← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.

стр. 8086

١٤ (٣٣) ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ (إبراهيم) ١٥ (٤١) ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ (الحجر) ١٩ (٢٩) ﴿كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ (مريم) ٢٠ (١٧) ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ (طه) ٢٦ (١٥) ﴿طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (الشعراء) ٢٧ (٢٥) ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (النمل) ٢٨ (١٦) ﴿طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (القصص) ٢٩ (٢٧) ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت) ٣٠ (٣٦) ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (الروم) ٣١ (٤٦) ﴿الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ (لقمان) ٣٢ (٥٤) ﴿الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ السجدة) ٣٦ (٤٠) ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. . . تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ (يس) ٣٨ (٣٩) ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (ص) ٤٠ (٢٣) ﴿حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (غافر) ٤١ (٣٧) ﴿حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (فُصِّلت) ٤٢ (٣٥) ﴿حم عسق كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الشورى) ٤٣ (٣١) ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (الزخرف) ٤٤ (٥٥) ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (الدخان) ٤٥ (٤٧) ﴿حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (الجاثية)

стр. 8087

٤٦ (٤٢) ﴿حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (الأحقاف) ٥٠ (٤٢) ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ (ق) ٦٨ (٦٢) ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (القلم) وتبرز فى هذه القائمة مسألتان على جانب من الأهمية، وقد أكدهما كل من شفالى وباور ولوث، وإن لم يلتفت إليهما أصحاب نظريات "الاختصارات"، الأولى هى علاقة فواتح السور بالترتيب النهائى لها فى القرآن، والثانية هى علاقتها الوثيقة بالآيات الافتتاحية وبكتاب اللَّه العزيز. فالملاحظ أن السور التى تشترك فى نفس الفواتح قريبة من بعضها البعض، رغم تفاوت أطوالها، ورغم أن ذلك يعنى عدم الالتزام بالترتيب حسب طول السورة. وقد يعنى ذلك أن السور التى تشترك فى الفواتح كانت قريبة من بعضها البعض فى وقت جمع القرآن، وأن النساخ أبدوا التردد فى فصلها بعضها عن البعض، وأرجح سبب لهذا التردد هو اعتبارهم أن الفواتح جزء من التنزيل، وأن ترتيبها على هذا النحو مأثور عن النبى ﷺ . والملاحظ أيضًا أن الفواتح يتبعها على الفور، وفى جميع الأحوال تقريبًا، ما يشير بصورة ما إلى كتاب اللَّه المُنَزَّل، وذلك فى العادة صيغة تنزيل مميزة تذكر الكتاب أو القرآن (باستثناء سورتى العنكبوت والروم كما هو واضح). وإلى جانب ذلك كله، فإنه يوجد توافق إلى حد ما بين الصيغة المذكورة فى كل سورة تبدأ بالحروف نفسها، فالسور التى تبدأ بالفواتح (طسم) تشترك فى الصيغة نفسها، وثلاث سور من التى تبدأ بالفواتح (حم) تشترك كذلك فى نفس الصيغة، وأربع سور من التى تبدأ بحروف مفردة بالقسم (يس، وص، وق، ون). وسواء كان لوث محقًا أم لا فى القول بأن العديد من الصيغ الافتتاحية تتضمن إشارات للفواتح، فهناك أدلة أخرى على أن هذه الفواتح جزء لا يتجزأ من التنزيل وأنها كانت تقرأ باعتبارها حروفا مفردة من البداية. وأحد هذه الأدلة هو أن معظم الفواتح حين تقرأ كحروف مفردة تمهد للسجع فى الآية الأولى، ورغم أن التوافق ليس

стр. 8088

كاملًا فإن العلاقة الوثيقة بين أصوات الفواتح وكلمات السجع فى الآيات التالية لها لا يمكن أن يكون من قبيل المصادفة. ومن الحقائق البارزة الأخرى، والتى لابد ألا نعتبرها من قبيل المصادفة، هو أن حروف الفواتح تمثل كل شكل من أشكال الكتابة للحروف الساكنة بالعربية، ولا يتكرر ذلك الشكل لأكثر من حرف واحد فقط. فلدينا حرف الياء الذى يكتب (يـ) بينما لا توجد الباء أو التاء أو الثاء. ولدينا الحاء (ح) بينما الجيم (ج) ولا الخاء (خ)، ولدينا الراء (ر) لا الزاى (ز)، ولدينا العين (ع) لا الغين (غ) ولدينا القاف (قـ) لا الفاء (ف) ولا الواو (و) ولدينا الكاف (كـ) لا الدال (د) ولا الذال (ذ) -إلى جانب الأشكال التى يمثل كل منها واحد فقط مثل الهمزة، واللام، والميم، والنون، والهاء. (ويجب أن نذكر أن حرف الواو بالخط الكوفى العربى كانت ترسم بنفس صورة القاف والفاء هكذا: فـ، وأن الدال كانا يرسمان مثل الكاف -هكذا: كـ، والاستثناء هو أن الحروف لم تكن تشبك فى أواخر الواو والدال والذال)، وأقرب التفاسير إلى المنطق، أى أقرب تفسير لاستعمال هذه الحروف الأربعة عشر فقط، ودون غيرها، هو أنها قد قصد بها تمثيل الأبجدية العربية. فإذا صح هذا الاستنتاج، ازدادت دلالة وأهمية معنى الآيات الافتتاحية التى تقول إن القرآن العظيم قد أنزل باعتباره "كتابًا مبينًا" بالعربية. وتشير آيات أخرى (النحل/ ١٠٣، والشعراء/ ١٩٥) إلى أن القرآن قد أنزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. ويبدو أن عدم الإشارة فى الشروح والتفاسير الخاصة بالقراءات المختلفة إلى الصورة التى كانت تنطق بها أشكال الحروف الساكنة الأربعة عشر، دليل على وجود تراث شفاهى قوى يؤكد مكانة فواتح السور. وما تزال هناك بعض الأسئلة التى لم تحظ بعد بإجابات شافية، ولكن الأدلة القائمة تدعم ما ذهب إليه لوث ونولديكى فى آرائه المتأخرة، وشفالى، وبِلْ، وألان جونز، من أن الفواتح جزء لا يتجزأ من النص القرآنى. وللفواتح

стр. 8089

أهميتها فى فهم تاريخ النص، ولتواريخ النزول أهميتها فى تفهم الفواتح. ٥ - الترتيب الزمنى لنزول القرآن: لم ينزل القرآن على محمد ﷺ دفعة واحدة، بل نزل مفرقًا، فهو يتجاوب فى كل حالة مع الظرف التاريخى، وقد يكون التعبير عن هذا التجاوب مباشرًا فى أحيان كثيرة، فكان الوحى ينزل عليه بما يشجعه فى أوقات الاضطهاد، وبالإجابة عما يسأله عنه أتباعه وخصومه، وبالتعليق على الأحداث الجارية وما إلى ذلك بسبيل. وقد نزل الوحى بالمبادئ الأساسية والقواعد اللازمة لتنظيم المجتمع الإسلامى تدريجيًا، وعلى مراحل، وأحيانًا ما تتطلب التفسير والشرح. وتلوح للعين تناقضات ظاهرية فى عرض العقائد وتقديم القواعد التى تبدو غير متسقة إذ أحيانًا ما تتغير، ولذلك فمن الضرورى الإحاطة بالظروف التاريخية لبعض الآيات، والترتيب الزمنى على الأقل لنزول البعض الآخر حتى نتمكن من فهمها فهمًا كاملًا. وقد أدرك علماء المسلمين الأوائل هذه المشكلة واهتموا بها اهتمامًا كبيرًا فى القرون الأولى للهجرة، حتى وضعوا نظامًا للتاريخ يتسم بالصلابة إلى حد كبير، واكتسب هذا النظام "رخصة" المذهب الصحيح. أما فى العصور الحديثة فقد اقتصرت دراسة الترتيب الزمنى لنزول القرآن تقريبًا على علماء الغرب الذين عجزوا عن التوصل إلى اتفاق حول نظام للتأريخ، أو حتى إلى إمكانية وضع مثل هذا النظام. أ- الاشارات التاريخية فى القرآن: يشير القرآن إشارات محددة إلى عدد من الأحداث التاريخية فى حياة محمد ﷺ ومعاصريه، ولكنه لا يحدد التواريخ ولا يشير أى إشارة محددة إلى الوقت الذى وقعت فيه. ومن المحال فى معظم الحالات. تحديد الظروف الخاصة المشار إليها وتواريخ الآيات التى نزلت فيها، ويصدق ذلك بصفة خاصة على الفترة السابقة للهجرة عام ٦٢٢ وهى التى تتضمن عددًا محددًا من الأحداث التاريخية التى يمكن تحديد زمن وقوعها، وحتى حين يمكن تحديد تلك الأحداث، فهى لا تفيد كثيرًا فى

стр. 8090

تحديد تاريخ الآيات التى تشير إليها. إذ تشير الآيات من ٢ - ٥ من سورة الروم على سبيل المثال، إلى هزيمة البيزنطيين العسكرية، وقد تكون تلك الإشارة إلى سقوط القدس فى أيدى الفرس فى عام ٦١٤ (كما يعتقد أن سورة الفيل تشير إلى حملة عسكرية على مكة فى منتصف القرن السادس). وهناك إشارات كثيرة إلى أحوال الرسول الكريم فى مكة (مثل الاضطهاد الذى تعرض له، واتهامات خصومه له، وحياته المبكرة، ويُتمه) وإلى بعض الممارسات المحددة لأهل مكة، ولكن الآيات التى تتضمن هذه الإشارات لا يمكن تحديدها بأى قدر من الدقة. والفترة المدنية هى التى تتيح لنا التحديد الدقيق لتواريخ نزول الآيات، إلى حد معقول، على أساس الإشارة إلى أحداث تاريخية يمكن تحديد وقت نزولها استنادًا إلى مصادر أخرى، مثل غزوة بدر (ربيع عام ٦٢٤) وغزوة حنين (أوائل عام ٦٣٠) اللتين وردتا فى سورة آل عمران فى الآية ١٢٣ وفى سورة التوبة فى الآية ٢٥ على الترتيب. ويشير القرآن إلى تغيير القبلة من القدس إلى مكة إما فى أواخر عام ٦٢٣ أو أوائل ٦٢٤ إذ يرد ذلك فى سورة البقرة، فى الآيات من ١٤٨ - ١٥٠. كما يشير القرآن إلى إقرار الشعائر القديمة لفريضة الحج فى وقت وقوع غزوة بدر تقريبًا، فى سورة البقرة، فى الآيتين ١٥٨ و ١٩٨ وفى سورة المائدة فى الآية ٩٥ وما بعدها، حيث تُذكر الكعبة، والصفا والمروة، وجبل عرفات، ومشعر الحرم (فى مزدلفة) ذكرًا صريحًا. ويذكر القرآن زيد (بن حارثة) الذى كان الرسول ﷺ قد تبناه، باسمه الصريح، فى سورة الأحزاب، فى الآية ٣٧ فى إطار الإشارة إلى حادثة وقعت فى ربيع عام ٦٢٧ كما يشير القرآن إلى أحداث تاريخية دون ذكر اسمها صراحة مثل غزوة أُحد (التى وقعت عام ٦٢٥) فى الآيات ١٥٥ - ١٧٤ من سورة آل عمران، وطرد يهود بنى النضير (٦٢٥) فى سورة الحشر، فى الآيات من ٢ - ٥, وغزوة الخندق (٦٢٧) فى سورة الأحزاب (الآيات ٩ - ٢٧) وغزوة خيبر (٦٢٨) فى سورة الفتح، فى الآية ١٥، وغزوة تبوك (٦٣٠) فى سورة التوبة

стр. 8091

(الآيات ٢٩ - ٣٥) وهلم جرّا. وتعتمد جميع نظم التاريخ، الإسلامية وغير الإسلامية، على هذه الإشارات التاريخية فى السياقات المدنية، وتعتبرها نقطة انطلاقها. (ب) التواريخ التقليدية التى وضعها المسلمون: فى القرون الأولى للهجرة ارتبطت بعض آيات القرآن بالروايات التى ترددت فى غضون محاولات كتابة سيرة محمد ﷺ خصوصًا فى الفترة المكية السابقة للهجرة. مثل الآيات ١ - ١٨ من سورة النجم، والآيات ١٥ - ٢٩ من سورة عبس، والتى فسرها المفسرون بأنها "رؤى الدعوة" المحمدية، كما فسروا سورة الشرح بما روى عن معجزة شق الصدر وتطهير القلب، وسورة العلق بدعوة النبى إلى الإفصاح عن نبوته، وسورة الإسراء (الآية الأولى) بالإسراء به ﷺ إلى بيت المقدس وما إلى ذلك بسبيل (والمرجع فى هذا هو الطبرى والزمخشرى، وفى الدراسات الأوربية كتاب التفسير الذى وصفه باريت Paret). وارتبطت آيات أخرى بأحداث معينة فى حياة المجتمع الإسلامى، إذ قيل إن سورة مريم قد تليت على النجاشى ملك الحبشة، وأن الذى تلاها أتباع محمد الذين اضطروا إلى الهجرة من مكة فرارًا من الاضطهاد فى عام ٦١٥، وروى أن نسخة مكتوبة من سورة طه قد ساعدت على هداية عمر بن الخطاب إلى الإسلام فى نحو ذلك الوقت. وحاول علماء القرآن الأوائل تحديد وشرح الإشارات الغامضة فى القرآن، فقالوا إن الرجل الأعمى المشار إليه فى سورة عبس شخص اسمه عبد اللَّه بن أم مكتوم، وأن الرجل المشار إليه فى قضية الطلاق فى سورة المجادلة هو أوس بن الصامت. وعلى نفس المنوال فسر المفسرون الأحداث المشار إليها فى سورة التوبة، فى الآية ٤٠، وسورة النور، الآيات ١١ - ٢٠, وسورة القصص، الآيات ٣٧ - ٤٠, وسورة التغابن، الآيات ٣ - ٥، وسورة المسد، فى الآيات من ١ - ٥، وكثير غيرها. وعلى أسس هذه الروايات والشروح نشأ نوع منفصل من الدراسات الإسلامية يسمى "أسباب النزول"، وأهم نموذج له هو الكتاب الذى ألفه الواحدى ويحمل العنوان

стр. 8092

نفسه (ت ٤٦٨ هـ - ١٠٧٥/ ١٠٧٦ م) ولا تحاول هذه الدراسات وضع نظام كامل لتحديد تواريخ شتى أجزاء القرآن، بل إنها لا تتطرق إلى جزء يسير من النص القرآنى. ويختلف العلماء مثلًا حول ما إذا كانت أول السور التى نزل الوحى هى سورة العلق أو سورة المدثر (انظر الاتقان، الجزء الأول، صفحة ٢٣ وما بعدها). والواضح أن بعض الروايات المنسوبة فى شروح القرآن لبعض الرواة لا أصل لها، ويستطيع الباحث أن يعرف الأسلوب الذى ربطها به المفردون ببعض الآيات القرآنية، على نحو ما فعل بيركيلاند فى كتابه (The Legend of the Opening of Muhannad's Breast) الصادر فى أسلو عام ١٩٥٥، وفى كتاب آخر له هو (The Lord Guideth, Oslo, ١٩٥٦, ٣٩ - ٥٥) ويحتمل أن عددًا آخر من الروايات تتمتع بالصدق التاريخى، ولكن احتمال الزيادة فيها وارد. وقد أصبحت هذه الروايات، من تاريخية وغير تاريخية بل وأسطورية، مقبولة باعتبارها أساسًا للنظام الذى وضعه المسلمون لتحديد تواريخ نزول القرآن، وكثيرًا ما كان ذلك دون تمييز بينها. وكان اعتبار القرآن مصدرًا أوليًا للقانون الإسلامى (الشريعة) من العوامل المهمة التى أدت إلى وضع ترتيب زمنى للنص. فلم يحاول علماء المسلمين إزالة نقاط الخلاف بين الآيات التى تضع نظم المجتمع الإسلامى عن طريق شرحها أو التوفيق بينها، بل قبل العلماء والفقهاء هذه الاختلافات، قائلين إن آخر آية نزلت فى موضوع ما "تنسخ" ما قبلها أو تلغيه، ومن الأمثلة المتواترة التعاليم القرآنية الخاصة بشرب الخمر، ففى سورة المائدة، تنهى الآية رقم ٩٠ عن شرب الخمر، مما فسّر بأنه تحريم صريح، ومن ثم فهو ينسخ الآية الواردة فى سورة البقرة (٢١٩) والآية الواردة فى سورة النساء (٤٣) واللتين لا تتضمنان، فيما يبدو، مثل هذا التحريم. ولا تستند قاعدة النسخ، أو نظرية النسخ، إلى دعم كبير من النص القرآنى نفسه، إذ إن الآيات التى تقوم عليها، خصوصًا الآية ١٠٦

стр. 8093

من سورة البقرة تشير إلى ما لم يعد موجودًا فى القرآن. ولكن عددًا من الأبحاث التى كتبت فى هذا الموضوع كان لها تأثيرها على تطوير المنهج التقليدى لتاريخ القرآن، إذ أدت إلى انتشار الاعتقاد بصحة الترتيب الزمنى لمجموعات معينة من الآيات الفردية. وانتهى الأمر بوضع قوائم طويلة من الناسخ والمنسوخ من الآيات، بعد أن قام العلماء والفقهاء بمحاولات مضنية لحصر جميع التناقضات الظاهرة، وحاول كل منهم الدفاع عن وجهة نظره، وانتهوا إلى أنه إذا وقع اختلاف بين آيتين أو أكثر، فإن الآية "السابقة" فى النزول تنسخها الآيات التالية لها فى النزول (انظر الاتقان، جـ ٢، ص ٢٠ - ٢٧). وما زاد من تعقيد مهمة تحديد تواريخ أجزاء القرآن والبت فى الترتيب الزمنى لنزولها افتراض أن السور الحالية كانت الوحدات الأصلية للتنزيل، أى إن كل سورة قد نزلت كاملة أو فى خلال فترة زمنية قصيرة، باستثناء بعض آياتها، قبل بداية السورة التالية. وقد أدى هذا الافتراض إلى إطلاق وصف "المكية" أو "المدنية" على كل سورة من السور، وإلى محاولات تحديد الترتيب الزمنى الدقيق لكل سورة باعتبارها وحدة كاملة -بدلًا من دراسة كل قسم على حدة على نحو ما فعل علماء أسباب النزول وعلماء الناسخ والمنسوخ. ولكن القوائم التى أوردها السيوطى للسور، والتى ينسبها إلى ابن عباس (ت ٦٨ هـ - ٦٨٨ م تقريبًا) وإلى قتادة بن دعامة (ت- ١١٢ هـ - ٧٣٠ تقريبًا) وغيرها تدل على أن مدارس هؤلاء العلماء القرآنيين الأوائل لم تتفق على تحديد السور المكية والمدنية، ناهيك بتحديد الترتيب الزمنى الدقيق لها (الاتقان - ١/ ص ١٠ وما بعدها). وتصنيف البيضاوى (ت ٧١٦ هـ - ١٣١٦) يتضمن التقسيم إلى المكى والمدنى والمختلف عليه، وهو يضع ١٧ سورة فى القسم المختلف عليه وهى الرعد، ومحمد، والرحمن، والحديد، والصف، والتغابن، والمطففين، والتين، والقدر، والبينة، والزلزلة، والعاديات، والتكاثر، والماعون، والاخلاص، والفلق، والناس. وتدل

стр. 8094

القوائم التى أوردها السيوطى على وجود خلاف كذلك حول ست سور أخريات هى الحجرات، والجمعة، والمنافقون، والمرسلات، والفجر، والليل. وقد انتهى الأمر بشيوع تقبل الترتيب الزمنى الذى وضعه ابن عباس (فى الكتاب المشار إليه آنفا) وقد استند إليه ناشرو الطبعة المصرية المعتمدة للقرآن، باستثناء تغييرات طفيفة (١٣٢٢ هـ/ ١٩٢٤ م) وذكروا تحت اسم كل سورة اسم السورة التى نزلت قبلها مباشرة، والآيات التى قد تكون قد نزلت فى وقت آخر. وهكذا فإنهم يذكرون تحت اسم سورة إبراهيم أنها مكية، باستثناء الآيتين ٢٨ و ٢٩. المدنيتين وأن عدد آياتها ٣٢ آية، وأنها نزلت بعد سورة نوح. وتورد الطبعة المصرية المعتمدة الترتيب الزمنى التالى للسور، (مع الإشارة إلى الآيات التى قيل إنها نزلت فى وقت مختلف بين أقواس) ٩٦ العلق، ٦٨ القلم (١٧ - ٣٣ و ٤٨ - ٥٠ مدنية)، ٧٣ المزمل (الآية ١٠ وما بعدها والآية ٢٠ مدنية)، ٧٤ المدثر، ١ الفاتحة، ١١١ المسد، ٨١ التكوير، ٨٧ الأعلى، ٩٢ الليل، ٨٩ الفجر، ٩٣ الضحى، ٩٤ الشرح، ١٠٣ العصر، ١٠٠ العاديات، ١٠٨ الكوثر، ١٠٢ التكاثر، ١٠٧ الماعون، ١٠٩ الكافرون، ١٠٥ الفيل، ١١٣ الفلق، ١١٤ الناس، ١١٢ الإخلاص، ٥٣ النجم، ٨٠ عبس، ٩٧ القدر، ٩١ الشمس، ٨٥ البروج، ١٠٦ قريش، ١٠١ القارعة، ٧٥ القيامة، ١٠٤ الهمزة، ٧٧ المرسلات (فيما عدا الآية ٤٨ فهى مدنية)، ٥٠ (فيما عدا الآية ٣٨ فهى مدنية)، ٩٠ البلد، ٨٦ الطارق، ٥٤ القمر (فيما عدا الآيات ٥٤ - ٥٦ فهى مدنية)، ٣٨ ص، ٧ الأعراف (فيما عدا الآيات ١٦٣ - ١٧٠ فهى مدنية)، ٧٢ الجن، ٣٦ يس (فيما عدا الآية ٤٥ فهى مدنية)، ٢٥ الفرقان (فيما عدا الآيات ٦٨ - ٧٠ فهى مدنية)، ٣٥ فاطر، ١٩ مريم (فيما عدا الآيتين ٥٨ و ٧١ المدنيتين)، ٢٠ طه (فيما عدا الآية ١٣٠ وما بعدها فهى مدنية) ٥٦ الواقعة (فيما عدا الآية ٧١ وما بعدها فهى مدنية)، ٢٦ الشعراء (فيما عدا الآية ١٩٧, والآيات ٢٢٤ - ٢٢٧ المدنية (٢٧ النمل، ٢٨ القصص (فيما

стр. 8095

عدا الآيات ٥٢ - ٥٥ المدنية، والآية ٨٥ التى نزلت أثناء الهجرة)، ١٧ الإسراء (فيما عدا الآيات ٢٦، و ٣٢ وما بعدها، و ٥٧ والآيات من ٧٣ - ٨٠ فهى مدنية)، ١٠ يونس (فيما عدا الآيات ٤٠، ومن ٩٤ - ٩٦ المدنية (١١ هود (فيما عدا الآيات ١٢, ١٧, ١١٤ فهى مدنية)، ١٢ يوسف (فيما عدا من ١ - ٣ و ٧ فهى مدنية) ١٥ الحجر، ٦ الأنعام (فيما عدا ٢٠, ٢٣, ٩١, ١١٤, ١٤١, ١٥١ - ١٥٣ المدنية)، ٣٧ الصافات. ٣١ لقمان (فيما عدا ٢٧ - ٢٩ مدنية)، ٣٤ سبأ (فيما عدا الآية ٦ المدنية)، ٣٩ الزمر (فيما عدا ٥٢ - ٥٤ المدنية) ٤٠ غافر (فيما عدا ٥٦ وما بعدها فهى مدنية)، ٤١ فصلت، ٤٢ الشورى (فيما عدا ٢٣ - ٢٥ و ٢٧ فهى مدنية)، ٤٣ الزخرف (فيما عدا الآية ٥٤ المدنية) ٤٤ الدخان، ٤٥ الجاثية (فيما عدا الآية ١٤ المدنية) ٤٦ الأحقاف (فيما عدا الآيات ١٠ و ١٥ و ٣٥ المدنية) ٥١ الذاريات، ٨٨ الغاشية، ١٨ الكهف (فيما عدا الآيات ٢٨, و ٨٣ - ١٠١ المدنية)، ١٦ النحل (فيما عدا ١٢٦ - ١٢٨ المدنية) ٧١ نوح، ١٤ إبراهيم (الآية ٢٨ وما بعدها مدنية) ٢١ الأنبياء، ٢٣ المؤمنون، ٣٢ السجدة (فيما عدا ١٦ - ٢٠ مدنية) ٥٢ الطور، ٦٧ الملك، ٧٠ المعارج، ٧٨ النبأ، ٧٩ النازعات، ٨٢ الانفطار، ٨٤ الانشقاق، ٣٠ الروم (فيما عدا الآية ١٧ فهى مدنية)، ٢٩ العنكبوت (١ - ١١ مدنية)، ٨٣ المطففين نزلت فى الهجرة، ٢ البقرة (٢٨١ نزلت فيما بعد)، ٨ الأنفال (فيما عدا الآيات ٣٠ - ٣٦ المكية)، ٣ آل عمران، ٣٣ الأحزاب, ٦٠ الممتحنة، ٤ النساء , ٩٩ الزلزلة، ٥٧ الحديد، ٤٧ محمد (فيما عدا الآية ١٣ التى نزلت أثناء الهجرة) ١٣ الرعد، ٥٥ الرحمن، ٧٦ الإنسان، ٦٥ الطلاق، ٩٨ البينة، ٥٩ الحشر، ٢٤ النور، ٢٢ الحج، ٦٣ المنافقون، ٥٨ المجادلة، ٥٩ الحشر، ٦٦ التحريم، ٦٤ التغابن، ٦١ الصف، ٦٢ الجمعة، ٤٨ الفتح، ٥ المائدة، ٩ التوبة (فيما عدا الآية ١٢٨ وما بعدها فهى مكية)، ٩٠ البلد. وسورة البقرة هى السورة الوحيدة التى قيل إن بها إضافة لاحقة فى الفترة

стр. 8096

نفسها. أما سورة الأنفال، وسورة التوبة وسورة محمد، وهى جميعًا مدنية، فهى الحالات الوحيدة التى أدرجت فيها آيات سابقة فى سور لاحقة. ويبلغ عدد السور المكية ٨٦ سورة، قيل إن ٣٣ منها تضمن آيات مدنية. والتحديد التقليدى لتاريخ النزول هنا يستند إلى ثلاثة افتراضات: (١) أن السور الحالية هى الوحدات الأصلية للتنزيل، و (٢) أنه من الممكن تحديد ترتيبها الزمنى، و (٣) أن "الأثر" (ويتضمن الحديث، والسيرة، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والتفسير بالمأثور) يعتبر أساسًا متينًا لتحديد تاريخ نزول السور. (ج) التواريخ الغربية الحديثة بدأ العلماء الغربيون منذ منتصف القرن التاسع عشر فى تطبيق المناهج النقدية على القرآن بدرجات متفاوتة واقتراح نظم تآريخ منوعة. أما النظام الذى حظى بأكبر قسط من القبول فهو ما يمكن أن يسمى بمنهج الفترات الأربع الذى وضعه جوستاف فايل Gustau Weil فى كتابه Historisch - Kritische Einleitung in der Koran ١٨٤٤, ١٨٧٨ والذى أعاد فيه تقييم تاريخ نزول القرآن واقترح ترتيبًا زمنيًا. جديدًا للسور يستند إلى ثلاثة معايير (١) الاشارات إلى الأحداث التاريخية المعروفة من المصادر الأخرى، و (٢) تغير طابع التنزيل وفقًا لتغير أحوال الدعوة، و (٣) الشكل أو المظهر الخارجى للتنزيل (الطبعة الأولى، صفحة ٥٤ وما بعدها) وكان أهم ما أسهم به تقسيمه "للسور المكية" إلى ثلاث فئات، بحيث أصبحت فترة نزول القرآن تنقسم فى نظره إلى أربع مراحل، وتقع الخطوط الفاصلة لديه فى الفترات التالية: فى وقت الهجرة إلى الحبشة تقريبًا (نحو عام ٦١٥) وعودة محمد من الطائف (نحو عام ٦٢٠) والهجرة نفسها (سبتمبر ٦٢٢). ومن ثم بدأ تطبيق نظام التأريخ القائم على الفترات الأربع، والمعايير الثلاثة التى وضعها، مع بعض التغييرات فى ترتيب السور، وكان أول من طبقه نولديكى (١٨٦٠) ثم شفالى فى عام ١٩٠٩، ثم بلاشير Blachere فى مقدمته للقرآن الكريم (١٩٤٧ و ١٩٥٩) وترجمته له (١٩٤٩ - ١٩٥٠ و ١٩٦٦)

стр. 8097

وإيضاحًا لأوجه التشابه والاختلاف بين الصور الثلاث لهذا المنهج القائم على الفترات الأربع، ولتسهيل مقارنة هذا المنهج بالنظام، التقليدى للتأريخ، نورد فيما يلى الصور الأوربية الثلاث، دون إشارة إلى الآيات القليلة التى قيل إنها لفترة زمنية سابقة، إلا حيث قام بلاشير بتقسيم سورتين فى الطبعة الأولى لترجمته. وسور الفترة المكية الأولى أو المبكرة تميل إلى القصر، وتمتاز آياتها بالقصر والجرس الايقاعى. وعادة ما تبدأ بسلسلة من أساليب التقسيم، وتوصف لغتها بأنها حافلة "بالصور الشعرية والقوة". وقد افترض فايل أن هذه الخصيصة الأسلوبية تتوارى بالتدريج، ومن ثم فإنه ينسب إلى الفترة الأولى السور التى رأى أنها تتسم بأرفع وأسمى الأساليب الشعرية، إلى جانب السور الأخرى التى تشترك فى الموضوعات نفسها والأسلوب نفسه بصفة عامة. والترتيب الزمنى لسور الفترة الأولى فى الصور الثلاث المشار إليها هو: فايل: العلق، المدثر، المزمل، قريش، المسد، النجم، التكوير، القلم، الأعلى، الليل، الفجر، الضحى، الشرح، العصر، العاديات، الكوثر، التكاثر، الماعون، الكافرون، الفيل، الفلق، الناس، الإخلاص، عبس، القدر، الشمس، البروج، البلد، التين، القارعة، القيامة، الهمزة، المرسلات، الطارق، المعارج، النبأ، النازعات, الانفطار، الانشقاق، الواقعة، الغاشية، الطور، الحاقة، المطففين، الزلزلة. نولديكى: العلق، المدثر، المسد، قريش، الكوثر، الهمزة، الماعون، التكاثر، الفيل، الليل، البلد، الشرح، الضحى، القدر، الطارق، الشمس، عبس، القلم، الأعلى، التين، العصر، البروج، المزمل، القارعة، الزلزلة، الانفطار، التكوير، النجم، الانشقاق، العاديات، النازعات، المرسلات، النبأ، الغاشية، الفجر، القيامة، المطففين، الحاقة، الذاريات، الطور، الواقعة، المعارج، الرحمن، الاخلاص، الكافرون، الفلق، الناس، الفاتحة.

стр. 8098

بلاشير: العلق (١ - ٥)، المدثر (١ - ٧)، قريش، الضحى، الشرح، العصر، الشمس، الماعون، الطارق، التين، الزلزلة، القارعة، العاديات، الليل، الانفطار، الأعلى، عبس، التكوير، الانشقاق، النازعات، الغاشية، الطور، الواقعة، الحاقة، المرسلات، النبأ، القيامة، الرحمن، القدر، النجم، التكاثر، العلق (٦ - ١٩)، المعارج، المزمل، الإنسان، المطففين، المدثر (٧ - ٥٥)، المسد، الكوثر، الهمزة، البلد، الفيل، الفجر، الإخلاص، الكافرون، الفاتحة، الفلق، الناس. أما السور التى ئزلت فى الفترة المكية الثانية أو الوسطى فهى أطول وأسلوبها "أقرب إلى النثر" وإن كانت تتسم أيضًا ببعض الصفات "الشعرية"، بمعنى أن أسلوبها يمثل مرحلة انتقالية. بين المرحلة الأولى والمرحلة الثالثة. وهى تؤكد آيات اللَّه فى الطبيعة، وصفات الخالق مثل الرحمة، وكثيرًا ما يشار فى هذه الآيات إلى البارئ باسم الرحمن. وتتضمن هذه الآيات وصفًا للجنة، والنار، وتروى أيضًا قصص العقاب" وهذه السور هى: فايل: الفاتحة، الذاريات، يس، ق، القمر، الدخان، مريم، طه، الأنبياء، المؤمنون، الفرقان، الشعراء، الملك، الصافات، ص، الزخرف، نوح، الرحمن، الحجر، الإنسان. نولديكى وبلاشير: (الذاريات)، القمر، القلم، الصافات، نوح، الإنسان، الدخان، ق، طه، الشعراء، الحجر، مريم، ص، يس، الزخرف، الجن، الملك، المؤمنون، الأنبياء، الفرقان، الإسراء، النمل، الكهف. وتتميز سور الفترة المكية التالثة أو الأخيرة بالمزيد من الطول وزيادة الاقتراب عن الطابع النثرى، يقول فايل إن "الخصيصة الشعرية" قد توارت تمامًا. وأسلوب التنزيل فى هذه الفترة كثيرًا ما يتخذ شكل المواعظ أو الخطب، وتعيد الآيات رواية قصص الأنبياء وقصص العقاب بالمزيد من التفصيلات.

стр. 8099

ويؤكد نولديكى التغييرات التى طرأت على الألفاظ، رغم التشابه الشكلى بين السور المكية الأخيرة والسور المدنية. وسور الفترة الثالثة هى: فايل: الأعراف، الجن، فاطر، النمل، القصص، الإسراء، يونس، هود، يوسف، الأنعام، لقمان، سبأ، الزمر، غافر، السجدة، الشورى، الجاثية، الأحقاف، الكهف، النمل، إبراهيم، فصلت، الروم، العنكبوت، الرعد، التغابن. نولديكى وبلاشير: السجدة، فصلت الجاثية، الإسراء، النمل، الروم، هود، إبراهيم، يوسف، غافر، القصص، الزمر، العنكبوت، لقمان، الشورى، يونس، سبأ، فاطر، الأعراف، الأحقاف، الأنعام، الرعد. أما العوامل التى تحدد السور المدنية وترتيبها الزمنى فتتضمن موضوعات السور، التى تبين مدى نمو السلطة السياسية للرسول الكريم، والتطور العام للأحداث فى المدينة بعد الهجرة. وقد قيل إن بعض الموضوعات الجديدة والمصطلحات الأساسية تساعد على تمييز هذه السور من بعض السور التى أنزلت فى الفترة المكية الأخيرة. والسور المدنية هى: فايل: البقرة، البينة، الجمعة، الطلاق، الحج، النساء، الأنفال، محمد، الحديد، آل عمران، الحشر، النور، المنافقون، الأحزاب، الفتح، النصر، الصف، الممتحنة، المجادلة، الحجرات، التحريم، التوبة، المائدة. نولديكى وبلاشير: البقرة، البينة، التغابن، الجمعة، الأنفال، محمد، آل عمران، الصف، الحديد، النساء، الطلاق، الحشر، الأحزاب، المنافقون، النور، المجادلة، الحج، الفتح، التحريم، الممتحنة، النصر، الحجرات، التوبة، المائدة. ونرى فى هذا كله اعتمادًا مفرطًا على نظام التأريخ الإسلامى التقليدى، وعلى المسائل المتعلقة بالشكل والأسلوب. فعلى سبيل المثال نجد أن

стр. 8100

فايل يضع السور الأربع والثلاثين الأولى فى المرحلة المكية الأولى فى نفس الترتيب الذى وضعه علماء المسلمين، باستثنناءات قليلة جدًا (انظر القائمة المصرية أعلاه) ثم قال فايل إن هذه الفترة تنتهى بإحدى عشرة سورة تتسم "بالأسلوب الشعرى" وإن كان علماء المسلمين يقولون إنها نزلت بعد ذلك بفترة طويلة. والواقع أن كلا من فايل ونولديكى وبلاشير قد قبلوا الافتراضات الثلاثة التى يقوم عليها نظام التأريخ الإسلامى التقليدى المشار إليها آنفًا. ولا يعدو منهج الفترات الأربع أن يكون صورة أوربية معدلة للنظام التقليدى. أما فيما يتعلق بالأسلوب، فلا شك أن هناك تغييرات أسلوبية على مر السنين فى كتاب اللَّه ولكن ذلك ليس سببًا لافتراض أن جميع السور التى تشترك فى الأسلوب نفسه تنتمى إلى الفترة الزمنية نفسها. ولقد عجز منهج الفترات الأربع عن إثبات صحة الإطار التاريخى أو تطور الأفكار والمصطلحات الأساسية التى يفترض وجودها، ولقد تقبل الغرب هنا المنهج على نطاق واسع وبثقة أكبر مما تستدعيه نتائجه. وعلينا أن نؤكد أيضًا أن الآخرين كثيرًا ما يطبقون هذا المنهج تطبيقًا يفتقر إلى المرونة التى كان واضعاه يرميان إليها، وهما فايل ونولديكى، بحيث انتهوا إلى تحديد الترتيب الزمنى الصارم للعديد من الآيات، أو العدد المحدد لمرات ورود مصطلح أساسى فى كل فترة من الفترات. وقد أكد شتالى، بوجه خاص، أن النظام الذى اقترحه نولديكى تقريبى وحسب. وقد اقترح الأوربيون ثلاثة مناهج لتحديد تواريخ نزول الوحى بالآيات والسور، وذلك فى غضون سنوات عشر فى مطلع القرن العشرين تقريبًا، فكان منهج هـ. جريم H. Grimme يتضمن المزيد من التأكيد على المراحل التى مرت بها موضوعات التنزيل، ولو أن منهجه كان فى الواقع يستند على أساس منهج نولديكى مع تعديلات طفيفة فيه. إذ قام فى كتابه محمد (١٨٩٢ - ١٨٩٥) بتحليل مجموعات الأفكار التى يأتى بها القرآن مجتمعة،

стр. 8101

وهو تحليل مفيد، ولكن نظرته تفترض ترتيبًا شاملًا للأفكار (التوحيد والبعث واليوم الآخر وما إلى ذلك بسبيل) لم يحظ بالقبول على نطاق واسع بل لقد هاجمه العلماء وأثبتوا خطأه. أما السير ويليام ميور Sir william Muire فقد اقترح فى كتابه القرآن: تنزيله وتعاليمه (١٨٩٦) ترتيب السور فى ست مراحل، خمس منها مكية وواحدة مدنية. أما التجديد المهم الذى أتى به فهو رأيه أن الفترة الأولى لنزول القرآن تضمنت نزول الوحى بثمانى عشرة سورة، وتبدأ من قبل أن تبدأ بعثة الرسول، وهى السور التالية: العصر، والعاديات، والزلزلة، والشمس، وقريش، والفاتحة، والقارعة، والتين، والتكاثر، والهمزة، والانفطار، والليل، والفيل، والفجر، والبلد، والضحى، والشرح، والكوثر. وأوضح ميور أن هذه السور لا تتخذ شكل الرسالة المرسلة من اللَّه ، أما الفترة الثانية فتضم أربع سور (هى العلق، والفلق، والمدثر، والمسد) وهى تتناول بداية بعثة محمد [ ﷺ ] وذلك فى نحو عام ٦١٠ تقريبًا. أما الخطوط الفاصلة الأخرى فهى بداية جهر محمد [ ﷺ ] بالدعوة (فى عام ٦١٣ تقريبًا) والهجرة إلى الحبشة (نحو عام ٦١٥) وعام الحزن (٦١٩ تقريبًا) والهجرة. ولاشك أن ميور مصيب فى القول بأن ثمة سورًا سبقت نزول سورة "العلق" و"المدثر" ولكن "الفاتحة" وغيرها مما يضعه فى الفترة الأولى لم ينزل بها الوحى إلا فى وقت لاحق، وذلك يكاد يكون أمرًا مؤكدًا. وبصفة عامة فإن الانتقادات التى وجهت إلى نظرية الفترات الأربع تصدق على منهج السير ويليام ميور أيضًا. وفى عام ١٩٠٢ أصدر هـ. هيرشفيلد H. Hirschfeld كتابًا بعنوان "أبحاث جديدة" يقترح فيه ترتيب سور القرآن زمنيًا استنادًا إلى طبيعة الآيات والمهام المنوطة بها، كلًا على حدة. ويقول هيرشفيلد إن "الدعوة الأولى" فى سورة العلق (الآيات من ١ - ٥) تتلوها ست فترات يمكن تصنيف التنزيل فيها إلى آيات ذات نبرات "تاكيدية" (مثل سورة الأعلى، والآيات ١ - ٣٣ من سورة القلم، وسورة الليل، والآيات ٤٠ - ٥٢ من سورة

стр. 8102

الحاقة، أو نبرات "إشهارية" (مثل سور التكوير، والانفطار، والانشقاق وغيرها) أو "سردية" كالآيات ٣٤ - ٥٢ من سورة القلم، أو مثل سورة الذاريات، والآيات (١ - ٢٢٠ من سورة الشعراء وسورة القمر وغيرها) أو "وصفية" (مثل الآيات ٢٦ - ٢٧ من سورة النازعات، وسورة نوح، والرحمن وغيرها) أو "تشريعية" مثل سورة الأنعام والآيات من ٩ - ١١ من سورة الضحى والآيات ٦٣ - ٧٢ من سورة الفرقان) ثم تتلو ذلك السور المدنية التى يضعها معًا ولكنه يناقش كلا منها على حدة، بعد تقسيمها إلى السور التى سبقت غزوة بدر، وما يسمى بالقول أو الخطاب السياسى، والآيات المنزلة الخاصة بالحياة الشخصية للرسول، والاستعدادات للحج إلى مكة. وتشوب هذا المنهج عيوب واضحة، ولكن جهود هيرشفيلد تدين بقيمتها إلى تحليله المبدئى للأنماط الأدبية فى القرآن الكريم، وإدراكه أننا يجب أن ننظر إلى القرآن عند محاولة تحديد تاريخ نزوله باعتباره آيات أو مجموعات من الآيات لا باعتباره سورًا كاملة ينفصل بعضها عن بعض. وكانت هذه النظرة هى التى اهتدى بها ريتشارد بيل Richard Be فى محاولته الاستقصائية المستفيضة لتحديد "وحدات التنزيل" الأصلية وتحديد تواريخ نزولها. وقد سجل تلك المحاولة فى كتابه الذى يحمل عنوان: ترجمة القرآن، مع إعادة تنظيم السور على أسس نقدية (١٩٣٧ - ١٩٣٩) وكان قد اقتنع قبل ذلك بما يزيد على عشر سنوات بأن نظام نولديكى يتسم بالقصور. وقد أدى التحليل الذى قام به بيل للقرآن آية آية إلى التوصل إلى نتيجة مهمة وهو أن السور أشد تعقيدًا وتركيبًا مما افترضته النظم الإسلامية والأوربية الأولى لتحديد تواريخ نزولها. ولم يقدم بيل نظامًا صارمًا لتحديد التواريخ بل انتهى "بصورة مؤقتة" إلى أن فترة نزول القرآن يمكن تقسيمها إلى ثلاث فترات رئيسية، الأولى هى فترة نزول آيات التدليل على وجود اللَّه والحث على

стр. 8103

عبادته، تتلوها ما يسميه "بالفترة القرآنية" والتى تشمل الفترة المكية الأخيرة وعاما أو عامين من الفترة المدنية و"فترة الكتاب" وهى التى تبدأ فى نحو السنة الثانية من الهجرة حتى وفاة الرسول [ ﷺ ]. وحاول بيل فى ذلك الكتاب تحديد تاريخ نزول كل آية، مهما كان موقعها من السور. وقد اختلف الكثيرون مع منهج بيل، بل ربما أساءوا فهمه أو تجاهلوا جهوده لأن المذكرات المستفيضة التى كتبها لم تنشر حتى الآن. وقد تحفظ الكثيرون على ملاحظاته الخاصة بما يبدو من انعدام الترابط بين الآيات بعضها والبعض، بل هاجمه واط W. M. Watt وأنكر افتراضاته وما تخيله من أساليب نسخ النساخ للنص القرآنى، ويبدو لنا أن بيل قد تسرع فى إصدار أحكامه، ولم يكن ملمًا الإلمام الكافى بالصيغ الأدبية العربية، وخصوصًا البلاغة العربية التى ما يزال النص القرآنى مثلها الأعلى، ولذلك لم يكن من تجاهلوه أو هاجموه متجنين عليه. وما تزال قضية تحديد تواريخ نزول الآيات مثار خلاف، إذ يبدو أن التقسيم التقليدى إلى المكى والمدنى لا يكفى، ريبدو أن الهجرة لم تكن الخط الفاصل الذى يمكننا الاعتماد عليه فى تحديد التواريخ، بل يبدو أن الحد التاريخى الفاصل كان مجموعة من الأحداث المحيطة بغزوة بدر، وما حدث بعد ذلك من خيانة اليهود للعهد وما يسمى "بالخصومة مع اليهود" نتيجة لذلك. والواقع أنه من أصعب الأمور التفريق بين الآيات التى نزلت فى الفترة المكية الأخيرة وأوائل الفترة المدنية، ولدينا آيات كثيرة يمكن أن ترجع إلى العام الأخير للرسول [ ﷺ ] فى مكة أو عامه الأول فى المدينة. ٦ - لغة القرآن وأسلوبه (أ) لغة القرآن كان معظم علماء المسلمين فى العصور الوسطى يعتقدون أن القرآن نزل بلغة قريش، أى باللغة التى كان النبى [ ﷺ ] يتكلمها، وأنها كانت أيضًا اللغة المستعملة فى شعر "العربية

стр. 8104

الفصحى" فى عهد محمد [ ﷺ ]. وكان يُفترض أن قريشًا وشعراء الفصحى كانوا ما يزالون يستخدمون اللغة النقية للبدو أى للأعراب. وقد وجد العلماء دعمًا لهذه النظرية فى القرآن الكريم نفسه الذى يقول فى سورة النحل ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (الآية ١٠٣) وفى سورة الشعراء إنه أنزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١٩٥) وفى سورة فصلت إنه قرآن "عربى" (الآية ٤٤) وهى الآيات التى فسرها المفسرون بأن لغة القرآن هى العربية النقية، وهو تفسير أقرب للنظرة الدينية منه إلى النظرة اللغوية. وقد تعرضت نظرية لغة قريش المذكورة للانتقاد من جانب كارل فولرز Farl Vollers فى سلسلة من المقالات الموثقة، بدأ نشرها عام ١٨٩٤ بعنوان Volkssprache und schriftsprache in alten Arabien (أى لغة الكلام واللغة المكتوبة فى بلاد العرب القديمة) وانتهى من نشرها عام ١٩٠٦، وهو يقول فيها إن محمدًا ﷺ كان يقرأ القرآن فى أول الأمر بلهجة عامية (أى بلغة الكلام) دون إعراب (مما يميز بينها وبين الفصحى التى يستخدمها الشعراء العرب) وإن لغة القرآن كما نعرفها الآن قد ضبطها علماء اللغة المتأخرون الذين حاولوا إضفاء الطابع الكلاسيكى عليها، وأن لغة القرآن (المنطوقة) الأصلية لا تظهر إلا فى بعض الخصائص المميزة لرسم المصحف، (مثل حذف الألف فى بعض الكلمات) وفى بعض القراءات غير المعتمدة. وقد أثارت نظرية فولرز مناقشات كثيرة للغة القرآن، ولكنها لم تحظ بالتأييد خارج ألمانيا، باستثناء عدة مقالات نشرها بول كالى Paul Kahle عام ١٩٤٩ تتضمن أدلة على أن القرآن كان يقرأ، على الأقل خلال القرن الثانى للهجرة، دون إعراب، وهى خصيصة من خصائص العامية. وقد عجز كالى أيضًا عن إقناع الآخرين. بحجته، وانتهى العلماء إلى تقبل الأدلة التى تثبت خطأ نظرية فولرز وكالى، والتى عرضت عرضًا مسهبًا فى العرض الذى قام به ر. غاير R.Geyer (عام ١٩٠٩) ونولديكى. وأقام نولديكى وشفالى الحجة على عكس ما ذهب إليه فولرز، إذا أثبتا أن لغة القرآن لم تكن لغة

стр. 8105

الحديث المنطوقة لأى قبيلة من القبائل، بل لغة رفيعة Hachsprache تفهمها جميع قبائل الحجاز. واتفق العلماء، من ناحية أخرى، وبصفة عامة على أن اللغة الفصحى المستخدمة فى الشعر الذى كتب فى عصر محمد ﷺ لم تكن اللغة المنطوقة للشعراء، ولا لهجة خاصة بأى قبيلة من القبائل، بل لغة أدبية تفهمها جميع القبائل، وقد أصبح يطلق على هذه اللغة "الصيغة الشعرية المشتركة" أو العربية. وقد انتهى ثلاثة من الكتاب الأوربيين فى أواخر الأربعينيات من هذا القرن، بعد بحوث قام بها كل منهم على حدة فيما يبدو، وهم هـ. فلايش H. Fleisch ور. بلاشير R. Biaachere وس. رابين Rabin إلى أن لغة القرآن كانت أبعد ما تكون عن اللهجة المنطوقة لقريش، أو اللغة الرفيعة للحجاز كله، بل كانت "صيغة شعرية مشتركة" للشعر العربى الفصيح، مع تحويرات طفيفة لتلائم اللغة المكية مثل حذف الهمزة من بعض الكلمات. وقد حظى هذا الرأى بقبول معظم الباحثين الغربيين المتخصصين فى اللغة العربية. وأهم استثناء هو ج. وانزبره J. wansborough الذى يعارض هذا الرأى دون تقديم بدائل واضحة. فهو يزعم أنه من المحال معرفة كل شئ عن النص القرآنى أو العربية الفصحى قبل "الاستقرار الأدبى" الذى شهده القرن الثالث الهجرى. ولا يوجد فى استعمال القرآن لصفة "العربى" ومشتقاتها ما يؤكد ما اقترحه ج. فيك J. Fuck من أن كلمة "العربى" فى عبارة ﴿لِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ تشير إلى مصطلح "العربية" أو اللغة الأدبية للأعراب (البدو). (ب) الكلمات الدخيلة: لم يجد المفسرون الأوائل حرجًا فى الإقرار بوجود عدد كبير من الكلمات الدخيلة فى القرآن أو فى مناقشتها، وقد جاء فى الأثر أن ابن عباس ومن لَفّ لفَّه كانوا يبدون اهتمامًا خاصًا برصد أصولها وتحديد معانيها. لكنه بعد ظهور المبدأ القائل بأن القرآن قديم ويتسم بالكمال، اتجه عدد من الفقهاء وعلماء الإلهيات، مثل الإمام الشافعى رضى اللَّه عنه، (ت ٢٠٥ هـ/ ٨٢٠ م)

стр. 8106

إلى الاعتقاد بأن لغة القرآن عربية "نقية" ومن ثم إلى إنكار وجود أية كلمات معارة من لغات أخرى. ولكن عددًا من كبار علماء اللغة مثل أبى عبيد (ت ٢٢٤ هـ/ ٨٣٨ م) لم يكفوا عن القول بوجود كلمات دخيلة فى القرآن. وقد حاول الطبرى (ت ٣ هـ/ ٩٢٣ م.) وغيره التوفيق بين المذهبين، فقال إن العناصر الأجنبية المزعومة فى القرآن لا تزيد على كونها كلمات تشترك العربية فيها مع لغات أخرى. أما عبد الرحمن الثعالبى (ت ٨٧٣ هـ/ ١٤٦٨ م) فقد أوضح فى كتاب الجواهر (المنشور فى الجزائر عام ١٩٠٥، الجزء الأول، ص ١٧) أن هذه الكلمات دخلت اللغة العربية عن طريق اتصال العرب باللغات الأجنبية أثناء أسفارهم وتجارتهم، ولكن هذه الكلمات كان قد اكتمل تعريبها تمامًا فى وقت بعثة النبى ﷺ . ويبدو أن عددًا من الباحثين قد تحرروا تمامًا من الاعتبارات الدينية فى بحث هذا الموضوع مثل السيوطى (ت ٩١١ هـ/ ١٥٠٥ م) الذى أبدى اهتمامًا خاصًا بالكلمات الدخيلة فى القرآن، إذ يخصص فصلًا فى كتابه الإتقان للكلمات التى ليست بلغة الحجاز (الجزء الأول - ص ١٣٣ - ١٣٥) وفصلًا للكلمات التى ليست بلغة العرب. (١٤٣٥ - ١٤١) وفى دراسة مستقلة (المتوكلى) التى حررها وترجمها وليام ى. بيل (١٩٢٤ Wm.y. Bell, cairs) يقدم تصنيفا لعدد كبير من الألفاظ باعتبارها كلمات مستعارة من اللغة الإثيوبية والفارسية. واليونانية، والهندية، والسريانية، والعبرية، والنبطية، والقبطية، والتركية، والزنجية، والبربرية. ويبدى جيفرى Jeffery دهشته لقيام السيوطى بتجميع عدد كبير من الكلمات، استنادًا إلى المراجع القديمة من الثقات، وهى "كلمات أصولها العربية واضحة لنا، ولو أنهم كانوا يعتبرونها أجنبية" ويقول إن بعض هذه الكلمات تعتبر فحسب من الكلمات العربية النادرة، والبعض الآخر لا يزيد عن كونه مشتقات يستخدمها القرآن للحفاظ على السجع. وينتهى من ذلك إلى القول بأن العناصر الدخيلة فى ألفاظ القرآن تنقسم إلى ثلاثة أقسام متباعدة. الأول هو الكلمات

стр. 8107

التى تعتبر غير عربية على الإطلاق ومن المحال ردها إلى جذور عربية مثل استبرق (الديباج الغليظ) والزنجبيل والفردوس. والثانى يضم كلمات سامية، جذورها الثلاثية عربية، ولكنها تستخدم فى القرآن بالمعنى الذى تدل عليه فى لغات أخرى غير عربية مثل "فاطر" (خالق) وصوامع (بيوت العبادة النصرانية)، ودرس (تفقه الكتب المقدسة). والثالثه الكلمات الأصيلة فى العوبية والشائعة فيها، ولكنها تستخدم فى القرآن لتدل على معانٍ فنية أو لاهوتية تأثرًا باللغات الأخرى مثل نور (ضوء) الكلمة المستخدمة بمعنى الدين، والروح، خصوصا روح القُدُس والكلمة (عندما يشير ذلك اللفظ إلى المسيح ﵇ صفحة ٣٩ وما بعدها). وينتقل جيفرى إلى مناقشة نحو ٢٧٥ كلمة، بخلاف أسماء الأعلام، التى اعتبرها العلماء كلمات أجنبية، ويورد ملخصا لآراء الباحثين الأوربيين عن أصولها، معربًا أحيانًا عن آرائه الشخصية فى الموضوع -وقد صدرت بعد ذلك دراسات أخرى منها دراستان مهمتان الأولى هى التى قام بها ل. كوبف L. KOPF وعنوانها المؤثرات الدينية فى فقه اللغة العربية فى العصور الوسطى والمنشورة فى مجلة الدراسات الإسلامية، الجزء الخامس عام ١٩٥٦ والأخرى دراسته المسماة النظرة إلى الكلمات الأجنبية فى المعاجم العربية فى العصور الوسطى. (١٩٦١) وقد أعاد كوبف نشر الدراستين فى كتاب أصدره عام ١٩٧٦ بعنوان دراسات فى المعاجم العربية والعبرية: studies in ardin and hebren lexicogrephy, jerusalen, ١٩٧٦ (ج) السجع والتكرار من الملامح المميزة للأسلوب القرآنى، والتى ترتبط ارتباطًا بالتراث الشفاهى للغة العربية، وبالدور المنوط بالقرآن الكريم فى الشعائر الدينية، هو أنه مكتوب بالنثر المسجوع أو الذى تمتاز أصوات ألفاظه بالتوافق الصوتى. ولا يحاول القرآن مطلقًا إخراج قواف

стр. 8108

محكمة مثل قوافى الشعر العربى، ولو أن بعض قصار السور، وبعض أجزاء السور الطويلة، تتحلى بقافية متسقة إلى حد بعيد، إذا وقف القارئ بالتسكين عند نهاية كل منها أى إذا تجاهل حركات الإعراب القصيرة فى نهاية الآيات. فنجد مثلًا أن الآيات الثلاث التى تتكون منها سورة الكوثر تنتهى بحرف الراء الذى يمكن اعتباره الروىّ إذا وضعنا السكون عليه، وقس على ذلك الآيات الأربع لسورة الإخلاص التى تنتهى بالدال، وسورة الفيل التى تنتهى باللام المسبوقة بياء فى أربع من آياتها والمسبوقة بواو فى الخامسة، وسورة المسد التى تنتهى بالباء، باستثناء الآية الأخيرة التى تنتهى بالدال، وسورة القمر التى تنتهى آياتها الخمس بالراء أو الراء المشدودة، التى تسبقها حركة قصيرة. ولكن معظم السور تتميز بلون غير صارم من السجع أو التوافق الصوتى للألفاظ. وأكثر صور هذا التوافق على الإطلاق هو الياء والنون أو الواو والنون، وهما وحدتان صوتيتان يعتبرهما العلماء من الوحدات التى يجوز استعمالها بالتبادل، والوحدتان تنشآن من نهايات الجمع للأسماء والأفعال. ولكننا نجد أن هذه النهايات نفسها، وهى كثيرة الشيوع فى العربية، كثيرًا ما يدخل عليها التعديل حين تسبقها حروف ساكنة منوعة. وقس على ذلك ضروب أخرى من نهايات الكلمات التى استوفاها الباحثون وحددها السيوطى فى كتابه الإتقان (جـ ٢ - ٩٦ - ١٠٥) بأشكال صرفية معينة لألفاظ اللغة العربية، وأحدث بحث فى تأثير السجع على البناء القرآنى العظيم هو الذى كتبه ف. ر. مولر f.r. muller بالألمانية عام ١٩٦٩ بعنوان بحث فى النثر المسجوع فى القرآن وعنوانه بالألمانية هو: wntersuchungen zur reimprasa in koran وقد ذهب البعض إلى المغالاة فى تقدير قيمة الدور الذى يضطلع به السجع فى القرآن، ولكن الذين يقولون إن القرآن ليس كتابا مسجوعا يقيمون حجتهم على أسس أشد صلابة. فلا شك أن بعض قصار السور تتضمن آيات قصيرة، ذات جرس إيقاعى، وذات

стр. 8109

سجع جميل، وعادة ما تبدأ بلون من ألوان القسم (مثل سورة البلد والشمس والليل) كما أن بعض أجزاء السور الأطول قليلًا، مثل بدايات سورة القيامة، وسورة الانفطار، وسورة المطففين، وسورة الانشقاق، وسورة البروج، يمكن وصفها بأنها "تشبه السجع" ولكن معظم السور تتضمن آيات طويلة منثورة لا يشغل السجع فيها إلا مكانًا ثانويًا، ويصدق ذلك أيضًا على التوافق الصوتى بين أصوات الألفاظ. وأحيانًا ما ينبع السجع بصورة طبيعية من الكلمات التى لا غنى عنها للمعنى وتعتبر جزءًا لا يتجزأ منه، وهى تشهد على إحكام التنزيل وعظمته، مثل السجع فى سورة الكهف، وسورة مريم، وسورة طه. ولكن بعض السور الأخرى، خصوصًا السور المدنية، نجد أن السجع فيها يرجع إلى صيغ ثابتة ملحقة بأواخر الآيات. فالسجع فى سورة البقرة مثلًا، وهى أطول سور القرآن، يميز نحو ثلاثة أرباع آياتها التى تبلغ ٢٨٦ آية، وهو يرجع إلى أسماء اللَّه الحسنى والحكم وما إلى ذلك بسبيل. ففى الآيات من ١٢٧ - ٢٦٨ ينشأ السجع من اسمين مقترنين من أسماء اللَّه الحسنى فى ثلاثين آية وذلك مثل: سميع عليم (سبع مرات) وعزيز حكيم (ست مرات) وغفور رحيم (ست مرات) وهلم جرّا. وتتردد الحكم الإلهية على نطاق أوسع، وكثيرًا ما تتكرر عدة مرات: مثل ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (الآيات ٧٤ , و ٤٠, ١٤٤, و ١٤٩ وغيرها) ومثل ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (الآيات ١١٠ و ٢٣٣, ٢٣٧, و ٢٦٥ وغيرها) ومثل ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الآيات ٢٩، و ٢٣١, ٢٨٢) ومثل ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الآيات ٢٠, ١٠٦, ٢٥٩, و ٢٨٤ غيرها). ومن الأنواع الخاصة لصيغ السجع التى تصادفنا فى كثير من السور هو ما يسمى "بالقرار" أى تكرار آية كاملة أو أكثر من آية، دون أى تعديل، والملاحظ أن الفواصل التى تفصل بينها متساوية فى الطول تقريبًا. وأروع مثل على ذلك هو تكرار السؤال الإنكارى (البلاغى) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فى سورة الرحمن أولًا فى الآيات ١٣،

стр. 8110

و ١٦ و ١٨، و ٢١ ثم تقريبًا بعد كل آية حتى نهاية السورة بالآية ٧٨، ومثل الآية ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ التى تتكرر فى سورة المرسلات فى الآيات ١٥، و ١٩, و ٢٤, و ٢٨, و ٣٤, و ٣٧, و ٤٠, و ٤٥، و ٤٧، و ٤٩. وقد اختلف المفسرون فى "وظيفة" القرار إذ يقول بيل إنه يعتبر مقدمة للآية التالية، بينما يذهب آربرى إلى أنه ختام للآية السابقة، خصوصًا فيما يسمى بقصص العقاب السبع الواردة فى سورة الشعراء إذ تنتهى كل منها بالآية ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٨, و ٦٧, و ١٠٣, و ١٢١, و ١٣٩, و ١٥٨, و ١٧٤, و ١٩٠) وكذلك الآية ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٩, ٦٨، و ١٠٤, و ١٢٢, و ١٤٠, و ١٥٩, و ١٧٥, و ١٩١) ويبدو أن كُلا منها يمثل قرارًا منفصلًا، وإن كانت الآية الأخيرة تأتى دائمًا عقب الأولى. ويكثر ورود صيغ مماثلة فى القرآن، وإن لم تكن عادة على شكل قرار، وقد تعرض البعض مثل بيل وواط لمناقشة احتمال وجود مقطوعات متكاملة تتسم بوجود القوافى الداخلية فى القرآن، ولكن تلك أحكام أدبية لا تستند إلى الأدلة العلمية الصلبة. د- النظام الشكلى وتعدد الروايات والنموذجان الأخيران من "القرار" تتميز بهما القصص التى تشترك فى خصيصة أخرى من خصائص الأسلوب القرآنى، وهى النظام الشكلى، ومعناه تكرار آيات معينة أو صيغ محددة تُنسج نسجًا فى القصة بحيث تخرج لنا نمطًا منتظمًا يتكرر فى قصص مختلفة يقدمها لنا القرآن الكريم باعتبارها مجموعة متسقة. ويوجد نموذج صادق لأحد أنواع النظم الشكلية فى سورة الشعراء، حيث تتسم خمس قصص من "قصص العقاب" بمقدمة من خمس آيات، إلى جانب القرار المذكور آنفًا، والآيات المكررة الأخرى. وتقول مقدمة القصة الأولى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩)﴾ (١٠٥ - ١٠٩) أما الفارق الوحيد بين هذه

стр. 8111

المقدمة وبين الآيات التى تقدم الروايات الأربع التالية فهو اختلاف اسم الشعب (عاد، وثمود الخ) واسم النبى (هود، وصالح، ولوط. . الخ). ونجد نوعًا آخر من النظام الشكلى فى سورة الأعراف، إذ نجد فيها صورًا أخرى لقصص العذاب الخمس نفسها، حيث يتكرر نحو ثلثى قصة نوح التى وردت فى غضون قصة هود (وتتكرر نسبة قليلة منها فى القصص الأخرى) ولكن الأجزاء المكررة تتخللها جُمل وعبارات وكلمات مفردة تتميز بها كل قصة عن الأخرى. وإيضاحًا لذلك نورد قصة نوح، على نحو ما وردت فى سورة الأعراف أولًا. ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾. وها هى ثانيًا بداية القصة فى سورة هود: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨) وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩)﴾. وتتكرر بعض آيات من قصة نوح وقصة هود فى غضون قصص صالح ولوط وشعيب. وتتميز هذه الروايات المتوازية فى القرآن بنوع واحد من أنواع هذا النظام الشكلى، وتترتب على مدى التكرار فى هذه الروايات المتوازية

стр. 8112

نتيجة مهمة ولازمة لتفهم طبيعتها والغرض منها، ومن ذلك على سبيل المثال أن يقصد منها ليس تقديم روايات تاريخية وحسب. ويتجلى فى هذه المجموعات من "قصص العقاب" فى القرآن أحد الملامح القرآنية البارزة، وهو العلاقات المركبة (بل والمعقدة) فيما بين الروايات المتعددة للقصة نفسها، وفيما بين القصص بعضها والبعض. فكثير من القصص تتكرر بصور مختلفة فى سورتين أو أكثر، وتتفاوت هذه الروايات المتعددة للقصة نفسها لا فى الطول والتفاصيل فحسب بل أيضًا فى الهدف منها وعلاقتها بالقصص الأخرى. فعلى سبيل المثال توجد روايات مختلفة لقصص العذاب أو إشارات موجزة إليها فى ١٦ سورة مختلفة، فتوجد روايات أطول لقصص نوح وهود وصالح ولوط فى سورة القمر، وسورة الشعراء وسورة الأعراف وسورة هود، والقصص الثلاث الأولى تروى كذلك فى سورة الفرقان، وفى سورة الذاريات، وسورة النجم، ويشار إليها فى سورة التوبة، وسورة إبراهيم، وسورة العنكبوت، وتروى كل منها على حدة فى سور أخرى فى هذه. وتوجد روايتان لقصة لوط وعقاب قومه، الأولى فى سورة القمر وسورة الشعراء وسورة الأعراف (وهى الرواية المشار إليها آنفًا) وفى سورة النمل وسورة ص، والثانية التى تتضمن زيارة رسل السماء فى سورة الحجر. ثم يعود القرآن المجيد إلى رواية القصة نفسها، فيقدم الرواية الأولى والرواية الثانية معًا بحيث لا يفصل بينهما إلا صورة مختصرة لقصة إبراهيم الخليل، وهى التى سبق أن وردت بصورة أطول فى سورة الذاريات، وفى سورة الحجر، وفى سورة هود. ويصدق ذلك أيضًا على قصص الخلق، فقصة سقوط إبليس تروى كقصة مستقلة كاملة فى سورة الحجر، وفى سورة ص، ثم تتكرر يإيجاز فى سورة النمل وسورة الكهف، ثم تروى مع ذكر غواية آدم وسقوطه فى سورة الأعراف، وفى سورة طه، وأخيرًا فى

стр. 8113

سورة البقرة. والملاحظ أن القصة قد أوجزت فى السورتين الأخيرتين واختصرت إلى آية واحدة. وفى سورة البقرة يسبق قسمى القصة ذكرٌ لا يتكرر فى القرآن للَّه وهو يستشير الملائكة قبل خلق آدم. وهناك مثال ثالث، يختلف نوعه شيئًا ما، ويتضمن روايتين متوازيتين لمعجزة مولد وطفولة يحيى ﵇ والمسيح ﵇ فى سورة مريم (الآيات ٢ - ٣٤) وسورة آل عمران (الآيات ٣٨ - ٥١). أما فى سورة مريم فقصة النبيين تسبق سلسلة من الروايات المستقلة، وأما فى سورة آل عمران فإنهما تنسجان معًا فى نسيج واحد أو فى رواية واحدة طويلة تبدأ بمولد مريم البتول وحياتها الأولى. ومن الأنماط ذات الدلالة الكبيرة فى هذه الروايات المتعددة وغيرها فى القرآن، هو أن المجموعات الأولى من القصص لا تتقيد تقريبًا بالتسلسل التاريخى، ففى سورة الشعراء نقرأ عن موسى وإبراهيم ونوح وهود وصالح ولوط ثم عن شعيب (الذى يسميه الكتاب المقدس يثرون، وهو حمو موسى) ولكن الروايات الأخيرة تتميز بأنها تقع جميعًا فى "النظام التاريخى" الدقيق، إذ نقرأ فى سورة هود عن نوح أولًا ثم عن هود، ثم عن صالح، ثم عن إبراهيم، ثم عن لوط، ثم عن شعيب وأخيرًا عن موسى. والروايات غير المتقيدة بالتاريخ هى التى يسميها "بيل" قصص فترة القرآن، فى حين تمثل الروايات المتقيدة بالتاريخ فترة "الكتاب" إذ تشتبك القصص معًا لتشكل روايات طويلة متعددة القصص وتصبح بداية للتاريخ المقدس لدى المسلمين والذى يبدأ بخلق آدم ﵇. ٧ - الأشكال الأدبية والموضوعات الرئيسية من العسير تصنيف الأشكال الأدبية أو وضع نظام محكم للموضوعات الرئيسية للقرآن، بسبب طبيعته الخاصة وتنظيمه الخاص. وسرعان ما فشل الذين حاولوا تصنيف أجزاء القرآن وفقًا للأنواع الأدبية المعتمدة مثل القصة القصيرة، أو الحكاية الرمزية، أو الأمثال وما إلى

стр. 8114

ذلك، فالنماذج التى وجدوها من كل نوع محدودة وهى لا تشكل إلا نسبة ضئيلة من النص القرآنى. كما أن التعديلات التى أدخلت عليها حتى تتواءم مع أسلوب القرآن ورسالته كبيرة إلى الحد الذى يفقدها دلالتها باعتبارها أنواعًا أدبية متميزة. ويقول "بيل" إن القرآن ينكر أن محمدًا كان شاعرًا، ويؤكد أن مهمة النبى كانت إبلاغ رسالة اللَّه إلى معاصريه، ويخلص "بيل" من ذلك إلى القول بأن علينا استنادًا إلى هذا ألا نبحث عن الأشكال الأدبية فى القرآن بل عن الأشكال التعليمية. لكن الهدف التعليمى لا يصدق إلا على أجزاء معينة فحسب من القرآن، وهو يتضمن الكثير من الأجزاء التحضيضية والبلاغية والتشريعية وغيرها، ولذلك فالأفضل مناقشة الأشكال الأدبية للقرآن فى حدود المادة القرآنية المتميزة. وفيما يلى وصف موجز إلا تصنيف كامل أو منظم) للأشكال الأدبية الرئيسية الموجودة فى القرآن، يتضمن ملخصًا أيضًا لبعض موضوعاته الرئيسية. أ- شكل القَسَم والأشكال المرتبطة به تتميز قصار السور بضروب منوعة من القسم والأشكال المرتبطة به، عادة فى بدايتها. ويبدو أن معظم هذه الأشكال (لا جميعها) من أوائل ما نزل من آى الذكر الحكيم. وبعض هذه "الأيمان" غامضة يصعب تفسيرها وتصعب ترجمتها، والمعتقد أن جذورها تضرب فى اللغة العربية القديمة. وفى الحالات الأخرى يُستخدم القَسَم لتقديم الموضوعات القرآنية، وأشد أشكاله شيوعًا هو القَسَم الذى يتكون فى أغلب الحالات من آية أو آيتين، تبدأ بواو القسم، وينتهى بآية واحدة أو أكثر تبدأ بأداة فصل (أو أداة استفتاحية) وهى فى العادة "إن" وأحيانًا "قد" ويتضمن كل منهما معنى التوكيد. ولدينا نموذج صادق لذلك النوع فى أول سورة الليل: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾ (١ - ٤) فالآيات الثلاث الأولى تبدأ بواو القسم، وتبدأ العبارة التى يختتم بها القسم بالأداة "إن" التى تفيد التوكيد. وأحيانًا نجد أن الآيات التالية

стр. 8115

لمفتتح القسم تبدأ بالفاء لا الواو، على نحو ما نرى فى سورة الصافات ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ (١ - ٤) وتفسير الفاء هنا بأنها فاء العطف، على نحو ما يفعل آربرى فى ترجمته لمعانى القرآن، يؤدى فيما يبدو إلى إضعاف القسم، والأرجح أن الفاء بديل عن الواو على نحو ما يفسرها "بيل", دعمًا للقسم. وأحيانًا يتكون القسم من عبارتين فقط الأولى هى القسم نفسه والثانية هى "الخبر" مثل فاتحة سورة يس، وسورة العصر. وأحيانًا يتكون الخبر من عدة عبارات تبدأ كل منها بالأداة "إنّ " على نحو ما نرى فى سورة الذاريات: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾. (١ - ٨) وكذلك سورة العاديات: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾، (١ - ٨). وتوجد إلى جانب ذلك أشكال أخرى فى سورة الزخرف ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾ (٢ - ٤) وسورة الدخان ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣)﴾ (٢ - ٣) وسورة الطور ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ (١ - ٧) وسورة النجم ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (١ - ٤) وغيرها، أما نموذج القسم المتبوع بعبارة تبدأ بالأداة "قد" فهو سورة التين ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ (١ - ٤). أما أطول قسم فى القرآن فهو الوارد فى سورة الشمس: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)

стр. 8116

فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ (١ - ١٠). وترتبط بصيغة القسم فى القرآن الكريم عدة صيغ أخرى منها الصيغة التى تبدأ بالأداة "إذا"، التى تعنى "عندما"، وتتميز بنفس قوة القَسَم وإن كان معناها يختلف عنه. ومن خير نماذجها بداية سورة الانفطار: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ (١ - ٥). أما أطول نموذج فهو مطلع سورة التكوير الذى يبدأ بالآية الكريمة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ وينتهى بالآية ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾. أى أن الصيغة تتكون من أربع عشرة آية. وانظر أيضًا سورة الصف وسورة الأنشقاق، وسورة الزلزلة وغيرها. ومن الصيغ الأخري صيغة السؤال البلاغى الذى تبدأ به بعض السور، خصوصًا القصار منها، مثل ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١)﴾ [الماعون] وانظر أيضًا سورة الشرح، وسورة الفيل وغيرهما، وصيغة الإنذار والتهديد مثل ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢)﴾ (الهمزة) وانظر أيضًا سورة المطففين الآية الأولى والآية العاشرة وما بعدهما، وسورة الماعون (الآية الرابعة وما بعدها) إلى جانب نوع مختلف فى سورة المسد. وهذا النموذج الأخير من الفقرة التى تبدأ بتعبير "ويل ل. . . " يستمر إلى جانب صيغة قرآنية مميزة تتكون على الأقل من ثلاث آيات، تبدأ الثانية منها بالسؤال البلاغى "وما أدراك ما. . . " مثل سورة القدر، وسورة القارعة، وسورة الشرح (الآية ٤ وما بعدها) وسورة الطارق التى تبدأ بقسم. ب- الفقرات التى تشير إلى آيات اللَّه فى الخلق كثيرًا ما تتحدث السور المكية وأوائل السور المدنية فى القرآن عن بعض الظواهر فى الطبيعة وحياة الإنسان باعتبارها "آيات" تدل على وجود اللَّه فى كل مكان والخير الذى يفيض به على الإنسان، وتدعو البشر إلى الاقرار بفضله ونعمه وعبادته وحده . وأكثر تلك "الآيات" تواترًا آيات

стр. 8117

خلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان وتكاثره، وسطوع الشمس والقمر والنجوم، واختلاف الليل والنهار، ونزول الغيث، ودوام الطبيعة واستقرارها ويشير القرآن أيضًا إلى الرعد والبرق والنار وغير ذلك من ظواهر الطبيعة، شأنها فى ذلك شأن عقل الإنسان والعلاقات البشرية، واختلاف اللغات والألوان والسمع والبصر وما إلى ذلك. وليست لهذه شكل معين ولكنها تمتاز بمضمونها ومعناها. ومن الأمثلة البديعة على هذه الفقرات، الآيات ٢٤ - ٣٢ من سورة عبس: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾، وانظر أيضًا سورة المؤمنون (الآيات ١٧ - ٢٢ و ٧٨ - ٨٠) والنبأ (٦ - ١٦). ومن النماذج فى السور التى نزلت فى وقت متأخر ما ورد فى سورة الروم، ابتداء من الآية ٢٠: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢)﴾ (٢٠ - ٢٢) أما الآيات الثلاث التالية فتبدأ أيضًا بالصيغة: "ومن آياته. . . " وتنتهى الآيتان الأوليان بالصيغة "إن فى ذلك لآيات لقوم" ("يسمعون" فى الآية ٢٣، و"يعقلون" فى الآية ٢٤). وتوجد صيغة مماثلة فى سورة النحل، فى الآيات من ١٠ - ١٨ وهى تبدأ هكذا ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾ (١٠ - ١١) وتوجد صيغة مماثلة فى ختام الآيتين التاليتين. (ج) الفقرات التى تبدأ بفعل الأمر "قل " تنتثر فى القرآن الكريم فقرات أهم عنصر فيها هو عبارة موجزة أو سؤال

стр. 8118

يسبقه فعل الأمر "قل" (فى المفرد عادة) وأحيانًا فى الجمع "قولوا" ومعظم هذه الفقرات التى تتضمن "قل" تتكون من جزئين رئيسيين (١) عبارة أو سؤال يشير إلى الحال، و (٢) عبارة "قل" التى أحيانًا ما يعقبها تعليق أو تعليقان على العبارة أو السؤال الأول أو على عبارة "قل" نفسها وأحيانًا ما تكون عبارة الحال متعلقة بأتباع محمد ( ﷺ ) ولكنها عادة ما تكون بيانا عن شئ قاله الكفار أو فعلوه. . ومن الأشكال المتواترة ما يلى: "يقولون. . . قل" ومثالها الآية ٢٠ من سورة يونس ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ (وانظر أيضًا سورة البقرة الآيات ٨٠ و ٩١ و ٩٣، وسورة آل عمران الآية ١٣٥ وغيرهما، وأحيانًا تكون عبارة الحال مكونة من جزئين، وعبارة "قل" إما مكونة من جزئين أو أكثر، وإما متبوعة بتعليق واحد أو أكثر وخير مثال على هذا الشكل المركب هو الآية ١٨ من سورة يونس ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ فنحن نلاحظ هنا أن عبارة الحال تتكون من جزئين يتعلقان بما يفعله المشركون وبما يقولونه، أما عبارة "قل" فهو سؤال إنكارى (بلاغى) متبوع بصيغة مديح انظر أيضًا الآيات ٨٠ - ٨٢ من سورة البقرة: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)﴾ والذى نشاهد على أن النافية: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾. أما فى الآية ٦٨ من سورة يونس وما بعدها فإن صيغة المديح "سبحانه" تتوسط (مع تعليق على عبارة الحال) الفعل "قالوا" والفعل "قل": ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا

стр. 8119

كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ (٦٧ - ٧٠) ومن الأشكال الشائعة الأخرى صيغة "ويسألونك. . . قل" على نحو ما ورد فى سورة البقرة، الآية ٢٢٠, ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ وأحيانًا تقوم عبارة "قل" بتقديم سؤال، ثم تتلوها عبارة "قل" أخرى تتضمن الجواب: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ. . .﴾ (الأنعام - ١٢) وكذلك: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦)﴾ (الأنعام ٦٣ - ٦٦). وتتخذ بعض عبارات "قل" صيغة الحكم أو الشعارات، بسبب إيجازها الرائع مثل ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ (البقرة/ ١٤٢) ومثل ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ (البقرة/ ١٢٠) و ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ (آل عمران/ ٧٣) و ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ (آل عمران/ ٧٣ أيضًا) و ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ (الأنعام/ ٧١) و ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ (يونس/ ٣٥) و ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (يونس/ ٦٩) وكذلك ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ (الزمر/ ٤٤) وبعض هذه الحكم البديعة يكررها القرآن العظيم فى سور أخرى (مثل الأولى والثانية وبعضها الآخر عبارات عقدية مثل ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة/ ١٣٦) ومثل ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (العنكبوت/ ٤٦). ولكن بعض عبارات "قل" تتخذ صورة الدعاء الخالص، مثل الآيتيين الكريمتين من سورة آل عمران (٢٦ -

стр. 8120

٢٧): ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ وتختلف الصيغة الأخيرة عن الصيغ الأخرى فى أنها غير مسبوقة بعبارة حال تتصدرها "قل"، ولذلك فهى تنتمى إلى طائفة أخرى من الآيات التى يعتبر الفاعل فيها هو ضمير المتكلم ويبدو أنها موجهة إلى الرسول الكريم، وأعظم مثال عليها أربع آيات فى سورة الجن هى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا. . . قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥)﴾ (٢٠ و ٢١ و ٢٢ و ٢٥) ومما يؤكد ذلك الصيغ المشابهة فى سورة سبأ مثلا: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (٣٦) ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ (٣٩) ثم الآيات التالية من السورة نفسها: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾ (٤٦ - ٥٠) والمثل الواضح الآخر هو سورة "الكافرون". وتوجد أمثلة متفرقة من عبارات "قل" فى سور أخرى تماثل الفقرات التى تدعو إلى تامل آيات اللَّه فى الكون، مثل الآيات التى نقرؤها فى سورة الملك ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (٢٣) والآيات التالية لها، ثم الآيات الأخيرة فى السورة وهى:

стр. 8121

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ (٢٨ - ٣٠) د- السرد فى القرآن الكريم إذا توسع الإنسان فى معنى السرد فجعله يشير إلى رواية أى قصة من القصص، أو وصف أى حادثة كانت (واقعية أو خيالية) فسوف يستطيع إطلاق صفة السرد على كثير من أجزاء القرآن. ولكن القرآن لا يقصد إلى رواية أحداث تاريخية معينة، رغم كثرة إشاراته إلى الأحداث التاريخية، على نحو ما سبق ذكره فى القسم ٥ - أآنفا. فمعظم قصص القرآن يروى القصص التقليدية المألوفة فى الثقافات الأخرى للشرق الأدنى، مع التركيز على المعانى التى يريد القرآن إبلاغها للناس. فنحن نقرأ فى القرآن عدة مرات عن خلق اللَّه العالم فى ستة أيام، وعن عرشه ، على نحو ما جاء فى سورة الأعراف ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ. . .﴾ (٥٤) وكذلك آية الكرسى الشهيرة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥] وانظر أيضًا الآية الثالثة من سورة يونس، والآية ٥٩ من سورة الفرقان، والرابعة من سورة السجدة، وانظر ذكر العرش فى سورة التوبة (الآية الأخيرة - رقم ١٢٩) وسورة الرعد (الآية الثانية) وسورة طه (الآية الخامسة) وسورة الأنبياء (الآية الثانية والعشرين) وغيرها. ولكن القرآن لا يقص بالتفصيل قصة خلق الكون فى ستة أيام، ولا يذكر ما خلقه اللَّه فى كل يوم (ويورد القرآن فى سورة فصلت شرحًا موجزًا فى الآيات من ٩ - ١٢). ويذكر القرآن

стр. 8122

السماوات السبع، واليوم الآخر الذى يسبقه نفخ فى الصور، ولكن هذه الإشارات لا تنشئ قصصًا أو وصفًا تفصيليًا. كما يتضمن القرآن ذكر سقوط إبليس، وتعليم الأسماء لآدم، دون تحديد لها أو تفصيل القول فيها، وإحراق الشهب للشياطين، وروايات متعددة لقصة نوح ﵇ وقصة الطوفان. أما أكبر فئة من قصص القرآن فهى قصص الأنبياء، وبعضها كذلك "قصص عقاب"، وأطول قصة فى كتاب اللَّه الَكريم هى قصة يوسف ﵇، وهى التى يمكن أن تعتبر "قصة قصيرة"، إذ تستغرق روايتها معظم سورة يوسف التى تبلغ عدد آياتها ١١١ آية، وهى أقرب إلى الرواية الواردة فى الكتاب المقدسى من معظم القصص القرآنية الأخرى، وتوجد روايتان متوازيتان لمولد النبى يحيى والنبى عيسى ﵉ فى سورة آل عمران (٣٣ - ٥١) وسورة مريم (١ - ٣٦) وهما تتفاوتان فى بعض التفاصيل. وتولى قصص القرآن اهتمامًا كبيرًا بالأنبياء الأوائل إبراهيم وموسى وسليمان ﵈، إذ يروى عنهم قصصًا كثيرة وروايات مختلفة لبعض القصص. ويروى القرآن ما لم يروه الكتاب المقدس عن إبراهيم مثل قيامه بتحطيم أصنام قومه (الأنبياء ٥١ - ٧٢ وغيرها) وبناء الكعبة فى مكة (البقرة ١٢٢ - ١٢٩ وغيرها) ورحلة موسى مع خادمه (فتاه) فى سورة الكهف (٦٠ - ٨٢) وقيام سليمان ببناء الهيكل بمساعدة الجن والعفاريت (سبأ ١٢ - ١٤، ص ٣٦ - ٤٠) وأحواله مع جيشه من الجان والناس والطير (النمل ١٥ - ٢١) ويروى القرآن أيضًا قصصًا عن آدم ونوح ﵉ (على نحو ما سبق ذكره ولوط، وإسماعيل، وداود، وإلياس، ويونس وأيوب، كما يذكر كثيرين آخرين مثل إسحق ويعقوب واليسع وهارون (فى غضون بعض قصص موسى) وكذلك طالوت، وعزيز،

стр. 8123

وهامان (وإن كان الأخير من رجال فرعون). ويشار إلى هؤلاء باسم الرسل (جمع رسول) أو باسم المرسلين (جمع مرسل) أو "النبيين" ويبدو أن الصفة الأخيرة لا ترد إلا فى الآيات المدنية وهى تشير بصفة خاصة إلى محمد [ ﷺ ] وقليل من الرسل الواردة أسماؤهم آنفًا فى سياق التقاليد العبرانية والمسيحية، أما الصفتان الأوليان فتردان فى الآيات الأولى ومعانيها أوسع. ولكن القرآن يرادف فى الأجزاء المتأخرة بين الرسول والنبى، وإن كان لا يساوى فى المعنى بينهما تمامًا. ونحن نلاحظ مثلًا أن القرآن يستخدم دائمًا تعبير "اللَّه ورسوله" ويقصد معنى "النبى" على محمد [ ﷺ ] فى سورة الأحزاب. ولاشك أن هذا يوضح سبب ورود لفظ "الرسل" فى عبارات العقيدة فى سورة البقرة (٢٨٥) وسورة النساء (١٣٦) أى العبارات التى تنص على ضرورة الإيمان باللَّه "وملائكته وكتبه ورسله"، على حين يأتى لفظ "النبيين" فى الآية ١٧٧ من سورة البقرة التى تنص على الإيمان باللَّه واليوم الآخر و"الملائكة والكتاب والنبيين". ويشير القرآن إلى بعض من لم يرد ذكرهم فى الكتاب المقدس مثل هود، وصالح، وشعيب (انظر ما سبق) ويتضمن قصصًا كذلك عن لقمان، وهو حكيم عربى (سورة لقمان ١٢ - ١٩) وعن ذى القرنين الذى يقول المفسرون بصفة عامة إنه الإسكندر الأكبر (الكهف ٨٣ - ٩٨) ويشير القرآن بإيجاز إلى ذى الكفل وإدريس (مريم ٥٦ والأنبياء ٨٥ وص ٣٨) ويروى القرآن كذلك قصة أصحاب الكهف (الكهف ١٠ - ٢٦) ويذهب جمهور الفقهاء إلى أنه كهف "إفسوس". وتتفاوت أساليب رواية قصص الأنبياء وبعض من لم يرد ذكرهم فى الكتاب المقدس، فقد تبدأ بعبارة ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ. .﴾ (المائدة ٢٧, الأنعام ١٧٥, يونس ٧١، الشعراء ٦٩؛ وانظر أيضًا الكهف ٢٧، والعنكبوت ٤٥)؛ وقد تبدأ بعبارة ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ. . .﴾

стр. 8124

(القصص ٣، وانظر آل عمران ٥٨)؛ أو بعبارة ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ. . .﴾ (طه ٩، الذاريات ٢٤، النازعات ١٥ وغيرها) أو ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ. . .﴾ (التوبة ٧٠) ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ. .﴾ (إبراهيم ٨) ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ. .﴾ (ص ٢٠)، أو، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ. .﴾ (مريم ١٦, ٤١, ٥١, ٥٤, ٥٦) وجميع ذلك موجّه إلى محمد [ ﷺ ]. ومن البدايات الأكثر شيوعًا عبارة ﴿وَإِذْ قَالَ. .﴾ التى تبدأ قصة موسى (فى المائدة ٢٠، والرعد ٦، والكهف ٦٠، والنمل ٧ وغيرها) وتبدأ قصة إبراهيم (الأنعام ٧٤، وإبراهيم ٣٥ وغيرها) وقصة يوسف (يوسف ٤) وتبدأ حديث اللَّه إلى عيسى ابن مريم ﵇ (المائدة ١١٠, ١١٦) وحديثه إلى الملائكة (الحجر ٢٨، والإسراء ٦١، والكهف ٥٠ وغيرها). وقد تبدأ القصة بعبارة ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا. .﴾ التى تشير إلى نوح (هود ٢٥، المؤمنون ٢٣، العنكبوت ١٤ وغيرها، وانظر أيضًا الأعراف ٥٩). أو تشير إلى موسى (هود ٩٦، إبراهيم ٥ وغيرها، وانظر أيضًا المؤمنون ٤٥) وغير ذلك من الصيغ. وانظر فى هذا الصدد عبارة ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ (التى ترد مثلًا فى الآية ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾) فى سورة الإسراء ١٠١، الأنبياء ٤٨ و ٥١، ولقمان ١٢، وسبأ ١٠ وغيرها. ومن الأنماط الخاصة للقصص القرآنى الذى نزل به الوحى فى الفترة المكية نمط "قصة العقاب" الذى سبقت الإشارة إليه. فى إطار استخدام التكرار (القرار) والنظام الشكلى فى بعض روايات هذه القصص. وتبرز من بين هذه القصص جميعا خمس قصص للعقاب، وهى قصة نوح، وهود وقبيلة عاد، وصالح وقبيلة ثمود، ولوط، وشعيب وأهل مدين. وتبرز قصتان أخريان فى بعض السور، مثل قصة موسى وغرق جيش فرعون، وقصة إبراهيم ورفضه الأصنام التى كان يعبدها قومه. وترد هذه القصص السبع جميعا فى سورة الشعراء ١٠ - ١٩١, ويشير القرآن إليها جميعًا فى سورة الحج ٤٢ - ٤٤، ويروى القرآن روايات شبه كاملة لبعض هذه القصص فى سورة الأعراف

стр. 8125

٥٩ - ٩٣ (كلها باستثناء قصة إبراهيم وموسى) وفى سورة هود ٢٥ - ٩٥ (كلها باستثناء قصة موسى) وفى سورة الصافات ٧٥ - ١٤٨ (القصص الواردة فى الكتاب المقدس وحدها) وفى سورة القمر ٩ - ٤٢ (كلها باستثناء إبراهيم وشعيب). ويروى القرآن روايات أقصر لبعض هذه القصص السبع ويشير إليها وإلى غيرها (يونس، وقوم سبأ وأصحاب الرَّسّ، وقوم تُبّع) فى التوبة ٧٠، وإبراهيم ٩، والأنبياء ٤٨ - ٧٧ والمؤمنون ٢٣ - ٤٨, والفرقان ٣٥ - ٤٠، والنمل ٧ - ٥٨، وق ١٢ - ١٤, والذاريات ٢٤ - ٤٦، والنجم ٥٠ - ٥٥، والحاقة ٤ - ١٠، والفجر ٦ - ١٤، ومن المحتمل أن يكون "أصحاب الحجر" (الحجر ٨٠ - ٨٤) هم أنفسهم قبيلة ثمود، ويبدو أن "أصحاب الأيكة" (الحجر ٧٨ وما بعدها، والشعراء ١٧٦ - ١٩١ وغيرها) هم أنفسهم قوم مدين. أما "المؤتفكات" [أى المدن التى اقترفت الإفك والفسوق] فيحتمل أن يكون المقصود بها سدوم وعمورية، وهما مدينتا لوط ﵇. وهكذا فالأرجح أن هذه القصص الثلاث روايات مختلفة لبعض القصص السبع الأساسية. ولقد قبل معظم العلماء الغربيين رأى أ. سبرنجر A.sprenger وهوروفيتز Horovitz بأن المثانى المذكورة فى سورة الحجر (الآية ٨٧) وسورة الزمر (الآية ٢٣) تشير إلى أهم قصص العقاب، فالآية الأولى تقول ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ والثانية تصف الكتاب الذى أنزل على محمد بأن به ﴿مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾. ويتضمن القرآن كذلك بعض الأمثال أو القصص الرمزية، أطولها وأوضحها قصة "الجنة المبتلاة" التى تبدأ بالآية ١٧ فى سورة القلم ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾، ومن الأمثال الأخرى قصة الرجل الذى كانت له جنتان (الكهف ٣٢ - ٤٤) ومثل الشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة (إبراهيم ٢٤ - ٢٧) والقرية المكُذِّبة (يس ١٣ - ٣٢) وكثير من الأمثال القصيرة الأخرى لا تزيد عن كونها تشبيهات مديدة، مثل الآية ١٧ فى سورة البقرة ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي
следующие страницы →