ القرآن، ومثال ذلك الاختلاف فى الآية ١٩ فى سورة آل عمران، ففى مصحف عثمان ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ. .﴾

стр. 8065

وعند ابن مسعود (إن الدين عند اللَّه الحنيفية. .)، ويقال أن ابن مسعود أضاف البسملة فى أول سورة التوبة (براءة) وهذه السورة لا تبدأ بالبسملة فى مصحف عثمان، ويقال إن طريقة ترتيب السور فى مصحف ابن مسعود كانت مختلفة عن ترتيب السور فى مصحف عثمان، وتوجد قائمتان بالاختلافات بين كلا المصحفين الأولى لابن النديم والثانية للسيوطى ويمكن تدارك النقص فى كل واحدة منهما على حدة بإكمالها من القائمة الأخرى والخروج -فى النهاية- بقائمة واحدة. وقد اتبع مصحف ابن مسعود طريقة ترتيب السور وفقا لطولها أكثر مما اتبعها مصحف عثمان. وإذا ما أخذنا بالافتراض الذى مؤداه أن السور الأطول لم تكن قد جمعت معا حتى ظهور مصحف عثمان الرسمى فلابد أن تكون قوائم المخْتَلِف عند ابن مسعود قد وضعت بعد ظهور مصحف عثمان وبالتالى فإن قيمتها تقل كثيرا (انظر كتاب جفرى الآنف ذكره، ص ٢٣ وما بعدها) لكن إذا كانت معظم السور قد جمعت وأخذت شكلها النهائى من حيث الترتيب فى حياة محمد [ ﷺ ] (وهو الرأى الصحيح) فليس هناك سبب لرفض ما قيل عن مصحف ابن مسعود كلية (١).

стр. 8066

أما مصحف أُبىّ فتشير الدلائل إلى أنه كان أقل قيمة من مصحف ابن مسعود، ومع هذا فيبدو أنه كان مصدرا لمصاحف ثانوية أخرى كما أنه لم يتفرد إلا باختلافات قليلة فمعظم اختلافات مصحف أبىّ يشترك فيها مع مصحف ابن مسعود ومصحف ابن عباس، وربما كان أهم ملمح فى مصحف أُبىّ ما يقال إنه كان يضم سورتين قصيرتين لا وجود لهما فى مصحف ابن مسعود أو مصحف عثمان، وهما سورة الخلع يقال إنها من ثلاث آيات، وسورة الحفد وهى فى ست آيات (١). ويقال إن ترتيب مصحف أبىّ مختلف عن ترتيب مصحف ابن مسعود ومصحف عثمان. ولدينا بصدد هذا الاختلاف فى الترتيب قائمتان إحداهما لابن النديم والأخرى للسيوطى فى كتاب الإتقان فى علوم القرآن الآنف ذكره، وقد اعتبر الباحث دودج Dodge سورة النبى هى السورة رقم

стр. 8067

٦٤، (١) إلا أن جفرى أخطأ -يقينا- عندما اعتبرها رقم ٦٥ (المقصود فى مصحف أُبىّ) وقد أخطأ دودج Dodge فى قراءة عنوان ١٠٧ فى مصحف أبىّ فذكر أنها سورة (الدين) بينما هى سورة (التين)، وذكر ابن النديم أن عدد سور القرآن فى مصحف أبىّ هو ١١٦ (٢). وذكر ابن النديم أنه قرر ذلك بناء على قول الفضل بن شاذان الذى قال إنه رأى نسخة من مصحف أبى فى قرية قرب البصرة فى منتصف القرن الثالث للهجرة. وليس هناك إجماع بين الباحثين الغربيين على قيمة هذه المصاحف السابقة على مصحف عثمان ومدى إمكانية اعتمادها فى مجال التاريخ للقرآن الكريم إلا أنه فى الثلاثينيات من القرن العشرين كان المستشرقون قد جمعوا بالفعل هذه الاختلافات وحلّلوها وانتهوا إلى أنه لا قيمة لها (انهارت الثقة فيها) (٣). وبينما ظل برجشتراسر Bergstrasser فى كتابه عن تاريخ القرآن Gesch des Qor يقيم وزنا لهذه الاختلافات، فإننا نجد جفرى فى كتاب: مواد لدراسة تاريخ القرآن (الآنف ذكره) يذكر أنه مع زيادة الروايات عن موضوع الاختلاف هذه فإن المرء يشعر بالميل إلى أنه من المغامرة أن يتجرأ بالحكم عليها. وقد وصل الباحث برتسل Pritzl إلى النتيجة نفسها. ونتيجة هذه البحوث الأوربية هوت مجاولة المستشرقين إصدار نسخة أخرى من

стр. 8068

القرآن الكريم غير نسخة عثمان، لقد ظهر أن هذه المحاولة عرجاء (Then after the Preject to Prepare a Critical editian of the kuran Came to a halt بل إن فشر Fischer انتهى إلى أن معظم الاختلافات فى المصاحف المنسوبة لصحابة قبل مصحف عثمان رضى اللَّه عنه ما هى إلا اختلافات موضوعة (مكذوبة) صاغها -فى وقت متأخر- علماء اللغة لتنقيح مصحف عثمان (لإثبات صحته) بل لقد وصل الباحث بيرتون فى كتابه عن جمع القرآن الآنف ذكره ص ١١٩ - ٢١٢ والباحث ونسبرو Wansbrough فى كتابه دراسات قرآنية Studies Quranic ص ٤٤ - ٤٦، ٢٠٢ - ٢٠٧ وغيرهما- إلى أن كل وليس بعض الاختلافات المنسوبة إلى مصاحف الصحابة وغيرهم موضوعة بمعرفة لغويين وفقهاء متأخرين وإن كان الباحثون الغربيون قد اختلفوا فى سبب هذا الخداع والتشويش على النص القرآنى. وقد ناقش بيرتون فكرة أن مصاحف الصحابة بما فيها من اختلافات هى مصاحف موضوعة بقصد تفسير رواية جمع عثمان بن عفان للقرآن الكريم وأمره بإصدار مصحف واحد موحّد، وتقديم مبرر لعثمان رضى اللَّه عنه فى عمله، هذا وقصة جمع عثمان للقرآن هى بدورها قصة مبتدعة (موضوعة) بقصد إخفاء حقيقة أن محمدا [ ﷺ ] كان قد جمع القرآن بالفعل أثناء حياته وأن القرآن الكريم على عهده كان مصاغا بشكله النهائى (انظر فى هذا الرأى Burton, Collection, (٢١١ f. ٢٣٩٤ ومن ناحية أخرى فإن ونسبرو Wansbrough يؤكد أن الروايات الخاصة بجمع القرآن والروايات المتعلقة بمصاحف الصحابة كلها موضوعة بهدف تقديم دليل توثيقى قديم للنص القرآنى أو إثبات أنه قديم (بمعنى أنه يعود لزمن الرسول [ ﷺ ]) لكن الواقع -فيما يقول هذا المستشرق- أن النص القرآنى لم يكن قد جمع حتى القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى وربما بعد ذلك، وقد زعم Claims هذا المستشرق -دون تقديم أى دليل مقنع- أن القرآن (الكريم) ظل غير محدد بسبب الروايات الكثيرة (مثل الاختلاف

стр. 8069

فى قصص العقاب) والاختلافات بين المراكز الحضرية الإسلامية المختلفة (الكوفة والبصرة والمدينة. . الخ) ومع هذا فإن كلا من الكاتبين (بيرتون وونسبرو) قد أكدا على نقطة أساسية واضحة لديهما تماما وهى أن محمدا [ ﷺ ] كان هو نفسه صاحب الدور الأكبر فى جمع القرآن، وإن كان هذا لا يمنع من القول أن كلا الكاتبين قد بالغ كثيرا دون تقديم أسباب مقنعة لإنكار قصة جمع القرآن فى عهد عثمان رضى اللَّه عنه أو فى الزعم بأن القرآن الكريم ظل حتى القرن الثالث الهجرى غير مجموع وغير متفق عليه وهو ما ذهب إليه ونسبرو. (جـ) النص المعتمد والقراءات المعتمدة: من الناحية التاريخية، من الأفضل أن نتحدث عن النص القرآنى المعروف بمصحف عثمان وما ارتبط بطريقة قراءته لفترة استمرت أكثر من ثلاثة قرون، لكن تاريخ القراءات غير واضح كما أن القضايا التى أثارها معقدة بما فى ذلك مسألة طريقة كتابة القرآن وهى مرتبطة بالإملاء أو تهجية الكلمات والعلاقة بين اللفظ المكتوب وطريقة قراءته أو العلاقة بين المكتوب والشفهى، كما أثار نزاعا بين الآخذين بالتقويم النقدى للدليل التاريخى من ناحية وأهل السنّة فى نظرتهم المحدّدة للقرآن الكريم من ناحية أخرى. لقد كانت هناك اختلافات منذ البداية فى نسخ عثمان (اختلافات إملائية) حتى نسخ المدينة المنوّرة (وكان مصحف عثمان بن عفان فى المدينة يعرف بالإمام) التى أرسلت إلى الآفاق (الأمصار) يقال إن طريقة كتابة الكلمات فيها لم تكن واحدة. وقد ناقش المستشرق برجستراسر فى كتابه عن تاريخ القرآن Gesch. des Qor (جـ ٣، ص ٦ - ١٩) عددا من الاختلافات (الإملائية) فى مصاحف عثمان رضى اللَّه عنه بالمدينة المنورة ودمشق والبصرة والكوفة ومكة، كما وردت فى كتاب المُقْنِعْ لأبى عمرو الدَّانى (المتوفى ٤٤ هـ/ ١٠٥٢ م) وكتب أخرى. فعلى سبيل المثال يقال إنه فى نسخة

стр. 8070

دمشق كان مكتوبا "وبالزُّبر وبالكتاب" بدلًا من "والزّبر والكتاب" فى الآية ١٨٤ من سورة آل عمران ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ ويقال أيضا إنه ورد فى مصحف عثمان بدمشق (مِنْكُم) بدلا من (مِنْهم) فى الآية ٢١، من سورة غافر ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ ويقال إن نسخة الكوفة من مصحف عثمان كان بها (عَمِلَتْ) بدلا من (عَملَتْهُ) فى الآية ٣٥ من سورة يس ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ و (أَو أن) بدلًا من (وَأن) فى سورة غافر آية ٢٦، ومما يذكر أن (أو أن) هى الواردة فى طبعة المصحف الرسمية ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ وهى خلافات صغيرة بطبيعة الحال وقد تكون نتيجة عدم دقة الناسخين. لقد كانت حروف الهجاء العربية بما اعتراها من القصور فى ذلك الوقت هى التى استخدمت فى كتابة نسخ القرآن الأولى مما أدَّى إلى ظهور اختلافات فى القراءات وفى صلب النص، ففى خلال القرن الهجرى الأول كانت العربية تكتب بما يمكن أن نسميه الحروف الناقصة حيث كانت تستخدم الحروف الصامتة دون المتحركة، كما كان الرسم الواحد يستخدم للدلالة على صوتين (حرفين) فالرسم (د) كان ينطق دالا وذالا والرسم (ح) كان ينطق حاء وخاء وجيما والرسم (د) كان ينطق راء وزايا، والرسم (ب) كان ينطق باء وتاء وثاء وياء فلم يكن هناك إعجام على الحروف العربية وقتئذ (الإعجام هى النقط التى تميز بين أصوات الحروف ذات الرَّسم الواحد) وعلى القارئ أن يميز بين هذه الحروف وفقا للسياق، وهذا يعنى أنه حتى فى حالة الاتفاق على نطق الحروف الصامتة، فإن مشكلة أخرى تظل قائمة فبعض الأفعال يمكن أن تُقرأ بصيغة المبنى للمعلوم كما يمكن أن تُقرأ -فى الوقت نفسه-

стр. 8071

بصيغة المبنى للمجهول، كما أن بعض الأسماء يمكن أن تُضم نهاياتها أو تُفتح أو تكسر كما أن بعض الأسماء يمكن أن تقرأ على أنها أفعال أو العكس. وقد أورد المستشرق جفرى قوائم فى كتابه مواد لدراسة النص القرآنى الآنف ذكره يحتوى على أمثلة عديدة من الاختلافات التى نشأت عن طريقة الكتابة بما سميناه بالحروف الناقصة (غير المُعجَمة وغير المنقوطة) فى المصاحف الأولى. ففى معظم الحالات كان المعنى يتأثر قليلا (شيئًا ما) كالاختلاف فى (كبير) و (كثير) فى الآية ٢١٩ فى سورة البقرة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا. . .﴾ فقد قرأها (كثير) ابن مسعود وكذلك قرأها حمزة والكسائى. والاختلاف فى (حدب) و (جدث) فى الآية ١٦ فى سورة الأنبياء ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ وقد قرأها (جدث) ابن مسعود وآخرون. وفى بعض الأحيان كان الاختلاف فى إعراب أواخر الكلمات (التشكيل) أو فى أمور بسيطة أخرى لا يُحدِث تغييرا فى المعنى (انظر كتاب زويتَلر zwettler عن القراءات Orat treditian ص ١٢٢ وما بعدها). وفى الفترة الأموية (٤١ - ١٣٢ هـ/ ٦٦١ - ٧٥٠ م) زادت الاختلافات فى القراءات فى مصحف عثمان شيئا فشيئا بل وظهرت قراءات جديدة تشتمل على مزاوجة بين المعتمدة لمصحف عثمان والقراءة المنسوبة لآخرين خاصة ابن مسعود وأُبَىّ. وفى بداية العصر العباسى كان هناك مثل هذا الاختلاف فى القراءات بحيث أصبح من المحال التمييز بين القراءة المعتمدة لمصحف عثمان والقراءات الأخرى إلا أنه باستخدام الحروف العربية الواضحة (المُعجَمة والمنقوطة) دخل شئ من الانضباط على هذه القراءات، والروايات الإسلامية عن استخدام الحروف المُعْجمة والمنقوطة Scripto Plena يُعوّل عليها كثيرا لما فيها من تناقض لعدم توافقها مع الشواهد التى يقدمها لنا علم تطور الخط Bla)

стр. 8072

chere, Introductian, PP ٧٨ - ٩٠) لكن الرأى الشائع هو أن الحجَاج كان هو المسئول عن إعجام الخط العربى أى وضع النقاط التى تميز بين المخارج الصوتية للحروف المشتركة فى رسم واحد: الدال والذال والراء والزاى والجيم والحاء. . الخ) كما كان مسئولًا عن نَقْط (أى وضع نقاط تبين الفتحة والكسرة والضمة والتنوين. . . إلخ) وذلك عندما كان واليا على العراق (٧٤ - ٩٥ هـ/ ٦٩٤ - ٧١٤ م) لكن النسخ المخطوطة من القرآن الكريم فى القرون الثلاثة الأولى أو حتى الأربعة تبين أن استخدام الحروف المعجمة والمنقوطة لم يُقبل إلّا بالتدريج وببطء شديد. وقد استخدمت نقاط dots بألوان مختلفة أو بلون واحد ولكن فى مواضع مختلفة (فوق الحرف أو تحته أو إلى جانبه) لتعيين الفتحة والضمَّة والكسرة (الحركات الثلاث) فى بعض المخطوطات الباكرة، وقد استخدمت بعد ذلك علامات أخرى كالنقط والشرط (الخطوط القصيرة) للتمييز بين الحروف الصامتة، كما استخدمت علامات أخرى لتحديد مواضع التنوين، والمد، ومن المراجع التى تناولت هذا الموضع مادة خط فى هذه الموسوعة، ونولدكه فى كتابة تاريخ القرآن Geschichte des Qurans وأبوت N. Abbotr فى كتابه عن نشأة الخط العربى الشمالى Rise of the North Arabic Script كما يمكن مطالعة بحث جرومان A. Grohmann عن مشكلة تاريخ المصاحف الأولى The Problem of dating early Qurans فى دورية Der Islam العدد ٣٣ الصادر سنة ١٩٥٨ م (ص ٢١٣ - ٢٣١). وفى بداية القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى انتشر استخدام الحروف العربية المُعْجمة والمنقوطة رغم إن بعض المشتغلين بنسخ القرآن ودراساته لم يوافقوا على استخدامها. وكانت إحدى نتائج استخدام هذه الحروف المنقوطة والمعجمة على نطاق واسع هو أن الاختلافات فى القراءات أصبحت معلنة واضحة، وأدى هذا إلى نزاعات حادة حول أى القراءات أصح، كما أدى إلى أن أصبح فى إمكان أولى الأمر العمل

стр. 8073

على فرض التوحيد، وقد لعب أبو بكر ابن مجاهد (المتوفى ٣٢٤ هـ/ ٩٣٦ م) دورا محوريا فى ضبط القراءات، بل لعله أهم الأدوار-فى هذا المجال- منذ عهد عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه. فقد كان مجاهد يهدف إلى تحديد عدد القراءات المقبولة وأنكر محاولة بعض الفقهاء فى فرض قراءة واحدة وهو الأمر الذى تحقّق من عدم إمكانية تحقيقه، وتفتّق ذهنه عن فكرة عبقرية فقد قال إن القراء السبعة المشهورين فى القرن الثانى للهجرة/ الثامن للميلاد كل قراءاتهم صحيحة وموثقة، وذلك اعتمادا على حديث مشهور عن النبى [ ﷺ ] يفيد أن القرآن الكريم نزل على سبعة أحرف، وقد ورد هذا الحديث الشريف بصيغ مختلفة وسياقات مختلفة وبمعنى واحد. (عن عمر بن الخطاب؛ قال سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان فى حياة رسول اللَّه [ ﷺ ] فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأها على حروف كثيرة لم يُقْرِئنيها رسول اللَّه [ ﷺ ] فكنت أسَاوِرُه فى الصلاة فتصبَّرت حتى سلَّم، فلما سلَّم لَبَبْته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التى سمعتك تقرأها؟ قال: أقرأنيها رسول اللَّه [ ﷺ ]، فقلتُ كذبت، فواللَّه إن رسول اللَّه [ ﷺ ] لَهُو أقرأنى هذه السورة التى سمعتك تقرأها، فانطلقت به أقوده إلى رسول اللَّه [ ﷺ ] فقلت: يا رسول اللَّه إنى سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تُقْرِئنيها، وأنت أقرأتنى سورة الفرقان. قال: فقال رسول اللَّه [ ﷺ ]: أرسله يا عُمر، اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التى سمعته يقرأها، فقال رسول اللَّه [ ﷺ ]: اقرأ يا عمر، فقرأت القراءة التى أقْرأنى رسول اللَّه [ ﷺ ] فقال رسول اللَّه [ ﷺ ]: هكذا نزلت، ثم قال رسول اللَّه [ ﷺ ]: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحْرُف فاقرأوا ما تيسر منه) رُوى فى السِّتَّة الصِّحاح. وكلمة أحرُف جمع كلمة حرف ومعناها غير واضح لكن ابن مجاهد فسَّرها بسبع قراءات وألف كتابا يحمل العنوان نفسه القراءات

стр. 8074

السبع، وصدر هذا الكتاب فى الوقت المناسب إذ تبنَّاه الوزيران ابن مقلة وعلىّ بن عيسى واعتبر بمثابة كتاب رسمى سنة ٣٢٢ هـ/ ٩٢٤ م عندما تمّ إجبار ابن مقسم (أبو بكر البغدادى) على التراجع عن رأيه الذى مؤدّاه بجواز قراءة القرآن الكريم بأى طريقة (قراءة) صحيحة لغويا (نحويا) وفى العام التالى أجبر عالم آخر هو ابن شنبوذ (أبو الحسن البغدادى) على التخلى عن رأيه الذى مؤداه بجواز القراءة بقراءة ابن مسعود وأُبَى. لقد كان انتقاء بعض القراءات من مدارس فى القراءة يصارع بعضها بعضا أو ينافس بعضُها بعضَها وإعلانها كقراءات موَّثقة معتمدة كالقراءات الأخرى -كان ذلك بطبيعة الحال هو الطريقة نفسها التى استخدمها المسلمون فى كل مكان لتجنب ما لا ينتهى من الخلافات، تماما كما حدث بالنسبة لمذاهب السنّة الأربعة. لكن طريقة ابن مجاهد فى اختيار قراءات سبع لم تكن طريقة تعسّفية تماما. لقد نشأت تقاليد فى قراءة القرآن ثابتة ومؤثّلَة فى كل من الكوفة والبصرة والمدينة ودمشق كما كان لمكة تقاليدها أيضًا فى قراءة القرآن، إلّا أن الكوفة قد تميزت عن المراكز الأخرى كمركز قيادى للدراسات القرآنية كما أنها كانت مركز الكثير من المدارس المتنافسة فى مجال القراءات والدراسات القرآنية عامة، لكل هذا اختار ابن مجاهد قراءة لكل من المدينة ومكة والبصرة ودمشق -إنها قراءة نافع (المتوفى ١٦٩ هـ/ ٧٨٥ م) وقراءة ابن كثير (المتوفى ١٢٠ هـ/ ٧٣٧ م) وقراءة أبى عامر (المتوفى ١٥٤ هـ/ ٧٧٠ م) وقراءة ابن عامر (المتوفى ١١٨ هـ/ ٧٣٦ م) على التوالى، وثلاث قراءات للكوفة وهى قراءة عاصم (المتوفى ١٢٧ هـ/ ٧٤٤ م) وقراءة حمزة (المتوفى ١٥٦ هـ/ ٧٧٢ م) وقراءة الكسائى (المتوفى ١٨٩ هـ/ ٨٠٤ م) ولم تكن محاولة مجاهد لعقد القراءات المعتمدة على سبع قراءات أمرا مقبولًا من كل المهتمين بالقراءات فقد

стр. 8075

كان هناك دعم قوى لقراءات أخرى فى المراكز الحضرية الخمس الآنف ذكرها، وبين الحين والحين جرى حديث العلماء عن القراءات العشر بل والقراءات الأربع عشرة، ومن بين هذه القراءات تحظى قراءة أبى جعفر (المتوفى ١٣٠ هـ/ ٧٤٧ م) وقراءة يعقوب الحَضْرمى (المتوفى ٢٠٥ هـ/ ٨٢٠ م) وقراءة خلف (المتوفى ٢٢٩ هـ/ ٨٤٣ م) وتسمَّى هذه القراءات، "القراءات الثلاث بعد السبع" ومن بين القراءات التى تسمى "القراءات الأربع بعد العشر" تستحق قراءتان منها التنويه وهى قراءة الحسن البصرى (المتوفى ١١٠ هـ/ ٧٢٨ م) وقراءة الأعمش الكوفى (المتوفى ١٤٨ هـ/ ٧٦٥ م)، وبالنسبة لكل قراءة من القراءات العشر توجد اختلافات بسيطة فى روايتها أصبحت -أى هذه الاختلافات- مقبولة طوال جيل أو جيلين بعد ذلك، مثال ذلك رواية ورش (المتوفى ١٩٧ هـ/ ٨١٢ م) وقالون (المتوفى ٢٢٠ هـ/ ٨٣٥ م) عن نافع، وكرواية حفص (المتوفى ١٩٠ هـ/ ٨٠٥ م) وشعبة (المتوفى ١٩٤ هـ/ ٨٠٩ م) عن عاصم، ورواية خلف وخلاد (المتوفى ٢٢٠ هـ/ ٨٣٥ م) عن حمزة، ويمكن مراجعة القوائم الكاملة ومناقشة تطور القراءات فى تاريخ القرآن لنولدكة ومقدمة لدراسة القرآن لبلاشير وقد أشرنا إلى هذين المرجعين مرارا آنفا. وخلال القرن الخامس للهجرة/ الحادى عشر للميلاد بدأت القراءات السبع تسود وظهرت كتب كثيرة عنها مثل كتاب التيسير للدانى (المتوفى ٤٤٤ هـ/ ١٠٥٣ م) الذى حل محل كتاب مجاهد، وتم الالتزام بالقراءات السبع خاصة فى القراءات الجهرية العامة ولم يعد يتعرض للقراءات الأخرى غير مفسرى القرآن الكريم وعلماء اللغة والنحو. . . إلخ. وحافظ القراء على تراث القراءة واستمر الاهتمام -على الأقل فى مجال الدراسة- بدراسة القراءات الثلاث بعد العشر، وتم تنقيح كل القراءات العشر،

стр. 8076

وظهرت طريقتان للتلاوة فى كل رواية ثم ظهرت لكل طريقة قراءتان، فتلك ثمانى طرق للرواية الواحدة فإذا علمنا أن القراءات عشر، كان المجموع ثمانين طريقة (انظر دراسة لبيب السعيد (السيد) عن ترتيل القرآن The recited Koran, طبع برنستون، ١٩٧٥ وتضم هذه الدراسة قائمة كاملة بالثمانين طريقة، وانظر أيضا مادة قراءة فى هذه الموسوعة، وكذلك مادة تجويد. وفى الوقت الحاضر لم يعد يستخدم فى قراءة القرآن سوى رواية حفص عن عاصم التى ظل القراء يقرأون بها طوال قرون فى معظم بلاد العالم الإسلامى، وفى سنة ١٩٢٤ م حظيت هذه الرواية بنوع من الاعتماد الرسمى بظهور المصحف الرسمى المطبوع فى مصر، وكذلك رواية ورش عن نافع التى اتبعت فى أنحاء أفريقيا. وقد استخدم هذه الرواية الأخيرة الشوكانى العالم اليمنى (المتوفى ١٢٥٠ هـ/ ١٨٣٤ م) فى تفسيره المخطوط، لكن عند طبعه استخدمت رواية حفص عن عاصم. وتعتبر الطبعة المصرية الرسمية للقرآن الكريم أفضل نص توثيقا وضبطا رغم اعتمادها على قراءات متأخرة. إلا أن تاريخ النص القرآنى لازال هو تاريخ النص المكتوب. وأحد جوانب هذا العمل (دراسة تاريخ النص القرآنى) هو التحليل العميق للعلاقة بين القراءات السبع أو العشر والعلاقة بينها جميعا والقراءات الأخرى بما فى ذلك ما ورد فى مصاحف الصحابة، وحتى يتم هذا التحليل يصبح من المحال تقديم تقويم نهائى للمصادر. فالاختلافات الموجودة حتى فى القراءات "الأربع بعد العشر" غالبا ما تشتمل على اختلافات فى الحروف الصامتة وتختلف عن معظم ما هو موجود فى القراءات العشر بل وتشتمل أحيانا على ألفاظ مختلفة تماما. راجع على سبيل المثال قراءات الحسن البصرى والأعمش فى كتاب جفرى والقوائم الخاصة بابن مسعود وأُبىّ. إن قوائم جفرى هذه تبين أن اختلافات ابن

стр. 8077

مسعود تتفق بشكل متتابع مع قراءة اثنتين من القراءات السبع هما قراءة حمزة وقراءة الكسائى من الكوفة، وتتفق أكثر مع قراءة الحسن وقراءة الأعمش وهو كوفى أيضا. وتتفق اختلافات أبىّ -بشكل متتابع مع اثنين آخرين من السبعة هما ابن كثير وأبى عمرو (أولهما من مكة والآخر من البصرة) كما تتفق مع الحسن والأعمش وإن كانت لا تتفق مع ابن عامر وهو القارئ الدمشقى الوحيد من بين القراء الأربعة عشر، وهذا أمر يدعو -شيئا ما- للدهشة، إن هذا الجانب المهم فى دراسة تاريخ القرآن (أى العلاقات بين القراءات المختلفة) يستحق دراسة علمية عميقة. ويفضل استخدام الحاسب الآلى فى هذه الدراسة نظرا لدقتها وكثرة تفاصيلها. وقد تناول بل - وات Bell - Watt بالبحث مسألة كمال القرآن ودقته، وقد تعرض الباحث لبيب السعيد (السيد؟ ) فى كتابه الآنف ذكره للدفاع عن وجهة نظر المسلمين السنة فى كمال القرآن ودقته وتمام حفظه. ترجمة د. عبد الرحمن الشيخ ٤ - البناء القرآنى (أ) السور وأسماؤها يتكون القرآن الكريم من ١١٤ قسمًا تتفاوت فى طولها وشكلها تسمى سُوَرًا، وتنقسم هذه إلى آيات يتراوح عددها بين ثلاثة وبين ٢٨٦ أو ٢٨٧. وأحيانا ما يترجم المترجمون كلمة سورة بما يقابل كلمة "فصل" فى اللغات الأوربية، ولكن هذه تسمية مضللة. فالفاتحة ليست فصلًا بل أقرب إلى الدعاء، والسورتان الأخيرتان (المعوذتان) أقرب إلى طلب الغوث من اللَّه فى الشعائر الإسلامية. وباستثناء عدد قليل من قصار السور، يندر أن تقتصر سورة على موضوع واحد، وتعتبر سورة يوسف وسورة نوح مما يستثنى من ذلك. فكل سورة أخرى تتعرض لموضوعات كثيرة يتصل بعضها بموضوعات مماثلة فى السور الأخرى. وبعد الفاتحة نرى ترتيب السور يتفق بصفة عامة مع طولها، فسورة البقرة يزيد طولها عن ٧٠٠ سطر (٦٠ صفحة) فى الطبعة المصرية الحديثة المعتمدة للمصحف، بينما لا يزيد

стр. 8078

طول السور الأخيرة على سطرين أو ثلاثة. ولكن طول السور لم يكن إلا عاملًا واحدًا من العوامل التى حددت ترتيبها فى المصحف، ومن العوامل الأخرى تاريخ نزولها، وموضوعاتها الرئيسية ومقدماتها. وعادة ما يشير كتاب المسلمين إلى السور بأسمائها لا بأرقامها، ولما كانت تلك الأسماء لم تكن قد ثبتت فى أثناء حياة الرسول ﷺ ولم تكن تعتبر جزءًا من النص القرآنى، فإن بعض السور أصبحت تعرف بأكثر من اسم واحد. ولما كانت الطبعة المصرية المعتمدة للمصحف من العوامل الرئيسية التى وَحَّدت أسماء السور، بحيث اختفت معظم الأسماء القديمة الأخرى. والاستثناء من ذلك أن كُتَّاب الهند وباكستان (وكذلك ترجمة بيكتول لمعانى القرآن) ما يزالون يطلقون اسم سورة بنى إسرائيل على سورة الإسراء، واسم سورة الملائكة على سورة فاطر، واسم سورة المؤمن على سورة غافر، واسم سورة التطفيف على سورة المطففين، واسم سورة الانشراح على سورة الشرح، واسم سورة الزلزال على سورة الزلزلة، كما يطلق معظمهم اسم سورة حاميم على سورة فصلت، واسم سورة الدهر على سورة المدثر، واسم سورة اللهب على سورة المسد. وهذه الأسماء لا تشير إلى موضوع السورة ولكنها تساعد فى التعرف عليها، خصوصًا لمن يحفظون القرآن، مما يدل على أن الأسماء قد نشأت فى إطار التراث الشفاهى لا المكتوب. وأسماء السور المستعملة فى الطبعة المصرية المعتمدة يمكن تصنيفها على النحو التالى: (١) فى ما يزيد قليلًا عن نصف عدد السور، يمثل الاسم كلمة أساسية واردة فى مطلع السورة. (٢) فى ثلث السور تقريبًا يمثل الاسم كلمة مهمة فى غير مطلع السور. (٣) ولا تمثل أسماء ١٤ سورة ألفاظًا وردت فى السورة نفسها، ومعظمها لا يرد فى القرآن الكريم على الاطلاق، بل إن معظم هذه الأسماء مشتق من أفعال فى مطلع السورة مثل

стр. 8079

الإسراء، والسجدة، والمجادلة، والممتحنة، والجمعة، والطلاق، والتحريم، والتكوير، والانفطار، والانشقاق، والشرح. أما أسماء السور الثلاثة الباقية فقد اختيرت للدلالة على مهمة السورة مثل الفاتحة أو موضوعها الأساسى، مثل الأنبياء، والإخلاص. (ب) الآيات: تتفاوت الآيات فى أطوالها وأسلوبها تفاوتًا كبيرًا، شأنها فى ذلك شأن السور، وفى بعض السور القصيرة والتى نزلت مبكرًا على الرسول ﷺ نجد أن الآيات قصيرة وذات جرس إيقاعى. وأحيانا ما يبدو أن بها بناءً موسيقيًا يشبه النظم، كما فى الآيات الأولى من سورة المدثر، وسورة الضحى، ولكن ذلك مرده إلى تكرار أشكال نحوية معينة لا إلى النظم الشعرى سواء كان كميا أم نبريًا. وهذه الآيات القصيرة ذات الإيقاع المعجز من العسير ترجمتها أو تفسيرها بسبب استخدامها للرموز والاستعارات وغير ذلك من سمات اللغة "الشعرية". ومعظم السور الطويلة، وبعض السور المدنية القصيرة، أقرب إلى النثر. وقد وضع فقهاء المسلمين نظمًا مختلفة لتقسيم الآيات وترقيمها. وقد اتبع بيكتول فى ترجمته لمعانى القرآن تقاليد النص المطبوع فى الهند وهو النص الذى يقسم الآية ٧٣ من سورة الأنعام إلى آيتين، والآية ١٨ من سورة الكهف إلى آيتين، ويجمع الآيتين ٣٤ و ٣٥ من سورة يس فى آية واحدة. أما ناشرو طبعة فستيفال عام ١٩٧٦ فقد اتبعوا النظام المصرى بحذافيره فى تقسيم الآيات وترقيمها. وقد ترجع اختلافات الترقيم إلى اعتبار البسملة آية ومنحها رقمًا، وكذلك حروف فواتيح السور، والطبعة المصرية لا تعتبر البسملة آية إلا فى الفاتحة، ولكنها لا تتبع نظامًا متسقًا فيما يتعلق بحروف الفواتيح. وبعض الطبعات العربية والترجمات فى الهند وباكستان -مثل ترجمات بير صلاح الدين، ومحمد ظفر اللَّه خان، وم. ج. فريد- تعتبر البسملة آية وتمنحها رقمًا. والنص العربى للقرآن الكريم الذى كان يتمتع بأوسع انتشار فى الغرب حتى عهد قريب هو الذى أشرف على

стр. 8080

طبعه غوستاف فلوجيل (١٨٣٤ م) وهو لا يتبع تقاليد نص شرقى واحد. إذ حاول تقديم النص فى صورة ميسرة فقام بتغييرات كثيرة فى تقسيم الآيات، وغير أرقامها فيما يزيد قليلًا عن نصف السور. وكانت تقسيمات الآيات وأرقامها تختلف عن الطبعة المصرية إلا فى السور التالية: الحجر، الفتح، الحجرات، الذاريات، الطور، القمر، الحشر، الممتحنة، الصف، الجمعة، المنافقون، التغابن، الطلاق، التحريم، الملك، القلم، الحاقة، المعارج، المزمل، القيامة، الإنسان، المرسلات، النازعات، التكوير، الانفطار، المطففين، الانشقاق، البروج، الطارق، الأعلى، الغاشية، البلد. الشمس، الليل، الضحى، الشرح، التين، العلق، القدر، الزلزلة، العاديات، التكاثر، العصر، الهمزة، الفيل، الماعون، الكوثر، الكافرون، النصر، المسد، الاخلاص، الفلق، الناس. وكانت طبعة فلوجيل لا تحسب البسملة آية، ولا الحروف التى تفتتح بها بعض السور، ولكن تدرجها فى الآية الأولى، والترجمتان الإنجليزيتان اللتان أخرجهما ر. بل R. Bell وأ. ج. آربرى A.J. Arberry تتبعان الترقيم الوارد فى هذه الطبعة. بينما كانت الترجمة الايطالية التى وضعها باوسانى (A. Bausani) والترجمة الإنجليزية التى أعدها أ. هـ. صديقى (A.H. Siddiqui) تتبعان الترقيم المصرى، مثلما يفعل يوسف على فى العادة، وإن كان لا يلتزم بها دائمًا. ويورد ر. باريت فى ترجمته الألمانية (R. Parek) ور. بلاشير فى ترجمته الفرنسية (R. Blachere) الترقيمين جنبًا إلى جنب. أما المرجع المعتمد لشتى نظم الترقيم الإسلامية فهو كتاب أ. سبيتالير A. Spitaler الذى وضعه بالألمانية وصدر فى ميونيخ عام ١٩٣٥ وعنوانه: Die Verszahlung des koran nach islamischer uberliberung (ج) البسملة: تبدأ كل سورة من سور القرآن الكريم، عدا سورة التوبة، بالبسملة أى بعبارة "بسم اللَّه الرحمن الرحيم". وقد وردت فى النص القرآنى نفسه فى سورة النمل (الآية ٣٠) فى مفتتح

стр. 8081

كتاب سليمان ﵇ إلى ملكة سبأ ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ كما وردت مكونات العبارة متفرقة فى مواضع أخرى، فوردت بسم اللَّه فى سورة هود (الآية ٤١) ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وورد تعبير "الرحمن الرحيم" أربع مرات أخرى، مرة فى سورة الفاتحة (الآية ٣) وسورة البقرة (الآية ١٦٣) وسورة فصلت (الآية ٢) وسورة الحشر (الآية ٢٢). وقد ورد لفظ "الرحمن" معرفًا بالألف واللام ٥٧ مرة فى نص القرآن، إذا استثنينا البسملة التى تفتتح بها كل السور عدا سورة الفاتحة. ويرد لفظ الرحيم ٣٣ مرة معرفًا بالألف واللام، ودون تعريف. وقد اختلفت الآراء حول أصل البسملة ووضعها فى مفتتح السور، إذ يعتقد بعض المسلمين أن البسملة جزء من التنزيل وأنها كانت تمثل جزءًا من كل سورة منذ البداية. ولكن الأدلة القائمة على النص القرآنى نفسه تقول بغير هذا، فلفظ الجلالة هو الاسم الذى يختص به بينما نرى أن "الرحمن الرحيم" من الأسماء الحسنى أو الصفات الخاصة بالذات الالهية، وفقًا لاستعمال اللفظين فى القرآن الكريم. وإلى جانب هذا نلحظ أن القرآن يشير إلى البارئ جل وعلا بلفظ "رب"، إذ يرد تعبير "باسم ربك" فى سورة الواقعة -فى الآيتين ٧٤ و ٩٦ - ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ وفى سورة الحاقة حيث تختتم السورة بالآية نفسها، بينما تبدأ سورة العلق بالآية الكريمة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. ومن المحتمل أن الخالق قد أوحى بهذا الاسم من أسمائه الحسنى، أى "الرحمن"، الذى يتكرر فى الآيات التى نزلت بعد عامين من بداية البعثة، ثم أباح فى مرحلة لاحقة للمسلمين أن يستعملوا لفظ الجلالة أو الرحمن دون حرج، والشاهد هو الآية ١١٠ من سورة الإسراء التى تقول ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. وبعد نزول هذه الآية نجد أن لفظ "الرحمن" يندر أن يوجد وحده فى القرآن، بل عادة ما يرتبط "بالرحيم"، ويشترك اللفظان

стр. 8082

فى مادة "رحم" ذات الدلالة المهمة فى المعجم العربى. ويبدو من هذه الأدلة أن استعمال البسملة قد شاع بعد نزول الآية المشار إليها فى سورة الإسراء، وقد تكون البسملة مبنية من جزءين هما "بسم اللَّه" وهى العبارة التى ترد وحدها (الآية ٤١ من سورة هود) و"الرحمن الرحيم" وهى الآية الثالثة من الفاتحة، ولكن الأرجح أن الفاتحة نفسها وجميع صيغ البسملة قد نزلت بعد الآية المشار إليها فى سورة الإسراء. ويبدو من المحتمل كذلك أن البسملة لم تكن أصلًا من آيات الفاتحة، فعلماء المدينة والبصرة وسوريا لم يكونوا يعدونها كذلك، كما أن الفاتحة دون البسملة كانت تسمى سورة الحمد، وربما كان ذلك اسمها فعلًا قبل نزول البسملة. ولكن الذى لا شك فيه هو أن الرسول ﷺ كان يتلوها فى مستهل قراءته لأى آيات قرآنية بعد أن نزلت، ولما كانت الكثير من هذه الآيات ترد فى سور نزلت فى أوقات متفاوتة، فلابد أن الرسول ﷺ كان يتلو البسملة قبل تلاوته آيات أوحى بها فى أوقات متفرقة. ومن ثم فإن البسملة لم تقتصر على فواتح السور إلا بعد أن اتخذت هذه السور رسمها النهائى فى المصحف. (د) فواتح السور: فى بداية تسع وعشرين سورة من سور القرآن الكريم يوجد بعد البسملة حرف أو مجموعة من الحروف تسمى فواتح السور أو أوائل السور أو الحروف المقطعات، ويشار إليها فى اللغات الأوربية بتعبير "الحروف ذات الأسرار" وتنطق هذه الحروف على نحو ما تنطق حروف الأبجدية العربية، ولقد ظلت على مدى أربعة عشر قرنًا من الزمان مثار جدل وحيرة بين علماء المسلمين، فقد رأى بعضهم أنها اختصارات لكلمات أو عبارات، فقالوا إن "ألر" اختصار للفظ "الرحمن" و"حم" اختصار "للرحيم"، و"يس" اختصار لعبارة "يا سيد المرسلين" إلى آخر ما قالوا. ويروى عكرمة وآخرون عن ابن عباس قوله إن "الر" و"حم" و"نون" معًا تكوّن "الرحمن" (الاتقان،

стр. 8083

جـ ٣، ص ٩) وقال البعض الآخر إن الحروف ليست اختصارات، وحاولوا تفسيرها بطرق مختلفة، فقالوا إنها أصوات يقصد منها تنبيه النبى ﷺ أو اجتذاب أسماع من يستمعون إلى القرآن حتى ينصتوا ويحسنوا الإصغاء، وقال غيرهم إنها أسرار خفية ذات معان رمزية تقوم على القيمة العددية (بحساب الجُمل) للحروف العربية، وقال آخرون إنها فواصل بين السور، وذهب عدد من العلماء إلى أنها حروف عربية وحسب، تشهد أن التنزيل قد أوحى به بلغة القوم التى يعرفونها وهلم جرّا. ويروى السيوطى عن ابن عباس (عن طريق ابن اسحاق) أن جماعة من اليهود قالوا لمحمد ﷺ إن الحروف تشير إلى عدد السنوات التى سيظل فيها المجتمع الإسلامى قائمًا، فعندما سمعوه يتلو "ألم" (١ + ٣٠ + ٤٠ = ٧١) قالوا إن العدد لن يتجاوز ٧١ سنة. وعندما سمعوه يتلو "ألمص" (١ + ٣٠ + ٤٠ + ٦٠) قالوا إن المدة هى ١٣١ سنة، وعندما سمعوا "ألر" (١ + ٣٠ + ٢٠٠) قالوا بل هى ٢٣١ سنة، ثم سمعوا "ألمر" فقالوا بل هى ٢٧١ سنة. وانتهى بهم الأمر إلى إنكار ذلك كله وإلى أن ثمة سرًا يكتنف هذه الحروف. وقد ناقش السيوطى هذه المسائل جميعًا إلى جانب غيرها من الاحتمالات وانتهى إلى أن فواتح السور رموز أو أسرار لا يعرف تأويلها إلا اللَّه. وقد أظهر علماء المسلمين المتأخرين ميلًا إلى تقبل هذا الرأى، ولو أن عددًا منهم (مثل هاشم أمير على) يقول إن جميع مجموعات الحروف لا بعضها فقط هى حروف نداء للنبى ﷺ ويقول على ناصوح الطاهر إن القيمة العددية للحروف تمثل عدد الآيات فى "التقسيم الأصلى" للسور التى تتصدرها ومعظمها سور مكّية. وهو يستشهد بما استشهد السيوطى به، فيقول إن سورة الأعراف التى تتكون الآن من ٣٠٥ آية والتى تبدأ بالحروف المص (١ + ٣٠ + ٤٠ + ٩٠ = ١٦١) كانت تتضمن ١٦١ آية فقط، ثم يطبق هذا الأسلوب على مجموعات من السور حتى يتسنى له التوفيق بين أعداد آياتها والأرقام الموحى بها فى حروف الفواتح. ولكن هذا القول مردود عليه بأننا لا نجد سورة واحدة يبلغ عدد

стр. 8084

آياتها العدد الذى توحى به أرقام الفواتح، ولا يتفق قول الطاهر مع الأساس الذى أقيمت عليه الطبعة المصرية المعتمدة. وتعتبر هذه النظرية نموذجًا ساطعًا للتخرصات التعسفية بشأن هذه الحروف أو الفواتح. وقد تصدى عدد من الباحثين الغربيين للتحدى الذى تمثله تلك الفواتح فقدموا بعض الآراء التى تنم على التخبط والحيرة، إذ زعم الباحث الألمانى نولديكى Noldeke فى كتابه قصة القرآن (١٨٦٠) إلى أن هذه الفواتح هى اختصارات لأسماء مدونى القرآن (ألم = الزبير، ألم = المغيرة، وحم = عبد الرحمن) ولكنه عدل عن هذا الرأى عندما قرأ دراسة عميقة، على إيجازها، للموضوع كتبها أ. لوث O.Lith بعنوان تفسير الطبرى بالألمانية عام ١٨٨١ م، وقال فيها إن الحروف رموز قدسية خاصة تشير إلى بعض الموضوعات التى تتناولها السور. وهكذا عدل نولديكى عن رأيه وعاد إلى القول بأن الحروف جزءٌ لا يتجزأ من التنزيل وإنها إشارات قدسية إلى كتاب اللَّه العظيم. وعندما وضع شفالى استعراضه للدراسات القرآنية حتى عام ١٩١٩ م أعرب عن رفضه لما قال به لوث، ورفضه أيضًا لنظرية نولديكى. وحاول عدد آخر إحياء النظرية القائلة بأن الحروف تمثل اختصارات لكلمات أو عبارات, كان أهمهم هانز باور Hans Bauer الذى أضاف إلى ذلك قوله (١٩٢١ م) بأن الحروف ذات علاقة بترتيب سور القرآن دون أن يفصل القول فى ذلك. وأما حجته القائلة بأنها اختصارات فهى غير مقنعة، وقد تبعه أ. جوسنز E. Goossens فى عام ١٩٢٣ حين قال إن الاختصارات قد تشير إلى بعض الأسماء القديمة للسور، ولكن أدلته كانت هى الأخرى واهية. وجاء من بعدهما موريس سيل Mirris Seale الذى ذهب إلى أن الفواتح ترمى إلى تذكير القارئ بمضمون السورة، وقال إنه يقبل تفسيرها بأنها اختصارات وإن كان يختلف فى الكلمات التى تشير إليها، والتفاوت بين هذه الآراء وتنوعها، بل والتضارب بينها، يدل على أنه من

стр. 8085

العبث محاولة السير فى هذا الطريق، بسبب ما يتسم به من تعسف. وقد حاول جيمس أ. بيلامى James A. Bellamy فى مقال نشره فى مجلة الدراسات العربية والشرقية عام ١٩٧٣ م تقديم نظرية للاختصارات تحاول تفادى الطابع التعسفى الذى اتسمت به محاولات من سبقوه. وقد بدأ بيلامى بترديد ما قاله المفسرون الأوائل من أن الحروف التالية: ألر، ألم، ألمر، حم، ن [وهى التى توجد فى فواتح جميع السور ذات الحروف المقطعة باستثناء عشر فقط] تمثل اختصارًا للرحمن أو للرحيم أو لكليهما، ثم انتهى إلى القول بأن هذه الحروف تمثل اختصارًا للبسملة، وأن الحروف الأخرى تمثل اختصارًا لها كذلك. وقد اقتضاه ذلك القول بأن الحروف الأخرى هى صورة من صور حروف البسملة، وهو قول متعسف ولا يستند إلى حقائق نصية أو تاريخية. إن أى حل للغز حروف الأسرار لابد أن يستند إلى نظرية معقولة تتفق مع الأدلة النصية جميعًا، ومن ثم فيجب أن تكون نقطة الانطلاق هى السياق الفعلى للحروف، وهو سياق يقدم إلينا مفاتيح مهمة لحل ذلك اللغز. وتقدم القائمة التالية رقم السورة، وموقعها لو تم ترتيب جميع السور (باستثناء الفاتحة) وفقًا لأطوالها فقط، والفواتح، والعبارة أو الجملة الأولى: ٢ (٢) ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (البقرة) ٣ (٤) ﴿الم. . . نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ (آل عمران) ٧ (٥) ﴿المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ (الأعراف) ١٠ (١١) ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ (يونس) ١١ (١٠) ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ (هود) ١٢ (١٢) ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (يوسف) ١٣ (٣٤) ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ (الرعد)

стр. 8086

١٤ (٣٣) ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ (إبراهيم) ١٥ (٤١) ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ (الحجر) ١٩ (٢٩) ﴿كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ (مريم) ٢٠ (١٧) ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ (طه) ٢٦ (١٥) ﴿طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (الشعراء) ٢٧ (٢٥) ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (النمل) ٢٨ (١٦) ﴿طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (القصص) ٢٩ (٢٧) ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت) ٣٠ (٣٦) ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (الروم) ٣١ (٤٦) ﴿الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ (لقمان) ٣٢ (٥٤) ﴿الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ السجدة) ٣٦ (٤٠) ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. . . تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ (يس) ٣٨ (٣٩) ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (ص) ٤٠ (٢٣) ﴿حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (غافر) ٤١ (٣٧) ﴿حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (فُصِّلت) ٤٢ (٣٥) ﴿حم عسق كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الشورى) ٤٣ (٣١) ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (الزخرف) ٤٤ (٥٥) ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (الدخان) ٤٥ (٤٧) ﴿حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (الجاثية)

стр. 8087

٤٦ (٤٢) ﴿حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (الأحقاف) ٥٠ (٤٢) ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ (ق) ٦٨ (٦٢) ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (القلم) وتبرز فى هذه القائمة مسألتان على جانب من الأهمية، وقد أكدهما كل من شفالى وباور ولوث، وإن لم يلتفت إليهما أصحاب نظريات "الاختصارات"، الأولى هى علاقة فواتح السور بالترتيب النهائى لها فى القرآن، والثانية هى علاقتها الوثيقة بالآيات الافتتاحية وبكتاب اللَّه العزيز. فالملاحظ أن السور التى تشترك فى نفس الفواتح قريبة من بعضها البعض، رغم تفاوت أطوالها، ورغم أن ذلك يعنى عدم الالتزام بالترتيب حسب طول السورة. وقد يعنى ذلك أن السور التى تشترك فى الفواتح كانت قريبة من بعضها البعض فى وقت جمع القرآن، وأن النساخ أبدوا التردد فى فصلها بعضها عن البعض، وأرجح سبب لهذا التردد هو اعتبارهم أن الفواتح جزء من التنزيل، وأن ترتيبها على هذا النحو مأثور عن النبى ﷺ . والملاحظ أيضًا أن الفواتح يتبعها على الفور، وفى جميع الأحوال تقريبًا، ما يشير بصورة ما إلى كتاب اللَّه المُنَزَّل، وذلك فى العادة صيغة تنزيل مميزة تذكر الكتاب أو القرآن (باستثناء سورتى العنكبوت والروم كما هو واضح). وإلى جانب ذلك كله، فإنه يوجد توافق إلى حد ما بين الصيغة المذكورة فى كل سورة تبدأ بالحروف نفسها، فالسور التى تبدأ بالفواتح (طسم) تشترك فى الصيغة نفسها، وثلاث سور من التى تبدأ بالفواتح (حم) تشترك كذلك فى نفس الصيغة، وأربع سور من التى تبدأ بحروف مفردة بالقسم (يس، وص، وق، ون). وسواء كان لوث محقًا أم لا فى القول بأن العديد من الصيغ الافتتاحية تتضمن إشارات للفواتح، فهناك أدلة أخرى على أن هذه الفواتح جزء لا يتجزأ من التنزيل وأنها كانت تقرأ باعتبارها حروفا مفردة من البداية. وأحد هذه الأدلة هو أن معظم الفواتح حين تقرأ كحروف مفردة تمهد للسجع فى الآية الأولى، ورغم أن التوافق ليس

стр. 8088

كاملًا فإن العلاقة الوثيقة بين أصوات الفواتح وكلمات السجع فى الآيات التالية لها لا يمكن أن يكون من قبيل المصادفة. ومن الحقائق البارزة الأخرى، والتى لابد ألا نعتبرها من قبيل المصادفة، هو أن حروف الفواتح تمثل كل شكل من أشكال الكتابة للحروف الساكنة بالعربية، ولا يتكرر ذلك الشكل لأكثر من حرف واحد فقط. فلدينا حرف الياء الذى يكتب (يـ) بينما لا توجد الباء أو التاء أو الثاء. ولدينا الحاء (ح) بينما الجيم (ج) ولا الخاء (خ)، ولدينا الراء (ر) لا الزاى (ز)، ولدينا العين (ع) لا الغين (غ) ولدينا القاف (قـ) لا الفاء (ف) ولا الواو (و) ولدينا الكاف (كـ) لا الدال (د) ولا الذال (ذ) -إلى جانب الأشكال التى يمثل كل منها واحد فقط مثل الهمزة، واللام، والميم، والنون، والهاء. (ويجب أن نذكر أن حرف الواو بالخط الكوفى العربى كانت ترسم بنفس صورة القاف والفاء هكذا: فـ، وأن الدال كانا يرسمان مثل الكاف -هكذا: كـ، والاستثناء هو أن الحروف لم تكن تشبك فى أواخر الواو والدال والذال)، وأقرب التفاسير إلى المنطق، أى أقرب تفسير لاستعمال هذه الحروف الأربعة عشر فقط، ودون غيرها، هو أنها قد قصد بها تمثيل الأبجدية العربية. فإذا صح هذا الاستنتاج، ازدادت دلالة وأهمية معنى الآيات الافتتاحية التى تقول إن القرآن العظيم قد أنزل باعتباره "كتابًا مبينًا" بالعربية. وتشير آيات أخرى (النحل/ ١٠٣، والشعراء/ ١٩٥) إلى أن القرآن قد أنزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. ويبدو أن عدم الإشارة فى الشروح والتفاسير الخاصة بالقراءات المختلفة إلى الصورة التى كانت تنطق بها أشكال الحروف الساكنة الأربعة عشر، دليل على وجود تراث شفاهى قوى يؤكد مكانة فواتح السور. وما تزال هناك بعض الأسئلة التى لم تحظ بعد بإجابات شافية، ولكن الأدلة القائمة تدعم ما ذهب إليه لوث ونولديكى فى آرائه المتأخرة، وشفالى، وبِلْ، وألان جونز، من أن الفواتح جزء لا يتجزأ من النص القرآنى. وللفواتح

стр. 8089

أهميتها فى فهم تاريخ النص، ولتواريخ النزول أهميتها فى تفهم الفواتح. ٥ - الترتيب الزمنى لنزول القرآن: لم ينزل القرآن على محمد ﷺ دفعة واحدة، بل نزل مفرقًا، فهو يتجاوب فى كل حالة مع الظرف التاريخى، وقد يكون التعبير عن هذا التجاوب مباشرًا فى أحيان كثيرة، فكان الوحى ينزل عليه بما يشجعه فى أوقات الاضطهاد، وبالإجابة عما يسأله عنه أتباعه وخصومه، وبالتعليق على الأحداث الجارية وما إلى ذلك بسبيل. وقد نزل الوحى بالمبادئ الأساسية والقواعد اللازمة لتنظيم المجتمع الإسلامى تدريجيًا، وعلى مراحل، وأحيانًا ما تتطلب التفسير والشرح. وتلوح للعين تناقضات ظاهرية فى عرض العقائد وتقديم القواعد التى تبدو غير متسقة إذ أحيانًا ما تتغير، ولذلك فمن الضرورى الإحاطة بالظروف التاريخية لبعض الآيات، والترتيب الزمنى على الأقل لنزول البعض الآخر حتى نتمكن من فهمها فهمًا كاملًا. وقد أدرك علماء المسلمين الأوائل هذه المشكلة واهتموا بها اهتمامًا كبيرًا فى القرون الأولى للهجرة، حتى وضعوا نظامًا للتاريخ يتسم بالصلابة إلى حد كبير، واكتسب هذا النظام "رخصة" المذهب الصحيح. أما فى العصور الحديثة فقد اقتصرت دراسة الترتيب الزمنى لنزول القرآن تقريبًا على علماء الغرب الذين عجزوا عن التوصل إلى اتفاق حول نظام للتأريخ، أو حتى إلى إمكانية وضع مثل هذا النظام. أ- الاشارات التاريخية فى القرآن: يشير القرآن إشارات محددة إلى عدد من الأحداث التاريخية فى حياة محمد ﷺ ومعاصريه، ولكنه لا يحدد التواريخ ولا يشير أى إشارة محددة إلى الوقت الذى وقعت فيه. ومن المحال فى معظم الحالات. تحديد الظروف الخاصة المشار إليها وتواريخ الآيات التى نزلت فيها، ويصدق ذلك بصفة خاصة على الفترة السابقة للهجرة عام ٦٢٢ وهى التى تتضمن عددًا محددًا من الأحداث التاريخية التى يمكن تحديد زمن وقوعها، وحتى حين يمكن تحديد تلك الأحداث، فهى لا تفيد كثيرًا فى

стр. 8090

تحديد تاريخ الآيات التى تشير إليها. إذ تشير الآيات من ٢ - ٥ من سورة الروم على سبيل المثال، إلى هزيمة البيزنطيين العسكرية، وقد تكون تلك الإشارة إلى سقوط القدس فى أيدى الفرس فى عام ٦١٤ (كما يعتقد أن سورة الفيل تشير إلى حملة عسكرية على مكة فى منتصف القرن السادس). وهناك إشارات كثيرة إلى أحوال الرسول الكريم فى مكة (مثل الاضطهاد الذى تعرض له، واتهامات خصومه له، وحياته المبكرة، ويُتمه) وإلى بعض الممارسات المحددة لأهل مكة، ولكن الآيات التى تتضمن هذه الإشارات لا يمكن تحديدها بأى قدر من الدقة. والفترة المدنية هى التى تتيح لنا التحديد الدقيق لتواريخ نزول الآيات، إلى حد معقول، على أساس الإشارة إلى أحداث تاريخية يمكن تحديد وقت نزولها استنادًا إلى مصادر أخرى، مثل غزوة بدر (ربيع عام ٦٢٤) وغزوة حنين (أوائل عام ٦٣٠) اللتين وردتا فى سورة آل عمران فى الآية ١٢٣ وفى سورة التوبة فى الآية ٢٥ على الترتيب. ويشير القرآن إلى تغيير القبلة من القدس إلى مكة إما فى أواخر عام ٦٢٣ أو أوائل ٦٢٤ إذ يرد ذلك فى سورة البقرة، فى الآيات من ١٤٨ - ١٥٠. كما يشير القرآن إلى إقرار الشعائر القديمة لفريضة الحج فى وقت وقوع غزوة بدر تقريبًا، فى سورة البقرة، فى الآيتين ١٥٨ و ١٩٨ وفى سورة المائدة فى الآية ٩٥ وما بعدها، حيث تُذكر الكعبة، والصفا والمروة، وجبل عرفات، ومشعر الحرم (فى مزدلفة) ذكرًا صريحًا. ويذكر القرآن زيد (بن حارثة) الذى كان الرسول ﷺ قد تبناه، باسمه الصريح، فى سورة الأحزاب، فى الآية ٣٧ فى إطار الإشارة إلى حادثة وقعت فى ربيع عام ٦٢٧ كما يشير القرآن إلى أحداث تاريخية دون ذكر اسمها صراحة مثل غزوة أُحد (التى وقعت عام ٦٢٥) فى الآيات ١٥٥ - ١٧٤ من سورة آل عمران، وطرد يهود بنى النضير (٦٢٥) فى سورة الحشر، فى الآيات من ٢ - ٥, وغزوة الخندق (٦٢٧) فى سورة الأحزاب (الآيات ٩ - ٢٧) وغزوة خيبر (٦٢٨) فى سورة الفتح، فى الآية ١٥، وغزوة تبوك (٦٣٠) فى سورة التوبة
следующие страницы →