← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 8191–8230 · переход к 8196.

стр. 8191

ويعرف أيضا بعنوان "الحاوى فى الفتاوى" الذى استخدم على نطاق واسع كمرجع لدارسى الفقه الشافعى، وكان موضوعا لعدد كبير من التعليقات والشروح. كما كتب القزوينى "اللباب فى الفقه" وهو عمل أكثر إيجازا من "الحاوى" وقام بالتعليق عليه فى عمل بعنوان "العجاب فى شرح اللباب". وبالإضافة إلى إنجازاته كفقيه اشتهر القزوينى كصوفى يمتلك قوى خارقة. فبينما كان يسافر إلى مكة للحج شوهد وهو يعمل فى كتابه "الحاوى" فى عمق الليل وقد أضاء الورقة ضوء غامض ينبعث من أصابعه. أمضى القزوينى أغلب حياته فى قزوين حيث اشتهر بأصابعه المضيئة كما اشتهر بكرامات أخرى. المصادر: (١) حاجى خليفة: كشف الظنون، طبعة Yaltkaya and Bilge, I, cols, ٦٢٥ - ٤, II, col ١٠٤٣ (٢) يوسف بن اسماعيل النبهانى: "جامع كرامات الأولياء"، القاهرة ١٣٨١ هـ/ ١٩٦٢ م, ii، ١٩٤ (٣) تاج الدين السبكى: طبقات الشافعية، القاهرة ١٣٢٤ هـ/ ١٩٠٦ م، ١١٨, V لبنى الريدى [هـ. ألجار H. Algar] القسطنطينية فى ١١ مايو سنة ٣٣٠ م أصبحت القسطنطينية عاصمة للإمبراطورية الرومانية الشرقية بقرار من الإمبراطور قسطنطين، فأصبح لها أهمية كبيرة منذ ذلك الحين، وكانت القسطنطينية معروفة للعرب، وأشاروا إليها أحيانا باسم قسنطينية، وكانت هذه المدينة تسمى قبل ذلك بيزنطة أو بيزنطية، وتكتب بطرق إملائية مختلفة، بل وكان العرب -مثلهم فى ذلك مثل الإغريق- قد اعتادوا على تسميتها بالمدينة، فإذا قيل المدينة انصرف الذهن إلى القسطنطينية لفرط أهميتها وازدهارها.

стр. 8192

الحملات العسكرية العربية على القسطنطينية: يقال إن النبى [ ﷺ ] قد تنبأ بفتح القسطنطينية على يد المسلمين، ويورد المؤرخون العثمانيون أحاديث عن الرسول [ ﷺ ] تفيد أنه دعا للجيش الفاتح وقائده. وقد سعى الأمويون نحو هذا المشروع بجهد وبسالة، ففى أول سبتمبر ٦٥٣ م تم تجهيز أسطول فى طرابلس توجه للقسطنطينية بقيادة بصر بن أبى أرطات أوقع الهزيمة بالأسطول البيزنطى فى فونيكس على ساحل ليسيا. والمراجع العربية تفيد وصوله إليها، وفى الوقت نفسه أرسل معاوية لغزو الأراضى البيزنطية. وفى سنة ٤٤ هـ/ ٦٦٤ م تقدم عبد الرحمن بن خالد إلى حدود برجامون، وفى السنوات التالية تقدم فضالة بن عبيد حتى وصل شالدون Chaleedor وقاد يزيد بن معاوية جيشا وقف أمام أسوار المدينة العتيدة ٥١ هـ/ ٦٧٢ م بينما كان يدعمه أسطول إسلامى فى بحر مرمرة. لقد حاصر المسلمون القسطنطينية مدة سبع سنين، وقد سقط أبو أيوب الأنصارى شهيدا أثناء هذا الحصار، ويختلف المؤرخون فى تاريخ وفاته ويتراوح هذا الخلاف بين سنة ٥٠ هـ وسنة ٥٥ هـ، وقد حقق هذا الحصار شهرة كبيرة خاصة فى العالم العربى، وقد سقط أبو أيوب الأنصارى شهيدا ودفن عند أسوار المدينة، وكان اكتشاف مقبرته إبان الحصار الأخير الذى قاده محمد الفاتح حادثة مهمة تقارن باكتشاف الرمح المقدس على يد الصليبيين الأوائل عند حصار أنطاكية (ذكر قبر أبى أيوب الأنصارى أول ما ذكر فى كتابات ابن قتيبة) وقد عقد المسلمون والبيزنطيون هدنة حتى سنة ٩٧ هـ عندما تولى الخلافة سليمان بن عبد الملك، وكان ثمة حديث نبوى يجرى على الألسن فى ذلك الوقت مؤداه أن خليفة يحمل اسم نبى مُقَيَّضٌ له أن يفتح القسطنطينية، وقد اعتبر سليمان هذه النبوءة تشير إليه فجهز حملة عظيمة ضد القسطنطينية وقاد أخوه مسلمة بن عبد الملك هذا الجيش خلال آسيا

стр. 8193

الصغرى عبر الدردنيل عند أبيدوس Abydos وأحاط بالقسطنطينية وقد رسى الأسطول العربى جزئيا قرب الأسوار على ساحل بحر مرمرة هو على جانب منه فى البسفور، وكان القرن الذهبى محجوزا بسلسلة، وبدأ الحصار فى ٢٥ أغسطس ٧١٦ م واستمر سنة كاملة، ثم وجد مسلمة نفسه مضطرا إلى الانسحاب بسبب هجمات البلغار وندرة الإمدادات، وهناك مراجع عديدة تشير لسير حملة مسلمة المحفوفة بالخطر بين المؤرخين، وحتى بعد قرون عدة كان هناك من يشير إلى بئر مسلمة فى أبيدوس حيث عسكر، بل وهناك إشارات لمسجد بناه هناك، وكان عبد اللَّه بن طيب أحد رفاق مسلمة أول مسلم يشن هجوما على بوابة القسطنطينية بل ويقال إن مسلمة قد بنى بيتا قريبا من القصر الامبراطورى لمساجين الحرب العرب وكان ذلك شرطا من شروط معاهدة السلام، وأنه بنى أول مسجد فى القسطنطينية، وأخيرا نسب إليه بناء برج جالاتا وجامع العرب فى جالاتا. وفى مناسبة أخرى يظهر حشد عربى على مرأى من القسطنطينية، وذلك سنة ١٦٥ هـ/ ٧٨٢ م عندما قام هارون بن الخليفة المهدى بالتوغل فى آسيا الصغرى دون أن يواجه مقاومة وعسكر فى كريسبولس Chrispolis (سكوتارى Scutari)، ولكن الامبراطورة إيرين الوصية على ابنها قسطنطين أسرعت تطلب عقد سلام ووافقت على دفع الجزية، وقد حوصرت القسطنطينية أربع مرات فى عهدى المهدى والرشيد. وتبدأ حكايات العرب عن القسطنطينية منذ القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى، وقد اعتبر العرب الدردنيل وبحر مرمرة والبسفور مجرد قناة واحدة تربط البحر المتوسط بالأسود، ويذكر الاصطخرى وآخرون السلسلة الكبرى التى منعت دخول السفن العربية، ومن المحتمل أن يكون المقصود بهذه السلسلة تلك التى مدت بين جالاتا Galata والقسطنطينية زمن الحرب كما أشار الاصطخرى إلى

стр. 8194

الأسوار المزدوجة العالية للمدينة بأبراجها وبواباتها، بما فيها البوابة الذهبية وميدان سباق الخيل والتماثيل النحاسية للخيول الأربعة، وكل ذلك وصفه الكُتاب العرب بتفصيل أو إيجاز فابن حوقل والمقدسى كرسا اهتماما خاصا للبراتوريم Praetorinm (بيت القاضى الكبير)، كما كتب عن المجد المنسوب لمسلمة. وبغض النظر عن أسرى الحرب فإن كثيرا من التجار المسلمين ومبعوثين من الخلفاء وسلاطين أقاموا فى القسطنطينية فقد كان السلاطين المماليك ينفون بعيدا الأشخاص المزعجين بعائلاتهم، وكان السلاطين السلاجقة ومدعو السلطنة يقضون أحيانا فترات طويلة فى القسطنطينية، وترد تفاصيل عن حياتهم هناك فى الكتابات البيزنطية وتحيط الفخامة بقصص المبانى العربية -خاصة المساجد- التى تم تشييدها فى القسطنطينية. وداد عبد اللَّه [ج. هـ. مورتمان J. H. Mordtmann] قسطيلية قسطيلية (وقد يقال لها قسطيلة) اسم يطلق على مكان فى تونس كان المقصود به أحيانا فى العصور الوسطى مدينة تورز (باشباع التاء المضمومة وفتح الزاى) أو توزر (بفتح التاء المثناة من فوق)، ولكنه يطلق على الأكثر على الإقليم الذى كانت هذه البلدة مركزه، والذى يعرف حديثا بإقليم الجريد الذى هو الآن جزء من ولاية قفصة، ويبلغ عدد سكان قسطيلية ٣٢١٠٠٠ نسمة، والكثافة السكانية ١٧٤٥ فى الكيلومتر المربع وذلك حسب إحصاء ١٩٦٦, ومحصولها الأساسى فى الوقت الحاضر هو نفس محصولها فى الماضى وأعنى به منتجات النخيل إذ يوجد بها مليون نخلة، منها ٣١ % تنتج أحسن أنواع التمر المعروفة بدجلة حسب استقصاء ١٩٦٢. قد أدت العناية بارتفاع مستوى الفنادق ارتفاعا يبلغ فى بعض الأحيان أقصى مراتب الترف إلى تقدم السياحة التى أصبحت موردا جديدا.

стр. 8195

تاريخها: كان عقبة بن نافع أول من دخل قسطيلية، ثم تَمَّ فتحها "صلحا" وبدون مقاومة على يد حسن ابن النعمان الذى صالح أهلها النصارى على شروط حسنة مجزية، ولما تقدمت الأيام أصابها بطبيعة الحال رذاذ من الأهوال التى أضرت ببقية افريقية لاسيما بسبب فتن الخوارج التى أضرت ببقية افريقية لاسيما بسبب فتن الخوارج التى اندلعت فى القرن الثانى للهجرة (الثامن الميلادى) ومن جراء ثورات الجند الأغالبة والحروب ضد الخارج الفاطمى وظهور أبى يزيد النكارى، وترتب على هذه الاضطرابات أن أكثر أتباع الأباضية هناك ونجح الشيعة بعض النجاح لاسيما فى "نَقْطة". يضاف إلى ذلك أن هجمات بنى هلال فى منتصف القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) ساعدت على قيام إمارة صغيرة مستقلة سرعان ما اغتصبها "بنو الرند" أصحاب قفسة كما صارت قسطيلية بذلك أرضا متنازعا عليها وعرضة لهجمات قراقوش وبنى غانية، فلما كان زمن الحفصيين (أعنى مستهل القرن الثامن الهجرى) (الرابع عشر الميلادى) ظهرت دويلة صغيرة يحكمها بنو يملول ونفر من المشيخة، واتسم وجودها بالمتاعب الشديدة حتى زالت على يد أبى فارس سنة ٨٠٢ هـ (= ١٤٠٠ م). ولقد زادت فوضى القرن التاسع عشر من بؤس الإقليم الذى كابد شدة من الضرائب المرهقة التى لاحقته بها الحكومة فى عنف بالإضافة إلى جانب عدم وجود من يتصدى لهجمات البدو ليردعهم. الجغرافية التاريخية: لا يقتصر اسم قسطيلية على وروده كبلد فى تونس وحدها إذ يذكر ياقوت الحموى فى معجمه "قسطلّة" (بتشديد اللام المفتوحة) فى الأندلس، وكذلك "قسطيلية" فى إقليم البيرة، كما يشير إلى موضع بين حلب ودمشق يسميه بقسطل، كما أن إحدى القلاع القديمة كانت تعرف بقسطيلية. وعلى أية حال فالكلمة مشتقة من اللفظ اللاتينى Castells أى القلعة أو الحصن، وقد

стр. 8196

استعملها العرب الذين دخلوا البلاد وقصدوا بها "توزر" ثم عمموها فأطلقوها على كل الإقليم المتصل بها وتبعا لما يقوله اليعقوبى المتوفى ما بين ٢٨٢ و ٢٩٢ فإن هذا الإقليم كان يتألف من أربع واحات "أكبرها توزر" مقر الولاة، وثانيها الحامة، ثم "تقيوس والرابعة نفطة". فأما تقيوس فقد زالت ولم يعد لها وجود اليوم. وقد ذكر هذا القسم معظم الجغرافيين المتأخرين لاسيما البكرى وياقوت. أما ابن حوقل والمقدسى والإدريسى فقد اكتفوا بإيراد صفات هذه المدن دون أن يفصلوا سعة الإقليم وحَدُودَه. ونجد أن قسطيلية التى تعرف الآن ببلاد الجريد واردة عند المؤلفين المتأخرين ويقصدون بها "قفسه" فى الشمال وبلاد "نفزاوة" فى الجنوب، بل وأيضا قابس وجزيرة جربة. ولقد ظهر اسم "بلاد الجريد" أو "الجريد" فقط لأول مرة بعد منتصف القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) فى كتابات ابن خلدون، وأخذ اسم "قسطيلية" القديمة فى التلاشى بالتدريج حتى لم يعد أحد من المحدثين يعرفها سوى المتخصصين وإذا كان التيجانى المتوفى قد ذكرها فإنما كان ذكرهم إياها فى معرض اقتباسهم نصا من المؤلفين القدامى، حتى أن ليو الافريقى الذى زار تونس سنة ١٥١٧ لم يكن يعرف شيئا قط عن قسطيلية، كما أنه لم يكن بها إلى القرن الثالث الهجرى (= التاسع الميلادى) عنصر عربى يعتد به لذلك يقول اليعقوبى إن سكانها ليسوا عربا ولكنهم من ذرية الرومان القدماء والبربر والأفارقة من نسل اللاتين والبربر المنتصرين. ولما تكلم ابن خلدون عن اضطرابات ٢٢٤ هـ (٨٣٩ م) نراه يذكر زواغة ولواته وبربر فكناسة (انظر العبر ٤/ ٤٢٨) لم يحدث أى تغيير كبير فى الخريطة السكانية حتى منتصف القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) إلى أن جاءت الهجمات الهلالية فجاءت معها إلى قسطيلية ببنى سليم خاصة، وتغيرت الخريطة السكانية منذ ذلك التاريخ تغيرا ملحوظا وسارت المسيحية فى طريق التلاشى بعد أن كانت راسخة الأقدام بها، ولم

стр. 8197

تفت هذه الملاحظة التيجانى صاحب الرحلة بل استلفتت نظره فى عام ٧٠٦ هـ (= ١٣٠٦ م) كثرة وجود الكنائس التى صار بعضها أطلالا وبعضها مهجورا، كما أشار فى فزع إلى تفشى ظاهرة أكل لحوم الكلاب. ويجمع الكتاب العرب فى العُصور الوسطى على وصف قسطيلية بأنها بلد غنى عظيم الازدهار، كما يقدر البكرى جبايتها بمائتى ألف دينار وذلك فى منتصف القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى)، على جين بلغت جباية قفسه خمسين ألف دينار فقط. وقد تعجّب ابن خلدون (وهو من أهل القرن الثامن الهجرى = الرابع عشر الميلادى) من كثرة سكان قسطيلية كما كان بها نظام دقيق للرى استلفت أنظار جميع من شاهدوه. هذا إلى جانب وفرة انتاجها من التمر، ويشير اليعقوبى إلى زراعة هامة هى زراعة الزيتون التى اندثرت بعد ذلك. ويشير ابن حوقل فى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) إلى أن زراعة قصب السكر بقسطيلية كانت من أعظم الزراعات انتاجا، لكنها ما لبثت أن تضاءلت (على حد قول البكرى) فى القرن التالى وحدث مثل ذلك لزراعة الموز. ومن ناحية أخرى نجد أن هذا الإقليم كان ينتج من الفاكهة والحمضيات والأترج كميات لا يجاريه فيها أى إقليم آخر، كما كان يزرع به الكتان والحناء والكمون، ويصاد به ثعلب الفنك لفرائه الغالى، ويذكر ابن حوقل أن قسطيلية كانت فى عصره مركزا تجاريا هاما حافلا بالتجار من شتى الأقطار، وكان أهم ما تصدره القمح الذى يسعى المُشْترون إليه ويدفعون فيه أثمانا غالية كما أن قسطيلية كانت تصدر التمر فكان كل حمل بعيد بدرهمين كما يقول المقدسى. كما يكثر بها الصوف لكثرة ما بها من الأغنام التى يعنى الأهالى بتربيتها، ومن ثم كانت قسطيلية مركزا لتصدير المنسوجات الصوفية. وليس من شك فى أن التجارة التى كانت تمر عبر

стр. 8198

الصحراء فى طريقها إلى إفريقية السوداء كانت من غير شك أحد الأسباب التى أدت إلى رخاء الناحية فى العصور الوسطى. ومن المعروف أن والد أبى يزيد النكارى التقيوسى الأصل قد ساهم فى هذا المجال. ومن المراجع التى تناولت هذا الموضوع ابن خلدون: العبر ٤/ ٨٤, والفتوح لابن عبد الحكم، والمالك لابن خرداذبة وكتاب البلدان لابن الفقيه، وصورة الأرض لابن حوقل وأحسن التقاسيم للمقدسى والمالك والممالك للبكرى ونزهة المشتاق للأدريسى، ومعجم البلدان لياقوت والرحلة للتيجانى والمؤنس لابن أبى دينار والحلل للوزير السراج. المصادر: وردت فى المتن. د. حسن حبشى [م. طالبى M. Talbi] قسى، بنو بنو قَسِى أسرة من الأسر الخطيرة الشأن فى تاريخ الأندلس تقاسمت هى وبنو الطويل والتجيبيين فيما بينهم القوة والنفوذ الفعال فى إقليم oragin الذى لم يصبح تاريخه واضحًا إلا إذا درس فى ضوء الصراعات التى اتسمت بالجذب والطرد وأصبحت سمة يمتاز بها التاريخ الأسبانى، ولقد اتبع بنو قسى سياسة اغتنام الفرص للاحتفاظ باستقلالهم الفعلى، ولكنهم كانوا فى الوقت ذاته مخلصين للأمويين مؤيدين لهم بطريقة فعالة حتى لقد كانوا لهم درعًا ضد الضغوط المتزايدة عليهم من جانب نصارى الشمال فى فترة مستهل حركة الاسترداد ومن جانب الدولة الكاردلنجية، هذه الضغوط التى بلغت ذروتها فى القرنين الثالث والرابع للهجرة (التاسع والعاشر للميلاد). ولقد كان قسى (كما يقول ابن حزم فى كتابه جمهرة أنساب العرب) سيد منطقة الثغور زمن القوط، وكان هو القوطى فلما فتح المسلمون الأندلس مضى إلى الشام وأسلم على يدى الوليد بن عبد الملك، وكان ذلك رباطًا وثيقا من الولاء كان هو شديد الفخر به، وهذا هو السبب الذى من أجله وقف

стр. 8199

بنو قسى على الدوام إلى جانب مضر فى حربهم ضد اليمن، وقد أنجب قسى هذا فرتون وكان أول شخص معروف تمام المعرفة من أعضاء هذه الأسرة هو موسى بن فرتون الذى تمكن من هزيمة سعيد بن الحسين الأنصارى الذى كان قد ثار ضد هشام الأول فى إقليم طرطوسه Tartosa وسرقسطة saragssca سنة ١٧٢ هـ (= ٧٨٨ - ٧٨٩ م)، فلما مات تزوجت أرملته من جديد "اننيجو أرستا" أول حاكم لبمبلونة ومن ثم يستطيع المرء أن يدرك فى يسر وسهولة ما يترتب على هذا الترابط من دور الوساطة الذى لعبه موسى بن موسى الذى له عرق عند الباسكيين والذى كان يصرح بأنه "ثالث ملوك أسبانيا". على أنه فى سنة ٢٢٦ هـ (= ٨٤٠ م) أسيئت معاملة موسى بن موسى على يدى واليَىْ سرقطة وطليطلة فثار وأمسك بالقائد الحارث بن بزيع، فبعث عبد الرحمن الثانى حملة أرغمته على الخضوع ولكنه ظل محتفظا بأرنيدو، ونص الأمير فى اتفاق الصلح على تثبيت أخيه "ينافو بن ينيفو، Inigao Iniguez" على ما فى يده من البلاد لقاء دفعة ضريبة قدرها سبعمائة دينار كل سنة، وكان هذا الحادث يؤرخ مولد مملكة "بامبلونة" مولدًا شرعيا، ويلاحظ أن الهجمات التى تلت ذلك الحادث بقصد رده إلى الطاعة كانت موجهة فى الواقع ضد حلفائه الباسك مما دل على أهمية مساعدتهم له. ولما كانت سنة ٢٣٠ هـ (= ٨٤٤ م) زحف موسى على رأس قواته حتى بلغ أشبيلية لصد هجوم شنه النرمنديون، سنة ٢٣٦ هـ (= ٨٥١ م) على امنون كونت بيرجورد ودوق جسكونيا بعد قتال عنيف ضار، وإن هذا الانتصار الهام ليفسر لنا إلى أى حد كان تولى محمد الأول سنة ٢٣٨ هـ (= ٨٥٢ م) يعد نقطة انتقال ومرحلة جديدة فى العلاقات مع الحكومة المركزية ولماذا أصبح موسى واليا على ولشة Huesca وطليطلة وسرقسطة، ففى سنة ٢٤٢ هـ

стр. 8200

أغار على إقليم برسكونج بناء على أوامر الأمير وغزا Tarrasa، وأخذ فى هذا الوقت ينعت نفسه بثالث ملك فى أسبانيا Tertium regem in spania، وتذكر حوليات الفونس الثالث أنه فيما بين ٢٤٣, ٢٤٥ م (= ٨٥٧ و ٨٥٩ م) استنجد ثوار طليطلة بموسى وطلبوا منه المساعدة فأرسل إليهم ولده "لُبْ" واليا عليهم ولكنه هُزِم هزيمة نكراء سنة ٢٤٥ هـ أمام الردونيو الأول ملك ليون وضاعت من يده قلعة Alhelda التى كان قد فرغ حالا من بنائها، فقام الأمير بخلعه من ولاية الثغر الأعلى فى سنة ٢٤٦ هـ (= ٨٦٠ م)، ولقد ترك لنا ابن القوطية وصفا مطولا لنهاية موسى الذى أصابه زوج ابنته "أزرق بن منتيل" بجرح قاتل. ولقد ركن بنو قسى إلى الهدوء التام لعشر سنوات بعد سنة ٢٤٨ هـ (= ٨٦٢ م) فلما كانت سنة ٢٥٧ هـ (٨٧٠ م) احتل "لُبّ بن موسى" سرجوزة وطليطلة وولشة، فلما وافاه أجله عام ٢٥٨ هـ احتل أخوه إسماعيل ابن موسى البلد، بينما احتل فرتون بن محمد مدينة tudela, ولم تنجح الحملات التى أرسلها إليه الأمير محمد، غير أنه أمكن إلغاء القبض على المتمرد سنة ٢٧٠ هـ (= ٨٨٣ م) فقد أمسكه محمد بن لب حين حلّ مكانه وإن اضطر لبيع المدينة فى العام التالى إلى الأمويين لعدم استطاعته تحمل ضغوط التجيبيين عليه وكان يدفعهم الأمير لهذا الضغط، وقد أخذ مقابل هذا حكومة ارينديو وطرازون وجريش ثم مدينة Tudela بعد ذلك. وقد قتل وهو قائم على حصار سرقسطة سنة ٢٧٦ هـ (= ٨٩٠ م) ولقد قيل أنه كان متواطئا فى السر مع عمر بن حفصون وأن أمسك العذرى عن الكلام فى هذا الموضوع، أما ابنه لب بن محمد والى Tarazena و Tudela فقد مات وهو يقاتل "النفاريين" سنة ٢٩٤ هـ (= ٩٠٧ م) وتبين أن تدهور بنى قسى بات وشيكا فقد احتل محمد بن لب "الردة" ولكن طرده أهلها منها سنة ٣١٥ هـ (٩٢٧ م)، ثم مات بعد عامين من ذلك

стр. 8201

التاريخ غيلة بتدبير قريبه ريموند صاحب "بالار". ومن المراجع التى تناولت ذلك "افتتاح الأندلس" لابن القوطية و"البيان المغرب" لابن عذارى و"المقتبس" لابن حيان و"نصوص المسالك" للعذرى. المصادر: وردت فى المتن. بدرية الدخاخنى [ب. شالميتا B. Schalmita] القصاص القصاص مرادف للقود، بمعنى المساواة فى العقاب، وليس تسوية بالقطع أو الاتهام وينطبق فى الشرع الإسلامى على حالات القتل، والجروح التى لا تفضى إلى الموت، وتعرف الحالة الأولى فى الاصطلاح الشرعى "بالقصاص فى النفس وفى الحالة الثانية بالقصاص فيما دون النفس". وقد كان القصاص السائد لدى عرب الجاهلية، هو الانتقام، فهو ينطوى على إراقة الدم بلا حدود، دون أن يقف الثأر على شخص القاتل نفسه، على خلاف القصاص المنضبط وهو السمة الأساسية للقصاص. فقد بين التشريع الإسلامى بجلاء فى النصوص القرآنية تقييد القصاص بتطبيقه على الجانى نفسه، كما فى سورة الإسراء الآية ٣٣، والفرقان الآية ٦٨ والأنعام الآية ١٥١ فمن هذه الآيات نفهم أن القصاص يكون بقتل الجانى نفسه، وليس بقتل أى شخص آخر، فإنه محظور. وفى رمضان من العام الثانى الهجرى، نزلت الآية ١٧٨ من سورة البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ. .﴾ الآية ١٧٩. فالآية الأولى تبين أن الحر يقتل بالحر، والعبد بالعبد، والمرأة بالمرأة. (لكن قد يفهم بشئ من إعمال العقل أن الحر يقتل بالعبد أو المرأة دون أن يدل عليه النص صراحة). ومن الطبيعى أن يدفع, الجانى وحده الدية فى جميع الحالات الأخرى.

стр. 8202

إن علاقة الحر بالعبد وبالمرأة، هو شأن طبيعى لوجهة النظر العربية القديمة، بالنسبة لكل منهم بحسب وضعه الاجتماعى، ويجد بعض المفسرون صعوبة فى التوفيق بين هذه الآيات فى ضوء التطورات الجارية. .، وقد بين التشريع أن القصاص تخفيف ورحمة وحفاظ على حق الحياة، على خلاف ما كان حاصلا من إراقة الدم عند عرب الجاهلية، لأن القصاص يطبق على القاتل، بينما نفوس الآخرين معصومة. وبعد أول مواجهة مع يهود المدينة، وقبل نشوب العداء الصريح معهم نزل قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ (أى اليهود) فِيهَا (فى التوراة) أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ. . .﴾ الآية ٤٥ من سورة المائدة. وهذه الآية لم تنسخ بالطبع الآية ١٧٨ من سورة البقرة. وقد ورد التمييز بين القتل العمد والقتل الخطأ مع نزول الآيات ٩٢ وما بعدها من سورة النساء فى السنوات من ٣ - ٥ للهجرة وبمقتضاه استبعد القصاص بالمعنى المجازى فى الثأر والمعاملة بالمثل فى حالة الاعتداء على الأرض فى الأشهر الحرام وذلك فى الآيتين ١٩٠, ١٩١ من سورة البقرة. (١) ٣ - وتتفق الوقائع المستخلصة من السيرة النبوية على هذا المعنى، ففى دستور (٢) دولة المدينة، الذى يتعلق بالفترة المدنية المبكرة، نص فيه: على إنه إذا قتل أى شخص مؤمنا وأدين المتهم، فيجرى عليه القصاص، حتى لو أعلن ولى الدم رضاه عما تم. وأن على كل المؤمنين أن يكونوا يدا واحدة على القاتل، وأن يقوموا بدور فعال ضده. ومن هنا انتقل القصاص من نطاق الحياة القبلية إلى المجتمع السياسى

стр. 8203

الدينى (الأمة) وانعكس ذلك فى التشريع. ولا ينبغى على أية حال، أن يؤخذ المعنى الحرفى، بأن المسلمين وحدهم متكافلون فيما بينهم فيما يتعلق بالدماء التى أريقت فى سبيل اللَّه، فإنه قد تقرر أيضا بالنسبة ليهود المدينة حيث لا أحد يحال بينه وبين طلب الثأر لما نزل به. وهناك قيد منطقى يرد على القصاص، من منطلق التزام الأمة، فإن المؤمن يمتنع عليه قتل المسلم طبقا لقانون المجتمع المحلى، وفى مناسبتين، عندما قتل مسلمان وثنيين، ارتبطا بمعاهدة مع النبى محمد [ ﷺ ] لأنهما وثنيان وفى مناسبتين أخريين ولأسباب سياسية، حصل النبى [ ﷺ ] على موافقة بقبول الدية، فى حالة كان لولى الدم حق طلب القصاص. وفى المقابل، فقد استبقى النبى محمد [ ﷺ ] نظم المجتمع المحلى، بعد فتحه لمكة عن طريق تنازله عن طلب الدية لقتل ابن أخيه زمن الجاهلية أرسى [ ﷺ ] مبدأ، أن أى دم سفك لمسلم فى زمن الجاهلية، ينبغى التجاوز عنه. إن اعتبار الدليل الذى يفصح عنه القرآن وشواهد السيرة النبوية، يدل على أن محمد [ ﷺ ] لم يقر الانتقام، لكنه سمح بالقصاص ليكون بديلا عن الأخذ بالثأر والانتقام الشخصى. علاوة على ذلك، فإنه أخضع تطبيقه لقيود معينة، وسعى لتحريره من الأعراف القبلية لعرب الجاهلية كل هذه التعديلات والتطويرات الهامة، جعلت منه نظاما أقرب إلى العقوبة. ٤ - ومن بين الأحاديث الصحيحة، تلك التى رويت أن محمدا [ ﷺ ] قتل يهوديا رض جارية بحجر فقتلها، لأنه لم يوجد ولى للدم فى هذه القضية. وفى المرحلة الأخيرة، فسرت الآية ١٧٨ من سورة البقرة بطريقة جديدة، ومؤداها أن الرجل يمكن أن يقتل بالمرأة قصاصا (١).

стр. 8204

وفى الحقيقة، فإن تفسير عمر بن عبد العزيز والحسن البصرى وعطاء وعكرمة كمعبرين عن وجهة النظر القرآنية، أن الرجل لا يقتل بالمرأة (تفسير الزمخشرى) لكن سعيد بن المسيب والشعبى وإبراهيم النخعى وقتادة ذهب إلى الرأى المخالف. وهذا الرأى الأخير هو السائد فى المذاهب الفقهية دون معارضة (١). ومن وجهة النظر الإسلامية، فإنه يقتص من الجماعة للواحد، إذا ارتكبوا الجريمة بالاشتراك فيما بينهم، على الرغم من أنه لا يوجد حديث صريح فى هذا الخصوص. وهؤلاء الذين يذهبون إلى هذا الرأى، اعتمدوا على حديث لا يثبت ما قالوه، وكان فى استطاعتهم فقط أن يؤيدوا رأيهم بما ورد عن بعض الخلفاء. ويثور التساؤل عن كيفية تنفيذ القصاص، وهو أيضا موضع خلاف. فأنصار الرأى القائل بأنه يقتص من الجانى على الصورة التى جنى بها، على المجنى عليه مستدلين بالحديث السابق، بينما الذين يصرون على تنفيذ القصاص بالسيف فى كل الأحوال، يعتمدون على حديث للنبى محمد [ ﷺ ] (٢). وهناك كذلك خلاف فى الرأى، حول ما إذا كان القصاص يتم عن طريق وسيلة القسامة، التى كان يعمل بها فى الجاهلية. وربما تبرهن الحقيقة التاريخية، على أن محمدا [ ﷺ ] رغب فى تنفيذ القصاص اعتمادا عليها، وعندما لم يتمكن من ذلك فإنه أدى الدية بنفسه، وربما قيل أنه أكد على القسامة التى كانت موجودة عند عرب الجاهلية (لكن المؤكد أن هذا خطأ). ومن بين الأحاديث الأخرى، التى يجدد ذكرها قصة بنى إسرائيل الذين كانت شريعتهم القصاص، ولم يكن هناك إمكان لدفع الدية. ولقد مكن محمد [ ﷺ ] ولى الدم التخلى عن طلب القصاص، وحث بشدة على طلب العفو،

стр. 8205

وحتى أنه سأله أن يسلك سبيله، وأخيرا فقد أخبرنا بأن من يثير دعوى القصاص دون سبب يركن إليه، هو أحد الذين يبغضهم اللَّه. وثمة أحاديث أخرى تتفق مع القواعد التى ذكرها ولا تزال تذكر، ولا حاجة بنا إلى الاستشهاد بها، خاصة تلك الأحاديث التى تتناول الموضوع، وقد جمعها غليوم فى كتابه الأحاديث الإسلامية. The Traditions of Islam ١٠٧ ff ومن واقع استخلاص النتائج من الأحاديث المعبرة عن وجهة نظر الدوائر المسئولة فى الإسلام فى الفترة المبكرة، فإننا ينبغى أن نلاحظ أنه على خلاف المرحلة المحمدية، حدثت تطورات هامة فى معاملة المرأة، وهو يشكل تقدما لا ينكر تماما مثل طلب العفو الذى ينهض شاهدا على سمو وجهة النظر الإسلامية. ٥ - القصاص فى النفس طبقا للشريعة، لوحظت الفقرة الخاصة بالقتل فى حالات القتل غير المشروع. وهنا يأتى القصاص إلى حيز التنفيذ بواسطة أقرب عاصب إلى المجنى عليه، الذى يطلق عليه ولى الدم. والذى له الحق أن يقتل الجانى وفقا لشروط معينة. ومما سبق أن قلناه، يتضح أن هذه العقوبة لازال يشكل الجانب الأكبر منها طابع الانتقام الشخصى. ويبرز ذلك أيضًا فى القواعد الموضوعه لها، والتى تجسدت فى تلك الحالة التى يكون لولى الدم فيها بتر القاتل بأى طريق كان، كذلك بالنسبة للعقوبة عن طريق السلطة العامة لاعتبارات تأصيل العدالة وإعلاء شأنها. وهكذا ففى كل حالات القتل غير المشروع المؤلم والذى لا يمكن تطبيق القصاص فيه، فإن السلطة المختصة تتولاها عن طريق عقوبة التعزير، ولهذا تقوم مقام الولى بالنسبة لمن لا ولى له. وتأسيسا على ذلك فإن شخص قتل ذميا أو معاهدا (وهو غير المسلم المرتبط بمعاهدة مع الدولة الإسلامية) أو المستأمن (وهو غير المسلم الذى حصل على الأمان لدخول دار الإسلام) يجب أن يقتل طبقا لمذهب الإمام

стр. 8206

مالك (١) وليس من حق الولى أن يتنازل عن طلب القصاص. ولتطبيق عقوبة القصاص، يجب أن تتوافر الشروط الآتية: ١ - يجب أن تكون حياة الشخص المجنى عليه، معصومة مطلقا مسلما كان أو ذميا أو معاهدا أو مستأمنا طبقا للشريعة. على الأقل طالما أنه موجود فى دار الإسلام ودار الصلح (العهد) وفى حالة المسلم القاتل المسجون فى دار الحرب، فبالإجماع ليس عليه قصاص. ٢ - يجب ألا يكون المجنى عليه من ذرية الجانى، وألا يكون الجانى من ذرية المجنى عليه، ويجب كذلك ألا يكون الجانى من بين ورثة المجنى عليه. ٣ - من المسلم به أن الشخص يجب أن يكون لديه الأهلية عندما يرتكب جريمته، وأن يكون فى كامل قواه العقلية. ٤ - وهناك شروط أخرى، موضع نزاع بين الفقهاء. ولا خلاف حول أن أى تغيير فى صفات الفاعل لا يؤثر على كونه مرتكبا لجريمة دم من قبل (ومهما كان الأمر فإن اعتناق الحربى الإسلام يجبّ ما قبله من جرائم) باستثناء حالة الجنون. وإذا ارتكب شخص جريمته بالاشتراك مع الآخرين على شخص آخر وتعذر تنفيذ القصاص عليه لسبب من الأسباب، فلا يطبق القصاص على شركائه. وكذلك الحكم إذا كان القتل منشؤه فعل القاتل. ولا قصاص إذا مات القاتل قبل التنفيذ. وتوقف دعوى القصاص من قبل ولى الدم فى رأى أبى حنيفة ومالك، وعند الشافعى وأحمد بن حنبل يظل له الحق فى المطالبة بالدية. ويذهب مالك والشافعى وأحمد، إلى اشتراط شرط آخر فى القصاص وهو أن يكون المجنى عليه مساويا للجانى

стр. 8207

فى الإسلام والحرية، بينما يذهب الحنفية إلى غير ذلك، ولا يأخذون فى الاعتبار المساواة فيهما، وهو ما يجعل لرأيهم قيمة فى هذا الخصوص. ويرى الإمام مالك أنه يقتص من القاتل، إذا قتل فرعه عمدا (ابنه متعمدا)، ويوجد مثل هذا الرأى فى المذهب الشافعى. ويقتل الجماعة بالواحد فى رأى أبى حنيفة ومالك والشافعى، إذا نفذوا الجريمة بالاشتراك، متى كان دور كل واحد منهم يؤدى إلى القتل لو كان بمفرده. وقد أجمع الفقهاء على أن الشخص إذا قتل عدة أفراد يكون مستحقا للقصاص، أما مسألة ما إذا كان واجبا عليه أن يدفع الدية، فإن المسألة خلافية بين الفقهاء. ويطبق القصاص فقط إذا كان هناك برهان قاطع على الجريمة. وإقامة الدليل فى المحاكمات الجنائية أساسى مثله مثل القضايا الأخرى. وبالنسبة للقصاص فى النفس هناك دليل القسامة، الذى أبقاه الإسلام من العصر الجاهلى وطبقا لرأى الأئمة مالك وأحمد والشافعى فى المذهب القديم يمكن الحكم بالقصاص على أساس القسامة، متى استوفيت الشروط الأخرى. أما عند الإمام أبى حنيفة والشافعى فى المذهب الجديد والراجح فى المذهب، فإن الجانى عليه أن يدفع الدية. ويذهب بعض الشافعية إلى قتل الجانى إذا أقسم عند المحاكمة مرتين بخمسين يمينا كل مرة أنه ارتكب جريمته. وإذا استحق الشخص القصاص، ولم يثبت ضده ذلك بدليل قضائى مسبق، فإنه يستحق التعزير. واستيفاء القصاص متروك لولى الدم (١) ويكون القصاص عند أبى حنيفة بضرب عنق القاتل بالسيف أو أى سلاح مشابه. وإذا قتل ولى الدم الجانى بوسيلة أخرى فإنه يعاقب بعقوبة التعزير، لكن بغير السجن. وفى رأى الإمام مالك والشافعى، فإن المجرم يقتل بنفس الطريقة أو الكيفية التى قتل

стр. 8208

بها المجنى عليه، مع مراعاة قيود معينة ويوجد الرأيان فى المذهب الحنبلى. ويستوفى القصاص -مع توافر الشروط الأخرى- فقط إذا طالب به ولى المجنى عليه، أو السيد بالنسبة للعبد المقتول. وإذا تعدد أولياء الدم (أى كانوا أكثر من واحد) فإنه لإجراء القصاص ينبغى أن يظهر كل منهم رغبته فى استيفائه، وإذا تخلى أى منهم عن طلبه، سقط القصاص. وقد انقسمت آراء الفقهاء حول ما إذا كان ولى الدم (أو أحدهم لو كانوا أكثر من واحد) لم يعبر عن رأيه على سبيل التحديد. ومن حق الولى أو المجنى عليه حالة الاحتضار أن يتنازل عن القصاص، بل قد يحث على العفو أو قبول الدية أو أى مقابل آخر. وهنالك العديد من القواعد المتعلقة بالنقاط التفصيلية، كما يوجد العديد من الاختلافات الفقهية بين مذاهب الفقهاء. ٦ - القصاص فيما دون النفس طبقا للشريعة، يتحقق إذا ما اعتدى شخص على آخر عمدا ودون وجه مشروع. (ويستثنى من ذلك الجرح الذى يسببه الشخص على من حاول قتله أو جرحه أو سرقته، إذا لم يستطع دفعه بوسيلة أخرى (١) (فيسمح الشرع على سبيل المثال للشخص أن يضرب المعتدى فى عينه أو يفقأها إذا حاول أن يقتحم منزله دون إذنه) فأحدث به جرحا غير مهلك، والذى يمكن أن يوقع مثله تماما على المعتدى (وهو ما تناولته كتب الفقهاء بالتفصيل الدقيق) ففى هذه الحالة يستحق القصاص من جانب الشخص المجروح (ما عدا الإمام مالك الذى يشترط أن يتم ذلك بواسطة خبير) إذا ما توافرت شروط القصاص فى النفس، مع بعض التعديلات الآتية: وجهة نظر أبى حنيفة أن القصاص فيما دون النفس لا يتم بين الرجل والمرأة ولا بين العبيد فيما بينهم، ولكنه يجوز وفقا لرأى مالك والشافعى وأحمد. علاوة على ذلك، فإن الإمام أبا حنيفة ومالك لا يقران القصاص بين الأحرار والعبيد فيما دون النفس. وطبقا لرأى مالك والشافعى وأحمد يوقع القصاص على الجماعة لصالح الفرد، وينازع أبو حنيفة فى ذلك. ولا يقطع

стр. 8209

العضو السليم بالعضو المعيب. وإذا كان الجانى فاقدا للعضو فلا قصاص. أما إذا فقد الجانى العضو بعد ارتكابه للفعل، فهناك خلاف بين الفقهاء، كما فى حالة موت الجانى قبل تنفيذ القصاص فيه على النفس. ٧ - إذا كان القصاص غير ممكن أو تنازل المجنى عليه طواعية عن طلب القصاص، فإن له الحق فى طلب الدية، وتدفع الدية كاملة فى حالة القتل غير المشروع, لكن ليس فى الجرح غير المميت. وفى حالات القصاص دون النفس، فإنه قد تدفع الدية كلها أو جزء من الدية، أو أرش مقدر من الشارع، أو نسبة معينة من الدية يحددها القاضى، كل هذا بالطبع على افتراض أن المقتول أو المجروح حر. أما إذا كان عبدا، فيجب أن تقدر قيمته على نحو جيد، وإذا كان الجانى عبدا، فإن على سيده أن يدفع ما يجب عليه من غرم مالى. ويمكن أن يعفى نفسه من ذلك بتسليم العبد إلى المجنى عليه. ٨ - بالنسبة للقواعد المنظمة للقصاص الواردة فى كتب الشيعة، فليس بنا حاجة إلى عرضها هنا لأنها فى الأساس نفس القواعد عند أهل السنة، فقط نريد أن نذكر أنه من بين الأئمة الاثنى عشر، على سبيل المثال، من يذهب إلى أن الرجل إذا قتل امرأة فيمكن أن يقتص من الرجل، إذا دفع ولى المرأة فرق الدية على كل طرف. ٩ - لتطبيق القصاص عمليا، فإننا نلاحظ أن الباقى من قواعده، قد سجلها صحابة النبى [ ﷺ ]. المصادر: (١) Hughes: A dictionary of Islam (٢) Schacht: The origins of muhammadan Jurisprudeace Schacht, An introducation to Islamic law, Oxford, IA ٦٤ (٣) Andersone: Himicide in Islamic law. Bsoas (٤) أحمد محمد إبراهيم: القصاص فى الشريعة الإسلامية، القاهرة ١٩٤٤. (٥) أحمد فتحى بهنسى: القصاص فى الفقه الإسلامى، القاهرة ١٩٦٤ م. (٦) محمد أبو زهرة: الجريمة والعقوبة فى الفقه الإسلامى، القاهرة، ١٩٦٨. د. عطية القوصى [شاخت J. Schacht] مراجعة د. محمد الشحات الجندى

стр. 8210

قصر هبيرة قصر ابن هبيرة اسم بلدة بالعراق واقعة فى منتصف الطريق بين الكوفة وبغداد، والنسبة فيها راجعة إلى مؤسسها يزيد بن عمر بن هبيرة آخر حاكم ولى العراق لبنى أمية، البلاذرى فتوح البلدان والمقدسى والاصطخرى، وانظر أيضًا ابن حوقل ومعجم البلدان لياقوت. على أنه ينبغى ألا نخلط بين قصر ابن هبيرة للكوفة والتى شرع يزيد بن عمر نفسه فى بنائها ثم لم يكمل بناؤها بأمر الخليفة مروان الثانى. ويقرر ياقوت الحموى أن الخليفة العباسى أبى العباسى السفاح أنشأ عاصمته عند قصر ابن هبيرة، وأتم البناء الذى كان قد شرع فيه يزيد بن عمر هبيرة وسماها بالهاشمية. غير أنه اضطر لترك هذا المكان أمام اصرار السكان على تسميته باسمه الأصلى وانتقل إلى مكان آخر على مقربة منه، ويبدو أن هذه الرواية تخلط بين ما قاله البلاذرى من أن السفاح استقر فى مدينة ابن هبيرة (راجع ياقوت والبلاذرى) وبين ما يذكره جغرافيو القرنين الرابع والخامس الهجريين (العاشر والحادى عشر الميلاديين) من أن بلدة قصر هبيرة أكبر بلدة بين بغداد والكوفة وأنها كانت مجاورة للفرات وتمر بها المجارى المائية التى تجلب البائع إلى أسواقها الكثيرة. غير إنه بتضعضع مكانتها قبيل القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) أصبحت "الحلة" هى المدينة الكبرى فى هذه الناحية. حسن حبشى [ج. لاسنر J. Lassner] قصص الأنبياء " أخبار أنبياء ما قبل الإسلام"، هى عنوان لأعمال عديدة تتصل بحياة أنبياء العهد القديم، وقصة المسيح ﵇، وبعض الأحداث الأخرى التى تضمنت الحديث عن الأبطال الأتقياء الصالحين أو عن أعداء اللَّه (فى قالب قصصى). وأكثر الكتب شهرة وانتشارًا فى هذا الموضوع هو كتاب "عرائس المجالس" لأبى إسحق أحمد الثعالبى

стр. 8211

(ت ٤٢٧ هـ/ ١٠٣٦ م) وبعض روايات القصصى المختلفة التى دُونت تحت اسم محمد بن عبد اللَّه الكسائى. ويجب تتبع أصول هذا التراث وإرجاعها إلى الجزيرة العربية قبل الإسلام. وكانت أخبار هذه القصص قد نُقلت للعرب أثناء تواجد اليهود فى يثرب، ومن خلال تواجد المسيحيين -فى الجزيرة العربية، ومن الممكن أن نتأكد من وجود هذه المعلومات ليس فى المناطق المجاورة للإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية فحسب، ولكن أيضًا على سواحل البحر الأحمر. وفى جنوب شبه الجزيرة العربية. ولقد استفاد أمية بن أبى الصلت، شاعر الطائف والمعاصر لمحمد [ ﷺ ]، من هذه الروايات المنقولة؛ وهنالك بعض الأبيات الشعرية المنسبة إليه تشير إلى إبراهيم الخليل واسحق ﵉، والطوفان، وغير ذلك. رغم أن نسبة هذه الأبيات إليه غير مؤكدة. ولقد كان نبى الإسلام هو الذى أعطى لهذه الأخبار معنى جديدًا بالمرة، وأحداث حياته منعكسة فيهم؛ دعوته نبيًا، مقاومة قومه له، تهديده بالعقاب، الذى قد يكون دمار قومه. ولقد دُرست، كل هذه المضامين النفسية والأخبار القديمة التى أشار إليها القرآن الكريم بأشكالها التهذيبية، باستفاضة، درسها خلف اللَّه فى كتابه "الفن القصصى فى القرآن" ومن وجهة النظر الإسلامية، فإن حياة أنبياء ما قبل الإسلام جاءت فى القرآن كعبر تحذر الناس من المصير السيئ لأولئك العاصين للَّه ورسله. ولذلك فإن قصص الأنبياء أصبح جزءًا من تاريخ العالم، كما أن التاريخ عمومًا يُعتبر سلسلة من العِبر. ولقد أصبح أسلوب الكتابة التعليمى لأخبار الأنبياء السابقين على الإسلام. ذا أهمية كبيرة فيما انفصلت عن حليتها، تلك التى عرفناها منذ أمد، أولًا عند الثعالبى،

стр. 8212

ولقد أشارت المصادر التاريخية إلى أنشطة القصاص منذ القرن الأول للإسلام وفى ظروف معينة، تكتسب أهمية سياسية؛ فمثلا تجد أن قصة موسى وفرعون قد استخدمت فى الدعايةية ضد الأمويين وأدرك الشيعة الأوائل بأن تاريخ المجتمع الإسلامى مشابه لتاريخ بنى إسرائيل فى حياة موسى، لكون الشيعة مماثلين لتلك القلة التى لم ترتد عن العقيدة الصحيحة حين كان موسى على جبل سيناء. المصادر: (١) الثعالبى: عرائس المجالس فى قصص الأنبياء. القاهرة ١٣١٥ هـ/ ١٨٩٧ - ١٨٩٨. (٢) الكسائى: قصص الأنبياء. (٣) الطبرى: تاريخ الرسل والمملوك، جـ ١. (٤) عبد الوهاب النجار: قصص الأنبياء، القاهرة ١٩٣٥. د. عطية القوصى [ناجل T. Nagel] القصيدة وجمعها قصائد. والكلمة مشتقة من الفعل قصد بمعنى هدف إلى شئ بعينه، لأن القصيدة كان يقصد بها تقريظ قبيلة الشاعر والتشهير بالقبائل المعادية، أو تقريظ شخصية أو أسرة يلتمس منها الشاعر العون أو يطلب منها الأعطيات، ومع أن المرثية لم تكن -فيما يبدو- قد أدرجت تحت التسمية نفسها (قصيدة) فإن شكلها يجعل من الممكن اعتبارها من بين القصائد، أما الهجاء الذى لا يذهب إلى أبعد من الإهانة بالشعر فقد أدرجه القدماء بين القصائد. وتعتبر قصائد ما قبل الإسلام خاصة المعلقات هى القصائد المثلى التى احتذى الشعراء حذوها فى القرون الأولى للإسلام. وتبدأ القصيدة بأبيات يذرف فيها الشاعر الدموع على ما كان يوما فى مضارب محبوبته (البكاء على الأطلال) ثم يصف مفاتن محبوبته (الغزل أو النسيب) ثم يدخل فى صلب الموضوع سواء كان مديحا أم هجاء أم

стр. 8213

رثاء أم مدحا، وينتهز هذه الفرصة ليستعرض فى سياق بلاغى رصين جمال الصحراء ورحابتها ووصف حيواناتها، وبراعته فى الصيد. . الخ. وال قصي دة العربية -مهما طالت- فإنها تلتزم بوزن واحد وقافية واحدة، وكان هذا الالتزام الصارم سببا "للطابع التجزيئى" للقصيدة وعدم اتسامها بالوحدة العضوية. ولم يكن من المتوقع أن يظل الالتزام بهذا الشكل الصارم إلى ما لا نهاية، فقد ظهر شعراء بعد فترة تخلوا عن هذه الكلاسيكية، فظهرت الكلاسيكية الجديدة ثم تطورت أشكال الشعر العربى مما يخرج عن مجال موضوعنا. وداد عبد اللَّه [التحرير] قصى هو الجد الخامس للنبى محمد [ ﷺ ] وتجمع المصادر على أن نسبه هو قُصَىّ ابن كِلاب بن مُرّة بن كعب بن لُؤَىّ بن فِهْر أَو قريش بن غالب (ابن الكلبى - كاسكل، الجمهرة) وقد سجلت المصادر التى بين أيدينا حياته ومآثره فى ثلاث روايات لا تختلف بعضها عن بعض إلا فى تفصيلات طفيفة وهى روايات محمد الكلبى (توفى ١٤٦ هـ/ ٧٦٣ م) وابن اسحق (توفى ١٥٠ هـ/ ٧٦٧ م) وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكى (توفى ١٥٠ هـ/ ٧٦٧ م). تقدم الروايات قصيا فى النمط المعتاد للبطل الأسطورى الذى يؤسس مدينة. فقد أمضى صباه وفتوته خامل الذكر بعيدا عن دياره، وهو الابن الأصغر لكلاب بن مرة من قريش التى انتقلت سيادتها على مكة من أيديها إلى أيدى الخزاعيين وقد مات أبو قصى عقب ولادة ابنه فأخذته أمه فاطمة بنت سعد بن شَيال التى اتخذت لها زوجا ثانيا من بنى عذرة إلى موطن قبيلة زوجها فى شمال الجزيرة العربية قرب سرغ طبقا لما يذكره ابن الكلبى (ابن سعد جـ ١، ٣٦، ٢٦) وهى واقعة على الحدود السورية الحجازية على مقربة من تبوك (ياقوت

стр. 8214

جـ ٣ ص ٧٧) وهنا تغير اسمه من زيد إلى قصى من القُصُوّ أو القَصْو بمعنى النأى والبعد. وإذ عرف من أمه أصوله عاد إلى مكة حيث تزوج حُبَة بنت خُلَيْل ابن حُبْشيّة سيد خزاعة الذى كان إليه الإشراف على ترتيبات العبادة فى الكعبة والحج إليها. وسرعان ما علا شأن قصى فى مكة، ونجح بعد وفاة حميه فى أن يخلفه فى مهامه، إما بعد صراع طويل مع خزاعة، وإما -طبقًا لرواية أضعف من هذه- عن طريق مساومة قائمة على الحيلة عاونة فيها (أبو) غُبْشان مع ابن حليل أو قريب آخر له أبعد نسبا (قارن ابن دريد، الاشتقاق ٢٧٧, ٧ مع ٢٨٢, ٢) أصبح قصى سيد مكة وحارس الكعبة فأعاد بناء الأخيرة ونظم العبادة فيها ووحد العشائر القرشية المتناثرة فى كيان صلب أكد سيادتهم على البلدة مستقبلا. بل يقال إن اسم قريش (من الفعل تَقَرَّش بمعنى "جمع") حل محل الاسم القديم بنى النضر، ويقال إن قصيا لُقب بـ "المُجَمِّع". وبعد وفاته ورث أبناؤه عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى وعبد قصى مهامه المقدسة. وإلى ثانى هؤلاء الأبناء ينتهى نسب النبى محمد [ ﷺ ] إذ هو (محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف). وقد أصبح بيت قصى الذى بناه بنفسه قريبا من الكعبة مركزا لكل المهام المدنية والدينية وأطلق عليه "دار الندوة". وإلى قصى أيضًا يرجع اكتشاف وحفر بئر العَجُول (البلاذرى، فتوح البلدان ٤٨؛ ياقوت: معجم البلدان، ٣، ص ١٩ - ٢٠). مما سبق يتضح أن قريشا كانت ترى فى قصى مؤسسها الحقيقى ومؤسس الكعبة. ويشهد لقدم هذا الاعتقاد شعر للأعشى (البكرى ٨٤٩) وأشعار لحسان بن ثابت. وفى وقت لاحق حاول المؤرخون الرسميون التوفيق بين هذا الاعتقاد المحلى القديم ونظام الأنساب الذى تأسس لاحقا، ويقضى بأن قريشا هو فهر بن مالك

стр. 8215

ابن النضر، وكذلك بينه وبين الاعتقاد المختلف تماما عن أصل عبادة إبراهيم الخليل ﵇ وطبيعة هذه العبادة وما دخل عليها من تحريف على أيدى جرهم وخزاعة. وهكذا فإن قصيا يمثل لمكة "ما يمثله تيسيوس لأثينا ورومولوس لروما" كما يقول "كيتانى" ومن المستحيل طبقا لمعارفنا الراهنة أن نقول هل هو شخصية تاريخية تحولت إلى بطل أم هو تجسيد أسطورى لفكرة البطل. إن اسمه موجود فى نظام الأعلام العربى، فقد أشار ابن الأثير (جـ ٦, ص ١٤ - ١٥) وابن حجر فى الإصابة (جـ ٦، ص ٢٢٧) إلى نَهِيك بن قصى السلولى الذى كان معاصرًا للنبى محمد [ ﷺ ] وأشار ابن الكلبى فى الجمهرة إلى قصى بن عوف (جدول ١١٤) وقصى بن مالك (جدول ١١٥) ورغم أن الاسم نفسه يمكن التعرف عليه فى المخطوطات النبطية وفى رقاق دورا الواقعة على الفرات فإن ذلك لا يبرر لنا استنتاج أن للاسم أصلا شماليا، فهو موجود كما رأينا فى مختلف القبائل. ولكن تواتر الاعتقاد بأن قصيا أمضى طفولته فى الشام يؤيد الفرض القائل إن عبادة الكعبة أو على الأقل تجديد هذه العبادة كان نتيجة لتأثير وارد من الشمال. ونجد فى بعض المرويات (ابن سعد نقلا عن الكلبى جـ ١، ص ٣٩، ١١ - ١) صدى لحقيقة ذلك، وتحديدا فيما يقال عن عبادة هُبَل "صنم خزاعة" القديمة حيث كانت أعلى شأنًا من عبادة العزى ومناف - مناة. وهو ما نجد شواهد قاطعة عليه فى شمالى الجزيرة العربية على وجه الخصوص. وعلى أية حال فقد أصبحت شخصية قصى كما رأينا تحمل الملامح المميزة لأساطير الأبطال الذين يؤسسون عصورا أو مدنا. . الخ. وأبناؤه الذين ينسبون إليه ليسوا إلا رموزا على الدور الذى قام به قصى فى بناء الديانة المكية. وإذا يكن من الحق

стр. 8216

أنه كان موضوعا للعبادة كإله (اسم عبد قصى الذى حمله أحد أبنائه لا يعنى بالضرورة الطابع الإلهى للأب) فإنه كان بلاشك محل توقير وتبجيل طبقا لعبادة الأسلاف التى كانت بالتأكيد موجودة فى الجزيرة العربية قبل الإسلام وإن كنا لا نعرف إلا قليلا جدا عنها. وقصى هنا شأنه شأن ثقيف البطل الذى منح أهل الطائف اسمه، وقد ظلت ذكرى قصى مرتبطة بصورة خاصة بداره وأعنى بها دار الندوة. وأيًا كانت الأصول فمن المؤكد أن السيطرة على الكعبة والحج فى بداية القرن السادس الميلادى كانت فى أيدى عشيرة تنتسب إلى قصى، وأن قريشا كانت متفقة على أن قصيا هذا هو مؤسس وحدتها القبلية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه العشيرة -بنى قصى- وإن كان بعض أفرادها من الرؤساء المعترف بهم لقريش فإنها إزاء آخرين -بنى أمية- كانت بعيدة عن أن تجمع فى أيديها كامل السيطرة السياسية والمالية. وعلى سبيل المثال فإن بنى مخزوم إحدى أقوى الأسر فى مكة لم تكن تنحدر من قريش. ويبدو إذن من المحتمل أن "الجمهورية" المكية تكونت بمبادرة وتوجيه من بنى قصى، ولكن هؤلاء كانوا مضطرين إلى أن يعترفوا فى نظامهم الاجتماعى للعشائر الأخرى بنفس الحقوق والمزايا نفسها التى لهم وذلك على الرغم من أن نبالة الدم والسيادة هى الشئون الدينية ظلت دائما امتيازًا مقصورًا على بنى قصى. المصادر: بالإضافة إلى ما ورد فى المتن: (١) ابن هشام: السيرة تحقيق جوتنجن ١٨٥٩ - ١٨٦٠ م Wustenfeld، ٧٥ - ٨٤. (٢) ابن سعد: الطبقات الكبرى، تحقيق H. Sachau وآخرون ليدن ١٩٠٥ - ١٩٤٠. (٣) الطبرى: تاريخ الرسل والملوك، تحقيق De Goeje ليدن ١٨٧٩ - ١٩٠١ م ١٠٩٢ - ١١١٠. محمود ماجد عمر [ليفى دى لافيدا Levy Della Veida]

стр. 8217

قضاعة مجموعة من القبائل العربية تتضارب آراء النسابين فى أصلها، فمنهم من يؤكد أنهم من نسل معد، وآخرون يقولون إنهم ينحدرون من حِمْيَر. وتحاول بعض الروايات التوفيق بين هذه الآراء فتقول إن أم قضاعة كانت زوجة لمالك بن عمرو بن مُرّة بن مالك بن حمير، ثم تزوجت بعده معدّا الذى نشأ فى كنفه ابنها قضاعة من زواجها الأول، ولذلك أطلق عليه قضاعة ابن معد. وتزعم رواية أخرى مناقضة أن قضاعة كان ابن معد، ثم تزوجت أمه فيما بعد مالك بن عمرو الحميرى الذى تبنى الطفل، وهكذا أصبح يطلق على قضاعة اسم قضاعة الحميرى (انظر ملاحظات ج. كيستر وم. بلسنر على تحقيق كاسكل لجمهرة النسب فى دورية orients ٢٥ - ٢٦ [١٩٧٦], ص ٥٦ - ٥٧، والإشارات الواردة فى الهوامش ٤٣ - ٥١، وانظر أيضًا نور الدين الهيثمى: مجمع الزوائد والأغانى جـ ٧ ص ٧٧ والإكليل للهمذانى). وتذكر بعض الروايات صراحة على أن قبائل قضاعة كانت تنسب نفسها إلى معد، ثم تحولت إلى النسب الحميرى تحت ضغط معاوية وبتأثير الرُّشى (انظر على سبيل المثال كيستر وبلسنر، نفس المرجع، هوامش ٥١ - ٥٧). والقبائل المندرجة فى قضاعة هى: كلب وجهينة، وبَلِى، وبهراء، وخولان، ومهرة وخُشين، وجَرْم، وعُذرة، وبَلقَين (انظر القين) وتنوخ، وسليح. وكان انتماء بعض هذه القبائل (مثل تنوخ ومهرة وخولان) إلى قضاعة محل خلاف بين النسابة. وقد انضمت بضع عشائر من قضاعة إلى قبائل أخرى، وألحقت نفسها بأنسابها، وغيرت هويتها القبلية. بين الأقسام البارزة من قضاعة يمكن للمرء أن يشير بصفة خاصة إلى جهينة وبلى: ١ - كانت أرض جهينة الشاسعة تتحكم فى الطريق الساحلى الذى تسلكه القوافل ما بين سوريا ومكة، ويمر بمواقع صفراء وصُفَيْنة والمروة

стр. 8218

والحوراء وينبع وجبال رضوى. ويبدو أنه كان لدى جهينة تزعة قبلية واضحة، ونستطيع أن نحكم على ذلك من مجموعة من شعر الحروب القيلية "أيام جهينة"، وقد سجلت شذرات من هذا الشعر فى وقت متأخر خلال القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) (انظر الطيالسى، المكاثرة عند المذاكرة. ط الطنجى، أنقره ١٩٥٦ م). تذكر رواية أوردها ابن الكلبى أن عبد الدار بن حُدَيب (أو هُذَيل فى قول آخر) عزم على بناء مزار فى قَوْدَم أحد مراكز جهينة لينافس به كعبة مكة إلا أن قومه عارضوه (ابن الكلبى، الأصنام، نشر أحمد زكى باشا، القاهرة ١٣٤٣ هـ/ ١٩٢٤ م ص ٤٥). ويبدو أن علاقات جهينة بالأوس والخزرج كانت وثيقة، وقد ذكر أن بعض الجهينيين كانوا حلفاء لأسر وعشائر من أهل المدينة (انظر على سبيل المثال ابن حزم، جمهرة انساب العرب، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة ١٩٦٢ ص ٤٤٤). كان من الطبيعى عندما استقر النبى [ ﷺ ] فى المدينة أن يهتم بعقد علاقات سلام مع جيرانه الجهينيين. وإذ استشعرت جهينة التغيير الأساسى فى الوضع فى المدينة مع قدوم النبى كانت حريصة على أن تؤمّن لنفسها موقعا فى بناء القوة الجديد. وتذكر بعض الروايات أن وفدا من جهينة قدم على النبى [ ﷺ ] فى المدينة فأشار إلى أن النبى قد أقام "بين أظهرهم" (أى فى المنطقة التى يسيطرون عليها) وطلبوا منه عقد انفاق للأمن المتعادل وقالوا له: "أوثق لنا حتى نأمنك وتأمننا"، وفى الواقع فقد تم الاتفاق على هذا العهد بين النبى [ ﷺ ] وبين جهينة. ومن الجوانب اللافتة للنظر فى هذا العهد أن النبى [ ﷺ ] قد التقى بوفد جهينة قبل إسلامهم وهذا واضح مما يروى عن هذا العهد إذ جاء فيه "ولم يُسْلموا". وبدأ تنفيذ العهد بعد قليل من إبرامه؛ حين أرسل النبى [ ﷺ ] مائة من المقاتلين للإغارة على طائفة من كنانة. وعندما أدراك المسلمون أن الكنانيين

стр. 8219

يفوقونهم عددا تراجعوا وطلبوا اللجوء عند جهينة. ولما سألهم الجهينيون لماذا قاتلوا فى شهر رجب الحرام، برر المسلمون ذلك بالإشارة إلى أنهم طُرِدوا من الحرم (مكة) فى الشهر الحرام. تبدو الأقوال عن مشاركة جهينة فى مواجهات النبى [ ﷺ ] الأولى مع قريش صحيحة، وتؤكدها رواية أوردها الطبرانى، تذكر أن أولى القبائل التى قاتلت مع النبى كانت جهينة. تشير بعض الأحاديث المنسوبة إلى النبى [ ﷺ ] إلى تحول بضع جماعات من جهينة ومن أَسْلَم (وهى مجموعة أخرى من قضاعة) إلى الإسلام فى فترة مبكرة، وتقدم هذه الأحاديث هؤلاء فى الفضل على قبائل أسد وغطفان وتميم وعامر بن صعصعة وهى قبائل كبيرة (انظر مثلا الحميدى، المسند، ط. حبيب الرحمن العظمى، بيروت - القاهرة ١٣١٨ هـ جـ ٢، رقم ١٠٤٨). شاركت جهينة بقوة كبيرة قوامها ٨٠٠ راجل و ٥٠ راكبا (أو ١٤٠٠ مقاتل طبقا للطبرى، التاريخ، جـ ٣ ص ٦٥) فى فتح مكة. وظلت جهينة على ولائها للإسلام بعد وفاة النبى [ ﷺ ] (انظر الواقدى ١١٢٢). كما شاركت جهينة مع مجموعات أخرى من قضاعة فى فتح مصر. واستقر بعضهم فى الفسطاط (راجع ابن عبد الحكم، فتوح مصر، ط تورى، نيو هافن، ١٩٢٢, الفهرس). وقد عاش الجهينيون فى منفلوط وأسيوط، وبعد اشتباكات مع مجموعات قبلية أخرى هاجروا إلى أخميم فى عهد الفاطميين، وأصبحوا إحدى القبائل العربية فى مصر (انظر المقريزى، البيان والإعراب عما فى أرض مصر من الأعراب، طبعة عبد المجيد عابدين، القاهرة ١٩٦١. وانظر أيضًا أبحاث عابدين فى نفس المرجع ص ٧٧ - ٧٨). وفى القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) تغلغلت مجموعات من جهينة فى مملكة النوبة المسيحية وسيطروا عليها ثم واصلوا زحفهم جنوبا إلى السودان حيث امتزجوا

стр. 8220

بالقبائل المحلية (انظر C.H. Becker: Zur Geschre des ostlich en Sudan, in Isl-i ٧٧ - ١٥٣). أما أراضى جهينة فى الجزيرة العربية فقد سيطر عليها أولاد على الذين نجحوا فى اكتساب ملكية مساحات كبيرة من الأراضى. ومع ذلك فقد نجحت مختلف فروع جهينة على مر القرون فى الحفاظ على هويتها. وعلى الرغم من بعض التذبذب فى بداية الحرب العالمية الأولى فإن غالبيتهم اتبعت أولا الشريف حسين، ولكنهم بعد ذلك غيروا موقعهم وأصبحوا مخلصين للأسرة السعودية (انظر أوبنهايم جـ ٢ ص ٣٦٠)، وهم يجتهدون فى السنوات الأخيرة فى تطوير منطقتهم (انظر حمد الجاسر، بلاد ينبع). ٢ - وكانت إلى الشمال من أرض جهينة أرض بَلِى، وهى فرع آخر من جهينة، وكانت مساكنهم المعتادة تبدأ من وادى إضَم وتمتد شمالا لتضم شَغَب وبَدَا وتيماء (ابن خلدون، العبر جـ ٢، ص ٥١٦). وتقول الأخبار إن قبائل بلى وجهينة وعذرة من قضاعة هاجرت إلى وادى القرى حيث كان المستوطنون اليهود يفلحون الأرض ويحفرون الآبار ويزرعون النخيل. وتعهد المستوطنون اليهود فى اتفاق بينهم وبين هذه المجموعات من قضاعة على أن يدفعوا لهم جُعلا معينا لقاء التزام بلى وجهينة وعذرة بحماية المستوطنات اليهودية من القبائل البدوية الأخرى بما فيهم الجماعات الأخرى من قضاعة (ياقوت، معجم البلدان، جـ ١، ص ٤٣). وقد ظلت نصوص هذا الاتفاق سارية حتى مقدم الإسلام حين وفد جمرة بن النعمان العذرى على النبى [ ﷺ ] فاقطعه الرسول أرضا وأقر المستوطنين اليهود من أسرة عُرَيْض (أو عَرِيض) فى أماكنهم (ابن سعد جـ ١ ص ٢٧٩ والبكرى جـ ١ ص ٤٤)، وقد انهمكت بعض عشائر بلى فى صراع داخلى اضطرت احداها وهى بنو حِشْنة إلى اللجوء للمستوطنين اليهود فى تيماء حيث تحولوا إلى اليهودية. ثم

стр. 8221

ذهب بعض هؤلاء اللاجئين من بعد ذلك إلى المدينة عند مقدم الرسول ﵊ واعتنقوا الإسلام (البكرى جـ ١ ص ٥٩٦) وتشير بعض الروايات إلى أن المهاجرين البلويين إلى المدينة أصبحوا حلفاء للأوس والخزرج (البكرى جـ ١ ص ٢٨، وانظر الإنباه على قبائل الرواه لابن عبد البر، النجف، ص ١٢٨). ويمكن استنتاج وضع بلى فى المدينة من الروايات الواردة عن لقاء العقبة وأن سبعة من السبعين أنصاريا الذين بايعوا النبى فى هذا اللقاء كانوا بلويين، وهم عُوَيم بن ساعدة ومعن بن عدى وخَديج بن أوَيس وأبو الهيثم بن التيِّهان وأبو بردة بن نِيار والنعمان بن عمرو (أو ابن عِصْر) ويزيد بن ثعلبة. وتشك بعض الروايات فى انتساب بعض هؤلاء إلى بلى. ولقد حارب رجال من بلى إلى جانب النبى [ ﷺ ] فى معاركه مع قريش واستشهد بعضهم. وهناك رسالة غريبة تقول بعض الروايات إن النبى بعث بها إلى قوم من بلى هم بنو جُعَيل يتعهد لهم فيها بأنهم (لا يُحْشَر ولا يُعْشَرون) وفسر ابن سعد ذلك بأنه يعنى أن الصدقات لا تجمع منهم إلا مرة واحدة فى العام وأنهم لا يُجْمعون هم وقطعانهم فى أماكن جمع الصدقات، ولكن هذا التفسير لا يبدو مستساغا، وربما كان المقصود منه هو إعفاؤهم من العشور ومن الالتزام بواجب القتال إلى جانب المسلمين. وقد كلفهم النبى [ ﷺ ] بجمع الصدقات من بعض القبائل الأخرى، وأعطاهم وضع قريش لأنهم كانوا حلفاء لعبد مناف (ابن سعد جـ ١ ص ٢٧٠ - ٢٧١). ولعل القصد من هذه المزايا التى أُعطيت لبنو جعيل كانت لاكتساب ولاء مجموعة قبلية حليفة لقريش وتأمين سيطرتها على مجموعات قبلية أخرى لصالح المجتمع الإسلامى الوليد. كان هدف الحملة التى أرسلت إلى بِلَى فى العام الثامن الهجرى اكتساب ولاء هذه القبيلة وعونها للمجتمع الإسلامى، وكان من الضرورى لهذا المجتمع تامين تعاون بِلَى الذين يسكنون المناطق الشمالية من شبه الجزيرة العربية ويسيطرون على

стр. 8222

الطريق إلى المدينة ومكة والذين كان بعضهم فى خدمة الجيش البيزنطى. ويذكر أن قائد القوات التى حاربت المسلمين فى مؤتة كان بلويا (الواقدى ٧٦٠). وكان قرارا حصيفا من النبى [ ﷺ ] أن يجعل قائد المسلمين فى هذه المعركة هو عمرو بن العاص الذى كانت أمه بلوية (نفس المرجع, ٧٧٠) وكانت الحملة موجهة أيضًا إلى مهرة وبلقين وهما أيضًا قبيلتان من قضاعة كانتا تنزلان فى منطقة بلى. وأخيرا استقبل النبى [ ﷺ ] فى العام التاسع الهجرى وفد بلى الذين أعلنوا اعتناقهم الإسلام (ابن سعد جـ ١ ص ٣٣٠، وشرح المواهب للزرقانى جـ ٤ ص ٥٧ - ٥٨، وابن قيم الجوزية: زاد المعاد جـ ٣ ص ٤٩). شاركت قوات بلى بدور هام فى فتح مصر، وقد حارب عمرو بن العاص تحت راية بلى (ابن عبد الحكم جـ ١ ص ٦٢). وجعل عُمر عطاء مقاتلى بلى كعطاء مُضَر وكلب وطيّئ وهو أقل من عطاء القبائل اليمنية لأن الأولين كانوا أقرب إلى أماكن هجرتهم (الجاحظ، العثمانية، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة ١٣٧٤ هـ/ ١٩٥٥ م ص ٢١٢). وعندما علم عمر أن رجالا من بلى استصرخوا قومهم بنداء الحرب "يالقضاعة" أمر بإنزال ثلث القضاعيين مصر، ولما كانت بلى تمثل ثلث قضاعة فقد كان من نصيبها أن تنزل مصر (ابن عبد الحكم ص ١١٦). وكان عبد الرحمن بن عديس البلوى من صحابة النبى [ ﷺ ] على رأس قوة من الفرسان فى الثورة على عثمان. وقد سجنه معاوية بعد ذلك ثم قتل أثناء فراره من السجن (السمعانى، الأنساب، حيدرآباد ١٩٦٣ جـ ٢ ص ٣٢٤ وأسد الغابة لابن الأثير جـ ٣ ص ٣٠٩، والإصابة لابن حجر جـ ٤ ص ٣٣٤). استوطن البلويون فى أخميم وأسيوط وأشمون من أرض مصر ثم اضطرتهم قوات الفاطميين إلى النزوح جنوبا وفى القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) دخلوا مع جهينة السودان وأسهموا بشكل ملحوظ فى

стр. 8223

نشر الإسلام والعربية بين قبائل البجّة والبقّارة، وما زالت البجة حتى اليوم تسمى اللغة العربية باللغة البلوية. أما فى شبه الجزيرة العربية فقد قامت بلى بدور هام أثناء الحرب العالمية الأولى فى الصراع بين الشريف حسين والسلطات التركية، وفى نهاية الأمر (فى ١٩١٨) تبعوا قيادة الشريف حسين. كما انضمت بعض مجموعات من بلى إلى النظام الجديد فى الحجاز فى ١٩٢٥ وأصبحوا رعايا مخلصين للسعودية، ولكن بعض المتمردين البلويين لجأوا إلى إمارة شرق الأردن ثم اجتازوا الحدود عند العقبة فى ١٩٣٢ وأغاروا مع متمردين آخرين على شمالى السعودية ولكن القوات السعودية لم تلبث أن هزمتهم (فون أوبنهايم جـ ٢ ص ٣٥٤). وعاش المنحدرون من أصلاب بلى فى منطقة قرطبة بالأندلس، ويقول ابن حزم إنهم تميزوا بكرم الضيافة ولم يكونوا يتكلمون الرومية (اللاتينية) بل كان حديثهم بالعربية فقط؛ كما يقول ابن حزم فى كتابه الجمهره. محمود ماجد عمر [م. ج. كيستر M. J. Kister] قطب ١ - فى الفلك: كلمة قطب فى العربية تعنى طرف المحور (وبصفة خاصة المحور القائم المثبَّت فى الطبق الأسفل من الرَّحى يدور عليها الطبق الأعلى) والصفة منها "قُطبى". واتسع مدلولها ليشمل قُطْبَى الأرض. والنجم القطبى الشمالى كان معروفا لدى العرب فى فترة ما قبل العلم أى قبل اتصالهم بالكتابات العلمية الإغريقية. وفى حوالى عام ١٥٠٠ م أصبح للقطبين الشمالى والجنوبى قيمة عملية لدى الملاحين المسلمين فى المحيط الهندى، حيث استخدموا كليهما لقياس الارتفاع ولتحديد مواضعهم فى البحر والطرق التى يسلكونها. وكان القطب الشمالى يسمى "الجاه"، وهى كلمة فارسية تطلق على النجم القطبى وعلى القطب ذاته، كما تكونت لديهم معرفة

стр. 8224

كاملة بالقطب الجنوبى من خلال رحلاتهم جنوب خط الاستواء، وأطلقوا عليه اسم "سُهَيْل" أو "القطب" فحسب فى مقابل "الجاه". ويميزونه بأنه -على عكس الحال بالنسبة للقطب الشمالى- لا يوجد إلى جانبه نجم ساطع، بل توجد -على مسافة تمثل- مجموعة السحب الماجلانية (أحمد بن ماجد وسليمان المَهْرى). ويبدو أيضًا أن القطبين قد استثارا خيال المنجمين حيث وضع ابن منظور والقزوينى قائمتين بالخواص السحرية لكل من القطبين. المصادر: (١) ابن قتيبة: "كتاب الأنواء". حيدرآباد ١٩٥٦. (٢) ابن منظور: "كتاب منار الأزهار" استانبول ١٢٩٨. سعيد عبد المحسن [ب. كونيتش P. Kunitzsch] ٢ - فى التصوف: كلمة قطب فى التصوف الإسلامى تعنى إما "الإنسان الكامل" أو "القطب الحسى" أو "الحقيقة المحمدية"، ويشار إليها أحيانا بوصفها القطب المعنوى. ويشير بعض المؤلفين إلى قطب الوقت، أو صاحب الوقت أو صاحب الزمان على أنه "الغوْث" الذى يوجد بفضل "قطب الأقطاب" ويتجلى فيه -وأصول هذا المفهوم ترجع إلى الحلاج . ونجد مفهوم "القطب" بوصفه رأس جماعة من الأتقياء الورعين لهم نظام رئاسى متدرج، فى تعاليم الحكيم الترمذى وقد لخصها على بن عثمان الهجويرى فى كتاب "كشف المحجوب" والذى يعد أقدم دراسة فارسية عن الصوفية. وكل مرتبة من مراتب هذا التنظيم يرأسها قطب. ومن هؤلاء الأقطاب يتلقى المريدون العلم الذى يدينون به -فى نهاية الأمر- للقطب الأكبر. ويرى محيى الدين بن العربى أن روح محمد أو "الحقيقة المحمدية" هى التى تنقل العلم الإلهى لكل الأنبياء والأولياء، وهى تتجلى وتتحقق بأكمل صورة فى القطب الذى يعد الإنسان الكامل، وهو معصوم. . ولكل زمان قطب، هو القطب الواحد والخليفة الحقيقى للَّه. وقد طور هذه الأفكار عبد الكريم الجيلى، ثم أعاد صياغتها

стр. 8225

وتبسيطها مؤلفون آخرون لتصبح جزءا من التيار الرئيسى للفكر الصوفى منذ ذلك الوقت. وثمة مفهوم آخر يطابق -إلى حد لافت للنظر- مفهوم القطب بوصفه المبدأ الفعال (أو الباطن) لكل إلهام وشبيه بالعقل "النُّوسْ" عند الأفلاطونية الجديدة. هذا المفهوم تجده عند عمر بن الفارض وهو يشبه العقيدة الإسماعيلية القائلة بتجسيد العقل الأول (الإمام) فى الناطق. وهناك باحثون آخرون التفتوا إلى التشابه القائم بين مفهوم الشيعة عن الإمام بوصفه تجليا للكلمة الإلهية ومفهوم القطب الأكبر فى التصوف الإسلامى. كما لاحظ باحثون عديدون ذلك التوازى بين التدرج الرئاسى للقائمين على الدعوة الإسماعيلية (الفاطمية) والتدرج الرئاسى فى التصوف برئاسة القطب، بل إن بعضهم يرى أن التدرج فى التصوف مستمد عن نظام الإسماعيلية. ويقرر بعض علماء الشيعة صراحة أن القطب والإمام مصطلحان لهما نفس المعنى وينطبقان على نفس الشخص. وقد أدان ابن خلدون نظام الأقطاب ولا يزال هذا النظام هدفا للهجوم عليه ممن ينادون بمفاهيم غير صوفية للإسلام. وقد نسب إلى القطب القدرة على أداء "كرامات" تكشف عن المقام الذى تَرقَّى إليه. وكان هناك -قبل أحمد التيجانى وبعده- من الصوفية من يدعى أنه من الأقطاب أو يعده الأتباع كذلك. ومن أعلام التصوف فى عصوره المتأخرة: أبو سعيد بن أبى الخير، عبد الرحيم القناوى، أبو العباس المرسى، عبد القادر الجيلانى، أحمد الرفاعى، أحمد البدوى، إبراهيم الدسوقى، والأربعة الأخيرون يطلق عليهم لقب "الأقطاب الأربعة". المصادر: (١) عبد الرزاق الكاشانى السمرقندى: "كتاب اصطلاحات الصوفية" لندن - كلكتا ١٨٤٥ م. (٢) محى الدين بن العربى: "الفتوحات المكية" بولاق ٢٧٤ سنة سعيد عبد المحسن [ف. دى سونج F. De Song]

стр. 8226

قطب الدين شيرازى محمود بن مسعود بن مُصْلح. فلكى فارسى وطبيب ولد فى صفر عام ٦٣٤ هـ/ أكتوبر ١٢٣٦ م فى شيراز وتوفى فى تبريز فى ١٧ رمضان عام ٧١٠ هـ/ فبراير ١٣١١ م. ينتمى قطب الدين شأنه شأن كثير من الأطباء المسلمين إلى أسرة ظهر فيها نخبة من المطببين البارزين ولكنه -حسب ما تكشف عنه كتاباته- كان فى نفس الوقت علمًا فى علم الفلك والفلسفة ومعالجة المشكلات الدينية. واستحق لهذا التعدد فى الأنشطة أن يطلق عليه لقب "المتفنن" -وقد تدرب على الطب على يدى والده ضياء الدين مسعود الكازرونى (من كازرون غربى شيراز) فى مستشفى شيراز وذاق مرارة اليتم وهو فى الرابعة عشرة من عمره ثم تتلمذ على أيدى أعمامه كمال الدين خير الكازرين وشرف الدين الزكى الرشكانى وشمس الدين الكتبى. ثم انتقل إلى نصير الدين الطوسى حيث درس على يديه وتفوق على كل أقرانه -وأغلب الظن أن نصير الدين هو الذى حفزه إلى دراسة الفلك. وكانت تراوده فى شبابه فكرة إعادة نشر كتاب "الكليات" وهو الجزء الأول النظرى من كتاب "القانون" لابن سينا ثم طلب العلم بعد ذلك على يد الأطباء فى شيراز ثم تعمق فى النظر فى أعمال الأوائل من أهل العلم. ورحل إلى خراسان والعراق وفارس والأناضول وسوريا. ولقد أخبرنا فى المقدمة التى كتبها تعليقا على كتاب "الكليات" أنه كان دائب السعى للتعرف على أهل العلم فى كل مكان يذهب إليه ومن المحتمل أن يكون قد داخل أبلخانات فارس بعد هذه الرحلات وإن كنا لا نعرف فى أى سنة ولا فى عهد من؟ وأيا كان الأمر فقد كان قاضيا فى عام ٦٨١ هـ/ ١٢٨٢ م فى سيواس وفى ملطية بالأناضول إبان حكم أحمد نيكودا - عام ٦٨٠ - ٦٨٣ هـ/ ١٢٨١ - ١٢٨٤ م) وظل هناك منكبًا على دراسة كتاب "الكليات" ولابد أن يكون قد لعب دورا فى السياسة حين أرسله أحمد مع عمه كمال الدين إلى مصر أيام المملوك السلطان المنصور سيف الدين قلاوون فى عام ٦٧٨ - ٦٨٩ هـ (١٢٧٩ -

стр. 8227

١٢٩٠ م). وتسنى له أن يجمع فى مصر بعض المواد العلمية لكتاب "الكليات" وأهدى هذا العمل إلى محمد سعد الدين وكان وزيرًا لأحمد خان وسماه "التحفة السعدية" أو "نزهة الحكماء وروضة الأطباء". وقد اعتزل قطب الدين الناس فى أواخر أيام حياته فى تبريز كما درس فى أخريات عمره "الحديث النبوى" دراسة متأنية ودون مذكرات نقدية فى هذا الموضوع مثل "جمع الأصول" و"شرح السنة" وقد أعطانا كل من ابن شُهْبة والسُبْكى صورة سريعة عن شخصيته، فهو حاد الذكاء نافذ البصيرة، وكان فى نفس الوقت ذا دعابة بريئة، واشتهر بلقب "عالم الفُرس" ومن الواضح أنه كان حريصا على استقلال الرأى رغم مكانته لدى الأمراء وعند مريديه وقد عاش بعيدا عن الاختلاط بالبلاط. كما عاش حياة الصوفى. وقد أكد الجميع أنه كان له تلاميذ عديدون، منهم كمال الدين الفارسى وقد حث التحتانى المتوفى سنة ٧٦٦ هـ = ١٣٦٤ م لعمل "محاكمات" (نظرات ناقدة) لكتاب "الإشارات" لابن سينا وذلك فى نقاط كانت موضع جدل بين نصر الدين وفخر الدين الرازى (انظر حاجى خليفة، رقم ٤٧٣)، وقد تراخى فى أداء فرائضه الدينية ومع ذلك فإن السيوطى يذكر أنه كان يؤدى صلاة الجماعة فى تبريز. وكان بارعا فى لعب الشطرنج فكان لا ينقطع عن ممارسته، كما مارس ألعاب السحر وكان يعزف على الربابة. وتعليقاته على كتاب "حكمة الإشراق" للسهروردى ذات صلة ولا شك بموقفه الدينى. غير أن حاجى خليفة يرى أن قطب الدين قد أظهر تميزا فى علم الكلام فقد كتب شرحا وافيا للقرآن حاز التقدير وهو فتح المنان فى تفسير القرآن، وكتب حاشية لكتاب "عن حقائق التنزيل" للزمخشرى وقد لعب قطب الدين دورا خاصا فى تاريخ علم البصريات لأنه لفت نظر تلميذه كمال الدين الفارسى (ت ٧٢٠ هـ/ ١٣٢٠ م) لكتاب "علم البصريات" لابن الهيثم حيث اطلع عليه فى سفرياته وأحضر له نسخة منه. وقد كتب الفارسى تعليقا عليه وأضاف إليه ملاحظاته التى توصل هو إليها. ولقد قدم لنا قطب الدين فى كتابيه "نهاية

стр. 8228

الإدراك فى دراية الأفلاك "والتحفة الشاهية فى الهيئة" وكلاهما يشبه الآخر إلى حد بعيد -ما يعد أفضل وصف عربى لعلم الفلك مع استخدام الصيغ الرياضية. وينهج هذا الوصف نهج رسالة "تَذْكرة النصيرية" التى ألفها استاذه نصير الدين الطوسى ولكن رسالة قطب الدين أكثر تفصيلا وتعالج مسائل لم يتطرق لها نصير الدين. ومن هنا يعد الكتابان السالفان أكثر من مجرد تعليق أو شرح فى علم الفلك. فعلى سبيل المثال نجد أن كتاب "النهاية" يناقش تفاصيل فلكية وردت عند الخِرَكى أو ابن الهيثم وهى تفاصيل سوف نعثر عليها مرة أخرى عند روجر بيكون. وألف قطب الدين كتابا بعنوان "شرح التذكرة النصيرية" وملحقا لكتاب "النهاية" بعنوان فى حركات الدحرجة والنسبة بين المستوى والمنحنى. كما ألف كتبا أخرى مثل "التبصرة فى الهيئة" وكتابا بعنوان غريب هو "كتاب فعلت فلا تَلُمْ فى الهيئة" وإلى جانب هذه الكتب ثمة مقالة عن أمراض العين وحاشية على "أرجوزة" ابن سينا. وكتاب فى آداب مهنة الطب سماه "كتاب بيان الحاجة إلى الطب وآداب الأطباء ووصاياهم". وكتاب فى النحو كان تعليقا على السكاكى وابن الحاجب، ودائرة معارف للفلسفة "درة التاج" وهى تتضمن فصلا هاما عن الموسيقى. وبعد وفاته كتب زين الدين بن الوردى شعرا عن قطب الدين يعبر فيه عن دهشته من أن رَحَى المعرفة لازالت تدور بعد أن فقدت قُطْبها. المصادر: (١) تقى الدين بن شُهْبة: طبقات الشافعية، جوتا ١٧٦٣. (٢) السبكى: الطبقات، جزء ٦ - ٢٤٨. (٣) خواند مير: حبيب الشّيعَة، بومباى ١٨٣٧ جزء ٣ - ١, ٦٧ - ١١٢. (٤) السيوطى: بغية الوعاة، ٣٨٩. سعيد عبد المحسن [أ. فيدمان E. Wiedemann] قطرى بن الفجاءة من زعماء الخوارج الأزارقة، وقد اشتهر كشاعر وخطيب، ويرجع نسبه

стр. 8229

إلى بطن من بطون تميم وهى القبيلة التى أنجبت واحدا من أبرز وأشهر الرجال الذين أمدوا هؤلاء الثوار. وإذا كان أبوه هو ابن الفجاءة فإنه يقال إن هذا الاسم ليس سوى نعت ممانما اسمه الحقيقى هو "جَعْوانه"، وكان لقطرى بن الفجاءة كنيتان شأنه فى ذلك شأن الكثيرين من زعماء العرب: فكان يكنى فى أيام السلم بأبى محمد، وإن كان الوقت وقت حرب سموه بأبى مَعامه (انظر فى ذلك البيان والتبيين للجاحظ تحقيق هارون)، وإن كل ما نعرفه عنه أيام شبابه لا يزيد عن أنه حارب تحت قيادة عبد الرحمن بن سَمُره مع كثير من غيره من الزعماء كان من بينهم المهلب بن أبى صفرة الأزدى الذى شاء القدر أن يصبح بعد ذلك خصمه اللدود، وكانت محاربته تحت قيادة سمرة فى سبيل إخضاع سجستان ٤٢ هـ (= ٦٦٢ م) وذلك ما يقرره كل من البلاذرى فى فتوحه وابن عبد البر فى الاستيعاب وابن حجر فى الإصابة ولابد أنه كان قد بلغ من النضج والبلوغ إذ ناداه أصحابه فى سنة ٦٩ هـ (= ٦٨٩ م) "بخليفة" الأزارقة حين كانوا يمرون بأزمة شديدة الصعوبة لما نالهم على يد المهلب ورجاله من هزيمة نكراء، ونظرا لما كان قطرى مطبوعا عليه من النشاط الجم وعدم الاكتراث بالأخطار فقد استطاع أن يثير نخوة رجاله كما استطاع أن يرد بقايا جيشه ويسير بهم إلى جبال كرمان وأخد فى ترتيب صفوفهم للقتال، فلما فرغ مما فى يده من هذه الأمور ذهب ثانية إلى العراق واحتل الأهواز وهدد البصرة، ومع أن المهلب استطاع أن يقيد من حركاته إلا أنه نجح فى تدعيم موقفه على الشاطئ الدجيل الأسير حتى بعد أن سقط العراق فى يد عبد الملك وذلك نتيجة هزيمة مصعب ابن الزبير عند مَسْكن (٧٢ هـ = ٦٩١ م) فلما ولى الحجاج بن يوسف الثقفى العراق عزم على إعادة تعيين المهلب ليقود الجيوش ضد الأزارقة، وما كاد المهلب يتولى القيادة حتى زحف ضد المتمردين وطاردهم حتى كرمان التى كانت مركز قوتهم، ومع ذلك فقد استطاع قطبرى أن يصمد طويلا فى مواضعه، ولدينا عملة فضية ترجع إلى

стр. 8230

هذا الوقت مسكوكة عام ٧٥ هـ (= ٦٩٤ م) تحمل اسم قطرى وعليها نعته بأمير المؤمنين (راجع فى ذلك مجلة Zdmg ١٢/ ٢ هـ لسنة ١٨٥٨ م) ولقد أدى الشقاق الذى دب فى صفوف عسكر الأزارقة بين العرب والموالى إلى تمزق وحدة الصف وكان مظهر ذلك مغادرة قطرى بن الفجاءة مدينة "جيرفت" التى كانت مركز عمليات الأزارقة الحربية، والتجاؤه مع من معه من العرب إلى طبرستان، أما الموالى فقد استمروا فى أخذهم جيرفت فى أيديهم بقيادة كبيرهم "عبد رب" أو "عبد ربه" (وهناك شخصان يسمى كل منهما هذا بعبد ربه، أما أحدهما فينعت بالكبير وأما الآخر فبالصغير، ويرد ذكر هذا تارة وذاك تارة أخرى منعوتا بالقائد فى المصادر التى بين أيدينا، وأحيانا نجد تفرقة بين طائفتين من الموالى انفصلتا عن قطرى ونعت أمير أحدهما بعبد ربه الكبير وأمير الأخرى بعبد ربه الصغير)، ولقد كان هذا الحدث من الشقاق وخيم العاقبة لما أدى إليه من أن المهلب بن أبى صفرة لم يجد أدنى مشقة فى استئصال الموالى وقتل شيخهم، أما الحجاج فقد قام حينذاك بإرسال المحارب الكلبى سفيان بن الأبرد لقتال قطرى، وتمكنت جيوش سفيان أن تفاجئ الأزارقة وتحصرهم فى أحد الممرات الجبلية وأنزلت بالأزارقة هزيمة نكراء حاسمة فقد سقط قطرى من فوق صهوة جواده، وفرّ عنه أتباعه فلما اكتشف الأهالى أمره وعرفوه وثبوا عليه وفتكوا به، وقطعوا رأسه وأخذت رمزا للانتصار على الأزارقة وحملوها إلى الكوفة ثم إلى دمشق ليراها الخليفة. أما بقية الأزارقة الذين كانوا بقيادة "عبيد بن هلال اليشكرى" فقد فروا على وجوههم ولجأوا إلى "سذوار" وهى موقع حصين قرب "كوميس"، وضموا صفوفهم المبعثرة فحاصرهم سفيان حصارا طويلا لكنهم احتملوه بصبر، حتى إذا نضبت مؤنهم لجأوا إلى القتل وقد استبد بهم اليأس ولكنهم غلبوا على أمرهم. إن أخبار هذه الأحداث بعيدة عن اليقين، إذ لا يمكن الركون إلى المصادر التى تقول إن ابن الفجاءة تولى القيادة
следующие страницы →