إسلامية تختلف قوة وضعفا، فقد اعتبر ذا أساس قائم بذاته وبخاصة فى المسائل التى لا تثير الريب والشكوك من الوجهة الدينية وتعتبر سنة
стр. 842
الصالحين أحيانًا شاهدًا له قيمته كالسنة النبوية.
٥ - وكانت طلائع تأملاتهم فى علم الأصول فى أواخر هذا العصر أى فى بداية القرن الثانى الهجرى (الثامن الميلادى)، وقد حرك هذه التأملات ظهور علم خاص للحديث بجانب علم الفقه. وقد أنكر المحدثون على الفقهاء إدخالهم عنصر العقل الإنسانى فى
стр. 843
التشريع الذى يجب ألا يعتمد إلا على الكتاب والحديث باعتباره ممثلا لسنة النبى [ ﷺ ] وردّ الفقهاء على هذا بأن عقل الانسان (الرأى) لابد منه لاستنباط الأحكام الشرعية، وأورد كل من الفريقين أحاديث يؤيد بها رأيه، وكان الجدل منذ أول الأمر يعني بالشكل أكثر من عنايته بالموضوع وكثيرًا ما كان جدلا حول الألفاظ لا غير. وكان من نتيجة هذا، الاعتراف العام بأن الرأى لابد منه فى الفقه، وكانت المذاهب المتعددة تتفاوت فى اعتمادها على نص الحديث، على أن
النتائج كانت واحدة فى كل مكان. ومنذ
стр. 844
النصف الأول من القرن الثانى الهجرى (الثامن الميلادى) ظهرت ثلاثة ألوان من الفقه فى ثلاثة مراكز: الحجاز والعراق والشام. وكان للأسباب الجغرافية أثر كبير فى انتشارها، وتأثر هذا الانتشار بتطور الحياة والعقيدة فى نواح متماسكة. كما تأثر بالاختلافات الأساسية فى أصول مادة التشريع فى الأقاليم المختلفة. وكانت هذه الاختلافات طليعة لما جاء بعدها من مذاهب مالك وأبى حنيفة والأوزاعى واعتمدت مدرسة الحجاز كثيرًا على الحديث. أما مدرسة العراق فكان أكثر اعتمادها على الرأى وفى هذه الأحوال كان للآراء التى يقول بها كثرة العلماء فى المدينة -أو الحرمين: مكة والمدينة، أو فى البصرة- قيمتها الخاصة.
وظهرت حوالى منتصف القرن الثانى الهجرى (الثامن الميلادى) أول المطولات التى كتبها البارزون من أتباع هذه المدارس الثلاث وبخاصة مدرستى الحجاز والعراق. وهذه المطولات تيسر لنا الوقوف على اتجاههم العقلى. ويعتمد ما نقرره هنا على نتائج دراسة موطأ مالك، وهو المصنف الوحيد الذى كان موضع دراسة من بين هذه المطولات. وبذل مالك عناية كبرى لتقرير إجماع العلماء من أهل المدينة. وهذا التصور الذى كان يقصد به فى الأصل أن الاجماع هو رأى الغالبية لا غير (كما هو الحال فى علم القراءات الذى استعار هذا الاصطلاح من الفقه، انظر Geschichte: Noldeke - Bergstrasser
стр. 845
des Qorans , جـ ٣، ص ١٣٠ وما بعدها وص ١٣٥) أصبح هنا يدل على كثرة العلماء كثرة تقرب من الإجماع. وكان مالك فى الوقت نفسه يأخذ بحجية عمل أهل المدينة، وهو ليس بحال من الأحوال عين سنة النبى [ ﷺ ]. والإجماع وعمل أهل المدينة يرتبطان فى نظره أشد ارتباط. ويمثل لنا كتابه مقدار ما وصلوا إليه فى عهده فى المدينة من صبغ القانون العرفى بالصبغة الإسلامية، كما يبدو ذلك من مقابلة ذلك العصر بما جاء بعده. وقد بلغت هذه الصبغة غايتها الآن.
ولا شك فى أن المصنفات العظيمة التى كتبها الشيبانى كان لها فى العراق أثر يشابه أثر مصنفات مالك فى المدينة.
٦ - والشافعى المتوفى عام ٢٠٤ هـ (٨٢٠ م) هو واضع علم الفقه الإسلامى. وفضله هو أنه بعث اليقظة فى الفكرة الفقهية الإسلامية فأصبحت علمًا، وأنه لا يبرهن عند الحاجة إلى الدلائل وابتغاء الوصول إلى نتائج عملية فقط، بل يبرهن دائمًا ومبدئيًا، ويبحث أيضا شروط الاحتجاج التشريعى وطرقه بوجه عام. وقد خطا بعلم أصول الفقه خطوات هامة اعتمدت على تطور هذا العلم قبل الشافعى. وقد انتهى الشافعى إلى ما انتهى إليه أهل العراق من قبل فى تعريف "السنة" بأنها مصدر للتشريع باعتبارها فعل النبى [ ﷺ ]، كما عرف الإجماع بأنه الرأى الذى أخذ به كثرة المسلمين، واعتبره مصدرًا ثانويًا لإيضاح المسائل التى لا يمكن تقريرها من الكتاب وسنة النبى [ ﷺ ]، وهو يؤيد حجية الإجماع باعتبارات عامة وأحاديث تأمر بالتمسك برأى أمة المسلمين. ولم يكن الشافعى يعلم إلى ذلك الوقت بالحديث الذى ذكر كثيرًا فيما بعد وهو "لا تجتمع أمتى على ضلالة". وكان صبغ القانون بالصبغة الإسلامية قد تم بوجه عام قبل مالك، غير أن الشافعى بذل جهدًا عظيمًا فى تنظيمه. وللوصول إلى ذلك الغرض انصرف الشافعى -إلى حد ما- عن الطريق المألوف فى التفكير الفقهى.
ولم يكن الشافعى واضع طريقة القياس، غير أنه كان له كبير الأثر فى تنشئته والتوسع فى تطبيقه. وطريقة القياس هى بالضرورة طريقة الرأى،
стр. 846
اصطنعها تحت اسم القياس، لأن الناس كانوا أقل نفورا من هذا الاسم. على أنه من الواضح أنه قد حدّ من استعمال هذه الطريقة، ويظهر أن أهل العراق استعملوا القياس للتخلص من الأحاديث الضعيفة وأحاديث الآحاد. وحاول الشافعى أيضًا وضع قواعد معينة لاستعمال القياس، ولكنه كان قليل التوفيق فى ذلك. ولم يتغلب القياس حتى فى العصور المتأخرة -وبالرغم من التحديدات فى طريقته- على الغموض الذى يجعله مجردًا من القوة القاطعة فى الإقناع. ويظهر أن القياس عند
الشافعى مرادف للاجتهاد فى معناه القديم، ذلك المعنى الذى كان يجعل الاجتهاد مرادفًا للرأى أى استعمال الفقيه لعقله. وكان اهل العراق وكذلك أهل الحجاز يستعملون الاستحسان كنوع من أنواع الرأى. والاستحسان عبارة عن الانحراف عن النتيجة التى نتوقعها بحق من القياس، لاعتبارات عقلية أو عملية إلخ.
وقد هاجم الشافعى طريقة الاستحسان فى عنف، لأنها طريقة ذاتية، وقال بصحة القياس وحده. وبهذه الطريقة، صبغ الشافعى علم الأصول بالصبغة الاسلامية فى روية وتبصر.
٧ - إن التطور الذى حدث بعد الشافعى عند المدرسة المعتبرة، انتهى إلى أن الكتاب والسنة والاجماع والقياس هى الأصول الأربعة للفقه، ويفهم هذا التطور فقط من تتبع تاريخ هذه الأصول، ومن تطورات إضافية مفصلة. من هذه التطورات استقرار الصلات المتبادلة بين الكتاب والسنة، فقد كان الشافعى يرى أن السنة تبين أحكام الكتاب وأن القرآن لا ينسخه إلا القرآن، وأن السنة لا تنسخ إلا بالسنة. وكان البعض، قبل الشافعى وجميع من جاء بعده، يرى أنه من الممكن أن ينسخ الكتاب بالسنة، فكانوا بهذا لا يضعون السنة فى منزلة الكتاب فحسب، بل فى منزلة فوقه. على أن النتائج الفقهية العملية لم تكد تتأثر بهذه الاختلافات النظرية. أما الإجماع فكانوا فى العصور المتأخرة لا يكتفون فيه برأى كثرة المسلمين، ولكنهم كانوا يطلبون
стр. 847
اتفاق جميع الفقهاء الذين يعيشون فى وقت واحد من عصر ما، وكان هذا الاتفاق ملزمًا للأجيال المقبلة. ولكنهم لم يقصدوا من الاجماع أبدًا معناه الحرفى. والاجماع بهذا المعنى لم يظل تابعًا للقرآن والسنة فحسب، بل اعتبر مؤيدا لهما نظرًا للاعتقاد العام فى تنزهه عن الخطأ، ذلك الاعتقاد الذى نشأ من اعتبارات عامة ومن النص عليه فى الحديث الذى ذكرناه من قبل وتذكر أيضا لتأييد ذلك آيات فى القرآن مثل الآية ٩٨ من سورة آل عمران والآيتين ٨٥، ١١٥ من سورة النساء. بل إنهم جعلوا للإجماع، آخر الأمر، قوة نسخ أحكام الكتاب والسنة، كما حدث مثلا فى مسألة التوسل بالأولياء والاعتقاد فى عصمة الأنبياء.
وهناك أبواب هامة من التشريع الإسلامى تقوم على الاجماع وحده، مثل: الخلافة واعتبار سنة النبى [ ﷺ ]، ملزمة للمسلمين، والأخذ بالقياس إلخ. وجملة القول فى هذا الموضوع إن التشريع الاسلامى كله يستمد سنده من الاجماع المنزه عن الخطأ الذى يضمن صحة التشريع واتفاقه مع المعنى الصحيح المقصود من الكتاب والسنة. وقد فهم الطبرى (٣١٠ هـ = ٩٢٣ م) الاجماع فى جوهره على هذا النحو. وذلك هو رأى أهل السنة بوجه عام، ولكن المالكية وحدهم يعرفون الاجماع بأنه أولا إجماع الصحابة، وثانيًا إجماع جيلين من بعدهم يسمونهم التابعين وتابعى التابعين، فهو عندهم إذن كعمل أهل المدينة، موطن السنة الصحيحة. على أن المالكية يجعلون لهذا الإجماع أيضًا نفس القوة التى أعطاها له الآخرون.
وبعض الحنابلة والوهابيين وكذلك الظاهرية الذين سنتكلم عنهم فيما بعد، قصروا الإجماع على اتفاق صحابة النبى [ ﷺ ]؛ وقد أدى هذا إلى اختلاف عظيم فى العقيدة. أما الأباضية من الخوارج فلا يقرون إلا اتفاق فرقتهم ويطلبون إجماعهم جميعًا. وفى الوقت نفسه كان هناك عدة آراء مختلفة عن الاجماع فى العصر المتقدم. فبعد
стр. 848
الشافعى عارض القياس داود الظاهرى (المتوفى عام ٢٧٠ هـ = ٨٨٣ م) ومدرسته معارضة قوية، وأنكر القياس والرأى وقال إن الكتاب والسنة يفسران بظاهرهما فقط، ولكن الظاهرية لم يستطيعوا التقدم دون أن يلجؤوا إلى الاستنباط الذى حاولوا أن يجعلوه مفهومًا من النص بالفعل. على أن هذه المدرسة التى عاشت إلى القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادى) لم يكتب لها الاستمرار ونفوذ الأثر، ولا نزال نجد أيضا بعض خصوم القياس والرأى حتى بين مثل الشافعية البخارى (المتوفى عام ٢٥٦ هـ = ٨٧٠ م) والغزالى (المتوفى عام ٥٠٥ هـ = ١١١١ م) الذى كان يطبق القياس عمليًا فى العهد الذى كان متصوفًا فيه على الأقل، ولكنه من الناحية النظرية كان لا يرى أن القياس له ما للكتاب والسنة من قوة (كولدتسيهر: Zahiriten ص ١٨٢ وما بعدها). على أن القياس قد اعترف به أخيرًا دون منازعة وأقره الحنابلة والوهابية والأباضية الخوارج أيضا.
ويستعمل الشافعية وكذلك بعض الأحناف فى الاستصحاب نوعًا آخر من القياس المألوف أكد فى طريقته، وهو يعتبر عند الشافعية قائمًا بذاته. وقد اتبع الحنفية المذاهب الأخرى فى إطلاق لفظ القياس على الرأى بمعناه القديم، ولكنهم يتمسكون بالاستحسان على عكس الشافعية. وما زال المالكية يسلمون به، ولكنهم على وجه عام يؤثرون تسميته بالاستصلاح وهو نوع من القياس يقرر ما يعتبر أنه أصلح. ويأخذ الشافعية كذلك بالاستصلاح وينكرون الاستحسان فى شدة مقتفين فى ذلك أثر إمامهم، والواقع أن الطريقتين متماثلتان. وبالنسبة للتعسف الذى أدى فى الغالب إلى طرح نتائج القياس عندما كان يعتبر من الضرورى أو من المرغوب فيه التخلص من قيود النظر، فقد عارض الكثيرون كلا من الطريقتين، ولم ينعقد الإجماع قط على اعتبارهما من أصول الفقه.
وتتفق فرقة الأثنى عشرية من الشيعة (الإمامية) مع أهل السنة فى
стр. 849
اعتبار الكتاب والسنة من أصول الفقه، على أنهم لايقولون بحجية سنة الرسول [ ﷺ ] فقط وإنما يضيفون إليها أيضا سنة الأئمة الأثنى عشر الذين تضمن عصمتهم صحة التشريع كما هو الحال فى الإجماع عند أهل السنة.
أما فيما يختص برواية السنة فللشيعة عدة كتب فى الحديث تختلف اختلافًا جوهريًا عن كتب أهل السنة. وقد انكروا بوجه خاص جميع الأحاديث والتقارير التى ترجع فى حجيتها إلى الخلفاء الثلاثة الأول قبل على، كما رفضوا الأحاديث التى تجعل عليًا تاليًا لهؤلاء الخلفاء. ولا يرى الشيعة حاجة إلى أصول أخرى بعد تعليم الإمام. ومع ذلك فإنه يوجد عندهم فى فترة غيبة الإمام الأخير أصلان يقابلان الأصلين الأخيرين عند أهل السنة (أى القياس والاجماع). على أننا نجد فى هذا العهد نفسه أن الإخباريين لا يعتمدون إلا حجية الكتاب والسنة وحدهما، ويحاولون إرجاع جميع الأحكام إلى أحاديث الأئمة مع الحد ما أمكن من الاستنباط العقلى، وهم يطلبون فوق ذلك عند تفسير آية من آيات الكتاب حديثًا يتصل بتلك الآية. ومن جهة أخرى نجد أن مدرسة الأصوليين التى كانت تستمتع بشهرة عظيمة لانتشار آرائها انتشارًا كبيرًا تقول بأن العقل ركن ثالث من أركان الأصول، ولكنهم كانوا ينازعون فى القياس. والخلاف بينهم وبين أهل السنة خلاف فى التسمية لا غير. أما الأصل الرابع عندهم فهو اتفاق كثرة الفقهاء منذ بدء غيبة الإمام الأخير. وبينما السنة يمكن أن تنسخ السنة بل وتنسخ الكتاب أيضًا فإن هذا الإجماع لا يمكن أن ينسخ إلا الأحاديث المطعون فيها. ويعتبر الشيعة فى الوقت نفسه من المصادر الثانوية فى الأصول: الاستصحاب وطريقتى الاستنباط الشبيهتين به المعروفتين بالاشتغال والبراءة، وكذلك اختيار القاضى لرأى من بين عدة آراء ممكنة.
٨ - والإجماع قوى الجذور فى
стр. 850
القانون العرفى، معترف به بالفعل رسميًا فى بعض العناصر الهامة للعبادات حتى وإن تعارض هذا الإجماع مع الكتاب والسنة (انظر ما سبق). على أنه يجب ألا نغالى مع هذا، فى تقدير صلاحيته فى تدرج التشريع الإسلامى ورفض الأحكام القديمة وإدماج عناصر جديدة. كما أنه من الراجح أن تدرجه لم يمنع البدع ولم يشجعها، فإن العناصر العديدة الغريبة التى يشتمل عليها التشريع الإسلامى دخلت فيه قبل أن يكون للإجماع ذلك السلطان على الفقه فى جملته.
ومن جهة أخرى فإن الاستحسان والاستصلاح يهيئان إمكان اعتبار القانون العرفى، ولو أن هذا الاعتبار أخذ يقل على مر الزمن. وكانوا يحاولون فى بعض المواضع جعل العرف أصلا خامسًا إلى جانب الأصول الأربعة المعترف بها، نجد هذا حتى فى القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى). وكان يعتبر من المندوب إليه على وجه عام ألا تجعل القوانين المأخوذة من الكتاب والسنة متعارضة مع العرف المتبع، وأن يصبغ ذلك العرف بالصبغة الشرعية ما أمكن
للتخلص من الوقوع فى الإثم (ist جـ ١٥، ص ٢١٣). على أن الفقه لم يعترف اعترافًا عامًا مباشرًا بالعرف ولم يجعل له حتى ولا مقامًا ثانويًا. وما نجده من النقاش فى العرف العام والعرف الخاص وصلتهما بالإجماع وصفتهما التشريعية إنما هو نقاش نظرى. وفى الحالات التى تشير فيها الشريعة إلى العرف أو العادة قلما يقصد بتلك الإشارة العادات الشرعية. ولم يعترف بأن القانون العرفى ملزم حتى فى الحالات التى لم ينص الفقه فيها على حكم ما. فمثلا الرأى السائد فى جزائر الهند الشرقية الهولاندية الخاص بمساواة الشريعة والعادة يبعد بنا تمامًا عن تعاليم الفقه، فإنه يكاد يجعل جميع العبادات خاضعة للقانون العرفى، ولكنه لا يجعل له مكانًا أبدًا فى طريقته النظرية. وقد بذل الفقهاء المالكية المتأخرون جهدًا عظيمً -وبخاصة فقهاء شمالى إفريقية- فى التوفيق بين آرائهم وبين العبادات الجارية وجعلوا هذا مبدأ لا يشذون
стр. 851
عنه. ومهما يكن للقانون العرفى والعناصر الشرعية الدخيلة من شأن وسلطان طبيعى فى العهد المتقدم للتشريع الإسلامى، فقد كان من الصعب جدًا أن يتقدم أكثر من ذلك وبخاصة منذ أن وصل الاعتراف النظرى بالأصول إلى شكله النهائى.
٩ - ولما كان الفقه قد تطور بالفعل فى بسط جميع أركانه الجوهرية قبل قيام نظرية الأصول، فإن العناصر التى كانت سببًا فى نشاته لا يمكن أن تذكر فى وضعها التاريخى الصحيح. على أنه حتى من وجهة نظر تنظيم الدراسات عند المسلمين نجد لهم فى الفقه منذ عهد طويل موقفًا نظريًا بحتًا، فالمجتهد وحده له حق تطبيق الأصول أى حق الاجتهاد فى استنباط الأحكام الشرعية من الأصول. على أن إجماع أهل السنة قد انعقد على أن الاجتهاد قد انقضى أمده منذ عهد طويل. وأن الفقهاء جميعًا لا بد لهم من الأخذ بأدنى مراتب التقليد وذلك فإن كثيرًا من الفقهاء لا يتعمقون فى دراسة الأصول بل يقنعون بالتعليقات الموجزة التى كتبت من حين لحين والتى تضيفها كتب الفقه إلى المناقشات الخاصة بالأحكام المختلفة. ومع هذا فهناك عدة مصنفات عن الأصول، وهى تكوّن علمًا من العلوم النقلية عند المسلمين. وكتب أهل السنة فى الأصول تتناول -حسب وجهة نظر المؤلف- بين مسائل أخرى الكلام على الكتاب والسنة والإجماع من ناحية صحتها وترتيبها بالنسبة لأغراض الفقه، والقواعد الخاصة بتفسيرها وهى تذكر عادة بالتفصيل، وتتناول الناحية الشكلية والمادة الشرعية، وكذلك الأحكام والتقريب بين المتناقضات الواردة فى الأصول، إما بالتوفيق بينها وإما بنسخ البعض بالبعض الآخر، وطرق استعمال القياس وغير ذلك. وجرت العادة بأن تختم كتب الأصول بالكلام على الاجتهاد والتقليد. وأول كتب الأصول هو رسالة الشافعى وإن كانت لا تتفق والترتيب الذى ذكرناه. ونخص بالذكر من بين المؤلفات المهمة التى صنفت فى العصور المتأخرة والتى شرحت كثيرًا ما يلى:
(١) إمام الحرمين الجوينى (المتوفى
стр. 852
عام ٤٧٨ هـ - ١٠٨٥ م): كتاب الورقات فى أصول الفقه.
(٢) البزدوى (المتوفى عام ٤٨٢ هـ - ١٠٨٩ م): كنز الوصول إلى معرفة الأصول.
(٣) صدر الشريعة الثانى (المتوفى عام ٧٤٧ هـ - ١٣٤٦ م): التنقيح والتوضيح.
(٤) السبكى (المتوفى عام ٧٧١ هـ -١٣٦٩ م): جمع الجوامع.
(٥) ملّاخسرو (المتوفى عام ٨٨٥ هـ -١٨٤٠ م): مرقاة الوصول ومرآة الأصول.
وأساس الأصول عند الشيعة هو حجية الإمام، وهى عندهم كالإجماع عند أهل السنة، وما زال الاجتهاد موجودًا عندهم.
المصادر:
أهم مصادر تاريخ الأصول هى:
(١) Die Zdhiriten: Goldziher
(٢) Verspreide: Snouck Hurgronje Geschriften المجلد الثانى.
(٣) Isl.: Bergstrasser جـ ١٤، ص ٧٦ وما بعدها.
(٤) Development of Mus-: Macdonald lim Theology ص ٦٥ وما بعدها.
(٥) وذكر Juynboll فى Handleiding ص ٣٢ وما بعدها، الطبعة الثالثة، معلومات مختصرة عن الرأى الشائع مع تعليقات تاريخية.
(٦) وذكر فى Santillana فى Istituzioni ص ٢٥ وما بعدها معلومات أوفى، كما أورد ثبتا بمصادر أخرى.
(٧) أما أهم المصادر العربية عن الأصول فقد ذكرها حاجى خليفة، طبعة فلوكل جـ ١، رقم ٨٣٥ وما بعدها.
(٨) طاشكبرى زاده: "مفتاح السعادة"، طبعة حيدر آباد سنة ١٩١٠ جـ ٢، ص ٥٣ وما بعدها.
(٩) الكاتب نفسه: موضوعات العلوم، كتبه بالتركية وترجمه كمال الدين، الآستانة سنة ١٣١٣ هـ ص ٦٣٤ وما بعدها.
[يوسف شاخت Joseph Schacht]
стр. 853
أضحى
[جمع أضحاة] وهى كالإبل والغنم وذوات القرن التى تنحر فى ضحى يوم الأضحى وهو اليوم العاشر من ذى الحجة، وتعتبر لحومها صدقة توزع على الفقراء، ومع ذلك فإن للمضحى أن يأكل من أضحيته. وصفات الضحية وطريقة نحرها فصّلت بدقة فى كتب الفقه. والقيام بالتضحية فى منى عادة جاهلية أقرها أيضًا الإسلام فى سورة الحج (الآية ٣٤ - ٣٧) (١) [ولا شك فى أن الشرع لا يفرض الضحية على أحد إلا إذا اضطره إلى ذلك نذر أو إثم (٢)، ] وكانت الأنعام التى تساق للهَدْى فى هذا العيد تجعل لها علامة بأن تقلد بالنعال القديمة أو بأن يشرط جلدها (٣).
الأضداد
جمع ضد: وهى الكلمات التى يعرفّها علماء اللغة العرب بأن لها معنيين أحدهما نقيض أو مضاد للآخر، نحو باع، وهى تدل على البيع والشراء، بل إن كلمة ضد نفسها من الأضداد، ففى مثل "لا ضد له" لا تفيد المخالف، وإنما تفيد المثل؛ والأضداد فى رأى علماء اللغة قسم خاص من "المُشْتَرِك" بفرق واحد هو أن المشترك يتحد فى اللفظ ويختلف فى المعنى بينما الأضداد يباين المعنى الأول فيها المعنى الثانى تمام المباينة. وقد تناول العرب هذه الناحية من اللغة بالدقة والشغف اللذين تناولوا بهما النواحى اللغوية الأخرى وأفردوا لها فصولا فى كتب عامة (مثل السيوطى: المزهر، بولاق، جـ ١، ص ١٨٦ - ١٩٣؛ ابن سيده: المخصص، جـ ١٣، ص ٢٥٨ - ٢٦٦) وخصّوها برسائل قائمة بذاتها. وقد أحصى هذه الرسائل لأول مرة ردسلوب (Die Arabischen: Redslob Worter Mit. entgegengesetzter Bedeutung. جوتنجن ١٨٧٣ ص ٧ - ٩، ويجب أن
стр. 854
نستبعد اسم الجاحظ من المصادر التى ذكرها ردسلوب).
ونحن إذ عرفنا بعض هذه المصنفات من الشواهد المنقولة منها فإنه قد انتهت إلينا رسائل تحمل اسم "كتاب الأضداد" كتبها الكتّاب الذين سنذكرهم بعد، وقد نشرت أجزاء منها:
(١) قُطْرب المتوفى سنة ٢٠٦ هـ (٨٢١ م؛ طبعة Islamica: H.Kofler سنة ١٩٣٢.
(٢) الأصمعى المتوفى سنة ٢١٦ هـ (٨٣١ م؛ طبعة Drei ar-: A.Haffner abische Quellenwerke uber die Addad بيروت سنة ١٩١٣، ص ٤٥ - ٦١.
(٣) أبا عُبَيْد المتوفى سنة ٢٢٣ هـ (٨٣٧ م؛ انظر Brockelmann قسم ١، ص ١٦٧).
(٤) أبا حاتم السجستانى المتوفى حوالى سنة ٢٥٠ هـ (٨٦٤ م) طبعة هافنر: المصدر المذكور ص ٧١ - ١٥٧.
(٥) ابن السكيِّت المتوفى سنة ٢٤٣ هـ (٨٥٧ م) طبعة هافنر: الكتاب المذكور، ص ١٦٣ - ٢٠٩.
(٦) أبا بكر بن الأنبارى المتوفى سنة ٣٢٧ (٩٣٩ م) طبعة هوتسما، ليدن سنة ١٨٨١؛ القاهرة سنة ١٣٢٥ هـ.
(٧) أبا الطيب الحلبى المتوفى سنة ٣٨١ هـ (٩٩١ م؛ انظر بروكلمان، قسم ١، ص ١٩٠).
(٨) الصغانى المتوفى سنة ٦٥٠ هـ (١٢٥٢ م؛ انظر هافنر: كتابه المذكور، ص ٢٢١ - ٢٤٨).
ولا يؤخذ بالرأى الذى ظل سائدًا منذ عهد بعيد والذى يقول إن اللغة العربية- بخلاف جميع اللغات السامية الأخرى- تشمل عددًا عظيما من الأضداد، ذلك لأننا إذا استبعدنا جميع الكلمات التى ليست بأضداد حقيقية أو الموضوعة فى غير مواضعها، لا يبقى من الأضداد فى اللغة العربية إلا القليل، وهذا ما دعا المبرّد (مخطوط بليدن رقم ٤٣٧، ص ١٨٠) وابن درستويه الذى نقل عنه السيوطى (جـ ١، ص ١٩١) إلى الإسراف فى القول إلى حد إنكار وجود الأضداد فى اللغة العربية إنكارًا تامًا، ومع ذلك فقد أحصى ابن الأنبارى
стр. 855
فى كتابه أربعمائة من الأضداد ولكنه بالرغم من هذه الكثرة أغفل "أنكر" و"ولى " وغيرهما. وأشار "ردسلوب" من قبل بوجوب استبعاد عدد كبير من الأضداد بحجة أن مصنفى العرب توسعوا كثيرًا فى فهم كلمة "أضداد" أو جمعوا -فى شئ كثير من التصنع أو التكلف- عددا كبيرًا منها.
ويجب أن نلاحظ:
(١) أن معظم الكلمات التى أوردها كانت معروفة عند العرب، أو شائعة بينهم، بمعنى واحد فقط؛ أما المعنى المخالف فلم يرد إلا فى روايات نادرة، وربما كانت موضع الشك، ولو لم يكن الأمر كذلك لكثر الالتباس فى حديث الناس، على أن ابن الأنبارى قد أنكر فى مقدمة كتابه (ص ١) إمكان وقوع أى التباس.
(٢) يجب أن نلاحظ الضد فى المعنى اللغوى الذى تدل عليه الكلمة وهى مفردة ومن الخطأ البين أن نلاحظ المعانى التى تدل عليها الكلمة فى التراكيب المخللفة ويحكم عليها بالضد تبعا لذلك (ابن الأنبارى: كتابه المذكور، ص ١٦٧ - ١٦٨).
(٣) وتخرج من باب الأضداد الحروف مثل إن ومن وأن وأو وما وهل، ولا قيمة للاستدلال بأن "إن" مثلا معناها إذا الشرطية وما النافية، أو الإمكان والنفى بعبارة أخرى، وكذلك لا قيمة لما يقال من أن بعض الصيغ الفعلية مثل كان أو يكون تدل على أزمتة مختلفة، أو أن الأعلام مثل إسحاق وأيوب ويعقوب قد تكون لها معان ثانوية أخرى.
(٤) ولا حصر للصيغ التى قد تدخل أحيانًا فقط فى باب الأضداد نحو "كأس" التى تفيد الإناء كما تفيد الشراب الذى فيه، ونحو "نحن" التى تفيد المتكلم المفرد والجمع، ونحو جميع صيغ "فاعل" التى ترد أيضا بمعنى "مفعول" مثل وامق وخائف، وصيغ "فَعيل" التى تفيد أيضًا معنى فاعل مثل أمين، وصيغ المبالغة التى تتكون من أسماء الفاعل والمفعول للفعل الثلاثى والمزيد، والثلاثى اللازم الذى يفيد التعدية أحيانًا مثل زال وغيرها. وهذه الحالات كلها ليست فى الواقع من الأضداد.
стр. 856
(٥) وكذلك ليس من الأضداد الكلمات التى تستعمل فى أحيان معينة اهتزاءً أو تهكمًا، مثل يا عاقل للمجنون، أو تفاؤلا، ملو يا سالم للمريض. لأن استعمال هاتين الاستعارتين موقوف على اختيار المتكلم.
(٦) ويظهر التعسف والافتعال على أشدهما آخر الأمر فى إدخال العرب فى باب الأضداد كلمات ملو"تَلْعة" التى معناها المسيل من الماء والمرتفع من الأرض، لأن الماء يهبط والأرض ترتفع.
ومعظم الشواهد التى أوردها ابن الأنبارى تنطبق عليها واحدة أو أكثر من الملاحظات التى مرت بنا، ولذلك يجب ألا تعد من الأضداد، وهكذا لا يبقى من الأضداد بعد هذا إلا القليل.
وقد حاول العرب أنفسهم تفسير هذه الظواهر، إلا أن تفسير، واحد، يستحق منا الاهتمام، وهو التفسير الذى يريدنا على أن نرجع لأصل الكلمة الذى يؤخذ الضدان منه (ابن الأنبارى: كتابه المذكور، ص ٥، س ٢٠ وما بعده؛ المزهر، جـ ١، ص ١٩٣).
أما التفسيرات الأخرى فتعلل المعانى الموجودة بالفعل، وترى أن الأضداد عبارة عن معان مستعارة من ناحية أصول الكلمات بعضها من بعض (ابن الأنبارى: كتابه المذكور، ص ٧؛ المزهر: جـ ١، ص ١٩٤ س ٤). أو تحاول إيجاد صلة، سقيمة فى كثير من الأحيان، بين المعانى، فالعرب يقولون -مثلا- إن "بعض" تأتى بمعنى كل، لأن كل الشئ ما هو إلا بعض من شى، آخر (ابن الأنبارى: كتابه المذكور، ص ٦).
وقد بذل آبل (Uber den Ge-: C.Abel gensinn der Urworte. ليبسك سنة ١٨٨٤؛ وأعيد طبع هذا البحث فيما نشره بعنوان Sprachwissenchaftlichen Abhandlungen . ليبسك سنة ١٨٨٥) محاولة للوصول إلى تفسير لظاهرة الأضداد اللغوية بصفة عامة مبتدئًا بنظرة واحدة فحسب. وفى رأيه أن الكلمات التى استخدمها الأولون لم تكن تعابير عن أفكار معينة غامضة، ولكنها كانت أقرب إلى وصف صلة متبادلة بين متضادين، مثال ذلك أن فكرة
стр. 857
"القوى" لا يمكن أن تفهم إلا بمقارنتها بفكرة "الضعيف"، وكان طرفا التضاد إنما يميز بينهما تدريجا بتغييرات صوتية. ولم يأخذ اللغويون بنظرية آبل، ولكنها وجدت قبولا لدى علماء التحليل النفسى.
وكذلك حاول كوردس R. Gordis): mutually opposed meaning Words of فى Am.J.Semit Lang، سنة ١٩٣٨ ص ٢٧٠ - ٢٨٠) أن يجد تفسيرًا يصدق على جميع الأضداد، فبدأ بالنظريات الأنثروبولوجية الحديثة، وربط الأضداد بالمحرمات والقوى الطبيعية الخارقة وانتهى فى ذلك إلى القول: "إن الأضداد من جميع النواحى هى فى حديث الناس ليست إلا بقايا من طرائق التفكير عند البدائيين".
والرأى السائد فى علم اللغات بصفة عامة يخالف مثل هذه النظريات، إذ يقول إن الأضداد لا يمكن تفسيرها إلا على ضوء مبدأ واحد، هو أن الكلمات من أصلها لها معنى محدد. ومن ثم فإن فى كل ضد معنى يجب أن يعد أصليا ومعنى يعد فرعيا. ومهمة علم اللغات أن يتتبع فى كل حالة التغير التدريجى للمعنى، ولو أنه يتضح للبادرة الأولى أن الوقائع لا يمكن أن تقوم فى جانب كل ضد. والحق إن لغويى العرب سبق أن سلموا من حيث النظر بهذا المبدأ وهو "الأصل لمعنى واحد"، أما أن كتبهم لم تسهم فى حل هذه المشكلة إلا بأيسر اليسير على الرغم من وفرة المادة التى بين أيديهم، فمن أسبابه أن تفسير الأضداد لم يكن مسألة علمية بمقدار ما هو مسألة عملية صرف، ذلك أن أول ما كان يعنى به العرب هو أن يعدوا ثبتًا كاملًا على قدر الإمكان بجميع كلمات الأضداد التى تستخدم فى الحياة اليومية وفى الأدب. ولذلك نجدهم فى كثير من الأحيان إنما يستهدون بالتوافق الظاهرى، ومن قبيل ذلك أنهم جعلوا من بين الأضداد كلمة.
(١) "مودٍ" أى هالك والأصل ودى.
(٢) ومودٍ أى قويّ شديد، من الأصل أدى.
وقد فسر كيس (F. Giese فى - Un tersuchungen uber die addad auf Grund von Stellen aus Altarabischen Dichtern
стр. 858
برلين سنة ١٨٩٤) معظم الأضداد الواردة فى الشعر القديم وكيف انتقل معناها الأصلى إلى الضد بتصنيفها فئات شتى من حيث علم المعانى.
(١) الاستعارة: مثل ناء تأتى بمعنى نهض مثقلا بالحمل كما تأتى أيضا بمعنى بعد به، ومثل ناهل التى تقال للعطشان والريان.
(٢) تصاحب المعانى المتضادة بالذهن: مثل "بين" التى تفيد الفراق كما تفيد الوصال وفقا لحالة الشخص الذى يكون إما مفترقًا وحده عن جماعته أو متصلا بجماعة أخرى، ومثل "جَلَل" ومعناها يدحرج، ومن ثم جاءت بمعنى ثقيل، كما تأتى بمعنى يتدحرج فى سرعة. ويرتفع، ومن ثم جاءت بمعنى حقير وخفيف.
(٣) قصر الفكرة على معنى الإصلاح أو الإفساد على التوالى: مثل رَمّ العظْم بمعنى قوى حين يكون فيه النخاع، وبمعنى ضعف حين يكون العظم رميما.
(٤) المفروض أن الكلمات التى تفيد الانفعال أو اللون يكون معناها الأصلى الثابت "انفعل" سواء أكان هذا الانفعال لشئ حسن أو سيئ مثل "راع" التى تأتى بمعنى خاف أو بمعنى أعجب؛ ومثل "طَرب" التى تأتى بمعنى حرن أو بمعنى فرحَ؛ وكذلك رجا وخاف، ومثل "ذفرى" و"بنة" التى تدل على الرائحة الطيبة كما تدل على الرائحة المنتنة. ومن هذا الضرب الكلمات التى تفيد الظن بمعنييه اليقين والشك نحو ظن وحسب وخال (ابن الأنبارى: كتابه المذكور، ص ٨ وما بعدها؛ Landau كتابه المذكور، ص ١٨٩ وما بعدها).
(٥) وكان من أثر الثقافة فى كثير من الأحيان أن تباينت الكلمات التى تدل فى الأصل على معنى واحد مثل باع وشَرَى اللتين كان معناهما الأصلى تبادل.
(٦) المشتق من الأسماء وخاصة فى "فعَل" و"أفعل" وكان معناهما فى الأصل إحداث الحدث بالشئ المراد، ولذلك يمكن استعمالها فى الإيجاب والسلب نحو"فرّع" التى تأتى بمعنى صعد كما تأتى بمعنى انحدر، قارن بينها وبين "شيريش سقيل" فى
стр. 859
العبرية. أضف إلى ذلك أن عدم وجود حروف الجر المركبة فى اللغة العربية يؤدى إلى كثير من الالتباس (السيوطى: كتابه المذكور، ص ١٨٩) مثل وَلَى التى تأتى بمعنى أقبل كما تأتى بمعنى أدبر، ومثل سمع التى تأتى بمعنى وقع الكلام فى الأذن، وتأتى بمعنى أجاب، وكذلك وجود كثير من الكلمات المتقاربة فى النطق أو المشتركة فى الأصل مما يحملنا على تفسيرها بمعنيين) Landau: كتابه المذكور، ص ١٨٦ وما بعدها) مثل "أمم" والأصح "أيم" - التى تدل على الأمر العظيم والحقير، ومثل "مأتم" التى تطلق على مجمع النساء فى الحزن أو الفرح، ومثل "زوج" التى تقال للرجل والمرأة.
والأضداد الناجمة عن اختلاف اللهجات مهمة وقد أورد لغويو العرب الشواهد على ذلك مثل "سُدْفَة" وهى الظلمة فى لغة تميم والنور فى لغة قيس، ومثل "وثَب" التى تفيد قعد (بالعبرية "ياشبه") فى لغة حمير ونهض فى لغة العرب عامة وكذلك
سامِد وقَرْء.
ويمكن أن نلاحظ وجود ظاهرة الأضداد فى اللغات السامية كلها، ومن ثم فإن رسالة لانداو (Die: E. Landau -gegensinnigen Worter im Alt - and Neu hebraischen، برلين سنة ١٨٩٦) كان لها شأن أيضا فى فهم الأضداد فى العربية. وأشمل دراسة وأخضعها لمقاييس النقد فى هذا الموضوع هى دراسة نولدكه (Worter mit: Th. Noldeke Gegensinn (Addad) فى Neue Beitrage
Zur semitishen sprachwissenchafi ستراسبورغ، سنة ١٩١٠ , ص ٦٧ - ١٠٨)، فقد درس فيها وفسر من حيث الاشتقاق اللغوى ومن حيث علم المعانى ١٧٧ ضدًا بإبراز التغيرات المتشابهة فى المعنى، ومدخلا فى اعتباره أصول الأضداد فى اللهجات العربية، وفى العبرية وفى الأرامية وفى لغات الحبشة ويصنف نولدكه عددًا كبيرًا من التغيرات فى فئات معينة من حيث المعانى، ولكنه أحجم عامدًا عن أن يلتمس مبدأ ثابتًا أو ترتيبًا معينًا، ويقرر صراحة "أن القواعد الثابتة والعامة فى علم المعانى أقل ظهورًا منها فى علم
стр. 860
الأصوات" وأن "الحقيقة المتنوعة للغة الإنسان تقاوم كل المحاولات التى تبذل لوضعها فى قواعد". وتوجد الأضداد فى جميع اللغات كما يفهم ضمنا من مناقشتنا السالفة للموضوع، وقد لفت كرِمْ من قبل الأنظار إلى ذلك (Jacob Kleinare Aufsaltze: Grimm. جـ ٧، ص ٣٦٧) ويمكننا أن نجد أمثلة هامة على ذلك فى نيروب (Das Leben: K. Nyrope der Worter؛ ترجمة ونوجه R.Vogt) ونوجه النظر بصفة خاصة إلى ملاحظات واكرنا كل فى فقرة من بحثه (- J. Wack: ernagel Vorlesugen fiber Syntax: بازل سنة ١٩٢٨، جـ ٢، ص ٢٣٥)، أما ملاحظاته فى غير هذا من الموضوعات فتهمل
[فايل Weill]
تعليق على مادة الأضداد
الضّدان هما الأمران الوجه ديان المتقابلان فى المعنى اللذان لا يجتمعان فى وقت واحد لشئ واحد، وقد يتخلفان عنه معًا، كالحلاوة والملوحة والسواد والبياض. والتضاد يبحث عنه فى اللغة من ناحيتين مختلفتين: الأولى ناحية أنه مظهر من مظاهر الكلام فى تأديته الأغراض والمعانى التركيبية. والثانية أنه من مظاهر اللغة نفسها فى تأدية المعانى الأولية للمفردات.
والتضاد بالمعنى الأول يذكر فى مواضع كثيرة من العلوم، فيذكر فى المجاز على أنه علاقة من العلاقات المصححة لاستعمال اللفظ فى غير معناه الحقيقى، ويذكر فى التشبيه على أنه وجه من وجوه الشبه، ويذكر فى البديع على أنه من المحسنات، ويذكر على أنه مادة لذلك كله فى متن اللغة وما يتصل به كالمقدمات اللغوية لعلم الأصول.
وحيثما يذكر التضاد من هذه الناحية لا يُتحرَى فيه المعنى الدقيق المتقدم لكلمة الضد بل يتوسع العلماء فى تلمس الضدية وتحقيق معناها على أى اعتبار يسهل أداء الغرض. أما الناحية الثانية فهى التى تحتاج إلى البحث والتمحيص.
وقد بحث العلماء فى التضاد من الناحيتين جميعا وألفوا فى الأضداد كتبا، ولكنهم حين عالجوا ذلك فى
стр. 861
التواليف غلبت عليهم الناحية الأولى فذكروا كثيرًا من الأمثلة للأضداد منها ما هو فى المفرد كالقُرْء قالوا أنه للطهر والحيض معًا ومنها ما هو فى الفعل. قالوا: ظن تكون للشك واليقين والرجحان جميعًا. ومنها ما هو فى التراكيب قالوا: تهيبت الطريق وتهيبتنى الطريق بمعنى، وهذا من الأضداد. ومنها ما هو فى المتعلقات مثل رغب عنه ورغب فيه. ومع غلبة الناحية الأولى عليهم لم يفتهم التكلم فى الناحية الثانية ومعالجتها بالبحث والإدلاء فيها بالآراء المختلفة، ما يمنع منها وجود الأضداد بهذا المعنى فى اللغة، وما يجيز.
فإذا جارينا وجهة النظر الأولى لم يكن لنا أن نلاحظ شيئًا على ما ذكروه من الأمثلة المختلفة لأن معنى الضد لا يلزم أن يتحقق فى كل واحد منها تمامًا. ويظهر أن شمول البحث فى للك التواليف العربية للناحيتين معا متلاصقتين متتابعتين إبهم على كاتب المادة وأمثاله فذكر الملاحظات التى ذكرها والتى منها هو جدير بالاعتبار إذا قصرنا البحث على وجهة النظر الثانية.
وإذا نحن اتجهنا بالبحث الوجهة الثانية كان علينا أن نأخذ فيها برأى ركين. وقبل أن نستعجل هذا الرأى بالمنع أو الجواز ينبغى ألا يعزب عنا أن التضاد مناف لطبيعة اللغة وأنه لا يسهل التفاهم بين الناس، فمن الصعب أن نقبل أن المعانى الأولية المتضادة يتفاهم الناس عنها بلفظ واحد. والصعوبة التى تنشأ من التضاد أكبر جدًا من التى تنشأ من الاشتراك، وإذا قيل أن القرائن توضح المراد كان هذا تسليما حقا بمنافاة التضاد لطبيعة اللغة لأن الاعتماد على القرائن ليس من طبيعة اللغات فى سذاجتها وإنما هو طور آخر فوق ذلك. ولن نتعجل الرأي بوجود الضد فى اللغة بهذا المعنى أو عدم وجود -وإن لم نعدم لكل رأى أنصارًا- حتى نستعرض الطوائف التى استخلصناها مما ذكروا من أمثلة الأضداد. وقد وجدناها على كثرتها لا تعدو عشر طوائف:
стр. 862
الطائفة الأولى - أمثال: راع أبهج وأخاف، والذفر للطيب والنتن، والصارخ للمغيث والمستغيث، والطرب للحزن والفرح.
وأمثلة هذه الطائفة أكثر من أمثلة ما عداها، ولو أردنا تحقيق الضدية تمامًا فى هذه الطائفة لعز علينا درك ذلك لأن المعنى متحقق فى كل من المتعلقين على حد سواء. فكل من المغيث والمستغيث يصرخ، وليس صراخ أحدهما ضدًا لصراخ الآخر بل كل منهما فرد من أفراد الصراخ، ولا يمكن أن يقال أن أفراد المتواطئ تكون أضدادًا فإن هذا محال.
وإن جاز لنا أن نعتبر ما فى هذه الطائفة من التضاد لكانت الأوصاف كلها أضدادًا، فإن بياض اللبن ضد لبياض الطباشير لأن الطباشير ضد اللبن كالمغيث ضد المستغيث، ولا يمكن أن يجتمع الطباشير واللبن فلا يجتمع بياضاهما فهما ضدان وهذا هراء. بل يعدو الأمر الأوصاف إلى كل التراكيب التقييدية وغير التقييدية لأن كل مركب يفيد معنى لا يمكن أن يجتمع مع معنى يفيده تركيب مغاير قلت المغايرة أو كثرت، وحينئذ نصير إلى أمر عسير إذ لا تكون اللغة كلها إلا أضدادًا وإذ لا بحث إلا بحث الأضداد.
الطائفة الثانية - أمثال: كأس للإناء وللشراب ملء ذلك الإناء، والسليم للصحيح والملدوغ، والناهل للريان والعطشان، والمفازة لمحل الفوز والصحراء القاحلة محل الهلاك.
واذا طبقنا بسائط علوم اللغة على أمثلة هذه الطائفة وجدنا المعنى الثانى مجازيا لكلمة والأول هو المعنى الحقيقى ليس غير. ومعنى الضدية لا يتحقق بين الحقيقة والمجاز لأنهما لا يتساويان فى فهمهما من الكلمة وإنما الذى يفهم هو المعنى الحقيقى فقط ولا يفهم المعنى الثانى إلا بقرينة وبالانتقال من المعنى الأول حتما فيفوت معنى الضدية.
ولو جاز لنا أن نعتبر هذه الطائفة من الأضداد لصرنا إلى العنت والإرهاق لأن كل لفظ فى اللغة له استعمالات تجوزية إذ لا بد لكل معنى حقيقى من معنى آخر مجازى له ولو المعنى الذى يلزم عنه فتكون اللغة كلها من الأضداد.
стр. 863
وبهذا يكون صدر الملاحظة الرابعة فى مادة الكاتب باطلا إذ يقول إنها قد تدخل أحيانًا فى باب الأضداد وفوق هذا فهذا الصدر متضارب مع عجز هذه الملاحظة ونهايتها، وتكون الملاحظة الخامسة صحيحة ولكنها عين الرابعة لأن الكل من باب الحقيقة والمجاز ما عدا صيغ "فاعل " وأمثالها وللك سترد فى طائفة أخرى.
الطائفة الثالثة - أمثال: وثب عند حمير "قعد" وعند غير حمير "نهض"، سجد عند طيئ "انتصب" وعند غير طيئ "انحنى"، ولمق عند بنى عقيل "كتب" وعند قيس "محا" والسدفة عند بنى تميم " الظلمة" وعند قيس "الضوء".
وجلى أن التضاد لا يتحقق إلا إذا اعتبرنا اللغتين معًا، واعتبارهما معا مخل بأصل التضاد، إذ لابد فيه من وضع واحد، وليس ذلك فى اللغتين بل كل منهما بوضع خاص قد يجهله صاحب الوضع الآخر تمام الجهل، ولا يمنع من ذلك أن كلا من اللغتين عربى ولا يمنع منه أيضا تسمية كل منهما لهجة، فاتصالهما بالعربية وتسمية كل منهما لهجة ثابت مع وجود هذا الجهل بأحد الوضعين وهو محقق لوجود الوضعين فى المعنيين، يدل على ذلك ما تتناقله كتب الأدب أنه خرج رجل من
بنى كلاب -أو من بنى عامر بن صعصعة- إلى ذى جدن، فأطلع إلى سطح والملك عليه، فاختبره فقال له: ثب، فقال: ليعلم الملك انى سامع مطيع. ثم قفز من السطح فمات، فسأل الملك: ما شأنه؟ فقيل له إن الوثب فى كلام نزار الطمر، فقال الملك: ليست عربيتنا كعربيتهم، من ظَفَّر حَمَّر. (يعنى من وصل ظفار فلينطق بلغة حمير).
فلو كان العربى يعرف هذا المعنى الثانى لجلس فاستجاب للملك ونجا من الموت. وما مثل اعتبار التضاد من لهجتين إلا كمثل اعتباره بين لغتين مستقلتين لأن المدرك فى الجميع واحد وهو تعدد الوضع المفيد لتعدد المعنى؛ فهل يسوغ لنا أن نقول إن كلمة (رِجْل) من الأضداد لأنها تنطق فى العرَبية والفرنسية سواء ومعناهما مختلف، فهى فى العربية عضو من أعضاء الإنسان وفى الفرنسية regle المسطرة والقاعدة.
стр. 864
واعتبار وحدة اللغة فى التضاد نص عليه علماء اللغة الذين عالجوا "باب التضاد"، فصاحب "الجمهرة " قال: الشعب الافتراق والشعب الاجتماع وليس من الأضداد وإنما هى لغة لقوم.
الطائفة الرابعة - مثال: باع للبيع والشراء وشرى للبيع والشراء، وكتابة لما يقع من الكاتب ولما يقع على المكتوب، ومثل المولى للسيد ولابن العم وللخادم. ومعنى الضدية لا يكاد يوجد فى شئ من أمثلة هذه الطائفة لأن المصادر والأمور النسبية جميعًا يصح أن تنتسب إلى أى طرف من الطرفين، وإذا كان المعنى النسبى متساويًا بالنسبة إليهما سواء كان اسمه متحدًا كالولاء فإنه ارتباط ودّى يكون من السيد لخادمه كما يكون من الخادم لسيده وكما يكون من القريب للقريب ولذا يكون كل منهما مولى، وإذا اختلفت حالة ذلك المعنى النسبى بالنسبة للطرفين كان اسمه حين ينسب إلى واحد منهما غير اسمه حين ينسب إلى الآخر، أما هو فشئ واحد: فباع ليس معناها كما يزعمون بادل التى تجعلها من الطائفة الأولى، وإنما معناها مدّ باعه بالشئ للآخر وهذا العمل نسبة بين المادّ والممدود والممدود له، فكل من المتبادلين يمدّ يده بما فيها ليعطيه للآخر. وحينئذ يكون كل منهما بائعًا، ولما كثر التعامل وترتيب آثار مختلفة على طرفى هذا العمل صار معناه حين
ينسب إلى أحدهما غير معناه حين ينسب إلى الآخر، ولهذا جعل لكل منهما اسم خاص، فهو بائع إذا رغب عما فى يده من السلعة ومشتر إذا كان راغبًا فيها، ولا يضر جعل القواميس مصدر باع معنى مد يده واويا ومصدرها فى البيع والشراء يائيًا، فمصدر رأى بالعين رؤية وهو واوى وبالاعتقاد رأى وفى المنام رؤيا. والولادة حين تنسب إلى الوالد تكون أبوة وإلى المولود تكون بنوة وهى هى العلاقة بين الوالد والمولود لا تتغير، وكذلك الكتابة هى الحالة التى بين الكاتب والمكتوب، ولما كانت نسبتها إليهما على حد سواء لذلك لم تتغير سواء أكانت مصدر الفعل المبنى للفاعل أو مصدر المبنى للمجهول، فمعنى الضدية على كل حال فى شئ من المعانى النسبية لا يتحقق.
стр. 865
الطائفة الخامسة - أمثال: أمين للمؤتمِن صاحب الأمانة وللمؤتمَن الذى أودعت عنده، ومختار للذى وقع منه الاختيار والذى وقع عليه، وقريع للكريم والمرذول، ومن هذا الباب بالإيجاز جميع الصيغ التى تتوافق منطقًا وتختلف تصريفًا.
ولا جرم أن دعوى التضاد فى هذه الطائفة إنما هو اعتبار للنغمة الصوتية فقط مع تناسى حقيقة الكلمة ومقياسها، فمختار الذى أصله مختير بكسر الياء لا يمكن أن يقال إنه مختَار الذى أصله مختيَر بفتحها، ومن ثم تكون دعوى التضاد فى هذه الطائفة أشبه بالهذر منها بالحقائق العلمية لأن التضاد إنما يتصل بالمعانى لا بالأنغام.
الطائفة السادسة - أمثال: رغب فيه أحبه ورغب عنه كرهه، راغ عليهم أقبل وراغ عنهم أدبر، وانصرف إليهم تفرغ لهم وانصرف عنهم اشتغل بغيرهم.
وجلى ألا تضاد فى شئ من الرغبة أو الروغ أو الانصراف، إنما الضدية بين معنى فى وعن فى الأول وعلى وعن فى الثانى وإلى وعن فى الثالث، وهذه الحروف ألفاظ مختلفة ليست من الضدية التى نبحث عنها فى شئ، فأين اللفظ الذى له معنيان متقابلان؟ !
الطائفة السابعة - أمثال: نسوا الله فنسيهم، فالأولى الترك غفلة والثانية الترك عمدا، رضى الله عنهم ورضوا عنه فالرضا من الله ليس فعلا قلبيا وهو من الناس غيره من الله على أى حال يتصور.
والتضاد بهذا المعنى عملى محض أى متجه إلى وجهة النظر الأولى وهو ما يفيده اللفظ فى التراكيب، والنسيان ليس له إلا معنى واحد، ولم يسم ما حصل من الله تعالى نسيانًا إلا حين ذكر فى جوار ما حصل من الناس على طريقة المشاكلة، ولا يمكن أن يكون شئ من هذا وأمثاله فى وجهة النظر الثانية التى نبحثها للأضداد.
الطائفة الثامنة - أمثال: إن للإثبات والنفى، وإذ للماضى والمستقبل، وإذا للماضى والمستقبل، وصيغة فاعل لاسم الفاعل واسم المفعول، وصيغة فعيل للفاعل والمفعول، ومثل أرديت الرجل بمعنى أهلكته وارديت الرجل بمعنى
стр. 866
أعنته ورجل مودٍ تام الأداة ورجل مودٍ هالك.
ودعوى التضاد فى هذه الطائفة تهافت لأن معنى اللفظ لا تضاد فيه لأن الأوضاع مختلفة. فما النافية ليست هى ما الموصولة حتى نعقد تضادًا أو غير تضاد بين المعنيين. وأرديت الأولى فعلها ردى والثانية فعلها ردًا فيكون المتعدى منها بالهمزة أردأته أى جعلت له ردأ ثم تخفف الهمزة فتصير أرديته فتتفق مع الأولى فى النطق ولكل منهما مادة خاصة ووضع خاص، وكذلك مود الأولى من الأداة وأصلها مؤد وإذًا خففت الهمزة صارت مود فتوافق الثانية المأخوذة من ودى بمعنى هلك، فليس ثمة لفظ واحد له معنيان بوضع واحد. والفرق بين هذه الطائفة وبين الطائفة الخامسة اختلاف المادة هنا واتحادها هناك.
الطائفة التاسعة - أمثال: خبت النار بمعنى ركدت قالوا وهى فى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ بمعنى التهبت لأن نار جهنم لا تخبو أبدا؛ شاة درعاء مقدمها أبيض ومؤخرها أسود؛ المأتم مجتمع النساء فى الفرح والمأتم مجتمع النساء فى الحزن.
والتضاد فى هذه الطائفة ضحك لأنه لا يتصل بالمعنى ولا يتصل باللفظ فلم يأت واحد منهما بشئ من التضاد، وإنما نشأ التضاد من مجرد تفسير اللفظ وتعبير المعبر فنار جهنم تخبو بالنسبة إلى درجاتها حتما، فالله تعالى يقول: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. والنار التى تشتعل فيها الجلود أشد فى هذا الوقت حماسة منها فى وقت نضج الجلود ضرورة انتهاء المدد الذى يذكيها ويشعلها كما قال تعالى ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾؛ والجلود من الناس فهى من الوقود ومتى قل الوقود خبت النار فمجرد تفسير القائل خبت بحميت هو الذى أتى بالتضاد المزعوم؛ وكذلك لو قلنا الشاة الدرعاء ما فيها بياض وسواد كأنها للبس درعًا لم يبق للتضاد أثر لأن التفسير والعبارة التى خلقت التضاد زالت فزال التضاد بزوالها واذ نقول المأتم جماعة النساء لم يكن فى المأتم تضاد.
стр. 867
الطائفة العاشرة - أمثال: بعض للبعض والكل، لأن الشئ كل لما هو أقل منه، بعض لما هو أكثر منه، وممثل لم أسئ إليك ولم تسئ إلىّ، فله معنيان نفى الإساءة منهما معًا لاثبات الاساءة منهما معًا.
وهذا هو التعسف بعينه وهو فى كلمة البعض والكل ظاهر، وفى مثل التركيب الثانى يستفاد المعنيان حقيقة ولكن فى وقتين مختلفين وبتأويل الواو على معنيين متباينين فإذا كانت الواو عاطفة كانت الإساءة منتفية منهما معًا، وإذا كانت الواو للحال كانت نافية لحصول الإساءة من الأول فى وقت عدم حصولها من الثانى وتفيد تعريضًا إثبات الاساءة من الأول عند ما حصلت من الثانى، والمعنى على الأول لم يسئ واحد منا لأخيه وعلى الثانى إنى لم أسئ إليك فى الوقت الذى لم تسئ إلىّ فيه وإنما أسات إليك جزاء ما أسات إلىّ.
ومسلم جدًا أن هذين تركيبان مختلفان وأن تشابها فى الصورة ولا يمت أحدهما إلى الآخر بسبب من أسباب القرابات المعنوية التى ينشأ الضد عنها.
ولو ساغ لامرئ أن يعتبر أمثال هذه الطائفة من التضاد لكانت الألفاظ الدالة على المعانى النسبيه كلها من قبيل التضاد، فكل إنسان والد بالنسبة لابنه ومولود بالنسبة لأبيه، والعالم كله مجموعة أجناس وأنواع بعضها فوق بعض ومنسوب بعضها إلى بعض فلا نكاد حينئذ نجد لفظًا ليس من الأضداد.
وبعد هذا الذى قدمنا من استعراض الطوائف المتقدمة نجدنا صائرين فى طريق إنكار وجود الأضداد بالمعنى العلمي البحت المتجرد عن اعتبار التراكيب وملابساتها ولا مفر من ذلك. وقديمًا أنكر كثير من العلماء وجود الأضداد بهذا المعنى.
قال فى المزهر للسيوطى فى بحث الأضداد: أنكر ناس هذا المذهب (ص ١٨٦ - جـ ١). وقال: قال: آخرون إذا وقع الحرف على معنيين متضادين فالأصل لمعنى واحد ثم تداخل على جهة الاتساع (ص ١٩٣) وقال ابن درستويه أنكر هذا (ص ١٩١ - جـ ١). وقال: قال
стр. 868
آخر وإذا وقع الحرف على معنيين متضادين فمحال أن العربى أوقعه عليهما بمساواة بينهما. ولكن أحد المعنيين لحىّ من العرب والمعنى الآخر لحى غيره ثم سمع بعضهم لغة بعض فأخذ هؤلاء عن هؤلاء وهؤلاء عن هؤلاء.
ومن ثم تسقط الملاحظات التى أبداها كاتب المادة وتصبح فاقدة القيمة العلمية سواء منها ما يقبله كالذى فعله (كيس) وما يرده كالذى فعله (آبل). كذلك تعبير الكاتب عن عمل العرب المجيد فى التضاد العملى بأنه محاولة لتفسير هذه الظواهر يكون غمطا لهذا العمل الذى هو فاخر فى الوجهة التى يتجهها ويكون خلطا من الكاتب لنظرية الضد العملية بالنظرية العلمية وتطبيقًا لأحكام إحداهما على أحكام الأخرى، وذلك غير سديد.
والأضداد الناجمة عن اختلاف اللهجات لا تكون مهمة البتة ولا مفيدة شيئا من ناحية الضدية، وقيمة ما قاله الكاتب فى هذه الناحية تضاءلت إلى لا شئ.
ولا اعتبار لعلاقة كلمة "وثب" العربية فى لهجتها الحميرية وغير الحميرية بكلمة "ياشبه" العبرانية لأن هذه العلاقة إن أفادت شيئا فى تطور اللغات السامية أو العربية فقط فهى تفيده من حيث قرابة وثب فى أى لهجة من لهجتيها واتصالها بكلمة "ياشبه" العبرية، ولا دخل لهذه العلاقة فى التضاد. وكثير من الكلمات الفرنسية يشترك مع الكلمات الإنجليزية فى نشوئهما معًا عن كلمة لاتينية فهل يحقق هذا المعنى شيئًا من الترادف بين كلمة (Composition) الفرنسية وكلمة (Composition) الإنجليزية؟
ويخطئ الكاتب كثيرًا حين يظن أن العرب نظروا إلى الأضداد نظرًا عمليًا فقط، فقد تبين أنهم نظروا كلا النظرين وأدوا إلى كل نظر حقه.
ولم يعن العلماء العرب بحل مشكلة الأضداد لأنه لا توجد عندهم أضداد حتى تكون لها مشكلة تحل.
وبعد فإن ناسًا قد عرضوا للتضاد كما يعرض للمسائل المنطقية يستدل لها بالدليل العقلى فزعموا أن اللغة لا بد أن
стр. 869
يطرقها الاشتراك ومنه التضاد لأن الاْلفاظ محصورة والمعانى غير محصورة، فوجب استعمال اللفظ لأكثر من معنى حتى يتأتى التعبير عن المعانى جميعها، وفى هذا الخطأ الفاحش لأن البحث فى اللغات لا يكون من نواحى سوق الأدلة العقلية البحتة، ثم هم غفلوا عن أننا قد استحدثنا من الأعداد التسعة البسيطة ما لا يكاد يحصى من الأعداد. ومن ذا الذى يستطيع أن يقول إن حاجة الإنسان من المعانى غير محدودة؟ وفوق هذا كله غفلة كبيرة عن الواقع فقد أهمل اللسان العربى آلاف
الصيغ التى كانت تنجم من وضع الحروف الهجائية جميع المواضع الممكنة فالاستدلال هكذا على أتم فساد.
ثم بعد فإن الطوائف العشر مستفيضة فى اللغات غير العربية، وإننا لنستعرضها من اللغة الفرنسية:
فالطائفة الأولى مثل: Vous mettez vos vetements، أى تلبس ملابسك، وتقول هذه الجملة لمن تراه يخلع ملابسه ويضعها مثلا فى الحقيبة Vous mettez vos vetements dans la valise أى تخلعها وتضعها فى الحقيبة وذلك لأن (mettez) معناها تضع، ووضع الملابس على الجسد كوضعها فى الحقيبة.
والطائفة الثانية مثل: garcon للولد وللخادم الكبير. ومثل:
Je bois une tasse. J'achete une tasse
الطائفة الثالثة - قد مثلنا لها أثناء المقال فإنه لا فرق بين لهجتين وبين لغتين.
الطائفة الرابعة مثل Cousin فأنت Cousin لابن عمك وابن عمك Cousin لك، فهى كلفظ المولى سواء بسواء.
الطائفة الخامسة مثل: Quelle foule! sur le trottoir فمعنى quelle التعجب، ويقال Queue heure est - il? ومعنى quelle الاستفهام.
الطائفة السادسة مثل: Je pars du Je pars pour la France, Caire فكلمة (pars) فى الأول بمعنى غادر وفى الثانى بمعنى توجه وذلك بمساعدة المتعلقات (de) فى الأول و (pour) فى الثانى، فهى مثل رغب عنه ورغب فيه.
стр. 870
الطائفة السابعة مثل: Je Pa le و Dieu parle فكلام الناس بحرف وصوت وكلام الله تعالى بلا صوت ولا حرف.
الطائفة الثامنة مثل: mal بمعنى مرض مع malle بمعنى حقيبة، فهما وإن توافقا لفظًا لكنهما ليسا من مادة واحدة، والاختلاف فى الكتابة لا قيمة له لأن اللغة لغة قبل أن تكون مكتوبة.
الطائفة التاسعة مثل: Le feu s' eteint فإذا قيل هذا فى جانب جهنم وادعى مفسر أنها هناك بمعنى تلتهب صدق التمثيل.
الطائفة العاشرة مثل: Dites moi ou je و Dites moi, ou je parle فمعنى الأولى: قل لى أين أتكلم، ومعنى الثانية: قل لى وألا تقل لى أتكلم وهما معنيان لا يجتمعان، ولكنهما أيضا لا يكونان لتركيب واحد ...
واننا لنتحدى الذين يزعمون أن فى اللغة أضدادا ونباهلهم بجميع كلمات اللغة العربية أن ياتونا بلفظ واحد له معنيان متقابلان بوضع واحد، فإن لم يفعلوا -ولن يفعلوا- فليس فى اللغة تضاد.
وقبل أن نختتم المقال نجد الحق يدعونا إلى التنبيه إلى ملاحظتين كبيرتين:
الأولى: أن الكاتب ذكر فى صدر المقال أن كلمة الضد نفسها من الأضداد، ففى مثل "لا ضد له" لا تفيد المخالف وإنما تفيد المثل، وكلامه هكذا جار مجرى الكلمات العلمية المسلم بها والجمل التى يطلع عليها الإنسان فيفهم منها معنى قد فرغ منه العلماء.
ولم يذكر كلمة الضد على أنها من باب التضاد إلا ابن الأنبارى ثم عقّب عليها بقوله: وهذا عندى قول شاذ لا يعمل عليه (١) حتى قال: والذى ادعى من موافقة الضد للمثل لم يُقم عليه دليلا تصح به حجته.
فالأمانة العلمية كانت تقضى على الكاتب ألا يسوق كلامه هذا المساق، على أنها فى ذلك التركيب لا تفيد المثل أبدا.
الملاحظة الثانية - أننا لا نفتأ نجد غير المسلمين الذين يكتبون عن العرب
стр. 871
لا يزالون يتوثبون للنيل من الاسلام لأدنى مناسبة.
ونسأل الكاتب: متى بدأ العرب تدوين علوم اللغة؟ ألم يكن ذلك فى الثلث الأول من القرن الأول للإسلام؟ أو لم يكن ذلك حوالى سنة ٢٥ هجرية؟ ؟ ألم يبدأ بتدوين النحو على بن أبى طالب وهو هو من صدر الاسلام وسمعه وبصره؟
وأيا ما كان الأمر، فالمسائل العلمية يجب أن تكون خالصة لوجه العلم لا غمز فيها ولا تلميز.
عبد الفتاح بدوى
الاعتقاد
التصديق بأن الشئ هو كذلك. وقد يفيد الظن فقط بما يطابق فى الإنكليزية "" athinking وفى الألمانية " glauben" وقد يفيد أيضا الاقتناع التام. وتستعمل هذه الكلمة أيضًا بصفة خاصة للدلالة على قبول العقائد الدينية ((Supplement: Lane, Dozy وفى هذا المعنى يرادف الاعتقاد التصديق، أى الاعتقاد الجازم فى صدق الشئ، ويمتاز عن الإيمان بأن البعض يقولون إن الايمان يشمل "العمل و" الإقرار"، ويذهب التفتازانى فى شرحه للعقائد النسفية (طبعة القاهرة سنة ١٣٢١ هـ
ص ٧) إلى أن الأحكام الشرعية بعضها متعلق بكيفية العمل وتسمى "فرعية وعملية"، والبعض الآخر متعلق بالاعتقاد وتسمى "أصلية واعتقادية" (الباجورى: حاشية على شرح ابن قاسم، القاهرة سنة (١٣٢١ هـ. جـ ١، ص ٢٠؛ حاشية على متن السنوسية، القاهرة سنة ١٢٨٣ هـ، ص ١١ - ١٢؛ Les prolegomenes theol de Se-: Luciani noussi ص ٤ وما بعدها: كشاف اصطلاحات الفنون مادة حكم). فالاعتقادات تستعمل غالبا بمعنى العقائد. ولم يكن من السهل تحديد المعنى الدقيق لهذا اللفظ، وقد أورد كشاف اصطلاحات الفنون Dict of) Techn Terms ص ٩٥٤) استعمالين له: أولهما وهو الشائع المعروف ومعناه "التصديق الجازم" والثانى وهو قليل الاستعمال ويفيد الاقتناع أو اليقين. والأول حكم عقلى جازم ولكنه يقبل التشكيك، أما الثانى فحكم قطعى أو راجح يقوم على العلم ويخرج الشك والظن. ويسمى أحيانًا العلم اليقينى
стр. 872
وهو يخرج الجهل المركب. ويقسم البعض الاعتقاد بمعناه الأول إلى قسمين: أحدهما ما يطابق الحقيقة، والثانى مالا يطابقها.
[ماكدونالد D.B Macdonald]
اعتكاف
اسم يطلق على عادة دينية أهم خصائصها أن يعتزل المؤمن فى مسجد بعيدًا عن الناس.
ويعتبر الاعتكاف سنة؛ ويورد بين الأعمال الصالحة التى توصى كتب الفقه بعملها فى العشرة الأيام الأخيرة من شهر رمضان حتى يكون للمؤمن حظ فى بركات ليلة القدر. وتقول الروايات الإسلامية إن النبى [ ﷺ ] أيضًا جرى على قضاء الثلث الأخير من شهر رمضان صائمًا فى المسجد بالمدينة (انظر فيما يختص بليلة القدر: سورة الدخان، الآية ٢، وسورة القدر، الآيات ١ - ٥، وسورة البقرة، الآية ١٨١. ولم يستقر الرأى على تعيين الليلة التى تعتبر ليلة القدر. ويذهب أكثر علماء المسلمين إلى أنها لابد (١) أن تلتمس فى إحدى الليالى العشر الأخيرة من شهر الصوم (وبخاصة إحدى ليالى الوتر الخمسة ٢١، ٢٣، ٢٥، ٢٧، ٢٩ رمضان). ويذهب آخرون إلى أنه ليس هناك ما يشير إلى أن ليلة القدر هى إحدى ليالى ذلك الشهر، وهذا هو رأى أبى حنيفة.
المصادر:
(١) انظر الأبواب الخاصة بشهر الصوم والاعتكاف فى مجموعة كتب الأحايث وكتب الفقه.
(٢) الدمشقى: رحمة الأمة فى اختلاف الأئمة؛ طبعة بولاق، عام ١٣٠٠، ص ٥٠
(٣) Handbuch des: Th. W Juynboll islam Gesetzes، ص ١٢٥.
[جوينبول Th.W. Juynboll]
الأعراف
جمع عرف، وهو ما ارتفع من الشئ: سور تحدث عنه القرآن فى
стр. 873
مشهد من مشاهد الحساب فى الآخرة (سورة الأعراف، الآية ٤٦) يفصل بين أصحاب الجنة وأصحاب النار: ﴿ ... وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ... ﴾ ... " (انظر الآية ٤٨ من هذه السورة: "أصحاب الأعراف"). وتفسير هذه الآية مثار جدل؛ يذهب بل Bell مذهبًا مشكوكًا فيه فيقول إن الأعراف هى الإعراف ويترجم الآية بما يأتى: "ويهيمن على الإعراف رجال يعرفون ... "؛ ويذهب أندريا T. Andrae إلى أن "أصحاب الأعراف" هم فيما يرجح أصحاب المراتب العليا فى الجنة: "الذين يستطيعون أن يشرفوا بأنظارهم على الجنة والنار جميعًا، . وربما كانت الإشارة فى هذه الآية تنصرف إلى رسل الله خاصة الذين يعودون إلى العمل فى اليوم الآخر للتمييز بين الصالح والطالح.
والتفسير المأثور هو أن "أصحاب الأعراف" هم فاعل الجملة التى جاءت فى آخر الآية ٤٦: " لم يدخلوها" وفى الآية ٤٧ من السورة نفسها. ووفقًا لذلك يكون مقام هؤلاء، إلى حين على كل حال، لا فى الجنة ولا فى النار، وإنما هم فى مقام أو حالة وسط. ونتيجة لهذا التفسير جعل للأعراف معنى البرزخ.
المصادر:
(١) الطبرى: التفسير، القاهرة سنة ١٣٢١ هـ جـ ٧، ص ١٢٦ - ١٢٩.
(٢) The Men of the A'raf A. Bell فى مجلة Muslim World، سنة ١٩٣٢ ص ٤٣ - ٤٨.
(٣) Der Ursprung des: Tor Andrae Islams and Christentums. أبسالا سنة ١٩٢٦، ص ٧٧ وما بعدها.
خورشيد [باريه R.Paret]
الأعشى
أبو بصير ميمون بن قيس البكرى، من قبيلة قيس بن ثعلبة، شاعر مشهور من المخضرمين لقّب الأعشى الأكبر للتمييز بينه وبين سائر الشعراء الذين كانوا يحملون هذا اللقب. وقد لقّب الأعشى لبيت فى معلقته (١) (طبعة LYALL، كلكته، عام ١٨٩٤، جـ ٥، ص ٢٠). ولسنا نعرف العام الذى ولد فيه، أما وفاته فكانت حوالى عام ٦٢٩ بعد الميلاد. ومع أنه حضر الإسلام وأنشأ قصيدة فى مدح محمد [ ﷺ ] إلا أنه لم
стр. 874
يدخل فى الدين الجديد. ولا يمكن أن يعد الأعشى نصرانيًا صادقًا بالرغم من اعترافه بأنه من القائلين بالطبيعة الواحدة ومن صلاته القوية بالنصرانية، تلك الصلات التى نشات من تردده على بلاط الحيرة، وبالرغم من صلاته بجيرانه الأدنين أيضًا. يجئ الأعشى بعد امرئ القيس باعتباره الشاعر العربى القديم الذى جاب كثيرًا من الآفاق وأفاد من ذلك توسيع مداركه، وكان هذا سببًا فى كثرة إشاراته إلى الحوادث التاريخية وكثرة الألفاظ الدخيلة عنده ولاسيما الفارسية منها، وكانت خمريات الأعشى وعدّى بن زيد نموذجًا للشعراء الذين جاءوا بعدهما وأنشأوا قصائد فى الخمر.
المصادر:
(١) بروكلمان Gesch .d. arab. Litter جـ ١، ص ٣٧.
(٢) Zwei Gedichte von al A': Geyer sha طبعة فينا سنة ١٩٠٥.
(٣) Al - A' spa's Lob-: H. Thorbecke gedischt auf Muhamed فى Morgeni. For- shungen
[هافنز A. Haffner]
+ الأعشى ميمون بن قيس: شاعر عربى بارز من قبيلة قيس بن ثعلبة من بكر ابن وائل؛ ولد قبل عام ٥٧٠ م فى "دُرْنا" وهى مكان فى واحة مَنْفُوحَة جنوبى الرياض، وتوفى بهذا المكان بعد سنة ٦٢٥ م. وكان يعانى، كما يدل لقبه، علّة فى عينيه؛ وقد كفّ بصره تماما وهو بعد فى عنفوان حياته. وخرج الأعشى ساعيا وراء الثروة فى شبابه، وظل سنوات مرتحلا، يشتغل بالتجارة فيما يرجح، وزار فى طريقه الجزيرة العليا والسفلى، والشام، وجنوبى جزيرة العرب والحبشة. فلما كف بصره عاش من صنعته يتكسب بشعر المديح، وعلى ذلك ظل يرتحل، فشخص إلى والى الحيرة إياس بن قبيصة (٦١١ م)، وإلى حضرموت ليرى قيس ابن معديكرب (والد الأشعث)، والى هَوْذَة بن على أمير جَوّ، وهى من قرى اليمامة. وكان قد حاول من قبل أن يجرب حظه فى شعر المديح فى أيامه الأولى ولكن قصيدته رقم (١) التى أشار فيها بالنصر المثلث
стр. 875
الذى أحرزه الأسود أمير الحيرة (أخو
الملك النعمان) لم تكن موفقة فيما يظهر. وانغمس الشاعر فى السياسة انغماسًا شديدًا، ذلك أنه لما سقط الملك النعمان سنة ٥٠١ أو ٥٠٢ م كان البَكْريون قد بدأوا غاراتهم على أرض العراق المزروعة بمحاذاة حد الفرات حيث كان الأعشى يقيم فيما يظن مع بنى شيبان بن ثعلبة الأقوياء الذين كانوا يشاركون بنى قيس بن ثعلبة المتبَدِّين المنطقة التى كانوا هم يهاجرون اليها صيفًا، وقد هدد الأعشى بإلحاق الهلاك والدمار بوادى الفرات فى ردّ جرئ على كسرى الثانى الذى كان قد طالب بالرهائن. وبمثل هذا من شجاعة واجه قيس بن مسعود زعيم بنى شَيبان حين التجأ قيس إلى البلاط متاثرًا بالهزائم الكبيرة التى نزلت به (قصيدة ٣٤، ٢٦) ومن ثم جاز القول بأن الشاعر قد ساعد على نشوب وقعة ذى قار سنة ٦٠٥ م. وإذا كانت الأشعار الشوارد المحزمة رقم ٥، والأرقام من ٣٢ - ٥٠ تشير حقا إلى إياس بن قبيصة، فإن الأعشى يكون أيضا ذا نشاط فى ذلك التغير الذى لم يلبث أن أعاد المنتصرين فى ذى قار إلى الخضوح للنفوذ الفارسى. وقدر الشاعر فى موطنه هو لصالح الأمير الشرعى هرعة الذى كان يدين له بالفضل وسخر من الغاصب الحارث ابن وعلة (الأشعار ٧، ٤ - ٦، ٣٠) وفى هذه الأثناء كان قد ترك بنى شيبان منحازًا بنى قيس بن ثعلبة، لأنه رأى أن بنى شيبان قد دنسوا شرف قبيلته (الأشعار ٦، ٩). ومن ثم شعر بإساءة شديدة عندها وجه إليه الاتهام فى موطنه بعد ذلك بسنين قليلة وخسر بذلك القضية. والحق أن الأعشى كان مستعدًا كل الاستعداد للوصول إلى محل سلمى حتى واجهه خصمه بشويعر اسمه جهنام والتقى الاثنان فى سوق قرب مكة، وهنالك أثار عليه جهنام طائفة من الرعاع أطبقوا عليه بالسياط وكعوب الحراب، ولكنه أخرسه بأشعاره التى أطلق فيها الأعشى لأول مرة شيطانة "مسحل" (١٤، ٣٨، ١٥). وقد أتيحت للأعشى مرة من قبل فرصة التخلص من مأزق خطير بقصيدة ارتجلها ارتجالا (عن السموأل، وتدخل الأعشى من بعد فى العراك الذى نشب بين عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة سواء برضاهما أو بغير رضاهما (١٨، ١٩). وقد دافع عن عيينة وخارجة من بنى فزارة (غطفان، ضد زبان بن سيار وهو زعيم
стр. 876
ذائع الصيت من القبيلة نفسها (٢٧، ٣٧، انظر Orins، ٧، ٣٠٢) والراجح أن ذلك حدث فى أوائل العشرينيات. وقد كان الأعشى نصرانيا كما يتبين من الأشعار ١، ٧، ٣، ٣٢، ٥٤، ٥، ٦٢ - ٦٤، ١٣، ٦٩، ٣٤، ١٣.
وقد تعلم الأعشى فى الحيرة حيث كان المأثور من الأساطير والشعر أوسع نطاقًا من مأثور أى قبيلة أخرى بالذات، وأسلوبه بلاغى، وفى بعض الأحيان متكلف (وخاصة فى القصيدة رقم ١)، ويتصل بهذا إثاره لوقع اللفظ وللكلمات الدخيلة (الفارسية) الطنانة، وكذلك حبه للخواتيم المؤثرة فى النفس، ونجده أحيانا يتناول موضوعات القصيدة التقليدية تناول المتحكم الذى لا يبالى. وهو شغوف بضروب مختلفة من التورية، مثال ذلك أنه فى عبارة "حريرة ودع" ١، ٩) يهئ الأذهان لتكرار الموضوع فى قصيدة ٦ باللجوء إلى إدخال الشعار فيها وحسب. وثناؤه على مكة ومدحه زعماء غطفان (٢٠، ٢٧ - ٣٧) اللذان لا يحملان أى معنى فيما يظهر إذا تجاوز هذا الغرض، يدلان على تنقلات الأعشى الذى كانت لديه فى الحالين أسباب وجيهة لتحاشى موطنه.
وتفصح الأبيات الأولى من المكان الذى تصادم فيه مع جهنام، وتكشف الأبيات الثانية عن عزمه على المضى فى خصومة زبان الذى اسقطه من مديحه فى زعماء غطفان.
والظاهر أن الأثر المباشر للشاعر قد اقتصر على تلاميذه (النصارى) ومزيفى شعره المجهولين الذين كانوا يعولون على الحصول على رعاية الأشعث. وتشمل آثارهم جل الجزء الثانى من ديوانه (رقم ٥٢ - ٨٢) وإن كان الجزء الأول أيضا يشمل كثيرًا من الأشعار المشكوك فى صحة نسبتها إليه.
المصادر:
(١) ديوان الأعشى، طبعة Geyger (سلسة التذكارية، المجموعة الجديدة، جـ ٦) لندن سنة ١٩٢٨ م.
(٢) بروكلمان، ٣٧ G، رقم ١، ص ٦٥ - ٦٧.
(٣) محمد بن سلام: الطبقات، ص ١٨.
(٤) , Oriens: Caskel ٧، ص ٣٠٢.
خورشيد [كاسكل W.Caskel]
стр. 877
أعيان
جمع "عين" بمعنى "السيّد"؛ وتستعمل فى كثير من الأحيان بمعنى الشخص البارز فى عهد الخلافة وفى عهد غيرها من النظم الإسلامية (انظر الكتاب المشهور "وفيات الأعيان " لابن خَلَّكان). ونشأ من استعمال "أعيان" أول الأمر بمدلول يقتصر على أبرز السكان فى مركز من المراكز أو حى من أحياء مدينة أن هذا المصطلح الذى غلب استعماله بالمفرد قد اكتسب فى عهد الحكم العثمانى معنى أكثر تحديدًا، فقد أصبح يطلق فى القرن الثامن عشر الميلادى على أولئك الأفراد من الأعيان الذين كانوا يمارسون لأول مرة نفوذًا سياسيا وكان لهم كيان وظيفى. وثمة عامل من عوامل تسنم هؤلاء لهذا النفوذ هو استحداث الباب العالى فى القرن السابع عشر الميلادى لمزارع "المالكانه" الالتزامية أى المزارع التى تؤجر لملتزميها مدى حياتهم، ذلك أن كثيرًا من هذه المزارع قد التزم بها مثل هؤلاء الأعيان المحليين الذين لم تقتصر فائدتهم منها على انتعاش حالتهم المالية بل تجاوزت هذه الفائدة إلى حد السيطرة الفعلية على المراكز التى تنتسب إليها هذه المزارع.
وأثناء الحرب بين الروس والعثمانيين سنة ١٧٦٧ - ١٧٧٤ كان معظم اعتماد الباب العالى على الأعيان فى جميع أرجاء البلاد فى رصد الاعتمادات للجيش وتزويده بالمجندين.
وقد اعترف بهم رسميًا فى حينه ممثلين مختارين للشعب أمام الحكومة، وزوّدهم ولاة الأقاليم بوثائق عرفت باسم "أعيانلق بيوريلديسى" لقاء أداء رسم هو الـ "أعيانيه ". وقد نقل هذا الاختصاص فى التعيين من الولاة إلى الصدر الأعظم سنة ١٧٧٩، وكان الولاة قد أساءوا استخدام هذا الحق. وتقرر سنة ١٧٨٦ إلغاء نظام الـ "أعيانلق" إلغاء تامًا. فلما شبت الحرب مرة أخرى فى السنة التالية، ألفى الباب العالى نفسه عاجزًا -كما حدث من قبل- عن الاستغناء عن عون هؤلاء الأعيان المحليين. ومن ثم أحييت "الأعيانلق" فى
стр. 878
حينه. وقد ظهر كثير من الأعيان فى الروملّى والأناضول إبان حكم سليم الثالث ومصطفى الرابع ومحمود الثانى، وكان لهم شأن فى شئون الدولة العثمانية يشبه كل الشبه شان الديره بكيه ذلك أنهم كانوا يتحدّون الباب العالى مددًا طويلة ويحكمون المراكز التى بسطوا عليها سلطانهم حكما مستقلا فى الواقع، ولو أنهم كانوا فى كثير من الأحيان يزودون الجيش العثمانى بالمجندين فى حالة الحرب. وربما كان أشهر هؤلاء باسوان اوغلى (وقد كان ابن عين من الأعيان وإن لم يكن هو نفسه من الأعيان بالمعنى الدقيق للفظ) والبيرقدار مصطفى باشا (وكان قد أصبح من الأعيان فى مستهل حياته العملية) واسماعيل بك السيروزى وكان جل هم السلطان محمود الثانى فى النصف الأول من حكمه منصرفًا إلى فل نفوذ الأعيان وبكوات ديره فى الولايات.
المصادر:
(١) إسلام أنسيكلوبيدياسى، هذه المادة بقلم أ. حقى أوزون جارشيلى.
(٢) Tableau de: Mouradiea d' ohsson l'Empire Ottoman جـ ٧، ص ٢٨٦.
(٣) أحمد جودت: تاريخ، جـ ١٠، ص ٨٧، ١١٦ - ١١٨، ١٤٧ و ١٩١، ١٩٤، ١٩٧، ٢٠٩، ٢١٦.
(٤) لطفى: تاريخ، جـ ١ ص ١١ - ١٢.
(٥) مصطفى نورى: نتائج الوقوعات، جـ ٣، ص ٧٤؛ جـ ٤، ص ٣٥ - ٣٦، ٤٢، ٧١ - ٧٢، ٩٨ - ٩٩.
(٦) أحمد راسم: عثمانلى تاريخى، جـ ٣، ص ١٠٢٩؛ جـ ٤، ص ١٦٦٣ - ١٦٦٤، ١٧١٤.
(٧) عثمان نورى: مجلة أمور بلديَّة، جـ ١، إستانبول سنة ١٩٢٢، ص ١٦٥٤ وما بعدها.
(٨) Moustafa Pasha: A.F.Miller Bayraktar.
(٩) -Ottomans - Kaya Imperia v Na chale XIX vxeka موسكو سنة ١٩٤٧، ص ٣٦٣ - ٣٦٥.
(١٠) أ. حقى أوزون جارشيلى: عالمدار مصطفى باشا، إستانبول سنة ١٩٤٢، ص ٢ - ٧.
стр. 879
(١١) Islam-: H.A.R Gibb & H.Bowen is Society and the West . أكسفورد سنة ١٩٥٠، جـ ١، الفهرس
خورشيد [بووِن H. Bowen]
أغا
ومعناها فى اللغة التركية الشرقية الأخ الأكبر، وعند قبيلة ياقوت "أكا" معناها أب (Jnxcrintinac de: V. Thomsen dechifrees I'Orkhon ص ٩٨ س ١٧ - ١٨، أكا)
ومنها كيبلكر أغاسى ومعناها الجد أو العم، وفى لهجة الجواش معناها الأخت الكبرى. ومعنى أغا فى التركية العثمانية الرئيس أو الشيخ أو السيد، ويحمل هذا اللقب الآن صغار الضباط إلى رتبة نقيب وكذلك يطلق لقب أغا على خصيان القصر السلطانى. وكان يمنح فيما سبق للضباط العظام. وكان عدد الـ "ركاب أغالرى" -وهم الضباط الذين يسيرون فى ركاب السلطان- ستة وهم: "بستانجى باشى"، ورئيس الإصطبلات، ورئيس الحجاب .. الخ. وكان أغا قره قولاق -وهو من ضباط الحرس- فى خدمة أغا الإنكشارية، وكان يراقب من برج مرتفع أحياء الآستانة المختلفة، ففى حالة شبوب النار مثلا فى جهة من الجهات يسرع باستطلاع الخبر ثم يبادر بإبلاغه إلى السلطان. وكان أغوات القصر ينقسمون إلى سود يطلق عليهم "قره أغالر" وبيض يطلق عليهم "آق اغالر"، ولا وجود الآن إلا للأغوات السود ويسمى رئيسهم "قيزلر" أغاسى ومعناها "أغا البنات " ويلقب بصاحب السعادة ورتبته تلى الصدر الأعظم، وشيخ الإسلام. وكان رئيس الأغوات البيض يسمى فيما مضى "قيواغا". أما أغا الإنكشارية "يكى جرى أغاسى" فكان قائد هذا الجيش، وكانت له الأسبقية على جميع الضباط وكذلك على وزراء الدولة. وفى عهد المغول أطلق هذا اللقب أيضا على أميرات البيت المالك (Hist. des Mongols: Quatrembre ص ٣٠٩، ص ٤٠) ويكتب الفرس هذه الكلمة "آقا" وينطقونها عادة "آغا" كما
стр. 880
كان يفعل الأتراك العثمانيون (Seyyid Ali-Mohammed: A.L.M Nicalas dit le Rab. باريس سنة ١٩٠٥، ص ١٦١, تعليق ١٢٥).
المصادر:
(١) Versuch eines Wor-: W. Radloff terb . جـ ١، ص ١٣٤.
(٢) Etymolog Worterb.: H.Vambery d.turko - tatar Sprachen، ص ٦.
(٣) Diction.: Barbier de Meynard turc Francais، جـ ١، ص ٧٤.
(٤) Tableau de l,empire: D,Ohsson Ottoman جـ ٧، ص ١٤ وما بعدها، ص ٥٤ وما بعدها، ص ٣١٣ - ٣٥٣
[إيوار Cl. Huart]
+ أغا: كلمة استعملت بعامة فى اللغة التركية الشرقية بمعنى "الأخ الأكبر" وهى تقابل فى بعض الأحيان "إينى" أى "الأخ الأصغر".
ولكن "آكا" فى لهجة قبيلة ياقوت تدل على "الأب " (انظر V.Thomsen: -In Dechifreec l.Orkhon scriptions de، ص ٩٨ "آقا")، وفى كيبل كرأغاسى تدل على الأب والعم؛ وفى لغة الجواش بمعنى الأخت الكبرى. أما عند المغول فقد ظهرت هذه الكلمة من قبل مستعملة لقبا من ألقاب التشريف، وذلك أن أميرات الأسرة الإمبراطورية كن يلقبن بها (انظر Histoire des Mon-: Quatreme gols، ٣٩ - ٤١) .
وأغا فى التركية العثمانية "وتنطق عادة "آئا" بل "آ") معناها "الرئيس" و"السيد" وتدل فى بعض الأحيان على (مالك الأرض)؛ وهى تطلق أيضا على رئيس الخدم فى منزل وترد مقرونة بكثير من الكلمات مثل: "جارشى أغاسى" (مفتش السوق) و"خان أغاسى" (رب الخان) و"كوى أغاسى" (شيخ القرية) و"أغا بك" (الأخ الأكبر -انظر ما سبق- أو الأكبر مقامًا أو سنًا).
وأغا، من حيث هى لقب، ظلت تطلق حتى عهد الإصلاح -بل بعد ذلك فى بعض الأحيان- على أشخاص كثيرين