الوقت بحاجة إلى مساندة أسطول الموحدين له ضد الفرنجة. وتوجد لدينا رسالة تحمل اسم صلاح الدين كتبها القاضى الفاضل مؤرخة بتاريخ ٥٨٥ هـ/ ١١٨٩ م وموجهة إلى المنصور يسأله فيها أن يتدخل بنفسه (القلقشندى، صبح الأعشى، الجزء ٦ ص ٥٢٦).
اضطر قراقوش حينئذ أن يتعاون مع المنصور تنفيذا لأوامر صلاح الدين الذى أرسل فى العام التالى (٢٨ شعبان ٥٨٣ هـ/ ٣٠ سبتمبر ١١٩٠ م) سفارة إلى المنصور (انظر أبو شامة، الروضتين، جزء ٤، ص ٤٩٧ - ٥٠٥) يستنكر التصرفات غير المسئولة التى صدرت من جانب كل من السلحدار والمملوك (وفقًا لأبى شامة جزء ٢ ص ٥٠٨، تم تسليم المملوك إلى تونس عن طريق قراقوش. أما الاستبصار جزء ٣، فيذكر أن هذا المملوك واسمه فى هذا المقام أبو الزبا الفارسى قد نفى من طرابلس إلى مراكش) وبعد أن أقام قراقوش فترة من الزمن مع والى تونس، عاد لمتابعة القتال ثم وثب على قابس وطرابلس ونجح فى استردادهما بمساعدة بعض القبائل المتمردة (٥٨٦ هـ/ ١١٩٠ م).
على أنه بعد وفاة على بن غانية سنة ٥٨٤ هـ/ ١١٨٨ م، تدهورت العلاقات بين قراقوش ويحيى بن غانية شقيق علىّ وخليفته، فقد قام فى عام ٥٩١ هـ/ ١١٩٥ م يحيى بن غانية حاكم "الجديد" بالاستيلاء على قابس وطرابلس، فلم يكن من قراقوش إلا أن ترك لطرابلس نائبه "ياقوت" وفرّ إلى "ودّان" ناشدًا الأمان. فلما أخرج يحيى ابن غانية بدوره من أفريقيا، لجأ هو الآخر إلى "ودان" فى نفس السنة (٦٠٦ هـ/ ١٢٠٩ م) وحاصر حليف بنى غانية السابق الذى لم يكن فى استطاعته مقاومته، فأخذه يحيى هو وأحد أبنائه وقتلهما فى ٦٠٩ هـ/ ١٢١٢ م. وهكذا انتهت حياة واحد من المغامرين الذى خاض غمار الحروب أربعين عامًا، كان أغلبها لصالح صلاح الدين الأيوبى بقدر ما هى لفائدته.
ويوجد مزيد من التفاصيل عن واحد من أولاده كان قد فر إلى ودان بعد أن
стр. 8157
خان المنصور الحفصى (٦٤٧ - ٦٧٥ هـ/ ١٢٤٩ - ١٢٧٧ م) وانتهى الأمر أخيرًا بإعدامه على يد ملك كانم.
وائل البشير [ش. بيلات Ch. Pellat]
قربان
هو الأضحية أو الشئ يضحى به. وتشترك العربية والعبرية والآرامية فى كلمة قربان، وقد وردت فى القرآن الكريم ثلاث مرات، واستخدمت فيه بمعنيين مختلفين. ففى سورتى آل عمران الآية ١٨٣ والمائدة الآية ٢٧ تعنى الكلمة بوضوح أضحية، أما فى سورة الأحقاف الآية ٢٨ فنقرأ: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ. . .﴾. ولا مفر هنا من أن نعتبرها مرادفًا قريبًا من كلمة "أرباب"، وربما كان لها معنى متصل بمادة "ق. ر. ب"، وهو ما ارتآه المفسرون حيث فسروا الكلمة بمعنى ما يتقرب به إلى اللَّه.
ولا يبدو أن الكلمة قد وردت فى صحاح الأحاديث، وإن كان "لسان العرب" يورد حديثين ملفتين للنظر بحق: "صفة هذه الأمة فى التوراة قربانهم دماؤهم"، أى أنهم لا يتقربون إلى اللَّه بتقديم الذبائح بل ببذل دماء الشهداء، والآخر "الصلاة قربان كل تقى". ولنا أن نرى فى هذا الاستخدام دعوة لحض المؤمنين على الجهاد والصلاة.
ثم استخدم المسلمون هذا المصطلح لشعيرة ذبح الأضاحى فى العاشر من ذى الحجة وأيام التشريق، ونعتوا العيد الذى يحتفلون به فى ذلك اليوم والأيام التالية له باسم عيد القربان، وتطلق عليه الأقطار الناطقة بالتركية "قربان بايرامى".
أما المسيحيون العرب، فيستخدمون هذه اللفظة للإشارة لطقس توزيع الكاهن للخبز المبارك على المصلين أثناء القداس مما يعرف بالتناول. ويبدو أن كلمة قربان والجمع قرابين تستخدم فى العربية كذلك بمعنى رجال الحاشية والمستشارين المقربين من الملك، وربما اشتقت مباشرة من كلمة "قرب" بمعنى "دنا".
المصادر:
(١) Minga: Syriac influences on the
стр. 8158
style of the Kur'on, in Bulletin of the John Rylands Library, Xi (١٩٢٧), ٨٥
(٢) S. Fraenkel: De vocabulis in. . .Corano peregrinis, ٢٠
محمد أبو العمائم [أ. ج. فنسنك A. J. Wensinck]
قراء
جماعة سياسية. أطلق لفظ القراء (مفرده قارئ) فى التاريخ الإسلامى على جماعة من العراقيين ثاروا على الخليفة عثمان رضى اللَّه عنه ثم بعد ذلك على علىّ رضى اللَّه عنه بعد أن قبل التحكيم، وفى الدراسات الأوروبية، تعنى كلمة قرّاء عادة من يتلون القرآن.
كان برونو Brunnow أول من حاول معرفة دور القراء كجماعة مستقلة تعمل ضمن حركة الخوارج. ولكن فلهاوزن Wellhausen رفض بعض نتائج أبحاث برونّو وادعى أن القراء كانوا على صلة أكبر بالفقهاء المتعلمين مكونين دائرة أوسع من الرجال المتدينين حول هولاء الفقهاء الذين يفترض أنهم قلب طائفة رجال العلم الدينى. ويرى فلهوزن أن حماس القراء الدينى الذى افتقر إلى الفكر المتروى كان السبب فى خروجهم على سلطة إسلامية أخفقت، من وجهة نظرهم، فى تنفيذ أوامر القرآن الكريم. وقد ظهر حماسهم للإسلام أول ما ظهر فى حروب الردة، وانضموا لعلى فى حربه ضد طلحة والزبير وكذلك فى حربه مع معاوية.
وعندما عرض معسكر معاوية الاحتكام للقرآن، كانوا مع علىّ عندما وافق على هذا الاقتراح، ولكن عندما ظهرت النتائج السيئة للتحكيم، انقلبوا على علىّ ولاموه بقسوة على تفضيله حكم الإنسان على حكم اللَّه، ويقال إنهم كانوا أشد طوائف الخوارج تعصبًا ضد علىّ ثم بعد ذلك ضد الأمويين. هذه الدراسة التى قدمها فلهوزن لطائفة القراء، وإن كانت مفيدة، إلا أنها لا تساعد على فهم الصراعات الاجتماعية التى لازمت المنازعات الدينية. لهذا ظلت شخصية القراء إلى عهد قريب غير واضحة. فإذا كان القراء طائفة من الناس لها أسلوب معين فى قراءة القرآن أو لهم وجهة نظر معينة فى تطبيق أحكام القرآن، فلماذا لا نجد لذكرهم أثر، فى المقالات التى تتحدث
стр. 8159
عن أصحاب البدع أو مباحث تلاوة القرآن كما أن هناك شكًّا فى صحة افتراض فلهوزن أن هؤلاء القراء أصبحوا هم وحدهم المدافعين المتحمسين عن القرآن بعد هزيمة على السياسية. إنهم، -طبقا لما ورد فى المصادر التاريخية- لم يكونوا أبدا الأتباع المخلصين لعلى، وبالتالى ليس لديهم أى سبب لأن يعتبروا أنفسهم خونة لأنهم حثوا عليا على قبول تعيين الحكمين.
وتتجه الأبحاث الحديثة حول هذا الموضوع لإدخال الطوائف الاجتماعية فى الاعتبار، ففى دراسة تفصيلية للاتجاهات السياسية فى الكوفة، رسم ج. م. هيندز G. M. Hinds صورة جديدة تماما للقراء. فقال إن جماعة تسمى القراء كانت ضد سعيد بن العاص الذى كان عامل عثمان على الكوفة حتى عام ٣٣ هـ/ ٦٥٣ م. وتثبت الأدلة التى قدمها هيندز Hinds أن أغلب القراء كانوا ممن استقروا فى جنوب العراق فى بداية الفتح الإسلامى ولهذا اكتسبوا بعض الامتيازات، ولكنهم فقدوا نفوذهم تدريجيا مع ازدياد عدد النازحين إلى هذه المنطقة فى عهد عثمان. وكان الأشتر واليزيد بن قيس -واللذان كان لهما دور بارز فى الأحداث فيما بعد- من هؤلاء الأوائل الذين خافوا أن يفقدوا وضعهم. وتفاقم الأمر عندما سمح عثمان للذين شاركوا فى معركة القادسية واستقروا فيما بعد فى المدينة أن يتبادلوا نصيبهم فى أرض العراق بأرض فى شبه الجزيرة العربية، وكان هذا يعنى تمييزا دقيقا بين أرض الصواخى وأرض الذمة، وظن الأوائل أنهم سيكونون الخاسرين نتيجة هذه الإجراءات الإدارية فعملوا على إقصاء سعيد بن العاص عن منصبه وبايعوا أبا موسى الأشعرى عاملا على الكوفة. ولم يكن للقراء دور أساسى فى الأحداث التى أدت إلى مقتل عثمان وإن كان الأشتر ضمن الذين شاركوا فى اغتياله. وعندما جاء على إلى المنطقة القريبة من الكوفة لم ينضم إليه رؤساء القبائل وإنما فضلوا الحياد لأنه كان أفضل لمصالحهم، ولم يحاول على -الذى كان يتبنى سياسة إسلامية تقوم على المساواة- أن يصل إلى تسوية معهم، لهذا لم يكن أمامهم إلا التحالف
стр. 8160
معه، وهكذا صار الأشتر وحجر بن عدى وعدى بن حاتم الذين كانوا يسمون القراء من زعماء الشيعة، وفى معركة صفين، ذكر القراء كطائفة شبه قبلية مستقلة تقاتل فى صف على، وعندما اقترح معاوية التحكيم، حث القراء عليا على قبول هذا الاقتراح، لأنهم رغبوا فى سلام يمكن عليا من اتباع سياسة تكبح سطوة المهاجرين الجدد، وعندما رأوا أن احلامهم لن تتحقق انقلبوا على علىّ عندما رفض الانسحاب من الاتفاق. وحاول علىّ أن يهدئ هذه المعارضة الداخلية الخطيرة فمنح كبراء القراء مناصب رفيعة، ولكن هذا لم يمنع غالبية القراء من أن يتحولوا إلى أعداء ألداء له، وكانوا أكثر جماعات الخوارج نشاطا فى القرن الأول.
فى ضوء هذه النتائج الجديدة، لا يبدو من المعقول أن نفهم كلمة "القراء" بمعنى "الذين يتلون القرآن".
ويرى شابان أن "قراء" تعنى "أهل القرى"، وهم الذين شاركوا فى الحروب الأولى (أهل الأيام) ضد الإمبراطورية الساسانية وأقاموا فى الأراضى الخالية فى جنوب العراق، وهددت امتيازاتهم فى عهد عثمان. وقدم كل من شابان Shahan وج. هـ. م. جوينبل H. A. Juynboll، ٦ أدلة على نظريتهم هذه، ولكنها نظرية لازالت محل نظر، ويبدو أن تفسير "القراء" بمعنى "قارئى القرآن" يرجع إلى أن محمدًا [ ﷺ ] كان يستعين بقارئى القرآن فى إثارة حماس المقاتلين المسلمين، بالإضافة إلى أن القراء العراقيين احتكموا إلى القرآن، وإن كانوا لم يفعلوا ذلك بناء على عقيدة خاصة لديهم، بل أرادوا أن يعززوا مبدأ الحكم بالقرآن فى هذه القضية بالذات حيث أن الاتفاق الذى تم فى صفين بناء على حديث ضعيف كان خطرا على مصالحهم.
المصادر:
(١) R.Brunnow: Die chariolechiten unter den ersten Omayyaden
(٢) J. Wellhausen: Die reliajios - politiechen Oppositione parteien im alten Istam, برلين ١٩٠١ م.
حسين أحمد عيسى [ت. ناجل T. Nagel]
стр. 8161
قرة بن شريك
هو قرة بن شريك بن مَرْثَد بن حازم العبسى الغطفانى والى مصر من قبل الخليفة الأموى الوليد بن عبد الملك فيما بين عامى ٩٠ - ٩٦ هـ/ ٧٠٩ - ٧١٤ م.
هذا وينتمى قرة إلى مجموعة قبائل عرب الشمال التى استقرت فى شمال سورية والجزيرة والتى كانت على خط الجبهة الأمامى لجبال طوروس المواجهة للبيزنطيين.
وقد قدم قرة نفسه من منطقة قنسرين جنوب حلب، وهكذا كان أحد أفراد الكوادر العربية السورية الخبيرة والقديرة والتى كان خلفاء بنى أمية يفضلون إسناد المهام المدنية والعسكرية العليا إليها، ومن المحتمل أن تكون والدة الوليد ولادة بنت العباس قد أثرت فى حياة قرة العملية حيث إنها كانت تنتمى أيضا إلى قبيلة عبس.
إن الغموض الكبير ليحيط بالفترة المبكرة من حياة قرة، وقد استنتج (لامنس اعتمادا على ما جاء فى تاريخ ميخائيل السريانى) أنه من المحتمل أن يكون قرة قد عُين واليا على قنسرين أو أرمينيا، ومن الواضح أنه لا يمكن أن يعين فى منصب رفيع كوالٍ لمصر دون أن تكون لديه خبرة إدارية سابقة، وقد عين قرة على الصلاة والخراج أى كأمير وعامل بدلا من أخى الخليفة نفسه وهو عبد اللَّه بن عبد الملك الذى تعرضت البلاد خلال عهده لشدائد اقتصادية نتيجة انخفاض النيل، وقدم قرة إلى الفسطاط عاصمة مصر فى ٣ أو ١٣ ربيع الأول سنة ٩٠ هـ/ الموافق ١٠ أو ٢٠ يناير سنة ٧٠٩ م، أو بعد ذلك بقليل وبدأ فى ممارسة مهام منصبه.
ومن المؤسف أن أحسن الحوليات العربية العامة [كالطبرى وابن الأثير] لم يذكر فيها سوى القليل عن فترة ولاية قرة، فالطبرى أشار فقط إلى تاريخ تعيينه واستمراره فى ولايته ثم تاريخ وفاته وتبعه فى ذلك ابن الأثير.
стр. 8162
هذا وتعتبر المصادر المصرية المحلية بطبيعة الحال أفضل المصادر التى زودتنا بمعلومات تاريخية عن ولاية قرة وإن كانت غير كافية، ومن هذه المصادر كتاب الولاة للكندى والخطط للمقريزى، النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى.
وأدى العثور على بعض أوراق البردى المعاصرة. -التى اكتشفت فى قرية كوم أشقاو منذ عام ١٩٠١ م- إلى كشف النقاب عن الأحوال الإدارية والمالية فى مصر خلال ولاية قرة بن شريك كما صححت صورة قرة الذى طالما اعتُبر كأحد ولاة الأمويين الطغاة، وهى الصورة التى رسخت فى الأذهان خلال العصر العباسى وما تلاه كنتيجة لأفعال الحجاج التى أدانتها المصادر الإسلامية والمسيحية القبطية [مثل ساويرس بن المقفع]، ومما نسب إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز قوله "الوليد فى الشام، والحجاج فى العراق، وعثمان المُزنى فى المدينة، وخالد القسرى فى مكة وقرة فى مصر، اللهم قد امتلأت الدنيا ظلما وجورا فأرح الناس".
ومما ذكر عن ولاية قرة فشل المؤامرة التى حيكت ضده بالاسكندرية وكان الغرض منها الفتك بحياته من قبل مجموعة من الخوارج -كانت عدتهم نحوا من مائة- بقيادة المهاجر ابن أبى المثنى التجيبى.
وكذلك أعيد بناء جامع عمرو بن العاص فى ولاية قرة بن شريك حيث أمره الخليفة [أى الوليد بن عبد الملك] فى مستهل سنة ٩٢ هـ/ ٧١٠ م أن يهدم ما كان قد بناه عبد اللَّه بن عبد الملك (١).
وأن يعيد بناء الجامع بكامله وقد جعل يحيى بن حنظلة العامرى مشرفا على البناء، كما تمت توسعة الجامع من الجانب الشمالى الشرقى ومن جهة القبلة [أى الجانب الجنوبى الشرقى].
стр. 8163
وكانت صلاة الجمعة تقام خلال فترة العمل فى إعادة بناء الجامع فى قيسارية العسل حتى اكتمل بناؤه رمضان ٩٣ هـ/ يونية - يولية ٧١٢ م.
وقد زودتنا أوراق البردى بمعلومات قيمة عن انشغال قرة خلال فترة ولايته بالتنظيم المالى لمصر وكذا الإصلاحات الاقتصادية والزراعية للإقليم.
ولقد خلفت المجاعة الشديدة التى ألمت بمصر خلال ولاية سلفه عبد اللَّه ابن عبد الملك بن مروان (فى ٨٦ - ٨٧ هـ/ ٧٠٥ - ٧٠٦ م) الكثير من المصاعب، ولذلك اهتم قرة بزيادة الإنتاج الزراعى وإحياء أرض الموات ومن ذلك ما تذكره الحوليات الأصلية من أنه أصلح بركة الحبش أى أحياها وغرسها قصبا ولذلك عرفت بإصطبل قرة.
ومن الأمور المثيرة للجدل فرض الجزية (ضريبة الرأس) على الأقباط الذين تحولوا إلى الإسلام، وتوضح أوراق البردى أن قرة كان حريصا على جمع الجزية كاملة من هؤلاء الموالى وكذلك تحصيل المتأخر منها وذلك ليحافظ على الحقوق المالية للخليفة.
ولقد عانت مصر، مثل العراق وغيرها من الأقطار، من ظاهرة هروب الفلاحين إلى المدن فرارًا من دفع الضرائب المفروضة عليهم وهى ظاهرة كانت معروفة فى مصر البيزنطية، وخلال ولاية قرة بن شريك تم مطاردة هؤلاء الفارّين وإعادتهم إلى قراهم كلما سنحت الفرصة.
وكان قرة حريصا كذلك على معاقبة الموظفين الطغاة كما فرض سيطرته التامة على مختلف الأقاليم [أى الكور]. المصرية عن طريق نظام البريد الدقيق.
وتشير أوراق البردى، التى كتبت باللغتين اليونانية والعربية، إلى فرض ضرائب خاصة (تعرف بالليتورجيا أى الالتزامات الاجتماعية التى عرفت فى العالم القديم) لبناء سفن لمواجهة البيزنطيين فى شرق البحر المتوسط.
стр. 8164
وأخيرًا فقد أشار الكندى إلى أن قرة قام بإعادة تنظيم الدواوين فى مصر وذلك سنة ٩٥ هـ/ ٧١٣ - ٧١٤ م وهو بذلك يعد ثالث والٍ قام بهذه المهمة بعد كل من عمرو بن العاص وعبد العزيز بن مروان.
وكما لاحظ (بيكر) أن هذا كان من شأنه زيادة العناصر العربية فى هذه الدواوين، وقد تحولت اللغة الرسمية فى البلاد من اليونانية والقبطية إلى اللغة العربية وإن كان هذا قد حدث قبل ولاية قرة بن شريك.
وقد توفى قرة بالطاعون وهو لا يزال على ولايته وكان ذلك فى شهر صفر ٩٦ هـ/ أكتوبر - نوفمبر ٧١٤ م أو فى ٢٣ ربيع الأول ٩٦ هـ/ ١ ديسمبر ٧١٤ م وخلفه (كأمير للصلاة فقط) عبد الملك بن رفاعه الفهمى، وهو الذى كان صاحب الشرطة فى عهد قرة، وأسامه بن زيد الذى أصبح متولى الخراج.
المصادر: وردت فى المتن.
د. محمد حمزة [بوسورث C. Bosworth]
قرطاس
تعنى ورق البردى، أو لفافة البردى وكذلك قطعة رَق ثم الصحيفة (يكتب فيها). وقد نقلها العرب عن اليونان عبر اللغة الآرامية، وهى تُقرأ قرطاس، قَرطاس، قُرطاس، قِرْطس، قَرْطس. ونقلتها الاسبانية عَن العربية بمعنى "حقيبة" والبرتغالية بمعنى "ورقة"، "سماح" "لافتة". وقد ذكرت فى القرآن بصيغة المفرد (سورة الأنعام الآية ٧) وبصيغة الجمع "قراطيس" بمعنى صحائف مكتوبة (سورة الأنعام الآية ٩١)، وثمة كلمة عربية الأصل تستخدم فى هذا الشأن وهى "ورق القصب"، أى الورق المصنوع من القصب وورق البَرْدى أو الأبردى أى الورق المصنوع من نبات البردى. وينسب العرب اختراع القرطاس إلى يوسف كما قال ابن قتيبة فى كتابه المعارف، ١٨٦٠ م، ص ٢٧٤. ولكن شيئًا لم يذكر عن طريقة إنتاجه ولا توجد سوى عبارتين فى "الفهرست" لابن النديم (توفى ٣٨٠ هـ/ ٩٩٠ م) ٢١، و"تحقيق ما للهند" للبيرونى ٤٢١ هـ/ ١٠٣٠ -
стр. 8165
١٠٨١ م مفادهما: أنه تم الحصول على القرطاس من "قصب البردى" أو "لب البردى". وفى القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى بعد الانتهاء، من إنتاج البردى فى القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى، وقد روى ابن البيطار (ت ٦٤٦ هـ/ ١٢٤٨ م) فى كتابه الجامع لمفردات الأدوية والأغذية القاهرة ١٢٩١ هـ/ ١٨٧٤ م/ ١٨٧٥ م جزء أول ٨٧ نقلا عن أستاذه "أبى العباس النباتى" (ت ٦٣٧ هـ/ ١٢٣٦ م) أن المصريين فى أزمان سابقة كانوا يشقون عيدان نبات البردى إلى نصفين ويقطعون الشقين إلى شرائط رقاق (وبذلك يحصلون على اللب) ثم يضعون الرقائق (فى شكل طبقتين متعامدتين) على وسادة مستوية من الخشب ثم تجفف. بوضعها المركّب) ثم يضرب عليها بمدق للحصول على قطعة ذات سطح مستو، ولم تجر العادة على بيع القِرطاس على شكل قطع منفصلة بل على شكل لفافات من قطع أو صحائف يلتصق بعضها ببعض. ومن هذه اللفافات يمكن قص الصحائف من أى موضوع بصرف النظر عن مواضع الالتصاق بين كل قطعة وأخرى وهى فواصل تكون عادة غير مرئية أو ملحوظة -وتبلغ مساحة أصغر قطعة متداولة للتجارة سدس اللفافة وتسمى بالطومار أو "طومار قِرطاس" التى ترجع إلى أصل يونانى اشتقت منه وكانت شرائط السطح الأعلى مرصوصة رصا أفقيا. وبالتالى فهى فى وضع يتفق وسير الكتابة، أما السطح المقابل له فالشرائط فيه مرصوصة رأسيا. وفى العصر العباسى الأول كان فى بعض الأحيان يتم ربط مجموعة من الصحائف فى كراسة. ونظرا لارتفاع ثمنها كانت تستخدم عادة للكتابة على الوجهين أو غسل ما كان مكتوبا والبدء فى الكتابة عليها مرة أخرى. وكان حجم الصحائف مماثلا لذلك الحجم الذى كان مستخدما فى العالم القديم. إذ تبلغ مساحة القطعة عادة ٣٠ - ٤٠ سم طولا و ٢٠ - ٣٠ سم عرضا ولكن اتسع العرض فيما بعد. وكانت صناعة الورق بمختلف أنواعه تدار تحت رقابة الحكومة. ويبدو أنه كانت هناك شهادة رسمية موضحة على ظهر الصحيفة
стр. 8166
الأولى من اللفافة تشهد برقابة الحكومة لإنتاجها. وامتد استخدام كلمة "قرطاس" لكى تعنى "حقيبة" أو -فى العلوم الطبية- "شاش" أو "ضمادة". وكانت هناك مواد أخرى تستخدم للكتابة مثل الرَّق والجلد.
المصادر: وردت فى المتن.
سعيد عبد المحسن [د. شلهايم R. Shellheim]
القرطبى
هو أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن أبى بكر فرج الأنصارى الخزرجى الأندلسى المالكى، اشتهر كمحدث ومفسر للقرآن الكريم. ترجم له ابن فرحون فى كتابه الديباج عن تراجم فقهاء المالكية فى أسبانيا والمغرب حتى القرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى. كما ترجم له المقرى فى كتابه نفح الطيب فى غصن الأندلس الرطيب.
ونحن لا نعرف الكثير عن حياة القرطبى، فقد ولد فى أسبانيا، وكان كثير الترحال خارج بلاده (المقرى). وقد أشار الذهبى إلى أن القرطبى كان كثير الرحلات، مؤلفا تلقى العلم على شيوخ أجلاء. وقد توجه القرطبى إلى الشرق واستقر به المقام فى منية أبى الخصيب بصعيد مصر (وقد وردت عن ابن العماد فى "شذرات" الجزء ٥ ص ٣٣٥ باسم منية بنى خصيب) ومات ودفن هناك عام ٦٧٢ هـ/ ١٢٧٢ م.
ويقول الذهبى فى كتابه "تاريخ الإسلام" إنه كان إماما وعالما فى شتى فروع المعرفة وبحرا فى معرفة أعمال الآخرين وهو ما ساهم فى إبراز علمه وعمق ذكائه ومكانته المرموقة. ويشير الكتبى إليه بنفس الصفات فى كتابه "عيون التواريخ".
ومن أشهر الذين أخذ عنهم القرطبى: أبو العباس بن أحمد بن عمر القرطبى، وقد درس عنه تعليقاته على مسلم فى كتابه "المفهم فى شرح مسلم". وكان أبو العباس القرطبى فقيها مالكيا، ولد فى قرطبة عام ٥٧٨ هـ/ ١١٧٣ م، وتوفى بالإسكندرية عام ٦٥٦ هـ/ ١٢٥٩ م، (كان معلما للتراث، وفقيها لا يبارى فى اللغة العربية، وقام برحلات عديدة إلى الشرق، حيث نال شهرة عريضة. وقد
стр. 8167
استشهد النووى بكتابه "المفهم" فى مواضع مختلفة من عمله). وقد ذُكر اثنان ممن حدّث عنهما القرطبى: الحافظ أبو الحسن بن محمد بن محمد البكرى والحافظ أبو الحسن على بن محمد بن على بن حفص اليحصوبى.
ومن بين أعمال القرطبى التى ذكرت فى سيرته: أولا: تفسيره للقرآن الكريم بعنوان "الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآيات الفرقان". وبعد ذلك أشير إلى العناوين التالية: "الأسنى" وهو تفسير لأسماء اللَّه الحسنى و"التذكار فى أفضال الأذكار" وفيه سار القرطبى على نهج "التبيان" للنووى وإن كان قد قدم عملا أكمل وأغزر علما فى "التذكرة بأمور الآخرة" و"شرح التقصِّى" وكتاب "قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذل السؤال" والتى يعدها ابن فرحون أفضل ما كتب فى هذا المجال. كما وضع "أرجوزة" جمع فيها أسماء النبى [ ﷺ ]. وتُبرز هذه الأعمال استغراق القرطبى فى الدين.
ويتسم تفسير القرطبى بالثراء الوافر والنفع الكبير. وقد سلّم كافة الكتاب الذين تحدثوا عن القرطبى بهذا التفسير وأكدوا على الفائدة التى يمكن الحصول عليها منه.
والقرطبى -خلاف فخر الدين الرازى- لا يحاول أن يستنتج مفاهيم فلسفية من الآيات القرآنية، وبالتالى فعند تفسير كلمة "قيوم" (البقرة، آية ٢٥٥) الواردة فى آية الكرسى، نجد أن الرازى يفسرها "القائم بذاته" كما عرفها ابن سينا فى "الإشارات"، ثم يستنبط منها كل النتائج الميتافيزيقية. أما القرطبى فإنه يفسرها تفسيرا بسيطا وفقا لابن قتادة القائل بأنه "القائم بتدبير ما خلق"، أو وفقا للحسن البصرى فيما يعنى بأنه "القائم على كل نفس بما كسبت".
كان القرطبى مقلًا بدرجة كبيرة وإن لم يكن بشكل كلى فى الاعتماد على الإسرائيليات.
المصادر:
وردت فى المتن.
وائل البشير [ر. أرنالديز R. Arnaldez]
стр. 8168
القرعة
هى مصطلح قريب الشبه بالعرافة، أما فى الاستعمال السائد فاللفظ يشير إلى سحب القرعة، لا يعنى فيه بأية صورة يتم هذا السحب. وقد استخدم مباشرة بعد تحريم القرآن للاستقسام والميسر اللذين كانا شائعين شيوعا تاما فى شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام.
أ - والمعنى المألوف للقرعة هو ما يقصد بإطلاق اللفظ فى الأصل على زقّ عريض القاعدة ضيّق العنق كان يستعمل لهزّ السهام ولا يزال يستخدم فى الوقت الحاضر فى الاختيار أو الانتخاب بالقرعة أو التصويت فنرى الرهبان -حين يريدون اختيار واحد ليكون الكاهن- فإنهم يقترعون ويكون ذلك باستعمال حبات الحنطة، إن خرجت كان معنى ذلك "نعم" وإن خرجت حبات الشعير كان معنى ذلك "لا". ويسمى مكان عقد القرعة بمكتب الاقتراع. ويتم التجنيد الإلزامى فى الدوائر العثمانية التركية بالقرعة، ومنها جاء تعبير "قرعية جرمك" ويعنى بلوغ المرء سنّ الخدمة العسكرية ويذكر. أ. موسل أن بعض النواحى فى جنوب سورية تطلق كلمة "قرعة" على كرة تقوم بوظيفة تذكره باليانصيب، وتكون مصنوعة من شرائح ورقية على كل واحدة اسم مشترك من المشتركين، وتوضع فى وعاء من الصلصال أو الشمع، ثم يقوم بسحبها أشخاص لم يكونوا حاضرى كتابة الأسماء ووضعها فى الوعاء.
ومما يدل على شيوع القرعة، ما يذكره الطبرى من أن الرسول ﵊ اعتاد أن "يقرع" بين زوجاته عمن تصحبه منهن فى سفره، وكذلك عمل القرعة حين تقسيمه الغنائم (راجع ابن سعد الطبقات: جـ ٢ ص ٧٨, ٨٢ و ٨٣)، وكان شيخ القبيلة الذى يختار لسحب القرعة يسمى "بالمقرِع" الطبرى، شرحه ١/ ٨).
وقد يلجأ القاضى فى حالات معينة إلى القرعة، إذا كانت النتيجة ليست فى صالح هذا الفريق أو ذاك.
стр. 8169
ولا يميل المؤلفون المسلمون للاستفتاح بالقرآن (الكريم) فى محاولة معرفة الغيب عن طريقه. والاستفتاح هو تكهن فى تفسير آيات أو أجزاء من الآيات أو كلمات نبوية جاءت بالصدفة المحضة عند فتح المصحف أو صحيح البخارى. وترجع أقدم صور هذه الممارسة إلى أيام الأمويين، ومستهل عصر بنى العباسى.
وإن كانت هناك اجتهادات فى التفسير الغيبى للقرآن الكريم ومن ذلك: قراءة الإمام جعفر بن أبى طالب أو "الجعفرية" (وهى نسخة خطية فى مكتبة صوفيا) تحتوى على تفسيرات تنبؤية لآيات القرآن، ويرجع العطف على هذا الفن الذى شجع عليه الشيعة إلى جعفر الذى استشهد فى موقعة مؤته سنة ٨ هـ (= ٦٢٩ م) لأنه حدث وقت خروج الحملة أن قام الصحابى عبد اللَّه بن رواحة، وفسّر الآية القرآنية (من سورة مريم الآية: ٧١) التى رواها الرسول [ ﷺ ] وتشير إلى موت جعفر وهى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾.
وكتاب القراءة المأمونية، المنسوب إلى يعقوب بن اسحق الكندى والمتوفى بعد ٢٥٦ هـ = ٨٧٠ م، والمتضمن جداول تشتمل على ١٤٤ سؤالا.
وهناك كتابان فى القرعة منسوبان للمأمون المتوفى سنة ٢١٨ هـ (= ٨٣٣ م) أحدهما باسم "قرعة لإخراج الفأل" و"الضامر" وهو مخطوط بالقاهرة رقمه ٧٦١٢ مؤرخ لسنة ١٠٥٨ هـ (= ١٦٤٨ م)، والآخر كتاب "قرعة للمأمون" مخطوط، القاهرة رقم ٧٦١٣. وهما يختلفان عما سبق ويضمان فى خاتمتيهما قصائد غيبية منسوبة لمؤلفين مختلفين.
وتشير القرعة الجوهرية (مخطوط سراى أحمد) إلى تطور فى ممارسة التنبؤ بالغيب. والواقع أن استعمال الآيات القرآنية يفسر تبعا لطريقة "التأويل"، وقد حل محلها ما يعرف بحساب الجمل أو حساب النّيم الذى له دور فى "الجفر" وفى "علم الحروف" والأسماء، وتتكون من دمج أربعة مقاطع للكلمة "جوهر" (جوّ، جهّ، جرّ، جره. . .) وكل فقرة تشمل تفسيرا نثريا
стр. 8170
للدمج متبوعا بآخر من آية مسبوقا بجملة "قال الرّاجز" وترتب الحروف فى قراءة حروف المعجم "تبعًا للأبجدية" فى ثلاثة خطوط أفقية:
أب ج د هـ وز ح ط ى
ك ل م ن س ع ف ص ق
ر ش ت ث خ ذ ض ظـ غ
يختار السائل أحد هذه الحروف عشوائيا ثم يرجع إلى الفقرة التى يشرح فيها هذا الحرف فى آية.
وفى قراءة دانيال أرقام مصاغة فى جملتين تقوم مقام القرعة وترتب بالطريقة التالية:
قارعتُ أنا أحد
قارعتَ أنت أحد
قارعتُ أنا اثنين
قارعتَ أنت اثنين
قارعتُ أنا ثلاثا
قارعتَ أنت ثلاثا
قارعتُ أنا اثنين
قارعتَ أنت أحد. . . الخ
وقد شُرح معنى هذه العبارات آنفا فى صورة عبارات أدخلها "قال الراجز". وفى "الفهرس" مقالة شبيهة بهذه تعود إلى دانيال واسكندر "ذو القرنين" وبوتاجوراس وابن المرتجل والمسيحيين.
وتظهر أعظم درجات التعقيد التى اتخذها هذا النوع من القرعة فى ثلاثة أعمال يدّعى البيرونى أنه ترجمها من الهندستانية وعناوينها كالتالى: "القرعة المصرحة بالعواقب" و"القرعة المثمنة لاستنبات الضمائر المخمّنة" و"شرح مزامير القرعة المثمنة".
المصادر:
وردت فى المتن.
د. محمد أحمد سليمان [ت. فهد T. Fahid]
قريش
" قريش"، القبيلة التى كانت مستوطنة مكة ومنها محمد [ ﷺ ]، وغالبا ما يقال إن كلمة قريش مشتقة من "التَقرّش" أى تجمع القوم معا، ولكنها قد تكون أيضا (انظر الطبرى، جـ ١، ص ١١٠٤) تصغير قرش "سمك
стр. 8171
القرش"، ولهذا يمكن أن تكون اسمًا طوطميًا. . . الخ (١).
وقد اعتيد على أن القبيلة تتكون من أسلاف فهر الذى يجرى الحديث عنه أحيانًا على أنه هو نفسه قريش (٢)، ولكن الاسم يستعمل للقبيلة وحدها تقريبًا، تلك القبيلة التى تعد من قبائل العرب الشماليين وسلسلة نسب فهر تبين أنه: ابن مالك بن النضر بن كنانة ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وشجرة النسب الآتية تبين تفريعات القبيلة وبطونها (ولمعرفة أنموذج أكمل، انظر Watt: Muhammad at Mecca ص ٧): وتشير إلى أولئك الذين يقال عنهم بوجه عام، إنهم يملكون "عشائر" فى عهد محمد [ ﷺ ].
ويقال إن فهر كان قائد أقوام كنانة وخزيمة وغيرهما من القبائل فى القتال دفاعًا عن الكعبة ضد هجوم القبائل اليمنية، ولكن الحرم وبعض المزايا المختلفة المرتبطة به بقيت فى أيدى قبيلة خزاعة.
وعاش أحفاد فهر جماعات مبعثرة بين أقربائهم من كنانة. وقد حدث تغيير على أيدى قصى، فى الجيل السادس من فهر. حيث جمع جماعات أقربائه المبعثرة من قريش (ومن المحتمل أن تكون هذه هى مناسبة تلقيبهم باسم قريش)، وبمساعدة من بعض رجال كنانة وقضاعة (يسكنون الشام عادة)، انتزع امتلاك الحرم من خزاعة وأصبح الحاكم الفعلى لمكة. كما يقال إنه خصص أحياء من مكة لجماعات متباينة من قريش، وعرف الذين كانوا بالمنطقة المحيطة بالكعبة على أنهم قريش البطاح، وشملوا كل أحفاد كعب بن لؤى، وربما بعض الآخرين، بينما عرف من كانوا بمشارف مكة بأنهم قريش الظواهر. وبقدر ما حقق تخصيص الأحياء هذا نوعًا من الاستقرار الدائم، فإن نمو التجارة جعله أمرًا واقعًا. وما إن حلت سنة ٦٠٠ م حتى كان رؤساء قريش بالتأكيد تجار، يتمتحون بالرخاء والازدهار، وأوجدوا أسلوبًا أشبه
стр. 8172
بالاحتكار للتجارة بين المحيط الهندى وشرق أفريقية من ناحية والبحر المتوسط من ناحية أخرى. ونظموا القوافل التى ذهبت إلى اليمن فى الشتاء، وإلى غزة ودمشق فى الصيف، وكانوا مرتبطين بالتعدين وغيره من الأنشطة بطول الطرق. وقد جعل الانتصار فى حرب "الفجار" ضد هوازن وثقيف طرق نجد تحت إمرة قريش. كما حقق لها السيطرة بوجه خاص على تجارة مدينة الطائف التى كانت منافسًا لتجارة قريش ردحًا من الزمن. ولما كانت الطائف أكثر ارتفاعًا وأبرد هواءً من مكة، فقد اقتنى كثير من رجالات قريش إقطاعات بها. وكان لهم مراكز أيضًا فى مواقع أخرى من شبه جزيرة العرب. وبسبب ما اشتهرت به قريش من صفة الحلم ازدهرت تجارتها ودامت وحدتها رغم ما كان بين بطونها أحيانا من خصومات.
وعند موت قصى (فى النصف الأول من القرن السادس الميلادى على ما يرجح)، انتقلت سلطاته وحقوقه إلى عبد الدار، وكان عبد مناف قد تحداه بعد فترة من الزمن، وأدى ذلك إلى انقسام قريش إلى جماعتين متنافستين. وأيدَّ كلُّ من مخزوم، وسهم، وجُمع، وعدى عبد الدار، وكان مؤيدو عبد الدار معروفين بالأحلاف. ويعرف الحزب المعارض بأنهم المطيَّبون (أى ذوو العطر)، وتكون هذا الحزب من عبد مناف، وأسد، وزهرة، وتيم، والحارث ابن فهر. ومن المستحيل أن نعرف طول المدة التى بقيت فيها هذه الجماعات بالفعل. وقد ذكر "المطيبون" فى رسالة من محمد [ ﷺ ] إلى بعض رجالات خزاعة، مكتوبة فى سنة ٨ هـ (الواقدى، طبعة Marsden Jones، جـ ٢، ص ٧٥٠). ولكن قبل ذلك بزمن طويل، حوالى سنة ٦٠٥ م استبدل المطيبون وحلَّ محلهم حلف جديد، هو حلف الفضول (المعنى الدقيق غير مؤكد)، الذى تكون من هاشم، والمطلب، وأسد، وزهرة، وتيم، وربما الحارث بن فهر، والتغيير الجوهرى هنا هو أن بنى عبد مناف قد انقسموا أربعة أقسام، اثنان منهم هما: هاشم، والمطلب، وقد بقيا مع حلفائه السابقين، فى حين تخلى عنهم الاثنان الآخران، عبد شمس ونوفل.
стр. 8173
وقد يعنى هذا أن عبد شمس ونوفل قد أصبحا أقوياء نتيجة للنجاح التجارى. ومن الواضح، أن بنى عبد شمس على الرغم من أنهم ليسوا متفقين فى الرأى تمامًا مع الأحلاف، إلا أنهم أقاموا معهم علاقات تجارية وطيدة. وإن كان فى كل قصص العصر الجاهلى هذه عنصر أسطورى معترف به، إلا أن الخلاصة الأساسية للأحداث صحيحة على ما يظهر حتى ولو كانت معظم التواريخ غير مؤكدة. ولم يقطع رجل انتسابه إلى عشيرته بعد إسلامه، وفى كثير من أحداث حياة محمد ﵊، والفترة حتى سنة ١٣٢ هـ/ ٧٥٠ م، يمكن أن نرى تأثير الخصومات أو التحالفات القديمة. وفى فترة متأخرة أى فى عصر معاوية الأول، وجه الحسين بن على (من بنى هاشم) نداءً ضد الظلم إلى حلف الفضول، واستجاب له رجالات تيم، وزهرة وأسد استجابة قلبية مخلصة (ابن هشام، ص ٨٦ وما بعدها). وكان القادة المهزومون فى موقعة الجمل فى سنة ٦٥٦ م، من تيم وأسد. وبطبيعة الحال، كان هناك تغييرات فى القوة والثروة بالنسبة للعشائر. فقد ارتفع شأن عشيرة عبد شمس من خلال الأسرة الأموية الحاكمة، حيث إن أمية هو ابن عبد شمس؛ وقد مثل الشيعة الأوائل، والعباسيون بعدئذ، خصوم هذه العشيرة، وفى ظل الخلفاء الراشدين الأربعة، والأمويين قام رجال من قريش بدور بالغ الأهمية فى تنظيم وإدارة الإمبراطورية، ولولا براعتهم فى هذه المجالات ما بقيت غالبا هذه الإمبراطورية.
وعند وفاة محمد [ ﷺ ]، أراد واحد من الأنصار أن يكون أمير جماعة المسلمين، ولكن عمر رضى اللَّه عنه أقنع الأنصار بقبول أبى بكر رضى اللَّه عنه خليفة، على أساس أن القرشى وحده هو الذى يستطيع السيطرة على الدولة متعددة القبائل. وهناك دلالات على أن الأنصار قد تأثرت مشاعرهم من هذه المسألة لبضعة عقود من السنين (انظر Watt فى مجلة The Moslem World, العدد ٤٢ سنة ١٩٥٢ م، ص ١٦١، ١٦٤). وقد ورد حديث شريف هو "الأئمة من قريش" (على سبيل المثال، ابن حنبل: المسند، جـ ٣، ص ١٢٩، ١٨٣؛ جـ ٤،
стр. 8174
ص ٤٢١؛ وانظر T.W.Arnold: The caliphate، أكسفورد سنة ١٩٢٤ م، ص ٤٧)، كما استشهد بالآيتين ١٠٠ و ١٠١ من سورة التوبة فى تأييد هذا الرأى. وحينما صيغت النظرية السنية للخلافة، أصرت بوجه عام على أن الخليفة أو الإمام يجب أن يكون من قريش (على سبيل المثال، ابن أبى يعلى: طبقات الحنابلة، القاهرة سنة ١٩٥٢ م، جـ ١، ص ٢٦، ٣٤؛ جـ ٢، ص ٢١؛ والمواردى: الأحكام السلطانية، ص ٥؛ وابن خلدون: المقدمة، جـ ١، ص ٣٥٠ - ٤؛ والترجمة الانجليزية، جـ ١، ص ٣٩٦ - ٤٠١). ولكن بضعة من العلماء (على سبيل المثال ضرار بن عمر)، رأت رأيًا آخر، كما رأى معظم الخوارج أن الرجل الورع المستقيم من أى أصل كان يمكن أن يكون إمامًا (الأشعرى، مقالات الإسلاميين، ص ٤٦١ وما بعدها؛ والبغداد: أصول الدين، استانبول سنة ١٩٢٨ م، ص ٢٧٥). وقد سبب هذا الأمر بعض المصاعب ضئيلة الشأن فى عصور أحدث عهدًا حينما ادعى الخلافة أباطرة المغل، والسلاطين العثمانيون، ولكن معظم العلماء وجدوا سبيلًا للالتفاف حول هذه الصعوبات (T. W.Arnold: Caliphate, ص ١٦٢, ١٧٥).
ويذكر الجغرافى الهمدانى (توفى سنة ٣٣٤ هـ/ ٩٤٥ م) جماعات صغيرة من قريش فى أجزاء مختلفة من شبه جزيرة العرب لعلها من بقايا المواقع التجارية (طبعة D.H.Mueller، ص ١١٩, ١٢٢, ١٦٥, ١٩٤, ٢٥٨)؛ فى حين يبين اليعقوبى (توفى سنة ٢٨٤ هـ/ ٨٩٧ م) وجود جماعة من قريش قرب صيدا فى لبنان (تقويم البلدان، طبعة ليدن سنة ١٨٩٢ م، ص ٣٢٧). وفى اليوم الحاضر يوجد كثير من قريش يعيشون عيشة البدو فى جوار مكة، بينما فى مكة نفسها يوجد مفتاح الكعبة فى حوزة عشيرة من قريش تسمى بنو شيبة.
والنسبة من قريش هى قرشى، لكنها لم تكن تستخدم كثيرًا فى الأماكن الرئيسية للخلافة فى القرون الأولى، ولكن النسبة كانت إلى العشيرة. وبعد فترة من الزمان، يبدو أن بعض الرجال قد افتخروا بأنفسهم بأنهم من سلالة قريش. وفيما يلى بعض الأمثلة: واحد
стр. 8175
فى العراق، القرن ٧ هـ/ ١٣ م؛ وستة فى مصر والشام القرن ٨ هـ/ ١٤ م، و ٩ هـ/ ١٥ م, ١١ هـ/ ١٧ م, ١٢ هـ/ ١٨ م؛ واثنان فى شمال أفريقية القرن ٧ هـ/ ١٣ م، والقرن ٩ هـ/ ١٥ م (GAL، جـ ٢، ص ١١٠, ١١١, ١١٢، ٤٤٩, و Gals, جـ ١، حاشية رقم ٢٩٨، ص ٥٣٧, رقم ٢٠, ٦٠٩؛ جـ ٢، ص ٥٨؛ وابن خلدون، الترجمة الانجليزية، جـ ٣، حاشية ١٢٦). وفى باكستان الخ. . نجد صيغة قُرشى أمرًا مألوفًا فى الوقت الحالى.
المصادر:
(١) سيرة ابن هشام: ص ٦١ - ٧٠، ٧٥ وما بعدها ٧٩ - ٨٧, الخ. .
(٢) ابن حبيب: كتاب المحبَّر، حيدر آباد سنة ١٩٤٢
(٣) المؤلف نفسه: كتاب المنمق فى أخبار قريش، حيدرآباد سنة ١٩٦٤
(٤) الأزرقى: كتاب أخبار مكة، فى F. Wuestenfeld: Die Chroniken der stadt Mekka، جـ ١، ليبسك سنة ١٨٥٨
(٥) المسعودى: مروج الذهب، جـ ٣، ص ٩١ - ١٢٢ الخ. . .
(٦) W .M. Watt: Muhammad at Mecca، أكسفورد سنة ١٩٥٣، ص ٤ - ١٦، الخ. . .
(٧) H. Lammens: La Mecque a la veille de I'Hegire, بيروت سنة ١٩٢٤.
حسن شكرى [مونتجمرى وات W. M. Watt]
قريظة، بنو
إحدى القبائل اليهودية الثلاث الكبرى فى المدينة المنورة (يثرب)، وكانت ديارها تقع إلى الجنوب الغربى من الواحة. وليس من المعروف -كما هو الحال مع الجماعات اليهودية الأخرى- ما إذا كانت تنحدر من اليهود الذين لجأوا إلى الجزيرة العربية أو من العرب الذين تهودوا، على أنهم كانوا شديدى التمسك بالديانة اليهودية، لكنهم فى نفس الوقت مارسوا الكثير من العادات العربية وتزاوجوا مع العرب.
ويقول المؤرخ العربى السمهودى عن أصل تلك القبيلة إن قريظة وهدلًا وعمرًا
стр. 8176
كانوا أولاد الخزرج بن الصريح، وهو من نسل هارون، ولكنه لم يورد من أجداده سوى ثمانية. ومارست قريظة زراعة النخيل والحبوب فى المدينة بعد أن نزلتها مع أبناء عمومتهم بنى النضير والجماعات اليهودية الأخرى، وفرضت هيمنتها السياسية على سكانها الأصليين من العرب.
ولكن اليهود فقدوا مكانتهم الكبيرة بعد قدوم الأوس والخزرج، وإن ظلوا فيما يبدو ينعمون بقدر من الاستقلال. وقد عاون بنو قريظة والنضير قبيلة الأوس فى معركة بُعاث.
وعند الهجرة النبوية، كان أهم رجالات قريظة الزبير بن باطا بن وهب وكعب بن أسد. وكان لكل منهما أطم (قلعة). وقد أدرج ابن هشام هذين الرجلين مع خمسة عشر رجلًا كأعداء للنبى. ويقال إنه كان لقريظة مجلسان أحدهما لبنى كعب بن قريظة والآخر لبنى عمرو بن قريظة.
وقد تواتر أن كعب بن أسد قد عقد عهد، مع محمد [ ﷺ ] نيابة عن بنى قريظة بعد الهجرة, ولكنه نقض هذا العهد تحت تأثير حُيى بن أخطب من بنى النضير أثناء حصار المشركين للمدينة (إبان غزوة الخندق)، وأن حُييًا مزق الوثيقة التى سجل عليها العهد. غير أن هذا القول الذى ساقه الواقدى موضع جدل، إذ لم يسم ابن اسحق مصدره الذى أخذ عنه هذا القول، ويبدو أن المسلمين [عندما أحسوا الخيانة] لجأوا إلى الحيلة لمنع قيام تحالف بين اليهود والمشركين، فأوعزوا لليهود أن يطلبوا من المشركين أن يرسلوا لهم بعض رجالهم ليضمنوا ألا يتخلوا عنهم إذا أبطأ النصر، وفى نفس الوقت أشاعوا بين المشركين أن قريظة تعتزم الغدر بهم. وأنها سوف تسلم الرجال المطلوبين إلى المسلمين لكى يقتلوهم -[انظر سيرة ابن هشام].
ورغم أن قريظة لم تقم بعمل حربى صريح ضد المسلمين فيما يبدو، لكنها ربما دخلت فى مفاوضات مع المشركين أثناء الحصار. وبناء على ذلك هاجم المسملون بنى قريظة فور رفع الحصار عن المدينة، وحاصروهم فى آطامهم خمسًا وعشرين ليلة. وبعد مفاوضات وافقوا على الاستسلام دون قيد أو
стр. 8177
شرط، وحكّموا فيهم سعد بن معاذ، شيخ بنى عبد الأشهل، التى كان بينهم وبينها حلفًا. فحكم سعد بن معاذ بأن يقتل جميع الرجال (وكان عددهم يتراوح بين ٦٠٠ و ٩٠٠) وأن تسبى النساء وكذلك الأطفال. ونفذ حكمه فيهم. ولكن بعض الباحثين المحدثين يشككون فى صحة واقعة قتل الرجال جميعهم (انظر Arafat in JRAS . W.N (١٩٧٦) ١٠٠ - ٧ وقد تسلل قبل الاستسلام ثلاثة من شباب هدل التى كانت مع بنى قريظة فى آطامهم، واعتنقوا الإسلام، كما نجح رجل آخر أو رجلان فى الفرار [الإشارة هنا إلى عمر بن سعد القرظى، وكان قد رفض أن ينقض العهد مع المسلمين]. وكان ممن أسلم من بنى قريظة وحسن إسلامهم محمد بن كعب القرظى الذى أصبح من كبار الفقهاء.
المصادر:
(١) سيرة ابن هشام ومغازى الواقدى ووفاء الوفا للسمهودى.
(٢) W. Montgomery Watt: Muhammad at Medinah, Oxford ١٩٥٦
د. محمد أبو العمائم [و. مونتجمرى وات W. M. Watt]
القزاز
أبو عبد اللَّه محمد بن جعفر التميمى، ولد فى قيروان وأمضى جل حياته هناك. وكرّس حياته لتدريس علوم اللغة حتى وفاته فى ٤١٢ هـ/ ٢ - ١٠٢١ م عن عمر يناهز التسعين عاما.
وقد لعب القزاز دورا حاسما فى التوجه الخاص لفقه اللغة والدراسات اللغوية التى ميزت "مدرسة القيروان الأدبية" وذلك بفضل طبيعة كتاباته وتدريسه.
وبالرغم من أن النقاد يعتبرونه شاعرا ممتازا فإن أعماله الضخمة والعديدة فى النحو والصرف ووضع المعاجم هى التى أكسبته المكانة الرفيعة التى تمتع بها طوال حياته. ومن أهم كتبه:
(١) "كتاب الحروف" الذى يضم معنى كل حرف واستخدامه وقيمته ودوره فى الجملة.
(٢) "كتاب العشرات" وهو عمل معجمى يتناول الكلمات التى لها عشرة معانٍ أو أكثر.
(٣) "كتاب المثلث" وهو عن نماذج ثلاثية الإعلال.
стр. 8178
(٤) "كتاب الضاد والظاء".
(٥) "كتاب ما يجوز للشاعر فى الضرورة" عن الرخص الشعرية.
(٦) "شرح رسالة البلاغة".
(٧) وألف فى نقد المتنبى "كتاب ما أخذ عن المتنبى من اللحن والغلط".
وحظى القزاز باحترام وتقدير الخلفاء الفاطميين الذى ارتبط بهم وكذلك بحب العامة. كما كان تلاميذه يبجلونه وأصبح أغلبهم من أبرز رجال الأدب مثل ابن رشيق وابن شرف وابن عبد البر وغيرهم.
المصادر:
(١) ابن رشيق: "العمدة"، جـ ١، جـ ٢، القاهرة ١٩٥٥ م.
(٢) ياقوت: الأدباء، القاهرة ١٩٩٢ م.
لبنى الريدى [ش. بويحيا Ch. Bouyahia]
قزوين
قزوين، مدينة ومنطقة إلى الشمال الغربى من طهران والجنوب من جيلان, عند خط الطول ٥٠ شرقا وخط العرض ٣٦ شمالا، وعلى ارتفاع ٤.١٦٥ قدما عن سطح البحر. وهى تبعد ٩٠ ميلا عن طهران، على حافة سهل غرينى، وتحيط بها الجبال على بعد خمسة أميال. والمدينة شيدت فوق مدينة بناها شابور الثانى، والتى تقول الروايات أنها بنيت فوق مدينة بناها شابو بن أردشير.
جغرافية المدينة وتاريخها:
تتحكم المدينة فى الممر المؤدى خلال طبرستان إلى رشت Rash وبحر قزوين، وفى الطرق من طهران إلى كل من رشت وتبريز، ومن بحر قزوين إلى كل من همدان وقم. وفى القرن التاسع عشر كانت هناك أربعة طرق تربط طهران ببحر قزوين، ثلاثة منها لراكبى البغال، والرابع يستخدمها راكبو الشبريات (التختاروانات) والمدينة جوها معتدل، فدرجة الحرارة لا تزيد صيفا عن ٣٤.٥ ولا تقل شتاء عن ٥.٥. أما معدل المطر فيصل إلى ٣٣٩.١ مم مع سقوط للجليد فى يناير وفبراير.
ورغم الموقع الاستراتيجى المتميز للمدينة، فهى فى القرون الوسطى لم تضاه مدنا مثل الرى أو نيسابور أو أصفهان، ويرجع ذلك جزئيا إلى قلة
стр. 8179
المياه، فهى تعتمد فى مياه الشرب على الأمطار، أما الزراعة فمن جداول لم تكن كافية إلى عام ١٩٦٣ م حين حاولت السلطات حل هذه المشكلة.
وتقع قزوين فى حزام الزلازل، ومن ثم فقد تعرضت لها مرات عديدة. كما تشير الروايات إلى انتشار الطاعون بها عامى ١٠٤٥ هـ و ١٦٣٥ م - ١٦٣٦ م والكوليرا عدة مرات. كما دمرت الفيضانات المدينة عامى ١٥٥٧ م و ١٨٥٠ م.
وقد ذكر حمد اللَّه المستوفى أن المدينة كانت محاطة بالحدائق وبساتين الفواكه والكروم التى تنتج أنواعا فاخرة من الأعناب واللوز والفستق، وأنها كانت تصدر كميات كبيرة من الزبيب، وأن البطيخ والشمام كانا يزرعان بعد فيضان الماء فى المدينة مرة دون حاجة لرى آخر، كما كانت الحبوب تزرع أيضًا. أما الكلأ فقد قال عنه أنه من أفضل ما ينفع الإبل، ولذلك فإن إبل قزوين من أغلى الأنواع. وحاليا تربى الأغنام فى قرية شال Shal وما حولها، إلى الجنوب الغربى من قزوين. وكانت المنسوجات تصنع فى المدينة منذ عصر الإسلام الأول وحتى العصر الحديث، دون أن تضاهى فى ذلك أصفهان أو كشمير أو كرمان.
وقد تغيرت حدود المدينة أكثر من مرة خلال التاريخ الإسلامى وقد أضيف إليها خاراقان عام ٢٨٤ هـ/ ٨٩٧ م فكانت تضم وقتها ٧٦٥ قرية. ووسع المعتصم منها على حساب همدان، أما فى القرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى فلم تكن قزوين تضم سوى ٣٠٠ قرية، وكانت مقسمة إلى ثمانية (نواح nahias). وذكر أنها فى عام ١٦٠٢ م كانت تضم عشرين مدينة مسورة وألف قرية، وفى ١٨٨٤ م كانت تضم أحد عشر " Buluks" بلوكات (حيًا). أما فى العصر الحديث فهى تشكل (شهرستان) يضم ستة أقسام (بخوش - جمع بخش).
والغالبية من السكان حاليا تتكلم التركية، حيث وفد للإقليم فى عصر المغول العديد من القبائل التركية. وفى إقليم الزهرا يتكلم الناس (تأتى). هذا وتقطن العديد من القبائل التى كانت إلى
стр. 8180
عهد قريب شبه بدوية، كان رضا شاه قد منع الهجرة، ثم استأنفت بعد تنازله عن العرش.
وفى عهد الدولة الساسانية كانت قزوين تمثل مدينة حدودية مع الدَّيْلم، وكان على حاميتها هواجهة الهجمات الدَّيلمية وهو وضع تكرر فى عهد الإسلام، وهو أمر أثر على وضع المدينة التجارى والعلمى، وإن كان المقدسى وصفها بأنها "منجم الفقه والحكمة". وقد فتحت فى عهد عمر عام ٢٤ هـ/ ٦٤٤ م على يد البراء بن عازب وزيد بن الجبل الطائى ومنها انطلق البراء إلى فتح جيلان والديلم. واستولى كذلك على زنجان وقد استقرت قبائل عربية فى المنطقة. وقد بنى سعيد بن العاص والى الكوفة مدينة عند قزوين. وحين أصبح الحجاج حاكما على إقليم فارس والعراق عين ابنه محمد حاكما على الإقليم الحدودى. وممن تولوا حكم المدينة: يزيد بن المهلب وقتيبة بن مسلم ونصر بن سيار.
وبنى موسى الهادى مدينة عند قزوين بجوار التى بناها سعيد بن العاص، أسماها مدينة موسى، واشترى رستم أباد المجاورة واوقفها عليها، كما أسس مبارك الترك، احد عتقاء الهادى، مدينة ثالثة عند قزوين عام ١٧٦ هـ/ ٧٩٢ م, أسماها باسمه.
وحين مر هارون الرشيد بالمدينة تأثر بما يلاقيه أهلها فى صد الديلم، فأعفاها من الخراج واستعوضه بدفعة سنوية عشرة آلاف درهم، وأمر ببناء سور حول مدينة موسى ومبارك أباد، لم يكتمل إلا بواسطة موسى بن بُغا فى عهد المعتز عام ٢٥٤ هـ/ ٨٦٨ م. كما بنى هارون الرشيد مسجدا جامعا فى قزوين وعدة خانات ومبان أخرى. وفى عهد القاسم بن الرشيد حين كان حاكما على قزوين وجرجان وطبرستان وضع الملاك أراضيهم تحت حماية الحكومة لقاء دفع العشر للمالية العامة والعشر للحاكم، وبذلك أصبح للملاك حق الانتقام والحيازة بينما اقتصر حق الملكية على الدولة. وقد ذكر فى "مجمل التواريخ" مجهول المؤلف أن ثورة قامت فى عهد المعتز بقيادة أحد العلويين يدعى الكوكبى أخمدها موسى بن بُغا.
стр. 8181
ويبدو أن أغلب السكان فى هذا الوقت كانوا من العرب، وقد تزايد عددهم بعد إكمال السور. وكان أغلبهم من الأصول العربية الأولى التى قطنت المدينة، ذكر المستوفى منهم "السادات" ووصفهم بالتقوى والعلم، وأنهم يكسبون عيشهم من كد أيديهم وليس اعتمادا على آية معونة، الأمر الذى يبين أنهم تمتعوا بشئ من الاستقلال فى مواجهة السلطة. كما وصف خواندمير أهل قزوين بالمروءة والإنسانية.
واستردت قزوين وضعها كمدينة مواجهة خلال صراع الخلفاء مع العلويين. ففى عهد المعتصم الذى قرر أن يخضع الديلم لسيطرته دخل فخر الدولة (بحسب رواية المستوفى) أبو منصور كوفى حاكم قزوين من قبل الخليفة فى صراع مع الديلم لعشرين عاما. ويبدو أن فخر الدولة قد حكم المدينة لمدة أربعين عاما من قبل الخلفاء، عدا سنتين حكمهما من قبل حسن الباقر، العلوى الذى استولى عليها فى ٢٥١ هـ/ ٨٦٥ - ٨٦٦ م، إلا أنه فى عام ٣٠١ هـ/ ٩١٣ م عين على بن المقتدر حاكما عاما للمدينة مع الرى وزانجان وألهار وطاروم.
وفى عام ٣٠٤ هـ/ ٩١٦ م حاول يوسف بن أبى الساج الاستيلاء على قزوين ولكنه اضطر للفرار أمام الأصفر بن شيرويا، الذى نصب نفسه حاكما لمساحة تضم مع قزوين طبرستان وجورجان حتى قم وهمدان. وفى ٣١٥ هـ/ ٩٢٧ م طرد الأصفر جيشا للمقتدر لاسترداد المدينة، واستولى بعد ذلك على القلعة وقتل الكثير من السكان وفرض غرامة كبيرة على السكان، ولكن الأمر انتهى فى النهاية بقتله.
وآلت المدينة بعد ذلك إلى ركن الدولة، وظل الأقليم تحت سيطرة بنى بوية للمائة عام التالية. وفى عام ٣٥٨ هـ/ ٩٦٨ م هبت ثورة ثم أخمدت وفرضت على أثرها غرامة ١.٢٠٠.٠٠٠ درهم. وفى ٤٢١ هـ/ ١٠٣٠ م انتقلت المدينة إلى الدولة الغزنوية.
ويبدو أن أول احتكاك بين المدينة والغز كان فى ٤٣٠ هـ/ ١٠٣٨ م
стр. 8182
حين افتدى أهل المدينة أنفسهم من الغز وفانو خسرو، الديلمى، الذى استولى على الرى عام ٤٢٨ هـ وأشبع أهلها تقتيلا، وذلك لقاء مبلغ سبعة آلاف دينار.
ورغم قرب قزوين من قلعة الموت الاسماعيلية فإن السلاجقة لم يهتموا بأن يوكلوها لأمير أو ملك قوى. وبعد استقرار الاسماعيليين فى قلعة الموت بوقت قصير، أقنع أبو محسن الروينى أهل قزوين بإصدار مرسوم بإعدام كل من يأتى من اتجاه المدينة المذكورة، خشية أن يؤدى الاختلاط بأصحاب المذهب الاسماعيلى إلى إنتشار القلاقل بينهم. وقد استطاع الاسماعيلية أن يقيموا تحصينات قوية فى مرتفعات رودبار أيضًا، ومنها أزعجوا أهل المدينة، كما حدث عام ٥٢٣ هـ/ ١١٢٩ م حين قتلوا منها ٤٠٠ نفس انتقاما لمقتل مبعوثهم إلى مدينة أصفهان. وظلت المناوشات بين الجانبين، حتى إن الاسماعيلية استطاعوا إقامة قلعة خارج قزوين، ومنها تمكنوا من ضرب الحصار عليها.
وفى أواخر عهد السلاجقة، تنقلت المدينة بين أكثر من حاكم، منهم طغرل ابن محمد المعين من قبل سنجار. وتحت حكم شاهات خوارزم تجدد هجوم أهل قزوين على الاسماعيلية. وحين انتقلت رئاسة الاسماعيلية إلى جلال الدين حسن عام ٦٠٧ هـ/ ١٢١٠ م أعلن تخليه عن عقائد الاسماعيلية وتسمى باسم جلال الدين ناو - مسلمان، ولكن أهل قزوين لم يثقوا به لمعرفتهم بما يمارسه الاسماعيلية من حيل. وكسبا لثقتهم وصل الأمر أن يطلب منهم إرسال شهود من قبلهم ليشاهدوه وهو يحرق أعمال الاسماعيلية فى قلعة الموت.
وخلال الصراع بين شاهات خوارزم والمغول تبدل امتلاك المدينة إلى أن انتهى الأمر بهزيمة شاهات خوارزم. وتذكر الروايات مذبحة ارتكبها المغول فى المدينة عام ٦١٧ هـ/ ١٢٢٠ م. وقد عين مانجو قاءان فى ٦٥١ هـ/ ١٢٥٣ م - ١٢٤٥ م افتخار الدين البخارى حاكما لها وظل فى الحكم هو وأخوه حتى ٦٧٧ هـ/ ١٢٧٨ - ١٢٧٩ م.
стр. 8183
وفى الاضطرابات التى تلت حكم غازان خان (٦٩٤ - ٧٠٣ هـ/ ١٢٩٥ - ١٣٠٤ م) عانت قزوين كغيرها من أنحاء الامبراطورية الإلخانيّة فهجر المدينة خلق كثيرون لدرجة أنه يقال أن الجمعة لم تكن تقام.
وفى نهاية حكم أولجايوتو (٧٠٣ - ٧١٦ هـ/ ١٣٠٤ - ١٣١٦ م) انتقل حكم قزوين لحسام الدين أمير عمر الشيرازى والحاج فخر الدين أحمد المستوفى وقد خصص أبو سعيد بهادر فى بداية حكمه (٧١٦ - ٧٣٦ هـ/ ١٣١٦ - ١٣٣٥ م) قزوين لتدبير نفقات (إخراجات) لإنشاء عقارات أمه، وفقا لما ورد فى تاريخ غزنة، وقد كان تدفق القبائل التركية إلى قزوين فى عهد المغول أكثر منه فى عهد السلاجقة على أنه فى عصر كتابة المستوفى لتأريخه كانت هناك قبائل ذات أصول عربية غاية فى الثراء. وبعد انتهاء الامبراطورية الإلخانية دخلت قزوين التى كانت قد فقدت قيمتها كمدينة مواجهة منذ أمد، فترة خاملة من تاريخها، حتى عهد الصفويين. فما إن تولى إسماعيل الصفوى الحكم (٩٠٧ - ٣٠ هـ/ ١٥٠٢ م -٢٤ م) والذى كان يواجه مشكلة الدفاع عن حدوده ضد كل من العثمانيين والأوزبك، حتى احتلت المدينة أهمية جديدة. وحين فقدت تبريز فى عهد طهماسب (٩٣٠ - ٨٤ هـ/ ١٥٢٤ - ٧٦ م)، جعلت قزوين عاصمة عام ٩٦٢ هـ/ ١٥٥٥ م لحيوية موقعها بين أذربيجان وخراسان، وأصبح اسمها دار السلطنة، وظل الوضع قائما حتى بنى الشاه عباس عاصمة فى أصفهان. ورغم ذلك فلم تكن تعتبر محافظة مستقلة، ولكنها كانت تحكم بواسطة وزير ومستوفى يعين من الحكومة المركزية. وقرب نهاية عهد الشاه سلطان حسين جُعلت محافظة عين حاكما لها أحد مماليك السلطان يدعى طهماسب خان.
وفى عهد الصفويين انقسمت المدينة كالعديد من المدن وقتها بين فئتين متنازعتين، الحيادرى والنعماتى، قد دارت بين الفريقين الكثير من المذابح.
وكانت قزوين على عهد المغول وقبل ذلك صعقلا للسنّة، ورغم قربها من
стр. 8184
الديلم وقلعة الموت بعد ذلك. وفى عهد السلاجقة كان هناك حى للشيعة فى المدينة. إلا أن عمليات التحول إلى المذهب الشيعى لم تنتشر إلا فى عهد الصفويين. وانتشرت القلاقل بعد موت طهماسب ثم استولى التركمان على المدينة لفترة وجيزة ووضعوا عليها حاكما صوريا هو طهماسب ميرزا. ثم استولى عليها حمزة ميرزا حاكم تبريز التى كانت آنذاك فى يد العثمانيين، وأخمد ما كان فيها من قلاقل.
ولم تكن أهمية قزوين فى عهد الصفويين لكونها اتخذت عاصمة لفترة ما، بل أيضا للتجارة مع أوربا من خلال جنوب روسيا. كما انتشرت بها صناعات السجاد والأحذية والمشغولات المذهبة.
وأدت القلاقل التى حدثت قرب نهاية عهد الصفويين إلى توقف مؤقت للرخاء فى المدينة، وإلى نقص كبير فى سكانها، خاصة مع نقص الأنشطة التجارية. وفى عام ١٧٢٢ م وقعت فى يد محمود الأفغانى، ولكن سرعان ما دبت ثورة أدت إلى انسحاب الأفغان. وفى ١٧٢٦ م وقعت فى يد العثمانيين، ثم طردوا بعدها بوقت قصير. وبعد ذلك كانت لأشرف ويسجل الرواة أن المدينة تناقص سكانها من ١٢٠٠ أسرة إلى ١١٠٠ فقط فى سنة ١٧٤٤ م.
وفى مطلع القرن التاسع عشر كانت قزوين لا تزال تنتج السجاد، والمنسوجات وعادت مرة أخرى للانتعاش. وفى ١٢١٣ هـ/ ١٧٩٨ م عين لها فتح على شاه حاكما فى الثانية عشرة من عمره هو محمد على ميزار، وقد ظل فى منصبه حتى ١٢٢١ هـ/ ١٨٠٥ م. ثم استعادت قزوين أهميتها الاستراتيجية والتجارية لوقوعها فى مفترق الطرق بين العاصمة الجديدة طهران وبين تبريز، المدينة الثانية فى الإمبراطورية، وإنزلى على بحر قزوين. هذا وتمثلت أهمية المدينة التجارية فى فتح فرع للبنك الإمبراطورى الفارسى jmperial Bank of persia فيها. كما تحسنت بها فى أواخر القرن الماضى وسائل الاتصالات من برق وسكك حديدية بينها وبين طهران والمدن الكبرى.
стр. 8185
ولقد لعبت قزوين دورا مؤثرا فى الحركة السياسية ودعم الدستور، فمثلت فى أول مجلس وطنى. وحين حل محمد على المجلس فى ١٩٠٨ م اتصلت قزوين بعناصر المقاومة فى جيلان، وقد تم الاستيلاء على المدينة فى ١٩٠٩ م ومنها كان التقدم لطهران. وقد تدخلت روسيا ضد الحركة الوطنية فأرسلت قواتها للمدينة، واستمرت الاضرابات فى الأعوام التالية وأثناء الحرب الأولى. وفى عهد رضا شاه تدهور وضع المدينة التجارى وغادرها أكثر التجار والكثير من السكان إلى طهران.
الأماكن الأثرية:
اختفت أغلب مساجد المدينة المقامة فى العصر الوسيط. وكانت قزوين فى القرن الرابع عبارة عن مدينة داخلية وأخرى خارجية وكان لها مسجدين جامعين. وباستكمال بناء السور الذى أمر به الرشيد كان يحتوى على ٢٠٦ برجا و ١٢ بوابة. وقد أعيد بناؤه فى عهد الوزير صدر الدين المراغى عام ٥٧٥ هـ/ ١١٧٦ م.
وأقدم أثر إسلامى باق ومميز للمدينة هو قبة المسجد الجامع، والذى من المحتمل أن يكون مقامًا على أثر سابق على الإسلام. وتشير الكتابات الخاصة بالأوقاف المتعلقة به إلى تاريخ ٥٠٠ هـ/ ١١٠٦ م باسم الأمير أبو منصور خمارتاش بن عبد اللَّه العمادى. وهذه القبة متصلة بمدرسة بنيت فى القرن الرابع وهذه القبة طبقا لما ذكره زكريا القزوينى لم تكن تضاهيها قبة فى أى مكان آخر. ولمسجد الحيدرية علاقة وثيقة بمسجد خمارتاش. وقد يعود إلى تاريخ لاحق قريب به.
ويعود ما يسمى بضريح حمد اللَّه المستوفى لعصر المغول. وقد تم ترميمه حديثا. أما الأثر الوحيد الباقى من عصر الصفويين فهو قصر شاه طهماسب، وهو الآن متحف. وبالنسبة للقرنين الأخيرين فيمثلهما مسجد الشاه الشاهز أدى حسين وشبكة هائلة من الأسواق ذات الأقبية يجرى إزالتها حاليا.
المصادر:
R.Mottahedeh: Administration in Buyid Qazain
على يوسف على [أ. ك. س. لامبتون A. h. S. Lambton]
стр. 8186
موجز دائرة المعارف الإسلامية
«القزويني، زكريا - كليلة ودمنة»
[الجزء السابع والعشرين]
стр. 8187
القزوينى، زكريا
زكريا بن محمد بن محمود أبو يحيى، جغرافى عربى شهير وعالم بحث فى أصل الكون ونشأته وترجع جذوره إلى أسرة عربية استقرت بقزوين بفارس. ولد فى قزوين فى حوالى عام ٦٠٠ هـ/ ١٢٠٣ م, ويبدو أنه تلقى هناك تعليمه الفقهى.
ترك القزوينى مسقط رأسه فى تاريخ يصعب تحديده وذهب إلى بغداد كما استقر بعض الوقت فى دمشق حيث قابل الفيلسوف والصوفى الشهير ابن العربى وذلك فى حوالى عام ٦٣٠ هـ/ ١٢٣٣ م. ويبدو أنه زار الموصل فى هذه الفترة نفسها حيث قابل ضياء الدين ابن الأثير وربما يكون قد زار مدينة سنجار أيضًا وسافر القزوينى أيضًا، إلى بلاد فارس وأقام مدة طويلة فى واسط والحلَّة حيث تولى القضاء فى عهد الخليفة المستعصم آخر الخلفاء العباسيين. ولا نعرف أين تقابل الجغرافى والعالم بفقيه اللغة ابن سعيد الغرناطى الذى زار المشرق الإسلامى فى عام ٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م.
وبعد سقوط بغداد فى أيدى المغول (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م) اعتزل القزوينى الحياة العامة وتفرغ للأنشطة العلمية. وكان الجوينى، المؤرخ الفارسى، حاكما لبغداد بالنيابة عن هولاكو وخليفته أبافا. ويعتقد أن القزوينى وجد فى الجوينى الراعى لأعماله العلمية، وربما بسبب هذه الحماية المفترضة أهدى له كتابه عن أصل الكون وتكوينه. وقد مات القزوينى فى عام ٦٨٢ هـ/ ١٢٨٣ م.
وكتب القزوينى عملين أحدهما فى مجال الكون والمخلوقات والآخر فى مجال الجغرافيا. وينقسم كتابه "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات" إلى جزءين:
الجزء الأول يعالج الأشياء السماوية فى حين يعالج الجزء الثانى الأشياء الأرضية.
يصف القزوينى فى الجزء الأول الظواهر السماوية، أى القمر والشمس والنجوم ويتكلم عن سكان السماء، والملائكة.
стр. 8188
وفى نهاية هذا الجزء يشرح مشاكل التاريخ للكون ومعرفة تكوينه والتقويم العربى والسريانى. ويستهل الجزء الثانى ببحث عن العناصر الأربعة، والظواهر الجوية والرياح، ثم يصف تقسيم الأرض إلى سبعة أقاليم مناخية، ويعطى وصفا لكل البحار والأنهار المعروفة. وبعد أن شرح أسباب الزلازل وتكوين الجبال والآبار استعرض ممالك الطبيعة الثلاث: المعدن والنبات والحيوان. ويسبق وصف المملكة الحيوانية وصف مملكة الإنسان، وصفاته وتشريحه وكذلك وصف الصفات المميزة للقبائل الإنسانية. وقبل مناقشة الكائنات الحية الأخرى تناول الجن والغيلان.
وحظى كتاب "عجائب المخلوقات" للقزوينى بشعبية كبيرة فى كل العالم الإسلامى، وهو يعتبر أول عرض منهجى للكوزموغرافيا فى الأدب الإسلامى. وزينت مخطوطات الكوزموغرافيا، سواء العربية أو الفارسية أو التركية، بجداول هندسية وصور مصغرة تمثل نباتات وحيوانات وأنواع المسوخ المختلفة، وبعض هذه الرسومات لها قيمة فنية عالية.
لكن مصادر "عجائب المخلوقات" لم تنل بعد نصيبها من الدراسة. ففى نسخة Wustenfeld يمكن اكتشاف حوالى ٢١ كاتبا استخدم القزوينى أعمالهم ابتداء من الجاحظ وابن الفقيه إلى ابن الأثير، ومن أكثر الأعمال التى استشهد بها أعمال أبو حامد الأندلسى وبحث مجهول المؤلف بعنوان "تحفة الغرائب".
العمل الثانى للقزوينى جغرافى عرف من عدة مخطوطات ترجع إلى نسختين مخللفتين، النسخة الأقدم بعنوان "عجائب البلدان" كتبت فى عام ٦٦١ هـ/ ١٢٦٢ - ١٢٦٣ م. أما النسخة الثانية وقد نقحت بالكامل فترجع إلى عام ٦٦٤ هـ/ ١٢٦٥/ ١٢٦٦ م. وهى تحمل عنوان "آثار البلاد وأخبار العباد".
قسم القزوينى الأرض فى "آثار البلاد" إلى سبعة أقاليم مناخية واتبع فى ذلك التقسيم البطلميوسى. ووصف
стр. 8189
المدن والبلدان والجبال والأنهار التى تقع فى كل من هذه الأقاليم طبقا لترتيب هجائى. ويتضمن وصف كل مدينة أو بلد وقائع وحقائق جغرافية وتاريخية ونبذات عن أشهر الشخصيات التى يرجع أصلها إلى هذه المدن أو البلدان. ومن ثم يوجد تشابه بين كتابه هذا و"معجم البلدان" لياقوت من حيث ترتيب المادة. (باستثناء أن القزوينى وزع مادته على سبعة معاجم مختلفة تبعا لتقسيم الأقاليم المناخية). وبعض الموضوعات التى تضمنها كتاب "القزوينى والخاصة مثلا بمختلف الجبال والأنهار الخ. . جاءت كما فى كتاب "عجائب المخلوقات" وغالبا بذات المضمون تماما.
وبالإضافة إلى المخطوطات العربية هناك عدة نسخ فارسية منقحة وأخرى تركية موجزة لكتاب عن البلدان وعلى نقيض كتاب عجائب المخلوقات فإن مصادر "آثار البلاد" كانت موضوعًا لعدة دراسات. لقد جمع Wustenfeld قائمة -وإن كانت ناقصة جدا- للمصادر التى استخدمها القزوينى.
وعاد إلى هذه القضية فى الطبعة التى أصدرها عن "معجم البلدان" لياقوت حيث قال إن القزوينى استخدم بشكل كبير هذا العمل دون الإشارة إلى ذلك. وفى عام ١٩٦٧ م نشرت M.Kowolska أول دراسة جادة عن مصادر كتابه الجغرافى فى مقال بعنوان "مصادر آثار البلاد للقزوينى"، حيث قدمت تحليلًا مفصلًا لهذه المصادر. ويتضح من هذه الدراسة أن كتاب ياقوت "معجم البلدان" يمثل المصدر الرئيسى "لآثار الباود" للقزوينى كما وضعت قائمة كاملة تقريبًا للأجزاء التى استخلصها القزوينى من مصادر عربية أخرى نذكر منها هنا أعمال إبراهيم بن أحمد الطرطوشى والبيرونى والعذرى وأبو حامد الأندلسى وبحث فى تكوين الكون ونشأته مجهول المؤلف يرجع إلى القرن الثانى عشر ببنوان "تحفة الغرائب". وأخيرا جمعت قائمة بالرواة الذين سمع منهم القزوينى. فلقد استقى مؤلف "آثار البلاد" بعض معلوماته عن عرب غرب افريقيا.
стр. 8190
كان القزوينى بالإضافة لذلك عالم فلك وجغرافيًا وجيولوجيًا وعالم نبات وحيوان ومتخصصًا فى علم المعادن وعالم انثروبولوجيا وصفية. ونظرا لعلمه الغزير وثقافته الواسعة نجح فى توليف كل الحقائق المعروفة فى عصره عن العلوم سالفة الذكر وإن كان لم يأت بنظرية جديدة أو يرسى حقيقة جديدة. إن أكثر ما يميز القزوينى هو قدرته على رفع الكوزموغرافيا إلى نوع أدبى رفيع المستوى. وكذلك موهبته فى مجال التبسيط وجعل الشئ فى متناول مدارك الجمهور العريض، فضلا عن إدراكه أن المعرفة الواسعة يجب ألا تتعدى حدودا معينة حتى لا تثبط هذا الجمهور.
ويحظى القزوينى بتقدير عال من جانب بعض المستعربين المحدثين الذين يقارنونه فى بعض الأحيان بهيرودوت وبلينى، وإن كان البعض الآخر من العلماء يحكمون عليه بقسوة شديدة.
لقد مارس القزوينى تأثيرا كبيرا على الجغرافيين وعلماء الكوزموغرافيا فى الفترات اللاحقة له، وأصبح كتابه من بين أهم مصادر مؤلفين أتوا بعده مثل شمس الدين الدمشقى (المتوفى عام ٧٢٧ هـ/ ١٣٣٢ م) وأحمد بن حمدان الحراز وحمد اللَّه قزوينى (المتوفى حوالى ٧٥٠ هـ/ ١٣٤٩ م) الدميرى (المتوفى عام ٨٠٨ هـ/ ١٤٠٥ م) وابن الوردى (المتوفى فى ٨٦١ هـ/ ١٤٥٧ م) وآخرين حتى محمود بن سعيد السفاقوزى (المتوفى بعد عام ١٢٣٣ هـ/ ١٨١٨ م).
المصادر:
(١) Al-Koywini: "Kosmogmaphie" I, ed. Wustenfelo, III - XII
(٢) M. Kowolska: "theSowices of al-Qagwini's Athar al-Bilad, in Folia Orientals (١٩٦٦), ٤١ - ٨٨
لبنى الريدى [ت. لوسكى T. Lewicki]
القزوينى، نجم الدين
نجم الدين عبد الغفار بن عبد الكريم، فقيه شافعى ومتصوف توفى فى محرم ٦٦٥ هـ/ اكتوبر ١٢٦٦ م. من أهم مؤلفاته كتابه (الحاوى فى الفروع)
стр. 8191
ويعرف أيضا بعنوان "الحاوى فى الفتاوى" الذى استخدم على نطاق واسع كمرجع لدارسى الفقه الشافعى، وكان موضوعا لعدد كبير من التعليقات والشروح.
كما كتب القزوينى "اللباب فى الفقه" وهو عمل أكثر إيجازا من "الحاوى" وقام بالتعليق عليه فى عمل بعنوان "العجاب فى شرح اللباب".
وبالإضافة إلى إنجازاته كفقيه اشتهر القزوينى كصوفى يمتلك قوى خارقة. فبينما كان يسافر إلى مكة للحج شوهد وهو يعمل فى كتابه "الحاوى" فى عمق الليل وقد أضاء الورقة ضوء غامض ينبعث من أصابعه. أمضى القزوينى أغلب حياته فى قزوين حيث اشتهر بأصابعه المضيئة كما اشتهر بكرامات أخرى.
المصادر:
(١) حاجى خليفة: كشف الظنون، طبعة Yaltkaya and Bilge, I, cols, ٦٢٥ - ٤, II, col ١٠٤٣
(٢) يوسف بن اسماعيل النبهانى: "جامع كرامات الأولياء"، القاهرة ١٣٨١ هـ/ ١٩٦٢ م, ii، ١٩٤
(٣) تاج الدين السبكى: طبقات الشافعية، القاهرة ١٣٢٤ هـ/ ١٩٠٦ م، ١١٨, V
لبنى الريدى [هـ. ألجار H. Algar]
القسطنطينية
فى ١١ مايو سنة ٣٣٠ م أصبحت القسطنطينية عاصمة للإمبراطورية الرومانية الشرقية بقرار من الإمبراطور قسطنطين، فأصبح لها أهمية كبيرة منذ ذلك الحين، وكانت القسطنطينية معروفة للعرب، وأشاروا إليها أحيانا باسم قسنطينية، وكانت هذه المدينة تسمى قبل ذلك بيزنطة أو بيزنطية، وتكتب بطرق إملائية مختلفة، بل وكان العرب -مثلهم فى ذلك مثل الإغريق- قد اعتادوا على تسميتها بالمدينة، فإذا قيل المدينة انصرف الذهن إلى القسطنطينية لفرط أهميتها وازدهارها.
стр. 8192
الحملات العسكرية العربية على القسطنطينية:
يقال إن النبى [ ﷺ ] قد تنبأ بفتح القسطنطينية على يد المسلمين، ويورد المؤرخون العثمانيون أحاديث عن الرسول [ ﷺ ] تفيد أنه دعا للجيش الفاتح وقائده. وقد سعى الأمويون نحو هذا المشروع بجهد وبسالة، ففى أول سبتمبر ٦٥٣ م تم تجهيز أسطول فى طرابلس توجه للقسطنطينية بقيادة بصر بن أبى أرطات أوقع الهزيمة بالأسطول البيزنطى فى فونيكس على ساحل ليسيا. والمراجع العربية تفيد وصوله إليها، وفى الوقت نفسه أرسل معاوية لغزو الأراضى البيزنطية.
وفى سنة ٤٤ هـ/ ٦٦٤ م تقدم عبد الرحمن بن خالد إلى حدود برجامون، وفى السنوات التالية تقدم فضالة بن عبيد حتى وصل شالدون Chaleedor وقاد يزيد بن معاوية جيشا وقف أمام أسوار المدينة العتيدة ٥١ هـ/ ٦٧٢ م بينما كان يدعمه أسطول إسلامى فى بحر مرمرة. لقد حاصر المسلمون القسطنطينية مدة سبع سنين، وقد سقط أبو أيوب الأنصارى شهيدا أثناء هذا الحصار، ويختلف المؤرخون فى تاريخ وفاته ويتراوح هذا الخلاف بين سنة ٥٠ هـ وسنة ٥٥ هـ، وقد حقق هذا الحصار شهرة كبيرة خاصة فى العالم العربى، وقد سقط أبو أيوب الأنصارى شهيدا ودفن عند أسوار المدينة، وكان اكتشاف مقبرته إبان الحصار الأخير الذى قاده محمد الفاتح حادثة مهمة تقارن باكتشاف الرمح المقدس على يد الصليبيين الأوائل عند حصار أنطاكية (ذكر قبر أبى أيوب الأنصارى أول ما ذكر فى كتابات ابن قتيبة) وقد عقد المسلمون والبيزنطيون هدنة حتى سنة ٩٧ هـ عندما تولى الخلافة سليمان بن عبد الملك، وكان ثمة حديث نبوى يجرى على الألسن فى ذلك الوقت مؤداه أن خليفة يحمل اسم نبى مُقَيَّضٌ له أن يفتح القسطنطينية، وقد اعتبر سليمان هذه النبوءة تشير إليه فجهز حملة عظيمة ضد القسطنطينية وقاد أخوه مسلمة بن عبد الملك هذا الجيش خلال آسيا
стр. 8193
الصغرى عبر الدردنيل عند أبيدوس Abydos وأحاط بالقسطنطينية وقد رسى الأسطول العربى جزئيا قرب الأسوار على ساحل بحر مرمرة هو على جانب منه فى البسفور، وكان القرن الذهبى محجوزا بسلسلة، وبدأ الحصار فى ٢٥ أغسطس ٧١٦ م واستمر سنة كاملة، ثم وجد مسلمة نفسه مضطرا إلى الانسحاب بسبب هجمات البلغار وندرة الإمدادات، وهناك مراجع عديدة تشير لسير حملة مسلمة المحفوفة بالخطر بين المؤرخين، وحتى بعد قرون عدة كان هناك من يشير إلى بئر مسلمة فى أبيدوس حيث عسكر، بل وهناك إشارات لمسجد بناه هناك، وكان عبد اللَّه بن طيب أحد رفاق مسلمة أول مسلم يشن هجوما على بوابة القسطنطينية بل ويقال إن مسلمة قد بنى بيتا قريبا من القصر الامبراطورى لمساجين الحرب العرب وكان ذلك شرطا من شروط معاهدة السلام، وأنه بنى أول مسجد فى القسطنطينية، وأخيرا نسب إليه بناء برج جالاتا وجامع العرب فى جالاتا. وفى مناسبة أخرى يظهر حشد عربى على مرأى من القسطنطينية، وذلك سنة ١٦٥ هـ/ ٧٨٢ م عندما قام هارون بن الخليفة المهدى بالتوغل فى آسيا الصغرى دون أن يواجه مقاومة وعسكر فى كريسبولس Chrispolis (سكوتارى Scutari)، ولكن الامبراطورة إيرين الوصية على ابنها قسطنطين أسرعت تطلب عقد سلام ووافقت على دفع الجزية، وقد حوصرت القسطنطينية أربع مرات فى عهدى المهدى والرشيد.
وتبدأ حكايات العرب عن القسطنطينية منذ القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى، وقد اعتبر العرب الدردنيل وبحر مرمرة والبسفور مجرد قناة واحدة تربط البحر المتوسط بالأسود، ويذكر الاصطخرى وآخرون السلسلة الكبرى التى منعت دخول السفن العربية، ومن المحتمل أن يكون المقصود بهذه السلسلة تلك التى مدت بين جالاتا Galata والقسطنطينية زمن الحرب كما أشار الاصطخرى إلى
стр. 8194
الأسوار المزدوجة العالية للمدينة بأبراجها وبواباتها، بما فيها البوابة الذهبية وميدان سباق الخيل والتماثيل النحاسية للخيول الأربعة، وكل ذلك وصفه الكُتاب العرب بتفصيل أو إيجاز فابن حوقل والمقدسى كرسا اهتماما خاصا للبراتوريم Praetorinm (بيت القاضى الكبير)، كما كتب عن المجد المنسوب لمسلمة.
وبغض النظر عن أسرى الحرب فإن كثيرا من التجار المسلمين ومبعوثين من الخلفاء وسلاطين أقاموا فى القسطنطينية فقد كان السلاطين المماليك ينفون بعيدا الأشخاص المزعجين بعائلاتهم، وكان السلاطين السلاجقة ومدعو السلطنة يقضون أحيانا فترات طويلة فى القسطنطينية، وترد تفاصيل عن حياتهم هناك فى الكتابات البيزنطية وتحيط الفخامة بقصص المبانى العربية -خاصة المساجد- التى تم تشييدها فى القسطنطينية.
وداد عبد اللَّه [ج. هـ. مورتمان J. H. Mordtmann]
قسطيلية
قسطيلية (وقد يقال لها قسطيلة) اسم يطلق على مكان فى تونس كان المقصود به أحيانا فى العصور الوسطى مدينة تورز (باشباع التاء المضمومة وفتح الزاى) أو توزر (بفتح التاء المثناة من فوق)، ولكنه يطلق على الأكثر على الإقليم الذى كانت هذه البلدة مركزه، والذى يعرف حديثا بإقليم الجريد الذى هو الآن جزء من ولاية قفصة، ويبلغ عدد سكان قسطيلية ٣٢١٠٠٠ نسمة، والكثافة السكانية ١٧٤٥ فى الكيلومتر المربع وذلك حسب إحصاء ١٩٦٦, ومحصولها الأساسى فى الوقت الحاضر هو نفس محصولها فى الماضى وأعنى به منتجات النخيل إذ يوجد بها مليون نخلة، منها ٣١ % تنتج أحسن أنواع التمر المعروفة بدجلة حسب استقصاء ١٩٦٢. قد أدت العناية بارتفاع مستوى الفنادق ارتفاعا يبلغ فى بعض الأحيان أقصى مراتب الترف إلى تقدم السياحة التى أصبحت موردا جديدا.
стр. 8195
تاريخها: كان عقبة بن نافع أول من دخل قسطيلية، ثم تَمَّ فتحها "صلحا" وبدون مقاومة على يد حسن ابن النعمان الذى صالح أهلها النصارى على شروط حسنة مجزية، ولما تقدمت الأيام أصابها بطبيعة الحال رذاذ من الأهوال التى أضرت ببقية افريقية لاسيما بسبب فتن الخوارج التى أضرت ببقية افريقية لاسيما بسبب فتن الخوارج التى اندلعت فى القرن الثانى للهجرة (الثامن الميلادى) ومن جراء ثورات الجند الأغالبة والحروب ضد الخارج الفاطمى وظهور أبى يزيد النكارى، وترتب على هذه الاضطرابات أن أكثر أتباع الأباضية هناك ونجح الشيعة بعض النجاح لاسيما فى "نَقْطة". يضاف إلى ذلك أن هجمات بنى هلال فى منتصف القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) ساعدت على قيام إمارة صغيرة مستقلة سرعان ما اغتصبها "بنو الرند" أصحاب قفسة كما صارت قسطيلية بذلك أرضا متنازعا عليها وعرضة لهجمات قراقوش وبنى غانية، فلما كان زمن الحفصيين (أعنى مستهل القرن الثامن الهجرى) (الرابع عشر الميلادى) ظهرت دويلة صغيرة يحكمها بنو يملول ونفر من المشيخة، واتسم وجودها بالمتاعب الشديدة حتى زالت على يد أبى فارس سنة ٨٠٢ هـ (= ١٤٠٠ م). ولقد زادت فوضى القرن التاسع عشر من بؤس الإقليم الذى كابد شدة من الضرائب المرهقة التى لاحقته بها الحكومة فى عنف بالإضافة إلى جانب عدم وجود من يتصدى لهجمات البدو ليردعهم.
الجغرافية التاريخية: لا يقتصر اسم قسطيلية على وروده كبلد فى تونس وحدها إذ يذكر ياقوت الحموى فى معجمه "قسطلّة" (بتشديد اللام المفتوحة) فى الأندلس، وكذلك "قسطيلية" فى إقليم البيرة، كما يشير إلى موضع بين حلب ودمشق يسميه بقسطل، كما أن إحدى القلاع القديمة كانت تعرف بقسطيلية. وعلى أية حال فالكلمة مشتقة من اللفظ اللاتينى Castells أى القلعة أو الحصن، وقد