نقوش تشمل الأعمال التى تمت بها بناءً على أوامر الملك الأيوبى الظاهر بن صلاح الدين فيما بين عامى (٦٠٥ - ٦١٢ هـ/ ١٢٠٨ - ١٢١٥ م). أما عن المدينة الصغيرة التى يقول الجغرافيون العرب إنها تقع على طول شاطئ النهر وعند سفح القلعة فلم يبق أى أثر يمكن أن نستدل به عليها، كما اندثر الجسر القديم أيضًا.
المصادر:
(١) البلاذرى: فتوح البلدان: ص ١٥٠.
(٢) ابن حوقل، صورة الأرض تحقيق De Goeje، ليدن ١٨٦٦ م, ١٩٣٨, ١٩٣٩ م. ص ١٢٠, ١٢٥, ١٣٨, ١٥٤.
(٣) المسعودى: ومروج الذهب باريس ١٨٦١ - ١٨٧٧ م, جـ ١ ص ٢١٥.
(٤) ياقوت: معجم البلدان تحقيق F.Wustenfeld ٤٧٨, ٣/ ٤٦٠.
(٥) أبى الفداء: تقويم البلدان، ص ٢٣٣.
(٦) القزوينى: عجائب المخلوقات ٢, ١٦١٠ م.
(٧) ابن الشحنة: الدر المنتخب، ص ٢٣٠.
(٨) ابن العبرى: تاريخ مختصر الدول، ص ٢٩٣.
د. حسن حبشى [دى. سورديل De Sourdel]
قنسرين
قِنِّسْرين: بلدة قديمة وناحية عسكرية فى سوريا، وللاسم أصل آرامى، ويكتب قنسرين فى النصوص السريانية، ويتألف من قنا بمعنى "العش أو الوكر" ونسرين بمعنى "النسور". ويشير إليها التلمود البابلى باسم كنِّيشرايا، ويذكرها المؤرخون الأوربيون فى العصور الوسطى باسم كانيسترين، ويجب التمييز بين قنسرين البلدة وقنسرين الجند:
١ - البلدة: لا تعدو قنسرين حاليا عن أن تكون قرية صغيرة تحف بها الأطلال وهى على مسافة رحلة يوم واحد جنوب حلب، وعلى الضفة اليمنى لنهر القويق الذى يتدفق إلى المَتْخ المنخفض السبخى القريب. وقد أدرجها الجغرافيون العرب ضمن الإقليم الرابع. وقال ياقوت إن البلدة عمرت بالسكان عندما لجأ إليها العماليق (*) الذين قدموا
стр. 8262
من الجنوب. وإنها كانت ذات يوم مزدهرة وحصينة، ولكنها فى زمانه (بدءا من القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى) لم تعد أكثر من قرية، وأرجع ياقوت بقاءها إلى موقعها فى قلب الناحية حيث يلتقى عدد من الطرق الرئيسية. وكانت قنسرين فى القرن الرابع الميلادى مركزا تجاريا وسوقا تجارية مزدهرة.
ولوقوعها عند مفترق طرق رئيسية ووجود خان عامر بها احتلت البلدة موقعا هاما فى النظام الدفاعى للجبهة السورية من أنطاكية إلى الفرات ومن الحمد إلى تدمر، وكان لها دور استراتيجى على قدر من الأهمية فى عهد الامبراطورية البيزنطية وقد تعرضت فى نهاية القرن السادس وبداية السابع الميلاديين لهجوم الفرس.
بعد انتصار العرب المسلمين فى موقعة اليرموك توجهوا لفتح شمالى سوريا. وفى قنسرين أبدت الحامية المؤلفة من الحرس المحليين بعض المقاومة لقوات أبى عبيدة الجراح. ولكن شعبان سنة ١٧ هـ/ أغسطس - سبتمبر ٦٣٨ م. وفى عهد يزيد بن معاوية أزيلت تحصينات البلدة. ولكن الأمويين استفادوا من خبرة البيزنطيين فأقاموا بدورهم قيادة عسكرية فى قنسرين التى سرعان ما أصبحت عاصمة للمنطقة الزراعية الغنية التى تحيط بها.
وحتى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) لم يشهد تاريخ البلدة حادثا ذا أهمية.
فى عام ٣٣١ هـ/ ٩٤٣ م كانت قنسرين من أكثر مواضع الإقليم تحصينا، وفى الربيع بعد سنتين هزمت قوات الاخشيد حاكم مصر الأمير سيف الدولة الحمدانى هناك وفى النصف الثانى من القرن الـ ٤ هـ/ الـ ١٠ م أصبحت قنسرين محلا للنزاع بين البيزنطيين والحمدانيين، ولدى تقدم البيزنطيين نحوها فى ٣٥١ هـ/ ٩٦٣ م فر سكان المدينة منها فى ذعر. وبعد عهد الحمدانيين أخذت قنسرين فى الانهيار بينما بدأ نجم حلب فى
стр. 8263
الصعود. وفى ٣٥٥ هـ/ ٩٦٦ م عندما أخذ نقفور فوكاس يتقدم فى اتجاه حلب تراجع سيف الدولة إلى قنسرين، ولكنه عجز عن الدفاع عنها فأخلاها، وجاء البيزنطيون فحرقوا مساجدها, واستقر جزء من سكانها فى شرقى الفرات ولجأ الباقون إلى حلب. وبعد قليل عاد الناس إلى سكنى المدينة ولكنها ما لبثت أن أحرقت فى ٣٨٩/ ٩٩٨ م ثم أعيد بناؤها ثانية. وفى ٤٢٢ هـ/ ١٠٣٠ م نهبها البيزنطيون مرة أخرى. وأعيد بناؤها على يد سليمان بن قُطُلْمشُ ولكن عدوه تاج الدولة تُتُش أخا السلطان قلِك شاه دمرها وأصبحت البلدة خالية من السكان من الناحية الفعلية. وقد مر ناصرى خسرو بها فى رجب ٤٣٨ هـ/ يناير ١٠٤٧ م فلم يجد إلا قرية بائسة.
اقتصر دور قنسرين فى عصر الحروب الصليبية على الناحية الاستراتيجية، وفى المحرم ٥١٣ هـ/ أبريل - مايو ١١١٩ م أقام فيها إيلغارى دون أن يحتل حلب وجعل منها مخزنا للعتاد العسكرى ومرتكزا لشن الغارات على حارم والروج وجبل سماق.
وبعد ذلك بسنوات ضم طغتكين حاكم دمشق قواته إلى قوات اقْسُنْقُر وهاجما حلب. وجعل سَوار أمير حلب الذى عينه زنكى من قنسرين قاعدة لعملياته. وفى ٥٢٩ هـ/ ١١٣٤ - ١١٣٥ م حاصرها "بونس" أمير طرابلس، ولكن زنكى الذى وصل على عجل من حمص فك الحصار. ووصف الرحالة ابن جبير (نهاية القرن السادس الهجرى/ الثانى عشر الميلادى) البلدة بأنها كانت أطلالا هجرها أهلوها.
لم تعد قنسرين منذ عهد الايوبيين تذكر كبلد، ولكن خانها كان يشار إليه باعتباره محطا تتوقف عنده القوافل القادمة من حلب متجهة إلى الجنوب والتى تجتاز مفترق الأثارب متجهة إلى الغرب. وظل الزوار يتوافدون على تل النبى عيسى ﵇ فى البلدة فى طريقهم إلى مقام النبى صالح ﵇ الذى هو فى الحقيقة مدفن الأمير
стр. 8264
صالح بن عبد اللَّه بن العباس. وفى عهد العثمانيين لم تعد قنسرين سوى قرية فقيرة تحمل اسم اسكى حلب، ولكنها اليوم عادت إلى اسمها القديم.
٢ - قنسرين الجند: يمتد حول قنسرين سهل متموج شاسع (كورة) هو من أخصب بقاع شمالى سوريا حيث تزرع بنظام الرى الحبوب وأشجار الفاكهة والكروم. وقد زار القديس جيروم فى سنة ٣٧٥ هـ هذه المقاطعة حين كان يقوم بحركته الاصلاحية لتطوير الرهبنة والنسك وشهد بازدهار الناحية.
فى أفق هذا السهل يبدو إلى الجنوب جبل زاوية وإلى الغرب جبل بَرِيشة وإلى الشمال جبل سمعان وسهل مرج دابق الذى تتناثر فيه الأرض المزروعة، أما إلى جهة الشرق فتبدو مستنقعات جَبُّول الملحية التى تلمع تحت ضوء الشمس. وقد وصل العرب منذ وقت مبكر إلى أراضى قنسرين التى تتطابق وأحد الأقسام الادارية البيزنطية "المعروفة باسم شمال الشام" وكانت عاصمته أنطاكيه. وفى القرن السادس الهجرى ضربت القبائل العربية خيامها فى الجزء الشرقى من المنطقة الممتدة ما بين الفرات وقنسرين. ومن بين المعارك التى دارت فى هذه الأرض يمكن الإشارة إلى تلك المعركة التى انتصر فيها الحارث الغسانى على المنذر اللخمى أمير الحيرة والتى جرت فى ٥٥٤ م قرب نبع عُذَيّة.
قسم المسلمون سوريا بعد الفتح إلى أربعة أجناد: هى جند الأردن وجند الشام وجند دمشق وجند حمص. وينسب الطبرى والدمشقى إنشاء جند قنسرين إلى معاوية الذى أقر فيه اللاجئين من البصرة والكوفة، بينما يعزو البلاذرى وياقوت إنشاءه إلى يزيد بن معاوية الذى اقتطع له بعض النواحى من جند حمص.
وفى عهد العباسيين، وبعد انتصارات المنصور وخلفائه نما هذا الجند فى اتجاه الشمال ووصل إلى أقصى اتساع له فاستوعب فى الشمال قرُوص ويزين ودُلُوك وفى الشمال الغربى عينتاب على مسيرة يومين وقلعة الروم على مسيرة خمسة أيام من حلب وفى الجنوب ضم نواحى
стр. 8265
المعرتين (مَعَرّة النعمان ومعرة مصرين) وحماة وأرض سَرْمين.
وفى عهد هارون الرشيد (١٧٠ - ١٩٢ هـ/ ٧٨٦ - ٨٠٩ م) انتُزِع من جند قنسرين الأرض الممتدة من أنطاكيه إلى الساحل غربا والمنطقة ما بين حلب ومَنْبِج شرقا ونواحى الثغور الشمالية التى شكلت منطقة العواصم واقتصر "الجند" حينذاك على المنطقة جنوب حلب، وكانت تلك هى فترة نهاية الأهمية العسكرية لهذا الجند، بيد أن نشاطه الاقتصادى استمر كما يدل على ذلك زيادة أموال الضرائب والجزية المدفوعة للمأمون. وفى القرن الثالث للهجرة (= التاسع الميلادى) دفع جند قنسرين ٣٥٠.٠٠٠ دينار بينما لم يدفع جند دمشق سوى ١٢٠.٠٠٠ وفى منتصف القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى دفع الجند ٤٠٠.٠٠٠ دينار من الخراج (وهو مثل ما دفع جند دمشق) و ٣٧٠.٠٠٠ دينار من الحماية وكانت عاصمة الجند آنذاك حلب ومن مدنه الرئيسية أنطاكية وقنسرين ومنبج، وكانت حدوده من الغرب الساحل من اللاذقية إلى بياس ومن الشمال مرعش والعواصم ومن الشرق الفرات ما بين سميساط وبالس ومن الجنوب منطقة حماة وشَيْزَر وَرَفانِيّة وهى منطقة تتنازعها قنسرين وحمص.
وفى ٣٤٩ هـ/ ٩٦١ م هاجم نقفور فوكاس منطقة حلب وتفرق سكانها يطلبون الملجأ فى كل مكان. لم يمس ما قام به السلاجقة من تعمير لشمالى سوريا جند قنسرين إلا قليلا. وفى القرن الثانى عشر الميلادى وقع هذا الجند تحت ضغط الفرنجة فى أنطاكية وخاصة فى ٤٩٥ هـ/ ١١٠٢ م عندما طلب بوهيموند دفع جزية. وفى صفر ٥٢٧ هـ/ ديسمبر ١١٣٢ م هاجم فولك ملك بيت القدس وجيوش أنطاكيه أراضى قنسرين، وفرضوا على سوار ممثل أتابك زنكى فى حلب الهدنة ودفع الجزية.
وفى نهاية القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) استطاع الجند الذى احتفظ باسمه وإن ظل خاضعا لسيطرة حلب أن يسترد من الفرنجة أنطاكية وأرض سرمين.
وتحت حكم العثمانيين فى منتصف القرن الحادى عشر للهجرة (السابع
стр. 8266
عشر الميلادى) كان حاجى خليفة ما زال يتحدث عن مقاطعة قنسرين وعاصمتها حلب، ولكن جند قنسرين اختفى بعد ذلك وأصبح جزءا من لواء حلب.
المصادر:
(١) ابن حوقل: صورة الأرض، ليدن ١٩٣٨, ١٩٣٩ م.
(٢) المقدسى، أحسن التقاويم.
(٣) ناصرى، خسرو، سفر نامة.
(٤) ياقوت، معجم البلدان، تحقيق. Wustenfeld ليبزج ١٨٦٦ - ١٨٧٣ م.
محمود ماجد عمر [ن. اليسيف N. Elisseeff]
قهرمان نامه
" قهرمان - نامه" (أو داستانى قهرمان) ملحمة فارسية نثرية، تشبه داراب نامه، وقرانى حبشى، وهو شنجنامه، وفغفور نامه، وطموراث نامه إلخ. . . وهى من حيث الموضوع تنتمى إلى الملاحم النثرية التى تدور فى فلك شاهنامة الفردوسى.
وقد حظيت هذه الملحمة التى تعود بنا إلى أيام الحاكم الإيرانى القديم هوشنج والتى تصف مآثر البطل قهرمان المسمى "قاتل" ببعض الأهمية فى الأدب الشعبى للأتراك، والنسخة الفارسية ذائعة الانتشار لدى الأتراك وهى تشغل ثمانية كتب فى مجلد واحد، وليست الخلفية التاريخية لهذه الملحمة سوى صورة جلية ومؤثرة للكفاح بين الإسلام والهنادكة المجوس عُبَّاد النار، ولكن العناصر الأسطورية والخيالية تشغل مساحة كبيرة فيها. ويظهر فى أجزاء النسخة التركية التى هى مزيج من النثر والشعر، الأسلوب الفنى المفضل لقصص الفروسية الحافلة بالمغامرات الخيالية والأغنيات الشعبية، وبها أيضا كثير من السمات الهزلية التى تذكرنا بقوة بحكايات المداحين ومواقفهم المثيرة للضحك. ونجد فى كثير من فقراتها الشخصية الثانية للماكر الخبيث المناصر لأحد الأمراء والذى يشتهى ما فى حوزة غيره واسمه كَردن - كشان. الذى يبز البطل الأساسى قهرمان، وتضرب الأمثال بمشاكسته الحمقاء؛ انظر ديوان باقى
стр. 8267
(طبعة حجر، الأستانة سنة ١٢٥٦ هـ)، ص ٣٧ (قصيدة رقم ١).
ومادة الملحمة بإيجاز هى: قهرمان ابن الملك الفارسى طهماسب الذى يحمل "عفريت" diw وهو ابن ثلاث سنين ويُعَلم كواحد من أبناء العفاريت، وعلى أيديهم فوق جبل قاف. ويتنازل ابن عمه قهترسب عن مطالبته بعرش إيران طوعا بعد أن مات طهماسب قبل الأوان حزنا على فقد ابنه الوحيد، ويصبح -أى قهترسب- نصيرًا فى خدمة (هوشنج) الذى تمَّ اختياره شاها، وتعبر الملحمة كلها عن فكرة هى أن البطولة أفضل من المملكة، لأن عرش الملك يحميه سيف البطل.
وحين يبدأ (هوشنج) فى غزو الهند يقابل قهرمان الذى كبر الآن وصار بطلًا ذا بسالة رهيبة، وكان قهرمان قد هرب من العفريت، وتدجج بسلاحه، ويتجول الآن بحثا عن المأوى والمغامرة. ويتورط بغطرسته وإقدامه فى مجموعة من الصراعات القاسية مع أبطال هوشنج، وانتصر فيها جميعا، حتى توطدت هويته على أيدى قهطران آخر الأمر، وبناء عليه، فإنه يكرم هوشنج، ويذهب معه إلى الهند كواحد من أنصاره. وينجحان هناك بعد معارك قتالية كثيرة، وتقلبات عديدة، ويستوليان على الحاضرة بانقلاب خبيث قتل فيه ملك الهنادك.
وامتطى قهرمان الذى استولى على كل الغنائم الأساسية ظهر وحيد قرن بحرى متوحش له ستة أقدام، وأربعة عيون، كان قد روضه، ويكسب ببطولته -كعروس له- ابنة الحاكم الهندى الذى شارك فى القتال، وهو لا يهزم ولا يقهر (توجد فى مواضع أخرى من الملحمة بعض أحداث الأمازونيات)، ولكن كان على قهرمان أن يبدأ توًا فى إنقاذ أم بهرام، وهى واحدة أخرى من أبطال هوشنج من قوة عفاريت جبل البلور الذى يتعذر الوصول إليه، وينجح فى الحصول على طلسم الملك قارون، وفى تحرير عروسه التى كانت قد أخذت منه بالقوة فى هذه الأثناء، وفى إنقاذ أم بهرام. وبعد عودته إلى بلاد فارس يتزوج الأميرة الهندية، ويبقى
стр. 8268
فى خدمة الشاه طهموراث الذى خلف الشاه هوشنج.
المصادر:
(١) الفردوسى: الشاهنامة، الترجمة الفرنسية التى قام بها Le Livre des Rois): J. Mohl باريس سنة ١٨٧٦ م)، ص ٨٧ والصفحة التى بعدها.
(٢) H. Ethe: Neupersische Litteratur فى Grtundr. der Iran. Phil، جـ ٢، ص ٣١٨
(٣) Gibb: A History OF Ottoman Poetry, جـ ٣، ص ١٤٩، حاشية ٦.
(٤) Fleischer: Cat Libr. Mamuscr. qui in Bibl, sematoria Civitatis Lips. asservaintur، ص ٥٢٢ وما بعدها، ٢٨٠.
(٥) Cat. Cod. Mamuscr. Bibl. Regiae (باريس سنة ١٧٣٩ م)، Codices Turcici رقم ٣٢٠, ٣٢١ ,٣٤٣, ٣٤٤.
(٦) Fluegel: Die arab., pers. u. tuprk. Handschr . . . zu wien, جـ ٢.
(٧) Psertsch: Die tuerk. Handschr . . zu Gotha ٢٥٧
(٨) Do. verz. der tuerk. Handschr. zu Berlin، رقم ١٠٣٩.
(٩) Rieu: Cat. of the Turkish Mamuscr, فى المتحف البريطانى، ص ٢٢٠ أ.
(١٠) قهرمان - نامه: الترجمة التركية التى قام بها محمد أمين (طبعة حجر، الآستانة سنة ١٢٨٥ هـ).
حسن شكرى [منزل T. H. Menzel]
قهوة
كلمة عربية ليس لها أصل لغوى مؤكد وتعنى البن. وكانت الكلمة تطلق أساسا على الخمر wine، يقول ابن منظور: القهوة هى الخمر سميت بذلك لأنها تقهى شاربها عن الطعام أى تذهب بشهوته وقد جاء ذكرها فى الشعر القديم (انظر لندبرج Landbarg جـ ٢ طبع ١٠٥٧ هـ والاغانى جـ ٦ ص ١١٠، جـ ٨ ص ٧٩، جـ ٢٠ ص ١٨٠). وتحول مفهوم هذه الكلمة فى نهاية القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) فى اليمن حيث كانت تطلق على شراب
стр. 8269
يصنع من ثمرة شجرة البن. لكن افتراض تحول معنى الكلمة على الأقل باعتبارها تعنى بنًا يوافق عليه الذين يعتبرون كلمة قهوة ذات أصل افريقى، وسعوا إلى ربطها بموطن زراعة شجرة القهوة (البن) كافا Kaffa رغم أنهم افترضوا اختلاطها بكلمة قهوة بمعنى خمر.
ومن ناحية أخرى يجب ملاحظة أن أصحاب هذه النظرة ليس لديهم ما يثبت أن البن قد تم استيراده من كافا Kaffa فى زمن يعود إلى عام ١٤٠٠ م كما لم يقدموا دليلا يتمثل فى كلمة مماثلة فى اللغات الحبشية والمناطق المجاورة فالكلمة الدالة على القهوة والمشروب المعد فيها هى بن ولقد انتشر تناول القهوة فى اليمن بعيدا عن حلقات الصوفية Sufi كما انصرف معناها فى الدوائر الخاصة إلى الخمر خاصة اللغة الشعرية الصوفية وتحول معنى الكلمة من الخمر إلى هذا المشروب الجديد المصنوع من الماء والبن أمر غير مستبعد.
ولم تكن شجرة البن متوطنة أصيلة فى جنوب الجزيرة العربية وربما تكون قد جاءت من هضاب الحبشة حيث عثر عليها بوفرة بين الأعشاب البرية وخاصة فى كافا Kaffa ولكن ليس هناك ما يؤكد أن شجرة البن كانت موجودة فى اليمن فى الفترة الأولى من حكم الأحباش بعد. وسقوط مملكة حِمْيَرْ فى القرن السابق على الهجرة ولو كانت موجودة ما أغفلتها الآداب والآثار.
جاءت الاشارة المبكرة عن البن فى كتابات القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى) طبقا لما يقوله أحمد بن عبد الغفار وفقا لرواية عبد القادر الجزيرى فى مقاله وعرفت القاهرة القهوه كمشروب شعبى -كما كان الحال فى اليمن- مع بداية القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى). فقد كان الصوفيون يتناولونها فى حلقاتهم لانعاشهم ومساعدتهم على ممارسة المجاهدات الروحية الليلية. وقد أدخل هذا المشروب
стр. 8270
لعدن القاضى محمد بن سعيد الذبحانى (توفى ٨٧٥ هـ/ ١٤٧٠ م) الذى كان قد عرفها أثناء اقامته الجبرية على الساحل الافريقى، وعند عودته كرس نفسه للصوفية ومن ثم فقد أصبحت القهوة مشروبا شائعا.
وهناك إشارة أخرى فى كتابات الجزيرى تفيد أن هذا المشروب قد وصل لليمن على يد بن عمر الشاذلى. وقد توفى أبو الحسن على بن عمر من أسرة دعسان Dacsain فى عام ٨٢١ هـ (١٤١٨ م) كما يقول الشارجى ولقد كان هو الآخر يعرف القهوة عندما كان بالحبشة لأنه بعد أن انضم إلى الطريقة الشاذلية Shadhilya عاش فترة ضمن بطانة الملك سعد الدين (بين عام ٧٨٨ هـ/ ١٣٨٦ م، ٨٠٥ أو ٨٠٧ هـ/ ١٤٠٣ أو ١٤٠٤ م) انظر الإلمام بأخبار مَنْ أرض الحبش من ملوك الإسلام للمقريزى/ رنك ليدن ١٧٩٠ م ص ٢٤، بوليتسكى Paulitschke هرر Harar ليبزج Leipzig عام ١٨٨٨ م ص ٥٠٤) والذى زوجه من أخته وبعد أن أسس زوايته Zawiya فى المخا al-Makha مباشرة استمرت الهدايا والهبات تصله من الأمراء الأحباش.
وهناك شخص آخر شجع على تناول القهوة وعمل على نشرها هو أبو بكر عبد اللَّه العيدروس والمقالة الحديثة التى كتبها علوى السقاف تحتوى تقريرا عن تاريخ النجم الغزى (خاصة كتابه الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة) وطبقا لما يقوله الصوفى الذى يدعى الشاذلى أنه فى إحدى المرات صعد على شجرة قهوة فى إحدى شطحاته وأخذ يأكل من ثمارها المتدلية وأحس وقتئذ بالانتعاش ثم أوصى مريديه بتناولها ولذلك ذاع صيتهم فى الأقطار المختلفة وتوجد أرجوزة Wrdjiza كتبها شرف الدين العمريطى تؤكد أن عام ٨١٧ هجرية/ ١٤١٤ ميلادية هو العام الذى انتشرت فيه القهوة فى مكة Mecca وطبقا لما فى "عمدة الصفوة" فإن شرب منقوع قشرة بذرة القهوة ظهر فى نهاية القرن التاسع الهجرى/ الخامس عشر الميلادى
стр. 8271
وأخيرا فقد فرض هذا المشروب نفسه وأخذ الناس يشربون القهوة وازداد الاهتمام بهما كعنصر منشط فى حلقات الذكر dhikr والموالد mawlid وفتحت المقاهى حيث يجتمع الرجال والنساء على ايقاع الموسيقى أو حيث يلعبون الشطرنج أو الألعاب البسيطة المسلية على سبيل المراهنة.
عرفت القهوة فى القاهرة لأول مرة فى الفترة الأولى من القرن العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى فى رواق صوفية اليمن فى حى الأزهر حيث كانوا يقيمون حلقات الذكر فى المسجد مع رفاقهم من مكة والمدينة بينما كانوا يتبادلون تناول القهوة وبعد أن انتشرت وأصبحت مشروبا شعبيا يباع هناك لفترة من الزمن أعلن أحمد ابن عبد الحق السنباطى الواعظ المشهور منع تناولها وحرم شربها فى عام ٩٣٩ هجرية/ ١٥٣٢ ميلادية وبعد عامين وفى أحد دروسه فى الجامع الأزهر حرص تلاميذه على محاربة هذا المشروب الذى كان الناس يتناولونه فى المقاهى وكان يعنف الذين كانوا يتناولونه. إن اختلاف وجهات النظر الحادة قد رفعت القاضى محمد بن الياس الحنفى إلى تبنى وجه نظر تلميذه المشهور. وبناء على الملاحظة الشخصية لتأثير القهوة فقد تأكد رأى هؤلاء الذين يعتبرون أن المشروب يمكن أن يكون مباحا، وبالرغم من أن القهوة كانت من وقت لآخر محرمة فى القاهرة ولفترات وجيزة فإن أعداد المتحمسين لها حتى بين رجال الدين قد تواصل بازدياد.
وُجد شجر البن فى أقصى شمال اليمن فى عسير Aser حيث يقال إنه يزدهر بكثرة على جبل شنرى وفى منطقة غامد وزهران (شمال وادى الدوقة Dawka أو الدكا doka على خريطة ستيلر Stieler) (شرف الدين عبد المحسن البركاتى/ الرحلة اليمنية/ القاهرة ١٣٣٠ هجرية ص ١٦, ج. ل. بوركهارت/ رحلات فى الجزيرة العربية/ لندن ١٨٢٩ ميلادية جـ ٢ ص ٣٧٧, وعن أماكن أخرى فى عسير
стр. 8272
Asir انظر مختصر عن الجزيرة العربية ص ١٣٦, ١٣٧, إن معظم المناطق الجنوبية التى تزرع شجر القهوة هى بلاد الحجرية وادى الورزان، وادى بانا. وإلى الشرق نجد شجر القهوة ينمو فى منطقة يافع وفى الجوف وأيضا على جبال حرس، وادى الفارس Al-Farsh الذى يتبع منطقة بنى مطر، وجبل رامه والصحراء المحيطة بعودان Udaim وهذه المنطقة على الخصوص مشهورة بقهوتها الفاخرة (للاستزادة انظر كتاب جروهمان Yrohmann حيث توجد معلومات مفصلة ومتنوعة).
إن البن كان وظل محصولا اقتصاديا هاما لليمن وحسب ما يقول حاجى خليفة Haogdis ففى منتصف القرن السابع عشر كان يصدر سنويا ثمانون ألف بالة. وكانت صنعاء وبيت الفقيه مراكز لتجارة البن. أما مخا التى كانت مركز الرخاء التجارى فقد بدأت تتراجع وأخذت تفقد أهميتها فى القرن التاسع عشر. والقهوة تصدر فى هذه الأيام عن طريق الحديدة (للاستزادة انظر فون نيمان جـ ١٢ ص ٣٩٧ Von Neimans: Zeitschr. d. Deutsch. Mogenl Yesellsch W.Schmidt and in the Hamdbook of Arabia). ٤٠٣، هناك عادة فى اليمن تتمثل فى تفضيل شرب منقوع قشرة البذرة وقد وجدت المقاهى العديدة التى تقدم هذا المشروب (مقهية) والقشر مثله مثل القهوة يصنع من الحبوب ويعطى نكهة مميزة عند إضافة حب الهيل؛ أو الجنزبيل أو القرنفل. . الخ وفى الحياة العامة عند العرب فإنه لا تكتمل الاحتفالات بالعيد بدون القهوة، فالقهوة هى المشروب الأول الذى يقدم للزائر. إن الدعوة لتناول القهوة -فى مكة- تعادل الدعوة لتناول الطعام. والعرب يتناولون القهوة بدون سكر وفى جنوب الجزيرة العربية يتناولونها باللبن بين الحين والآخر وعند الاتراك راج استخدام القهوة محلاة بالسكر.
والقهوة اسم يطلق على المكان الذى تقدم فيه القهوة ويطلق أيضا على حجرة الاستقبال وعلى المقهى (Coffee house).
стр. 8273
وحول المقاهى فى الشرق انظر: الدراسات التى قدمها اوليرس Olearius، كاردن Chardir، روسيل Russell، فون هامر Von Hammer، سنوك هارجرونج Snouck Hurhronje وعن أكواب القهوة انظر لين، سنوك هارجرونج، فون اوبنهايم Von Oppenheim، سوكن Socin، اوتنج Euting، لاندبرج Londbreg.
المصادر:
(١) عبد القادر محمد الانصارى الجزيرى: عمدة الصفوة فى أصل القهوة -والى حد ما فى دى ساسى De Sacy- مقاطع عربية مختارة tomathie arabe (باريس ١٨٢٦ م جـ ١ ص ١٣٨ - ٤١٢.
(٢) عبد القادر بن شيخ بن العيدروس: صفوة الصفوة فى بيان حكم القهوة Ms. Berlin- Ablwardt. Verseichnis. Nr ٥ H ٧٩ (Brockelmann ٤٠٧ - جـ ٢ ص ٤١٩).
(٣) أبو الحسن محمد البكرى الصديقى: استيفاء الصفوة لتصفية القهوة/ ليدن ١١٣٤ هـ.
(٤) داود الانطاكى: تذكرة أولى الألباب والجامع للعجب العجاب، القاهرة ١٢٩٤ هـ.
(٥) تاج العروس: جـ ٩ ص ١٤٥، جـ ١٠ ص ٣٠٨.
(٦) الذخائر والتحف: مذكورة فى جولد تسيهر/ ليدن ١٨٩٩ م.
(٧) أبو العباس أحمد الشارجى: طبقات الخواص، القاهرة ١٣٢١ هـ ص ١٠٠.
(٨) علوى بن أحمد السقاف (كتب ١٢٩٥ هـ/ ١٨٧٨ م) رسالة فى قمع الشهوة عن تناول التنباك والكفته والقات والقهوة/ القاهرة ١٣٠٢ هـ ص ٨ - ١٠.
(٩) رشيد طارق: اليمن وصنعاء، القسطنطينية ١٢٩١ هـ ص ٣١٢.
(١٠) محمد حافد بن مصطفى: الدرر المنتقاة المنثورة فى اصلاح الغلطات المنشورة، القسطنطينية ١٢٢١ هـ ص ٣٦٧.
(١١) قاموس الفيروزآبادى: ترجمة عاصم أفندى/ القسطنطينية ١٢٣٠ هـ جـ ٣ ص ٩١١.
د. إبراهيم شعلان [س. فان ارندنك C. Van. Arendonk]
стр. 8274
القواسم
(مفردها قاسم، ويصير بياء النسب قاسمى) وهى الأسرة الحاكمة للشارقة ورأس الخيمة، وهما الإمارتان التابعتان لدولة الإمارات العربية المتحدة. والقواسم أشراف نزحوا من العراق إلى الساحل العربى فى منتصف القرن السادس عشر الميلادى، وأسس القاسم دولته على ذلك الساحل الممتد من الشارقة إلى رأس الخيمة والذى كان يعرف بالصير، واتخذ الشارقة عاصمة له.
كانت رأس الخيمة باسمها القديم "جلفار" حينئذ تحت الاحتلال البرتغالى، وعندما حرر شاه عباس ملك فارس سنة ١٦٢٠ م جزيرة هرمز انتقلت قواته إلى الساحل العربى، فتقابلت مع الملك محمد بن القاسم فى مواقع عدة انتهت بالتحكيم والصلح.
فى سنة ١٦٤٦ م برز زعيم آخر للقواسم وهو الشيخ سيف بن على بن صالح القاسمى، شيخ الصير وهو ابن عم الحاكم السابق. . قام الشيخ سيف فى تلك السنة بالتوسط بين اليعارية والبرتغاليين وعقد بينهما صلحًا ووقعت اتفاقية بذلك خطها الشيخ سيف بن على بن صالح القاسمى بيده.
بعد خروج البرتغاليين من المنطقة سنة ١٦٥٠ م أصبحت جلفار عاصمة للقواسم لما لها من سمعة تجارية وقربها من مدخل الخليج والساحل الفارسى، حيث التجارة رائجة. وفى بداية القرن الثامن عشر الميلادى انتهت الدولة الصفوية وتبع ذلك الاحتلال الأفغانى لإيران، مما أعطى فرصة للقواسم باحتلال أجزاء من ساحل فارس وبعض الجزر واستطاع أحد اقربائهم ويدعى الشيخ راشد, تأسيس قاعدة تجارية فى باسيدوه على جزيرة قشم الأمر الذى أغاظ بريطانيا حيث أخذت تجارتها فى الكساد، فشنت حملة عسكرية على باسيدوه، وحطمت قاعدته.
فى تلك الفترة عصفت بعمان حرب أهلية انقسمت فيها البلاد إلى معسكرين الهناوية بقيادة الهنائى والآخر يتبع محمد بن ناصر، ويدعى الغافرية بقيادة الغافرى، فانضم القواسم إلى معسكر
стр. 8275
الغافرية وكان قائد جيش القواسم زعيمهم الشيخ رحمة بن مطر بن رحمة ابن محمد بن القاسم وكان تعداد جيشه خمسة آلاف مقاتل وعُدته مدافع بعجلات تجرها الدواب. وكان يعتبر فى تلك الفترة أغنى رجل فى منطقة الخليج.
فى بداية سنة ١٧٣٧ م نزلت القوات الفارسية فى خورفكان واتجهت إلى مسقط لمساعدة الإمام سيف بن سلطان ضد بالعرب الذى كان ينازعه السلطة ونزلت قوات أخرى فى خصب شمالى رأس الخيمة فتصدى لها الشيخ رحمة ابن مطر فهُزم وأخذ أسيرًا هو وأربعمائة من جنوده، ونقل إلى بندر عباس ومن هناك إلى شيراز حيث بقى فى الأسر مدة أربع سنوات، حتى إذا ما انسحبت القوات الفارسية من عمان وجلفارو اعترف نادر شاه بالشيخ رحمة ابن مطر القاسمى حاكما لجلفار مُلك أجداده، ونقل من شيراز إلى جلفار حيث سلمت له البلاد.
فى فترة الحروب الأهلية فى إيران (١٧٤٧ - ١٧٦٠ م) استغل الشيخ رحمة بن مطر القاسمى تلك الأوضاع فاستطاع أن يسيطر على أجزاء من الساحل الفارسى وكثير من الجزر، وفى نهايتها اختفى الشيخ رحمة بن مطر القاسمى من التاريخ حيث كان رجلًا مسنا وقد تكون وفاته نتيجة الشيخوخة، وقد تابع الشيخ راشد بن مطر القاسمى شقيقه تلك السياسة وهى السيطرة على مضيق هرمز مما دفع العمانيين إلى التحالف مع الإنجليز وبنى معين، وقبل اتخاذ أىّ ترتيبات قام القواسم بالهجوم على بندر عباس وتخريب الوكالة البريطانية هناك، كما نفكنت قوات القواسم من إلحاق الهزيمة بناصر خان حاكم "لار" فى هجومه المضاد ضد "لنجة" أحد معاقل القواسم على ساحل فارس.
أعقب تلك الفترة هدوء فى المنطقة نتيجة دعوة التصالح بين تلك القوى المتحاربة وفى سنة ١٧٧٧ م برز زعيم آخر للقواسم وهو الشيخ صقر بن راشد القاسمى.
شعرت شركة الهند الشرقية التابعة للإنجليز بأن تجارتها أخذت تتدهور
стр. 8276
نتيجة للنشاط التجارى لتبو سلطان حاكم ميسور فى الهند، فقررت احتلال ميسور، وقد كان ذلك بعد حروب استمرت مدة من الزمن، حيث قتل تبو سلطان وضمت ميسور للممتلكات البريطانية فى الهند. أما فى الخليج فقد استعملت بريطانيا أسلوبًا آخر وهو السيطرة على الخليج بإجبار جميع السفن العاملة فيه بحمل جوازات مرور تُمنح من قبل السلطات البريطانية، الأمر الذى رفضه القواسم فمنعوا من الوصول إلى الهند؛ كان ذلك فى بداية عهد الشيخ سلطان بن صقر القاسمى (١٨٠٤ - ١٨٦٦ م).
وفى سنة ١٨٠٦ م قامت بريطانيا بمحاصرة أسطول القواسم حول جزيرة قشم فاستطاع الإفلات من ذلك الحصار, فقامت بريطانيا بقصف مدينة "لفت" على جزيرة قشم أحد معاقل القواسم ثم طلب قائد الحملة ديفيد سيتون من كثير من الشخصيات التوسط له لدى الشيخ سلطان بن صقر القاسمى للقاء به، الأمر الذى رفضه الشيخ سلطان بن صقر القاسمى، وجرت عدة لقاءات تم بعدها توقيع إتفاقية بين الإنجليز والقواسم وهى الإتفاقية الأولى يطلب الإنجليز فيها من القواسم حماية السفن البريطانية من الاعتداءات الوهابية -[التى أخذت تنتشر فى المنطقة وكان القواسم حلفاءهم]- والسماح للقواسم بالمتاجرة مع الهند.
كتب ديفيد سيتون المقيم البريطانى فى مسقط سنة ١٨٠٧ م عن القواسم فقال: "إن القواسم لم يمتلكوا ساحل الصير العربى فقط وإنما امتلكوا أيضَا جزيرتى قشم وقيس قرب الساحل الفارسى، وامتلكوا كذلك تشارك ولنجة وشناص على الجانب الفارسى. وقد أضافت سفن هذه الأماكن كثيرًا لأسطول القواسم الهائل والذى بلغ تعداد سفنه ٥٠٠ مركب".
كما أكد سيتون أن القواسم كانوا يستطيعون بعون حلفائهم فى الداخل أن يحشدوا ما لا يقل عن ٢٠.٠٠٠ رجل.
فى سنة ١٨٠٩ م قامت بريطانيا بحملة كبيرة على رأس الخيمة,
стр. 8277
وقصفتها بمدافع سفنها الحربية ثم احتلتها وحرقت كل سفنها المتواجدة هناك وهدمت مبانيها ونهبت كل ممتلكاتها، وتحت ضغط مقاومة القواسم انسحبت بريطانيا بعد يومين من الاحتلال بعد أن خلفت وراءها كثيرًا من القتلى والجرحى نتيجة القصف الهمجى على المدينة.
اتجهت الحملة بعد ذلك إلى معاقل القواسم على ساحل فارس وهى لنجة ولفت وقصفتهما بالمدافع فتهدمتا واحترقتا، ثم اتجهت الحملة إلى شناص على ساحل الباطنة وهى أحد معاقل القواسم فهدمت واحتلت من قِبل القوات البريطانية والعمانية.
فى سنة ١٨٢٠ م قامت بريطانيا بحملة أخرى على القواسم وبدون مبرر حيث احتلت رأس الخيمة والجزيرة الحمراء وأم القيوين وعجمان والشارقة وهدمت كل حصونها وقلاعها وأسوارها، واستولت بريطانيا على كل السفن فى تلك الموانئ والمدافع، وباعتها بثمن بخس ووزعت أثمانها على ضباطها. كما قام ضباطها وعلى زوارقهم الحربية بالتجوال فى البحر بين الساحل العربى والساحل الفارسى بالاعتداء على كل السفن العابرة فى الخليج وضربها بالمدافع وقتل الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال. أجبرت بريطانيا كل الشيوخ على الساحل العربى على توقيع اتفاقية أملت فيها كل شروط السيطرة على ذلك الساحل ثم وقعت اتفاقيات عديدة خلال الفترة اللاحقة تمنح بريطانيا مزيدا من السيطرة.
ثم ازدادت سيطرة الإنجليز على الإمارات التى تعاهدوا معها بواقع الاتفاقية التى أبرمت مع حكام القواسم فى الشارقة ورأس الخيمة والإمارات الأخرى عام ١٣٠٩ هـ/ ١٨٩٢ م والتى فرضت على هذه الإمارات عدم إبرام اتفاقيات مع أى قوى أخرى خلاف بريطانيا وفى عام ١٣٢٢ هـ/ ١٩٠٤ م، حاولت فارس ضم جزيرة أبى موسى وإحدى جزيرتى طنب إلى أملاكها كما فعلت من قبل باستيلائها على بعض ممتلكات القواسم إلا أن الإنجليز أحبطوا هذه المحاولة.
стр. 8278
منذ بداية القرن العشرين تحولت زعامة الإمارات الخليجية من القواسم إلى "أبو ظبى" و"دبى" وقد صارت دبى الميناء الرئيسى للتجارة. أما أبو ظبى فقد ازدهرت تحت قيادة حاكمها الفعّال زايد بن خليفة (توفى ١٣٢٦ هـ/ ١٩٠٨ م) الذى جعل منها قوة سياسية وعسكرية. ثم تراجعت أبو ظبى بعض الشئ إبان تعاقب أبناء زايد الأربعة على الحكم، ولكن فى عهد حفيده "شخبوط" تم اكتشاف البترول بكميات اقتصادية كبيرة عام ١٣٧٩ هـ/ ١٩٥٩ م، وكان هذا هو أول اكتشاف للبترول فى أراضى الإمارات الخليجية. ومع تطور الصناعات البترولية سبقت أبو ظبى سائر الإمارات الأخرى فى هذا المجال لتحقق أعلى مستوى دخل للفرد فى العالم. وفى عام ١٣٨٦ هـ/ ١٩٦٦ م، اكتشف البترول عند شواطى دبى واحتلت دبى المركز الثانى بين إمارات الخليج وإن ظلّ البون شاسعًا بينها وبين "أبو ظبى" ثم اكتشف الغاز فى مناطق الشارقة البرية عام ١٩٨٤ م.
ومع خلول نهاية عام ١٣٩١ هـ/ ١٩٧١ م، أنهت بريطانيا نفوذها على الخليج الذى امتد قرابة قرن من الزمان؛ بسحب كافة قواتها وتسليم القاعدة العسكرية بالشارقة، وقبيل مغادرة الإنجليز للخليج، احتلت إيران جزيرة "أبو موسى" وكذلك جزيرتى طنب الصغرى والكبرى" وتم تسوية هذه الجزر باتفاقيات مع الشارقة، ولكن رأس الخيمة حاولت مقاومة الاحتلال الإيرانى لجزيرتى طنب، وفى عام ١٩٧٢ م تم اكتشاف البترول فى مياه جزيرة "أبو موسى" واتفقت كل من إيران والشارقة على توزيع الأرباح مناصفة.
وعقب خروج الإنجليز، اتحدت الإمارات السبع معا لتكون دولة الإمارات العربية المتحدة وطالبت أبو ظبى ودبى أغنى الإمارات بأن يكون الحاكم ونائب الحاكم منهما. أما سلطان ابن محمد بن صقر القاسمى حاكم الشارقة وابن عمه صقر بن محمد بن سالم القاسمى فقد حصلا على مناصب أخرى فى الوزارات المتعاقبة، وأخيرًا
стр. 8279
ألغت بريطانيا جميع معاهداتها السابقة مع الإمارات الخليجية وأبرمت معاهدة صداقة مع دولة الإمارات العربية المتحدة.
المصادر:
(١) جيرون نامه (مخطوط بالمتحف البريطانى تحت رقم Add ٧٨٠١) لندن.
(٢) جى لوريمر: دليل الخليج، لندن ١٩٨٦ م.
(٣) د. سلطان القاسمى: أسطورة القرصنة فى الخليج، لندن ١٩٨٦ م.
(٤) بن سلوت: عرب الخليج، دبى ١٩٩٣.
(٥) عثمان بن بشر: عنوان المجد، مكة ١٣٤٩ هـ.
(٦) Admiralty: Ahandbook of Arabia. London ١٩١٦ - ١٧
(٧) D. Hawley: The Trucial States. London ١٩٧٠
وائل البشير [رينتز G. Reintz]
قوله
ميناء على ساحل بحر إيجه فى مواجهة جزيرة "تاسوس" وعلى الحدود الفاصلة بين مقدونيا وتراقيا، وكان مكانها فى القديم "تيابوليس"، وعرفت فى العصر البيزنطى باسم خريستو بولبيس ولكن المصادر العثمانية دأبت على تسميتها قوله، وقد فتحها العثمانيون فى وقت لا نستطيع تحديده بالضبط ولكنه كان زمن مراد الأول، وكانت حتى سنة ١٣٧٣ م لا تزال فى يد الأمير بريميكيوس ألكسيس Alexis الذى تمكن من صد هجمة شنها عليها الأتراك من المحتمل أن تكون قد سقطت فى يد الترك بعد سنة ١٣٨٣ م بقليل. وكانت قوله زمن مراد الثانى، وحوالى سنة ٨٨٣ هـ (= ١٤٧٨ م) تتألف من البلدة ومن إحدى عشرة قرية. وكانت الناحية تعتمد فى مصادر دخلها على زراعة الحبوب وتربية دودة القز، كما كانت تعتمد على وجه الخصوص على استخراج الفضة، وكانت مناجمها تعتبر جزءا من ممتلكات السلطان الخاصة. أما سكانها
стр. 8280
من الناحية العرقية فكانوا تركا وأغريقا وصقالبة وصربا، وكان المسلمون فى قرى التعدين صناعا كلهم. وظلت بلدة قوله محاطة بالأسوار حتى وقت متأخر من العصور الوسطى. ولما جاء السلطان سليمان القانونى حصنها وأعاد ترميم القنوات المائية التى فوق القناطر، كما شيد بها الصدر الأعظم إبراهيم باشا مسجدا وأجرى بها أعمالا للبر كما يقول أوليا جلبى فى كتابه "سياحات نامه". وكانت قوله مركز سنجق لإيالة الجزاير وتتألف الناحية من اثنتى عشرة زعامة ومائتين وخمسة وثلاثين تيمارا. وكان السنجق مقسما إلى سبعة أقضية ويقيم فى المدينة "آلاى بيجى" وشيخ للإسلام ونقيب أشراف وأحد القضاة. ويصف أوليا جلبى قلعتها فيقول لنا بها خمس محلات، بها كلها خمسمائة دار كما أنه يعدد ما بها من المؤسسات الدينية. ولما كانت سنة ١٠٩٥ هـ (= ١٦٨٤ م) حاصر فرانشكو موروزينى قوله لكنه فشل فى محاولته هذه ولم نعد نسمع عن وجود سلاح فى قضاء (إقليم أو ولاية) قوله أو غيره من الأقضية بعد سنة ١١٣٣ هـ (= ١٧٢١ م) وقد جرت العادة فى القرن الثانى عشر الهجرى (الثامن عشر الميلادى) وكذلك فى النصف الأول من القرن التاسع عشر على منح سنجق قوله لباشا سالونيك بحيث يكون له أشبه بملك خاص يتمتع بداخله، وينيب عنه فى حكمه واحدا من أتباعه يسمى "بالمسلم" وكان يوجد فى القرن الثانى عشر الهجرى فى قوله نائب قنصل فرنسى، كما صار بها أيضا نائب قنصل جنوى ابتداء من سنة ١١٥٩ هـ (١٧٤٦ م)، فلما كانت سنة ١٢١٥ هـ (= ١٨٠٠ م) أو قبل ذلك بقليل صار عدد سكانها ثلاثة آلاف نسمة. وكانت غلة مصر وأزمير وتاسوس المخصصة للمقاطعات الداخلية تجلب إلى ميناء قوله. أما الحديد والقنابل والمدافع المصنوعة فى براستا وكذلك الطباق المقدونى فتصدر كلها إلى استانبول ومن ثم كان ميناؤها مشغولا على الدوام، ولهذا السبب ولصغر مساحته لم تكن قوله تصلح كمرسى للسفن الحربية.
стр. 8281
وقد أصبحت قوله -بعد إعادة التنظيم الادارى لسنة ١٨٦٤ م- تتألف من قضاء سنجق تابع لولاية سالونيكا. كما شاهد ختام القرن التاسع عشر زيادة ملحوظة فى عدد سكانها حتى بلغوا عشرة آلاف نسمة كانت أغلبيتهم من المسلمين واليونانيين. أما من ناحية الإدارة الدينية فقد كانت قوله تابعة لأسقف سانتى.
وكان محصول القطن والطباق على وجه الخصوص يؤلف المصدر الأساسى الأكبر لثروة الناحية وذلك فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين. وأكثر ما تشتهر به قوله بين الجميع هو أنها كانت البلد الذى ولد به محمد على باشا (والى مصر فيما بعد) والذى بنى بها مدرسة لتخريج المهندسين، كما شيد إلى جوارها مسجدا ومدرسة ومكتبة وبيتا للطبخ وأوقف دخول جزيرة تاسوس للصرف على ما يحفظ منشآته الدينية بها. ولقد أصبحت الدار التى ولد بها اليوم متحفا. ولما عقدت اتفاقية سان فرنسسكو (مارس ١٨٧٨ م) عند انتهاء الحرب الروسية التركية نصت إحدى مواردها على تسليم قوله إلى البلغار ولكن لم يوضع هذا البند موضع التنفيذ إذ لم تمض أشهر قلائل حتى حلت محل هذه المعاهدة ما عرف باتفاقية برلين (١٣ يوليو ١٨٧٨ م) ولما نشبت حرب البلقان الأولى وقعت قوله فى أيدى البلغار وذلك فى نوفمبر ١٩١٢ م ولكن ما لبث الأسطول اليونان أن استعادها فى يوليو ١٩١٣ م خلال حرب البلقان الثانية وتسلمت اليونات البلدة رسميا بمقتضى معاهدة بوخارست (١٠ أغسطس ١٩١٣ م). ولما تم تبادل السكان بين اليونان وتركيا فإن أتراك أقليم قوله استقروا فى أقليم غربى الأناضول.
د. حسن حبشى (ث. و. جوينبول Th. W. Juynboll)
قوس
اسم لجنس غير محدد، تعددت أنواعه وأسماؤه وصفاته على مدى العصور الإسلامية فيقال: قوس حجازى أو فارسى، وقوس الحسان أو الرجل والكتوم والرهيش والزوراء. . إلخ
стр. 8282
١ - عموميات وأصوليات:
مارست العصور القديمة والغرب المسيحى البسالة بالنزال المباشر واعتبر السيف القصير والمستقيم من الأسلحة النبيلة. واعتبر كل سلاح يشترك فى القذف غادرا حين يستخدمه مرتزقة الجنود (رماة الأقواس والمقاليع فى الجيش الرومانى ورجال القوس والنشاب بفرنسا فى القرن الرابع عشر الميلادى). وفى محيط الفنون المتعارف عليها فى البلاد الإسلامية احتل القوس مقامًا بارزا فى استعراضات الرماية.
وفى عام ١٨٥٣ م ظهر فى فيينا مؤلَّف مصطفى قانى الذى يركز على الاعتبارات الاجتماعية والدينية ويغفل التقنية منها. وفى ليبزج عام ١٨٨٦ م ظهرت دراسة معجمية عن أسلحة حرب ما قبل الإسلام من خلال تحليل لأشعارهم. وفى جوتنجن عام ١٩٢١ م ظهرت دراسة عن جيش بنى أمية مرجعها الطبرى، وفى إسلى عام ١٩٢٥/ ١٩٢٦ م ظهرت دراسة عن الرماية عتد العثمانيين اعتمادا على مؤلَّف مصطفى قانى -آنفة الذكر- "تلخيص رأس الرماة" وتتناول "رماية الاتراك" عام ١٩٣٤ م تطورها مع تفاصيل تقنية أكثر , وفى عام ١٩٤٥ م ظهر بحث عن الرماية منذ عام ١٥٠٠ م وفى وارسو عام ١٩٥٦ م نشرت رسالة عن الطب البيطرى ورعاية الخيول وظهر مبحث عن تعليم الرماية الإسلامية فى دمشق ١٩٦٩ م ثم مبحث رماية الشراكسة فى لندن عام ١٩٧٠ م.
وتتفق الروايات فى جميع بحوث الرماية أن أصل القوس يرجع إلى هبة السماء التى منحت آدم قوسا مقدسا لحماية المحصولات من تعديات الطيور التى كان لإبراهيم ﵇ "أبو العرب" مهارة فى صيدها. وقليل ما كتب عن الرماة والأقواس قبل الإسلام، وحظيت مهارة سعد بنى تميم بالمديح فى قصائد شعرية عديدة. ويذكر الكثير عن مهارة النبى [ ﷺ ] فى الرماية وكيف سيطر على القوس فى معركة أحد وكان له عدة أقواس حفظت أسماؤها من جيل إلى جيل، وأشار الطبرى إلى ثلاثة منها هى الروحاء والشوحط أو البيداء والصفراء
стр. 8283
والأخيرة من خشب النبق وذكر عبد اللَّه أفندى ثلاثة أخرى هى: سداد، زوراء، كتوم. وأشهر الرماة فى الإسلام هو سعد بن أبى وقاص الملقب بفارس الإسلام.
وجاءت كلمة قوس مباشرة فى القرآن الكريم لتحديد المسافة مرة واحدة فى سورة النجم وجاءت مجازا فى سورة الأنفال ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ. . .﴾ أى قوة الأقواس فى الحرب ضد الكفار.
وتورد التسميات الإسلامية لقب "القواس" حيث أشار الجاحظ إلى اثنين من صنَّاع القوس هما عصفور الأزْدى ومسيخيه (بالخاء) الذى كان أول من صنعها فاكتسبت الأقواس لقب العصفورية والمسيخية (بالخاء المعجمة) وهناك حقيقة لا جدال فيها أن الرماية كانت حرفة قومية لدى الفرس وأن العرب استخدموا القوس للصيد أكثر منه للقتال. وأن الرماية قليلا ما كانت تمارس من فوق ظهور الخيل ولكن الترك الذين أحضرهم المعتصم من وسط آسيا تعودوا على الحرب من فوق ظهور الخيل. وقد كتف السلاجقة استخدامهم لرماة الخيل بنجاح مما نشأ عنه ارتباط ركوب الخيل باستخدام القوس مما أدى إلى استحداث أشكال رمزية تدل على ذلك.
وازدهرت صناعة الأسلحة واستخداماتها فى العصر المملوكى. وبعد هزيمة بيبرس للمغول فى عين جالوت ظهرت تدريبات الميدان لرماة الخيل ولم يؤد ظهور الأسلحة النارية إلى اختفاء مفاجئ للقوس لأن تجهيز الجندى ببندقية كان يعنى نزع القوس منه وحرمانه من حصانه بما يمثل فى نفسه ذلة وازدراء. ومع فجر العصر الحديث أدخلت البندقية مع المماليك فى ٨٩٥ هـ/ ١٤٩٠ م تحت حكم السلطان قايتباى بعد أوربا بنحو ١٢٥ عاما.
٢ - البحوث:
للرماية مرجع أساسى يسمى "الواضح" كتبه الطبرى، وقد يكون اسمه "أحمد بن عبد اللَّه محب الدين الطبرى" المتوفى سنة ٦٩٤ هـ/ ١٢٩٥ م وقد حَفّزَ تكثيف الجهاد تحت
стр. 8284
راية الأيوبيين على تطور الأسلوب الفنى للكتابة فى هذا الموضوع. وأقدم بحث فى ذلك ألفه المُرْضى (بضم الميم وقد تكون بفتح الميم أصح) وهو ابن على بن مرضى المنسوب إلى طرسوس (الطرسوس) وقد ألف الطرسوسى كتابه سنة ٥٧٠ هـ/ ١١٧٤ م بالتعاون مع صانع الأسلحة السكندرى المشهور حسن بن الأبرقى، كطلب صلاح الدين، وأسماه "تبصرة أرباب الألباب فى كيفية النجاة فى الحروب من الأسواء ونشر إعلام الأعلام فى العدد والآلات المعينة على لقاء الأعداء" وتشير السجلات العربية والتركية والفارسية إلى بحوث كثيرة عن الرماية ليس منها ما هو أقدم من رسالة مرضى ولا أغنى فى معلوماتها من رسالة طيبوغا. لذا فمعلوماتنا عن الرماية فى الفترة بين الأيوبيين والعثمانيين غير مكتملة ومحدودة ولا يعرف إلا القليل عن مهرة الرماة، فضلا عن أنسابهم التى ينحدر معظمها عن خراسان وبلاد ما وراء النهر منذ أن بدأ العباسيون إحضار أعداد كبيرة من الجند منهما، ويستشهد دائما بثلاثة أشكال مناظرة لثلاثة أسماء: أبو الهاشم البارودى وظاهر البلخى واسحق الرفّاء.
وتظهر البحوث تشابها معينا فى تركيبها حيث تبدأ بمقدمة للموضوع متبوعة أو مسبوقة بحديث عن أصل القوس ثم معلومات معجمية ولب الموضوع عن مبادئ أساسية ومعلومات ثانوية وضعها الرماة الأوائل.
٣ - النماذج المختلفة للأقواس:
تتباين أنواع الأقواس ومسمياتها التى غالبا ما تتكون من صفة وموصوف أو مضاف ومضاف إليه مثل قوس حجازى/ قوس فارسى وقوس اليد/ قوس الرِّجل/ قوس فلق/ قوس قضيب.
فقوس حجازى -هو القوس الذى استخدمه عرب ما قبل الإسلام وكان خشبيا بسيطا قصيرا أو طويلا تبعا لمقطعه. ويعزى هيرودوت للعرب استخدامهم للأقواس المركبة المنعكسة التى عرفت فى المنطقة العربية والإيرانية ثم صارت السلاح الأساسى للرماة فى عهد الدولة الساسانية وينقض ذلك عدم وجود ماشية ذات
стр. 8285
قرون طويلة فى شبه الجزيرة العربية.
وتقرر المصادر العربية مرارا أن العرب صنعوا أقواسهم من خشب النبق الذى كان مناسبا لذلك وصنع الصوماليون الأوائل أقواسا بطول مترين من النبق الذى كان يُصدّر لشبه الجزيرة العربية عن طريق القوافل الفارسية من الحيرة واليمامة إلى اليمن.
- قوس وسطية -ليس نسبًا إلى مدينة واسط على نهر دجلة وإنما لصفاته. وهو قوس العرب المركب.
- قوس اليد -مقابل لقوس الرِّجل أو القوس القذوف.
- قوس البندق -ويعرف بقوس الكريات أو قوس الجمر وهو بين النوعين السابقين استخدم الطراز البدائى للقوس القذوف لصيد الطيور وعرف فى عصر النبى [ ﷺ ] ومقذوفته كرة صلصال صلبة تقذف بقوس اليد الذى استخدم فى عصر توت عنخ آمون
- قوس فلق (أشريح) -قوس مكون من عصَا مفردة مشقوقة طوليا وملصقة.
- قوس قاضب -مصنوع من عصا قطعة واحدة.
- قوس فرعَ، فجّة، فِجْو، منفجة -تسميات لأقواس شخصية.
- قوس كتوم، فارج، فرج -قوس مصنوع من عصا مفردة لذا لا يهتز عند الاطلاق.
- قوس جحش -خفيف ضعيف لا يهتز عند الاطلاق
- قوس عتيقة -قديم إحمر خشبه.
- قوس راعش، مرتعشة -نحيف خفيف يهتز لحظة الاطلاق يهتز حين يضرب وتره جزأه المسمى طائف.
- قوس زوراء، منحنية -شديد الإنحناء، مصنوع من خشب النشام.
- قوس بيّنة -سهمها طويل بما يقلل الإندفاع فتأتى القذيفة ضعيفة.
- قوس عتلة -فارسى قوى شديد الانحناء.
- قوس القاذفات -يقف بين قوس الحجر وبين آلات الحصار القوية الالتوائية وقد يسمى قوس الرجل أو
стр. 8286
القدم ويتميز عن قوس الركاب بوجود ركاب طوله قدم واحد.
- قوس الحسبان -يُستخدم لإطلاق السهام القصيرة
- قوس الرِّجْل -قوس ونشاب من أى نوع، بركاب أو بدون.
- قوس الرِّكاب -قوس ونشاب وركاب توضع فيه القدم به طوق ينتهى بخطافين لجذب الوتر ويستقيم عند وضع القدم فى الركاب.
- قوس الجرك -قوس قذوف فرد مسحوب للخلف بعجلة، يطلق السهام الطويلة التى تشبه الرماح ومنه متعدد الطلقات الذى أخذه المسلمون عن المغول.
- قوس الزيار -ليس قذوفا، ولكنه آلة حصار فوق هيكل ثابت استعمله صلاح الدين ضد الصليبيين.
-آلات الحصار -دورانية مثل قاذفات الحجر أو المنجانيق تحملها قاعدة مثلما للمدافع العثمانية.
٤ - مصطلحات مركبات القوس:
إن وضع الاطلاق القائم للقوس بمناطقه الأربعة الرئيسية مستمد من أسماء جسم الإنسان رأس، رجل، بطن، ظهر. ومنحنى القوس هو مركزه أو القبض، ويطلق مصطلح دماغ/ "دماك" على رأس القوس، ويتصل جانب المقبض مع الوجه المقابل للرأس، حين ينحنى القوس يستوى طرفيه مع وتره، ويجب أن يكون الانحناء مقوى جدا ليتحمل الاندفاع، ولكل بيت "طارة" عليا للبيت الأعلى وسفلى للبيت الأسفل، يتبع الطارة نهاية مستقيمة صلبة أو رأسية بطرفها عظمة أو طويق عاجى (جيفعر) به حزوز بارزة (ثلم) ليتلاءم وانحناء وتر القوس (عين الوتر). ووظيفة قنطرة الوتر حفظه ثابتا داخل هيكل القوس.
٥ - السهم والكنانات:
للسهم معان ثلاث:
- سهم - (من القاب أو الخشب الصلب)
- نبل - (خشب أو سهم عرب)
- نشاب - (سهم فارسى)
ويقول هيرودوت أن العرب والفرس صنعوا السهام من الغاب وتبعا لابن
стр. 8287
التقتاقة سمى الفرس سهم العرب المصنوع من الخشب، وفى تقارير الحرب لشرق امبراطورية أمية، السهم الفارسى هو النشاب.
وبالنسبة لعناصر السهم الخشبى فهى كما جاء فى البحوث وثيقة الصلة بالموضوع. حيث يسمى الجزء الأساسى لقصبة الرمح (وقض) صدر ويحتوى على حزوز (رأز) مقوى بأوتار منحنية (جلز، رصاف) الجزء الخلفى متن وبه ريش السهام (ريش) الذى يسمى وسط (حقو). وتسبب قاعدة المتن التى تقع مباشرة فوق الثلم اندفاعا حادا قد يؤدى إلى كسر السهم وتعطى الكنانات أسماء متعددة وأحيانا متناقضة
- الجعبة -كنانة جلدية كبيرة نوعا ما لها غطاء مثبت بحبل (مجداف).
- تركاش -جعبة من شعر الحصان يستخدمها رماة إقليم جيلان ونملنج. مصنوعة من جلود مختلفة محيكة سويا
- الكندل -وهى كنانة أسطوانية فيها رؤوس السهام إلى أسفل -الكنانة- المصنوعة من الجلد، والجامز هى المصنوعة من الخشب ولكن أكبر -القران- المصنوعة من قطعتين ملتحمتين سويا. والقضية -كنانة مصنوعة من خشب النبق -فدا- كنانة مصنوعة من الجلد تماما وكل هذه التسميات مرادف لكلمة كنانة وقد تسمى تبعا لسعتها كأم الثلاثين أو الخمسين مثل كنانة أبى طلحة.
٦ - القفازات وخواتم الإبهام:
لحماية الأصابع من الضغط أثناء السحب يزود الرامى بقفاز جلدى مقوى لحماية الأصابع من الضغط الشديد أثناء السحب ويحاط المعصم بطوق أو سير ولا يكون القفاز كامل الأصابع ويسمى بكلمة فارسية معربة هى كشتوبان أو كشتيبان ومعناها حارس الإبهام أو خاتم السحب وتتطلب الطريقة المنغولية لأخذ وتر القوس بالإبهام استخدام مربط الابهام "كتيعة".
стр. 8288
وهناك خواتم صلبة منحوتة بعناية من العاج أو العظم لتناظر إبهام مهرة الرماة.
٧ - أطوار ومبادئ التصويب:
بالرجوع إلى قادة الرماة المهرة تنقسم أطوار التدريب إلى ما يلى: -
أ- إطار وهو طور شد القوس أو قبضه ويحتاج عناية خاصة لتجنب تحطيمه.
ب- قبضة -هو وضع اليد اليسرى على مقبض القوس.
جـ- عقد أو قفلة -العقد بالإبهام على الوتر لضمان سحب جيد للوتر خلال العملية كلها.
د- تفويق -تتم بقبض ثلم القوس (فتن) على انحناء وتر القوس.
هـ- مد -نزع الوتر بإرسال وتر القوس خلفًا تجاه الرامى ويختلف تبعا لاختيار نقطة الارتكاز التى قد تكون: حاجب العين أو شحمة الأذن أو الشارب أو الذقن أو عظم الصدر.
و- نظر -تختلف طرقها تبعا لتصحيحات الإرتفاع والإتجاه.
ز- إطلاق، إفلات -وهو آخر الأطوار وأهمها ويتطلب من الرامى تركيزا تاما أو "تفريغ القلب وتخليته" وله ثلاث قواعد اطلاق: مُخَتَلسْ -وفيه يسحب الرامى سريعا ويترك فى الحال. ساكن -وفيه يسحب ببطئ ويطلق بهدوء. مفروك -ينهمك الرامى فى سحب جزئى واطلاق فى الحال. ويميزه الباحثون بخمسة أركان:
القوس، الوتر، السهم، خاتم الإبهام، الرامى، ويقسمون أطوار الإطلاق السابقة إلى أصول وفرق ولكل رام طريقته.
أبو هاشم: ٤ أصول -قبضة، عقد، مد، إطلاق.
طاهر: يضاف للأصول الأربعة السابقة أصل يسمى اعتماد فيه تقبض اليد اليمنى على مقبض القوس واليسرى تحكم إغلاق الوتر لتبذل اليدان نفس القوة.
اسحاق: انتساب، إطار، تفويق، قفلة، قبضة، مد، إفلات، فتحة، فرع
стр. 8289
والاطلاق من تحت الدرع (الرمى تحت الترس).
أبو موسى الكراز: ٤ أصول: عقد، قبض، نظر، إفلات و ٦ فرق: إطار، تفويق ثم اطلاق من أسفل الدرع ومن مستوى الصدر مع خبرة بالأسلحة وتغيير الخطط تبعا لمجريات المعركة بالإضافة إلى سلوكيين أخلاقيين هما "قصلة" وفيها لا يُرمى أى شخص أو شئ ضد مشيئة اللَّه، ثم "الصبر".
- محمد الهراوى -٧ أصول: إطار، تفويق، قفلة، قبضة، مد، نظر، إفلات تنقسم هذه الأساليب إلى ثلاثة أنواع رئيسية تبعا لأئمة الرماية.
هاشم (طويل)
- طاهر (قصير ممتلئ الجسم)
- اسحاق (متوسط الارتفاع)
٨ - التدريب والاستخدام التكتيكى
كل ما تقدم يخص اعتبارات الاطلاق من مستوى أفقى. وللمماليك شكلين من أشكال الاطلاق فى مستوى رأسى أحدهما إلى أعلى (رمى القبق) والثانى إلى أسفل (قفاج) بما يحقق أقصى قيمة ممكنة. رمى القبق -التنشين على قرعة فوق تَبّة ارتفاعها ٢٥ قدما وسط الميدان ويطلق الرامى الممتطى السهم على القرعة حين يمر حصانه المسرع بالتبة وقليل ما هو معروف عن أصول هذا التدريب ولكنه كان مألوفا وبلغ أوَجَهُ فى عهد السلطان بيبرس الأول قلاوون والأشرف خليل ٦٩٤ هـ/ ١٢٩٥ م وعند بعض الباحثين يدل المصطلح على اطلاق الرامى بموازاة فخذه الأيسر على هدف أرضى وعند البعض الآخر تدل على القذف خلفا لمجموعة من الفرسان بكامل سرعتهم وفى بلدة مفتوحة حيث الهدف شق طريق من مسافة، يوكل أمر العدو للصف الأمامى الذى يتكون من رجال قوس النشاب وفى الصف الثانى يأتى رجال المشاة مُحتمين خلف دروع مسلحين برماح وسيوف للقطع والطعن مباشرة وفى الصف الثالث توضع كتائب سلاح الفرسان للقذف فى اللحظات الحاسمة، وقد تباهى بذلك الترك والمغول وهم مسلحون بأقواس قصيرة مركبة ذات قوة كبيرة ليغرق العدو فى سيل من السهام.
стр. 8290
وينحدر تكتيك الطريقة المنجلية للرمى على الأكتاف عن بدو وسط آسيا وأطلق عليه طلقة غادرة وهو مرادف للتكتيك المنجلى. ويتجنب الرامى فيه الالتحام اللصيق بعمل سلسلة من الهجوم لإفساد خطط العدو.
وهناك طريقة أكثر مِنْجلية حين يقذف رجال سلاح الفرسان -وهم يَعْدون من السهل البدوى- السهام خلفهم، وقد وردت فى الروايات الحربية للترك المغولين وواضحة فى منمنمات القرن التاسع عشر الميلادى الشهيرة، قبل أن تَحْرِمَ أسلحة النار القوس من سلطانه حين ظهر تدريب قوزاق القرن التاسع عشر بالمسدسات من فوق ظهور الخيل.
د. محمد أحمد سليمان (التحرير)
قوصرة
قوصرة (بفتح القاف وتسكين الواو) ويقال لها قوسرة (بضم القاف المشعبة وكسر السين بدلا من الصاد) جزيرة إيطالية تعرف الآن باسم Pontelleria وتبعد عن صقلية بأربعة وستين ميلا وعن تونس بخمسة وخمسين ميلا، ومساحتها ثلاثة وثمانون كيلو مترا مربعا، ويبلغ ارتفاع جبالها ألفى قدم، وتربتها بركانية ويقدر عدد سكانها بعشرة آلاف نسمة، ويقول ياقوت فى معجمه إن الأصل فى اسمها عربى ومعناه "سلة التمر"، ولكن الواقع أنه يونانى الأصل ومحرف عن كلمة Cossyra ثم عربت فى المراجع العربية فصارت قيصرة.
ولما لم تكن الجزيرة ذات أهمية حربية أو اقتصادية كبرى فقل أن نجد كثيرا من التفصيلات عنها فى المراجع التاريخية، وقد خلت المراجع العربية من ذكرها إلا من بضع إشارات عابرة قليلة ولما غزا عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح أفريقية عام ٢٧ هـ (٦٤٧ - ٦٤٨ م) تجمع سكان جزيرة شريق Cape bon) فى كليبية ولجأوا مؤقتا إلى قوصرة، وحدث بعد نصف قرن من ذلك التاريخ (أعنى حوالى ٨١ هـ/ ٧٠٠ م) أن غزا الجزيرة عبد الملك بن قطن وعاث فيها نهبا وتدميرا، ثم قامت قوصرة فى
стр. 8291
أيدى البيزنطيين حتى عام ٢٢١ هـ (٨٣٦ م) يستعملونها قاعدة يشنون منها هجماتهم على الأغالبة الذين لا يعرف على وجه الدقة متى كان ضمهم الجزيرة، وإن كان الأرجح أن ذلك تم سنة ٣٥٠ هـ (٨٦٤ م) حيث أصبحت الجزيرة بعد هذا التاريخ عربية إسلامية تماما وصارت قسما من أفريقية حتى زمن الموحدين.
ولقد كان لابد لها من أن تسهم فى القتال الدائر بين نرمنديى صقلية وبين الأيريين، وحدث فى ذى القعدة سنة ٤١٦ هـ (يناير ١٠٢٦ م). أن تحطم فى مياه قوصرة الأسطول الذى كان المعز ابن باديس (٤٠٧ - ٥٥٤ هـ/ ١٠١٦ - ١٠٦٢ م) قد جهزه لمساعدة مسلمى صقلية، وكان هذا الأسطول مؤلفا من أربعمائة سفينة، كما تجمعت بالجزيرة ذاتها أساطيل بيزا وجنوة استعدادًا لمهاجمة أفريقية، فبعث مسلمو الجزيرة برسائل على جناح الحمام الزاجل إلى تميم يعرفونه بمدى الخطر الذى يهدده.
وحدث فى سنة ٥١٧ هـ (١١٢٣ م) أن عرج الأسطول النرمندى وهو فى
طريقه إلى العهدية - على قوصرة فخربها وأعمل القتل فى أهلها ثم انتهى الأمر أخيرا سنة ٥٤٣ هـ (١١٤٨ م) بأن احتلها الصقلى الذى كان بقيادة جورج الأنطاكى وهو فى طريقه لأخذ العاصمة الزيرية على أن المسلمين استردوا الجزيرة وكان استردادهم إياها على يد الموحدين الذين حرروا أفريقية من الوجود المسيحى ووحدوا المغرب ولكن ذلك لم يدم طويلا فقد نص الاتفاق المبرم يوم ١٥ جمادى الآخرة سنة ٦١٨ هـ (٥ أغسطس ١٢٢١ م) مع الأمبراطور فردريك الثانى أن يسلم والى تونس وكان من قبل الموحدين الجزيرة إلى صقلية على شرط أن يتمتع مسلمو قوصرة باستقلالهم الذاتى فى معاملاتهم الإدارية والدينية، وأن ترسل الجزيرة نصف جبايتها المفروضة عليها إلى أفريقية، وأصبحت قوصرة منذ ذلك التاريخ تلقى ما تلقاه صقلية فنراها تابعة لتاج اراجون فترة من الوقت, والأرجح أن الكتلان أطلقوا عليها يومئذ القاسم بأنتيليريا Pantelleria لكن ذلك لم يمنع ولاة تونس من تبنى فكرة
стр. 8292
استردادها، وعقدت فى عام ١٤٠٣ م إتفاقية غريبة تحدد الطرق التى تجعل لحاكم أراجون حق امتلاك جربة لقاء أن يسترد والى تونس جزيرة قوصرة. إلا أن ذلك الاتفاق لم يوضع قط موضع التنفيذ.
لقد ظل أهل قوصرة على إسلامهم أمدا طويلا إذ يقرر ياقوت المتوفى سنة ٦٢٦ هـ (١٢٢٨ م) أنه كان من بين سكانها فى القرن الثالث عشر الميلادى جماعة من الإباضية الوهبيين (وربما كانوا أصلا من جربة) قد كيفوا أسلوب حياتهم الخشنة على نمط يوائم ما كانوا فيه من عزلة مفروضة على الجزيرة وتناسب موارد عيشتهم الطفيفة، وقد بذل حكام الجزيرة الجدد كل ما يستطيعون بذله للحفاظ على حياتهم ولذلك نجد ألفونسو صاحب أرغونة يشكو لسلطان تونس فى سنة ١٤٣٨ م أن نفرا من المواطنين الحفصيين كانوا يشجعون هؤلاء الأهالى على الهجرة من الجزيرة، وطالب الملك على لسان رسوله بعودة هؤلاء المهاجرين إليها بل وإسكان أفريقيين جدد فى الجزيرة.
وليس من المعروف تاريخ انتشار المسيحية فى قوصرة فقد ورد فى تاريخ مسلمى صقلية لامارى أن فاريلو فضل اللَّه؟ ) Fagello يخبرنا أنه فى مستهل القرن السادس عشر الميلادى كانت ملابس المسلمين والنصارى واحدة لا فرق بين الواحد منهم والآخر فيها وكانوا يتكلمون لسانا واحدا، كما أن "يونيه" التاجر البروفسالى الذى وقع فى الأسر بتونس وحاول الهرب يقرر أن هذه اللهجة (اللغة) كانت فى سنة ١٩٧٠ هى السنة التى سعى فيها للنجاة هى نفس اللغة التى يتكلمها الناس فى مالطة، ومن ثم فلابد أنها كانت إحدى اللهجات العربية التى دخل عليها الكثير من التحوير.
أما موارد الجزيرة فقد اتسمت بالقلة على الدوام وإن كانت غاباتها تنتج خشبا ذا نوعية رائعة، ويقال إنه يكثر بها صيد الماعز الوحشى.
كذلك يقرر بونيه أن تجارة الجزيرة فى منتصف القرن السابع عشر الميلادى كانت تعتمد كليا على الخمور
стр. 8293
والفحم والخشب الذى يصدره الأهالى إلى صقلية ومالطة.
نجلاء فتحى [م. طالبى M. Talbi]
القومية
مصطلح مشتق من قَوْم وهو لفظ ذو أصل قبلى ويعنى مجموعة من الناس ينحدرون من أصل مشترك، أو من قبيلة تنحدر من جد واحد. أما فى هذا القرن العشرين فهى تعنى حركة القومية التى سرت بين عرب الولايات العثمانية فى الهلال الخصيب التى غزاها الحلفاء فى الحرب العظمى. وقد انتقل المصطلح منذ الحرب العالمية الثانية إلى أجزاء أخرى من البلاد التى تتحدث العربية وقد حاول المثقفون العرب منذ الحرب الأخيرة صياغة أسس نظرية وفلسفية ومقدمات تاريخية وأيديولوجية لهذه القومية. وكان أكثرهم نشاطا السوريون واللبنانيون والعراقيون من سياسيين ومعلمين وصحفيين وكتاب. ومن أبرز هؤلاء حزب "البعث" الذى تأسس عام ١٩٤٣ م وفى سنة ١٩٥٥ م حمل جمال عبد الناصر (من مصر) لواءها ونادى بها فى الشرق الأوسط العربى، والقائلون بالقومية العربية ينادون بوجود "أمة عربية" وهى وإن كانت دولا متفرقة إلا أنه يجب أن تكون متحدة فى كيان سياسى عضوى واحد -وإن ما يربط أعضاء الأمة العربية هو العقيدة المشتركة- أى الإسلام، ولغة مشتركة هى العربية وثقافة إسلامية واحدة وتاريخ مشترك أما عن الأسس الاقتصادية والعملية الأخرى فلم تحظ بصياغة ما، ولم يتقدم أحد باقتراح ما بشأنها- وأصبحت المشاعر الدينية والهوية المشتركة هى الملهم للوحدة، السياسية أى أنها كانت الأساس لقيام حركة القومية العربية أو النزعة العربية، أو الجامعة العربية وكلها مظاهر أو تفرعات للقومية فى هذا القرن وفى المذكرة المتعلقة بالحركة العربية التى رفعت إلى وزير الخارجية البريطانى انتونى ايدن. والمؤرخة ٢٧ مايو ١٩٣٦ م يقرر القنصل البريطانى فى دمشق أنه "لا شك فى وجود حركة عربية ولكن هناك شك كبير فى قدرتها. وحتى فى عام ١٩٣٦ م كانت أهداف
стр. 8294
هذه الحركة تتمثل فى خلق دولة واحدة تضم الدول العربية بأكملها. ولكن دعاة هذه الفكرة كانوا يعنون بها العراق ولبنان وسوريا، وهى جميعا تعد دولا جديدة، تحت الانتداب الإنجليزى أو الفرنسى -وتلك أيضا كانت فترة اهتم فيها دعاة القومية العربية بتحديد معنى الأمة العربية جغرافيا وأيديولوجيا. أما عن مصر فكانت فى ذلك الحين خارج دائرة اهتمامات القومية العربية لإنهاكها فى مشكلة علاقاتها ببريطانيا- ثم طرأ عامل خارجى جديد هو مشكلة فلسطين، ومع ذلك فإننا نجد اليوم -وبعد مرور أربعين عاما- أن آمال الوحدة العربية لم تتحقق فبدلا من أن تكون دولة عربية موحدة إذا بنا نرى عدة دول عربية.
ولعل القومية العربية كانت حركة تعويضية لدى العرب وذلك على مستويين: أولا بوصفها حركة رد فعل ضد الهيمنة العثمانية التى طال أمدها ولم يكن من الممكن أن تبزغ فى ظلها مسألة الهوية القومية. ثانيا بوصفها رد فعل ضد الأوضاع الجغرافية والسياسية التى أملتها القوى الأوربية على آخر الامبراطوريات الإسلامية بعد تفككها فى عام ١٩٢٠ م (المقصود الدولة العثمانية)، فالقومية قد زودت العرب بعامل دَفْع يدفعهم إلى التكامل ضد تفتت الواقع السياسى. ونظرا لأن المجتمعات العربية لم تمر بتجربة إضفاء الطابع العلمانى على الهوية السياسية وعلى الحياة والمفاهيم على نحو ما حدث لأوربا فى بداية العصور الوسطى، فإن مفهوم "الأمة - الدولة" وحركة القومية عند العرب ظلت امتدادا وترجمة لثقافة سياسية هى فى جوهرها ذات أساس دينى - فقد ظل أبناء هذه القومية على وعى دائم بهويتهم الإسلامية. وكانت القومية العربية محاولة لبث الوعى بالهوية العربية وزاد عدد الدول العربية المستقلة ذات السيادة فى الفترة الأخيرة، مما خلق اتجاها قويا وبالتالى اتجهت الايديولوجية القومية نحو نوع من ترشيد العواطف الإسلامية، وأصبحت بذلك بمثابة عاطفة تعمل على جمع الشمل فى مواجهة التهديدات
стр. 8295
الأجنبية أو ضد الأعداء. ولقد بزغ من الشروط الأولية لقيام القومية شرط أساسى إبان القرن التاسع عشر الميلادى وهو الوعى التاريخى أو الإقرار بوجود خصوصية للعرب من ناحية ووجود فوارق بينهم وبين الآخرين (أى غير العرب) من ناحية أخرى -حدث ذلك مع التغلغل الأوربى السريع والقوى فى الشرق بصوره المختلفة من عسكرية واقتصادية وسياسية، كما حدث نتيجة لتأثير الأفكار السياسية والمؤسسات التى صاحبت هذا التغلغل. ونتيجة لهذه اليقظة أو النهضة بزغت أفكار تدعو إلى إحياء اللغة العربية كما تدعو إلى الإصلاح الدينى وذلك فى مواجهة الحداثة الأوربية -وكانت هذه النهضة- بمختلف صورها زادًا لقيام معارضة إسلامية أولا ثم عربية فيما بعد -ضد الحكم الأجنبى وكان ذلك بدوره تمهيدا للمطالبة بحق تقرير المصير- كذلك كان الإصلاح الحديث داخل الدولة العثمانية ذاتها، والذى أدى إلى تبنى الطبقات الحاكمة التركية لاتجاهات القومية، مبتعدين بذلك ابتعادا تاما عن مفهوم "الأمة" إلى هذا الإصلاح ذاته- أدى إلى قيام حركات انفصالية فى العالم العربى بلغت أوجها فيما حدث من ثورة الحجاز العربية بتشجيع من بريطانيا ضد الخليفة العثمانى فى الحرب العالمية الأولى والأهم من ذلك ما طرأ من تطور على حكومات لدول ذات طابع حديث نسبيا وذلك فى العديد من الولايات العربية مما شكل أساسا يسمح بقيام استقلال قومى محلى. كما أن نشأة الصفوة الوطنية واهتمامها بتطوير الأنظمة الحكومية وتشريعاتها ونظم التعليم والاقتصاد والسير بها فى اتجاه علمانى: كل ذلك أعطى دفعة قوية لهذا الاتجاه القومى -وأيًّا ما كان الأمر فإن التجربة لم تكن فى عديد من الدول العربية متماثلة بل أدت إلى وجود تفاوت وفروق فيما بينها مما زاد من صعوبة تحقيق آمال وحدة القومية العربية.
إن القومية العربية تفترض ضمنا وجود أمة عربية، وتفترض تضامنها وخصوصيتها ووحدتها غير أن كل هذه الافتراضات الضمنية تقوم على أساس دينى فى جوهرها، هو الإسلام واللغة
стр. 8296
العربية بوصفها لغة القرآن الكريم، والشريعة بوصفها القانون المقدس الذى نزل به الوحى والتاريخ بانتصاراته المجيدة وامبراطوريته. وهى تغض الطرف عن التنوع العرقى وتنوع الأجناس التى تضمها الجامعة الإسلامية. ومن هنا ظل هناك تعارض قائم بين القومية الحديثة بطابعها الإقليمى والجامعة الإسلامية، ومن هنا اتجهت جهود الداعين للقومية إلى إيجاد توافق بين الفروق المختلفة والبحث عن تكامل بين العروبة (قلب القومية) والدين. وكل ما يمكن تحقيقه هو ترجمة التضامن الإسلامى المتمثل فى "الإسلام" إلى وحدة الأمة العربية ولكن لكى يتحقق ذلك ينبغى أولا إسناد دور للعرب فى مقابل غير العرب داخل الإسلام. وقد كان هذا هو الشغل الشاغل لعبد الرحمن الكواكبى (توفى ١٩٠٢ م) والشيخ محمد رشيد رضا (توفى ١٩٣٢ م) فى أوائل هذا القرن، ثم جاء بعدهما عبد الرحمن البزاز (توفى ١٩٧١ م) وقد حاولوا جميعا التدليل على أنه لا تناقض بين الإسلام والقومية العربية. فمن الناحية النظرية لا تشكل العلاقة بين الدين والدولة أية مشكلة فى الإسلام -فلقد سبق للإسلام أن أسس دولة وبنى إمبراطورية. فليس غريبا إذن أن يكون ثمة مزج حديث بين الإسلام والعروبة.
والقومية بحكم تعريفها مفهوم علمانى أو فكرة علمانية، يقف وراءها -على الأقل فى أوربا- تفكير فلسفى ونزعة علمانية، وسلطة ممنوحة للدولة بدءا من العصور الوسطى ومرورًا بعصور النهضة والإصلاح الدينى والتنوير أما القومية العربية فإن أسسها إسلامية لأنه لا توجد أسس فلسفية أو فكرية تقوم عليها العلمانية العربية مماثلة لتلك التى تملكها العلمانية الأوربية -على أن الحرب العالمية الثانية ونتائجها هى التى عجلت بظهور حركة القومية العربية وكثرة المؤيدين لها. وكانت النتيجة تكوين الجامعة العربية فى عام (١٩٤٦/ ١٩٤٧ م) وهى منظمة تضم الدول العربية المستقلة وعلى حين أن الباعث على نشأة "القومية العربية" إبان الحرب العالمية الأولى مصدره
стр. 8297
الأسر الحاكمة ولا شأن له بالايديولوجيين فسوف نجد أنها قد تحولت فى أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها إلى قوة أيديولوجية وعلمانية -وقد أصبح الكاتب الأول فى هذا الموضوع هو ساطع الحصرى الذى قدم مفهوما للقومية العربية ذا نزعة رومانسية ومثالية، وذلك فى محاولة منه لإخراج الدين من الفكرة القومية واستعار من روسو وهيجل وماتزينى مفهوما روحيا للأمة مفاده شخصية الدولة بوصفها ضرورة تاريخية، والقومية بوصفها مبدأ عاما وسابقًا عليها فى الوجود. لقد استعار ساطع الحصرى مفهوما أوربيا وأجنبيا للأمة، وجعل من القومية بمشاعر الرومانسية تجسيدا لقداسة الشخصية القومية، وأصبح الإسلام عنده "ثقافة قومية" للعرب وليس مجرد دين لهم. وكتب آخرون عن القومية العربية بنفس الروح الرومانسية. فالعلايلى أكد الوعى الكامن عند العرب بوجودهم الاجتماعى" والبزاز يرى أنه لا تناقض بين "القومية الحقة والدين الحق" وعبد اللطيف شرارة يصف القومية العربية بأنها عاطفة -فالأمة واقع بشرى وليس واقعا جغرافيا. وهى أوسع مفهوما من الدولة أو الشعب أو الوطن، ولذلك كان الشعور بالعروبة يتجاوز الحدود الجغرافية ويعلو عليها لاسيما وأن الإنسان ليس مجرد بدن بل هو "عقل وروح". ويعلن ميشيل عفلق -وهو مسيحى، وأحد المشاركين فى تأسيس حزب البعث- أن القومية العربية هى "الحب الذى يفوق كل شئ آخر" لذلك فإن الأمة العربية تشكل كيانا سياسيا واقتصاديا وثقافيا بصرف النظر عن التقسيمات القائمة -وبعد عام ١٩٤٨ م أدى الصراع العربى الإسرائيلى بالقومية العربية إلى مزيد من التعمق، كما أنه فى نفس الوقت أدى إلى وقوع انقسام فى القومية العربية. وبحلول عام ١٩٤٩ م تمت الإطاحة بأنظمة الحكم العربية القديمة، وظهور حركات جماهيرية ترفع شعارات أيديولوجية مثل حركتى البعث والناصرية وهى تنادى بحتمية
стр. 8298
"الوحدة" أى وحدة العرب، وحدثت أحداث مشابهة فى كل من العراق والسودان عام ١٩٥٨ م، وفى اليمن عام ١٩٦٢ م وجنوب اليمن فى عام ١٩٦٧ م وفى ليبيا فى عام ١٩٦٩ م -فدخل بذلك مناصرون جدد إلى حقل القومية العربية وغدت هذه القومية مناهضا بارزا للغرب وخططه ولم يفلح عبد الناصر فى تحقيق وحدة الأمة العربية خلال الدعاية أو الثورة أو القوة، كذلك لم يفلح حزب البعث فى تحقيق الوحدة أو تحقيق الاشتراكية داخل سوريا، العراق، الأردن.
غير أن اختفاء عبد الناصر من المسرح السياسى العربى، بالإضافة إلى تسلسل الأحداث التى أدت إلى نشوب حرب أكتوبر فى عام ١٩٧٣ م ضد اسرائيل وظهور دول عربية ثرية نتيجة للبترول، كل ذلك أتاح فرصة جديدة للقومية العربية لكى تنطلق من جديد ولكن مع التأكيد على أسس أخرى تقوم عليها هى المصالح المتبادلة بين الدول العربية، فكانت هذه أهم ملامح القومية العربية فى صيغتها الجديدة. وبفضل الثروة أو "المال" أصبح المزج الجديد بين العروبة والدين ذا فاعلية أكبر، وأصبح حجر الأساس فى تضامن الأمة العربية مع القومية العربية.
المصادر:
(١) ميشيل عفلق: "فى سبيل البعث".
(٢) العلايلى: "دستور العرب القومى".
(٣) البزاز: "الإسلام والقومية العربية" ١٩٥٢ م.
(٤) الحصوى: "آراء وأحاديث فى القومية العربية" ١٩٥١ م.
(٥) سعيد: "الثورة العربية الكبرى"، ١٩٣٤ م.
(٦) صانع: "الفكرة العربية فى مصر" ١٩٥٩ م.
(٧) شرارة: "فى القومية العربية" ١٩٥٧ م.
سعيد عبد المحسن [ب ج فاتيكيوتس P. J. Vatikiotis]
стр. 8299
قونية
تعرف فى التاريخ القديم باسم أيكونيم Iconium، مدينة مهمة تقع على حافة هضبة الأناضول، على خط قطرى يصل بين الدردنيل وممرات طوروس المؤدية إلى سوريا.
١ - التاريخ:
كانت المدينة قاعدة بيزنطية أثناء قرون التوسع الإسلامى، ولعل تجنب مهاجمتها هو ما جعلها لا تحتل قدرا كبيرا من التاريخ العسكرى. وقد تكون قونية قد تعرضت كغيرها من المدن لغزو فارسى فى فترة سابقة، ومن الصعب فى غيبة أبحاث أثرية وصف تاريخها بدقة، ولكن إعادة استخدام مخلفات من العصر السلجوقى يبين أن أغلب بنايات المدينة قد تهدمت وأنه قد أعيد بناؤها جزئيا. ولكنها تظهر مرة أخرى فى فترة التوسع التركى فى القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى وعبور القوات الصليبية خلالها عام ١٠٩٧ م. ويبدو أنهم لم يجدوا فيها تحصينات تفيدهم، فاكتفوا بالاستفادة بما حولها من حدائق.
ويمثل عصر سلاجقة الروم أقصى ازدهار للمدينة. فموقعها الغزير المياه بالنسبة للصحراء المجاورة كان يتحكم فى الطريق الجنوبى فى الوقت الذى حرمهم السلاجقة الدانيشمانديين Danishmendids من الطريق الشمالى المؤدى للدردنيل، وبالتأكيد وجدت المدينة قبولا عند السادة الجدد كقاعدة سياسية وعسكرية وكمكان تمركز لشعبهم الذى كانت تغلب عليه البداوة. وقد اتخذت عاصمة فى عهد مسعود (٥١٢ - ٥٥٠ هـ/ ١١١٨ - ١١٥٥ م)، كما كانت لا تزال مدينة ذات شأن حين عبرها فردريك برباروسا عام ١١٩٠ م على رأس جيش من الجنود الألمان. وقد كانت المدينة تزداد رفاهية مع خطوات توحيد آسيا الصغرى على يد سلاجقة الروم فانتشرت بها المدارس والمساجد والخانقاوات، كما انتعشت الأسواق وأعيد بناء الأسوار. وانعكس تزايت قوة السلاطين فى القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى على المدينة. ويبدو أن التمايز الاجتماعى تمثل فى أهمية وارتفاع الدور وليس فى أحياء متميزة للطوائف المختلفة، ووجد فى قونية
стр. 8300
اليونانيون والأرمن وبعض اليهود، ولا توجد إلا إشارات قليلة فى الوثائق للترك وهو مصطلح اقتصر استخدامه فى ذلك الوقت للدلالة على تركمان السهول وإلا فإن السلاجقة أنفسهم أتراك بالمعنى الشامل للكلمة. ولكن الوثائق تشير إلى المسلمين وهو ما يضم الترك.
وتجدر الإشارة بالذات لثلاث طوائف اجتماعية: الإدجش والأخيس والصوفيين أو الدراويش. أما الطائفة الأولى فهى من المخلطين من أمهات تركيات وآباء من أهل البلاد الأصليين (البيزنطيين) تحولوا للإسلام وكانوا ينخرطون فى الجندية. أما الطائفة الثانية فهم يمثلون الفتوة التركية، وسيلعبون دورا مهما فى فترة المغول ومن جاء بعدهم. أما الصوفية أو الدراويش فكانوا ينتمون إلى عدة طوائف، ولكن الطريقة المولوية المنسوبة لجلال الدين الرومى أخذت فى الانتشار فى منتصف القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى، وإن كانت لم تصبح طريقة منظمة إلا فى القرن الثامن الهجرى.
وقد حوت قونية بالطبع حامية عسكرية، كانت تضم أسارى من البيزنطيين. وكان السلاطين يقطنون قصورا فى المدينة وما حولها، كما قويت الأسوار فى زمن علاء الدين كيقباد. وتحكى المصادر عن وفرة المدارس والمستشفيات والخانقاوات والخانات وما وصلت إليه المدينة من تطور فى عهد السلاجقة.
وكان لوضع الحماية المغولية على الأناضول السلجوقى فى منتصف القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى أثر سلبى على وضع المدينة، ولكن بصورة بطيئة وجزئية. وتمثل النزاع بين الأخوين عز الدين كيقاءوس وركن الدين قلج أرسلان فى صراع بين المناصرين للمغول ومقرهم شرق آسيا الصغرى وراء كيسرى وبين المقاومين لهم والذين اتخذوا من قونية مقرا لهم واعتمدوا أساسا على التركمان من المناطق الجنوبية والغربية. وكان لانهيار السلطة المركزية أثر فى انتقال الأهمية لإمارات التركمان الحدودية على حساب قونية على وجه الخصوص. وأول إرهاصة لهذا الاتجاه