قطب الدين شيرازى
محمود بن مسعود بن مُصْلح. فلكى فارسى وطبيب ولد فى صفر عام ٦٣٤ هـ/ أكتوبر ١٢٣٦ م فى شيراز وتوفى فى تبريز فى ١٧ رمضان عام ٧١٠ هـ/ فبراير ١٣١١ م. ينتمى قطب الدين شأنه شأن كثير من الأطباء المسلمين إلى أسرة ظهر فيها نخبة من المطببين البارزين ولكنه -حسب ما تكشف عنه كتاباته- كان فى نفس الوقت علمًا فى علم الفلك والفلسفة ومعالجة المشكلات الدينية. واستحق لهذا التعدد فى الأنشطة أن يطلق عليه لقب "المتفنن" -وقد تدرب على الطب على يدى والده ضياء الدين مسعود الكازرونى (من كازرون غربى شيراز) فى مستشفى شيراز وذاق مرارة اليتم وهو فى الرابعة عشرة من عمره ثم تتلمذ على أيدى أعمامه كمال الدين خير الكازرين وشرف الدين الزكى الرشكانى وشمس الدين الكتبى. ثم انتقل إلى نصير الدين الطوسى حيث درس على يديه وتفوق على كل أقرانه -وأغلب الظن أن نصير الدين هو الذى حفزه إلى دراسة الفلك. وكانت تراوده فى شبابه فكرة إعادة نشر كتاب "الكليات" وهو الجزء الأول النظرى من كتاب "القانون" لابن سينا ثم طلب العلم بعد ذلك على يد الأطباء فى شيراز ثم تعمق فى النظر فى أعمال الأوائل من أهل العلم. ورحل إلى خراسان والعراق وفارس والأناضول وسوريا. ولقد أخبرنا فى المقدمة التى كتبها تعليقا على كتاب "الكليات" أنه كان دائب السعى للتعرف على أهل العلم فى كل مكان يذهب إليه ومن المحتمل أن يكون قد داخل أبلخانات فارس بعد هذه الرحلات وإن كنا لا نعرف فى أى سنة ولا فى عهد من؟ وأيا كان الأمر فقد كان قاضيا فى عام ٦٨١ هـ/ ١٢٨٢ م فى سيواس وفى ملطية بالأناضول إبان حكم أحمد نيكودا - عام ٦٨٠ - ٦٨٣ هـ/ ١٢٨١ - ١٢٨٤ م) وظل هناك منكبًا على دراسة كتاب "الكليات" ولابد أن يكون قد لعب دورا فى السياسة حين أرسله أحمد مع عمه كمال الدين إلى مصر أيام المملوك السلطان المنصور سيف الدين قلاوون فى عام ٦٧٨ - ٦٨٩ هـ (١٢٧٩ -
стр. 8227
١٢٩٠ م). وتسنى له أن يجمع فى مصر بعض المواد العلمية لكتاب "الكليات" وأهدى هذا العمل إلى محمد سعد الدين وكان وزيرًا لأحمد خان وسماه "التحفة السعدية" أو "نزهة الحكماء وروضة الأطباء". وقد اعتزل قطب الدين الناس فى أواخر أيام حياته فى تبريز كما درس فى أخريات عمره "الحديث النبوى" دراسة متأنية ودون مذكرات نقدية فى هذا الموضوع مثل "جمع الأصول" و"شرح السنة" وقد أعطانا كل من ابن شُهْبة والسُبْكى صورة سريعة عن شخصيته، فهو حاد الذكاء نافذ البصيرة، وكان فى نفس الوقت ذا دعابة بريئة، واشتهر بلقب "عالم الفُرس" ومن الواضح أنه كان حريصا على استقلال الرأى رغم مكانته لدى الأمراء وعند مريديه وقد عاش بعيدا عن الاختلاط بالبلاط. كما عاش حياة الصوفى. وقد أكد الجميع أنه كان له تلاميذ عديدون، منهم كمال الدين الفارسى وقد حث التحتانى المتوفى سنة ٧٦٦ هـ = ١٣٦٤ م لعمل "محاكمات" (نظرات ناقدة) لكتاب "الإشارات" لابن سينا وذلك فى نقاط كانت موضع جدل بين نصر الدين وفخر الدين الرازى (انظر حاجى خليفة، رقم ٤٧٣)، وقد تراخى فى أداء فرائضه الدينية ومع ذلك فإن السيوطى يذكر أنه كان يؤدى صلاة الجماعة فى تبريز. وكان بارعا فى لعب الشطرنج فكان لا ينقطع عن ممارسته، كما مارس ألعاب السحر وكان يعزف على الربابة. وتعليقاته على كتاب "حكمة الإشراق" للسهروردى ذات صلة ولا شك بموقفه الدينى. غير أن حاجى خليفة يرى أن قطب الدين قد أظهر تميزا فى علم الكلام فقد كتب شرحا وافيا للقرآن حاز التقدير وهو فتح المنان فى تفسير القرآن، وكتب حاشية لكتاب "عن حقائق التنزيل" للزمخشرى وقد لعب قطب الدين دورا خاصا فى تاريخ علم البصريات لأنه لفت نظر تلميذه كمال الدين الفارسى (ت ٧٢٠ هـ/ ١٣٢٠ م) لكتاب "علم البصريات" لابن الهيثم حيث اطلع عليه فى سفرياته وأحضر له نسخة منه. وقد كتب الفارسى تعليقا عليه وأضاف إليه ملاحظاته التى توصل هو إليها. ولقد قدم لنا قطب الدين فى كتابيه "نهاية
стр. 8228
الإدراك فى دراية الأفلاك "والتحفة الشاهية فى الهيئة" وكلاهما يشبه الآخر إلى حد بعيد -ما يعد أفضل وصف عربى لعلم الفلك مع استخدام الصيغ الرياضية. وينهج هذا الوصف نهج رسالة "تَذْكرة النصيرية" التى ألفها استاذه نصير الدين الطوسى ولكن رسالة قطب الدين أكثر تفصيلا وتعالج مسائل لم يتطرق لها نصير الدين. ومن هنا يعد الكتابان السالفان أكثر من مجرد تعليق أو شرح فى علم الفلك. فعلى سبيل المثال نجد أن كتاب "النهاية" يناقش تفاصيل فلكية وردت عند الخِرَكى أو ابن الهيثم وهى تفاصيل سوف نعثر عليها مرة أخرى عند روجر بيكون. وألف قطب الدين كتابا بعنوان "شرح التذكرة النصيرية" وملحقا لكتاب "النهاية" بعنوان فى حركات الدحرجة والنسبة بين المستوى والمنحنى. كما ألف كتبا أخرى مثل "التبصرة فى الهيئة" وكتابا بعنوان غريب هو "كتاب فعلت فلا تَلُمْ فى الهيئة" وإلى جانب هذه الكتب ثمة مقالة عن أمراض العين وحاشية على "أرجوزة" ابن سينا. وكتاب فى آداب مهنة الطب سماه "كتاب بيان الحاجة إلى الطب وآداب الأطباء ووصاياهم". وكتاب فى النحو كان تعليقا على السكاكى وابن الحاجب، ودائرة معارف للفلسفة "درة التاج" وهى تتضمن فصلا هاما عن الموسيقى. وبعد وفاته كتب زين الدين بن الوردى شعرا عن قطب الدين يعبر فيه عن دهشته من أن رَحَى المعرفة لازالت تدور بعد أن فقدت قُطْبها.
المصادر:
(١) تقى الدين بن شُهْبة: طبقات الشافعية، جوتا ١٧٦٣.
(٢) السبكى: الطبقات، جزء ٦ - ٢٤٨.
(٣) خواند مير: حبيب الشّيعَة، بومباى ١٨٣٧ جزء ٣ - ١, ٦٧ - ١١٢.
(٤) السيوطى: بغية الوعاة، ٣٨٩.
سعيد عبد المحسن [أ. فيدمان E. Wiedemann]
قطرى بن الفجاءة
من زعماء الخوارج الأزارقة، وقد اشتهر كشاعر وخطيب، ويرجع نسبه
стр. 8229
إلى بطن من بطون تميم وهى القبيلة التى أنجبت واحدا من أبرز وأشهر الرجال الذين أمدوا هؤلاء الثوار.
وإذا كان أبوه هو ابن الفجاءة فإنه يقال إن هذا الاسم ليس سوى نعت ممانما اسمه الحقيقى هو "جَعْوانه"، وكان لقطرى بن الفجاءة كنيتان شأنه فى ذلك شأن الكثيرين من زعماء العرب: فكان يكنى فى أيام السلم بأبى محمد، وإن كان الوقت وقت حرب سموه بأبى مَعامه (انظر فى ذلك البيان والتبيين للجاحظ تحقيق هارون)، وإن كل ما نعرفه عنه أيام شبابه لا يزيد عن أنه حارب تحت قيادة عبد الرحمن بن سَمُره مع كثير من غيره من الزعماء كان من بينهم المهلب بن أبى صفرة الأزدى الذى شاء القدر أن يصبح بعد ذلك خصمه اللدود، وكانت محاربته تحت قيادة سمرة فى سبيل إخضاع سجستان ٤٢ هـ (= ٦٦٢ م) وذلك ما يقرره كل من البلاذرى فى فتوحه وابن عبد البر فى الاستيعاب وابن حجر فى الإصابة ولابد أنه كان قد بلغ من النضج والبلوغ إذ ناداه أصحابه فى سنة ٦٩ هـ (= ٦٨٩ م) "بخليفة" الأزارقة حين كانوا يمرون بأزمة شديدة الصعوبة لما نالهم على يد المهلب ورجاله من هزيمة نكراء، ونظرا لما كان قطرى مطبوعا عليه من النشاط الجم وعدم الاكتراث بالأخطار فقد استطاع أن يثير نخوة رجاله كما استطاع أن يرد بقايا جيشه ويسير بهم إلى جبال كرمان وأخد فى ترتيب صفوفهم للقتال، فلما فرغ مما فى يده من هذه الأمور ذهب ثانية إلى العراق واحتل الأهواز وهدد البصرة، ومع أن المهلب استطاع أن يقيد من حركاته إلا أنه نجح فى تدعيم موقفه على الشاطئ الدجيل الأسير حتى بعد أن سقط العراق فى يد عبد الملك وذلك نتيجة هزيمة مصعب ابن الزبير عند مَسْكن (٧٢ هـ = ٦٩١ م) فلما ولى الحجاج بن يوسف الثقفى العراق عزم على إعادة تعيين المهلب ليقود الجيوش ضد الأزارقة، وما كاد المهلب يتولى القيادة حتى زحف ضد المتمردين وطاردهم حتى كرمان التى كانت مركز قوتهم، ومع ذلك فقد استطاع قطبرى أن يصمد طويلا فى مواضعه، ولدينا عملة فضية ترجع إلى
стр. 8230
هذا الوقت مسكوكة عام ٧٥ هـ (= ٦٩٤ م) تحمل اسم قطرى وعليها نعته بأمير المؤمنين (راجع فى ذلك مجلة Zdmg ١٢/ ٢ هـ لسنة ١٨٥٨ م) ولقد أدى الشقاق الذى دب فى صفوف عسكر الأزارقة بين العرب والموالى إلى تمزق وحدة الصف وكان مظهر ذلك مغادرة قطرى بن الفجاءة مدينة "جيرفت" التى كانت مركز عمليات الأزارقة الحربية، والتجاؤه مع من معه من العرب إلى طبرستان، أما الموالى فقد استمروا فى أخذهم جيرفت فى أيديهم بقيادة كبيرهم "عبد رب" أو "عبد ربه" (وهناك شخصان يسمى كل منهما هذا بعبد ربه، أما أحدهما فينعت بالكبير وأما الآخر فبالصغير، ويرد ذكر هذا تارة وذاك تارة أخرى منعوتا بالقائد فى المصادر التى بين أيدينا، وأحيانا نجد تفرقة بين طائفتين من الموالى انفصلتا عن قطرى ونعت أمير أحدهما بعبد ربه الكبير وأمير الأخرى بعبد ربه الصغير)، ولقد كان هذا الحدث من الشقاق وخيم العاقبة لما أدى إليه من أن المهلب بن أبى صفرة لم يجد أدنى مشقة فى استئصال الموالى وقتل شيخهم، أما الحجاج فقد قام حينذاك بإرسال المحارب الكلبى سفيان بن الأبرد لقتال قطرى، وتمكنت جيوش سفيان أن تفاجئ الأزارقة وتحصرهم فى أحد الممرات الجبلية وأنزلت بالأزارقة هزيمة نكراء حاسمة فقد سقط قطرى من فوق صهوة جواده، وفرّ عنه أتباعه فلما اكتشف الأهالى أمره وعرفوه وثبوا عليه وفتكوا به، وقطعوا رأسه وأخذت رمزا للانتصار على الأزارقة وحملوها إلى الكوفة ثم إلى دمشق ليراها الخليفة.
أما بقية الأزارقة الذين كانوا بقيادة "عبيد بن هلال اليشكرى" فقد فروا على وجوههم ولجأوا إلى "سذوار" وهى موقع حصين قرب "كوميس"، وضموا صفوفهم المبعثرة فحاصرهم سفيان حصارا طويلا لكنهم احتملوه بصبر، حتى إذا نضبت مؤنهم لجأوا إلى القتل وقد استبد بهم اليأس ولكنهم غلبوا على أمرهم.
إن أخبار هذه الأحداث بعيدة عن اليقين، إذ لا يمكن الركون إلى المصادر التى تقول إن ابن الفجاءة تولى القيادة
стр. 8231
ثلاث عشرة سنة بل وعشرين سنة، ذلك أن انتخاب قطرى ليكون خليفة إنما حدث قرب نهاية سنة تسع وستين هجرية، وكان موته سنة ثمان أو تسع وسبعين.
والخلاصة أن قطرى بن الفجاءة كان يجمع فى صدق فى بردته بين الخارجى الصلب العود و"السيد" العربى ولقد ترتب على حماسته التى تبلغ مرتبة التعصب أن كان شأنه شأن بقية الأزارقة، هذا بالإضافة إلى أنه كان شديد الزهو بما يجرى فى عروقه من دم عربى وما شب عليه من خلق بدوى، وكان كغيره من كثير من الخوارج الكبار مبرزا فى الشعر والخطابة طبيعة ركبت فيه، ولقد أورد له الجاحظ فى كتابه البيان والتبيين واحدة من خطبه، وزكاه فى ذكرها ابن عبد ربه فى العقد وابن النديم فى الفهرست غير أن بلاشير فى مؤلفه تاريخ الأدب العربى (بالفرنسية جـ ٣ ص ٧٣٤) يرجح أن هذه الخطبة إنما كتبت فى القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى)، كما وصلت إلينا بعض قطع قلائل يمجد فيها امرأته "أم حكيم" التى كانت هى الأخرى امرأة شجاعة من الخوارج، غير أن أشهر قصائده ذيوعًا هى التى أوردتها حماسة أبى تمام، وإن جاءت بصور مختلفة، وأن قصائده ذات الطابع الذى يمزج بين السياسة والدين تمتاز بأسلوبها العالى وما تتضح به من ازدراء الموت، وهى قصائد تجعل صاحبها يتبوأ عن حق موضع الصدارة بين الشعراء الخوارج. ويمكن مراجعة الأخبار الطوال للدينورى فى هذا الموضوع وأنساب الاشراف للبلاذرى والحماسة للبحترى والاشتقاق لابن دريد والفرق بين الفرق لعبد القادر البغدادى.
المصادر: وردت فى المتن.
أيمن حسن حبشى [ج. ليفى دى فيدا Levy Della Vida]
قطز
هو الملك المظفر سيف الدين المعزى ثالث سلطان مملوكى فى دولة المماليك البحرية، وهو ابن أخت السلطان جلال الدين الخوارزمى قبض المغول على قطز (اسمه الأصلى محمود بن ممدود)
стр. 8232
وسُجن ثم بيع فى دمشق لتاجر قام بدوره ببيعه إلى الأمير المملوكى أيبك فى القاهرة. ولقب أيبك بوصفه زوجًا لشجرة الدر بالملك المعز عام ٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م ومن هذ اللقب نسب إلى قطز بالمعزى.
ادعى قطز وهو فى شبابه بناء على عدة تنبؤات أنه سيحكم مصر ويثأر لخاله من المغول. تقدم قطز خطوة كبيرة نحو تحقيق طموحاته عام ٦٥٠ هـ/ ١٢٥٢ م عندما عُين قطز نائبًا للسلطنة من قبل أيبك الذى كان قد خلع السلطان الأيوبى الملك الأشرف موسى. وفى العام التالى شارك قطز مع مجموعة من المماليك فى اغتيال أقطاى منافس أيبك على العرش وأحد قادة المماليك البحرية. احتفظ قطز بمنصبه كنائب للسلطنة وأدار شئون البلاد حتى بعد اغتيال أيبك نفسه عام ٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م بإيعاز من شجرة الدر. وخلفه على العرش ابنه الصغير المنصور على. وقاد قطز خلال عامى ٦٥٥ هـ - ٦٥٦ هـ/ ١٢٥٧ - ١٢٥٨ م حملات ضد الأمراء البحرية وحلفائهم الأيوبيين السوريين. ومع ذلك عقد قطز الصلح معهم فى العام التالى ٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م، واتحدت قواتهما معًا لمواجهة غزو مغولى على سوريا. وقام قطز بخلع المنصور على حجة أنه صغير السن وغير قادر على الدفاع عن أراضى المسلمين ونصب نفسه سلطانًا، وهكذا يصبح قطز أول مملوك يخلع ابن أستاذه ليحل محله كسلطان، وبالتالى أحدث قطز -كما يرى ابن تغرى برد (القاهرة الجزء السابع ص ٥٦) حادثة شريرة أدت إلى تدهور الأحوال فى مصر وعد قطز الأمراء الذين عارضوا واحتجوا على اغتصابه للعرش، بالتنازل عن السلطنة عقب هزيمة المغول.
عرض قطز ولاءه للملك الناصر صاحب دمشق وحلب وتطوع للدفاع عنه ضد المغول ليضمن تعاون الأيوبيين فى سوريا معه.
أعلن قطز تحديه لهولاكو واستخفافه به عام ٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م بقتله الرسل الذين بعثهم هولاكو لطلب الإذعان والخضوع له. استنفر قطز المسلمين للجهاد وقاد جيشًا خرج من مصر إلى فلسطين، ورغم تردد أمراء المماليك فى محاربة المغول، إلا أن قطز
стр. 8233
نجح فى إقناعهم فى المضى معه، وأرسل بيبرس البندقدارى (الذى صار فيما بعد السلطان بيبرس) على رأس قوة سبقته.
تأكد قطز من حياد الفرنج فى عكا وتقابل مع جيش المغول فى "عين جالوت" وهزمهم. صار قطز بعد المعركة إلى دمشق التى كان يستخدمها كقاعدة لتطهير سوريا من قوات المغول عمل على تأسيس حكم المماليك فيها عن طريق تعيين بعض من أمرائه فى مناصب قيادية واستبقاء الأيوبيين فى مناصب أخرى. واغتيل قطز أثناء عودته إلى مصر عند القصير بالقرب من الصالحية. ويرى ابن عبد الظاهر مؤرخ الملوك أن بيبرس هو الذى قتله بيده دون مشاركة من أحد. ومن الواضح من مصادر أخرى أن ابن عبد الظاهر كان يحاول أن يثبت انفراد بيبرس بالمطالبة بالسلطنة.
وهناك خلاف حول دوافع الاغتيال، حيث يرى العديد من المؤرخين أن قطز نكث عهده بمنح بيبرس ولاية حلب بعد عين جالوت، ولكن ابن الدوادرى يرى أن قطز كان قد استثار بالفعل غضبة وعداوة بيبرس له بتوبيخه لإخوانه الأمراء ووصفهم بالجبن أثناء المعركة. ويرى ابن عبد الظاهر أن قطز عادى بيبرس لرفضه مشاركة بيبرس أياه فخر الجهاد معه وعلى أى الأحوال فمن الواضح كما يشير بيبرس المنصورى أن العداء بين قطز والمماليك البحرية كان دائما، وأن طموحات الأمراء البحرية تجاه السلطنة كانت بلا شك أحد عوامل هذا العداء.
ومن المسائل الجدلية كذلك ما هو متعلق بموضع جثمان قطز، يرى ابن تغرى بردى أن بيبرس نقل جثمان قطز من المقبرة الأصلية عندما تحولت إلى مزارة بينما يكتفى سائر المؤرخين بأن الجثمان دفن فى القاهرة وليكن ما يكون فإن جميع المصادر تجمع وتتفق على تعظيم وتكريم قطز بوصفه بطلًا اسلاميًا لانتصاره فى عين جالوت.
المصادر:
١ - المرجع الأساسى الذى تم الاعتماد عليه هو الروض الزاهر فى سيرة الملك الظاهر، لابن عبد الظاهر el.A.A. Khowaitir، الرياض ١٩٧٦ م.
٢ - ابن الدوادرى: كنز الدرر، جزء ٨، فى يبرج ١٩٧١ م.
стр. 8234
٣ - قطب الدين اليونينى: ذيل مرآة الزمان جزءان، حيدرباد ١٩٥٤ م.
وائل البشير [ج. هـ. اجوينبول G.H.A Juynboll]
قفسة
فى القطر التونسى وهى تبعد ثلاثمائة كيلو متر وستين إلى الجنوب الغربى من تونس المدينة وعلى بعد مائتى كيلو متر من القيروان ومائة من قابس. ويبلغ عدد سكانها ثلاثين ألف نسمة, وهى المدينة الرئيسية لاقليم إدارى مستقل يبلغ عدد سكانه ثلاثمائة ألف نسمة وأهم منتجاته المعدنية الفوسفات الذى يستخرج من مناجم مديلا ومتلاوى ورديف ومولاريس التى استكشفت عام ١٨٨٥ م، ويوجد بواحة قفسة ما يقرب من مائة ألف نخلة تمر تنتج تمرا من الدرجة الثانية. وبالإضافة إلى ذلك تجود بها زراعة أشجار البرتقال والليمون والمشمش والكروم والتين وكثر بها منذ قريب مزارع الزيتون, ويحاول الناس هناك زراعة الفستق، ويعتمد الرى فيها على العيون الكثيرة التى تتدفق فى قلب البلد ويهتم الناس بحفر الآبار الارتوازية. ولما كانت قفسة أول واحة على الطريق من القيروان فإنها تجنذب الكثيرين من السياح لمشاهدة آثارها التى ترجع إلى ما قبل التاريخ ولا تزال بعض أطلالها شاهدة على قدم تاريخها ومن ثم أخذت البلدة تولى السياحة عنايتها بإدخال تحسينات حديثة كشق الطرق وإقامة الفنادق المجهزة أحسن تجهيز، وتكثر الحدائق. وهناك اهتمام بترميم الحمامات الرومانية وإعادة بناء السور البيزنطى القديم إلى غير ذلك من الإصلاحات، وأهم الصناعات اليدوية بها صناعة البطاطين الملونة والسجاد ذى الرسوم البارزة.
قفسة تاريخيا: الاسم العربى لاسم البلد القديم هو "كبسا Capso وهو يرجع إلى عصر قديم كانت قفسة أثناءه أحد المراكز الحضارية المهمة. وإذا تعرضنا لقفسة فى عصورها التاريخية لا نجد بين أيدينا ما ينير لنا الطريق فليس من المعروف بالدقة من الذى أسس المدينة ومتى كان تأسيسها, ولذلك زعموا أن صانعها واحد من الآلهة، ويرجعها بعضهم إلى أصل
стр. 8235
بونى. أما العرب فيقولون بل أسسها "شنتيان" غلام نمرود الملك الأسطورى. لكن الواقع هو أن وقوعها على مفترق الطرق المؤدية إلى كثير من النواحى هو الذى أدى إلى إنشائها، وقد صارت البلدة بعد ذلك جزءا من مملكة أحد الملوك النوميديين الذى أحبها حبا شديدا حتى أنه أعفاها من الضرائب. وقد دفعت قفسة ثمن هذا الحب غاليا، إذ بعثت روما بقائدها "كايوس ماريوس" لاخضاعها فأحرق البلد سنة سبعين قبل الميلاد، ولكن قفسة قامدت من بين الانقاض ونفضت عنها تراب التخريب زمن تراجان (٩٨ - ١١٧ م) ولما جاء زمن دقلديانوس (٢٨٤ - ٣٠٥ م) وقدم البربر إليها بطشوا بها بطش جبار مما حمل روما على مغادرة المنطقة بالتدريج وسحبت قواتها زمن الوندال حتى إذا مات "جنسبيك" عام ٤٧٧ صارت كبسا عاصمة مملكة بربرية ثم عادت إلى قبضة بيزنطة زمن جستنيان (٥٢٧ - ٥٦٥ م) الذى أعاد إلى الامبراطورية وحدتها وعظمتها فصارت البلدة عاصمة الأملاك البيزنطية فى أفريقية، وبنيت سنة ٥٤٠ م مدينة سميت بكابسا جستنيان. وحينذاك احتفظت قفسة ببعض آثار ماضيها الرائع القديم كالحمامات الرومانية وبعض الأعمدة وما كان عليها من تيجان وعقود قديمة إلى جانب آثار أخرى أقل من هذه قيمة أعيد استخدامها فى أشياء غيرها كالجامع الكبير وغيره من مبانى البلد القديمة.
ولقد ظلت قفسة حتى القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) محتفظة بمظهرها كمدينة ذات ماض تاريخى عتيق إلى حد انفرادها دون سائر بلدان أفريقية باستعمال اللغة الرومانية كما ظل قسم كبير من سكانها محافظين على الديانة المسيحية، ولذلك فإن البكرى ذكر فى كتابه المسالك فى منتصف القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) ما لاحظه من أن البلدة قائمة على الأساطين والأعمدة والطبقات الرخامية وأن سورها القديم لا زال سليما على هيئته التى بنى عليها حتى ليظن الناظر إليه أنه قد فرغ القوم لتوهم من تشييده ثم جاء الإدريسى بعد ذلك بقرن من الزمان فقال فى نزهة المشتاق
стр. 8236
إن كل سكان قفسة من البربر، وإن أغلبهم يتكلمون باللسان اللاتينى الافريقى".
واجتاح الفتح الإسلامى الأول أسوار قفسة عام ٢٧ هـ (= ٦٤٧ م) بعد مصرع القائد جريجورى ثم ما لبث عقبة بن نافع أن استولى عليها ثم عاد الحسن بن النعمان فاستردها عام ٧٨ هـ (= ٦٩٧ م) بعد أن كانت قد تخلصت هى وكل الشمال الافريقى من حكم العرب، فلما كانت نهاية القرن الثانى للهجرة ومستهل القرن الثالث كثر الخوارج من لواتة وزواغة ومكناسة وشاركوا فى سنة ٢٢٤ هـ (= ٨٣٩ م) فى الفتنة التى عمت إقليم قسطيلية، ولكن عاقبهم الأمير الاغلبى أبو عقال أفظع عقاب وأخذهم بالشدة.
وتبعا لما يقوله الشماخى فى كتابه "السير" فقد كان للإمام عبد الوهاب (١٦٨ - ٢٠٨ هـ = ٧٨٤ - ٨٢٣ م) عامل على قفسة، مما ندرك معه أنه كان جابى الخراج وأنه كان يجمعه حسبما نص عليه القرآن الكريم ويرسله سرا إلى تاهرت لأن المدينة لم تكن أبدا من الناحية السياسية جزءا من الدولة الرستمية.
وبعد أن ظلت قفسة أكثر من قرن من الزمان تحت سلطان الفاطميين ثم انتقلت إلى الزيريين.
أصبحت عاصمة لدولة صغيرة مستقلة استقلالا حقيقيا تشتمل على كل قسطيلية التى هى اليوم الجريد ولقد غير الغزو الهلالى من التركيبة العنصرية للسكان، كما أخذت سلطة الحكومة المركزية فى الانهيار وعمت الفوضى كل النواحى فاستغل حاكم البلد الزيرى عبد اللَّه بن محمد هذه الظروف ونادى بنفسه أميرا مستقلا عليها وأعلن استقلاله (٤٤٥ - ٤٦٥ هـ) واستطاع بدفعه الفرضة لبدو العرب الذين تحالف معهم أن يدعم سلطاته ويؤمن دولته ويجذب إلى بلاطه الشعراء والفقهاء.
على أن حكم الموحدين الذين وحدوا كل المغرب قضى على استقلال قفسة إذ استولى عليها عبد المؤمن بن على سنة ٥٥٤ هـ (= ١١٥٩ م) بعد أن حاصرها
стр. 8237
حصارا قاسيا ومرت قفسة منذ ذلك الحين بوقت عصيب وقامت بعض المحاولات لاستخلاصها من أيدى الموحدين، منها محاولة مخاطر أرمنى الأصل يدعى قراقوش وكذلك بنو غانية الذين رفضوا الاعتراف بأنها غلبت، لكن ردها المعز استجابة لالتماسات سكانها الذين كانوا مدفوعين فى هذا الرجاء بما كانوا يحسونه من الكراهية تجاه الحاكم الموحدى الذى فتكوا به، فجاء الخليفة أبو يعقوب يوسف من مراكش فحاصر المدينة بنفسه (سنة ٥٧٥ هـ = ١١٨٠ م) ولكن لم يطل خضوعها إذ سرعان ما وقعت فى أيدى بنى غانية وحينذاك حاصرها المنصور بجيش كبير (٥٨٣ هـ = ١١٨٧/ ٨ م) وأسرف فى عقابها وهدم حصونها وسواها بالأرض ثم أذن لسكانها بالبقاء وإبقاء أراضيهم فى أيديهم ليقوموا بزراعتها على أن يقاسمهم غلتها.
لم تكن المدينة أسعد حظا زمن الحفصيين فقد اغتصبها سنة ٦٨١ هـ (٦٨١ - ٦٨٣ هـ = ١٢٨٢ - ١٢٨٤ م) لكنها استعادت استقلالها المسلوب زمن أسرة محلية هى أسرة بنى العابد الذين كانوا يؤثرون السيادة العربية ويميلون إلى العرب. أما أبو بكر الحفصى (٧١٨ - ٧٤٧ هـ = ١٣١٨ - ١٣٤٧ م) الذى اتسمت الفترة الأولى من حكمه المضطربة ضياع الولايات الجنوبية من يده فقد حاصر قفسة سنة ٧٣٥ هـ (١١ - ١١٣٥ م) واستردها ثم سلمها لولده أبى العباس ليحمها. كما حاول استمالة سكانها إليه فأكثر من منح ذوى الحاجة منهم الأراضى لكن البلدة ما لبثت أن استردت استقلالها الذاتى مرة أخرى زمن أحمد بن عمر بن العابد ولده محمد.
وفى زمن السلطان العثمانى سليمان القانونى (١٥٢٠ - ١٥٦٦ م) استعمل واليا من قبله على طرابلس نجح فى الاستيلاء على قفسة يوم ١٧ صفر ٩٦٤ هـ (= ٢٠ ديسمبر ١٥٥٦ م) لكن لم تتحسن أحوالها بل أخذت تزداد تدهورا بسبب ما تعانيه من غارات البدو نتيجة ضعف الحكومة المركزية
стр. 8238
وعجزها عن حمايتها، وتضاءلت قفسة حتى أن الفرنسيين لم يجدوا صعوبة فى احتلالها فى ٢٠ نوفمبر ١٨٨٠ م.
جغرافيتها التاريخية: قفسة بلدة جرداء تشرف عليها الجبال من الجنوب الشرقى والشمال والشمال الغربى وكانت تعتمد على مياهها الجوفية ولكنها فى موقع على ملتقى الطرق المؤدية إلى الصحراء وإلى التل مما جعل لها أهمية وقد وصفها "سالوست" الذى عاش فى الفترة من ٨٦ إلى ٣٥ ق. م بأنها "مدينة قوية وكبيرة" كما أشار إلى الصحراوات الموحشة التى تجعل وصول الجيوش الغازية إليها أمرًا صعبا، وقد نفعها هذا الموقع إذ جعلها قادرة على المحافظة على خطورتها ورخائها حتى نهاية العصر الكلاسيكى رغم ضعف بيزنطة. بل لقد زادت أهميتها بعد فتح العرب لها. ولقد كان الجغرافى العربى اليعقوبى الذى عاش فى ختام القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) أول من وصفها وصفًا دقيقا ضمنه ملاحظاته الشخصية عنها فقال إنها بلدة حصينة تحوطها الأسوار الحجرية وتكثر فيها الينابيع المائية وتمتاز بشوارعها الممهدة وضواحيها البالغة الروعة وتكثر بها الفاكهة، فلما كان منتصف القرن التالى (الرابع الهجرى) كان ابن حوقل فى القيروان سنة ٣٣٦ هـ (= ٩٤٧ م) ووصف قفسة بأنها بلدة "مستقلة" والرخاء فى "غاية الكمال" وكان أبو يزيد قد خربها قبل سنة ٣٣٠ هـ (٩٤٢ م) ولابد أنها تخلصت من كل آثار التخريب حتى أن المقدسى المتوفى سنة ٣٧٨ هـ (= ٩٨٨ م) اعتبرها واحدة من المراكز المهمة الكبرى بافريقية. كما أن البكرى المتوفى حوالى سنة ٤٦١ م (= ١٠٦٨ م) ترك لنا وصفا دقيقا عنها اعتمد فيه على الوراق الافريقى المتوفى عام ٣٦٢ هـ (= ٩٧٣ م) الذى ذكر آثارها القديمة التى كانت لا تزال سليمة وأشار إلى ينابيعها الجياشة بالمياه التى تروى بساتينها التى تنتج الفستق الذى يصدر إلى جميع أنحاء افريقية بل وإلى مصر ذاتها وسجلماسة والأندلس، كما يكثر بها البلح.
стр. 8239
وكان يوجد حول قفسة ما لا يقل عن مائتى قرية كلها عامرة وتسمى هذه القرى بقصور قفسة. ومما يدل على شدة ثرائها أن خراجها لا يقل عن خمسين ألف دينار تذهب إلى بيت المال، وليس من شك فى أن هذا الوصف يشير إلى الرخاء الكبير الذى كانت تتمتع به قفسة زمن الوراق، أعنى نهاية القرن الرابع الهجرى العاشر الميلادى) وقد استمر هذا الرخاء موصولا فى القرن التالى رغم غزو بنى هلال. كما استمرت البلدة تتقلب فى مطارف النعمة حتى منتصف القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) حتى لينعتها الإدريسى بالمدينة الحسنة، ويصف أسوارها بأنها لا تزال سليمة قوية ومياهها غزيرة متدفقة، وأسواقها عامرة بشتى أنواع السلع وبها الكثير من التجار "والصناعة بها قائمة" وبها التمر الجيد "العجيب"، وقراها أهلة بالسكان وبها الحدائق الجميلة والبساتين وتنتج فيما تنتج الحناء والقطن والكمون، على أن هذه الحال تغيرت منذ عصر الموحدين فكثيرا ما ثار أهلها حرصا منهم على استقلالها ولكنها دفعت ثمنا غاليا بسبب حبها الشديد للاستقلال، وامتدت يد التدمير أكثر من مرة إلى تحصيناتها وإلى مزارع نخيلها، ويمكننا إرجاع بداية انهيارها الاقتصادى إلى ذلك الوقت، فلما جاء القرن السابع الهجرى (الثالث الميلادى) نجد ياقوت الحموى يصفها بأنها "بلدة صغيرة واقعة على تخوم افريقية فى منطقة جدباء وأرضها ملحية" وقد تلاشى ما كان حولها من القرى لتعرضها الكثير للتدمير.
ولقد كتب عنها ليو الأفريقى (الحسن بن الوزان) فذكر ما أصابها من الدمار على يد المنصور، ثم يتابع كلامه فيقول وقفسة اليوم قد أعيد إعمارها بالسكان. ولكن لا تزال مبانيها قليلة إلا من بضعة مساجد معدودة، وشوارعها واسعة مرصوفة كلهما بالحجر الأسود كما هو الحال فى شوارع نابلى وفلورنسا. وسكانها مغلوبون على أمرهم، ويقع عبء الضرائب التى يقبضها ملك تونس على عاتق فقرائها "انظر Describtion de l'Afrique ll ٤٤٤
стр. 8240
ويستمر ليو الأفريقى (الحسن الوزان) فى الحديث عنها فيشير إلى أن جوها غير صحى ولكنه يمتدح اقمشتها وصناعاتها الخزفية وأثمارها وكثرة ما بها من أشجار البرتقال والزيتون.
وتنقضى فترة لا نجد لقفسة ذكرا إلا فى أثناء القرن التاسع عشر وذلك فيما تركه بعض الرحالة أمثال "جيرين" وزاكون، وماييه. من أهم المراجع فى هذا الشأن مصادر التاريخ الإسلامى للمقدسى واليعقوبى والبكرى والإدريسى.
د. حسن حبشى [م. طالبى M. Tailbi]
قفط
" قِفْطْ"، قُفْطْ، وقفْطْ، واسمها القديم " Coptos" (قبطيو)، وهى مدينة صغيرة بأعالى صعيد مصر، تقع حيث يدنو النيل من أقرب نقاطه إلى البحر الأحمر (على بعد حوالى ٤٠ كم شمالى أطلال طيبة، وحوالى ٢ كم شرقى النهر).
ارتبطت فى العصور الفرعونية باستغلال المعادن فى التلال الواقعة بين النيل والبحر الأحمر، وبالتجارة عبر الجزء الشرقى لمصر، وقد تمتعت قفط بأعظم درجات الازدهار فى فترتى اليونان والرومان. ويصف الجغرافى والمؤرخ اليونانى سترابو (٦٤ ق. م - ٢٣ ق. م) تنظيم وسائل النقل عبر النيل حتى "قفط"، ثم بالقوافل عبر الصحراء حتى البحر الأحمر، ويسميها "المدينة التى يسكنها المصريون والعرب معًا". والواقع أنها كانت مركز جذب لأهالى الصحراء الغربية القادمين للتجارة بها، وقبل كل شئ، من أجل القبائل البدوية المعروفة باسم "بِجَه" (أو البجاه -بضم الباء) التى اعتنقت النصرانية من هناك دون أدنى شك، وقد أقام مطران البِجَه فى قبطيو "قفط" وصارت قفط بعدئذ نقطة بداية للطرق المؤدية إلى البحر الأحمر (فى سنة ١٣٢ هـ/ ٧٥٠ م، فرَّ بعض أفراد أسرة بنى أمية إلى هناك على نحو مؤقت ربما بقصد الهرب) وفقدت قفط أهميتها حين بدأ التيار الرئيسى للتجارة الشرقية فى استخدام الخليج العربى بدلا منها.
стр. 8241
وبدأت قبائل صحراوات النيل - البحر الأحمر، تهاجم وادى النيل، ونهبت قفط نهبًا بدون حصانة فى سنة ٢٠٤ هـ/ ٨١٩ م على أيدى قبائل البِجَه التى كانت لا تزال نصرانية، وحتى سنة ٢١٢ هـ/ ٨٢٨ م, لم يكن قد بنى حولها سور واقٍ ليحميها. وفى النصف الأول من القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى، كتب المسعودى مبينا أن قوص كانت أهم من قفط، ويربط أفول نجمها، وانقضاء زمانها، والنفور منها إلى بعد مجرى النيل عنها، والواقع أن تجار قوص المهرة كانوا قادرين على الاستفادة بالنهر، المحور التجارى الوحيد الذى كان لا يزال آخذًا فى الازدهار بسبب التجارة مع بلاد النوبة، بينما هجرت كل الطرق الأخرى؛ وحين استفيد بها مرة ثانية مع إحياء التجارة الشرقية فى ظل الفاطميين إبان القرن الخامس الهجرى الحادى عشر الميلادى، انتعشت قفط من جديد، إلا أن قوص احتلت المركز الأول وقتذاك، وصارت عاصمة إقليمية. وعلى الرغم من ذلك، استوطن "قفط" مزيج متعدد من السكان وبخاصة حين أدت العلاقات مع الحجاز لفترة طويلة إلى إستقرار أسر العلويين فيها. ولم يكن ثمة شك فى تأثيرهم الذى يفسر الانتشار الكبير للمذهب الشيعى هناك، وفى إخلاصهم للفاطميين بعد تولى صلاح الدين للسلطة، فقد دبرت مؤامرة أدت إلى "ثورة" فى سنة ٥٧٢ هـ/ ١١٧٧ م، تم قمعها بوحشية. ونتيجة لذلك، أوكلت قفط إلى قوص مهمة فرض الثورة السنية المضادة على الصعيد. وربما يكون رحيل بعض الأسر منها (على سبيل المثال، أسرة ابن القفطى) مرتبطًا بهذه الأحداث؛ ولا يبدو أن قفط قد كان بها مدرسة أسوة بمدن صعيد مصر الصغيرة الأخرى، وسرعان ما فقدت قاضيها (تحولت إلى السلطان القضائى لممثل قاضى قوص). وبقى إقليم قفط وقفًا يذهب ريعه لمساندة أشراف مكة. ولم تكن قفط فى الفترة المملوكية سوى مركز زراعى صغير فى الريف حيث وفرت زراعة
стр. 8242
قصب السكر الوسالحو الرئيسية للعيش.
المصادر:
(١) Strabo: Georgraphy تحقيق Muller جـ ٢، ص ٦٦٤ - ٦٩٥.
(٢) الكندى: الولاة، تحقيق Guest، ص ٩٨.
(٣) المسعودى: مروج الذهب، باريس ١٨٦١ - ١٨٧٧ م, جـ ٣, ص ٥٠.
(٤) ابن حوقل: الطبعة، الثانية، ص ٥١ - ٢، والترجمة ص ٤٩ - ٥٠.
(٥) Synaxaire arabe Jacobite، فى patrol Orient؛ جـ ٣, ص ٤٩٩ - ٥٠٤.
(٦) ياقوت: جـ ٤, ص ١٥٢.
(٧) المقريزى: الخطط, تحقيق Wiet، جـ ٤، ص ١٠٦ - ١١.
(٨) ابن الجيعان: التحقه السنية، القاهرة سنة ١٨٩٩ م، ص ١٩٥.
(٩) Description descriptions, Antiquites de I' Egypt، جـ ٢، ص ٦٣.
(١٠) على باشا مبارك: الخطط الجديدة, جـ ١٤، ص ١٠٤.
حسن شكرى [كارسين J. C. Garcin]
قفطان
كلمة تركية مأخوذة من الفارسية خفطان التى وردت فى الشاهنامه - انظر عبد القادر البغدادى: لغة الشاهنامه، تحقيق سلمان بعنوان: عبد القادرى بجدادينس، معجم الشاهنامينوم، ص ٧٩، وكتاب الأسدى: لغتئ فرس، تحقيق: Horn, ص ٩٩)؛ وفى العربية أيضًا "خفطان" كان سترة فوقية تلبس فى وقت السلم، وهو نوع من "التُنَّك" الطويل ذى الأكمام الذى كان يلبس فى وقت الحرب فوق قميص البريد (من تبرد). وشاعت هذه الكلمة مع مجئ مادة الملبس فى وقت متقدم بين العرب تحت تأثير الأزياء الفارسية (انظر الطبرى, تحقيق: ده غويه، جـ ٣،
стр. 8243
ص ٢٣٦, رقم ١٤ الصقحات التى بعدها؛ وإرشاد الأريب، ص ١٧٧؛ والمسعودى طبعة باريس جـ ٨، ص ٥٢)، ويصف الرحالة الـ "خطفان" على أنه رداء طويل يصل إلى ما بعد الركبة، وأحيانا إلى بطة الساق، أو إلى أدنى الكاحلين، وهو مفتوح من الصدر، وله كُمَّان مشقوقان طوليًا عند المعصمين، أو حتى أعلى منتصف الذراعين. وقد أدخل هذا اللباس فى دول البربر عند الفتح التركى، وانتشر من حيث أنه "زى" حتى أقصى مراكش (Host: Nachrichten Von Marokos und Fes كوبنهاجن سنة ١٧٨١ م، ص ١١٥) حيثه وجد بخاصة بين النساء فى بعض الأحيان، ولكن بدون أكمام (Lempriere: A Tour to Morocco لندن سنة ١٧٩١ م، ص ٣٨٥). وكان أمراء ومشايخ البدو الشاميون فى زمن الرحالة درفييه d'Arvieux يلبسون القفطان كسترة شتوية (d' Arvicux: Voyage dins Ia Palestine, باريس سنة ١٧١٧ م، ص ٢٠٦). -وفى فترة زمنية متقدمة كان القفطان بين الأتراك العثمانيين اسمًا لرداء التشريف الذى هو أقل أهمية من فرو السَمُّور الذى كان ينعم به عند ارتقاء منصب ما. وقد حدث توزيع مثل هذه الأردية بعد العيدين وهما احتفالان يجريان فى حضور الصدر الأعظم بتوجيه من قفطانجى باشى، وهو الموظف المسئول عن حفظ وصيانة أثواب التشريف التى من الفرو. وفى الزمن الحالى لا يلبس هذا الرداء إلا قليلا على ما يبدو وحمدى بيه، ومارى لوناى صاحبا كتاب: Les Costumes Populaires de La Turquie en ١٨٧٣ (القسطنطينية سنة ١٨٧٣ م) هما اللذان يذكرانه دون غيرهما (ص ٢٣٨) حين يصفان قفطان امرأة كردية من ناحية "خربوت": "قفطان من قماش فاخر أخضر قاتم, مفتوح من الأمام، ومقصوص على شكل شعار النبالة عند الصدر (شكل غطاء ثقب المفتاح) بحيث يترك الجزء الأعلى من القيمص مكشوفًا، ولا يغطى النصف الأسفل بأكمله. . وتنتهى أكمام
стр. 8244
القفطان الطويلة جدًا بقطعة رباعية الزوايا ترفع فوق المعصمين حتى لا تخفى الأساور الفضية أو نحوها. وحواف الأكمام موشاة بمطرزات ومخرمات الذهب المتشعبة.
المصادر:
(١) نظام الدين محمود قارى: ديوانئ اللبس (الآستانة سنة ١٣٠٣ هـ)، ص ١٩٩.
(٢) R. Dozy: Dict. des noms des vetements، ص ١٦٢, والصفحات التى بعدها.
(٣) Bardier de Meynard suppl. Aux dict. tures, جـ ٢، ص ٥٢٥ والصفحة التى بعدها.
(٤) d'Ohsson: Tableu de L'empire othoman، جـ ٣، ص ٢٦٠، جـ ٧, ص ١٩٩.
(٥) Lane: Manners and customs of the Modern Egyptians، الطبعة الخامسة، ص ٣٠ والصفحة التى بعدها.
(٦) Lammens: Rem Sur les mots Framc. derives de L' arabe، ص ٦٦.
حسن شكرى [إيوار CL. Huart]
قلاوون
الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفى الصالحى النجمى العلائى، خامس سلاطين المماليك وحاكم مصر وسوريا من عام (٦٧٨ هـ/ ١٢٧٩ م) إلى (٦٨٩ هـ/ ١٢٩٠ م). وهو أحد أبرز سلاطين المماليك البحرية. اتبع قلاوون سياسات السلطان بيبرس وبصفة خاصة حملاته ضد المغول والصليبيين.
ولد قلاوون فى الترك القبقاق Kipcak Tuiks على السواحل الشمالية للبحر الأسود ولا نعلم شيئًا عن تاريخ مولده، كما أن المصادر لم تذكر شيئًا عن طفولته أو نشأته. . وقد أتى به أحد تجار الرقيق إلى مصر وباعه إلى الأمير علاء الدين آق سنقر العادلى الساقى أحد مماليك السلطان الأيوبى العادل بألف دينار ومن ثم كُنى "بالألفى".
стр. 8245
وبعد وفاة علاء الدين آق سنقر عام ٦٤٧ هـ/ ١٢٤٩ م، انتقلت ملكية قلاوون مع مماليك آخرين إلى السلطان الأيوبى الصالح نجم الدين أيوب حكم من (٦٣٧ هـ/ ١٢٤٠ م - ٦٤٧ هـ/ ١٢٤٩ م) الذى أرسله مع مجموعة من المماليك الجدد للتدريب على الفروسية فى المعسكر الذى أنشأه فى جزيرة الروضة على النيل. وبعد أن أتم قلاوون تدريبه وأثبت كفاءته العسكرية، عُتق ومُنح لقب أمير وبعد وفاة الملك الصالح نجم الدين أيوب عام ٦٤٧ هـ/ ١٢٤٩ م، تولى ابن السلطان توران شاه خلفًا له فى العام التالى. وأعقبت موت توران شاه -بعد توليه بقليل- فترة من الاضطرابات والفوضى أدت فى نهاية الأمر إلى تأسيس سلطنة المماليك.
وخلال فترة حكم عز الدين أيبك أول سلاطين المماليك، ارتفع شأن قلاوون وحصل على مرتبة أعلى ليصبح أحد القيادات الرئيسية. وفى عام ٦٥٢ هـ/ ١٢٥٤ م فر قلاوون إلى سوريا مع مجموعة من قيادات المماليك أمثال بيبرس وسنقر وببسرة هربًا من سخط وانتقام أيبك بعد أن حاولوا خلعه. وظل على مدى ثلاث سنوات فى خدمة الملك الناصر صلاح الدين يوسف الثانى حكم من (٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م - ٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) وفى عام ٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م اصطدم قلاوون وزملاؤه المماليك مع الناصر يوسف وأجبروا على تركه، وعليه دخلوا فى خدمة الملك المغيث فخر الدين عمر صاحب الكرك. وعندئذ أرسل الأمير قطز ممثل السلطان المملوكى نور الدين على بن أيبك جيشًا لملاقاة المماليك الهاربين وهم فى طريقهم إلى الكرك وهزمهم، وأرسل قلاوون إلى السجن فى مصر، ولكن ما لبث أن اختفى وفر إلى الكرك فى نفس العام ٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م.
ظل قلاوون فى الكرك نحو عامين وحتى عام ٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م ثم عاد إلى مصر بمصاحبة مجموعة من المماليك المنفيين حيث رحب بهم السلطان قطز وهو خلال تلك الفترة كان يعد العدة لمواجهة الغزو المغولى
стр. 8246
حيث هزمهم فى نابلس عام ٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م. ساند قلاوون بيبرس الأول فى قتل السلطان قطز والاستيلاء على العرش فى نفس العام. واكتسب قلاوون ثقة بيبرس فأسند إليه منصب "أمير الألف".
وصاحب قلاوون السلطان بيبرس فى حملة ضد المغول عام ٦٧١ هـ/ ١٢٧٢ م، وقد نال شرف أول أمير يعبر الفرات، وبالتالى اكتسب ميزة على أعدائه.
وتقرب قلاوون من السلطان بيبرس خلال فترة حكمه بتزويج ابنته من ابن بيبرس الملك السعيد بركة خان، حيث أقام بيبرس حفلًا مهيبًا بهذه المناسبة.
وفى ٦٧٦ هـ/ ١٢٧٧ م توفى بيبرس وخلفه ابنه فى الحكم، فأصبح قلاوون بوصفه حما السلطان أهم وأبرز الأمراء. وفى نفس العام أرسل السلطان بركة خان قلاوون فى حملة ضد الأرمن. وخلال المدة القصيرة التى حكم فيها بركة خان والتى لم تتعد سنتين ثار ضده كبار الأمراء الذين خدموا أباه لامتعاضهم من تجاهله إياهم وحاصروه فى قلعة القاهرة وأجبروه على التخلى عن الحكم وبايعوا قلاوون بالحكم ولكنه رفض لتوقعه وجود معارضة. وبناء على ذلك، اختير الملك العادل سلامش بيبرس وكان عمره سبع سنوات سلطانًا عام ٦٧٨ هـ/ ١٢٧٩ م، وعينوا قلاوون "أتابك" ظل السلطان سلامش فى الحكم ثلاثة أشهر فقط كان خلالها قلاوون "الأتابك" هو الحاكم الفعلى. وقد دعى لقلاوون فى صلاة الجمعة وضرب اسمه على العملات جنبًا إلى جنب مع السلطان سلامش وفى نهاية الأمر تم خلع سلامش فى ٦٧٨ هـ/ ١٢٧٩ م ونصب قلاوون سلطانًا ولقب بالملك المنصور.
وكان أول قرار اتخذه قلاوون عقب توليه الحكم، القبض على مجموعة من الأمراء الظاهريين -اتباع السلطان بيبرس- وقد حثته دوافع سياسية على إلغاء ضرائب معينة مثل ضريبة الحرب التى كانت تجمع كلما كان يعد السلطان حملة. وخلال العام الأول من حكمه واجه قلاوون معارضة من العديد من أمراء بيبرس الذين كانت لهم مطامعهم لاعتلاء عرش السلطنة. وكان أحدهم الأمير سنقر الأشقر الذى نصب
стр. 8247
نفسه سلطانًا فى سوريا باسم الملك الكامل، وحظى سنقر بمساندة مماليك بيبرس وقبائل البدو فى سوريا والأمير الأيوبى فى حماه. أرسل قلاوون جيشًا قويًا بقيادة الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى، والتقى الجمعان عند الجسورة قرب دمشق ٦٧٩ هـ/ ١٢٨٠ م، ولجأ سنقر إلى القبائل العربية بعد هزيمته وطلب مساعدة المغول. وفى العام التالى وقع الصلح بين سنقر وقلاوون بعد علمهما بمجئ المغول.
نجح قلاوون مثل بيبرس فى الدفاع عن سوريا من هجمات المغول الذين استغلوا الاضطرابات التى وقعت فى سوريا نتيجة تمرد سنقر، وتمكنوا مع حلفائهم من الجورجيين Georgiah والفرنجة والأرمن من عبور الفرات ومن غزو سوريا بقيادة "منجوتيمور" وهو أخ للخان "أباقة". وصل قلاوون بجيشه إلى سوريا مدعمًا بقوات إضافية من أجزاء متفرقة من سوريا. والتقى الجيشان فى حمص عام ٦٨٠ هـ/ ١٢٨١ م وانهزم المغول هزيمة منكرة وأجبروا على الانسحاب من سوريا، ولقى كل من "منجوتيمور" وأخوه "أباقة" حتفهما فى العام نفسه وحاول "أحمد تكودار" خليفة "أباقة" -وكان قد أسلم- أن يحسن علاقته مع قلاوون بتبادل المراسلات والسفارات بينهما، ولكن ما لبث أن قتل فى عام ٦٨٣ هـ/ ١٢٨٤ م وخلفه أخوه "أرغون" الذى كان مشركًا ومعاديًا للمسلمين وأخفق فى محاولته إقناع البابا وملك فرنسا بمساندته بقيام حملة صليبية ضد المماليك، وبالنسبة للصليبيين اتبع قلاوون خطوات بيبرس الأول فى الجهاد ضدهم فى سوريا وعقد معهم هدنة أثناء صراعه مع سنقر ومع ذلك وقعت بعض العمليات العدائية من الطرفين بين حين وآخر. وبعد انتهاء الصراع مع سنقر، نقض قلاوون هذه الهدنة وقاد سلسلة من الغارات على مواقع الصليبيين. وفى عام ٦٨٤ هـ/ ١٢٨٥ م هاجم حصنًا للفرسان الاسبتاريين فى "مرقب" وبعد حصار دام ثمانية وثلاثين يومًا نجح فى الاستيلاء عليها. وجدير بالذكر أن المؤرخ أبو الفدا توفى ٧٣٢ هـ/ ١٣٣١ م حضر هذا الحصار وكان فى صحبة أبيه وعمره آنذاك اثنتى عشر عامًا. انسحب الفرسان الاسبتارية إلى
стр. 8248
طرابلس. وأراد بوهيمند السابع ملك طرابلس أن يسترضى قلاوون فسلمه حصن مراقيا الساحلى. وفى العام نفسه فضلت مارجريت ملكة صور السلام مع قلاوون لمدة عشر سنوات مقابل تنازلات مجزية. وكان أكبر مكسب حصل عليه قلاوون هو بلدة وحصن طرابلس بعد أن استغل الصراع حول العرش فى أعقاب وفاة بوهيمند وحاصرها فى ٦٨٨ هـ/ ١٢٨٩ م رغم وصول امدادات من قبرس. استخدم قلاوون المنجنيق فى دك أسوارها وكذلك قلعتها وسرعان ما استولى عليها. وقد شارك أبو الفدا مع أبيه وابن عمه فى هذه المعركة.
ويخبرنا أبو الفدا بأن بعد الاستيلاء على طرابلس، عبر البحر إلى جزيرة خارج الميناء حيث ضاق صدره من الروائح الكريهة النافذة من الجثث البالية. وفى العام التالى ٦٨٩ هـ/ ١٢٩٠ م، نقض سكان عكا الهدنة وقتل بعض التجار المسلمين، فاستنفر قلاوون المسلمين للجهاد، ولكن ما أن أوشك على الهجوم حتى وافته المنية وهو فى خيمته خارج القاهرة. وقد أوكلت هذه المهمة إلى خليفته وابنه الملك الأشرف الخليل الذى استولى على المدينة عام ٦٩٠ هـ/ ١٢٩١ م.
وبالإضافة إلى ما سبق، قام قلاوون بالهجوم على النصارى الأرمن، فأغار على أرمينيا الصغرى فى ٦٨٢ هـ/ ١٢٨٣ م وبعد عامين أجبر الأرمن على عقد هدنة لمدة عشر سنوات كما وافقوا على دفع الجزية السنوية بمقدار كبير من الفضة الأرمينية وإطلاق سراح الأسرى المسلمين.
وشن قلاوون حربًا على النوبة (٦٨٦ هـ/ ١٢٨٨ م و ٦٨٨ هـ/ ١٢٨٩ م) بغية توسيع نطاق الحكم المملوكى فى الجنوب، وأرسل حملتين بقيادة نخبة من الأمراء الأكفاء لتأديب "شمامون" صاحب النوبة الذى كان يتبع أسلوب الكر والفر مع الجيش المملوكى. وفى نهاية الأمر، أرسل "شمامون" وفدًا محملًا بالهدايا إلى مصر والتمس العفو. وقبل قلاوون هذه العطايا وأكرم الوفد وظلت النوبة تابعة للسلطان المملوكى.
حافظ قلاوون على العلاقات الخارجية والتجارية التى دعمها بيبرس الأول مع القوى الأجنبية وزاد من
стр. 8249
قوتها كما أبقى على العلاقات الطيبة مع مغول الأورد الذهبى Golden Hotde وامبراطور بيزنطة اندرونكوسى بلالجوسى الثانى وألفونسو ملك قشتالة وجيمس الصقلى ورودلف الأول ملك هبسيرج، علاوة على عقده اتفاقية تجارية مع جمهورية جنوة. كما أصدر قلاوون وثيقة أمان للتجار الأجانب القادمين من الصين والهند واليمن وأمصار أخرى بغرض جذب التجار إلى مصر لتشجيع التجارة المصرية ويمكن الرجوع إلى نص هذه الوثيقة فى "صبح الأعشى" للقلقشندى. ولتشجيع التجارة الداخلية، ألغى قلاوون زكاة فرعية تسمى زكاة الدولية كانت تحصل من أصحاب الحوانيت المسلمين على تجارتهم.
خلف قلاوون وراءه أهم آثار العصر المملوكى فقام بترميم قلاع حلب Aleppo وبعلبك ودمشق وفى القاهرة أقام البيرمارستان المنصورى ربما يعد هذا أكثر مبانى العصر المملوكى روعة وهو يتكون من عدة أجنحة لأمراض متنوعة وغرفة للدرس ومعامل ومستوصف وحمامات ومطابخ وغرف تخزين. وقد فتحت هذه المستشفى للرجال والنساء والأغنياء والفقراء والنزلاء والزوار من جميع البلدان والأقاليم دون تمييز فى الحسب أو المنصب. وكان يمنح للمريض مال وملبس عند مغادرته المستشفى. وكانت المستشفى متصلة بمسجد مدرسىّ وضريح مزين بزخارف مشجرة من الأرابيسك غاية فى الروعة، ورخام موزايك صاف.
أما المسجد المدرسى فقد صمم لتعليم ستينا من اليتامى، وكان مزودًا بمكتبة تحتوى على مجموعة ممتازة من الكتب الطبية وكتب التوحيد والشريعة. ويقدم "النويرى" الذى كان ناظر لمستشفى قلاوون وأوقافها فى كتابه "نهاية الأرب" معلومات قيمة حول الممتلكات والحوانيت والحمامات العامة والحقول التى شكلت الوقف الذى عينه قلاوون لصيانة المقبرة والمدرسة والمستشفى، ومات قلاوون يوم السبت ٧ ذو القعدة ٦٨٩ هـ/ ١١ نوفمبر ١٢٩٠ م. وقد أثبت طوال حياته أنه كان شجاعًا مقدامًا وصبورًا وكريمًا وعادلًا ومعتدلًا. وقيل إنه لم يكن يجيد العربية وكان يتكلمها بصعوبة. وكان قلاوون هو السلطان المملوكى الوحيد الذى نجح فى تأسيس أسرة استطاعت أن تبقى
стр. 8250
فى الحكم لعدة أجيال من (٦٨٩ هـ/ ١٢٩٠ م إلى ٧٨٤ هـ/ ١٣٨٢ م) باستثناء الذين كانوا من مماليكه مثل: كتبغا ولاجين وبيبرس الجاشنكير الثانى، كما وضع قلاوون أساس المماليك البرجية وكان أغلبهم من المماليك الشركس الذين اشتراهم قلاوون وأنزلهم بأبراج القلعة بالقاهرة، وقد حكم المماليك البرجية أو الجركسى - السلسلة الثانية من سلاطين المماليك - مصر وسوريا من عام ٧٨٤ هـ/ ١٣٨٢ م وحتى نهاية عهد السلاطين المماليك ٩٢٢ هـ/ ١٥١٧ م
المصادر:
(١) المصدر الأساسى لحياة قلاوون هى السيرة التى وضعها "محيى الدين ابن عبد الظاهر" (توفى ٦٩٢ هـ/ ١٢٩٢ م) بعنوان "تشريف الأيام والعصور فى سيرة الملك المنصور" تحقيق مراد كامل، القاهرة، ١٩٦١ م.
(٢) انظر أيضًا سيرته فى "الكتبى" فى "فوات الوفيات" القاهرة ١٩٥١ م الجزء الثانى ص ٢٦٩ - ٢٧٠.
(٣) ابن تغرى بردى (أبو الحماس) "المنهل الصافى" دار الكتب القاهرة، رقم ١٢٠٩ تاريخ تيمور الجزء الرابع ٤٣٥ - ٤٤٣.
وائل البشير [حسنين ربيع Hassanien Rabie]
القلزم
هى مدينة وميناء قديم على البحر الأحمر (بحر القلزم أو بحر الهند أو بحر الحبشة) وتتبع الآن محافظة السويس من الناحية الإدارية. ويبدو أنها كانت ميناء إلى جانب أنها مدينة، وكانت المحطة مدخل القناة. وأطلق عليها هيروكليس Epiphanius Hierocles وإيبغانيوس رسم "كاستروم". وأول من ذكر اسم Clysma " كليسما" هو "لوسيان" Lucian.
وقلزم هى تحريف للاسم الإغريقى "كلوسما". (وترد الإشارة إليها فى المراجع العربية والإغريقية باعتبارها "بوابة" واقعة عند مدخل القناة، التى تصل من النيل إلى البحر الأحمر).
стр. 8251
وهذه القناة بدأها الفرعون "فكو" وأنهاها نكاو (٦١٠ - ٥٩٥ ق. م) "داريوس" الفارسى. وجددها فيما بعد بطلميوس الثانى و"تراجان". وجرى العمل فيها على فترات متعاقبة فى العصر الإسلامى، حيث نسبوا إنشائها بالخطأ إلى "هدريان".
أصلحها عمر بن الخطاب فى سنة (٢٣ م/ ٦٤٣ م) لتيسير نقل الحبوب من الفسطاط عن طريق البحر الأحمر، وسميت من بعده "خليج أمير المؤمنين" ووفقا لما ذكره "أبو صالح"، يقع فمها عند القلزم، ووفقا لما أورده "المسعودى" وآخرون (وهو الأكثر دقة)، فإن فم القناة يقع عند "ذنب التمساح" على بعد ميل واحد من المدينة، حيث كان حجاج مكة من مصر يعبرون القناة على كوبرى ضخم. وردم الخليفة المنصور جزءا منها فى سنة (١٥٨ هـ/ ٧٧٥ م) تجنبا لمهاجمة عمه محمد بن عبد اللَّه، الذى تمرد ضده فى المدينة، ولذلك فإنها كانت تنتهى فى زمن أبى صالح عند "السدر" على مدخل وادى طميلات.
وقام الخليفة هارون الرشيد بمحاولات لم يكتب لها النجاح لإعادة فتحها للملاحة، وقيل أنه تخلى عن محاولته تلك خوفا من الإغريق. ومن وقتها ظلت معظم مياهها تصب فى "بركة الجُب" حتى ردمت بالكامل فى سنة ١٨٩٩ م لأسباب صحية.
واكتسبت مدينة القلزم أهميتها مباشرة من هذه القناة، لأنه طبقا لوصف الجغرافيين العرب، فإن موقع المدينة كان مهجورا ومقفرا، افتقر إلى الماء والزرع، ولم يكن يصلح لزراعة الأشجار ولا الثمار. بيد أن نفعه جاء من كونه مصدرا للملح الذى كان ينقل إلى مختلف أرجاء مصر وسوريا بغرض البيع. ويذكر البغدادى فى تقديره أن محاجر الصوان الأحمر، كانت تدار على مقربة منها. وتركزت أهميتها الأساسية فى العصور القديمة وفى المرحلة الإسلامية المبكرة، فى كونها نقطة مغادرة للسفن فى البحر الأحمر، والذى اشتهر بالتالى بين العرب بأنه بحر القلزم. وكانت السفن
стр. 8252
المحملة بالحبوب من الفسطاط تبحر منها بعد أن تعبر القناة إلى "الجار" و"جدة".
ويذكر ابن خرداذَبَة -عن التجار اليهود من الذين يطلق عليهم "الراذانيّة" أنهم قدموا من أراضى الفرنجة إلى "الفرماء"، ومنها حملوا بضائعهم على الجمال لمسافة ٣٥ فرسخا إلى القلزم، حيث وضعوها على السفن التى أبحرت إلى الهند والصين. وشكلت "القلزم" مع "الطور" و"إيلا" منطقة واحدة من مصر.
وأقام العرب بالضواحى المحيطة بالقلزم منذ تاريخ مبكر. ويرد ذكرهم بالفعل فى كتابات الناسك "سيسوس" Sisoes، وهو أحد الشهداء الأقباط الثلاثة (الآخران هما عطاناس وبيجمى) وتوجد مقابرهم فى القلزم. وعاش الناسك يوحنا القصير لمدة سبعين عاما فى كهف حفره بنفسه بالقرب من جبل أنطوان، ودفن بجوار مقابر الشهداء الثلاثة.
وسمى "جبل أنطوان" بهذا الاسم، نسبة إلى القديس "أنتونى" الذى اعتزل الحياة هناك بعيدا عن صخب العالم الدنيوى. وظهرت "قلزم" لأول مرة تحت اسم "كليسما" القديمة.
وفى أواخر حكم العباسيين لمصر، تمرد "البجاه" فى النوبة، وقاموا بغزو صعيد مصر، ونشروا الدمار فى العديد من المدن. وأرسل إليهم المتوكل جيشا تحت قيادة محمد بن عبد اللَّه القمى، والذى شق طريقه من "قوص" مباشرة عبر الصحراء إلى مناجم الزمرد، بينما أبحرت سبع سفن بالعتاد من "القلزم" إلى "صنجا" بالقرب من "عيذاب"، حيث زودت الجيش الظافر من هناك بما يلزم من ذخيرة ومؤن.
وفى خريف سنة ٣٦١ هـ/ ٩٧١ م استولى القائد القرمُطى حسن بن أحمد فى حملته ضد جوهر الفاطمى، على مدن القلزم والفرما وتنيس. وعقب هزيمته على مشارف القاهرة، تقهقر تحت جنح الظلام، مارا بالقلزم إلى شبه الجزيرة العربية.
стр. 8253
وفى شتاء سنة (٥٧٨ هـ/ ١١٨٣ م)، أرسل "رينال القطلونى" فى بداية حملته البحرية ضد المدن المقدسة، سفينتين من عدن لمراقبة قلعة القلزم ليحول دون وصول المياه إلى الموقع, ولكن سرعان ما شيد "الحاجب حسام الدين لؤلؤ" أسطولا بأمر من صلاح الدين شقيق "الملك العادل" فى القلزم، والذى أبحر إلى "عيذاب" ووضع حدا سريعا لهذه المغامرة الفاشلة وحينما ضم "الدمشقى" القلزم ضمن أراضى الكرك، لم تكن سوى مجرد ذكرى لأحداث قرن مضى.
فقد كانت القلزم فى زمن الإدريسى وياقوت والدمشقى مدينة مهجورة بالفعل. وعثر المقريزى ضمن الوثائق القديمة فى قصر القاهرة على حسابات تخص النفقات المنصرفة على الإدارة المدنية والعسكرية للمدينة والمنطقة، وخلص منها إلى أنها لابد وأنها كانت فى قمة الإزدهار فى وقت من الأوقات. واستشهد بقول "القضاعى" بأن المدينة كانت بالفعل خربة على أيامه، ويفترض أن قوله هذا ينصب على القلعة أيضًا (قلعة القلزم) التى ورد ذكرها فى العديد من الروايات. وطبقا لرواية الإدريسى، فإن البربر, قد احتلوها ونهبوا ما فيها. وكان مصدر المياه الوحيد المعروف فى المنطقة المحيطة، هو بئر السويس، والذى كان إنتاجه ضئيلا من المياه التى تشوبها الملوحة. وبالفعل يذكر"المقدسى" فى (القرن الهجرى الرابع/ العاشر الميلادى) "السويس" والتى حلت بالتدريج مكان القلزم على بعد ميل واحد منها.
وما زال اسم "القلزم" يطلق على بعض المرتفعات فى شمال السويس، مثل "كوم القلزم".
المصادر:
(١) H. Maspero and G. Wiet: Materiaux pour servir a la Reographie de I'Egypte, in MIF AO, xxxvi, Cairo ١٩١٩, ١٠٧ - ٨
стр. 8254
(٢) G. Wiet: Les inscriptions arabed de la Qalcah Guindi, in Syria, iii (١٩٢٢), I ٤٩ - ٥١
(٣) De Lacy O'Leary: The saints of Egypt, London ١٩٣٧, ١٧١
مصطفى محمود محمد [ا. هونجمان E. Honigmaun]
قلعة أيوب
تعرف الآن باسم Celatayub وهى مدينة حديثة من مدن الثغر الأعلى جنوب غربى سر قوسة وقد عرفت فى القديم باسم "بلبيليس" ولكنها تعرف عند ياقوت باسم "لبلة". وقد سميت هذه القلعة باسم الوالى أيوب بن حبيب اللخمى الذى خلف عبد العزيز بن موسى بن نصير وتقع على بعد خمسة وعشرين ميلا من طليطلة وخمسين ميلا من مدينة سالم. وأرضها خصبة سهلة الرى حافلة بمزارع التين وأشجار الفاكهة التى تباع بأثمان رخيصة لوفرتها، ويقول البكرى إن جبالها تنتج أحسن أنواع اللبان المر، وكان يصنع بها أنواع جيدة من السيراميك ذى البريق الذهبى وتصدره.
ويعتبر الإدريسى بلدة قلعة أيوب من أقاليم "أرنيط". وقد تأثرت الناحية بأحداث نجمت عن سلوك أسرتين كبيرتين لم تكونا خاضعتين على الدوام لقرطبة وهما أسرة بنى قسى المولدين وبنى المهاجر أو التجيبيين (العرب). ويذكر ابن عذارى أن الأمير محمدا جدد قلعة أيوب سنة ٢٤٨ هـ (= ٨٦٢ م) واضطرت للخضوع مرات عديدة لقرطبة فى عصر الخلافة وذلك بتأثير التجيبيين، وكانت القلعة فى القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) تحت حكم سليمان بن هود الذى عهد بها حين وفاته إلى ولده محمد الذى سرعان ما سلمها إلى أخيه أحمد صاحب سرقسطة. والأرجح أن قلعة أيوب كانت تحت سيطرة المرابطين على الأقل من عام ٥٠٣ هـ (١١٠٩ م) حتى ٢٥ ربيع الأول ٥١٤ هـ (= ٢٤ يونيو ١١٢٠ م) حين استولى عليها الفونسو الأول ملك أرغونة، وقد ظل المسلمون الذين استمروا بها بعد حركة الاسترداد يعيشون جنبا إلى جنب مع سكانها من المسيحيين واليهود ولابد أن عددهم كان كبيرا جدا، كما أن وادى
стр. 8255
جالون الذى تقع به قلعة أيوب كان واحدا من أقاليم أرغونة التى يكثر بها المسلمون الأسبان.
المصادر:
(١) وصف الأندلس فى مجلة الأندلس ١٨/ ٧٧, ٧٨ (١٩٥٣ م).
(٢) العذرى: المسالك إلى جامع الممالك (تحقيق عبد العزيز الأهوانى).
(٣) البكرى: المسالك والممالك (تحقيق عبد الرحمن الحجى).
(٤) الحميرى: الروض المعطار تحقيق ليفى بروفنسال.
د. حسن حبشى [بوش. فيلا J. Bosch-Vila]
قلعة رباح
تعرف فى الأسبانية باسم Calatraua وهى مدينة بالأندلس لا تزال أطلالها تشاهد حتى اليوم فى "كلا ترافا لافيجا" Calatraua laviega على الشاطئ الأيسر لنهر الوادى اليانع، والوارد فى الروض المعطار أنها شيدت زمن الأمويين وأنزلوا فيها أهالى "أريط" المندثرة. أما رباح المنسوبة إليه القلعة فليس من أحد يعرف شيئا عنه، والرأى السائد هو أن المكان إنما سمى باسم تابع عَلَى أو عُلَىّ (بضم العين وفتح اللام) أى بصيغة التصغير باسم على ابن رباح وهو رأى زائف. وكانت قلعة رباح عاصمة لإقليم فسيح منقسم إلى أجزاء. والجزء كلمة يقصد بها فى التعبير الأندلسى -كما يقول ياقوت ما يوازى الأقليم، فهناك أجزاء بكر وأجزاء لخم وجذام، أما الناحية الواقعة إلى الشمال الشرقى من قلعة رباح فمعروفة تمام المعرفة عند مؤلفى المسالك بأنها الموضع الذى يسير فيه القسم الأعلى من الوادى اليانع تحت الأرض ثم يعود للظهور مرة أخرى ويتكرر ذلك عدة مرات قبل أن يبلغ النهر أخيرا قلعة رباح، ويقول الدمشقى إنه يوجد هنا ما يعرف برَهْج الغار (بالغين المعجمة).
ولقد أدى وقوع قلعة رباح فى إقليم طليطلة وفى الطريق الرئيسى بينها وبين قرطبة وعلى مسافة قليلة من
стр. 8256
الأراضى النصرانية إلى أن يكون لها تاريخ حافل بالأحداث، وكثيرا ما ترد الإشارة إليها فى الأدب ولكنها إشارات مجملة. ولقد سقطت قلعة رباح فى أيدى النصارى لأول مرة سنة ٤٧٨ هـ (= ١٠٨٥ م) حينما ضم الفونسو السادس إليه طليطلة ولكن انتهى هذا الاحتلال بدخول المرابطين ووقعة زلاقة سنة ٤٧٩ هـ (= ١٠٨٦ م) وإن لم يمكن استرداد طليطلة مرة ثانية فلم يتأت لها قط أن تدخل تحت الحكم الإسلامى، غير أن اندحار قوة المرابطين أدى إلى عودة قلعة رباح مرة ثانية للوقوع تحت الحكم المسيحى وذلك سنة ٥٤١ هـ (= يناير ١١٤٧ م) وبقيت على هذا الوضع حتى استردها المسلمون أيام المرابطين لأعوام قلائل وذلك سنة ٥٩٢ هـ (١١٩٦ م) حيث خضعت فى النهاية لألفونسو الثامن سنة ٦٠٩ هـ (= ١٢١٢ م) قبل وقعة العقاب مباشرة ثم لم تقم لها بعد ذلك قائمة، بل أصبحت "فيلا ريال" Villa Real فى سنة ١٢٥٢ م هى عاصمة الإقليم وهى التى أسسها حديثًا الفونسو الحكيم، ثم سميت من جديد فى سنة ١٤٢٠ م باسم Ciudad Real. ولما كانت سنة ١١٥٨ م تأسس ما يعرف بنظام فرسان قلعة رباح فى ظل الاحتلال المسيحى الثانى، وكان الهدف من هذا النظام محاربة المسلمين. ولا يزال الاسم Calatrava يطلق حتى اليوم على نواحى كثيرة من نواحى الإقليم وفى هذا الصدد انظر عبد المؤمن الحميرى: الروض المعطار. ومادة رباح فى ياقوت ونحبة الدهر للدمشقى، ص ٢٤٢.
د. حسن حبشى [ج. ف. هوبكنز J. F. Hopkins]
قلعة الشقيف
تعنى قلعة الصخرة، وتعرف عند الصليبيين بقلعة "بيفورت Beaufort" وتعرف أيضًا باسم شقيف عرنون. ويجمع المؤرخون العرب ومنهم ياقوت الحموى على أن الاعتقاد السائد هو أن "عرنون" هو التصحيف العربى لكلمة "أرنولد" وهو اسم أحد الصليبيين الفرنجة الذى يقال إنه كان سيد هذه
стр. 8257
الناحية، ولكن الواقع هو أن هذا الاسم يرجع إلى مكان مذكور فى التوراة (يوشع ١٢/ ١) وهو واقع غربى الأردن وهو مطابق لقرية عرنون الحالية التى كانت فى الأزمنة السابقة تحدد أرض مؤاب ولكن يستدل من الأطلال الموغلة فى القدم أنه ربما كان معسكر حربى فى هذه البقعة خلال العصر الرومانى. وتقع هذه القلعة التى كانت تعتبر حصنًا لا يمكن اقتحامه على قمة صخرية عند أقصى الجنوب من سلسلة جبال لبنان ترتفع عن سطح البحر ستمائة وسبعين مترًا وهى تشرف من الشرق على واد عميق ضيق هو سهل نهر الليطانى. وأما من الناحية الغربية فيطل الجبل على سهول فسيحة تؤدى إلى السهل الذى توجد به قرية عرنون، وينحرف نهر الليطانى انحرافًا شديدًا تحت القلعة ويتجه إلى الغرب ويسمى هنا بنهر القاسمية ويكون الخط الفاصل بين جبل لبنان وهضبة الجليلى.
وقلعة الشقيف ذات موقع استراتيجى مهم لأنها تشرف على الجسر الذى يجرى تحته الليطانى وجسر الخردلى وكذلك عدة طرق تلتقى عند سفح الوادى بما فيها الطرق الممتدة من بانياس إلى صيدا عبر النبطية والطرق الموصلة من بانياس وبيروت عبر "جزين" ودير القمر وكذلك الطريق من "صور" إلى دمشق. وتتحكم القلعة فى مدخل فلسطين وتحرس الممر الجنوبى من البقاع الواصل إلى سورية من الجنوب والإقليم الساحلى لصور وصيدا. كما أنها تتصل بعدة قلاع أخرى منها قلعة الصبيبة وتبنين وقلعة مارون وصيدا.
ولما جاء الصليبيون كانت القلعة تعتبر جزءًا من ولاية دمشق، فلما كانت سنة ٥٣٣ هـ (١١٣٩ م) سلم الأتابك شهاب الدين القلعة لفولك ملك بيت المقدس الذى عهد بها إلى "رينالد صاحب صيدا" نظرًا لأنها تشرف على الطريق المؤدى إلى أرضه، وعلى ذلك فإن أقدم الأبنية الصليبية ترجع إلى ذلك الوقت وتمتاز بما تمتاز به أماكن الدفاع الصليبى فى ذلك الوقت، وكانت
стр. 8258
القلاع الصليبية بعد وقعة حطين لا تزال مزودة بالحاميات لكن ما لبث أن قلت إمداداتها من الرجال أو القوات المساعدة ومن ثم أخذت تسقط فى أيدى المسلمين واحدة بعد الأخرى، فحاصرها صلاح الدين يوم ١٧ ربيع الأول ٥٨٥ هـ (مايو ١١٨٩ م) واستغل رينولد دى ساجيت فرصة الثلاثة الأشهر الهدنة وشرع فى تقوية وسائل الدفاع عن القلعة وبنى مساكن للإقامة بها، ثم حدث بعد ذلك فى رجب من السنة ذاتها أن تجدد الحصار مما أفضى إلى حدوث مجاعة أفضت إلى استسلام القلعة يوم ١٥ ربيع الأول ٥٨٦ هـ (١٢ أبريل ١١٩٠ م) وبدأ الاسترداد الإسلامى لها الذى دام نصف قرن من الزمان من ٥٨٦ - ٦٣٧ هـ = ١١٩٠ - ١٢٤٠ م، انصرف خلالها الملك العادل الأيوبى إلى تشييد المبانى والأسوار المؤدية إلى متاريس اهقلعة، فلما كان الصراع فى سنة ٦٣٧ هـ (١٢٤٠ م) بين الصالح إسماعيل صاحب دمشق وابن أخيه الملك الصالح أيوب سلطان مصر عرض الأول على الفرنجة وفرسان المعبد التنازل لهم عن منطقة صيدا وقلعة الشقيف وطبرية وصفد ليكسبهم إلى جانبه فى صراعه مع ابن أخيه السلطان الصالح أيوب فعصت عليه حامية قلعة الشقيف مما حمله على محاصرتها ليسلمها إلى "بليان" بن رينولد الذى عاجله الموت فتملكها بعده جوليان وظلت بيده حتى سنة ١٢٦٠ م إلا أنه اضطر لتسليمها إلى فرسان المعبد كما انضم إلى صفوفهم لكثرة ما عليه من الديون وعجزه عن حمايتها أمام تهديدات بيبرس، فعمل فرسان المعبد على تحصينها إلا أنه قدر لها أن تسقط بعد ثمانى سنوات فقط، ففى ١٩ رجب سنة ٦٦٦ هـ (٤ أبريل ١٢٦٨ م) ظهر بيبرس أمامها ورماها بالمنجنيق وحاصرها عشرة أيام فاستسلمت له حاميتها، فأرسل السلطان منَّ بها من النساء والأطفال إلى صور وأسر جميع حاميتها وكانوا أربعمائة وثمانين رجلًا واثنين وعشرين فارسًا، وولى عليها الأمير صارم الدين قيماز الكافورى وعهد بها إلى الأمير سيف الدين بلبان الزينى الذى أعاد ترميمها ووضع عليها رنك (الجمع: رنوك) السلطان بيبرس.
стр. 8259
وبقيت القلعة طوال العهد المملوكى إحدى الأقاليم الاثنى عشر التى تتألف منها نيابة صفد.
وفى مطلع القرن الحادى عشر الهجرى (١٠٢٢ هـ = ١٦١٣ م) ثار الأمير فخر الدين المعنى ضد العثمانيين وطرد الحامية العثمانية من القلعة وحاول تقوية دفاعاتها لصد الغارات التى أرسلها ضدها الحافظ أحمد باشا من دمشق، وكانت القلعة مزودة بكل ما يحتاجه المدافعون عنها من مأكل ومشرب إلى جانب ثلاثة مدافع بينما لم يكن لدى المهاجم سوى مدفع واحد انفجر عند الطلقة الثانية وما كان انهيار البرج الخارجى إلا بسبب انفجار مستودع بارود بها، فانسحبت قوات دمشق بعد حصار دام أربعة وثمانين يومًا وعهد الأمير فخر الدين بها إلى حسين الطويل وزوده بطعام يكفى ثلاثة أشهر إلا أن الجند العثمانى غدروا بالأمير فخر الدين وانضموا إلى الحرافيش فجاءت الجند من دمشق وخربوا قلعة بانياس والشقيف فى أربعين يوما.
وقد صارت الشقيف فى مطلع القرن الثامن عشر أحد مراكز ثلاثة فى جبل عامل الذى كان سكانه من شيعة اليمن من قبيلة بنى صعب ثم اندمجت القلعة فى ختام هذا القرن فى بلاد الدروز وأصبحت تحت حكم "باشا" صيدا. أما فى مطلع القرن العشرين فقد أصبحت الشقيف جزءا من ولاية صيدا الواقعة على تخوم صور ومرج عيون ثم صارت فى سنة ١٩٧٠ م قضاء من أقضية النبطية. (انظر المعجم لياقوت)، لى سترانج: فلسطين، ورحلة فولنى.
د. حسن حبشى [ف. اليسييف N. Elisseeff]
قلعة نجم
قلعة واقعة شمالى الشام على الجانب الأيمن للفرات، وكانت فى العصر الوسيط تسيطر على الطريق الواصل من حلب إلى حران فى أرض الجزيرة العليا عبر مَنْبِج (بفتح الميم وكسر الباء) وهى تقوم فى ناحية يكون من اليسير نسبيًا عندها عبور الفرات نظرًا لوجود جزيرتين صغيرتين كان من السهل ربطهما بعضهما ببعض
стр. 8260
بجسر من القوارب. ونستدل من أقدم المصادر العربية أن الموضع كان يسمى بجسر منيح، وأن الجسر القائم على الفرات كان موجودًا فى القديم، إذ أمر الخليفة عثمان بن عفان ببنائه فبُنى كما أمر، وقَلّ أن نجد إشارة إلى كلمة "قلعة النعمان" قبل القرن السادس للهجرة (الثانى عشر الميلادى). والظاهر أنه منسوب إلى غلام "كان يدعى نجما" وأنه هو الذى يرجع اليه الفضل فى إعادة بناء القلعة سنة ثلاثمائة هجرية (= ٩١٢ م) ومن ثم نلاحظ خطأ فى بعض الخرائط، بل وحتى فى بعض النصوص حين تورد الاسم فتقول "قلعة النجم".
ولقد لعب جسر قلعة نجم دورًا بارزًا فى السنوات الأولى من تاريخ الإسلام إذ تم فتح هذه الناحية سنة ١٨ هجرية (= ٦٣٩ م). كما وردت إشارة إلى الجسر فى أخبار الصراع بين على ومعاوية، كذلك استطاعت الجيوش الأموية استعماله فى فتحها لأرض الجزيرة، ثم صارت قلعة نجم جزءًا من أملاك الحمدانيين فالمرداسيين فالنميريين قبل أن تؤول إلى يد (عماد الدين) زنكى ثم ولده نور الدين محمود ثم أضحت فى أيدى الأمويين. وقد أعاد نور الدين ترميم القلعة وجهزها بحامية قوية فلما رآها ابن جبير بعد ذلك بعشرين عامًا سماها بالقلعة "الجديدة".
ولما جاء هولاكو سنة ثمان وخمسين وستمائة من الهجرة (= ١٢٦٠ م) بذل جهده الحربى للاستيلاء على هذه القلعة التى تسيطر على الطرق المؤدية إلى الفرات ثم وفد فى هذه السنة بارهبريوس (ابن العبرى) أسقف حلب على الفاتح المغولى يسأله الرحمة بالنصارى فحبسوه فى قلعة نجم.
إن قلعة نجم التى وصفها كثير من رحالة القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين تقف على نتوء صخرى يرتفع قرابة خمسين مترا وهى تتألف من طابقين، على أن أجزاء معينة منها قد هدمت حين استولى عليها العثمانيون سنة ١٨٢٠ م، وقت أن لجأ إليها أحد الثوار العرب معتصمًا بها من العثمانيين فهاجموها فى تلك السنة واستولوا عليها. وتوجد لدينا ثلاثة
стр. 8261
نقوش تشمل الأعمال التى تمت بها بناءً على أوامر الملك الأيوبى الظاهر بن صلاح الدين فيما بين عامى (٦٠٥ - ٦١٢ هـ/ ١٢٠٨ - ١٢١٥ م). أما عن المدينة الصغيرة التى يقول الجغرافيون العرب إنها تقع على طول شاطئ النهر وعند سفح القلعة فلم يبق أى أثر يمكن أن نستدل به عليها، كما اندثر الجسر القديم أيضًا.
المصادر:
(١) البلاذرى: فتوح البلدان: ص ١٥٠.
(٢) ابن حوقل، صورة الأرض تحقيق De Goeje، ليدن ١٨٦٦ م, ١٩٣٨, ١٩٣٩ م. ص ١٢٠, ١٢٥, ١٣٨, ١٥٤.
(٣) المسعودى: ومروج الذهب باريس ١٨٦١ - ١٨٧٧ م, جـ ١ ص ٢١٥.
(٤) ياقوت: معجم البلدان تحقيق F.Wustenfeld ٤٧٨, ٣/ ٤٦٠.
(٥) أبى الفداء: تقويم البلدان، ص ٢٣٣.
(٦) القزوينى: عجائب المخلوقات ٢, ١٦١٠ م.
(٧) ابن الشحنة: الدر المنتخب، ص ٢٣٠.
(٨) ابن العبرى: تاريخ مختصر الدول، ص ٢٩٣.
د. حسن حبشى [دى. سورديل De Sourdel]
قنسرين
قِنِّسْرين: بلدة قديمة وناحية عسكرية فى سوريا، وللاسم أصل آرامى، ويكتب قنسرين فى النصوص السريانية، ويتألف من قنا بمعنى "العش أو الوكر" ونسرين بمعنى "النسور". ويشير إليها التلمود البابلى باسم كنِّيشرايا، ويذكرها المؤرخون الأوربيون فى العصور الوسطى باسم كانيسترين، ويجب التمييز بين قنسرين البلدة وقنسرين الجند:
١ - البلدة: لا تعدو قنسرين حاليا عن أن تكون قرية صغيرة تحف بها الأطلال وهى على مسافة رحلة يوم واحد جنوب حلب، وعلى الضفة اليمنى لنهر القويق الذى يتدفق إلى المَتْخ المنخفض السبخى القريب. وقد أدرجها الجغرافيون العرب ضمن الإقليم الرابع. وقال ياقوت إن البلدة عمرت بالسكان عندما لجأ إليها العماليق (*) الذين قدموا
стр. 8262
من الجنوب. وإنها كانت ذات يوم مزدهرة وحصينة، ولكنها فى زمانه (بدءا من القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى) لم تعد أكثر من قرية، وأرجع ياقوت بقاءها إلى موقعها فى قلب الناحية حيث يلتقى عدد من الطرق الرئيسية. وكانت قنسرين فى القرن الرابع الميلادى مركزا تجاريا وسوقا تجارية مزدهرة.
ولوقوعها عند مفترق طرق رئيسية ووجود خان عامر بها احتلت البلدة موقعا هاما فى النظام الدفاعى للجبهة السورية من أنطاكية إلى الفرات ومن الحمد إلى تدمر، وكان لها دور استراتيجى على قدر من الأهمية فى عهد الامبراطورية البيزنطية وقد تعرضت فى نهاية القرن السادس وبداية السابع الميلاديين لهجوم الفرس.
بعد انتصار العرب المسلمين فى موقعة اليرموك توجهوا لفتح شمالى سوريا. وفى قنسرين أبدت الحامية المؤلفة من الحرس المحليين بعض المقاومة لقوات أبى عبيدة الجراح. ولكن شعبان سنة ١٧ هـ/ أغسطس - سبتمبر ٦٣٨ م. وفى عهد يزيد بن معاوية أزيلت تحصينات البلدة. ولكن الأمويين استفادوا من خبرة البيزنطيين فأقاموا بدورهم قيادة عسكرية فى قنسرين التى سرعان ما أصبحت عاصمة للمنطقة الزراعية الغنية التى تحيط بها.
وحتى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) لم يشهد تاريخ البلدة حادثا ذا أهمية.
فى عام ٣٣١ هـ/ ٩٤٣ م كانت قنسرين من أكثر مواضع الإقليم تحصينا، وفى الربيع بعد سنتين هزمت قوات الاخشيد حاكم مصر الأمير سيف الدولة الحمدانى هناك وفى النصف الثانى من القرن الـ ٤ هـ/ الـ ١٠ م أصبحت قنسرين محلا للنزاع بين البيزنطيين والحمدانيين، ولدى تقدم البيزنطيين نحوها فى ٣٥١ هـ/ ٩٦٣ م فر سكان المدينة منها فى ذعر. وبعد عهد الحمدانيين أخذت قنسرين فى الانهيار بينما بدأ نجم حلب فى
стр. 8263
الصعود. وفى ٣٥٥ هـ/ ٩٦٦ م عندما أخذ نقفور فوكاس يتقدم فى اتجاه حلب تراجع سيف الدولة إلى قنسرين، ولكنه عجز عن الدفاع عنها فأخلاها، وجاء البيزنطيون فحرقوا مساجدها, واستقر جزء من سكانها فى شرقى الفرات ولجأ الباقون إلى حلب. وبعد قليل عاد الناس إلى سكنى المدينة ولكنها ما لبثت أن أحرقت فى ٣٨٩/ ٩٩٨ م ثم أعيد بناؤها ثانية. وفى ٤٢٢ هـ/ ١٠٣٠ م نهبها البيزنطيون مرة أخرى. وأعيد بناؤها على يد سليمان بن قُطُلْمشُ ولكن عدوه تاج الدولة تُتُش أخا السلطان قلِك شاه دمرها وأصبحت البلدة خالية من السكان من الناحية الفعلية. وقد مر ناصرى خسرو بها فى رجب ٤٣٨ هـ/ يناير ١٠٤٧ م فلم يجد إلا قرية بائسة.
اقتصر دور قنسرين فى عصر الحروب الصليبية على الناحية الاستراتيجية، وفى المحرم ٥١٣ هـ/ أبريل - مايو ١١١٩ م أقام فيها إيلغارى دون أن يحتل حلب وجعل منها مخزنا للعتاد العسكرى ومرتكزا لشن الغارات على حارم والروج وجبل سماق.
وبعد ذلك بسنوات ضم طغتكين حاكم دمشق قواته إلى قوات اقْسُنْقُر وهاجما حلب. وجعل سَوار أمير حلب الذى عينه زنكى من قنسرين قاعدة لعملياته. وفى ٥٢٩ هـ/ ١١٣٤ - ١١٣٥ م حاصرها "بونس" أمير طرابلس، ولكن زنكى الذى وصل على عجل من حمص فك الحصار. ووصف الرحالة ابن جبير (نهاية القرن السادس الهجرى/ الثانى عشر الميلادى) البلدة بأنها كانت أطلالا هجرها أهلوها.
لم تعد قنسرين منذ عهد الايوبيين تذكر كبلد، ولكن خانها كان يشار إليه باعتباره محطا تتوقف عنده القوافل القادمة من حلب متجهة إلى الجنوب والتى تجتاز مفترق الأثارب متجهة إلى الغرب. وظل الزوار يتوافدون على تل النبى عيسى ﵇ فى البلدة فى طريقهم إلى مقام النبى صالح ﵇ الذى هو فى الحقيقة مدفن الأمير
стр. 8264
صالح بن عبد اللَّه بن العباس. وفى عهد العثمانيين لم تعد قنسرين سوى قرية فقيرة تحمل اسم اسكى حلب، ولكنها اليوم عادت إلى اسمها القديم.
٢ - قنسرين الجند: يمتد حول قنسرين سهل متموج شاسع (كورة) هو من أخصب بقاع شمالى سوريا حيث تزرع بنظام الرى الحبوب وأشجار الفاكهة والكروم. وقد زار القديس جيروم فى سنة ٣٧٥ هـ هذه المقاطعة حين كان يقوم بحركته الاصلاحية لتطوير الرهبنة والنسك وشهد بازدهار الناحية.
فى أفق هذا السهل يبدو إلى الجنوب جبل زاوية وإلى الغرب جبل بَرِيشة وإلى الشمال جبل سمعان وسهل مرج دابق الذى تتناثر فيه الأرض المزروعة، أما إلى جهة الشرق فتبدو مستنقعات جَبُّول الملحية التى تلمع تحت ضوء الشمس. وقد وصل العرب منذ وقت مبكر إلى أراضى قنسرين التى تتطابق وأحد الأقسام الادارية البيزنطية "المعروفة باسم شمال الشام" وكانت عاصمته أنطاكيه. وفى القرن السادس الهجرى ضربت القبائل العربية خيامها فى الجزء الشرقى من المنطقة الممتدة ما بين الفرات وقنسرين. ومن بين المعارك التى دارت فى هذه الأرض يمكن الإشارة إلى تلك المعركة التى انتصر فيها الحارث الغسانى على المنذر اللخمى أمير الحيرة والتى جرت فى ٥٥٤ م قرب نبع عُذَيّة.
قسم المسلمون سوريا بعد الفتح إلى أربعة أجناد: هى جند الأردن وجند الشام وجند دمشق وجند حمص. وينسب الطبرى والدمشقى إنشاء جند قنسرين إلى معاوية الذى أقر فيه اللاجئين من البصرة والكوفة، بينما يعزو البلاذرى وياقوت إنشاءه إلى يزيد بن معاوية الذى اقتطع له بعض النواحى من جند حمص.
وفى عهد العباسيين، وبعد انتصارات المنصور وخلفائه نما هذا الجند فى اتجاه الشمال ووصل إلى أقصى اتساع له فاستوعب فى الشمال قرُوص ويزين ودُلُوك وفى الشمال الغربى عينتاب على مسيرة يومين وقلعة الروم على مسيرة خمسة أيام من حلب وفى الجنوب ضم نواحى
стр. 8265
المعرتين (مَعَرّة النعمان ومعرة مصرين) وحماة وأرض سَرْمين.
وفى عهد هارون الرشيد (١٧٠ - ١٩٢ هـ/ ٧٨٦ - ٨٠٩ م) انتُزِع من جند قنسرين الأرض الممتدة من أنطاكيه إلى الساحل غربا والمنطقة ما بين حلب ومَنْبِج شرقا ونواحى الثغور الشمالية التى شكلت منطقة العواصم واقتصر "الجند" حينذاك على المنطقة جنوب حلب، وكانت تلك هى فترة نهاية الأهمية العسكرية لهذا الجند، بيد أن نشاطه الاقتصادى استمر كما يدل على ذلك زيادة أموال الضرائب والجزية المدفوعة للمأمون. وفى القرن الثالث للهجرة (= التاسع الميلادى) دفع جند قنسرين ٣٥٠.٠٠٠ دينار بينما لم يدفع جند دمشق سوى ١٢٠.٠٠٠ وفى منتصف القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى دفع الجند ٤٠٠.٠٠٠ دينار من الخراج (وهو مثل ما دفع جند دمشق) و ٣٧٠.٠٠٠ دينار من الحماية وكانت عاصمة الجند آنذاك حلب ومن مدنه الرئيسية أنطاكية وقنسرين ومنبج، وكانت حدوده من الغرب الساحل من اللاذقية إلى بياس ومن الشمال مرعش والعواصم ومن الشرق الفرات ما بين سميساط وبالس ومن الجنوب منطقة حماة وشَيْزَر وَرَفانِيّة وهى منطقة تتنازعها قنسرين وحمص.
وفى ٣٤٩ هـ/ ٩٦١ م هاجم نقفور فوكاس منطقة حلب وتفرق سكانها يطلبون الملجأ فى كل مكان. لم يمس ما قام به السلاجقة من تعمير لشمالى سوريا جند قنسرين إلا قليلا. وفى القرن الثانى عشر الميلادى وقع هذا الجند تحت ضغط الفرنجة فى أنطاكية وخاصة فى ٤٩٥ هـ/ ١١٠٢ م عندما طلب بوهيموند دفع جزية. وفى صفر ٥٢٧ هـ/ ديسمبر ١١٣٢ م هاجم فولك ملك بيت القدس وجيوش أنطاكيه أراضى قنسرين، وفرضوا على سوار ممثل أتابك زنكى فى حلب الهدنة ودفع الجزية.
وفى نهاية القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) استطاع الجند الذى احتفظ باسمه وإن ظل خاضعا لسيطرة حلب أن يسترد من الفرنجة أنطاكية وأرض سرمين.
وتحت حكم العثمانيين فى منتصف القرن الحادى عشر للهجرة (السابع